← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 18645

تنبيه الرجل العاقل على تمويه الجدل الباطل

ابن تيمية

Полный текст (694 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وهذا استدلالٌ على كون المخبَرِ عنه متحقِّقًا، والمخبَرُ عنه أن الاقتداء بهم اهتداء، فيكون تركيبُ الدليلِ: الإخبارُ بكون الاقتداءِ بهم اهتداء متحقِّق؛ لأنه لو لم يكن متحقِّقًا لكان الاقتداءُ بهم ضلالًا، لا اهتداءً. وهذا استدلالٌ على الشيء بنفي نقيْضِه بغير دليل؛ لأنه يلزم من كون الاقتداء اهتداءً أن لا يكون ضلالًا، ويلزم من عدم كونِه ضلالاً أن يكون اهتداء، فليس الاستدلالُ على أحدهما بالآخر بأولى من العكس. الرابع: يقال: ولم قلتَ: إنَّ الاقتداءَ بهم لا يكون ضلالًا؟ فإن قال: للحديثِ المذكور. فيقال له: الحديثُ المذكور دليلٌ على أن الاقتداء اهتداء من غير توسيط (١) هذا التلازم، فأيُّ فائدةٍ في إثبات الشيءِ بنفي لازمٍ لا يمكن نفيه إلا بعدَ إثبات ذلك الشيء الملزوم، فإن هذه المصادرةُ، وهي غير جائزة. الخامس: لا نسلِّم أنه إذا لم يكن الاقتداءُ اهتداءً يكون ضلالًا، فإنه بين الاهتداء والضلال مرتبةٌ ثالثةٌ، وهي عدم الاعتقاد بالكلِّية، فإنَّ المُهتدي من اعتقد الحقَّ، والضالُّ (٢) من اعتقد الباطل، وأمَّا من لم يتكلَّم في الحادثة، ولم يعتقد فيها شيئًا [ق ٣٠٧] فليس بمهتدٍ فيها ولا ضالٍّ. واعلم أن هذا الحديث قد يُحتجُّ به على أنَّ قولَ الصحابيِّ حجة؛ لأنَّ الاقتداء به اهتداء، كما ذكره النبي ﷺ ، وقد يُحتجُّ به على جواز تقليدِ كلِّ واحدٍ منهم وإن اختلفوا؛ لعموم الحديث، وربَّما احتجَّ به من قال: كلُّ مجتهدٍ مُصيب. وللناس عليه أَسْوِلة:

стр. 632

أحدها: القدحُ في إسناده (١). الثاني: أن المراد به الاقتداء بهم في الرواية، لا في الرأي، يعني: تصديقَ كلٍّ منهم فيما أخبرَ به عن النبيِّ ﷺ ؛ لأن الاقتداءَ بكلٍّ منهم لا يكون اهتداء في كلِّ حالٍ إلا فيما أخبروا به عن النبي ﷺ ، وهذا تأويلُ المزني. والثالث: أن الخطابَ للعامة دونَ أهلِ الاجتهاد. وهو بعيد، إذ ليس في الحديث تخصيص. الرابع: أن المراد الاقتداء بكلٍّ منهم في جملةِ أُموره، فإنهم متفقون في أكثر الأقوال والأفعال، والخلافُ مغمور بالنسبةِ إلى الوفاق، فمن اقتدى بكلٍّ منهم في جميع أمورِه كان مهتديًا على صراطٍ مستقيم، غايةُ ما فيه أنه ربما يخطئ في قليلٍ من مسائل الفروع، وللمخطئ فيها أجر، وخطؤه مغفورٌ له، وذلك لا يُخرجه عن أن يكون مهتديًا، فإنَّ كلَّ واحدٍ من الصحابة مهتدٍ وإن كان قد أخطأ في قليلٍ من المسائل، فإن الخطأ القليلَ المغفور الذي يُثابُ معه الإنسان على اجتهادٍ لا يمنعه أن يكون مهتديًا. وهذا ــ والله أعلم ــ وجهُ الحديث، ولهذا شَبَّههم بالنجوم التي في السماء، فإنها كلَّها أدلة وأعلام على الطريق لمن يقصد مكةَ أو غيرها من البلاد، فبأيِّ نجمٍ اهتدى السَّاري دلَّه على بُغْيَتِه ومقصده، وكذلك أصحابُ رسولِ الله ﷺ بأيِّهم اقتدى المقتدي أوْصَلَه إلى صراطٍ مستقيم، ودلَّه على الله ودعاه إلى الحقِّ. واعلم أنه لا يمكن الاستدلال بهذا الحديث على أن قول الصحابيِّ

стр. 633

حُجَّة مُلْزِمة، بأن يقال: اتِّباعُه في قوله اقتداء به؛ لأن الاقتداء جَعْلُه قدوةً وإمامًا، ومن اتَّبعه في قولِهِ فقد جعل قدوةً وإمامًا، والاقتداءُ به اهتداءٌ بنصِّ الحديث، فيكون موافقته في قوله اهتداء، والاهتداءُ واجبُ الاتِّباع بالاتفاق؛ ولأنه لو لم يجب القول بهذا الاهتداء؛ لكان إما [أن] تُعَطَّل الحادثة عن قولٍ، وهو غير جائز لمسيسِ الحاجة إلى الفتوى والحكم، أو يقال فيها (١) بخلاف الاهتداء، وخلافُ الاهتداء ضلالٌ، والضلالُ حرام؛ ولأنَّ من لا يجعل قولَهم حُجةً يُجَوِّز أن يخالفوا (٢)، وإنما تجوزُ مخالفتهم لمن يعتقد أن الصوابَ في قولِ غيرِ الصحابيِّ، فيكونُ قولُ الصحابيِّ خطأً، والخطأ لا يكون هدًى؛ ولأن قولَه الاقتداءُ به الاهتداء، والاهتداءُ: إصابةُ الحقِّ، من قولك: هديتُه أهدي هدًى، إذا دللتَه على الحقِّ وبيَّنْتَه له، وأرشدْتَه إليه، فالمَهْدِيُّ هو المَدْلول على [ق ٣٠٨] الحق المُرْشَد إليه المُبَيَّنُ له، فإذا قَبِل تلك الدلالة فهو مَهْدِيّ (٣)، فَعُلِمَ أن الاهتداءَ نفسُ إصابة الحق، فعُلِم أنَّ قولَه صوابٌ، ولا نعني بكونه حُجَّةً إلا هذا. فإن قيل: هذا منقوضٌ بما إذا اختلفوا، أو خالف الواحد منهم نصًّا. قلنا: الحديث إنما يدلُّ على الاقتداء بهم حال عدم التعارض؛ لأنَّه شبَّههم بالنجوم، والنجمُ إذا دلَّ على جهةِ القصد عُمِل بدلالته إلا أن تُعارضه دلالةُ نجمٍ آخر، وتَرْكُ الدليل لمعارضٍ لا يمنع كونه دليلًا، كأخبار الآحاد والأَقْيِسَة والعمومات وأسماء الحقائق والأمر والنهي.

стр. 634

وما هذا إلا بمثابة رَكْبٍ معهم هادٍ خِرِّيْت يُعَرِّفهم الطريق، فإنهم يتَّبعونه إلا أن يخالفه هادٍ آخرُ خِرِّيت من جنسه، فيحتاجون (١) حنيئذٍ إلى ترجيح لقول أحدهما على الآخر، فإنَّ هدايتَهم إلى طريقِ الحقِّ كهداية الأَدلَّاءِ على طُرُق الدنيا. فمقصود الحديث أنَّ كُلًّا منهم هادٍ بطريقِ الحقِّ بصيرٌ به، فمن اقتدى به اهتدى، وليس من شرط الهادي (٢) الخِرِّيت أن لا يُخطئ قط، فإنَّ لكلِّ عالمٍ عثرة وزلَّة، ولكن ذلك لا يمنع الاقتداء به في غير ذلك، فإذا لم يعارِضْه معارِضٌ من جنسه سَلِمَتْ دلالتُه عن المعارضة، فوجبَ اتِّباعُها، ولو كان وجود قولِه كعدمِه في وجوبِ اتِّباعه وكونه دليلًا على الحكم لم يكن مجردُ الاقتداءِ به اهتداءً. وحَمْلُ ذلك على الرواية فاسد؛ لأنه لا فَرْقَ بين الصحابة وبين غيرهم من العدول في قبول الخبر؛ ولأن الاقتداء بالشخص اتخاذُه إمامًا وقدوةً، وليس ذلك فيما يرويه عن غيرِه، وإلا لكان أكابرُ الصحابةِ مقتدين بأصاغرهم إذا قبلوا أخبارَهم، ولَكَان الحُكَّام مقتدين بالشُّهود إذا قبلوا شهادَاتهم؛ ولأنه شَبَّهها بالنجوم، والنجومُ أدلةٌ هادية، وليست دلالتها من جهة الرواية، فعُلِم أنَّ الصحابة أدلة هادون يُسْتَدلُّ بهم كما يُسْتَدلُّ بالنجم؛ ولأنَّ الاقتداءَ أعمُّ من قبول الرواية، وهو نكرة في سياق الشرط؛ لأن الفعل نكرة؛ فيعم أنواعَ الاقتداء، تقديرُه: بأيِّ واحدٍ حَصَلَت لكم قدوةٌ به اهتديتم؛ ولأنَّ القدوة إمام مُتَّبَع، واتِّباعُه في الرواية، ومخالفتُه في غيرها إخراجٌ له عن الإمامة، وهذا ظاهرٌ لا خفاءَ به.

стр. 635

(فصلٌ في الإجماع المركَّب) (١) اعلم أن الأدلة المركَّبة نوعان: أحدهما: في باب القياس، وهو أن يقيس على أصلٍ مركَّب، أو بوصفٍ مركب، فأما القياس على أصلٍ مركب؛ فأن يكون الحكم في الصورة واحدًا متفَقًا عليه، ولكن عِلَّته مختلفة، فهذا إن كان الأصلُ ثابتًا بنصٍّ أو بإجماع غيرِ مَبْنيٍّ على ذلك المأخذ، فلا ريبَ أنه حُجَّة. وأما إن كان الإجماع تبعًا لذلك المأخَذ، فهنا قد اختلفَ فيه الناسُ قديمًا وحديثًا، فأكثر الفقهاء والمفتين لا يحتجون به، وأكثرُ الجدليِّين يحتجُّون به، وقسَّمه بعضُهم [ق ٣٠٩] ثلاثةَ أقسام: قسم: لا يُقْبَل في المناظرة، ولا يجوز إسناد الفتوى والحكمِ إليه. وقسم: يُقْبَل في الفتوى والمناظرة. وقسم: يُقْبَل في المناظرة دون الفتوى. فالأول: ما لا يُشْعِر بفقه المسألة ولا بمأْخَذِها الحقيقي، ولا بمناقضة الخصم. مثال ذلك: أن يُقال في مسألة اشتراط الوليّ: أنثى فلا تُزَوِّج نفسَها قياسًا على ابنة خمس عشرة، فإنَّ أبا حنيفة يُسَلِّم أن ابنة خمس عشرة لا تزوِّج نفسَها، لكن لأنها صغيرة عنده إذا لم تحتلم ولم تَحِضْ إلى ثمان عشرة،

стр. 636

وعند مخالفيه هي كبيرة، وإنما لم تزوِّج نفسَها لوصف الأنوثة، وكان القياسُ عليها عند هؤلاء أجود من القياس على الصغيرة، فإنَّ وصفَ الصِّغر هناك مستقلٌّ (١) بالحكمِ، وضم الأنوثة إليه غير مؤثِّر، فلذلك لم يقبَلْه عامةُ المركِّبِين، وهنا قَبِلَه بعضُهم. فإذا قال الخصم: العلةُ في الأصل: أنها صغيرة، وأنا أُعَدِّي ذلك إلى غير ذلك من الأحكام، مثل منعها من التصرُّف، والحَجْر عليها في المال. قال له المستدلُّ: ليست صغيرة بدليل ذَكَرِه، كحديث ابن عمر (٢) مثلًا. ثم اختلف هؤلاء في جواب المستدلِّ عن الفروع التي عَدَّى (٣) إليها المعترض، فمنهم من قال: يكون منقطعًا بترك التزام تلك الفروع؛ لأنه لو أقام الدليل على فسادها؛ لكان انتقالًا من مسألة إلى مسألة، وعلى هذا فتخِفُّ مؤنة المركَّب، ومنهم من لم يجعله منقطعًا. وهنا لهم خَبْطٌ عظيم، والإنصافُ أنَّ هذه الطريقة من أصلها فاسدة، كما ذهب إليه مُحَقِّقو الجدليِّين، وعامَّة الفقهاء، فإنَّ كون ابنة خمسَ عشرة صغيرةً أو كبيرة لا إشعار له بفِقْهِ مسألةِ الولاية في النكاح، وإنما حاصِلُه يؤول إلى الاحتجاج بغلط الخصم في مسألةٍ إلى صوابك أنتَ في مسألةٍ أخرى، وقد حَكوا الإجماع على أنه لا يصلح أن يكون مستندًا في الفتوى والحكم.

стр. 637

ومن هذا الباب أن يُقال: حُليّ (١) فلا تجب الزكاة فيه كحُليِّ الصَّبِيَّة، أو يُقال: مالُ غيرِ مكلَّفٍ، فلا تجبُ الزكاة فيه كحُليِّ الصَّبِيَّة. وأقبحُ من هذا أن يقيس على صورتين، كما يقال: قهقهته في صلاته تُبطل وضوءه، كما لو قَهْقَه ومسَّ ذكرَه، أو مسَّ ذكرَه فانتقض وضوءُه، كما لو قهقه ومسَّ. فإنه في الأولى (٢) قاسَ على حادثةٍ واحدة اجتمع فيها الوصفان، وهنا قاس على حادثتين. القسم الثاني (٣): التركيب المقبول فُتيا (٤) وجدلًا ، وهو أن يشعر القياس بمأخذ الحكم، مثل قياس زكاة مال الصبي والمجنون على عُشْر أرضه، وقياس أَخْذ الأطراف بالطرف على الأنفس بالنفس، ونحو ذلك، فإنَّ بين الأصل والفرْع هنا مناسبة ظاهرة، لكنَّ المأخذَ عند أبي حنيفة: أن العُشْر حق الأرض، فهو كالخراج، وأنَّ الأطراف تجري مجرى الأموال، فتعتبر فيها المماثلة. فهنا للمستدلِّ أن يبيِّن صحَّةَ عِلَّته، ويُعَدِّيها إلى فروعها، ثم إن كان هذا [ق ٣١٠] إجماعًا من الأمة، فهو حجة في نفسِ الأمر، وإن كان إجماعًا بين المتناظرين، فهو حجة إلزامية، لا حجة حقيقية. القسم الثالث: المقبول جدلًا لا فُتيا (٥)، وهو ما أشعر بمناقضة

стр. 638

المخالف، ولم يُشْعِر بمأخَذِ الحكم الذي يدَّعِيه المستدلُّ. وأما التركيبُ في الوصف، فمثل أن يقول في مسألة: لا يُقتل المسلم الذي [قَتَلَ] من لا يُقتل به إذا قتله بالمثقل لا يقتل به إذا قتله بالمحدَّد (١)، كالأب مع ابنه، فإن هذا من جنس التركيب الأول. فحاصله: أن يُسْتَدل بعدم وجوبِ القصاص بالمثقَّل على عدم وجوبِه بالمحدَّد، وعدم الوجوب بالمثقَّل عنده لعدمِ المكافأة، وعند مُخالِفِه لوجودِ الشبهة. ولو كان المصنَّف قَصَد التركيبَ في القياس لبسطنا القولَ فيه، ولكنه إنما قصد الثاني، وهو التركيب في الإجماع. وهو: تركيبُ قولِ العلماء في مسألتين، بأن تقول طائفةٌ بالنفي فيهما، أو بالإثبات فيهما، أو بالنفي في إحداهما دون الأخرى، وتقولُ الأخرى بعكس ذلك في المسألتين، فهل يجوزُ لمن بعدهم أن يقول بقول هؤلاء في مسألة، وبقول الآخرين في مسألة؟ وقد تقدم القولُ في هذا عند النقض بالمركب (٢)، وذكرنا ما حاصله: أن أهل الإجماع إن صرَّحوا بالتسوية لم يَجُز التفريق بين المسألتين إلا عند طائفة قليلة، وإن لم يصرَّح بالتسوية فالجمهور على جواز التفريق بين المسألتين، بأن يوافقَ هؤلاء في مسألة، وهؤلاء في مسألة. وذهب طوائف من الفقهاء إلى أنَّ مأْخَذَ الحكمِ إذا كان واحدًا لم يَجُز

стр. 639

التفريقُ، وعلى هذا القول ينبني ما ذكره المصنِّف، وهو قولٌ قويٌّ في الجملة في بعض المواضع. وأما إن كان المأخَذُ مختلفًا، فجوازُ التفريقِ قولُ عوامِّ الخلائق، ولم يعتمد على وجوب التسوية إلا شُرَيْذِمَةٌ من متأخِّري الجدلِيِّين، وكلامُ المصنِّف وضُرَبائه من الجدليِّين يقتضي سلوكَ هذه الطريقة، كما تقدَّم ذكره في القياس. قولُه (١): (وهو اتفاق الطرفين بعلتين مختلفتين، كما يقال: لو جاز نكاح الثيِّب الصغيرة لما جاز نكاح البكر البالغة؛ لأن الإجماع منعقدٌ على انتفاءِ هذا المجموع، وهو الجواز هنا، مع الجواز ثمة، على أن الاختلاف في القولين اتفاقٌ على بطلان قولٍ ثالث، كما في النظائر). يقول: هو اتفاق الطائفتين؛ طائفة المستدلِّ، وطائفة المعترض على أمر من الأمور، لكن بعلتين مختلفتين، كالمثال الذي ضربه، فإن أبا حنيفةَ ومن وافقَه ــ كرواية عن أحمد ــ يقول: الموجب للإجبار هو الصغر، فتُجْبَر الثيِّب الصغيرة، ولا تُجْبَر البكر البالغة، والحجازيون يقولون: الموجب للإجبار هو البكارة، فتُجْبَر البكر البالغة، ولا تُجْبَر الثيِّب الصغيرة (٢)، فالقائل قائلان؛ قائل بالجواز هنا دون الجواز هناك، وقائل بالعكس. وهذه المسألة التي فَرَضها إجماعًا بين الخصمين فقط [ق ٣١١] فهي تصلح للجدل الإلزامي، وهو [غير] الجدل العلمي، لأن من العلماء مَن

стр. 640

يقول: كلٌّ من الصغر والبكارة موجِبٌ للإجبار، فتُجْبَر البكر البالغة للبكارة، والثيِّب الصغيرة للصغر، كرواية معروفة عن أحمد. ومنهم من يقول: الموجب للإجبار مجموعُ الوصفين، فلا تُجبر إلا البكر الصغيرة خاصة، فأما الثيِّب أو البكر البالغة فلا تُجْبَر، وهذه رواية رابعة منصوصة عن أحمد (١). وفي الجملة فهذا من أجود الإجماعات المركَّبة، وهو حجة عند كثير من الفقهاء، وفي الحقيقة ليس بإجماع؛ لأنه لو نظر ناظرٌ فرأى صحةَ العِلَّتين حتى قال بالجواز فيهما، أو صحَّة مجموعِ العِلَّتين حتى قال بالنفي فيهما لم يكن هذا محالًا (٢). مثال ذلك: اختلافهم في أن علة الرِّبا هي التماثل أو الطَّعْم، فلو قال قائل: المجموع هو العلة، كما هو قول ابن المسيب وقول الشافعي ورواية عن أحمد، لم يكن مُحالًا. ولو فرضنا أنه قام دليل على صحة التعليل بكل واحد من تلك العلل؛ لم يكن الأخذُ بذلك مخالفًا للإجماع، فمن (٣) أنعم النظر على صِحَّة قول أكثر الفقهاء في أنه يجوز أن يُؤخذ بقول هؤلاء في مسألة، وبقول هؤلاء في مسألة، فإنَّ العصمة مضمونة للأمة فيما اتَّفقوا عليه، وهم اتفقوا في كلِّ صورة على قولين، والمخالفُ لا يخرج عن ذَيْنِك القولين، ولم يتفقوا على انحصار المأخَذ في كذا أو كذا، أو على التسوية بين الصورتين. وفي الجملة، المسألة في محلِّ النظر، وللكلام فيها مجالٌ رَحْب.

стр. 641

وحُجَّةُ من يحتجّ بهذا الإجماع المركَّب، فيقول: الإجماعُ منعقد على انتفاء المجموع، وهو الجواز في الموضِعَيْن؛ لأن القائل قائلان: قائل بالجواز هنا (١)، دون الجواز هناك، وقائل بعكس ذلك فيهما، فالجواز في الموضعين أو عدمه فيهما منتفٍ بالإجماع. والاعتراضُ عليه أن يقال: لا نُسَلِّم أن الإجماع منعقد على انتفاءِ المجموع؛ لأن الإجماع: اتفاق أهل الحلِّ والعقد على حكم حادثة، وهم لم يتفقوا على امتناع اجتماع هذين، ولا على لازمهما، وليس ذلك من لوازم اجتماعهم، وإنما هو اتفاق عارض لإجماعهم، كما لو كان أحدُهم بالشام، والآخر بالحجاز، ونحو ذلك من الأوصاف العديمة التأثير، فإن أحدهم قال: تُجْبَر الصغيرة، ولا تُجْبَر الكبيرة، والآخر قالَ: تُجْبَر البكر، ولا تُجْبَر الثيِّب، فمن قال: تُجْبَر الصغيرة، أو البكر، أو لا تُجْبَر إلا الصغيرة البكر= لم يخرج عن أقوالهم، إذ لم ينطقوا بإجماع على الملازمة. قوله: "على أن الاختلاف في القولين اتفاق على بطلان قول ثالث، كما في النظائر". اعلم أنهم إذا اختلفوا في مسألة على قولين كالتحريم والتحليل، لم يَجُز إحداث قول، وهو الإيجاب أو الندب، وكذلك [ق ٣١٢] لو قالوا بالإيجاب والاستحباب لم يَجُز إحداث قول ثالث بالتحريم أو الكراهة، أو استواء الطرفين. هذا مذهب جميع العلماء من الفقهاء وغيرهم إلا شرذمة لا خَلاقَ لهم

стр. 642

من المتكلِّمين، زعموا أنه يجوز إحداثُ قولٍ ثالث؛ لأنه لا إجماع مع الاختلاف. ولا يخفى على من له أدنى بصر أنَّ هذا قولٌ فاسد؛ لأنهم إذا أجمعوا على الأضحية، فقال بعضُهم: هي واجبة، وقال بعضهم: هي مستحبة، أو الوِتر= فمن قال بعد ذلك: الأُضحية أو الوتر مكروهٌ، أو مباح مستوي الطرفين؛ لزم من قوله أن تكون الأمة مُجْمِعين على الخطأ؛ لأن هذا القولَ الثالثَ إن كان صوابًا وقد أفتى كلٌّ بخلافه، فقد أفتى كلٌّ منهم بضدِّ الصواب، وضدُّ الصواب خطأ، فكلٌّ من الأمة قد أخطأ في عين (١) هذه الواقعة، ولا معنى لكونهم مُجْمِعين على الخطأ إلا هذا، فعُلِمَ أنه خطأ، وأن كلًّا منهم يعتقد أنه خطأ، فقد أجمعوا على أنه خطأ، وهذا ظاهرٌ لا خفاءَ به. وكذلك إذا اختلفوا في الغِناء المُجَرَّد فقال قائل: إنه محرم، وقائل: إنه مكروه. وقائل: إنه مباح، فمن زعم أنه مُسْتحبّ أو واجب فقد خرق الإجماع، وخرج عن قول الأمة. لكن احتجاجه بهذا في هذه المسألة ليس بمستقيم؛ لأن الاختلاف على قولين اتفاق على بطلان قولٍ ثالث، وموافقةُ هؤلاء في بعض الصور، وهؤلاءِ في بعض الصور ليس قولًا ثالثًا، بل هو قولٌ مركَّبٌ من القولين، فإنَّ من كان معه كِيسان في أحدهما عَيْنٌ، وفي الآخر وَرِقٌ، فأخذ بعضَ هذا وبعضَ هذا فجعله في كيسٍ ثالثٍ، لم يكن ما في ذلك الكيس خارجًا عما في الكيسين، ولا مخالفًا لهما. بخلاف ما لو وضع فيه فلوسًا. قوله (٢): (ولئن قال: المجموع متحقِّق بالإجماع ضرورةَ تحقُّقِ الجوازُ

стр. 643

عندكم في تلك الصورة وعندنا في هذه الصورة، فنقول: ما ذكرتم مُعارَض بمثله، بخلاف ما ذكرنا؛ لأنا نتمسَّكُ بقول كلِّ واحدٍ من المجتهدين على انتفاء المجموع). حاصله: أن المعترض يقول: المجموع، وهو الجواز في الموضعين متحقِّق بالإجماع؛ لأنَّ الحجازيَّ يقول بالجواز في البِكْر البالغة، والعراقيَّ يقولُ بالجواز في الثيب الصغيرة، فقد أجمعوا على الجواز في الموضعين. ولا شكَّ أن هذا كلامٌ فاسد؛ لأن تحقُّق الشيءِ المركَّب بالإجماع إنما معناه أن يتحقَّق كلُّ جزء من أجزائه بالإجماع، فأما تحقُّق بعضِ أجزائه بقول مجتهد، وتحقُّق الجزءِ الآخر بقول مجتهدٍ آخر، فليس هذا تحقُّقًا له بالإجماع، وإنما هو تحقُّقٌ لكلِّ جزءٍ من أجزائه عند العلماء. وهذا الذي قال بالجواز هنا ليس هو الذي قال بالجواز هناك، وإنما هو آخر، فصار هذا قائلًا بالجواز هنا، وذاك قائلٌ بالجواز هناك، فلم يُجْمعوا على الجواز لا هنا ولا هناك. [ق ٣١٣] ولهذا عارَضَه المستدلُّ بمثل كلامه بأن يقال: المجموعُ منتفٍ بالإجماع؛ لأن الحجازيَّ (١) يقول بالنفي في الثيب الصغيرة، والعراقيَّ يقول بالنفي في البكر البالغة، فصار هذا الإجماع، وهو قول كلِّ طائفة في صُوَر يصحُّ ادعاؤه في النفي والإثبات، فلا يكون حجة؛ لأنَّ الحجة لا تدلُّ على النقيضين، بخلاف الإجماع المركَّب، فإن كلًّا من المجتهدين قال بالنفي في صورةٍ والإثبات في الأخرى، فمن ادعى الإجماع على نفي المجموع، أو ملازمة النفي الإثباتَ فقد أخذَ بقولِ كلِّ مجتهد؛ لأن

стр. 644

كلًّا من المجتهدَين يقول: المجموع (١) غير ثابت. والاعتراضُ عليه ــ على طريقة أكثر الفقهاء ــ أن يقال: قولُ كلِّ واحدٍ من المجتهدين "إن المجموع غير ثابت" معناه: أنَّ هذين الجوازَيْن غير ثابِتَيْن، وأما الثابت: جواز إجبار البكر البالغة، فقد أجمعوا على نفي المجموع؛ لاعتقادِ كلٍّ منهم ثبوتَ أحدِ الجوازَيْن وانتفاء الآخر، فكان إجماعًا اتفاقيًّا. فإذا وافقَ هؤلاءِ في ثبوت أحدهما، والآخرين في ثبوت الآخر، أو بالعكس، فقد زال الأمر الاتفاقي، ولم يخرج عن الإجماع الحقيقيِّ.

стр. 645

(فصلٌ في الاستصحاب) (١) اعلم أنَّ استصحاب الحال اسمٌ عامٌّ جامع يدخل فيه أنواع كثيرة، وهو في الأصل نوعان: أحدهما: الاستصحاب في أعيان الأحكام وأشخاصها وأنواعها، التي لا تختلف إلا بالعدد، بحيث يكون المشكوك في وجوده أمرًا شخصيًّا لا يُسْتَدل على ثبوته وانتفائه بالأدلة الشرعية، كما إذا تيقَّن طهارةَ هذا الثوب أو البدن، أو تيقَّن نجاسته، أو تيقَّن الحدث وشكَّ في الطهارة، أو ثبتَ أنَّ الملك لزيدٍ وأنَّ الدَّيْن على عمرو، وإبقاءُ ما كان على ما كان مما أجمعَ عليه العلماء، بل العقلاء كلُّهم، فإن أمور الدين والدنيا إنما تتمُّ بالتمسُّك بالاستصحاب، فإنَّ الإنسان يبعث مالَه في الطرقات، ويَرْكب البحار، ويُرْسِل إلى الأصدقاء الغائبين، ولولا التمسُّك بالاستصحاب لما جاز فِعْل شيء من ذلك؛ لأن جواز التغير ممكن (٢)، نعم فقد تظهر أمارة تدلُّ على تغيُّر الحال، فقد اضطربَ الفقهاء هل يُقَدَّم الأصل أو الظاهر؟ لأن موارد الشريعة ومصادرها انقسمت في ذلك، وإن (٣) كان ترجيح الظاهر أقرب في أكثر المواضع. والضابِطُ عندنا: أنَّ الظاهر إن كانت له دلالةٌ مضبوطة في الشرع كالبيِّنَة والإقرار ونحو ذلك قُدِّم على الاستصحاب، وهو براءة الذِّمَّة.

стр. 646

واختلف الفقهاءُ في مواضع هل يُعْمَل فيها بالاستصحاب لكونه يتضمن يقينًا آخر، كذهاب مالكٍ إلى [أنَّ] من تيقَّنَ الطهارة وشكَّ في الحدث لا يدخل في الصلاة بطهارةٍ مشكوكة، وكذهابه في أبواب الطلاق إلى أشياء تُخالف البناءَ على الاستصحاب احتياطًا للأبْضاع. وربما تعارض استصحابان (١)، فيتردَّدُ الفقهاء [ق ٣١٤] في تقديم أحدهما، كما لو علَّق الطلاقَ على أمرٍ عدميٍّ بأن يقول: إن لم أفعل اليومَ كذا فهي طالقٌ، ويمضي اليوم ويشك في فعله، فبالنظر إلى أن الأصل عدم ذلك الفعل يقع الطلاق، وبالنظر إلى أن الأصل بقاء النكاح لا يزول بالشَّكِّ. وكذلك لو قَدَّ (٢) ملفوفًا في كساء، أو قَلَع عينًا، واختلفَ الجاني وولي المجنيِّ عليه في الحياة أو الصحة، فبالنظر إلى أن الذمة بريئة يُقَدَّم قولُ الجاني، وبالنظر إلى أن الأصل الحياة والصحة يُقدَّم قول وليِّ الجناية. والمختار في هذه المواضع: تقديم الأصل الطارئ، فيُقدَّم قول وليِّ الجناية؛ لأن براءةَ الذمة زالَ حكمُه بحدوث الجناية، وبقاءُ الحياة لم يظهر بعده (٣) أصل يغيّره. وبالجملة؛ فالكلام في أنواع الأحكام التي لا تختلف آحادُها إلا بالشخص والعدد وظيفةُ الفقيه، والكلامُ في أعيانها وأشخاصها التي لا تعدُّدَ فيها وظيفةُ المفتي والحاكم. والعملُ باستصحابِ الحالِ في أنواع الأحكام وأعيانها متَّفَقٌ عليه بين العلماء.

стр. 647

النوع الثاني: استصحاب الحال في أجناس الأحكام، وهو إيجاده دليلًا من أدلة الشرع التي يثبت بها التحليل أو التحريم، أو نفي الوجوب أو نفي التحريم، بحيث يمكن أن يقومَ دليلٌ شرعيٌّ على بقاء الحال الأول، أو على زوالها. وهذا النوع أقسام؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون استصحابًا لمدلولِ دليلٍ شرعيٍّ، أو استصحابًا لمدلول (١) دليلٍ عقليّ، والدليلُ الشرعيُّ إما النصُّ أو الإجماع. الأول: استصحاب حكم الخطاب حتى يَرِد ما يغيره، مثل استصحاب حكم الأمر حتى يَرِد ما يدلُّ على أنه على الاستحباب (٢)، واستصحاب حُكم العمومِ حتى يَرِد المخصِّص، واستصحاب الحُكم حتى يَرِد ما ينسخه، فهذا معمولٌ به عند جميع الفقهاء، وعامَّتُهُم لا يُدْخِلونَه في باب الاستصحاب، وإنما أدخله بعضُهم، وفي إدخاله نظر. القسم الثاني: استصحاب حال الشرائع الماضية، فإنَّ عامَّة الفقهاء على أنَّ شرْع من قبلنا شرعٌ لنا ما لم يَرِد في شرعنا ما ينسخُه. ثم اختلف هؤلاء؛ فقيل: هو من باب استصحاب الحال، لأنَّا نَسْتَصْحِب حُكْم تلك الشرائع إلى أن يَرِد في شَرْعِنا ما يُغَيِّره، كما يُسْتَصْحَب حُكْم شرعنا حتى يَرِدَ الناسخُ. وقيل: ليس من باب الاستصحاب؛ لأن تلك الأحكام إنما لزمنا اتباعها بشرع الله إياها لنا، وأمرنا باتباعها، فلم يكن مجرَّد شرعها في تلك الشرائع كافيًا في تَمَسُّكنا بها إلا بأمرٍ من الله لنا، وليس هذا باستصحابِ حالها، بل

стр. 648

هو تمسُّكٌ بشرعنا (١)، وهذا القول أصح. القسم الثالث: استصحابُ حال الإجماع. مثاله: أن يُقال في المتيمم إذا رأى الماء في أثناء الصلاة: أجْمَعْنا على صِحَّة صلاتِه قبل رؤية الماء، والأصلُ بقاءُ ما كان على ما كان. فهذا مما اختلفَ فيه الفقهاءُ قديمًا وحديثًا، فذهب خلائقُ منهم إلى أنه لا يُحتجُّ به؛ لأن الصورة التي أجمعوا عليها قد زالت، والتمسُّك باستصحاب حالِ دليلٍ مع عِلمِنا بزواله غيرُ جائز، كمن يستصحِبُ حالَ النهار بعد [ق ٣١٥] غروب الشمس. ومقتضى قول هؤلاء: أنه لو دلَّ دليلٌ غير الإجماع من نصٍّ أو فعلٍ على حكمٍ في صورة لم يجب استصحاب حالِ ذلك الحكم بعد تغيُّر الصورة التي تناولها النص؛ لأنهم يمنعون من الاستصحابِ في كلِّ موضع عُلِمَ أن دليلَ الحال الأولى يختصُّ بها، ولا يشمل الحال في الزمن الثاني. وذهبَ طوائف منهم إلى قبوله، ولعلَّ هذا هو الغالب على الأوَّلين من الأئمة، وإن كان القولُ الأوَّل محكيًّا عن جماهير الفقهاء، وذلك أنَّ الحكم إذا ثبتَ في محلٍّ فالأصلُ بقاؤه على ما كان عليه، سواءٌ فُرِض تناول الدليلِ له أو عدم تناوله؛ لأن بقاءه لا يستدعي إلا مجرَّد البقاء، أما زواله فيستدعي زوالَ الحال الأولى، وحدوث الحال التي تضادّها، وبقاء الحال الثانية، وما يتوقَّف على ثلاث مقدِّمات يكون مرجوحًا بالنسبة إلى ما يتوقَّف على مقدّمة واحدة، ولأن ظنَّ التغيُّر سيُعارَض بظنِّ التقرُّر، فيبقى ما يقتضي

стр. 649

استصحاب الحال الأولى سالمًا. نعم، زعم بعضُ الناسِ أنَّ هذا تمسُّكٌ بالإجماع، وهذا غلط، وكذلك من اعتقد أن التمسُّكَ بالاستصحاب هو تمسُّكٌ بالدليل الدالِ على ثبوت الحال الأولى، فهو غالط؛ إذ لو علمنا دلالة الدليل على الحال الثانية لساوَتْ (١) الحال الأولى في الثبوت، وحينئذٍ يُسْتَغنى عن الاستصحاب. ولا خلاف بين الفقهاء المعتبرين أنه آخر الأدلة، بحيث لا يجوز العملُ به إلَّا بعد الفَحْص التَّامِّ عن الدليلِ الناقِل المُغَيِّر، ثم قوَّتُه وضعفُه بحسب قوَّة الاعتقاد بعدم الناقلِ وضعفِه، فإن فُرِض القطعُ بعدمِ الناقل، وجبَ القطعُ بمضمون الاستصحاب. وعند الفقهاء المعتبرين أن القياسَ الصحيحَ مُقَدَّمٌ على استصحاب الحال، وكذلك الظواهرُ كلُّها من العموم والأمر. وأما أهلُ الظاهر فيقدِّمون الاستصحابَ على القياس، ومَفْزَعُهم في عامَّة ما ينفونه من الأحكام الاستصحابُ، كما أن مَفْزَع كثيرٍ من القياسيِّين الطرْدِيَّات والشُّبُهات. القسم الرابع: استصحابُ حالِ دليلِ العقل، وهو ضربان: أحدهما: من اعتقد أن الأعيان قبل الشرع على الإباحة أو التحريم، فقد اختلفوا في استصحاب حكمِ هذا الدليل بعد الشرع، وأكثرهم يستصحبونه، وكذلك من اعتقدَ وجوبَ أشياءَ بالعقلِ، فإنهم يستصحبون إيجابَها حتى

стр. 650

يدلَّ الشرعُ على عدمِ ذلك، ولا يكاد يتأتَّى (١) عندهم. الضرب الثاني: استصحابُ حال دليل العقل في براءة الذمم من التكاليف التي لا يدل عليها مجرَّد العقل، إما لكونه لا يستقلُّ بالإيجاب، كما هو قولُ جماهير أهل السنة، أو لأنه قصَّر عن دَرْك إيجابها، كما هو قول طوائف من الناس، وهذا كالاستدلال على نَفْي وجوبِ الوتر والأضحية ونحو ذلك، فهذا حُجَّة عند جماهير الفقهاء، حتى حكاه غيرُ واحدٍ إجماعًا من العلماء. وذهبَ بعضُ الحنفية وبعضُ المتكلِّمين إلى أنه ليس بحجة [ق ٣١٦] وقالوا: هو تمسُّكٌ بالجهل، وقال بعضهم: هو حجة فيما بين العبد وبين الله، ولا يصح الاحتجاجُ به في المناظرات، والذي عليه الناسُ القولُ الأوَّل. وهذه الأحكام المستصحبة من دليل العقل تُسَمَّى أحكامًا عقلية، وتُسَمَّى أحكامًا شرعية أيضًا؛ لأن الشرع قَرَّر ما عُلِم بالعقل فيها. وقد يُسْتَدل على نفي الواجبات أو المحرمات بطريق آخر، بأن يُقال: الوجوب أو التحريم حُكْم شرعيٌّ ثبوتي، والأحكام الشرعية الثبوتية لا تثبت إلا بدليل شرعي، وليس على ذلك دليل شرعي؛ لأن الأدلة الشرعية منحصرة في الكتاب والسنة والإجماع والقياس وتوابع ذلك، وكلُّها منتفٍ في هذه المسألة. وهذه أيضًا طريقةٌ صحيحة، لكن مدارُ الأمرِ في هاتين الطريقتين على إمكان نفي الناقل المُغَيِّر، أو الموجِب والمحرِّم، فإن قطَعَ بعدمِهِ، كما يقطع

стр. 651

بعدم ما يوجبُ شهرًا ثانيًا، وما يوجب صلاةً سادسة تُساوي الخمسَ، وما يوجب أكثرَ من الزكاة المفروضة، أو حجّ بيتٍ آخر= قَطَعْنا بعدمِ الوجوب. وإن كان مَدْرَك النفي ظنِّيًّا كان الظنُّ بحسب مَدْركه. ويُبْنَى على هاتين الطريقتين: أنَّ النافي للحكم هل عليه دليل أم لا؟ والمسألةُ لفظية، والمشهورُ أنَّ عليه دليلًا كالمثْبِت؛ لأنه يمكنه التمسُّك باستصحاب الحال، أو بعدم الأدلة الموجبة. وقيل: ليس عليه، بناءً على أنَّ الأصلَ عدمُ ما يُثبته، والأصل النَّافي ليس بدليل. وقيل: عليه الدليل في العقليَّات دون الشرعيَّات؛ لأن الشرعيَّات لا يجوزُ ثبوتها إلا بدليل؛ لأن إثباتها من غير دليل تكليفٌ لما لا يُطاق، بخلاف العقليَّات، فإنه ليس في ثبوتها بغير دليل ضررٌ؛ لأنَّا لسنا مكلَّفين بنفي كلّ ما لا نعلم ثبوتَه من الأمور العقليَّة، وقد علمتَ بهذا التوجيه (١) أنَّ الخلاف لفظيٌّ. ومما يتَّصل بذلك: جوازُ نفي الشيء لانتفاء دليل ثبوته، فزعم من لا يقول بالاستصحاب: أن هذا ليس بدليل؛ لأن مبناه على عدم العلم. وذهبَ كثيرٌ من المتكلِّمين أن ما لم يقم عليه دليلٌ من الأمور الدينية يجبُ نفيُه؛ لأنَّ التكليفَ بدون الدليل مُحال، فَعَدَمُ دليلِ ثبوتِه دليلُ عدمِ ثبوتِه. والذي عليه الفقهاء وعامة المحقِّقين: أن الأحكام الشرعية مثل

стр. 652

الإيجاب أو التحريم، يجبُ نفيها لانتفاء دليل ثبوتها؛ لما ذكرناه من طريقتي الاستصحاب، وامتناع ثبوت الحكم بدون دليل. وأما الأمور الحقيقيَّة (١) مثل صفات الباري ونحو ذلك، فلا يجوز نفي شيءٍ منها، لعدم ما يدلُّ على ثبوته، لجواز أن يكون ثابتًا من غير دليل يدلنا على ثبوته، ولا يمتنع ذلك إذا لم نكن مكلَّفين باعتقاد ثبوته أو نفيه، وليس الأصلُ عدمَه حتى يُتَمَسَّك فيه بالأصل النافي، إذ ما وجبَ قِدَمُه امتنع عَدَمُه، ولأن التمسُّك بالاستصحاب في الاعتقادات ليس بجائز. ومما يتعلَّق بالاستصحاب، أن الأمور على قسمين: أحدهما: ما علمنا أنه كان معدومًا في الأزل، فهنا يجوز الاستدلال على بقاء عدمه باستصحاب الحال. والثاني: ما لم يُعْلَم [ق ٣١٧] أنه كان معدومًا في الأزل، فهنا لا يجوزُ التمسُّك (٢) بالأصلِ النافي واستصحابُه؛ لأن ما لا يُعْلَم عدمُه يجوز أنه كان موجودًا، ويجوز أنه كان معدومًا، ولا رُجحان لأحد الطرفين على الآخر. وبعضُ الناس قد يتمسَّك بالأصل النافي في نحو هذا، والصوابُ الأول، إلا إذا استدلَّ على نفي اعتقادنا ثبوتَه، وكان الغرض يحصل بذلك، فهنا يُقال: الأصلُ عدم علمنا بوجوده، ولم يقم ما يدلُّ على وجوده، فيجب استصحاب حال هذا العدم. إذا عرفت استصحابَ الحال؛ فعبارةُ المناظر تختلف في صَوْغه،

стр. 653

والاستدلال بعدم المُوجِب على عدم المُوْجَب يُلقَّبُ بـ"حَصرِ المدارك ونَفْيِها" (١)، ويخص الآخر بالاستصحاب، ومقصودهما واحد، ووجه الاستدلال به: أن الشيء متى تحقَّق أنه على حال، كان ظنُّ بقائه على تلك الحال راجحًا على ظنِّ زوالها، إذا قطَعْنا النظر عن العلمِ بما يوجب البقاء وما يوجب الزوال، لاسيما إذا كان أمرًا عدميًّا، فإنَّ بقاءَ عدمه لا يفتقر إلى شيء أصلًا، أما زوال عدمه بضدٍّ وجوديٍّ، فإنه يفتقر إلى إزالة ذلك العدم بإيجاد ذلك الأمر الوجوديّ، وإلى بقاء ذلك الأمر الوجودي، ومعلومٌ أن ما لا يَفْتَقر تحقُّقُه إلى شيء، فإنَّ تحقُّقَه راجح على ما يفتقر تحقُّقُه إلى سببٍ أو سببين. قوله (٢): (وهو على نوعين: أحدهما: استصحاب الحال، كما يقال: كان، فيستمرّ. مثالُه في مسألة المنفرد: عدمُ وجوب الكفارة عليه في الماضي من الزمان، مما يوجبُ العدَم في هذا الزمان، أو في سائر الأزمان. أو يقال: العدم متحقِّق في أحد الزمانين، فوجبَ أن يتحقق في الحال أو في سائر الأزمان، وإلا لوجبَ (٣) في زمان لم [يجب] في ذلك الزمان بالدليل السَّالم عن المعارض [القطعي] (٤)). اعلم أنَّ الاستدلال باستصحاب الحال حيث لم يقم سبب الوجوب

стр. 654

دليلٌ حسن، كالاستدلال به في مسألة وجوب الوتر والأُضحية، أو مسألة قراءة الفاتحة، أو مسألة نقض الوضوء بمسِّ الذَّكَر، أو بالقَهْقَهَة، أو مسألة إيجاب الغُسْل على الكافر إذا أسلم، أو مسألة وجوب الكفَّارة على الحامل والمرضع، ونحو ذلك من المواضع التي يُنْفَى فيها وجوبُ أمرٍ من الأمور التي لم يُعْلَم قيامُ سبب الوجوب [لها]. أمَّا الاستدلال به في موضع سَلَّمَ المستدلُّ [فيه] قيامَ سببِ الوجوب؛ فهو قبيح، كالاستدلال [به] في نفي زكاة الحُلِيّ، أو نفي الزكاة على المدين، أو نفي الكفارة على المنفرد برؤية الهلال. وذلك أنه قد وقع الاتفاقُ على أنَّ الجماعَ في الجملة موجبٌ للكفارة، وأنَّ الذهبَ والفضةَ تجبُ فيهما الزكاة. وإنما النافي يدَّعي أن حصولَ شُبهةِ الانفراد مانعةٌ من إيجاب الكفَّارة، وأنَّ صَرْفَ الذهب إلى استعمال مُباحٍ مانعٌ من الوجوب [ق ٣١٨] فلا يصحُّ استدلالُه على ذلك بالاستصحاب؛ لأن حكمَ الاستصحاب قد بَطَل بقيام هذا السبب، والمستدلُّ يستدعي قيامَ أمرٍ وجوديٍّ مَنَعَ ثبوتَ حُكْم السبب؛ فعليه بيانُه، وهكذا يجب القول (١) في كلِّ مسألةٍ فيها نفي الإيجاب: إن كان انتفاؤه لانتفاء السبب، فقد صلح الاستدلالُ باستصحاب الحال، وإن كان انتفاؤه لوجود مانعٍ يمنع السبب أو يمنع الحكم، فلا بدَّ من إثبات ذلك المانع الذي هو مستنده في نفس الأمر، فإنه لم يعتقد الانتفاء من استصحاب الحال. والمناظرةُ إظهار أدلة الحكم، فإذا لم يكن هذا دليلًا له لم يَجُز أن يلزمَ المعترض اتباعُه.

стр. 655

وأيضًا: فإنَّ الأصلَ النافي الذي هو الاستصحاب قد انفسخ بقيام ما يقتضي الإيجاب، فإن لم يُبَيَّن ما (١) يَفسخ هذا المقتضي، أو يَمنع اقتضاءَه، وإلا فهو كالمستدلِّ على نفي الإيجاب أو التحريم بالأصل النافي بعد قيام دليل الإيجاب أو التحريم. إذا تبيَّن لك هذا تبيَّن ضعفُ الاستدلالِ بالاستصحاب في مسألة المنفرد؛ لكن في الجملة قد يتَّفِق الاستدلالُ به في المناظرة؛ لكون المستدل لا يعترف بقيام السبب. ونحن نتكلَّم على كلام المنصف: قال: "عدم وجوب الكفَّارة عليه في الماضي من الزمان مما يوجبُ العدمَ في هذا الزمان". وعدم الوجوب في هذا الزمان، وعدمُ الوجوب (٢) متحقِّقٌ في الماضي، فيتحقَّقُ موجَبه؛ لأن عدم الوجوب كان متحقِّقًا في الزمان الماضي قبلَ جِماعِه، أو في الزمان الماضي قبل مبعث نبينا ﷺ ، فتحقَّقَ في هذا الزمان؛ لأنَّ عدمَ الوجوبِ إن أوجبَ العدم في هذا الزمان فهو المدَّعَى، وإن لم يوجِبْه فإنَّه يوجبه في جميع الأزمان، لما سيأتي. قال: "أو يُقال: العدمُ متحقِّق في أحدِ الزمانَيْن، وذلك يوجبُ تحقُّقَه في الحال، أو في سائر الأزمان". لأنه إن كان متحقِّقًا في الحال فهو أحد الزمانين، وذلك يوجبُ تحقُّقَه في

стр. 656

الحال، وإن كان متحقِّقًا في الماضي، فذلك يوجب تحقُّقَه في سائر الأزمان، وذلك هو الزمان الآخر؛ لأنه لو لم يتحقَّقْ في جميع الأزمان لتحقَّق نقيضُه، وهو الوجوب في زمان من الأزمان، ولم يجب في ذلك الزمان بالأصل النافي للوجوب السالم عن معارَضة القطعيِّ. واعْلم أن هذا النظر مستدرك؛ لأنَّ مقدمةَ الدليل إذا لم يكن إثباتُها إلا بما يثبت الحكمَ كان ذكرها ضائعًا، وهو لا يمكنه نفي وجوبِه في زمنٍ من الأزمان إلا بالأصل النافي، والأصلُ النافي الوجوبَ في الحال كما ينفيه في زمنٍ من الأزمان. وأيضًا: فقوله: "يوجبُ العدمَ في هذا الزمان، أو في سائر [ق ٣١٩] الأزمان، أو يوجب أن يتحقَّقَ في الحال، أو في سائر الأزمان". إن أُرِيْد تغيير (١) العبارة، يعني يقول المستدلُّ أيَّ اللفظين شاء، فقريب. وإن أراد به الأمر، فالترديد لا يكون بين شيئين كلٌّ منهما يستلزمُ الآخر؛ لأنَّ الترديد إما أن يقصد به امتناع الجمع والخُلُو، أو امتناع الجمع، أو امتناع الخُلُوّ. وعدمُ الوجوبِ في هذا الزمان وفي سائر الأزمان لا يصحُّ أن يُقال: يمتنعُ اجتماعُهما؛ لأن اجتماعهما ممكن، بل واقع. ولا يصح أن يُقال: يمتنع خُلُوُّ الحالِ عنهما لأنَّ ذلك إنما يكون في شيئين يجوز وجودُ أحدهما وعدم الآخر، فيقال: لا يخلو الأمر عن هذا أو هذا، فأيهما فُرِض عدمُه لزم وجودُ الآخرِ، وهنا العدم في هذا الزمان وسائر الأزمان متلازمان، وأيهما تحقَّقَ تحقَّقَ معه الآخر. ولا يصحُّ أن يُقال: لكن عُدِم هذا فوُجِدَ هذا، أو عُدِم هذا فوُجِدَ هذا.

стр. 657

قولُه (١): (والمسطور في أصول الفقه: أنَّ الحالَ يصلح حجة للدفع، وإبقاء ما كان على ما كان دون الإثبات، والثابتُ هذا). لا شكَّ أنَّ الاستصحاب لا يقتضي حكمًا جديدًا، ولا وصفًا حادثًا، فإنَّ ذلك تغيير وليس بتقرير، وذلك أن استصحاب الحال استفعالٌ من الصُّحْبة، والاستفعَالُ طلب الفعل، كأنَّ المستدلَّ طلبَ أن تصحبه الحال الأولى، وتبقى معه وتدوم، فالاستصحابُ والاستبقاءُ والاستدامةُ شيءٌ واحد، وأكثر ما يُسْتدلُّ بها في استصحاب النفي المعلوم بالعقل، أو في نفي ما لا يثبت إلا بالشرع، كما تقدَّم من الاستدلال بها في نفي الوجوب. وأما الإثبات؛ فإن عنى به إثباتًا جديدًا، فلا دلالةَ للاستصحابِ على ذلك. وإن عَنَى به إثباتًا مُسْتَدَامًا، فهذا قد اختلف الناسُ فيه، هل يمكن الاستدلال عليه بالاستصحاب كالاستدلال على بقاء الأحكام الثبوتية المعلومة بنصٍّ أو إجماع؟ وقد تقدَّم الكلامُ في ذلك، وبيَّنَّا أن الأوْجَه إمكانُ الاستدلال بها، لكن الخلاف في ذلك مشهور، وبعضُ الناسِ يقول: جمهورُ الفقهاءِ على عدم الاستدلال بها. وقولُه: "والثابتُ هذا". كأنه يعني به أن هذا القول هو الثابت المعمولُ به، وليس هذا موضعَ استقصاءِ القولِ في ذلك. قوله (٢): (والثاني: استصحاب الواقع كما يقال: كان، فيبقى على

стр. 658

التقادير الجائزة). اعلم أن هذا اصطلاحٌ لأهل الجدل، يُقَسِّمون الاستصحاب إلى: استصحاب حال، وهو استدامة ما تحقَّقَ في الزمن الأول في الزمن الثاني. واستصحاب الواقع، وهو استصحابُ ما هو واقع في نفس الأمر على كلِّ تقدير لا ينافيه، أو على كلِّ تقديرٍ جائز. وإنما فتحوا هذا [الباب] لكثرة استعمالهم التقديرات التي تنشأ [ق ٣٢٠] منها المغالطات. وفي الجملة؛ فهي قاعدة صحيحة؛ لأنَّ كلَّ ما هو واقع في نفس الأمر فإنه واقع على كلِّ تقدير لا ينافيه، فهي قاعدة برهانية، كقولنا: الأصلُ في كلِّ ثابتٍ بقاؤه على ما كان ما لم يُغيِّره مُغَيِّر، وذلك لأنَّ الشيء (١) إذا كان واقعًا في نفس الأمر، فإمَّا أن يكون ثابتًا في نفس الأمر أو منتفيًا، فإن كان ثابتًا، فإما أن يكون واجبَ الوجود، أو ممكن الوجود؛ لأن الممتنع لا يكون موجودًا، فإن كان واجبَ الوجود كان فرضُ عدمِه على تقديرٍ لا ينافيه محالًا؛ لأن التقديرَ الذي لا ينافيه لا يقتضي عدمه، ووجوبُ وجودِه يقتضي وجودَه، وإذا كان المقتضي للوجود ثابتًا، وليس هناك ما يقتضي عدمه= وجبَ وجودُه بالضرورة. وإن كان ممكنَ الوجود والتقدير أنه موجود، فلا بدَّ أن يكون قد وجبَ سببُ وجودِه؛ لأن الممكن لا يصير موجودًا إلا بما يقتضي وجوده، وإذا كان المقتضي لوجودِه موجودًا، فكلُّ تقديرٍ لا ينافي وجوده، فإنَّ المانع من

стр. 659

وجوده منتفٍ فيه، فيكون المقتضي لوجوده موجودًا، والمانعُ معدومًا، وذلك يقتضي وجوده وإن كان منتفيًا في نفس الأمر. فإن كان ممتنع الوجود امتنعَ وجودُه على كلِّ تقديرٍ لا ينافي عدمه؛ لأن ما لا ينافي عدمه لا يقتضي وجودَه؛ لأنه لو اقتضى وجودَه لَنافَى عَدَمَه، وإذا لم يكن على هذا التقدير المقتضي له موجودًا، وهو ممتنع الوجود= امتنعَ وجودُه. وإن كان ممكنًا (١) فكلُّ تقدير لا ينافيه لا يكون المقتضي التام لوجوده موجودًا؛ لأنه لو كان موجودًا لَنافَى عَدَمَه، وإذا لم يكن المقتضي التام لوجوده موجودًا امتنَع وجودُه؛ لأن الممكن لا يصير موجودًا إلا بوجود المقتضي التام، وأعني بالتامِّ قيام الموجب، وحصول الشرائط، وانتفاء الموانع، وإذا امتنع وجودُه عُلِمَ انتفاؤه على كلِّ تقديرٍ لا ينافي عدمه. ويمكن اختصار هذا الدليل بأن يُقال: ما هو موجودٌ فلا بدَّ أن يكون المقتضي لوجوده واقعًا، فإذا لم يكن ما ينافيه لزم وجوده بالمقتضي السالم عن المنافي، وما هو معدومٌ فلا بُدَّ أن يكون المقتضي التام لوجوده معدومًا؛ لأنه لو كان موجودًا للزم وجوده، وإذا كان المقتضي التام معدومًا، فكلُّ تقديرٍ لا ينافي هذا العدم لا يلزم منه قيامُ مقتضٍ للوجود، فيلزم عدمه أيضًا. وإن شئتَ أخصَرَ من هذا أن يقال: كلُّ ما هو واقع في نفس الأمر، فلا بدَّ لوقوعه مما يحقق وقوعه، فكلُّ تقديرٍ لا ينافيه، فإنَّ المحقِّق لوقوعه حاصل، والمنافي له زائل، فيجبُ وقوعُه بالضرورة. وإن قلت: كلُّ ما هو واقع في نفس الأمر، فهو واقع على كلِّ تقدير

стр. 660

جائز، أو فهو واقع على التقادير الجائزة. فوجهه (١) أن يُقال: التقدير الجائز لا يُغَيِّر الحقائق؛ لأنه لو غيرها للزم إما تبديلُ الحقائق أو بقاؤها وعدمه، فيخرج عن أن يكون واقعًا، وإذا لم يغيِّرها، فهو واقع في نفس الأمر، لو زال على [ق ٣٢١] تقدير جائز للزم أن تكون الجائزات قد أبطلت الحقائق، وهو باطل. واعلم أن هذا الكلام ليسَ بسديدٍ؛ وذلك أن التقديرات الجائزة قد يلزم منها قيام ما يمنع وقوع الواقع، وذلك إنما يدلُّ على عدم وقوعها لا على عدم جوازها، فإنَّ تقديرَ قيام الساعة في هذا الوقت، أو تقدير خراب الأمصار المعمورة، أو تقدير بعثةِ رسولٍ آخر، أو تقدير كَوْن الشريعة أزْيَد مما هي الآن أو أنْقَص (٢) تقديرات جائزة ويلزم منها رفع أمورٍ واقعة= لكنَّا نستدلُّ بوقوعِ الواقعات على عدم هذه الجائزات. فإن قال: أُريد بالجائز ما لا يُعْلَم عدمُه. قيل: وعدم علمنا بعدمه لا يقتضي جوازه، لأنَّ ما لا يُعْلَم عدمُه قسمان: أحدُهما: واقع، والآخرُ: غير واقع. وإذا فرضنا شيئًا لا يُعْلَم عدمُه، وكان في نفس الأمر معدومًا، فإنه على تقدير وجوده قد يلزم تغيير الأمور الواقعة؛ لأن تقدير وجودِه ليس واقعًا، ونحنُ إنما علمنا أنَّ الواقع واقعٌ في نفس الأمر ولم يُعْلَم أنه واقع إذا تغيَّر ما

стр. 661

هو في نفس الأمر من صيرورة (١) الموجود معدومًا، والمعدوم موجودًا. فإن قال: أريد بالجائز ما هو واقع في نفس الأمر. قيل له: هذا صحيح، ويكون معنى الكلام: كلُّ ما هو واقع فهو واقع على كلِّ التقادير الواقعة، فافهم هذا فإنَّ فيه تغليطًا كثيرًا، وأنا أذكُرُ درجاتِهِ. الواقعُ في نفس الأمر يجبُ أن يكون واقعًا على كلِّ تقدير لا ينافيه، ويجب أن يكون واقعًا على كلِّ تقدير واقع. فإذا قال المستدلُّ: هو واقع في نفس الأمر فيكونُ واقعًا على هذا التقدير، احتاج أن يُبيِّن أن ذلك التقدير غير منافٍ، أو هو واقع؛ لأنَّ بيان أن ذلك التقدير غيرُ منافٍ، أو أنَّ ذلك التقدير واقع أمرٌ ممكن سهل، بخلاف مستصحِب الحال، فإنه ليس عليه أن يبيِّن عدمَ الناقل المغيِّر؛ لأنَّ ذلك لا ينضبط ولا ينحصر. الدرجة الثانية: هل هو واقع على كلِّ تقديرٍ جائز الوجود في علمنا، بمعنى: أنَّا نُجَوِّز أن يكون موجودًا، ويجوز أن يكون معدومًا، أو يجوز أن يكون جائز الوجوب والعدم، ويجوز أن يكون ممتنع الوجود أو العدم، وهذا ليس بلازم، إلا أن يعلم أن ذلك التقدير غير منافٍ، أو أنه واقع. الدرجة الثالثة: هل هو واقع على كلِّ تقدير جائز في نفسه، بمعنى أنه يمكن وجوده بدلًا عن عدمه، وعدمه بدلًا عن وجوده، وهذا باطل، فإنَّ ما هو واقع في الواقع يمتنع وجوده على تقديرات جائزةٍ كثيرة معدومة. الدرجة الرابعة: هل هو واقع على كل تقدير؟ وهذا لا يقوله عاقل. وأظنُّ هؤلاء الجدليين إنما يعنون الدرجة الثانية، فإن الثالثةَ والرابعةَ

стр. 662

ظاهرةُ الفساد، والمحقِّقُون منهم إنما ذكروا الأولى خاصة، وهو الصواب، لكن إذا لم يكن النافي بين ذلك التقدير [ق ٣٢٢] وبين الواقع ظاهرًا فأظُنُّهم يكلِّفون المعترض بيانَ المنافاة، أو بيان عدم وقوع ذلك التقدير، أو بيان عدم جوازه. قوله (١): (وقد يُقال في التمسُّك به: إن الواقع واقع على هذا التقدير؛ لأنَّ ما هو الثابت على هذا التقدير ثابتٌ في نفس الأمر، أو على تقديرٍ يُثْبِت جملةَ الأمور الواقعة على ذلك التقدير، وأيًّا ما كان يكون (٢) واقعًا على هذا التقدير، وإلا يلزم اجتماع النقيضين في الواقع، أو على ذلك التقدير) (٣). هذا يقولُه من أراد الاستدلال بوقوع الواقع في نفس الأمر على أنه واقع في نفس الأمر واقعٌ على هذا التقدير؛ لأن الواقع على هذا التقدير إما أن يكون ثابتًا في نفس الأمر، أو ثابتًا على تقدير يُثْبِت جملةَ الأمور الواقعة على ذلك التقدير. وإنما قلنا ذلك؛ لأن الثابتَ على هذا التقدير إن كان ثابتًا في نفس الأمر، فهو أحد الأمرين، وإن لم يكن ثابتًا في نفس الأمر، فهو ثابتٌ على هذا التقدير، وهذا التقديرُ يُثْبِت جملةَ الأمور الواقعة على تقدير ثبوته؛ لأن الأمور الواقعة كائنة فتبقى على التقادير الجائزة، وهذا من التقادير الجائزة.

стр. 663

وإذا كان الثابتُ على هذا التقدير ثابتًا في نفس الأمر، أو على تقديرٍ يُثْبِتُ جملةَ الأمور الواقعة عليه، فأيُّ الأمرين كان لزم أن يكون واقعًا على هذا التقدير؛ لأنه لو لم يكن واقعًا على هذا التقدير، لزم اجتماعُ النقيضين، إمَّا في نفس الأمر، أو على ذلك التقدير الذي تثبت عليه جملة الأمور الواقعة؛ لأنه إن كان ما هو ثابتٌ على ذلك التقدير ثابتًا في نفس الأمر، فيلزم أن يجتمع في نفس الأمر وقوعُ الواقع وعدمُ وقوعه؛ لأن الفرض أنه ليس واقعًا على ذلك التقدير، وأن ما هو ثابت على ذلك التقدير ثابت في نفس الأمر، فيلزم أن يكون الذي في نفس الأمر عدم وقوع ما هو واقع، وإن كان ما هو ثابت في نفس الأمر ثابتًا على تقدير يُثْبِت جملةَ الأمور الواقعة على ذلك التقدير، فقد لزم وقوع الأمر (١) الواقعة، وعدم وقوعها على ذلك التقدير الذي يثبت عليه جملة الأمور الواقعة، فنقيضُه حق، وهو المدَّعَى. واعلم ــ أصلحك الله ــ أن هذا كلام [ليس] تحته (٢) فائدة، وبيانُ فسادِه من وجوه: أحدها: قوله: "لأن ما هو الثابت على هذا التقدير ثابت في نفس الأمر، أو على تقدير يُثبت جملةَ الأمور الواقعة على ذلك التقدير".

стр. 664

قلنا: لا نُسَلِّم لزوم أحد الأمرين، ولم تذكر على ذلك دليلًا، وهذا موضعُ المنعِ الذي يكشف عوار هذا الكلام. الثاني: قوله: "ما يثبتُ على ذلك التقدير ثابت في نفس الأمر، أو على تقدير يُثبِت جملةَ الأمور الواقعة على ذلك التقدير". قلنا: هذا هو الأول بعينه، وإنما غُيِّرت العبارةُ؛ لأنه إذا قال: ما يثبتُ على هذا التقدير فقد يثبت في نفس الأمر، أو يثبت [ق ٣٢٣] على تقديرٍ يثبت عليه جملة الأمور الواقعة، فلا مغايرةَ بين القسمين؛ لأن ما ثبت في نفس الأمر فقد ثبتَ على كلِّ تقديرٍ تثبتُ عليه جملةُ الأمور الواقعة. الثالث: إنما يكون الثابت على هذا التقدير ثابتًا في نفس الأمر، أو ثابتًا على تقدير تَثبُت عليه جملةُ الأمور الواقعة، إذا كان ذلك التقدير تَثْبت عليه جملةُ الأمور الواقعة، وهذا غير معلوم، ولأنه لو عَلِمَ أن ذلك التقدير تَثْبُت عليه جملةُ الأمور الواقعة، لَعَلِمَ أن الواقعَ واقعٌ على ذلك التقدير، ولو عَلِم ذلك لاستَغْنى عن هذا الدليل. الرابع: لأنه لا يعلم أن الثابتَ على هذا التقدير ثابتٌ في نفس الأمر، أو على تقديرٍ تَثْبت عليه جملةُ الأمور الواقعة حتى يَثْبُت أنه واقعٌ في نفسِ الأمر، وأنَّ ذلك التقدير تَثْبُت عليه جملةُ الأمورِ الواقعة، ولا يمكن ثبوت واحدٍ منهما إلا بثبوت أن الواقع في نفس الأمر واقعٌ على ذلك التقدير، وهذا هو المطلوب المتنازَع فيه، فلا يجوز أن يُجْعَل مقدمةً في إثبات نفسه؛ لأنَّ هذا مصادرةٌ على المطلوب، وهو غير جائز. الخامس: أنَّ العلمَ بلزوم أحدِ الأمرين موقوفٌ على العلم بأنَّ الواقعَ واقعٌ على ذلك التقدير، فإذا استدلّ على ذلك بلزوم أحدِ الأمرين؛ كان وقفًا لكلٍّ منهما على الآخر، وذلك دَوْر عِلْمي، وهذا ظاهرٌ لا خفاءَ به. واعلم ــ أصلحك [الله]ــ أن استصحاب الواقع إذا ادُّعِي على تقدير لم يتحقق (١) فإنَّه بابٌ عظيم من أبواب مغالطات هؤلاء المُمَوِّهين المُلبِّسِين،

стр. 665

وأنا أضربُ لك مثلًا من كلامهم: ذكر المُبَرِّز (١) في جملة الأدلة التي يُستدل بها دليلًا سمَّاه: البرهان؛ لأن مُقَدِّمتيه ــ على زعمه ــ قطعيَّتان (٢)، وهو مما يمكن الاستدلالُ به على كلِّ دعوى تُمْكِنه (٣)، تارة تتمّ على زعمه، لعدم التمكُّن من معارضته بمثله، وتارة لا تتم. مثاله: أن يقال: أحد الأمرين؛ وهما إفساد صوم رمضان بفعلٍ واحد أول مرَّة، أو فساد صوم رمضان بفعل واحد أول مرة حال الصحة والاستقامة= موجب لوجوب الكفارة؛ لأنه لو كان أحدُهما موجبًا مستقيمًا إلى جملة الأمور الواقعة لكان أحدُهما موجبًا لوجوب الكفارة على ذلك التقدير، وإذا كان موجبًا له على ذلك التقدير كان أحدهما موجبًا له في نفس الأمر؛ لأنَّ جملةَ الأمور الثابتة في نفس الأمر ثابتة على ذلك التقدير، وعدم موجبيَّة كلٍّ من هذين ليس ثابتًا على ذلك التقدير، فلا يكون ثابتًا في نفس الأمر، فيكون الثابت نقيضُه، وهو موجبيَّةُ أحدهما، وهو المدَّعَى. وهكذا يقول في [كل] دعوى يدعيها، فهل سمعتَ بأفسدَ من حُجَّةٍ تَثْبُت بها المتضادَّات والمتناقضات؟! وإنما وجه التغليط فيه استصحاب الواقع حيث لا يصح، وهو قوله: "وإذا كان موجبًا له على ذلك التقدير، كان موجبًا له في نفس الأمر". قلنا: لا نُسَلِّم قولَه: "لأن جملة الأمور الثابتة في نفس الأمر ثابتة على ذلك التقدير".

стр. 666

قلنا: يعني به على تقدير وقوع الأمور الواقعة، أو على تقدير [ق ٣٢٤] انضمام المدَّعى إليها، فإن عَنَيْتَ الأول فمُسَلّم، ولكن لا نُسَلِّم قولك: "وعدم موجبيَّة كلٍّ منهما ليس ثابتًا بذلك التقدير"، فإنّ هذا العدم يجوز أن يكون من الأمور الواقعة. وإن عَنَيْت على تقدير انضمام المدَّعى إلى الأمور الواقعة، فلا نُسَلِّم أن جملة الأمور الثابتة في نفس الأمر ثابتة على ذلك التقدير؛ لأنَّ ذلك التقدير ــ وهو انضمام المُدَّعَى إلى الواقع ــ جاز أن يكون ممكنًا، وجاز أن يكون ممتنعًا، وإذا كان ممتنعًا أو معدومًا، فلا تكون الأمور الثابتة في نفس الأمر ثابتة على تقدير ممتنع أو معدوم، وذلك أنه لا يلزم من فرض الانضمام في الذِّهن وقوعُ الانضمام في الخارج، والمفروض الذهني لا يستلزم تغيير الحقائق الخارجية، فإذا فَرَضْنا الجمع بين النقيضين لم يلزم أن يكونا واقِعَيْن. الطريق الثاني في إفساده: قوله: "وعدم موجبيَّة كلٍّ من هذين ليس ثابتًا على ذلك التقدير". قلنا: لا نُسَلِّم، وهذا ظاهر؛ لأن ذلك التقدير هو تقدير وقوع الأمور الواقعة، أو تقدير الانضمام إليها، ومن الأمور الواقعة عدمُ موجبيَّة هذين، فكيف لا يكون هذا العدم ثابتًا على تقدير وقوع الأمور الواقعة. أو نقول: يجوز أن يكون عدم إيجابهما من الأمور الواقعة، فلا يجوز نفيه على ذلك التقدير. فإن قيل: قد فَرَضْنا ثبوتَ أحدهما مع جملة الأمور الواقعة.

стр. 667

قلنا: بتقدير أن يكون الإيجابُ معدومًا في نفس الأمر، فيكون قد فُرِض وجود ما هو معدوم على تقدير وقوع الواقع، ومعناه: تقدير وجود المعدوم على تقدير عدمه، وتقدير وجوده على تقدير عدمه تقدير الجمع بين النقيضين، وهو تقديرٌ مُحَال، وإذا كان تقديرًا ممتنعًا جاز أن يلزم عليه حكم ممتنع، وهو موجبيَّة أحدهما، وعدم موجبيَّتِه؛ لأنه قدَّر وجود الموجبية على تقدير عدمها، فتكون الموجبيَّة موجودة معدومة، [فلا] يصحُّ دعوى وجودها دون عدمها، ولا عدمها دون وجودها. وإيضاح ذلك: أنَّا لو فَرَضنا اجتماعَ السوادِ والبياض مُنضمًّا إلى جملة الأمور الواقعة؛ لكان هذا الاجتماع واقعًا على ذلك التقدير، وجملةُ الأمور (١) الواقعة في نفس الأمر واقعة على ذلك التقدير. فلو قيل: عدمُ اجتماع السواد والبياض ليس واقعًا على ذلك التقدير، للزم أن لا يكون عدم اجتماعهما واقعًا في نفس الأمر، فيكون اجتماعُهما هو الواقع، وهذا باطل، وإنما ذلك لأنَّ اجتماعَهُما مع الأمور الواقعة اجتماعهما مع عدم اجتماعهما؛ لأن عدم اجتماعهما من الأمور الواقعة. فالتقدير: لو فرَضْناهما مجتمِعَين مع عدم كونهما مجتمعين، وحينئذٍ لا يقال: عدمُ اجتماعهما ليس واقعًا على ذلك التقدير؛ لأنَّ فرضَ اجتماع النقيضين يستلزمُ ثبوتَ كلٍّ من النقيضين، لكنَّه فرضٌ مُحال. الطريق الثالث لإفساده: أن يُقال: قوله: "عدم موجبيَّة أحدهما ليس ثابتًا على ذلك التقدير".

стр. 668

أيَّ شيءٍ تعني به؟ أتعني به تقدير الأمور الواقعة؟ أو تعني به تقدير انضمام الموجبيَّة إلى الأمور الواقعة؟ إن عَنَيْت الأول، فلا نُسَلِّم، فإنَّ من الأمور الواقعة عندنا هذا العدم، أو يجوز أن تكون من الواقعة، أو لا نُسَلِّم أنه ليس من الواقعة. [ق ٣٢٥] وإن عَنَيْتَ: على تقدير انضمام الموجبيَّة إلى الأمور الواقعة، فَلِمَ قلتَ: إن هذا الانضمام ممكن أو واقع؟ وإذا لم يَثْبُت أنَّ هذا الانضمامَ ممكنٌ أو واقع، كان عدمُ الموجبيَّة ليس ثابتًا على تقديرٍ لا يُعْلَم ثبوتُه ولا إمكانُه، وذلك لا يقدح في كونه ثابتًا في نفس الأمر، فلا تَغْفُل عن الفرق بين تقدير الأمور الواقعة، وتقدير انضمام المدَّعَى إليها. * * * جاء في خاتمة النسخة: "آخر الكتاب، والحمد لله الملك الوهاب وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. وافقَ الفراغ منه العشرون من شهر المحرم سنة تسعٍ وخمسين وسبعمائة، الحمد لله رب العالمين".

стр. 669

ملحق الكتاب المردود عليه فصُوْلٌ في الجَدَلِ تأليف برهان الدين محمد بن محمد النَّسَفي الحنفي (ت ٦٨٧) تحقيق علي بن محمد العمران محمد عزير شمس

стр. 670

[١ ب] الرَّحِيمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ بِسْمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة على رسوله محمد وآله أجمعين. وبعد؛ فاللازم على المناظر تحرير المباحث وتقديم الإشارة إليها وتصوير المسائل في الأوائل، وتقرير الأقوال قبل الدلائل، وذلك بطريق الحكاية فلا دخل عليها، غير أنه إذا انتهض بإقامة الدليل على ما ادَّعاه فالخصم إما أن لا يساعده فيه بل تلازم المنع في مقدماته، وهذا بطريق المناقضة. ولئن منع المقدمة بإثبات حُكمٍ متنازعٍ فيه. فيقال: إنه غصب لا يُلْتفت إليه في اصطلاح أهل النظر، وإن كان مسموعًا عند البعض. وإما أن يساعده في الدليل دون المدلول عليه. واسْتُدِل بالدليل على خلاف ما قال به المعلل وأنه بطريق المعارضة، إذ المعارضة هي المقابلة على سبيل الممانعة. ثم الدليل هو الذي يلزم من العلم به العلم بوجود المدلول نقليًّا كان أو عقليًّا. وقد يقال: المعنيُّ من الدليل ما لو جرد النظر إليه يغلب على الظن ثبوت المدلول. والاستدلال: أن ينتقل الذهن من الأثر إلى المؤثر، كالدخان مع النار، والتعليل على العكس.
следующие страницы →