وإذا كان هذا في عصور التابعين والأئمة المرضيين فماذا نقول في زمن الغربة بعد أن أصبح مجاهيل الإنترنت مشايخ يؤخذ عنهم العلم في كثير من الساحات، ويفتون في المدلهمات، والله المستعان.
стр. 37
ثم من أهم أسباب الاختلاف بسبب تباين العلوم والمعارف الاختلاف في العلم بنصوص الوحيين أو دلالتهما وهو ثلاثة أنواع: (١)
أحدها عدم اعتقاده أن النبي قاله أو لم يثبت عنده أن النبي ﷺ قاله.
الثاني عدم اعتقاده أنه أراد تلك المسألة بذلك القول.
الثالث اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ.
وهذه الثلاثة تتفرع عنها أسباب عدة ولعل في النماذج السابقة شيء من البيان ويمكن أن نجملها فيما يلي:
١- قد يكون النص لم يبلغ بعض المخالفين فعمل بظاهر آية أو حديث آخر، فمن لم يبلغه النص لم يكلف أن يكون عالما به، بل يكتفي المخالف أحيانا بظاهر آية، أو بحديث، أو بموجب قياس، أو بموجب استصحاب، (٢) قال شيخ الإسلام:"وهذا السبب هو الغالب على أكثر ما يوجد من أقوال السلف مخالفا لبعض الأحاديث، فإن الإحاطة بحديث رسول الله ﷺ لم تكن لأحد من الأمة "، (٣) ومن أمثلة ذلك:
стр. 38
أولا: حكم أبي بكر الصديق ﵁ في الجدة بأنها لا ترث مطلقًا، فعن قبيصة بن ذؤيب قال:"جاءت الجدة إلى أبي بكر تسأله ميراثها، قال: فقال: لها ما لك في كتاب الله شيء، وما لك في سنة رسول الله ﷺ شيء، فارجعي حتى أسأل الناس، فسأل الناس فقال المغيرة بن شعبة حضرت رسول الله ﷺ فأعطاها السدس فقال أبو بكر هل معك غيرك فقام محمد بن مسلمة الأنصاري، فقال مثل ما قال المغيرة بن شعبة فأنفذه لها أبو بكر ". (١)
стр. 39
ثانيا: خفاء سنة الاستئذان على عمر بن الخطاب ﵁ فعن أبي سعيد الخدري قال: «كنت في مجلس من مجالس الأنصار، إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور، فقال: استأذنت على عمر ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت، فقال: ما منعك؟ قلت: استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت، وقال رسول الله ﷺ " إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع "، فقال: والله لتقيمن عليه ببينة، أمنكم أحد سمعه من النبي ﷺ ؟ فقال أبي بن كعب: والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم، فكنت أصغر القوم فقمت معه فأخبرت عمر أن النبي ﷺ قال ذلك» ، (١) فهذه سنة قد خفيت على عمر بن الخطاب ﵁ مع سعة علمه وفقهه في دين الله - تعالى - وليس في هذا مذمة لعمر ﵁ فإن الله - تعالى - يقول: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦] ، فمهما بلغ الإنسان من العلم فلا شك أنه لن ينتهي، ولهذا قالوا:"العلم إن أعطيته كلك أعطاك بعضه، وإن أعطيته بعضك فاتك كله".
стр. 40
والأمثلة كثيرة منها خفاء الحكم على كثير من الصحابة في نزول الطاعون ببلد، (١) ومنها حكم عمر بمنع الحائض من النفرة قبل أن تطوف طواف الإفاضة ثم رجوعه لما بلغه الخبر، (٢) فهذه أمثلة على خفاء بعض نصوص الشريعة على من شهدوا الوحي وعاينوا التنزيل، فخفاء بعض الأصول على من بعدهم أولى وأحرى، ولا يجوز لمن أتى بعدهم "أن يدعى انحصار حديث رسول الله ﷺ في دواوين معينة، ثم لو فرض انحصار حديث رسول الله ﷺ فليس كل ما في الكتب يعلمه العالم، ولا يكاد ذلك يحصل لأحد، بل قد يكون عند الرجل الدواوين الكثيرة وهو لا يحيط بما فيها ". (٣)
ومن هذا القبيل أيضًا:
أن يكون النص قد بلغ المخالف، لكنه منسوخ، بنص آخر ولم يعلم المخالف بالناسخ. (٤) ومن أمثلة ذلك اللبس الذي حصل أول الأمر في ربا النسا، ونكاح المتعة وغيرهما مما استقر الإجماع عليه بعد.
أن يكون النص قد بلغه ولكنه لم يثبت عنده إما لأن محدثه مجهول أو سيئ الحفظ أو متهم، ولا يعلم أن له طرقًا أخرى، ولهذا علق كثير من الأئمة العمل بموجب الحديث على صحته فكثيرًا ما يقول الإمام: قولي فيه كيت وكيت، وقد روي فيه حديث بخلافه فإن صح فهو قولي.
стр. 41
اعتقاد ضعف النص باجتهاد خالفه فيه غيره، كتضعيفه لراو وثقه غيره، ومن ذلك أن بعض الأئمة كان لا يرى قبول حديث أصله غير حجازي " شامي أو بصري.. " وبعضهم رأى هذا الرأي ثم رجع ومما أثر في ذلك كلمة الشافعي لأحمد: يا أبا عبد الله إذا صح الحديث فأعلمني حتى أذهب إليه شاميًا كان أو عراقيًا. ولعل من ذلك مخالفة الأحناف لغيرهم في القهقهة فالإمام أبو حنيفة أخذ بحديث القهقهة في الصلاة، وجعل القهقهة من نواقض الوضوء، ومن مبطلات الصلاة، (١) مع أن الحديث الذي استدل به ضعيف عند الأئمة،.. لكن عذره في ذلك ظنه أن الحديث صالح للاحتجاج به، وهذا ليس فيه مذمة له ﵀ بل هو في العلم والفضل من هو، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيميه: "ومن ظن بأبي حنيفة أو غيره من أئمة المسلمين أنهم يتعمدون مخالفة الحديث الصحيح لقياس أو غيره فقد أخطأ عليهم، وتكلم إما بظن، وإما بهوى، فهذا أبو حنيفة يعمل بحديث التوضؤ بالنبيذ في السفر (٢) مخالفة للقياس، وبحديث القهقهة في الصلاة مع مخالفته للقياس، (٣) لاعتقاده صحتهما، وإن كان أئمة الحديث لم يصححوهما "
стр. 42
(١) اشتراط بعضهم في قبول النص شروطًا يخالفه فيها غيره، كاشتراط بعضهم كون الراوي فقيهًا إذا روى ما يخالف القياس، واشتراط بعضهم ظهور الحديث وانتشاره إذا كان فيما تعم به البلوى، وربما وقع الاختلاف في بعض قواعد علوم الأدلة ومنها المصطلح ومن ذلك توثيق ابن حبان لمن لم يعرف بجرح، في مقابل طريقة ابن حزم في الرمي بالجهالة، وكتشدد أبي حاتم في نقد الرجال، وتساهل الحاكم في توثيقهم، واشتراط بعضهم للصحة اللقيا واكتفاء آخرين بالمعاصرة، وغير ذلك.
أن ينسى البعض حديثًا أو آية كما ذهل عمر ﵁ عن قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ لمّا مات نبينا محمد ﷺ .
стр. 43
عدم معرفة دلالة لفظ النص: ومن الركائز الأساسية في هذا العلم باللغة العربية، قال الشاطبي ﵀: "الله أنزل القرآن عربيًا لا عجمة فيه، بمعنى أنه جار في ألفاظه وأساليبه على لغة لسان العرب، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ... وكان المنزل عليه القرآن عربيًا أفصح من نطق بالضاد، وهو محمد بن عبد الله ﷺ ، وكان الذين بعث فيهم عربًا أيضًا، فجرى الخطاب به على معتادهم في لسانهم ... وإذا كان كذلك فلا يفهم كتاب الله تعالى إلاّ من الطريق الذي نزل عليه وهو اعتبار ألفاظها ومعانيها وأساليبها"، (١) ولهذا قال الشافعي ﵀: "ما جهل الناس ولا اختلفوا إلاّ لتركهم لسان العرب وميلهم إلى لسان أرسطاطاليس "، (٢) وقال السيوطي معلقًا بعد أن ذكره: "أشار الشافعي بذلك إلى ما حدث في زمن المأمون من القول بخلق القرآن ونفي الرؤية وغير ذلك من البدع وأن سببها الجهل بالعربية والبلاغة الموضوعة فيها من المعاني والبيان والبديع"، ومما يؤكد هذا أن عمرو بن عبيد (٣) جاء إلى أبي عمرو بن العلاء التميمي (٤) يناظره في وجوب عذاب الفاسق، فقال يا أبا عمرو: هل يخلف الله وعده؟ فقال: لن يخلف الله
стр. 44
وعده، فقال عمرو: فقد قال وذكر آية وعيد، فقال أبو عمر: من العجمة أتيت، الوعد غير الإيعاد ثم أنشد:
وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي منجز له وعدي
(١) ولهذا قال الحسن البصري ﵀: "إنما أهلكتهم العجمة يتأولونه على غير تأويله". (٢) ولو نظرت في كثير من أهل البدع التي فرقت المسلمين لوجدت أصولًا لا تنم عن أصالة في اللسان العربي، فغيلان الدمشقي أول من تكلم في القدر وقال بخلق القرآن كان مولى لآل عثمان بن عفان، والجعد بن درهم كان مولى لبني الحكم، وجهم بن صفوان كان مولى لبني راسب، وعمرو بن عبيد مولى لبني تميم، وواصل بن عطاء مولى لبني مخزوم أو لبني ضبة على خلاف في النسبة.
стр. 45
ولعل من أظهر عوامل الاختلاف بسبب عدم فهم دلالة النصوص عاملان:
الأول إما لكون اللفظ غريبًا، نحو لفظ المزابنة والمحاقلة والمنابذة، ومن هذا القبيل اختلافهم في تفسير لا طلاق ولا عتاق في إغلاق. ففسره كثير من الحجازيين بالإكراه وفسره كثير من العراقيين بالغضب، ومنهم من فسره بجمع الطلاق في كلمة واحدة باعتبار أنه مأخوذ من غلق باب الطلاق جملة.
أو لكون اللفظ مشتركًا أو مجملًا أو مترددًا بين حمله على معناه عند الإطلاق (الحقيقة) أو حمله على معناه عند التقييد (مجاز) كاختلافهم في القرء ومعناه.
معرفة دلالة اللفظ وموضوعه، ولكن لا يتفطن لدخول هذا الفرد المعين تحت اللفظ إما لعدم تصوره لذلك الفرد أو لعدم حضوره بباله أو لاعتقاده أنه مختص بما يخرجه عن اللفظ العام.
عدم اعتقاد وجود دلالة في لفظ النص على الحكم المتنازع عليه، وهذا له أربعة حالات:
أن لا يعرف مدلول اللفظ في عرف الشارع فيحمله على خلاف مدلوله في العرف الشرعي.
أن يكون له في عرف الشارع معنيين فيحمله على أحدهما ويحمله المخالف على الآخر.
أن يفهم من العام خاصًا أو من الخاص عامًا، أو من المطلق مقيدًا أو من المقيد مطلقًا.
стр. 46
أن ينفي دلالة اللفظ مع أن اللفظ تارة يكون مصيبًا في الدلالة وتارة يكون مخطئًا، فمن نفى دلالة قول الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ على حل أكل ذي المخلب والناب أصاب، ومن نفى دلالة العام على ما عدا محل التخصيص غلط ومن نفى دلالته على ماعدا محل السبب غلط.
اعتقاد أن دلالة النص عارضها ما هو مساو لها فيجب التوقف، أو عارضها ما هو أقوى فيجب تقديمه، ولهذا أقسام متعددة. (١) ومن أمثلة ذلك
стр. 47
أولا: لما حدث ابن عباس عائشةَ بحديث عمر بن الخطاب ﵃ أن النبي ﷺ قال: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه "، (١) أنكرت ذلك وقالت:"إنكم لتحدثوني عن غير كاذبين ولا مكذبين، ولكن السمع يخطئ، يرحم الله عمر، لا والله ما قاله رسول الله ﷺ قط إن الميت يعذب ببكاء أحد، ولكنه قال: " إن الكافر يزيده الله ببكاء أهله عذابا، وإن الله لهو أَضْحَكَ وَأَبْكَى، وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى» ، (٢) فظنت عائشة ﵂ أن هذا النص يخالف ما ثبت عندها من كلامه ﷺ بل يخالف مقتضى القرآن الكريم. (٣)
стр. 48
ثانيا: اختلاف العلماء في الجمع بين قوله - تعالى -: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة:٢٢١] ، وبين قوله - تعالى -: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة:٥] ، فالآية الأولى تحرم على المسلمين نكاح المشركات، والآية الثانية تحلل نكاح الكتابيات، وقد اختلف العلماء في نكاح الكتابيات، فالجمهور على جوازه، استنادا لآية المائدة، وقال بعض العلماء لا يجوز نكاح الكتابيات استنادا لآية البقرة، وظنا منهم أن آية المائدة معارضة بآية أصرح منها وهي آية البقرة. (١)
стр. 49
أولًا: البغي .
يقول شيخ الإسلام ابن تيميه وهو صاحب تجربة واسعة مع المخالفين، قال ﵀ الفتاوى ١٤ / ٤٨٢-٤٨٣:"وأنت إذا تأملت ما يقع من الاختلاف بين هذه الأمة علمائها وعبادها وأمرائها ورؤسائها وجدت أكثره من هذا الضرب الذي هو البغي بتأويل أو بغير تأويل كما بغت الجهمية على المستنة في محنة الصفات والقرآن محنة أحمد وغيره، وكما بغت الرافضة على المستنة مرات متعددة، وكما بغت الناصبة على علي وأهل بيته وكما قد تبغي المشبهة على المنزهة، وكما قد يبغي بعض المستنة إما على بعضهم، وإما على نوع من المبتدعة بزيادة على ما أمر الله به وهو الإسراف المذكور في قولهم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ ".
стр. 50
ثانيًا: الغرور بالنفس .
فالغرور بالنفس يولد الإعجاب بالرأي، والكبر على الخلق، فيصر الإنسان على رأيه، ولو كان خطأ، ويستخف بأقوال الآخرين، ولو كانت صوابا، فالصواب ما قاله، والخطأ ما قاله غيره، ولو ارعوى قليلا واتهم نفسه، وعلم أنها أمارة بالسوء، لدفع كثيرا من الخلاف والشقاق، ولكان له أسوة بنبينا ﷺ الذي قال الله - تعالى - له: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ ، (١) وإذا كانت صفة التواضع ولين الجانب من أوائل صفات المؤمنين، فإنها في حق من انتصب للعلم والدعوة والفتوى والتعليم أوجب وأكثر ضرورة وإلحاحا. (٢)
стр. 51
ثالثًا: سوء الظن بالآخرين .
فهو ينظر لجميع الناس بالمنظار الأسود، فأفهامهم سقيمة، ومقاصدهم سيئة، وأعمالهم خاطئة، ومواقفهم مريبة، كلما سمع من إنسان خيرا كذبه، أو أوَّله، وكلما ذُكر أحد بفضل طعنه وجرحه، اشتغل بالحكم على النيات والمقاصد، فضلا عن الأعمال والظواهر، والمصادرة للآخر قبل معرفة رأيه، أو سماع حجته، (١) ثم هو لا يتوقف عند هذا الحد، بل لسانه طليق في أعراض إخوانه، بسبهم، واتهامهم، وتجريحهم، وتتبع عثراتهم، فإن تورع عن الكلام في أعراض غيره من الفضلاء، سلك طريق الجرح بالإشارة، أو الحركة، بما يكون أخبث وأكثر إقذاعا، مثل: تحريك الرأس، وتعويج الفم، وصرفه، والتفاته، وتحميض الوجه، وتجعيد الجبين، وتكليح الوجه، والتغير، والتضجر. (٢) "وأنت ترى هؤلاء الجراح القصاب، كلما مر على ملأ من الدعاة اختار منهم (ذبيحا) فرماه بقذيفة من هذه الألقاب المرة، تمرق من فمه مروق السهم من الرمية، ثم يرميه في الطريق، ويقول: أميطوا الأذى عن الطريق فإنه من شعب الإيمان! " (٣)
стр. 52
رابعًا: حب الظهور بالجدل والمماراة
ويكون دافع ذلك في الغالب هوى مطاعًا، وقد يكون قلة الفقه أو الفراغ وترك الاشتغال بما ينفع.
وقد روى الإمام أحمد (١) وغيره عن أبي أمامة قال قال رسول الله ﷺ «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل ثم قرأ: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ » .
قال الإمام أبو يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة رحمهما الله: "الخصومة في الدين بدعة، وما ينقض أهل الأهواء بعضهم على بعض بدعة محدثة. لو كانت فضلًا لسبق إليها أصحاب رسول الله ﷺ وأتباعهم، فهم كانوا عليها أقوى ولها أبصر. وقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران:٢٠] ، ولم يأمره بالجدل، ولو شاء لأنزل حججًا، وقال له: قل كذا وكذا". (٢)
стр. 53
وقال ابن قتيبة ﵀ يصف الحال في أيام السلف عليه الرحمة والرضوان: "كان المتناظرون في الفقه يتناظرون في الجليل من الواقع والمستعمل من الواضح وفيما ينوب الناس فينفع الله به القائل والسامع، فقد صار أكثر التناظر فيما دق وخفي، وفيما لا يقع وفيما قد انقرض.. وصار الغرض فيه إخراج لطيفة، وغوصًا على غريبة، وردًا على متقدم ...
وكان المتناظرون فيما مضى يتناظرون في معادلة الصبر بالشكر وفي تفضيل أحدهما على الآخر، وفي الوساوس والخطرات ومجاهدة النفس وقمع الهوى فقد صار المتناظرون يتناظرون في الاستطاعة والتولد والطفرة والجزء والعرض والجوهر، فهم دائبون يخبطون في العشوات، قد تشعبت بهم الطرق، قادهم الهوى بزمام الردى..". (١)
فلما وقع الناس في الجدل تفرقت بهم الأهواء، قال عمرو بن قيس: (٢) قلت للحكم بن عتبة: (٣) ما اضطر الناس إلى الأهواء؟ قال: الخصومات. (٤)
وقد روي عن أبي قلابة -وكان قد أدرك غير واحد من أصحاب رسول الله ﷺ : «لا تجالسوا أصحاب الخصومات فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم بعض ما تعرفون» . (٥)
стр. 54
قال معن بن عيسى: "انصرف مالك بن أنس ﵁ يومًا من المسجد وهو متكئ على يدي، فلحقه رجل يقال له أبو الحورية، كان يتهم بالإرجاء، فقال: يا عبد الله! اسمع مني شيئا أكلمك به، وأحاجك وأخبرك برأيي.
قال: فإن غلبتني؟
قال: إن غلبتك اتبعني.
قال: فإن جاء رجل آخر فكلمنا فغلبنا؟
قال: نتبعه!
فقال مالك ﵀: يا عبد الله بعث الله محمدًا ﷺ بدين واحد وأراك تنتقل من دين إلى دين".
وقال عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه غرضًا للخصومات أكثر التنقل.
وجاء رجل إلى الحسن فقال: يا أبا سعيد تعال حتى أخاصمك في الدين، فقال الحسن: أما أنا فقد أبصرت ديني، فإن كنت أضللت دينك فالتمسه! (١)
وإذا كان الجدل والمراء والخصومة في الدين مذمومة على كل حال فإنها تتأكد في حق المقلدة والجهال.
ويتأكد ترك المراء والجدل في كل ما لا طائل من ورائه كملح العلوم والنوادر، وما لا يثمر عملًا غير السفسطة والتلاسن.
стр. 55
تنبيه: هذا السبب من أعظم أسباب الاختلاف المذموم، بل لا يكاد ينجم عنه اختلاف يحمد، ولعله عامل رئيس في إذكاء نار الفرقة والفتنة بين المسلمين، ولا سيما أن التنظير العلمي مستقر عند كثيرين ولكن على الرغم من ذلك يقع الافتراق لوقوع الخلل في هذا الجانب، والله المستعان.
стр. 56
رابعًا: ومن عوامل الاختلاف والتفرق: التعصب.
سواء كان سياسيًا أو مذهبيًا أو حزبيًا أو لأفراد ورموز، وسواء كان لفرط حب أو فرط بغض.
إن التعصب ران يطغى على القلب والعقل فيحجبهما، ومهما عرضت على المتعصب من الحجج والبراهين فلن يراهها.
يقول الماوردي ﵀: "ولقد رأيت من هذه الطبقة رجلا يناظر في مجلس حفل وقد استدل عليه الخصم بدلالة صحيحة فكان جوابه عنها أن قال: إن هذه دلالة فاسدة, وجه فسادها أن شيخي لم يذكرها وما لم يذكره الشيخ لا خير فيه. فأمسك عنه المستدل تعجبا; ولأن شيخه كان محتشما. وقد حضرت طائفة يرون فيه مثل ما رأى هذا الجاهل, ثم أقبل المستدل علي وقال لي: والله لقد أفحمني بجهله وصار سائر الناس المبرئين من هذه الجهالة ما بين مستهزئ ومتعجب, ومستعيذ بالله من جهل مغرب". (١)
وما أقبح هذا الجهل يوم يسري إلى طوائف تعد نفسها في عداد العاملين للإسلام الذائدين عن حياضه، ويزداد هذا القبح يوم يزعم أصحابها أنهم أهل الفكر المستنير والعقول غير المنغلقة! ويتضاعف القبح يوم ينتسبون إلى السلف أو السنة، والسلف والسنة من هذا التعصب المقيت براء.
стр. 57
يقول العلم الإمام ابن تيميه ممتدحا الأئمة الأعلام: "ومن تعصب لواحد بعينه من الأئمة دون الباقين فهو بمنزلة من تعصب لواحد بعينه من الصحابة دون الباقين. كالرافضي الذي يتعصب لعلي دون الخلفاء الثلاثة وجمهور الصحابة. وكالخارجي الذي يقدح في عثمان وعلي ﵄ فهذه طرق أهل البدع والأهواء الذين ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أنهم مذمومون، خارجون عن الشريعة والمنهاج الذي بعث الله به رسوله ﷺ . فمن تعصب لواحد من الأئمة بعينه ففيه شبه من هؤلاء، سواء تعصب لمالك أو الشافعي أو أبي حنيفة أو أحمد أو غيرهم. ثم غاية المتعصب لواحد منهم أن يكون جاهلا بقدره في العلم والدين, وبقدر الآخرين، فيكون جاهلا ظالما، والله يأمر بالعلم والعدل، وينهى عن الجهل والظلم". (١)
стр. 58
وقال مشيرًا لآفة التعصب للحزب أو الجماعة: "وأما رأس الحزب فإنه رأس الطائفة التي تتحزب أي تصير حزبًا فإن كانوا مجتمعين على ما أمر الله به ورسوله من غير زيادة ولا نقصان فهم مؤمنون لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، وإن كانوا قد زادوا في ذلك ونقصوا مثل التعصب لمن دخل في حزبهم بالحق والباطل والإعراض عمن لم يدخل في حزبهم سواء كان على الحق والباطل فهذا من التفرق الذي ذمه الله تعالى ورسوله، فإن الله ورسوله أمرا بالجماعة والائتلاف ونهيا عن التفرقة والاختلاف وأمرا بالتعاون على البر والتقوى ونهيا عن التعاون على الإثم والعدوان". (١)
стр. 59
خامسًا: عوامل خارجية قادت إلى تفاقم الاختلاف .
وتتلخص في الحضارات والديانات التي ناصبت الإسلام العداء في القديم أو الحديث، وحتى لا يتشعب الحديث أتناول بالبيان العامل النصراني كمثال فأقول:
لقد جاء الإسلام فألف بين أشتات العرب، بل ألف بين أهل الخير من العالمين، فبلال ﵁ حبشي، وصهيب رومي، وسلمان فارسي، ومحمد بن إسماعيل شيخ المحدثين بخاري، وصلاح الدين الأيوبي بطل الحروب الصليبية كردي، ومحمد بن إسحاق أول من دون السيرة النبوية فارسي، والطبري شيخ المؤرخين والمفسرين تركي وإذا نظرت في سير تراجم أعلام الإسلام ومبدعيه وجدتهم من أقطار الأرض وأطرافها.
ومع ائتلاف هذه الخبرات المتنوعة وانسجامها ازدهرت حضارة الإسلام وقويت شوكة أهله.
وكان لهذا الائتلاف أثر في صد الغزو الصليبي عن بلاد المسلمين على مر التاريخ، وباسترجاع سير أولئك الذين وقفوا في وجه المد الصليبي تتضح هذه الحقيقة بجلاء ولعل أشهر نموذج هو صلاح الدين الأيوبي عليه رحمة الله.
стр. 60
وقد أدرك أعداء الإسلام من النصارى واليهود هذه الحقيقة، فكانت الخطوة الأولى التي قاموا بها من أجل السيطرة على بلاد الإسلام وجعلها تابعة ذليلة هي العمل على تفكيك وحدتهم عملًا بمشورة القساوسة ووصيتهم للساسة، ومن بعض أقوالهم في ذلك ما يلي: (١)
"١ - يقول القس سيمون:
إن الوحدة الإسلامية تجمع آمال الشعوب الإسلامية، وتساعد التملص من السيطرة الأوربية، والتبشير عامل مهم في كسر شوكة هذه الحركة، من أجل ذلك يجب أن نحوّل بالتبشير اتجاه المسلمين عن الوحدة الإسلامية.
٢- ويقول المبشر لورنس براون:
إذا اتحد المسلمون في إمبراطورية عربية، أمكن أن يصبحوا لعنةً على العالم وخطرًا، أو أمكن أن يصبحوا أيضًا نعمة له، أما إذا بقوا متفرقين، فإنهم يظلون حينئذ بلا وزن ولا تأثير.
ويكمل حديثه:
يجب أن يبقى العرب والمسلمون متفرقين، ليبقوا بلا قوة ولا تأثير.
٣- ويقول أرنولد توينبى في كتابه الإسلام والغرب والمستقبل:
إن الوحدة الإسلامية نائمة، لكن يجب أن نضع في حسابنا أن النائم قد يستيقظ.
стр. 61
٤- وقد فرح غابرائيل هانوتو وزير خارجية فرنسا حينما انحل رباط تونس الشديد بالبلاد الإسلامية، وتفلتت روابطه مع مكة، ومع ماضيه الإسلامي، حين فرض عليه الفرنسيون فصل السلطة الدينية عن السلطة السياسية.
٥- من أخطر ما نذكره من أخبار حول هذه النقطة هو ما يلي:
في سنة ١٩٠٧ عقد مؤتمر أوربى كبير، ضم أضخم نخبة من المفكرين والسياسيين الأوربيين برئاسة وزير خارجية بريطانيا الذي قال في خطاب الافتتاح:
إن الحضارة الأوروبية مهددة بالانحلال والفناء، والواجب يقضي علينا أن نبحث في هذا المؤتمر عن وسيلة فعالة تحول دون انهيار حضارتنا.
واستمر المؤتمر شهرًا من الدراسة والنقاش.
واستعرض المؤتمرون الأخطار الخارجية التي يمكن أن تقضي على الحضارة الغربية الآفلة، فوجدوا أن المسلمين هم أعظم خطر يهدد أوربا.
فقرر المؤتمرون وضع خطة تقضي ببذل جهودهم كلها لمنع إيجاد أي اتحاد أو اتفاق بين دول الشرق الأوسط، لأن الشرق الأوسط المسلم المتحد يشكل الخطر الوحيد على مستقبل أوربا.
وأخيرًا قرروا إنشاء قومية غربية معادية للعرب والمسلمين شرقي قناة السويس، ليبقى العرب متفرقين.
стр. 62
وبذا أرست بريطانيا أسس التعاون والتحالف مع الصهيونية العالمية التي كانت تدعو إلى إنشاء دولة يهودية في فلسطين".
وقد ترجم المنصرون وأتباعهم تلك التصورات إلى حركات ونعرات عنصرية أو قومية نجحت في التأليب على دولة الخلافة الإسلامية وفي تفكيك عرى الإخوة بين المؤمنين عربًا وتركًا.
стр. 63
وإذا تأملت رواد حركة القومية العربية وجدت "كثرة كبيرة من رجال الرعيل الأول في هذه الحركة وفي هذا البعث من مسيحيي لبنان، مثل البستاني واليازجي والشدياق وأديب إسحاق ونقاش وشمّيل وتقلا ومشاقة وزيدان ونمر وصروف. وأغلبهم ممن اتصلوا بالإرساليات الإنجيلية الأمريكية التي بدأت تتوارد على بيروت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر لنشر مذهبهم البروتستانتي. وأكثرهم في الوقت نفسه قد رموا بالماسونية، فإبراهيم اليازجي (١٨٤٧ - ١٩٠٦م) وأبوه ناصيف اليازجي (١٨٠٠ - ١٨٧١م) كانا على صلة حسنة بالإرساليات الأمريكية الإنجيلية، وكانا يترددان على مطبعتهم في بيروت التي كان يشرف عليها وقتذاك الدكتور فانديك. وقد علم اليازجي الكبير في مدارسهم، وأعان ابنه في ترجمتهم التوراة إلى العربية، ثم قدم بعد ذلك إلى مصر ومات بها، واحتفلت المحافل الماسونية في القاهرة والإسكندرية بتأبينه، وهو صاحب قصيدتين مشهورتين في استنهاض همم العرب ودعوتهم إلى إحياء أمجاد آبائهم، ورفض التجبر والاستبداد، وفيهما دعا قومه من العرب إلى الثورة على الأتراك، وختم قصيدته مهددًا الترك بقوله:
стр. 64
صبرًا هيا أمة الترك التي ظلمت ... دهرًا فعما قليلٍ تُرفع الحجبُ
لنطلبن بحد السيف مأربنا ... فلن يخيب لنا في جنبه أَرَبُ
ونتركن علوج الترك تندب ما ... قد قدمته أياديها فتنتحبُ
ومن يعش يرَ والأيام مقبلة ... يلوح للمرء في أحداثها العجبُ
стр. 65
ومن مؤسسي هذه الدعوة أيضًا بطرس البستاني (١٨١٩ - ١٨٨٣م) ، وقد كان أيضًا على صلة بدعاة المذهب الإنجيلي والبروتستانت من الأمريكان، وتولي منصب الترجمة في قنصلية أمريكا ببيروت. وأعان الدكتور سمث المبشر الأمريكي ثم الدكتور فانديك من بعده في الترجمة البروتستانتية للتوراة التي تمت في سنة ١٨٦٤م، ثم طبعت في أمريكا سنة ١٨٦٦. وأعان الدكتور فانديك أيضًا في إنشاء مدرسة عبية الأمريكية، وهي مدرسة عليا ترجع أهميتها إلى أنها كانت تقوم بتدريس العلوم الحديثة من جغرافيا وطبيعة وكيمياء ورياضة باللغة العربية. وقد وضعت لذلك كتبًا خاصة قامت بطبعها، فشاركت بذلك في حركة الإحياء العربية ... ومن الذين شاركوا في هذه الدعوة أيضًا من مسيحيي لبنان فارس الشدياق (١٨٠١ - ١٨٨٧) ، الذي تسمى بعد إسلامه ... بأحمد، واتبع المذهب الإنجيلي على يد المرسلين الأمريكان، فتولوا حمايته من بطش رجال الإكليروس الذين حبسوا أخاه، وعذبوه حتى مات في سجنهم بسبب تغييره مذهبه. حضر على نفقتهم إلى مصر في أيام محمد علي، ثم طوف كثيرًا بين دول أوروبا والأستانة وتونس ومصر. ووصف كثيرًا من هذه الأسفار في صحيفته (الجوائب) التي أصدرها سنة ١٢٧٧هـ. وقد
стр. 66
استدعته جمعية ترجمة التوراة البروتستانتية في لندن سنة ١٨٤٨م فأعان في ترجمتها إلى العربية. وله كتب كثيرة تغلب عليها النزعة اللغوية.. ومن دعائم هذه الدعوة أيضًا سليم تقلا مؤسس صحيفة (الأهرام) المصرية (١٨٤٩ - ١٨٩٢م) . تلقى علومه في مدرسة عبية التي أنشأها المبشر الأمريكي الدكتور فانديك أحد مؤسسي الجامعة الأمريكية، التي بدأت سنة ١٨٦٦م باسم (الكلية السورية الإنجيلية) .
ومنهم جرجي زيدان (١٨٦١ - ١٩١٤م) الذي كان على صلة بالمبعوثين الأمريكان. وكان يدعى إلى احتفالات الخريجين بكليتهم، ثم التحق بالجامعة الأمريكية سنة ١٨٨١ لدراسة الطب، وغادرها دون أن يتم دراسته في العام التالي. وهو صاحب المباحث المعروفة في اللغة العربية وآدابها. ومؤلف سلسلة من القصص التاريخية العربية ... ومنذ ذلك الوقت نشأت التفرقة بين العروبة والإسلام على يد هذه الطائفة من المفكرين والكتاب من نصارى الشام". (١)
ولهذا لم يكن مستغربًا أن ينقلب الشاعر العراقي معروف الرصافي على دعاة الجامعة العربية حين عقدوا مؤتمرهم في باريس سنة ١٩١٣ بعد أن كان مؤيدًا لهم بشد أزر دعوتهم بشعره، وذلك في قصيدته (ما هكذا) التي بدأها بقوله:
стр. 67
أصبحت أوسعهم لومًا وتثريبًا ... لما امتطوا غارب الإفراط مركوبًا
وفيها يقول:
إني لأُبصر في (بيروت) قَائِبَةً ... للشَّرِ موشِكةً أنْ تخُرِج القُوبَا
لو كان في غير (باريزٍ) تألُّبَهم ... ما كنت أحسبهم قومًا مناكيبا
لكن (باريزَ) مازالت مطامِعُها ... ترنو إلى الشام تصعيدًا وتصويبا
ولم تزل كلَّ يوم في سياستها ... تلقي العراقيلَ فيها والعراقيبا
هل يأمن القوم أن يحتل ساحتهم ... جيش يَدكُّ من الشام الأهاضيا
стр. 68
وما قاله تحقق فما انتهت الحرب العالمية الأولى إلاّ والشام وغيرها من بلاد الإسلام موزعة بحسب القسمة التي تنبأ بها شكيب أرسلان في خطابه الموجه إلى الشريف حسين حين بلغه عزمه على غزو سوريا مع جيوش الحلفاء في الحرب العالمية الأولى. فأرسل ينهاه عن المضي فيما هو فيه من دعوة زعماء السوريين للخروج على الدولة العثمانية، والالتحاق بالجيش الحسيني العربي، ويحذره عاقبة هذه الغارات التي يضرب فيها العرب بالعرب، فيقول له فيما يقول: "أتقاتل العرب بالعرب أيها الأمير، حتى تكون ثمرة دماء قاتلهم ومقتولهم استيلاء إنجلترا على جزيرة العرب، وفرنسا على سورية، واليهود على فلسطين؟ "ثم يخاطب القائمين بالدعوة قائلًا: "قل لهؤلاء القائمين بالدعوة العربية، الناهضين لحفظ حقوقها وأخذ تاراتها: ماذا إلى اليوم أمنوا من حقوق العرب بقيامهم؟
стр. 69
يقولوا لنا: ماذا أقاموا للعرب من الملك حتى نشكرهم، ونقر بفضلهم، لأننا عرب نحب كل من أحب العرب، ونبغض كل من أبغض العرب، ولا نبالي بالقيل والقال أمام الحقائق". (١) وحتى لا نستغرق في الاستطراد نرجع فنؤكد على التأثير النصراني في تفرقة المسلمين، وننبه إلى أنه لم يكن وليد العصر الحديث ولكنه اشتد ونجح في القرون الأخيرة فأتى أكله وثماره المريرة، ولا يعني ذلك بحال عدم وجود محاولات قديمة من النصارى لتفريق صف المسلمين بل كانت لهم صولات وجولات كان لها أثرها الفعال في شق صف أمة الإسلام.
فـ"المراجع القديمة تثبت لنا أن القدرية أخذوا أقوالهم في القدر عن النصرانية، وتذكر لنا اسمين ارتبط بهما شيوع ذلك الاتجاه ونقله إلى المسلمين، وهما معبد الجهني وغيلان الدمشقي، قال ابن قتيبة ﵀ عن غيلان: كان قبطيًا قدريًا، لم يتكلم أحد في القدر قبله، ودعا إليه معبد الجهني.. ونحوًا مما ذكره ابن قتيبة نقل عن الأوزاعي وابن نباتة والمقريزي وغيرهم". (٢)
فأثر النصارى في اختلاف المسلمين قديم، وأما أثر اليهود فهو أظهر وأخطر في القديم والحديث، ولعله لا يتسع المقام لبسطه، وقد ركزت على الأثر النصراني لخفائه عن البعض.
стр. 70
أولًا: الضعف والعجز .
والنتيجة الطبيعية لذلك تخلف النصر وفشل الأمة وعجزها، قال الله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ .
قال ابن سعدي: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا﴾ تنازعا يوجب تشتت القلوب وتفرقها، ﴿فَتَفْشَلُوا﴾ أي: تجبنوا ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أي: تنحل عزائمكم، وتفرق قوتكم، ويرفع ما وعدتم به من النصر على طاعة الله ورسوله". (١)
وفي الآية السابقة "عوامل النصر الحقيقية: الثبات عند لقاء العدو. والاتصال بالله بالذكر. والطاعة لله والرسول. وتجنب النزاع والشقاق. والصبر على تكاليف المعركة. والحذر من البطر والرئاء والبغي..". (٢)
وقد علم العقلاء بأن الاجتماع سبب قوة ومنعة..
كونوا جميعًا يا بني إذا اعترى ... خطب ولا تتفرقوا أفرادا
تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرًا ... وإذا افترقن تكسرت آحادا
стр. 71
ثانيًا: هلاك الأمة .
صح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه» . (١)
قال في تحفة الأحوذي: "واختلافهم عطف على الكثرة لا على السؤال لأن نفس الاختلاف موجب للهلاك بغير الكثرة". (٢)
стр. 72
قال ابن القيم ﵀: "وقد أخبر النبي ﷺ أن هلاك الأمم من قبلنا إنما كان باختلافهم على أنبيائهم وقال أبو الدرداء وأنس وواثلة بن الأسقع «خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نتنازع في شيء من الدين فغضب غضبا شديدا لم يغضب مثله قال ثم انتهرنا قال يا أمة محمد لا تهيجوا على أنفسكم وهج النار ثم قال أبهذا أمرتم أو ليس عن هذا نهيتم إنما هلك من كان قبلكم بهذا» وقال عمرو بن شعيب عن أبيه عن ابني العاص أنهما قالا «جلسنا مجلسا في عهد رسول الله ﷺ كأنه أشد اغتباطا فإذا رجال عند حجرة عائشة يتراجعون في القدر فلما رأيناهم اعتزلناهم ورسول الله ﷺ خلف الحجرة يسمع كلامهم فخرج علينا رسول الله ﷺ مغضبا يعرف في وجهه الغضب حتى وقف عليهم وقال يا قوم بهذا ضلت الأمم قبلكم باختلافهم على أنبيائهم وضربهم الكتاب بعضه ببعض وإن القرآن لم ينزل لتضربوا بعضه ببعض ولكن نزل القرآن يصدق بعضه بعضا ما عرفتم منه فاعملوا به وما تشابه فآمنوا به ثم التفت فرآني أنا وأخي جالسين فغبطنا أنفسنا أن لا يكون رآنا معهم» قال البخاري رأيت أحمد بن حنبل وعلي ابن
стр. 73
عبد الله والحميدي وإسحاق بن إبراهيم يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وقال أحمد بن صالح أجمع آل عبد الله على أنها صحيفة عبد الله ". (١)
стр. 74
ثالثًا: العقوبات المعنوية .
روى البخاري وغيره عن عبادة بن الصامت: «أن رسول الله ﷺ خرج يخبر بليلة القدر فتلاحى رجلان من المسلمين فقال إني خرجت لأخبركم بليلة القدر وإنه تلاحى فلان وفلان فرفعت» (١) الحديث.
قال النووي: "وفيه أن المخاصمة والمنازعة مذمومة وأنها سبب للعقوبة المعنوية"، (٢) وقال ابن حجر: "قوله " فتلاحى " بفتح الحاء المهملة مشتق من التلاحي بكسرها وهو التنازع والمخاصمة ... قال القاضي عياض: فيه دليل على أن المخاصمة مذمومة، وأنها سبب في العقوبة المعنوية أي الحرمان". (٣)
стр. 75
رابعًا: الجهل بالحق والبعد عنه .
فإذا رأى طالب الحق أن أهله مختلفين فيه على أقوال عددًا، وكل طرف منهم شط فيما اختار، التبس الأمر عليه وربما نفر من الحق وأهله جراء اختلافهم.
ونتيجة هذا أن يعيش أهل الحق غربة بين الناس:
وأي اغتراب فوق غربتنا التي ... لها أضحت الأعداء فينا تَحَكَّمُ
هذا والله نسأل أن يلم شعث الأمة، وأن يوحد صفها، وأن يجعل الدائرة لها، إنه على ذلك قدير وبالإجابة جدير، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.