ليبني عليها وجوب الإيمان بغيره من الكتب، فيقول: كيف يكون إيمانهم بكتابهم باعثًا على الكفر بما هو حق مثله؟ -لا، بل ﴿هُوَ الْحَقَّ﴾ كله (١) - وهل يعارض الحق حتى يكون الإيمان بأحدهما موجبًا للكفر بالآخر؟!.
ثم يترقى فيقول: وليس الأمر بين هذا الكتاب الجديد وبين الكتب السابقة عليه كالأمر بين كل حق وحق "فقد يكون الشيء حقًّا وغيره حقًّا فلا يتكاذبان، ولكنهما في شأنين مختلفين فلا يشهد بعضهما لبعض. أما هذا الكتاب فإنه جاء شاهدًا و ﴿مُصَدِّقًا﴾ لما بين يديه من الكتب. فأنى يكذب به من يؤمن بها؟!
ثم يستمر في إكمال هذا الوجه قائلًا: ولو أن التحريف أو الضياع الذي نال من هذه الكتب قد ذهب بمعالم الحق فيها جملة لكان لهم بعض العذر في تكذيبهم بالقرآن؛ إذ يحق لهم أن يقولوا: "إن البقية المحفوظة من هذه الكتب في عصرنا ليس بينها وبين القرآن هذا التطابق والتصادق، فليس الإيمان بها موجبًا للإيمان به" .. بل لو أن هذه البقية ليست عندهم ولكنهم كانوا عن دراستها غافلين، لكان لهم مثل ذلك العذر. أما وهذا القرآن مصدق لما هو قائم من الكتاب في زمنهم وبأيديهم ويدرسونه بينهم فبماذا يعتذرون وأنى يذهبون؟! هذا المعنى كله يؤديه لنا القرآن بكلمة ﴿لِمَا مَعَهُمْ﴾.
فانظر إلى الإحكام في صنعة البيان: إنما هي كلمة رُفعت (٢) وأخرى وُضعت (٣) في مكانها عند الحاجة إليها؛ فكانت هذه الكلمة حسمًا لكل عذر، وسدًّا لكل باب من أبواب الهرب؛ بل كانت هذه الكلمة وحدها بمثابة حركة تطويق للخصم تمت في
стр. 142
خطوة واحدة، وفي غير ما جلبة ولا طنطنة.
ولما قضى وطر النفس من هذا الجانب المطوي الذي ساقه مساق الاعتراض والاستطراد، استوى إلى الرد على المقصد الأصلي الذي تبجحوا بإعلانه والافتخار به، وهو دعواهم الإيمان بما أنزل عليهم، فأوسعهم إكذابًا وتفنيدًا، وبين أن داء الجحود فيهم داء قديم، قد أشربوه في قلوبهم ومضت عليه القرون حتى أصبح مرضًا مزمنًا، وأن الذي أتوه اليوم من الكفر بما أنزل على محمد ﷺ ما هو إلا حلقة متصلة بسلسلة كفرهم بما أنزل عليهم؛ وساق على ذلك الشواهد التاريخية المفظعة التي لا سبيل لإنكارها، في جهلهم بالله، وانتهاكهم لحرمة أنبيائه، وتمردهم على أوامره: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.
١ - تأمل كيف أن هذا الانتقال كانت النفس قد استعدت له في آخر المرحلة السابقة؛ إذ يفهم السامع من تكذيبهم بما يصدق كتابهم أنهم صاروا مكذبين بكتابهم نفسه؛ وهل الذي يكذب من يُصدقك يبقى مصدِّقًا لك؟!
غير أن هذا المعنى إنما أخذ استنباطًا من أقوالهم، وإلزامًا لهم بمآل مذهبهم، ولم يؤخذ بطريق مباشر من واقع أحوالهم. فكانت هذه هي مهمة الرد الجديد
وهكذا كانت كلمة ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾ مغلاقًا لما قبلها مفتاحًا لما بعدها، وكانت آخر درجة في سلم الغرض الأول هي أول درجة في سلم الغرض الثاني. فما أوثق هذا الالتحام بين أجزاء الكلام! وما أرشد هذه القيادة للنفس بزمام البيان، تدريجًا له على مدارجها، وتنزيلًا له على قدر حاجتها وفي وقت تلك الحاجة! فما هو إلا أن آنس تطلُّع النفس واستشرافها من تلك الكلمة إلى غاية، إذا هو قد استوى بها إلى تلك الغاية ووقفها عليها تامة كاملة.
٢ - وانظر كيف عدل بالإسناد عن وضعه الأصلي وأعرض عن ذكر الكاسب
стр. 143
الحقيقي لتلك الجرائم، فلم يقل: "فلم قتل آباؤكم أنبياء الله، واتخذوا العجل، وقالوا سمعنا وعصينا؟ "؛ إذ كان القول على هذا الوضع حجة داحضة في بادئ الرأي، مصلها كمثل محاجة الذئب للحَمَل في الأسطورة المشهور (١)، فكان يحق لهم في جوابها أن يقولوا: "وما لنا ولآبائنا؟ تلك أمة قد خلت، ولا تزر وازرة وزر أخرى".
ولو زاد مثلًا: "وأنتم مثلهم، قد تشابهت قلوبكم وقلوبهم" لجاء هذا التدارك بعد فوات الوقت، ولتراخى حبل الكلام وفترت قوته.
فكان اختصار الكلام على ما ترى -بوقفهم بادئ ي بدء في موقف الاتهام- إسراعًا بتسديد (٢) سهم الحجة إلى هدفها، وتنبيهًا في الوقت نفسه عل أنهم ذرية بعضها من بعض، وأنهم سواسية في الجرم، فعلى أيهم وضعت يدك فقد وضعتها على الجاني الأثيم؛ لأنهم لا ينفكون عن الاستنان بسنة أسلافهم، أو الرضا عن أفاعيلهم، أو الانطواء على مثل مقاصدهم.
٣ - وانظر كيف زاد هذا المعنى ترشيحًا بإخراج الجريمة الأولى وهي جريمة القتل في صيغة الفعل المضارع تصويرًا لها بصورة الأمر الواقع الآن، كأنه بذلك يعرض علينا هؤلاء القوم أنفسهم وأيديهم ملوثة بتلك الدماء الزكية.
٤ - ولقد كان التعبير بهذه الصيغة مع ذكر الأنبياء بلفظ عام مما يفتح بابًا من الإيحاش لقلب النبي العربي الكريم، وبابًا من الإطماع لأعدائه في نجح تدابيرهم ومحاولاتهم لقتله. فانظر كيف أسعفنا بالاحتراس عن ذلك كله بقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ فقطع بهذه الكلمة أطماعهم وثبت بها قلب حبيبه ﷺ إذ كانت بمثابة وعده إياه بعصمته من الناس. ذلك إلى ما فيها من تنبيه على أصل وضع الكلام وعلى ما صنع به
стр. 144
من التجوز المذكور آنفًا في الإسناد وفي الصيغة.
٥ - وانظر كيف جيء بالأفعال في الجرائم التالية على صيغة الماضي بعد أن وطأ لها بهذه الكلمة: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ فاستقام التاريخ على وضعه الطبيعي حين لم تبق هناك حاجة إلى مثل التعبير الأول.
٦ - وانظر إلى الآداب العالية في عرض الجريمة الثانية وهي جريمة الشرك؛ فإنها لما كانت أغلظ من سابقتها وأشد نكرًا في العقول نبه على ذلك ألطف تنبيه بحذف أحد ركنيها، فلم يقل: اتخذتم العجل إلهًا، بل طوى هذا المفعول الثاني استبشاعًا للتصريح به في صحبة الأول، وبيانًا لما بينهما من مفارقة .. وكم في هذا الحذف من تعبير وتهويل!! فرب صمت هو أنطق بالحكم، وأنكى في الخصم.
٧ - ثم انظر إلى النواحي التي أوثر فيها الإجمال على التفصيل، إعراضًا عن كل زيادة لا تمس إليها حاجة البيان في الحال، فقد قال: إن القرآن مصدق لما معهم، ولم يبين مدى هذا التصديق: أفي أصول الدين فحسب، أم في الأصول والفروع جميعًا، أم في الأصول وبعض الفروع، وإلى أي حد؟ ذلك أن هذا كلام الملوك لا يتنزل إلا بقدر معلوم. وماذا يعني الداعي إلى أصل الإيمان أن يمتد التطابق بين الأديان إلى فروعها أو لا يمتد؟ فليبحث علماء التشريع!
وقال: إنهم يقتلون أنبياء الله. فمن هم أولئك الأنبياء؟ … ليبحث علماء التاريخ!
وقال: إن موسى جاءهم بالبينات. فكم هي؟ وما هي؟
وقال: إنه أخذ عليهم ميثاقهم. فعلى أي شيء كان الميثاق؟
إن حكمة البيان القرآني لأجلُّ مِن أن تعرض لهذه التفاصيل في مثل هذا الموضع. ولو ذكرت ها هنا لكان مثلها مثل من يسأل: لم ضربت عبدك؟ فيقول: لأنه ضرب غلامًا
стр. 145
اسمه كذا واسم أبيه كذا وحليته وولد في عام كذا. ألا ترى أن هذا زائد وكثير (١).
٨ - ولو ذهبنا نتبع سائر ما في هذه القطعة من اللطائف لخرجنا عن حد التمثيل والتنبيه الذي قصدنا إليه. فلنكتفِ بتوجيه نظرك فيها إلى سر دقيق لا تراه في كلام الناس. ذلك أن المرء إذا أهمه أمر من الدفاع أو الإقناع أو غيرهما بدت على كلامه مَسحة الانفعال بأغراضه، وكان تأثيره بها في نفسك على قدر تأثره هو؛ طبعَا أو تطبعًا، فتكاد تحس بما يخالجه من المسرة في ظفره ومن الامتعاض في إخفاقه. بل تراه يكاد يهلك أسفًا لو أعرض الناس عن هداه إذا كان مؤمنًا بقضيته، مخلصًا في دعوته، كما هو شأن الأنبياء ﵈ أما هنا فإنك تلمح وراء الكلام قوة أعلى من أن تنفعل بهذه الأغراض، قوة تؤثر ولا تتأثر، تصف لك الحقائق: خيرها وشرها، في عزة من لا ينفعه خير، واقتدار من لا يضره شر.
هذا الطابَع من الكبرياء والعظمة تراه جليًّا من خلال هذا الأسلوب المقتصد في حجاجه أخذًا وردًّا، المقتصد في وصفه مدحًا وقدحًا.
انظر إليه حين يجادل عن القرآن فلا يزيد في وصفه على هذه الكلمة: ﴿هُوَ الْحَقَّ﴾. نعم إنها كملة تملأ النفس، ولكن هل تشبعك أيها الإنسان تلك الكلمة إذا أردت أن تصف حقيقة من الحقائق التي تقتنع بها وتحب أن تقنع بها الناس؟
وانظر إليه بعد أن سجل على بني إسرائيل أفحش الفحش وهو وضعهم البقر الذي هو مثل في البلادة موضع المعبود الأقدس، وبعد أن وصف قسوة قلوبهم في تأبِّيهم على أوامر الله مع حملهم عليها بالآيات الرهيبة؛ فتراه لا يزيد على أن يقول في الأولى: إن هذا "ظلم" وفي الثانية: "بئسما" صنعتم. أذلك كل ما تقابل به هذه الشناعات؟ نعم،
стр. 146
إنهما كلمتان وافيتان بمقدار الجريمة لو فُهمتا على وجههما، ولكن أين الألم وحرارة الاندفاع في الانتقام؟ بل أين الإقذاع والتشنيع؟ وأين الإسراف والفجور الذي تراه في كلام الناس إذا أُحفظوا بالنيل من مقامهم؟
لله ما أعفَّ هذه الخصومة، وما أعز هذا الجناب وأغناه عن شكر الشاكرين وكفر الكافرين، وتالله إن هذا كلام لا يصدر عن نفس بشر.
стр. 147
القرآن إيجاز كله:
القرآن إيجاز كله، سواء مواضع إجماله ومواضع تفصيله:
قلنا: إن القرآن الكريم يستثمر دائمًا برفق أقل ما يمكن من اللفظ في توليد أكثر ما يمكن من المعاني. أجل؛ تلك ظاهرة بارزة فيه كله؛ يستوي فيها مواضع إجماله التي يسميها الناس مقام الإيجاز، ومواضع تفصيله التي يسمونها مقام الإطناب. ولذلك نسميه إيجازًا كله (١)؛ لأننا نراه في كلام المقامين لا يجوز سبيل القصد، ولا يميل إلى الإسراف ميلًا ما، ونرى أن مراميه في كلام المقامين لا يمكن تأديتها كاملة العناصر
стр. 148
والحلى بأقل من ألفاظه ولا بما يساويها. فليس فيه كلمة إلا هي مفتاح لفائدة جليلة،
стр. 149
وليس فيه حرف إلا جاء لمعنى.
١ - ليس في القرآن كلمة مقحمة ولا حرف زائد زيادة معنوية:
دع عنك قول الذي يقول في بعض الكلمات القرآنية إنها "مقحَمة" وفي بعض حروفه إنها "زائدة" زيادة معنوية. ودع عنك قول الذي يستخف كلمة "التأكيد" فيرمي بها في كل موطن يظن فيه الزيادة، لا يبالي أن تكون تلك الزيادة فيها معنى المزيد عليه فتصلح لتأكيده أو لا تكون، ولا يبالي أن يكون بالموضع حاجة إلى هذا
стр. 150
التأكيد أو لا حاجة له به.
أجل، دع عنك هذا وذاك، فإن الحكم في القرآن بهذا الضرب من الزيادة أو شبهها إنما هو ضرب من الجهل -مستورًا أو مكشوفًا- بدقة الميزان الذي وضع عليه أسلوب القرآن.
وخذ نفسك أنت بالغوص في طلب أسراره البيانية على ضوء هذا المصباح. فإن عمي عليك وجه الحكمة في كلمة منه أو حرف فإياك أن تعجل كما يعجل هؤلاء الظانون؛ ولكن قل قولًا سديدًا هو أدنى إلى الأمانة والإنصاف. قل: "الله أعلم بأسرار كلامه، ولا علم لنا إلا بتعليمه". ثم إياك أن تركن إلى راحة اليأس فتقعد عن استجلاء تلك الأسرار قائلًا: أين أنا من فلان وفلان؟ .. كلا، فرب صغير مفضول قد فطن إلى ما لم يفطن له الكبير الفاضل. ألا ترى إلى قصة ابن عمر في الأحجية المشهورة (١)؟ فجِدَّ في الطلب وقل: رب زدني علمًا، فعسى الله أن يفتح لك بابًا من الفهم تكشف به شيئًا مما عمي على غيرك. والله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور. ولنضرب لك مثلًا، قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ (٢).
سر زيادة الكاف في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾:
"أكثر" أهل العلم قد ترادفت كلمتهم على زيادة الكاف بل على وجوب زيادتها في هذه الجملة، فرارًا من المحال العقلي الذي يفضي إليه بقاؤها على معناها الأصلي من التشبيه؛ إذ رأوا أنها حينئذ تكون نافية الشبيه عن مثل الله، فتكون تسليمًا بثبوت المثل
стр. 151
له سبحانه، أو على الأقل محتملة لثبوته وانتفائه؛ لأن السالبة -كما يقول علماء المنطق- تصدق بعدم الموضوع. أو (١) لأن النفي -كما يقول علماء النحو- قد يوجه إلى المقيد وقيده جميعًا. تقول: "ليس لفلان ولدٌ يعاونه" إذا لم يكن له ولد قط أو كان له ولد ولا يعاونه. وتقول: "ليس محمدٌ أخًا لعلي" إذا كان أخًا لغير علي أو لم يكن أخًا لأحد.
"وقليل منهم" من ذهب إلى أنه لا باس ببقائها على أصلها؛ إذ رأى أنها لا تؤدي إلى ذلك المحال لا نصًّا ولا احتمالًا؛ لأن نفي مثل المثل يتبعه في العقل نفي المثل أيضًا.
وذلك أنه لو كان هناك مثل الله لكان لهذا المثل مثل قطعًا وهو الإله الحق نفسه، فإن كل متماثلين يعد كلاهما مثلًا لصاحبه، وإذًا لا يتم انتفاء مثل المثل إلا بانتفاء المثل وهو المطلوب.
وقصارى هذا التوجيه -لو تأملته- أنه مصحح لا مرجح، أي أنه ينفي الضرر عن هذا الحرف، ولكنه لا يثبت فائدته ولا يبين مسيس الحاجة إليه؛ ألست ترى أن مؤدي الكلام معه كمؤداه بدونه سواء، وأنه إن كان قد ازداد به شيئًا فإنما ازداد شيئًا من التكلف والدوران وضربًا من التعمية والتعقيد. وهل سبيله إلا سبيل الذي أراد أن يقول: "هذا فلان" فقال: "هذا ابن أخت خالة فلان"؟ فمآله إذًا إلى القول بالزيادة التي يسترونها باسم التأكيد، ذلك الاسم الذي لا تعرف له مسمى ها هنا؛ فإن تأكيد المماثلة ليس مقصودًا البتة، وتأكيد النفي بحرف يدل على التشبيه هو من الإحالة بمكان.
ولو رجعت إلى نفسك قليلًا لرأيت هذا الحرف في موقعه محتفظًا بقوة دلالته، قائمًا
стр. 152
بقسط جليل من المعنى المقصود في جملته، وأنه لو سقط منها لسقطت معه دعامة المعنى، أو لتهدم ركن من أركانه، ونحن نبين لك هذا من طريقين، أحدهما أدق مسلكًا من الآخر:
"الطريق الأول" -وهو أدنى الطريقين إلى فهم الجمهور: أنه لو قيل: "ليس مثله شيء" لكان نفيًا للمثل المكافئ، وهو المثل التام المماثلة فحسب؛ إذ إن هذا المعنى الذي ينساق إليه الفهم من لفظ المثل عند إطلاقه. وإذًا لدب إلى النفس دبيب الوساوس والأوهام: أن لعل هنالك رتبة لا تضارع رتبة الألوهية ولكنها تليها، وأن عسى أن تكون هذه المنزلة للملائكة والأنبياء، أو للكواكب وقوى الطبيعة، أو للجن والأوثان والكهان، فيكون لهم بالإله الحق شبه ما في قدرته أو علمه، وشرك ما في خلقه أو أمره .. فكان وضع هذا الحرف في الكلام إقصاءً للعالم كله عن المماثلة وعما يشبه المماثلة وما يدنو منها، كأنه قيل: ليس هناك شيء يشبه أن يكون مثلًا لله، فضلًا عن أن يكون مثلًا له على الحقيقة. وهذا باب من التنبيه بالأدنى على الأعلى، على حد قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ (١) نهيًا عن يسير الأذى صريحًا، وعما فوق اليسير بطريق الأحرى.
"الطريق الثاني" -وهو أدقهما مسلكًا: أن المقصود الأولي من هذه الجملة وهو نفي الشبيه، وإن كان يكفي لأدائه أن يقال: "ليس كالله شيء" أو "ليس مثله شيء" لكن هذا القدر ليس هو كل ما ترمي إليه الآية الكريمة، بل إنها كما تريد أن تعطيك هذا الحكم تريد في الوقت نفسه أن تلفتك إلى وجه حجته وطريق برهانه العقلي.
ألا ترى أنك إذا أردت أن تنفي عن امرئ نقيصة في خلقه فقلت: "فلان لا يكذب ولا يبخل" أخرجت كلامك عنه مخرج الدعوى المجردة عن دليلها. فإذا زدت فيه
стр. 153
كلمة فقلت: "مثل فلان لا يكذب ولا يبخل" لم تكن بذلك مشيرًا إلى شخص آخر يماثله مبرأً من تلك النقائص، بل كان هذا تبرئة له هو ببرهان كلي، وهو أن من يكون على مثل صفاته وشيمه الكريمة لا يكون كذلك؛ لوجود التنافي بين طبيعة هذه الصفات وبين ذلك النقص الموهوم.
على هذا المنهج البليغ وضعت الآية الحكيمة قائلة: "مثله تعالى لا يكون له مثل". تعني أن من كانت له تلك الصفات الحسنى وذلك المثل الأعلى لا يمكن أن يكون له شبيه، ولا يتسع الوجود لاثنين من جنسه. فلا جرم جيء فيها بلفظين، كل واحد منهما يؤدي معنى المماثلة؛ ليقوم أحدهما ركنًا في الدعوى، والآخر دعامة لها وبرهانًا. فالتشبيه المدلول عليه "بالكاف" لمّا تصوب إليه النفي تأدَّى به أصل التوحيد المطلوب؛ ولفظ "المثل" المصرح به في مقام لفظ الجلالة أو ضميره نبه على برهان ذلك المطلوب.
واعلم أن البرهان الذي ترشد إليه الآية على هذا الوجه برهان طريف في إثبات وحدة الصانع، لا نعلم أحدًا من علماء الكلام حام حوله؛ فكل براهينهم في الوحدانية قائمة على إبطال التعدد بإبطال لوازمه وآثاره العملية. حسبما أرشد إليه قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (١).
стр. 154
أما آية الشورى المذكورة فإنها ناظرة إلى معنى وراء ذلك ينقض فرض التعدد من أساسه، ويقرر استحالته الذاتية في نفسه بقطع النظر عن تلك الآثار. فكأننا بها تقول لنا: إن حقيقة الإله ليست من تلك الحقائق التي تقبل التعدد والاشتراك والتماثل في مفهومها، كلا، فإن الذي يقبل ذلك إنما هو الكمال الإضافي في الناقص، أما الكمال التام المطلق الذي هو قوام معنى الإلهية، فإن حقيقته تأبى على العقل أن يقبل فيها المشابهة والاثنيْنيَّة؛ لأنك مهما حققت معنى الإلهية حققت تقدمًا على كل شيء وإنشاءً لكل شيء: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وحققت سلطانًا على كل شيء وعلوًّا فوق كل شيء: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فلو ذهبت تفترض اثنين يشتركان في هذه الصفات لتناقضتَ؛ إذ تجعل كل واحد منهما سابقًا مسبوقًا، ومنشئًا منشأً. ومستعليًا مستعلًى عليه. أو لأحلت الكمال المطلق إلى كمال مقيد فيهما؛ إذ تجعل كل واحد منهما بالإضافة إلى صاحبه ليس سابقًا ولا مستعليًا. فأنى يكون كل منهما إلهًا، وللإله المثل الأعلى؟!
أرأيت كم أفدنا من هذه "الكاف" وجوهًا من المعاني كلها شاف كاف؟
فاحفظ هذا المثال وتعرف به دقة الميزان الذي وضع عليه النظم الحكيم حرفًا حرفًا.
الإيجاز بالحذف مع الوضوح والطلاوة:
"وبعد" فإن سر الإيجاز في القرآن لا يقف عند الحد الذي أشرنا إليه، من اجتناب الحشو والفضول بتة، وانتقاء الألفاظ الجامعة المانعة التي هي -بطبيعتها اللغوية- أتم تحديدًا للغرض، وأعظم اتساعًا لمعانيه المناسبة، لا، بل إنه كثيرًا ما يسلك في إيجازه
стр. 155
سبيلًا أعز وأعجب.
فلقد راه يعمد -بعد حذف فضول الكلام وزوائده -إلى حذف شيء من أصوله وأركانه التي لا يتم الكلام في العادة بدونها، ولا يستقيم المعنى إلا بها، ولقد يتناول بهذا الحذف كلماتٍ وجملًا كثيرة متلاحقة ومتفرقة في القطعة الواحدة، ثم تراه في الوقت نفسه يستثمر تلك البقية الباقية من اللفظ في تأدية المعنى كله بجلاء ووضوح، وفي طلاوة وعذوبة، حتى يخيل إليك من سهولة مسلك (١) المعنى في لفظه أن لفظه أوسع منه قليلًا.
فإذا ما طلبتَ سر ذلك رأيته قد أودع معنى الكلمات أو الجمل المطوية في كلمة هنا وحرف هناك، ثم أدار الأسلوب إدارة عجيبة وأمر عليها جَنْدَرة البيان بيد صَنَاع، فأحكم بها خلقه وسواه. ثم نفخ فيه من روحه، فإذا هو مصقول أملس، وإذا هو نير مشرق، لا تشعر النفس بما كان فيه من حذف وطي، ولا بما صار إليه من استغناء واكتفاء، إلا بعد تأمل وفحص دقيق.
لا نكران أن العرب كانت تعرف شيئًا من الحذف في كلامها، وترى ذلك من الفضيلة البيانية متى قامت الدلائل اللائحة على ذلك المحذوف، ولو كان من أجزاء الجملة ومقوماتها. فإذا قيل للعربي: أين أخوك؟ قال: في الدار. وإذا قيل له: من في الدار؟ قال: أخي. ولو قال: أخي في الدار، لعد ذلك منه ضربًا من اللغو والحشو. لكن الشأو الذي بلغه القرآن في هذا الباب -كغيره من أبواب البلاغة- ليس في متناول الألسنة والأقلام، ولا في متناول الأماني والأحلام.
стр. 156
مثال تطبيقي من سورة يونس والأنفال:
خذ لذلك مثلًا قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (١).
الآية مسوقة في شأن منكري البعث الذين قال لهم النبي: إني رسول الله إليكم، وإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقالوا متهكمين: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٢). فلما لم يجبهم الله إلى اقتراحهم وأخر عنهم العذاب إلى ساعته المحدودة أطغاهم طول الأمن والدعة والعافية الحاضرة حتى نسوا ريب الدهر وأمنوا مكر الله، فجعلوا يستعجلون بالشر استعجالهم بالخير، ويقولون: متى هو؛ وما يحبسه لو كان آتيًا؟!
أراد القرآن أن يقوم في جواب هذا الاستعجال: لو كانت سنة الله قد مضت بأن يعجل للناس الشر إذا استعجلوه، كتعجيله لهم الخير إذا استعجلوه، لعجله لهؤلاء. ولكنه قد جرت سنته التي لا تتبدل بأن يمهل الظالمين ويؤخر حسابهم إلى أجل مسمى. وعلى وفق هذا النظام المسنون سيترك هؤلاء وشأنهم حتى يجيء وقتهم.
هذا هو الوضع الذي يوضع عليه الكلام في ألسنة الناس وفي طبيعة اللغة لتأدية المعنى الإجمالي الذي ترمي إليه الآية. فانظر ماذا جرى .. ؟
١ - وكان الكلام في وضعه العادي مؤلفًا من قضايا ثلاث: اثنتان منها بمثابة المقدمات. والثالثة بمنزلة النتيجة. فاقتصر القرآن على الأولى والأخيرة. أما الوسطى وهي الاستدراك -أو الاستثنائية كما يسميها علماء المنطق- فقد طواها طيًّا.
стр. 157
٢ - وكانت المقدمة الأولى في وضعها الساذج تتألف من أربعة أطراف: تعجيل من الله في الخير وفي الشر، واستعجال من الناس كذلك. ولكن الكلام ها هنا ليس فيه إلا تعجيل واحد من الله، واستعجال واحد من الناس.
٣ - وكانت المقابلة في الشبيه بحسب الظاهر إنما هي بين تعجيل وتعجيل، أو بين استعجال واستعجال، فأدير الكلام في الآية على وجه غريب، وجعلت المشابهة بين تعجيل واستعجال.
وبعد هذا التصرف كله هل ترى كلامًا مبتورًا أو طريق ملتويًا يتعثر فيه الفهم؟ أم ترى مغزى الآية لائحًا للعامة والخاصة، كالبدر ليس دونه سحاب؟
فارجع إلى طلب شيء من أسرار البيان، وقل: كيف جاء هذا الإشراق مع هذا الاختصار البليغ؟
نقول: "أما الأول" فإنه لم يدع تلك المقدمة المطوية إلا بعد أن رفع لها علمين من جانبيها يدلان على مكانها ويوحيان بها إلى النفس من وراء حجاب؛ فقد أقام عن يمينها كلمة "لو" الامتناعية التي صدر بها المقدمة الأولى، دلالة على أنه لا يكون منه هذا التعجيل، وعن يسارها حرف التفريع الذي صدر به النتيجة في قوله: "فنذر" لكي ينم على أن لهذا الفرع أصلًا من جنسه يقال فيه: ولكن شأنه أن يذر الناس؛ فلذلك يذر هؤلاء.
ولما كانت الفاء وحده ليست نصًّا في المطلوب؛ لأنها كما تكون للتفريع تكون لمجرد العطف، فربما اتصل القارئ عاطفًا بها على جزاء الشرط قبلها، من قبل أن يتبين له فساد المعنى لو عطف، لم يكتف بالفاء، بل عززها بقوتين أخريين إذ حوَّل صيغة النتيجة من الماضي إلى المضارع، ثم من الغيبة إلى التكلم؛ ليكون هذا الانقطاع اللفظي بينها وبين وما قبلها إيذانًا بانقطاعها عنه معنًى، وإذنًا بالوقوف دونها، حتى لا تقع
стр. 158
النفس لحظة ما في أدنى اضطراب أو لبس، ذلك إلى ما في هذا التحويل من الافتنان في الأسلوب تجديدًا لنشاط السامع، ومن إلقاء الرعب في القلوب بصدور نطق الوعيد والاستدراج على لسان الجبروت الملكي نفسه.
"أما الثاني" فإنه لما حذف طرفين من الأطراف الأربعة لم يحذفهما من جنس واحد، بل أبقى من كل زوجين واحدًا هو نظير ما حذفه من صاحبه، لينبه بالمذكور على المحذوف. فكانت كلمة "التعجيل" منبهة على نظيرتها في المشبه به، وكلمة "الاستعجال" منبهة على مقابلتها في المشبه.
"أما الثالث" فإنه نبه به على معنى هو غاية في اللطف، وهو سر الإمهال، وحكمة عدم التعجيل من الله. ذلك بأنه صور هذا التعجيل المفروض بصورة تشبه التماس الطالب وحرصه الشديد على إرضاء شهوته وسد حاجته الملحة التي تبعثه على استعجاله، ولا سيما إذا كان يطلب الخير لنفسه. كأنه قيل: إنه تعالى لو عجل لهم ذلك لكان مثله بهذا التعجيل كمثل هؤلاء المستعجلين، في استقزاز البواعث إياه. حاشا لله.
هذا إلى تصرفات عجيبة أخرى:
"منها" أن كلمة "لو" بحسب وضعها وطبيعة معناها تتطلب أن يليها فعل ماض. ولكن المطلوب ها هنا ليس هو نفي المضي فحسب، بل بيان أن هذا الفعل خلاف سنة الله التي لن تجد لها تبديلًا. فلو أدي المعنى على هذا الوضع لطال الكلام، ولقيل: "لو كان سنة الله المستمرة في خلقه أن يعجل … إلخ": فانظر كيف اختصر الكلام في لفظ واحد بإخراج الفعل في صورة المضارع الدال على التكرار والاستمرار، واكتفى بوضع "لو" فرينة على أن ما بعدها ماض في معناه. وهكذا أدى الغرضين جميعًا في رفق ولين.
стр. 159
"ومنها" أنه كان مقتضى التطابق بين الشرط والجواب أن يوضع الجواب عِدْلًا له فيقال: "لعجَله"، ولكنه عدل إلى ما هو أفخم وأهول؛ إذ بين أنه لو عجل للناس الشر لعجل لهؤلاء منه نوعًا خاصًّا هم له أهل، وهو العذاب المستأصل الذي تقضى به آجالهم.
"ومنها" أنه كان مقتضى الظاهر في تقرير النتيجة أن يقال: "فنذرهم" أو "فنذر هؤلاء" ولكنه قال: ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ تحصيلًا لغرضين مهمين: أحدهما التنبيه على أن منشأ هذا الاستعجال منهم هو عدم إيمانهم بالبعث، والثاني التنبيه على أن قاعدة الإمهال من الله قاعدة عامة لهم ولأمثالهم.
"ومنها غير ذلك … ":
قل لنا بربك: لو ظفرت في كلام البشر بواحدة من هذه التصرفات، ففي أي أسلوب غير أسلوب القرآن تظفر بهذه المجموعة أو بما يدانيها، في هذا القدر أو في ضعفيه من الألفاظ؟
مثال آخر في المعنى نفسه:
قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ، أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ (١).
يقول الله تعالى: "نبئوني عن حالكم إن جاءكم العذاب بغتة في ليل أو نهار ماذا أنتم يؤمئذ صانعون؟ إنكم هنالك بين أمرين: فإما الإصرار على ما أنتم عليه الآن من تكذيب واستعجال؛ وإما الإيمان. فأيهما تختارون؟ "أتستعجلون" بالعذاب يومئذ كما تستعجلون به اليوم؟ كلا، فإنكم مجرومون، وكيف يتشوق المجرم لرؤية العذاب الذي إن جاء فهو لا محالة مواقعه؟ ثم نبئوني أي نوع منه تستعجلون؟ فإنه ليس نوعًا واحدًا بل
стр. 160
هو ألوان وفنون. "أم" أنتم اليوم تكذبون ثم إذا وقع بعد حين آمنتم به؟ ألا إنه لن ينفعكم يومئذ إيمانكم بعد أن ماطلتم وسوَّفتم حتى ضيعتم الفرصة وفاتكم وقت التدارك. بل هناك يقال لكم تنديمًا وتحسيرًا: الآن تؤمنون وقد كنتم به تكذبون وتستعجلون!!
هذا هو المعنى في ثوبه الطبيعي.
فانظر كم من كلمة وكم من جملة طويت في صدر الكلام وفي شقيه؟ وكيف أنها حين طويت لم يُترك شيء منها إلا وقد جعل في اللفظ مصباح يكشف عنه ومفتاح يوصل إليه؟ فوضع استفهامين متقابلين في الكلام دل على أن هنالك استفهامًا جامعًا لهما مرددًا بينهما، يقال فيه:
ماذا تصنعون، وأي الطريقين تسلكون؟
والاستفهام عن الصنف المستعجل به من العذاب دل على استفهام تمهيدي قبله عن حصول أصل الاستعجال. وكلمة "المجرمون" دلت على استحالة هذا الشق من التزديد. وكلمة "ثم" العاطفة دلت على المعطوف عليه المطوي بينها وبين الهمزة. ولفظ الظرف "الآن" دل على عامله المقدر. وقس على ذلك سائر المحذوفات .. حتى إن مدة الاستفهام الداخلة على هذا الظرف قد دلت على طول مدة التسويف الذي منع من قبول إيمانهم؛ لأنهم عُمِّروا ما يتذكر فيه مَن تذكَّر.
فمن ذا الذي يستطيع أن يجري في هذا المضمار شرفًا أو شرفين ثم لا تضطرب أنفاسُه، ولا تكبو به ركائبُ البيان وأفراسُه؟
اللهم إن من دون ذلك لَشُقَّةً بعيدة وسفرًا غير قاصد. وإن في دون ذلك لحدًّا للإعجاز.
стр. 161
٢ - القرآن في سورة سورة منه:
"الكثرة" و"الوحدة":
هذا الذي حدثناك عنه من عظمة الثروة المعنوية في أسلوب القرآن على وجازة لفظه، يضاف إليه أمر آخر، هو زينة تلك الثروة وجمالها، ذلك هو تناسق أوضاعها، وائتلاف عناصرها، وأخذ بعضها بحجز بعض، حتى إنها لتنتظم منها وحدة محكمة لا انفصام لها.
وأنت قد تعرف أن الكلام في الشأن الواحد إذا ساء نظمه انحلت وحدة معناه، فتفرق من أجزائها ما كان مجتمعًا، وانفصل ما كان متصلًا؛ كما تتبدد الصورة الواحدة على المرآة إذا لم يكن سطحها مستويًا، أليس الكلام هو مرآة المعنى؟ فلا بد إذًا لإبراز تلك الوحدة الطبيعية "المعنوية" من إحكام هذه الوحدة الفنية "البيانية". وذلك بتمام التقريب بين أجزاء البيان والتأليف بين عناصره؛ حتى تتماسك وتتعانق أشد التماسك والتعانق.
ليس ذلك بالأمر الهين كما قد يظنه الجاهل بهذه الصناعة؛ بل هو مطلب كبير "يحتاج" مهارة وحذقًا ولطف حس في اختيار أحسن المواقع لتلك الأجزاء: أيها أحق أن يجعل أصلًا أو تكميلًا، وأيها أحق أن يبدأ به أو يختم أو يتبوأ مكانًا وسطًا؟ "ثم يحتاج" مثل ذلك في اختيار أحسن الطرق لمزجها بالإسناد أو بالتعليق، أو بالعطف، أو بغيرها، هذا كله بعد التلطف في اختيار تلك الأجزاء أنفسها، والاطمئنان على صلة كل منها بروح المعنى، وأنها نقية من الحشو، قليلة الاستطراد، وأن أطرافها وأوساطها تستوي في تراميها إلى الغرض، ويستوي هو في استهدافه لها، كما تستوي أبعاد نقط
стр. 162
الدائرة بالقياس إلى المركز، ويستوي هو بالقياس إلى كل منها.
تلك حال المعنى الواحد الذي تتصل أجزاؤه فيما بينها اتصالًا طبيعيًّا.
فما ظنك بالمعاني المختلفة في جوهرها، المنفصلة بطبيعتها؟ كم من المهارة والحذق، بل كم من الاقتدار السحري يتطلبه التأليف بين أمزجتها الغريبة واتجاهاتها المتشعبة؟ حتى لا يكون الجمع بينها في الحديث كالجمع بين القلم والحذاء والمنشار والماء؛ بل حتى يكون لها مزاج واحد واتجاه واحد، وحتى يكون عن وحداتها الصغرى وحدة جامعة أخرى.
إنه من أجل عزة هذا المطلب نرى البلغاء وإن أحسنوا وأجادوا إلى حد ما في غرض غرض، كان منهم الخطأ والإساءة في نظم تلك الأغراض كلًّا أو جلًّا، "فالشعراء" حينما يجيئون في القصيدة الواحدة بمعان عدة، أكثر ما يجيئون بها أشتاتًا لا يلوي بعضها على بعض، وقليلًا ما يهتدون إلى حسن التخلص من الغرض إلى الغرض، كما في الانتقال من النسيب إلى المدح .. "والكتاب" ربما استعانوا على سد تلك الثغرات باستعمال أدوت التنبيه أو الحديث عن النفس؛ كقولهم: ألا وإن - هذا ولكن - بقي علينا - نعود - ولننتقل - قلنا - وسنقول. . .
هذا شأن الأغراض المختلفة إذا تناولها الكلام الواحد في المجلس الواحد. فكيف لو قد جيء بها في ظروف مختلفة وأزمان متطاولة؟ ألا تكون الصلة فيها أشد انقطاعًا، والهوة بينها أعظم اتساعًا؟
فإن كنت قد أعجبك من القرآن نظام تأليفه البياني في القطعة منه، حيث الموضوع واحد بطبيعته، فهلمَّ إلى النظر إلى السورة منه حيث الموضوعات شتى والظروف متفاوتة، لترى من هذا النظام ما هو أدخل في الإعجاب والإعجاز.
ألست تعلم أن ما امتاز به أسلوب القرآن من اجتناب سبيل الإطالة والتزام جانب
стр. 163
الإيجاز -بقدر ما يتسع له جمال اللغة- قد جعله هو أكثر الكلام افتنانًا، نعني أكثره تناولًا لشئون القول وأسرعه تنقلًا بينها (١)، من وصف، إلى قصص، إلى تشريع، إلى جدل، إلى ضروب شتى، بل جعل الفن الواحد منه يتشعب إلى فنون، والشأن الواحد فيه تنطوي تحته شئون وشئون.
جمع الأحاديث المختلفة المعاني، المتباعدة الأزمنة المتنوعة الملابسات في حديث واحد مسترسل هو مظنة التفكك والاقتضاب ومظنة المفارقة والتفاوت:
أوَ لست تعلم أن القرآن -في جل أمره- ما كان ينزل بهذه المعاني المختلفة جملة
стр. 164
واحدة، بل كان يتنزل بها آحادًا مفرقة على حسب الوقائع والدواعي المتجددة، وأن هذا الانفصال الزماني بينها؛ والاختلاف الذاتي بين دواعيها، كان بطيبعته مستتبعًا لانفصال الحديث عنها على ضرب من الاستقلال والاستئناف لا يدع بينها منزعًا للتواصل والترابط؟
ألم يكن هذان السببان قوتين متظاهرتين على تفكيك وحدة الكلام وتقطيع أوصاله إذا أريد نظم طائفة من تلك الأحاديث في سلك واحد تحت اسم سورة واحدة؟
خذ بيدك بضعة متون كاملة من الحديث النبوي كان التحديث بها في أوقات مختلفة، وتناولت أغراضًا متباينة؛ أو خذ من كلام من شئت من البلغاء بضعة أحاديث كذلك. وحاول أن تجيء بها سردًا لتجعل منها حديثًا واحدًا. من غير أن تزيد بينها شيئًا أو تنقص شيئًا. ثم انظر:
كيف تتناكر معانيها وتتنافر مبانيها في الأسماع والأفهام! وكيف يبدو عليها من الترقيع والتلفيق والمفارقة ما لا يبدو على القول الواحد المسترسل!
العجيبة الثالثة الكبرى التي خرجت بهذا التأليف القرآني عن طبيعة التأليف الإنساني:
وسبب ثالث كان أجدر أن يزيد نظم السورة تفكيكًا ووحدتها تمزيقًا. ذلك هو الطريقة التي اتبعت في ضم نجوم القرآن بعضها إلى بعض، وفي تأليف وحدات السور من تلك النجوم. وإنها لطريقة طريفة سنريك فيها العجيبة الثالثة الكبرى التي خرجت بهذا التأليف القرآني عن طبيعة التأليف الإنساني، فتعالَ وانظر!.
انظر إلى الإنسان حين يزاول صناعة ما من صناعاته التركيبية. ألا تراه يبدأ عمله دائمًا بتعرف أجزاء المركب ومقوماته، والوقوف على عناصره ومتمماته، قبل أن يبت
стр. 165
الحكم في تحديد موقع كل جزء منها؟ هاتان مرحلتان تتنزل الثانية منهما منزلة الصورة من مادتها. فلا جرم أن عكس القضية فيهما لا يكون إلا سيرًا بالعقل البشري في غير سبيله، وإدلاجًا به في مزلة لا قرار للإقدام عليها، ولا هدى للسالك فيها. وهل رأيت أحدًا سلك هذه السبيل المؤتفكة، ثم استقام له الأمر عليها إلى نهايته (١)؟
بل انظر إلى الإنسان حين يأخذ في ترتيب أجزاء المركب بعد جمعها. ألا تراه خاضعًا لسنة السير الطبيعي التي يخضع لها كل سائر إلى غرض ما؛ حسي أو عقلي؟ فهو إن قطع سبيله خطوات لم يستطع أن يجتاز أخراها قبل أولاها، وإن صعد فيه درجات لم يستطع أن يؤخر أسفلها عن أعلاها.
تلك حدود رسمتها قوانين الفطرة العامة، فلا يستطيع أحد أن يتخطاها. سواء في صناعاته المادية أو المعنوية. فالبنَّاء والحائك والكاتب والشاعر في هذه الحدود سواء.
ونضرب لك مثلا:
قدر في نفسك أن رجلًا نزل واديًا فسيحًا ليس عليه بنيان قائم، وليس به شيء من مواد البناء وأنقاضه، فما لبث أن أحس برجفة أرضية أو عاصفة سماوية، وإذا قمة الجبل تنصدع قليلًا فتلقي بجانبه صخرًا أو بضعه صخور .. ثم تمضي فترة طويلة أو
стр. 166
قصيرة، وإذا هزة ثانية أو ثالثة تلقي إليه شظيات من الحديد والحمم، أو نُثارات من الفضة والذهب .. أترى أن هذا الرجل أو أن أحدًا من العقلاء يستطيع منذ اللحظات الأولى أن يضع تصميمه على إقامة مدينة جامعة من تلك المواد المتناثرة ومما عساه أن يجيء من أمثالها؟ وأن يبدأ بالعمل في مهمة التخطيط والبنيان؟ فما يدريه لعل هذه الظواهر لا تتكرر أمامه نزلة أخرى، ثم ما يدريه أنها إن عادت كم مرة تعود، وما نوع المادة التي تتساقط معها في كل مرة، وكم عدة القطع في كل مادة من هذه المواد، وكم عدة الأبنية التي يمكن إقامتها منها، وما النظام الهندسي الخاص بكل بناء: سعة وارتفاعًا ونقشًا وزخرفًا، وما ذرع الفضاء الذي ستشغله هذه الأبنية جملة؟ ..
في هذا الجو المملوء غموضًا وإبهامًا لا يجرؤ عاقل أن يغامر بتصميمه في بناء كوخ حقير، فضلًا عن بلد كبير، فضلًا عن أن يهب من فوره لإنفاذ عزمه فيمضي في مهمة البناء منذ وصلت إليه تلك اللبنات الأولى.
ولئن افترضت إنسانًا غامر هذه المغامرة، وأن المقادير سارت في هواه، وأسعفته بما شاء من مواد البناء الذي تخيله وتمناه، أتراه يعمد إلى مخاطرة أخرى؛ فيتخذ له في البناء أسلوبًا يُراغِم به قانون الطبيعة، بأن يؤلي على نفسه ألا يدع لَبِنة تصل إلى يديه إلا أنزلها -في ساعة وصولها- منزلها الخليق بها حيث كان؟ ذلك على حين أن تلك اللبنات لم تتساقط إليه متجانسة مرتبة على ترتيبها في وضعها المنتظر، بل جعلت تتناثر خفافًا وثقالًا، مختلفًا ألوانها وأحجامها وعناصرها وطاقاتها، فربما وقعت له الزخارف والشرفات، قبل أن تقع له بعض القواعد والمسافات، وربما وقعت له على التوالي أجزاء ناقصة لتوضع في أماكن متفرقة من أبنية متنائية، أفلا تراه إن ذهب يضع كل جزء ساعة نزوله في موضعه المعين لم يجد مناصًا من أن يبدد أجزاء البناء هنا وهنا على أبعاد غير متساوية ولا متناسبة، فيقارب بينها طورًا ويباعد طورًا، ويعلو بها تارة وينزل تارة أخرى، حتى لقد يبني أعلى البيت قبل أسفله، ويمسك المحمول معلقًا بدون حامله.
стр. 167
فكيف يطيق بشرٌ كائنًا من كان أن يضطلع بهذه المهمة؟ ثم كيف يمضي قدمًا في هذا الأمر إلى نهايته، فلا يعود إلى جزء ما ليزيله عن موضعه الذي أحله فيه أول مرة، أو ليلتجئ فيه إلى نحت أو حشو أو دعامة؟ ثم كيف تكون عاقبة أمره أنه في الوقت الذي يضع فيه آخر لبنة على هذا المنهاج يرفع يده عن مدينة منسقة ليس فيها قصر ولا غرفة ولا لبنة ولا جزء صغير ولا كبير إلا وقد نزل منزله الرصين الذي يرتضيه ذوق الفن، حتى لو تبدل واحد منها مكان غيره لاختل البينان أو ساء النظام؟ أليس ذلك إن وقع يكون تحديًا للقدرة البشرية جمعاء؟
ألا فقد وقع مصداق هذا المثل في مسألتنا. إليك البيان:
"أما" الرجل فهو هذا النبي الأمي -صلوات الله عليه وسلامه.
"وأما" المدينة الجامعة التي شرع في بنائها منذ وقعت له لبناتها الأولى فذلك الكتاب العزيز الذي أخذ هو منذ وصلت إليه باكورة رسائله يرتب أجزاءه ترتيب الواثق المطمئن إلى أنه سيكون له منها ديوان تام جامع.
"وأما" القصور، والغرفات، واللبنات، فهي أجزاء هذا الديوان: من السور، والنجوم، والآيات.
"وأما" تلك العوامل الفجائية التي جعلت تستنزل من مختلف معادن الجبال ما ركبت منه هذه القصور المشيدة فتلك هي الأحداث الكونية والاجتماعية، والمشاكل الدينية والدنيوية التي كانت تعترض الناس آنًا بعد آن في شئونهم العامة والخاصة، فكان يتقدم بها المؤمن منهم مستفتيًا ومسترشدًا، والمكذب مستشكلًا ومجادلًا، وكان على وفق ذلك يتنزل الكلام نجمًا فنجمًا، بمعان تختلف باختلاف تلك المناسبات والبواعث، وبمقادير تتفاوت قلة وكثرة، وعلى طرق تتنوع لينًا وشدة .. ومن هذه النجوم المختلفة المتفرقة صارت تتألف تلك المجاميع المسماة بالسور، لا على أساس التجانس بين أجزاء
стр. 168
كل مجموعة منها، بل على أن يأوى إلى الحظيرة الواحدة ما شئت من فصائل الجنس الواحد والأجناس المتخالفة.
"وأما" الطريق العجب الذي اتبع في تأليف تلك الأبنية من أجزائها -وهو السبب الثالث الذي رفع المسألة من حد العسر إلى حد الإحالة- فهو أن ذلك الذي نزل عليه الذكر لم يتربص بترتيب نجومه حتى كملت نزولًا، بل لم يتريث بتأليف سورة واحدة منه حتى تمت فصولًا، بل كان كلما ألقيت آية أو آيات أمر بوضعها من فوره في مكان مرتب من سورة معينة. على حين أن هذه الآيات والسور لم تتخذ في ورودها التنزيلي سبيلها الذي اتبعته في وضعها الترتيبي؛ فكم من سورة نزلت جميعًا أو أشتاتًا في الفترات بين النجوم من سورة أخرى، وكم من آية في السورة الواحدة تقدمت فيها نزولًا وتأخرت ترتيبًا، وكم من آية على عكس ذلك.
نعم، لقد كان للنجوم القرآنية في تنزيلها وترتيبها ظاهرتان مختلفتان، وسبيلان قلما يلتقيان، ولقد خلص لنا من بين اختلافهما أكبر العبر في أمر هذا النظر القرآني.
فلو أنك نظرت إلى هذه النجوم عند تنزيلها، ونظرت إلى ما مهد لها من أسبابها، فرأيت كل نجم رهينًا بنزل حاجة ملمة، أو حدوث سبب عام أو خاص، إذًا لرأيت في كل واحد منها ذكرًا مُحدثًا لوقته، وقولًا مرتجلًا عند باعثته، لم يتقدم للنفس شعور به قبل حدوث سببه. ولرأيت فيه كذلك كلًّا قائمًا بنفسه لا يترسم نظامًا معينًا يجمعه وغيره في نسق واحد.
ولو أنك نظرت إليها في الوقت نفسه فرأيتها وقد أُعدَّ لكل نجم منها ساعة نزوله سياج خاص يأوي إليه سابقًا أو لاحقًا؛ وحدد له مكان معين في داخل ذلك السياج متقدمًا أو متأخرًا (١) إذًا لرأيت من خلال هذا التوزيع الفوري المحدود أن هنالك خطة
стр. 169
تفصيلية شاملة قد رمست فيها مواقع النجوم كلها من قبل نزولها، بل من قبل أن تخلق أسبابها، بل من قبل أن تبدأ الأطوار الممهدة لحدوث أسبابها، وأن هذه الخطة التي رسمت على أدق الحدود والتفاصيل قد أبرمت بآكد العزم والتصميم: فما من نجم وضع في سورة ما ثم جاوزها إلى غيرها، وما من نجم جعل في مكان من السورة آخرا أو أولا، ثم وجد عنه باد الدهر مصرفا أو متحولا.
وهنا تقف موقف الحيرة في أمرك، وتكاد تنكر ما تحت سمعك وبصرك، ثم ترجع إلى نفسك تسائلها عن وجه الجمع بين ما رأيت وما ترى: "أليس هذا التنزيل قد سمعته الآن جديدًا وليد يومه، ووحيدًا رهين سببه؛ فما لي أراه ليس جديدًا ولا وحيدًا؟ لكأني به وبالقرآن كله كان ظاهرًا على قلب هذا الرجل قبل ظهوره على لسانه، وكان على هذه الصورة مؤلفًا في صدره قبل أن يؤلفه ببيانه. وإلا فما باله يؤلف هذا التأليف بين آحاد لا تتداعى إلى الاجتماع بطبائعها؟ لماذا لم يذرها كما جاءت فرادى منثورة؟ وهلا إذ أراد جمعها أدخلها كلها في مجموعة واحدة؟ أو هلا قسمها إلى مجاميع متساوية أو متجانسة؟ ترى على أية قاعدة بني توزيعها وتحديد أوضاعها هكذا قبل تمامها أو تمام طائفة منها؟ هل عسى أن تكون هذه الأوضاع كلها جارية على محض المصادفة والاتفاق؟ كلا، فقد ظهر في كل وضع منها أنه مقصود إليه بعينه، كما ظهر القصد في كل طائفة أن تنتظم منها وحدة محدودة ذات ترتيب ومقدار بعينه .. أم هل عسى أن تكون هذه الأوضاع -وإن قصدت- ليست وليدة تقدير سابق، وإنما هي تجربة اختبارية أثمرتها فكرة وقتية؟ -كلا، فإن واضعها حين وضعها قد ضربها ضربة لازب، ثم لم يكر عليها بتبديل ولا تحويل. فعلام إذًا بنى لك القصد وهذا التصميم؟ ".
ولن يكون الجوانب الذي تسمعه من نفسك لو أصاخت إلى بديهة العقل إلا أن نقول:
стр. 170
"إنه لا يجرؤ في قرارة الغيب على وضع هذه الخطة المفصلة المصممة إلا أحد اثنين: جاهل جاهل في حضيض الجهل؛ أو عالم عالم فوق أطوار العقل. لا ثالث. "فأما" إن كان فرغ من نظام تأليفها وتركيبها من قبل أن يستحكم له العلم بأسباب ذلك ومقاصده وأدباره وعواقبه، وإنما بنى أمره على الظن والتحسس وعلى التخيل والتمني، فذلك امرؤ بلغت به الجرأة على نفسه أن أعلن ملك ما لا يملكه وادعى علم ما ستكشف الأيام عن جهله. وما عليك إلا أن تتربص به قليلًا لترى بطلان أمره وفساد صنعته، فهيهات أن يلد الجهل نظامًا جاريًا، وإحكامًا باقيًا. "وأما" إن كان قد فصلها على علم وبصر، وأعطى كل جزء منها موقعه بميزان وقدر، فلا ريب أن سيكون نظامًا مثال الإتقان وآية الجمال، ولكن واضعها إذًا لا يمكن أن يكون هو هذا الإنسان؛ إلا أن يكون قد استمدها من أفق أعلى من أفق نفسه ومحيط أوسع من محيط علمه؛ إذ أنى للإنسان وهو هذا المحكوم بطبيعة الدهر أن يكون عليها متحكمًا؟ أم كيف يتهيأ له وهو في جهله العتيد بمقدمات عمله أن يكون بنتائجها التفصيلية عالمًا؟ أفيكون بالشيء الواحد جاهلًا وعالمًا معًا؟ أم يكون من وجه واحد حاكمًا ومحكومًا معًا؟
"وهل رأيت أو سمعت أن أحدًا من الكتاب أو الشعراء استطاع في مفتتح حياته الأدبية أن يحصي كل ما سيجيء على لسانه من جيد الشعر أو النثر في المناسبات المتنوعة إلى آخر عهده بالدنيا، وأن يضع من أول يوم منهاجًا لديوانه المنتظر، يفصله تفصيلًا لا يقنع فيه بتقدير أبوابه وفصوله حتى يقدر لكل باب عدة ما يحويه من خطاب أو قصيدة، ويحدد لكل واحد من هذين مكانًا معلومًا لا يستقدم عنه ولا يستأخر، حتى إذا جاء عند داعيته رده إلى مكانه غير متلبث ولا متوقف، ثم ينجح في هذه التجربة نجاحًا مطردًا تنفذ فيه أحكامه وتتحقق به أحلامه، فيستقيم له النسق بين هذه المقطوعات كلها، من غير أن يقدم فيها شيئًا أو يؤخر شيئًا، ومن غير أن يزيد
стр. 171
بينها أو ينقص شيئًا.
"لعمري" لئن صح هذا الفرض في أحد من البشر لصح مثله في نبي القرآن ﷺ ولكن الإنسان هو الإنسان. ومن لم يحط علمًا بما سيعترضه في دهره من بواعث القول وفنونه فهو عن الإحاطة بنصوص هذا القول أبعد، وهو عن الإحاطة بمراتب هذه النصوص أشد بعدًا. بل الإنسان حين تحفزه باعثة القول وترد إليه سانحته لا يعدو فيها إحدى خطتين: فهو "إما" أن يدعها كما هي سانحة منعزلة. وكذلك يفعل في أمثالها، حتى إذا بلغ الغاية رجع أدراجه فأخذ فيها جمعًا وتفريقًا، وتبويبًا وترتيبًا. "وإما" أن يأخذ في ضم هذه النصوص، أولًا على وفق ورودها الأول فالأول. أما الثالثة وهي أن يجعلها هكذا "عزين". ولا يزال يظاهر من قريب وبعيد، عن أيمانها وعن شمائلها وفي خلالها، بهذه الطريقة المحددة، وبهذا الطريقة المشتتة المعقدة، على أن يجعل المكان الذي أحل كل سانحة فيه مكانًا مسجلًا لا تحول عنه ولا تزول. ثم يطمع أن يخرج له بتلك الصنعة ديوان كامل التقسيم والتبويب، جيد التنسيق والترتيب، مترابط متماسك في جملته وتفصيله، كلمة كلمة وحرفًا حرفًا، فتلك أمنية لا يظفر المرء منها إلا بعكس ما تمنى".
إحكام البنيان القرآني وتماسكه:
ها أنت ذا قد عرفت نهج التأليف الإنساني في صنعة البيان وغير البيان. ورأيت بُعْدَ ما بينه وبين نهج التأليف في نجوم القرآن. وعرفت ماذا كان يجب أن يحدث في النظم القرآني من جراء هذا النهج العجيب. في أسباب ثلاثة (١) من شأنها ألا يستقيم بها للكلام طبع. ولا يلتئم له معها شمل.
стр. 172
فانظر الآن استطاعت هذه الأسباب على تضافرها أن تنال شيئًا من استقامة النظم في السور المؤلفة على هذا النهج؟
أما العرب الذي تحداهم القرآن بسورة منه فلقد علمت لو أنهم وجدوا في نظم سورة منها مطمعًا لطامع، بله مغمزًا لغامز، لكان لهم معه شأن غير شأنهم. وهم هم.
وأما البلغاء من بعدهم فما زلنا نسمعهم يضربون الأمثال في جودة السبك وإحكام السرد بهذا القرآن حين ينتقل من فن إلى فن.
وأما أنت فأقبل بنفسك على تدبر هذا النظم الكريم لتعرف بأي يد وضع بنياته؟ وعلى أي عين صنع نظامه؟ حتى كان كما وصفه الله ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ (١).
اعمد إلى سورة من تلك السور التي تتناول أكثر من معنى واحد وما أكثرها في القرآن، فهي جمهرته -وتنقل بفكرتك معها مرحلة مرحلة، ثم ارجع البصر كرتين: كيف بدئت؟ وكيف ختمت؟ وكيف تقابلت أوضاعها وتعادلت؟ وكيف تلاقت أركانها وتعانقت؟ وكيف ازدوجت مقدماتها بنتائجها ووطئت أولاها لأخرها؟ ..
وأنا لك زعم بأنك لن تجد البتة في نظام معانيها أو مبانيها ما تعرف به أكانت هذه السورة قد نزلت في نجم واحد أم في نجوم شتى. ولسوف تحسب أن السبع الطول (٢) من سورة القرآن قد نزلت كل واحدة منها دفعة، حتى يحدثك التاريخ أنها كلها أو جلها (٣) قد نزلت نجومًا. أو لتقولن: إنها إن كانت بعد تنزيلها قد جمعت عن
стр. 173
تفريق فلقد كانت في تنزيلها مفرقة عن جمع؛ كمثل بنيان كان قائمًا على قواعده فلما أريد نقله بصورته إلى غير مكانه قدرت أبعاده ورقمت لبناته، ثم فرق أنقاضًا فلم تلبث كل لبنة منه أن عرفت مكانها المرقوم، وإذا البنيان قد عاد مرصوصًا يشد بعضه بعضًا كهيئته أول مرة.
أجل، إنك لتقرأ السورة الطويلة المنجمة يحسبها الجاهل أضغاثًا من المعاني حشيت حشوًا، وأوزاعًا من المباني جمعت عفوًا؛ فإذا هي -لو تدبرت- بنية متماسكة قد بنيت من المقاصد الكلية على أسس وأصول، وأقيم على كل أصل منها شعب وفصول، وامتد من كل شعبة منها فروع تقصر أو تطول؛ فلا تزال تنتقل بين أجزائها كما تنتقل بين حجرات وأفنية في بنيان واحد قد وضع رسمه مرة واحدة، لا تحس بشيء من تناكر الأوضاع في التقسيم والتنسيق، ولا بشيء من الانفصال في الخروج من طريق إلى طريق، بل ترى بين الأجناس المختلفة تمام الألفة، كما ترى بين آحاد الجنس الواحد نهاية التضامِّ والالتحاق. كل ذلك بغير تكلفة ولا استعانة بأمر من خارج المعاني أنفسها، وإنما هو حسن السياقة ولطف التمهيد في مطلع كل غرض ومقطعه وأثنائه، يريك المنفصل متصلًا، والمختلف مؤتلفًا.
ولماذا نقول: إن هذه المعاني تنتسق في السورة كما تنتسق الحُجُرات في البينان؟ لا، بل إنها لتلتحم فيها كما تلتحكم الأعضاء في جسم الإنسان، فبين كل قطعة وجارتها رباط موضعي من أنفسهما، كما يلتقي العظمان عند المفصل ومن فوقهما تمتد شبكة من الوشائح تحيط بهما عن كثب، كما يشتبك العضوان بالشرايين والعروق والأعضاء؛ ومن وراء ذلك كله يسري في جملة السورة اتجاه معين، وتؤدي بمجموعها غرضًا خاصًّا، كما يأخذ الجسم قوامًا واحدًا، ويتعاون بجملته على أداء غرض واحد، مع اختلاف وظائفه العضوية.
стр. 174
فيا ليت شعري: إذا كانت كافة الأجزاء والعناصر التي تتألف منها وحدة السور منوطة بأسباب لم تكن كلها واقعة ولا متوقعة، وكان لا بد لتمام هذه الوحدة من وقوع تلك الأسباب كلها في عصر نزول القرآن ليتناولها ببيانه، فما الذي أخضع دورة الفلك لنظام هذه الوحدات وجعل هذه النوازل تتوارد بأسرها في إبان التنزيل؟ لماذا لم يتفق في حادثة واحدة منها أن تخلفت عن عالم الوجود يومئذ لينخرم هذا النظام، فتجيء سورة من السور مبتورة في مفتتحها أو في مختتمها أو فيما بين ذلك؟ أليس مطاوعة تلك الأحداث الكونية ومعاونتها بدقة دائمًا لنظام هذه الوحدات البيانية، شاهدًا واضحًا على أن هذا القول وذاك الفعل كانا يجيئان من طريق واحدة، وأن الذي صدرت هذه الكلمات عن علمه، هو نفسه الذي صدرت تلك الكائنات عن مشيئته (١)؟
بل ليت شعري لو أن هذا الإنسان الغريب الذي جاء القرآن على لسانه كان قد أحصى ما سوف يلده الزمان من مفاجآت الحوادث المستقبلة صغيرة وكبيرة في مدى دهره، ثم قدر ما سوف تتطلبه تلك النوازل من تعاليم الفرقان، فما علمه بالنظام البياني الذي ستوضع عليه صيغة تلك التعاليم؟ ثم ما علمه أي هذه التعاليم سيكون قرينة لهذا الجزء أو ذاك؛ ليتأهب لتلك القرائن قبل ورودها فيودع في كل جزء ساعة نزوله عروة لائقة بقرينته المعينة، حتى إذا قدمت استمسكت بعروتها فازدوجت بقرينها ذلك الازدواج المحكم؟ ولماذا حين وردت كل قرينة وجدت من قرينها جارًا لا يجور ولا يجار عليه، ووجدت بجانبه المكان الذي ينتظرها، لا ضيقًا فيزاحمها ويتبرم بها، ولا واسعًا فتنقطع الصلة بينهما، بل وجدت مقدرًا بمقدارها، حتى لا حاجة إلى الاستدراك على الماضي بمحو حرف، ولا بزيادة حرف، ولا بتبديل وضع، وحتى لا مجال هنا لقول: "ليت … " ولا "لو إن .... ".
стр. 175
بل كيف عرف كل جزء من الأجزاء أين مجموعته، وأين مستقره بينها في رأس أو صدر أو طرف: من قبل أن تتبين سائر الآحاد والفصائل .. حتى إذا تم توزيع تلك الأجزاء المتفرقة، والأشلاء الممزقة، إذا الستار يرتفع في كل سورة عن دمية حسناء كاملة الأعضاء متناسقة الحلي؟
أي تدبير محكم، وأي تقدير مبرم، وأي علم محيط لا يضل ولا ينسى، ولا يتردد ولا يتمكث؛ كان قد أعد لهذه المواد المبعثرة نظامها، وهداها في إبان تشتتها إلى ما قدره لها، حتى صبغ منها ذلك العقد النظيم، وسرى بينها هذا المزاج العجيب؟
سبحان الله! هل يمتري عاقل في أن هذا العلم البشري؛ وأن هذا الرأي الأنف البدائي الذي يقول في الشي: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لقلت أو فعلت، ولقدمت أو أخرت" لم يك أهلًا لأن يتقدم الزمان ويسبق الحوادث بعجيب هذا التدبير؟ أليس ذلك وحده آية بينة على أن هذا النظم القرآني ليس من وضع بشر، وإنما هو صنع العليم الخبير؟ بلى؛ ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (١).
стр. 176
سورة البقرة نموذجًا على تماسك بنيان القرآن وإحكامه:
أما إن طلبت شاهدًا من العيان على صحة ما أصلناه في هذا الفصل من نظام الوجدان في السور على كثرة أسباب اختلافها، وأما إن أحببت أن نريك نموذجًا من السور المتجمعة كيف التأمت منها سلسلة واحدة من الفكر تتلاحق فيها الفصول والحلقات، ونسق واحد من البيان تتعانق فيه الجمل والكلمات، فأي شيء أكبر شهادة وأصدق مثالًا من سورة نعرضها عليك هي أطول سور القرآن كافة، وهي أكثرها جمعًا للمعاني المختلفة، وهي أكثرها في التنزيل نجومًا، وهي أبعدها في هذا التنجيم تراخيًا.
تلك هي سورة البقرة التي جمعت بضعًا وثمانين ومائتي آية، وحوت فيما وصل إلينا من أسباب نزولها نيفًا وثمانين نجمًا، وكانت الفترات بين نجومها تسع سنين عددًا (١).
الهدف من اختيار السورة: رسم خط سيرها، وإبراز وحدة نظامها المعنوي:
اعلم أنه ليس من همنا الآن أن نكشف لك عن جملة الوشائج اللفظية والمعنوية التي تربط أجزاء هذه السورة الكريمة بعضها ببعض، فتلك دراسة تفصيلية لها محلها من كتب التفسير. ذلك ولو نشاء لأريناك في القطعة الواحدة منها أسبابًا ممدودة عن أيمانها وعن شمائلها تمتُّ بها إلى الجار ذي القربى والجار الجنب، في شبكة من العلائق يحار
стр. 177
الناظر إلى خيوطها، مع أيها يتجه؟ لا يدري أيها هو الذي قصد بالقصد الأول.
وإنما نريد أن نعرض عليك السورة عرضًا واحدًا نرسم به خط سيرها إلى غايتها، ونبرز به وحدة نظامها المعنوي في جملتها، لكي ترى في ضوء هذا البيان كيف وقعت كل حلقة موقعها من تلك السلسلة العظمى.
ضرورة إحكام النظر في السورة كلها:
بيد أننا قبل أن نأخذ فيما قصدنا إليه نحب أن نقول "كلمة" ساق الحديث إليها: وهي أن السياسة الرشيدة في دراسة النسق القرآني تقضي بأن يكون هذا النحو من الدرس هو الخطوة الأولى فيه، فلا يتقدم الناظر إلى البحث في الصلات الموضعية بين جزء جزء منه -وهي تلك الصلات المبثوثة في مثاني الآيات ومقاطعها- إلا بعد أن يحكم النظر في السورة كلها بإحصاء أجزائها وضبط مقاصدها على وجه يكون معوانًا له على السير في تلك التفاصيل عن بينة؛ فقديمًا قال الأئمة (١): "إن السورة مهما تعددت قضاياها فهي كلام واحد يتعلق آخره بأوله، وأوله بآخره، ويترامى بجملته إلى غرض واحد، كما تتعلق الجمل بعضها ببعض في القضية الواحدة. وإنه لا غنى لتفهم نظم السورة عن استيفاء النظر في جميعها، كما لا غنى عن ذلك في أجزاء القضية".
وبها تعرف مبلغ الخطأ الذي يتعرض له الناظرن في المناسبات بين الآيات حين يعكفون على بحث تلك الصلات الجزئية بينها بنظر قريب إلى القضيتين أو القضايا المتجاورة، غاضين أبصارهم عن هذا النظام الكلي الذي وقعت عليه السورة في جملتها، فكم يجلب هذا النظر القاصر لصاحبه من جور عن القصد، وكم ينأى به عن
стр. 178
أروع نواحي الجمال في النظم؛ وهل يكون مثله في ذلك إلا كمثل امرئ عرضت عليه حلة موشية دقيقة الوشي ليتأمل نقوشها فجعل ينظر فيها خيطًا خيطًا ورقعة رقعة، لا يجاوزه ببصره موضع كفه، فلما رآها يتجاور فيها الخيط الأبيض والخيط الأسود وخيوط آخر مختلف ألوانها اختلافًا قريبًا أو بعيدًا لم يجد فيها من حسن الجوار بين اللون واللون ما يروقه ويونقه. ولكنه لو مد بصره أبعد من ذلك إلى طرائف من نقوشها لرأى من حسن التشاكل بين الجملة والجملة، ما لم يره بين الواحد والواحد، ولتبين له من موقع كل لون في مجموعته بإزاء كل لون في المجموعة الأخرى ما لم يتبين له من قبل. حتى إذا ألقى على الحلة كلها نظرة جامعة تنتظم أطرافها وأوساطها بدا له من تناسق أشكالها ودقة صنعتها ما هو أبهى وأبهر. فكذلك ينبغي أن يصنع الناظر في تدبره لنظم السورة من سور القرآن.
القرآن وتأليفه بين المختلفات:
"وكلمة أخرى" تمس إليها حاجة الباحث في النسق إذا أقبل على تلك المناسبات الموضعية بين أجزاء السور: وهي أن يعلم أن الصلة بين الجزء والجزء لا تعني اتحادهما أو تماثلهما أو تداخلهما أو ما إلى ذلك من الصلات الجنسية حسب، كما ظنه بعض الباحثين في المناسبات، فجعل فريق منهم يذهب في محاولة هذا النوع من الاتصال مذاهب من التكلف والتعسف. وفريق آخر متى لم يجد هذه الصلة من وجه قريب أسرع إلى القول بأن في الموضع (١) اقتضابًا محضًا؛ جريًا على عادة العرب في الاقتضاب.
стр. 179
ألا إن هذا الرأي بشعبتيه لأوغل في الخطأ من سابقه (١)، وإن الأخذ به على علاته في القرآن لغفلة شديد عن مستوى البلاغة التي تميز بها القرآن عن سائر الكلام.
فلو أن ذاهبًا ذهب يمحو تلك الفوارق الطبيعية بين المعاني المختلفة التي ينتظمها القرآن في سورة منه إذًا لجرده من أولى خصائصه، وهي أنه لا يسترسل في الحديث عن الجنس الواحد استرسالًا يرده إلى الإطالة المملة. كيف وهو الحديث الذي لا يمل؟
ولو أنه -من أجل المحافظة على استقلال هذه المعاني- ذهب يفرقها، ويقطع أرحامها، ويزيل التداعي المعنوي والنظمي من بينها، إذًا لجرده من خاصته الأخرى، وهي أنه لا ينتقل في حديثه انتقالًا طفريًّا يخرجه إلى حد المفارقات الصبيانية التي تجمع شتى الأحاديث على غير نظام. والتي لا تدع نفس السامع تستشرف إلى اختتام كلام وافتتاح كلام. كيف وهو القول الرصين المحكم؟
كلا، بل الحديث فيه كما علمت ذو شجون، ولكنه حين يجمع الأجناس المختلفة لا يدعها حتى يبرزها في صورة مؤتلفة، وحتى يجعل من اختلافها نفسه قوامًا لائتلافها. وهذا التأليف بين المختلفات ما زال هو "العقدة" التي يطلب حلها في كل فن وصنعة جميلة، وهو المقياس الدقيق الذي تقاس به مراتب البراعة ودقة الذوق في تلك الفنون والصناعات فإن تقويم النسق وتعديل المزاج بين الألوان والعناصر الكثيرة أصعب مراسًا وأشد عناءً منه في أجزاء اللون الواحد والعنصر الواحد.
وعلى هذه القاعدة ترى القرآن يعمد تارة إلى الأضداد يجاور بينها، فيخرج بذلك محاسنها ومساويها في أجلى مظاهرها، ويعمد تارة أخرى إلى الأمور المختلفة في
стр. 180
أنفسها من غير تضاد فيجعلها تتعاون في أحكامها بسوق بعضها إلى بعض مساق التنظير أو التفريع، أو الاستشهاد أو الاستنباط، أو التكميل أو الاحتراس، إلى غير ذلك. وربما جعل اقتران معنيين في الوقوع التاريخي، أو تجاور شيئين في الوضع المكاني، دعامة لاقترانهما في النظم، فيحسبه الجاهل بأسباب النزول وطبيعة المكان خروجًا وما هو بخروج، وإنما هو إجابة لحاجات النفوس التي تتداعى فيها تلك المعاني. فإن لم يكن بين المعنيين نسب ولا صهر بوجه من هذه الوجوه ونحوها، رأيته يتلطف في الانتقال من أحدهما إلى الآخر إما بحسن التخلص والتمهيد. وإما بإمالة الصيغ التركيبية على وضع (١) يتلاقى فيه المتباعدان، ويتصافح به المتناكران.
وهذه كلها وجوه حسنة لو نظر إليها بين آحاد المعاني لأغنى بعضها عن بعض في إقامة النسق.