← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 18795

النبأ العظيم - ط القلم

محمد بن عبد الله دراز

Полный текст (269 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم كتاب النبأ العظيم [[بقلم: أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعني]] الأستاذ الدكتور/ محمد عبد لله دراز، أحد أعلام الأزهر بوجه خاص، وعلماء الإسلام بوجه عام، في القرن الماضي. هو عالم فذ، وداع ملهم، جمع بين العلم والعمل، وكان قلمه في مجال الكلمة يقوم بمهمات جيش عرمرم في مجال الجهاد، تثبيتًا للحق، ونصرة للدين على الصعيدين: القومي والدولي. وقد عاش حياته، منذ أن كان طالبًا للعلم في المرحلة الثانوية الأزهرية، مدافعًا عن الإسلام في كل الميادين بما آتاه الله من قلب صاف وعقل وقَّاد، ولسان زرب، وعلم واسع، فدبج المقالات، وكتب الكتب، وأذاع الأحاديث، وشارك في الكثير من المؤتمرات العالمية، وتصدى لكل ما كان يثار في حياته عن الإسلام، وما أعجزته فرية على الإسلام ردها، ولا شبهة ظالمة نقدها، ولا مشكلة عويصة فندها. وظل على هذه الحال حتى آخر لحظة من حياته الحافلة بالنضال المر، والكفاح الشاق، حتى صعدت روحه الطاهرة إلى بارئها غريبًا عن وطنه، وهو يمثل الأزهر في مؤتمر دولي عام، في لاهور عام (١٣٧٧ هـ، ١٩٥٨ م). وبعد أن عاد جثمانه الطاهر إلى أرض الكنانة مصر -رعاها الله- على متن طائرة، شيعت جنازته بعد أن صلي عليه في "الجامع الأزهر"، وكان في مقدمة مشيعيه علماء الأزهر، ومعاهده وكلياته، وعارفو فضله من الشعب المصري، وكبار الشخصيات من

стр. 2

مصر، ومن العالم الإسلامي. وإن أنسَ فلا أنسى جلال الموكب المهيب لمشيعي جنازته، حتى يخيل إليك أن كل فرد في القاهرة ليشترك في تشييعه، وتعطلت حركة المرور من الأزهر إلى أرض المدفن، وحين وصول أوائل مشيعيه إلى أرض المدفن كان آخرهم يبدأ سيره من ساحة الجامع الأزهر متجهًا إلى أرض المدفن. وبعد دفنه نعاه الشيخ محمود شلتوت -شيخ الأزهر الأسبق- بكلمة، كان مما جاء فيها كما وعتها الذاكرة عنه سماعًا مباشرًا: "لقد مات مشعل النور، الذي أطفأ مشاعل الجهل". رحمهما الله جميعًا، ورحم معهما صالحي المؤمنين. وللشيخ دراز كتب كثيرة كلها في نصرة الإسلام، وبيان محاسنه ومزاياه في كل مناحي الحياة وأصول العلم والمعرفة وفروعها. وكتابه "النبأ العظيم" واحد مما دبجه قلمه القدير وأفرزته قريحته الصافية. وهو موقوف على بيان وجوه جديدة من وجوه "الإعجاز القرآني البياني واللغوي والعقلي". وما ورد في هذا الكتاب من إعجاز القرآن، وإثبات أنه كلام الله لو لم يكن في موضوع الإعجاز كتاب غيره، لا سابق عليه، ولا لاحق له، لكان كتابه كافيًا في هذا المجال الحيوي، ولقامت به الحجة لله قوية على منكري سماوية القرآن من قدامى ومحدَثين، فقد أثبت ﵀ أن هذا القرآن يستحيل عقلًا وعلمًا وواقعًا أن يكون له مصدر غير الله . هذا الفرع بدأ به الشيخ محمد عبد الله دراز ﵀ فصول كتابه، وكتب فيه ما يزيد على المائة صفحة مواجهًا بهذه الحقيقة القوى المدركة عند الإنسان، مسلمًا أو غير مسلم، ممن له عقل وفهم، ولا شيء غير العقل والفهم.

стр. 3

وسوف يلمس القارئ بنفسه كيف قذف الشيخ دراز بهذه "الحقيقة" في العقول والقلوب، وقطع كل الأعذار أمام المشككين، ومن ادعوا جهلًا وحماقةً وعنادًا، أن القرآن "بشري المصدر" كبرت كلمة تخرج من أفواههم، إن يقولون إلا كذبًا. إن مهمة الدعاة -ومنهم الرسل- أن يبلغوا الناس ما أنزل إليهم من ربهم، وأن يقيموا الحجة، لكن على الناس؛ ليؤمن من يؤمن على بينة، ويكفر من يكفر وهو شاهد على نفسه بالعناد والمكابرة، وهذا هو الذي قام به أستاذنا محمد عبد الله دراز بالنسبة لـ"سماوية القرآن"، فقد جلاها أمام العقل والقلب حتى لكأن من ينكرها ينكر نفسه وهو في هذا الموقف. وكفى بمن ينكر وجود نفسه رعونة وجهلًا وحماقةً وتخريفًا. وبعد فراغه من إثبات هذه الحقيقة بكل وسائل القوة والإقناع، أخذ يتحدث عن مواضع حافلة بدلائل الإعجاز، منها ما يعم القرآن كله، ومنها مواقف فردة فذة، فأقنع وأمتع، وطلع على الباحثين في الإعجاز القرآني من حيث لا يعهدون ولا يعرفون. ومن ذلك ما وسم به الأسلوب القرآني المعجز كله من هذه الخصائص البيانية المعجزة، التي لم تعرف في كلام سواه: - خطاب العامة وخطاب الخاصة. - القصد في اللفظ والوفاء بحق المعنى. - البيان والإجمال. يقصد الشيخ أن القرآن بجمع بين الأغراض التي هي عند الناس على طرفي نقيض، لكنك ترى القرآن يجمع بينها في تآلف وتآزر فيخاطب الخاصة بخطاب العامة، والعامة بخطاب الخاصة، ويقنع العقل ويمتع العاطفة في عبارة واحدة، ويجمل ويبين، ويوجز مع الوفاء بحق المعنى، وهذا غير معهود في كلام البشر مهما كان نصيبه من الفصاحة

стр. 4

والبلاغة والروعة. ثم تراه يثبت بكل جدارة أن من سمات الإعجاز في النظم القرآني بأنه كله "إيجاز" لا إطناب فيه ولا مساواة؛ كما يقول جمهور البلاغيين والنقاد والأدباء واللغويين. وفي تقرير هذه الحقيقة "الجديدة" يقول شيخنا الجليل: "القرآن إيجاز كله، يستوي في ذلك مواضع الإطناب والإيجاز والمساواة التي أطبق علماء البلاغة على تقسيم الكلام إليها. وأن ما من عبارة في القرآن توسم بالإطناب، أو الإيجاز أو المساواة إلا وهي في حاجة إلى بسط أكثر مما هي عليه". وهذا الرأي ينفرد به أستاذنا الدكتور محمد عبد الله دراز وحده بين سلف الأمة وخلفها، وقد ساق نماذج كثيرة على توضيح هذا الرأي. ثم ينتقل إلى بيان وجه جديد من وجوه الإعجاز القرآني وهو "الإيقاع الصوتي" ويضع بين يدي القراء تجارب سهلة يمكن أن يقوم بها كل سامع للقرآن وهو يتلى. وهذه التجارب -كما عرضها الشيخ الملهم- أن تستمع للقرآن وهو يتلى، وبينك وبين من يتلو القرآن تلاوة جيدة مسافة مكانية، بحيث لا تسمع إلا الصوت يتردد في الفضاء، دون أن تميز بين الكلمات مفردة، ولا التراكيب، وإنما تسمع ذبذبات الصوت مجملة. يقول الشيخ: إنك إذا فعلت ذلك سمعت إيقاعًا صوتيًّا عجيبًا غريبًا، يترك آثارًا في وجدان السامع لا عهد له به، ولا يمكن صدور هذا الإيقاع الصوتي الذي يسميه

стр. 5

الشيخ دراز بـ"القشرة السطحية" لا يمكن حدوثه عن كلام آخر من غير القرآن. فهذا -إذن- وجه جديد يعرضه شيخنا في كتابه الرائع "النبأ العظيم" أو "نظرات جديدة في القرآن الكريم". ويمكن إجراء هذه التجارب الآن بالاستماع إلى القرآن من "الحاكي" أو المسجل بالشروط التي وصفها الشيخ ﵀. ومن النقاط الجديرة بالاهتمام التي لا تراها إلا في "النبأ العظيم"، ما شاع في كتب التفسير واللغة من وجود حروف أو أدوات أو كلمات زائدة في النظم القرآني. فقد رفض الشيخ -وهو محق- التسليم بوجود أي حرف أو أداة أو كلمة زائدة في القرآن ليس لها معنًى تؤديه. وضرب لذلك مثلًا بقوله تعالى في سورة الشورى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ أي لمثل الله، وذكر أن فيها مذهبين: الأول: القول بأنها زائدة لا معنى لها، وأن الأصل أن يقال: "ليس مثله شيئًا"؛ لأن الكاف بمعنى "مثل"، فلو سلمنا بأنها غير زائدة لكان المعنى: "ليس مثل مثله شيئًا"، ويكون في هذا إثبات المثلية لله، وهذا ينافي عقيدة التوحيد. الثاني: فريق يدافع عن وجود "الكاف" وينفي عنها الاتمامات التي توجه إليها. ولم يرتضِ شيخنا لا هذا ولا ذاك، فلم يسلم بأن "الكاف" زائدة أصلًا، ولم يسلم بأن هذه "الكاف" متهمة يحسن الدفاع عنها، بل أثبت لهذه "الكاف" مزايا بيانية ولمحات "عقدية" ما كانت لتفاد إلا من ورود "الكاف". وسف يمتِّع القارئ نفسه، ويقنع عقله، وينير قلبه حين يطالع ما كتبه الشيخ دراز في هذا المقام.

стр. 6

ومما ينبغي أن نلفت ذهن القارئ إليه مهارة الشيخ دراز وثقوب عقله، وحدة ذكائه في إبراز أخفى وأدق أسرار البيان القرآني المعجز في آية من كتاب الله كنموذج يجب أن يحتذى في دراسة النظم القرآني. تلك هي الآية التي نزلت في شأن اليهود: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩١]. هذه الآية قال الشيخ: إنه اختارها؛ لأنها ليست من الآيات التي يهتم بها البيانيون في استخراج الوجوه والصور البلاغية منها، مما فيه تشبيه رائق، أو مجاز آسر، أو كناية لطيفة، أو تمثيل أخاذ، وإنما هي آية من "عُرْض القرآن"، ومع ذلك استخرج ما فيها من دقائق النظم، وأسرار البيان، وحكمة المعنى ما لا يملك القارئ معه إلا أن يقول بعد الإطلاع عليه: "الله أكبر، الله أكبر" وهذا منهج مستمر في دراسة القرآن، تَرَسَّم فيه الشيخ دراز خطى الإمام عبد القاهر الجرجاني ومنهجه التحليلي الممتع المقنع في كتابيه: "أسرار البلاغة" و"دلائل الإعجاز". وبعد .. فإن هذا الكتاب فتح جديد فتحه الله على يد الشيخ محمد عبد الله دراز، الذي كافأه الله على جهاده في سبيله لهدايته إلى الحق والدفاع عنه، كما قال في كتابه العزيز: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا … ﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وفي الختام نتقدم بجزيل الشكر وخالص الدعاء للقائمين على "دار القلم" على اهتمام بتراث الشيخ دراز، وهو أحد معالم نهضة إسلامية نأمل أن تؤتي ثمارها، مع دعائنا بالتوفيق والسداد لفضيلة الشيخ الشاب/ أحمد فضلية، على رعايته المشكورة

стр. 7

لإعادة نشر تراث الدكتور/ دراز، ونشر ما لم ينشر من قبل، نشكره ونسأل الله أن يسدد خطاه في كل أمره، وفي رعاية مشروع نشر فكر العمالقة من علماء الأمة، من ألفه إلى يائه، وأن يجعل ذلك ذخرًا له ولنا وللأمة أجمع. وكلمة أخيرة نقولها عن أستاذ "الجيل" بحق الشيخ الدكتور الإمام محمد عبد الله دراز: "أنه لو لم ينجب الأزهر الشريف عالمًا سواه في القرن الماضي لكفاه هذا الإنجاب". رحمنا الله وإياه في العالمين. القاهرة في: ربيع الأول ١٤٢٦ هـ إبريل ٢٠٠٥ م. أ. د. عبد العظيم إبراهيم المطعني عفا الله عنه

стр. 8

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة المحقق مع الكاتب والكتاب [[بقلم: أحمد مصطفى فضلية]] الحمد لله الذي أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، ورضي لنا الإسلام دينًا. والصلاة والسلام على سيدنا محمد بن عبد الله ﷺ الذي خصه الله بجوامع الكلم، وآتاه الحكمة وفصل الخطاب، وعلى آله وصحابته، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين. أما بعد … فهذا شرف عظيم، أن تعهد إليَّ "دار القلم" -حفظها الله للإسلام- في أن أكتب عن هذا الكتاب الذي تعددت طبعاته، وحاز الرضا والقبول. فهناك كتب تقرؤها مرة واحدة، وهناك كتب تعود إليها أكثر من مرة، وهناك كتب تشبه الجنة … بمعنى أنك لا تدخلها مرة إلا وتبغي الخلود فيها، وإذا أُخرجتَ منها وددت العودة إليها، بل إنك تحس وأنت تقرأ أن هناك معانٍ جديدة تكشف عن نفسها كلما مضيت في القراءة. كما قال أمير الشعراء أحمد شوقي عن الكتاب: "كلما أخلقته جددني". ومن هذه الكتب هذا الكتاب [النبأ العظيم .. نظرات جديدة في القرآن الكريم] وهو كتاب صغر حجمًا وغزر علمًا، فجاء جليل القدر، عظيم النفع، طيب الثمر. عميق الأثر، وهو أعجوبة الأعاجيب في الدراسة والتأليف. كتبه الدكتور العلامة محمد عبد الله دراز ﵀ الذي كتب الله له التوفيق والسداد فيما كتب وحاضر وأذاع عن الإسلام ودعوته، ببركة إخلاصه وتفانيه في خدمة مصدري الإسلام: القرآن والسنة. ١ - رجل القرآن: لقد عاش محمد عبد الله دراز حياته مؤمنًا مفكرًا، وتعلم عن والده العلامة المحقق

стр. 9

الشيخ عبد الله دراز شغفه بكتاب الله، فأخذ عنه ضرورة التلاوة لستة أجزاء منه كل يوم، وما ترك هذه العبادة يومًا من الأيام، وما كنت تراه إلا قارئًا للقرآن، وقراءة عالم مفكر مثله لهذا الورد اليومي، لا بد أن تفتح عليه بما يضيء بصيرته، ويمده بأوفر الزاد وأشهاه … " (١). لقد كانت حياة محمد عبد الله دراز مع القرآن حياة القلب المعلق به، والعقل الذي يستفتيه في كل ما يعنيه، وعلى ضوئه يأخذ سبيله مؤتمِرًا .. منتهِيًا؛ لإيمانه العميق بأن أحق ما يشتغل به الباحثون، وأفضل ما يتسابق عليه المتسابقون .. مدارسة كتاب الله، ومداومة البحث فيه، والغوص عن لآلئه، والكشف عن علومه وحقائقه، وإظهار إعجازه وتجلية محاسنه، والدفاع عن ساحته ونفي الشكوك والريب عنه، فالقرآن بحر لا يدرك غوره، ولا تنفد درره، ولا تنقضي عجائبه، فما أحق الأعمار أن تفنى فيه، والأزمان أن تشغل به. هكذا كان إيمان الرجل القرآني الذي أدرك وأيقن منذ صباه المبكر أن الحياة في رحاب القرآن نعمة؛ نعمة تزيد العمر وتباركه وتزكيه وتقوي الإيمان وتنميه. فها هو ذا يدعو ربه سبحانه في مقدمة هذا الكتاب أن يجعله من خيار وارثيه، الذين هم بهدايته مستمسكون، والذين هم على حراسته قائمون، والذين هم تحت رايته يوم القيامة يبعثون، في جند إمامنا الأعظم، ورسولنا الأكرم، محمد بن عبد الله ﷺ . أجل؛ كان محمد عبد الله دراز اللسان الذي كان رطبًا بذكر الله وتلاوة القرآن والتدبر في آياته، فكان نغمًا عذبًا في كل أذن تسمع كلام الله، كان عالمًا قرآنيًّا يتفجر بالحكمة القرآنية والموعظة الحسنة التي تغلغلت في كل قلب، وطهرت كل روح. وكتابه الفذ "النبأ العظيم" صدى هذا الروح المؤمن، الذي كان يسري في حنايا _________ (١) د. محمد رجب البيومي، النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين.

стр. 10

قلبه الذي عمر بالقرآن، وثمرة ناضجة لهذا العقل المتوهج المتألق الذي استقبل آيات القرآن فأعطاها ما تستحق من تدبر، فجمع بين النقل الصحيح، والعقل الصريح، واغترف من التراث، ولم يغفل عن عصره فجمع بين الأصالة والمعاصرة، بفقه يتجدد به فهم الدين .. لتتجدد به حياة المسلمين لتكون من بعد أقل عابًا وأكثر صوابًا. ٢ - من أعلام مدرسة القرآن: مما سبق يتأكد لنا أن محمد بن عبد الله دراز من علماء المدرسة القرآنية التي واجهت الغرب المادي فحافظت على أصالة فكرنا وهوية ثقافتنا. فثمة تقارب في الفكر والروح والمنهج في التلقي عن القرآن جمع بين الدكتور دراز والإمام الشهيد حسن البنا " (١٩٠٦) م- (١٩٤٩) م" والعلامة الفيلسوف محمد إقبال "١٨٧٧ - (١٩٣٨) م" والإمام عبد الحميد بن باديس " (١٨٨٩) م- (١٩٤٠) م" والعلامة المودودي " (١٩٠٣) م- (١٩٧٩) م" ومالك بن نبي " (١٩٠٥) م- (١٩٧٣) م" وغيرهم من أعلام مدرسة القرآن ﵃ … ونحن نرى أن محمد عبد الله دراز كان في هذه المدرسة مثل أعلامها الكبار؛ متألقًا بصفاء عقله، وإيمان قلبه، ونشدانه الحق الذي قامت به السماوات والأرض، وبه بعث الرسل والنبيون، فكانت غايته هي بعث الأمة المسلمة بعثًا قرآنيًّا يستوعب حضارة العصر، دون أن تحمل أوزارها السيئة وأوساخها وجراثيمها وتضحيتها بالدين والأخلاق. إن كل صفحة كتبها محمد عبد الله دراز تعلن أنه تلميذ القرآن، وأن أستاذية القرآن هي التي جعلته يبصر الكون والتاريخ والحياة برؤية إيمانية جامعة تستوعب الأشياء، وتمنح عقله التوهج والتألق؛ لينفذ إلى ما وراء الأشياء ويفسر حركة الحياة تفسيرًا جامعًا للعوالم المنظورة والعوالم غير المنظورة (١). _________ (١) بتصرف عن د. عبد الحليم عويس، سعيد النورسي رجل القرآن والتجديد، دار سوزلار للنشر والتوزيع.

стр. 11

يؤكد هذا الأستاذ العلامة أنور الجندي ﵀ فيقول: "إن مدار أبحاث الدكتور دراز كلها ترجع إلى أصل واحد؛ هو "القرآن"، وهي في محاولتها الاتصال بالفكر الحديث إنما تريد أن تكشف عن نظرة القرآن ومنهجه في كل ما تصل إليه: سواء في مجال الأخلاق أو مقارنات الأديان، أو الاقتصاد، أو القانون، فالقرآن هو المحور الذي يعتمد عليه الدكتور دراز ويدور حوله ويستقصي له ويستصفي كل ما يجد من العلوم الإسلامية. وهو حين يقدم الإسلام للغرب يقدمه في أسلوب رائع وتعبير محكم من شأنه أن يلقى قبولًا في العقل الغربي الذي ألِف الأسلوب العلمي؛ بوسائطه ومصطلحاته .. وقوامه في هذا كله فهم عميق للقرآن، وتدبر عجيب له، وقدرة على تبليغ العبارة بأصفى لغة، وتقديم الأمثلة إلى العقل الغربي في تمكن عجيب" (١). من هنا فإن آثاره العظيمة والرائدة التي كتبها، وأضافت الجديد إلى المكتبة القرآنية؛ مثل: "النبأ العظيم - ومدخل إلى القرآن الكريم - ودستور الأخلاق في القرآن - وثيابك فطهر" وغيرها من المؤلفات، كتبها لتعمق إيماننا بأن شخصيتنا قرآنية محمدية، وأن القرآن كتاب الحياة والأحياء، وعلى عالم اليوم اللاهث في حروبه، الغارق في ذنوبه، التائه عن درب عزه وأمنه، أن يرهف السمع لآيات الوحي الإلهي المعصوم القرآن الكريم، فيهتدي بهداه، لا أن يشوه تعاليمه، أو يشكك في مصدره، أو يبث الشبهات المتهافتة حوله ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (٢). ٣ - النبأ العظيم نموذجًا: ويأتي كتاب "النبأ العظيم" مصباحًا يضيء السبيل القويم لدراسة القرآن الكريم، وهو برهان باهر على ربانية مصدره، ولمعة براقة من لمعات إعجازه البياني. وتفسير _________ (١) أنور الجندي، أعلام الدعوة والفكر، ص ١٩، مكتبة الأنجلو المصرية. (٢) سورة التوبة: آية رقم "٣٢".

стр. 12

قيِّم له، ورشفة من رحيق ذلك البحر، وشعاع من تلك الشمس المشرقة بنور الله، وحقيقة ملهمة من كنز علم الحقيقة القرآنية، وترجمة معنوية نابعة من فيوضات هذا النبأ العظيم. لهذا احتل الكتاب مكانة سامقة في الجامعات العربية والإسلامية. تحدث عنها أستاذنا الكبير الدكتور محمد رجب البيومي في كتابه القيم "خطوات التفسير البياني للقرآن الكريم" أرى ألا يحرم القارئ من مطالعته ها هنا … يقول -حفظه الله: " … أما أستاذنا الكبير الدكتور محمد عبد الله دراز ﵀ فقد أوسع تلاميذه في كليات أصول الدين واللغة العربية ودار العلوم تحليلًا وتشريحًا لدقائق القرآن البيانية على وجه رائق شفاف، تفجرت ينابيعه صافية من بيان الأستاذ، وكتاب "النبأ العظيم" على مكانته الرائعة لم يحوِ غير القليل مما فتح به الله على صاحبه، إذ كان في قاعة الدرس يتدفق بشتى المعاني البارعة التي لا تجد الكثير منها في النبأ العظيم. ولعل بديهته القوية كانت تتيح له من الروائع ما يرتجله لساعته ارتجالًا. وكأنه أعد إعدادًا حتى إذا خلا بنفسه لتسجيله اكتفى بالبعض عن البعض مما قال. وقد حفل "النبأ العظيم" بالحديث عن الجمال التوقيعي في توزيع الحركات والسكنات، والجمال التنسيقي في وصف الحروف وتآليفها على جهة ذات توافق وانسجام، كما أجاد الحديث عن خصائص الأسلوب القرآني في الفقرة التي تتناول شأنًا واحدًا، وفي السورة التي تتناول شئونًا شتى، ثم فيما بين سورة وسورة، وفي القرآن بنوع عام. وقد بسط ذلك أتم بسط وأوفاه. ولم يفته أن يتحدث عن الإيجاز والإطناب في ضوء تعريف جديد متنقلًا إلى فنون من البيان كان جل اعتماده فيها على نفسه دون التقيد بما سبق من الآراء. وقد انتفع به طلابه على كثرتهم واختلاف معاهدهم انتفاعًا يتردد صداه قويًّا رائعًا في كثير مما يقال. فهو مجهود حي أتى ثمره وعلا جناه" (١). _________ (١) د. محمد رجب البيومي، خطوات التفسير البياني ص ٣٣٩، ط مجمع البحوث الإسلامية.

стр. 13

هذا؛ وقد حدثني شيخنا الأستاذ الدكتور عبد الستار فتح الله سعيد -حفظه الله- "أن جامعة أم القرى بمكة المكرمة، والجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، تقومان بتدريس الكتاب لطلبة الدراسات العليا بها". كما حدثني الأستاذ الدكتور عبد العزيز السيروان "من سوريا" في معرض الكتاب الدولي بمدينة الإسكندرية أن هذا الكتاب يدرس في الزوايا العلمية في سوريا ومحاضن التربية هناك. ولأهمية الكتاب أيضًا أخبرني نجل الدكتور دراز السفير فتحي أن الأستاذ عبد الحميد الدخاخني قام بتدريس الكتاب بمعهد الدراسات الإسلامية بالإسكندرية، والمعاهد العلمية بالمملكة العربية السعودية. وآخر ما علمت عن تدريس هذا الكتاب النافع، ما أخبرني به الداعية المربي والمؤلف النابه الأستاذ محمد حسين أن كتابات الدكتور العلامة محمد عبد الله دراز تدرس لشباب الصحوة الإسلامية؛ نظرًا لمكانتها العلمية في التكوين العلمي وتأسيس الفهم الصحيح للإسلام. وكثير من علماء الإسلام ودعاته يوصون مهرة المسلمين والباحثين خاصة بأهمية مؤلفات العلامة دراز، وعلى قمتها "النبأ العظيم"، من هؤلاء الشيخ العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، والداعية المجدد الشيخ محمد الغزالي، والدكتور عبد الحليم عويس، والكاتب الموسوعي أنور الجندي، والدكتور عبد الستار فتح الله سعيد … وغيرهم كثير. ولهذه المكانة العظيمة لكتاب "النبأ العظيم" أستأذن القارئ أن أطوف به في بعض ما كتب عن هذا الكتاب. وسيتأكد القارئ العزيز أن المكانة التي احتلها "النبأ العظيم" في عقول العلماء

стр. 14

والباحثين كان بها جديرًا. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على مكانة الكتاب السامقة في مجال الدراسات القرآنية، فلبى حاجة وسد فراغًا لا يسد مسده سواه. ٤ - بين الرافعي ودراز: تحدث شيخنا وأستاذنا الدكتور/ محمد رجب البيومي -حفظه الله- في كتابيه "البيان القرآني" و"النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين" عن كتاب "إعجاز القرآن" لأديب العربية الأكبر في عصره مصطفى صادق الرافعي ﵀ وكتاب "النبأ العظيم" للعلامة المجدد الدكتور محمد عبد الله دراز ﵀ حديث الدارس المعجب المقدر لمكانة الرجلين، فقال -أعزه الله- ما نصه: "حين كتب الرافعي كتابه جاء بالروائع النادرة من ناحية التعبير البياني، أما الأفكار التي رصدها فأكثرها قد قيل، وزاد عليها الرافعي بما عرف عنه من براعة النظم البلاغي، ودقة التركيب اللغوي، ولطف التصوير الجمالي، على حين نرى الآفاق قد اتسعت أمام الدكتور دراز مشعة بأنوار مضيئة هي من شمسه الخاصة في مجال هذا الإعجاز" (١). "لقد أصدر الدكتور دراز "النبأ العظيم نظرات جديدة في القرآن الكريم"؛ ليتحدث عن القرآن حديث الفاقه الدارس الألمعي، فجاء كتابه آية الآيات في ميدان الدراسات القرآنية بما ملك من ناصية القول وقوة المنطق وجهارة الدليل، ولئن قال الزعيم الوطني سعد زغلول عن كتاب الرافعي في الإعجاز: "إنه تنزيل من التنزيل، أو قبس من نور الذكر الحكيم". فما أحرى النبأ العظيم بمثل هذا القول من زعيم كبير (٢). _________ (١) النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين، ط مجمع البحوث الإسلامية، ج ٥، ص ١٨٤. (٢) البيان القرآني ص ١٩١، ١٩٥، ٢٥٠، ٢٥٨، ط مجمع البحوث الإسلامية.

стр. 15

٥ - الإعجاز اللغوي بين سيد قطب والدكتور دراز: تناول صديقنا الأستاذ محمد أمين أبو شهبة في أطروحته للماجستير الإعجاز اللغوي وعلى أي وجه أداره الشيخ دراز؛ فقال: "أدار الدكتور دراز أمر الإعجاز اللغوي على فكرة تمثل المحور في دراسته للقضية، وهي فكرة مباينة أسلوب القرآن لسائر الأساليب، هذه الفكرة تسيطر على دراسته لقضية الإعجاز اللغوي ابتداءً من البناء الصوتي وانتهاءً إلى القرآن في جملته؛ فقد وجه الشيخ جهده إلى إبراز الخصائص التي باين بها القرآن بيان البشر، واعتمد في ذلك على النظر في منهج الإنسان في البيان، وطريقه في الإبانة عن معانيه. وكان طريقه إلى ذلك الإلمام بأساليب العرب، وتراثهم الأدبي، ثم الخبرة الطويلة بدراسات النفس الإنسانية، والتي مكنته من معرفة حدود النفس التي تتوقف عندها، والعيوب التي لا تقدر على تفاديها في بيانها بحكم إنسانيتها، ثم يخرج من ذلك إلى النظر في البيان القرآني، بعد أن أبرز من جوانب النقص في البيان الإنساني، ما يبرز جوانب الكمال في البيان القرآني" (١). ولكن الدكتور دراز لم يكتف بالقول بخلو القرآن من عيوب البيان البشري؛ لأنه لم يسلم به، ولكنه وضع يده على المزايا القرآنية فشرحها، ثم قدم لأكثرها من التطبيقات القرآنية، ما يبرزها ويفتح الطريق إلى بحثها ودراستها. وهذه الخصائص البيانية لجانبي البناء البياني للقرآن .. تمثل -عند الشيخ- دعائم بنية القرآن الداخلية، الدالة على أنه من أصل إلهي. والوصول إلى خصائص عامة لبيان القرآن- أمر شاق وعسير؛ لأنه يتطلب فوق التذوق والتفكر دراسة ووعيًا لمنهج الإبانة الإنسانية، وخصائصه، ثم الانطلاق من ذلك إلى ساحة القرآن كله ليرى: أتلك خصيصة عامة، أم هي جزئية، نابعة من سياقها فحسب؟ _________ (١) انظر رسالته للماجستير "محمد عبد الله دراز وجهوده البلاغية" ص ٩٤، مودعة بمكتبة كلية اللغة العربية بإيتاي البارود - جامعة الأزهر الشريف.

стр. 16

وقد ذكر المرحوم الشيخ سيد قطب (١) أن جهد سلفنا قد توقف عند خصائص النصوص مفردة، وإدراك مواضع الجمال المتفرقة، وتعليل كل موضع منها تعليلًا منفردًا: "أما مرحلة الخصائص العامة فلم يصلوا إليها أبدًا لا في الأدب، ولا في القرآن، وبذلك بقيت أهم مزايا القرآن مغفلة وخافية، وأصبح لا بد لدراسة التعبير في هذا الكتاب المعجز من منهج للدراسة جديد، ومن بحث عن الأصول العامة للجمال الفني، وتفسير الإعجاز الفني تفسيرًا يستمد من تلك السمات المتفردة في القرآن (٢). ويبدو أن الأستاذ سيد قطب ﵀ لم يقرأ كتاب الدكتور دراز، ولم يقف على جهده القيم في البحث في بعض الخصائص البيانية للقرآن، ولا يمكن أن يقرأ هذا الجهد دون إشارة، ويؤكد ذلك أن كتاب الدكتور دراز "النبأ العظيم" وإن ألف قبل "التصوير الفني" إلا أنه نشر بعده؛ إذ شغل الشيخ دراز في فرنسا بتحضيره لدرجة "الدكتوراه" ثم شغل بعد عودته بالأعمال التي نيطت به (٣). فقد بدأ الدكتور دراز في كتابه "النبأ العظيم" منذ عام (١٩٣٥) م تقريبًا ثم سافر إلى فرنسا عام (١٩٣٦) م، وعاد إلى مصر عام (١٩٤٧) م، فظل مشغولًا بأعماله التي نيطت به على عجل، حتى نشر كتابه الفذ في مارس (١٩٥٧) م كما ذكر هو في مقدمته، بينما نشر الأستاذ سيد قطب هذا البحث في مجلة المقتطف عام (١٩٣٩) م، ثم أكمله وأضاف إليه بعد سنوات قليلة، كما ذكر هو في مقدمة "التصوير الفني" ص (٩)، وعلى الرغم من تأخر كتاب الدكتور دراز في النشر، فإنه ليس في كلامه ما _________ (١) سيد إبراهيم قطب: ولد في قرية "موشا" بمحافظة أسيوط ١٩٠٦، عاش أكثر حياته للدفاع عن الإسلام، ومحاربة خصومه، وهو مع ذلك أديب ناقد شاعر، من أبرز كتبه "في ظلال القرآن"، وأعدم في عام ١٩٦٥ م. (٢) التصوير الفني في القرآن: سيد قطب، ط دار المعارف، الطبعة العاشرة، ص ٣٢. (٣) محمد أمين أبو شهبة، د. محمد عبد الله دراز وجهوده البلاغية ص ٩٩.

стр. 17

يشير إلى أنه قرأ أو أفاد من "التصوير الفني"؛ فليس من الخصائص البيانية التي ذكر، ما يلمح إلى خصيصة "التصوير الفني في القرآن" وهي التي أقام الشيخ سيد قطب كتابه عليها. كما أن الدكتور دراز حيث تحدث عن البناء الصوتي للقرآن لم يقدم تطبيقًا واحدًا على حديثه، بينما أفاض الشيخ سيد قطب في التطبيق لهذا الجانب، ولو قرأه الشيخ لألمح إليه على الأقل (١). يقول أستاذنا الدكتور محمد رجب البيومي: «وأنا أعرف أن الكاتب الشهيد: سيد قطب ﵀ قد كتب مؤلفه الرائع "التصوير الفني في القرآن" فأتى بمذهب جديد في اكتناه التعبير الفني، لم يسبق إليه سواه، ولكن كتاب "النبأ العظيم" لم يقتصر على التصوير الفني وحده باعتباره الأداة المفضلة للتعبير -كما ذهب الأستاذ سيد قطب- بل نظر إلى القرآن فكرة، وصورة، وتعبيرًا، وجدلًا، وبذلك يكون سالكًا منهجًا غير منهج التصوير الفني، وما من الرجلين إلا له مقام معلوم» (٢). والمهم أن همَّ الرجلين كان واحدًا؛ وهو الوصول إلى الخصائص العامة للبيان القرآني، وإن ذكر كل واحد منهما غير ما ذكر الآخر، فقد انشغل المرحوم سيد قطب بخصيصة واحدة وهي أن "التصوير الفني قاعدة التعبير القرآني المتبعة في جميع أغراضه حتى التشريع، وهي الخصيصة التي لا يخطئها الباحث في الأجزاء، ثم عكف على معنى التصوير، وأدواته، وألوان التناسق الفني محللًا، ومستشهدًا لما يقول". بينما أقام الدكتور دراز بحثه على خصائص البناء الصوتي، ثم خصائص البناء _________ (١) المرجع السابق ص ١٠٠. (٢) النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين، د. محمد رجب البيومي، ج ٥، ص ١٨٣.

стр. 18

المعنوي للقرآن في قطعة منه، وفي سورة سورة منه، وفيما بين سورة وسورة، ثم في جملته (١). ٣ - منهج الدكتور دراز في هذا الكتاب: نهج الدكتور دراز في كتابه نهجًا فريدًا، فيقول: "راعيت في أكثر هذه البحوث شيئًا من التفصيل والتحليل، وشيئًا من التطبيق والتمثيل، فلم أكتفِ بالإشارة حيث تمكن العبارة، ولا بالبرهان إذا أمكن العيان؛ راجيًا بذلك أن تنفتح لها عيون الغافلين، فيجدوا نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، وأن تنشرح بها صدور المؤمنين، فيزدادوا إيمانًا مع إيمانهم (٢). ويمكننا تحديد أهم مرتكزات منهج الشيخ في النقاط الآتية (٣): ١ - القدرة على الإفادة من تجارب السابقين واعتماده التذوق والتفكر في الدراسة. ٢ - امتلاك الشيخ للنفس الحساسة الذواقة البصيرة، فقد كانت له قدرة فائقة على الإحساس والتذوق. ٣ - امتلاكه أدوات الذوق والمعرفة والقدرة على التمييز بين الأنماط البيانية المختلفة. ٤ - اعتماده فكرة البيانية في دراسة الإعجاز البياني والبحث عن الخصائص التي انفرد بها القرآن. ٥ - النظر الطويل والتأمل العميق في تراث سلفنا، لا سيما في ميدان التفسير، وعلوم _________ (١) محمد عبد الله دراز وجهوده البلاغية - رسالة ماجستير - محمد أمين أبو شهبة ص ١٠٠. (٢) مقدمة النبأ العظيم ١٣٠٤ هـ - ١٩٣٣ م. (٣) لمزيد من الإطلاع على منهج الشيخ في كتابه "النبأ العظيم" ننصح القارئ بالاطلاع على أطروحة الماجستير المقدمة من صديقنا الأستاذ الباحث النابه محمد أمين أبو شهبة: "الدكتور محمد عبد الله دراز وجهوده البلاغية".

стр. 19

القرآن وإعجازه، وإن اتضحت أنفاس علماء بعينهم فيما كتب. فقد سار على نهجهم، وارتوى من نبعهم، وإن ظلت له شخصيته التي برزت من خلال التطبيق. ٦ - النظر في جميع عناصر السورة وضبط أجزائها. ٧ - إشراك أهل العلم فيما كتب من موضوعات هذا الكتاب؛ انطلاقًا من أن "الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها" و"العلم رحم بين أهله"، مصداق ذلك ما عثرت عليه ضمن أوراقه الخاصة، فقد كتب لصديقه الدكتور/ علي عبد الواحد وافي ما نصه "إلى أخي وصديقي الدكتور علي عبد الواحد وافي أقدم هذه الصفحات " (٢٢٤) صفحة" من كتاب "النبأ العظيم" قبل أن يتم طبعه،؛ راجيًا أن ينال هذا القسم من عنايته، نظرة فاحصة تبرز ما عسى أن يكون فيه بحاجة إلى تكميل أو تعديل. وفي انتظار ذلك أقدم له واجب الشكر السابق فضله ولاحقه (١). ٤ - خصائص ومميزات الكتاب: وكتاب "النبأ العظيم" من دون كتب إعجاز القرآن، يتميز بعدة مميزات: ١ - أسلوب علمي رصين، ومنهج مرتب الأفكار، وخطوات متئدة متصاعدة. ٢ - بيان رائق، سلس العبارة، مشرق الديباجة. ٣ - جاء الكتاب في حجم متوسط، لا يمل منه القارئ ولا يستطيله، رغم عمق الأفكار التي عالجها، والخطوات المتعددة التي سار الكتاب بها. ٤ - مخاطبة أبناء هذا الجيل، الذين بعد عهدُهم بكتب السلف الصالح والعلماء السابقين بأسلوبهم المعروف، فجاء هذا الكتاب جامعًا بين ما أفاده من السابقين، وبين _________ (١) محمد عبد الله دراز - رسائل لها تاريخ - جمع وإعداد الشيخ أحمد مصطفى فضلية - دار القلم.

стр. 20

ما يُفهم ويحرك الحاضرين والمعاصرين، وقد أظهر مؤلفه ﵀ معرفة عميقة بالقرآن، وقدرة رائعة على بيان الإعجاز بأيسر عبارة وأوجز طريق. ٥ - الاهتمام بدراسة التناسب في السور القرآنية والإثبات بالحجة والبرهان أن السورة الواحدة من القرآن إنما هي كالبناء المتماسك لا يمكن أن تنزع منه لبنة واحدة دون أن يتداعى ويفسد نظامه (١). ٦ - "لا نغالي إذا قلنا: إن المكتبة القرآنية في عهدنا الأخير لم ترَ أهدى سبيلًا منه في سلامة النظرة، ولطافة الاستشفاف وعمق التأمل" (٢). ٧ - ولعله ليس من قبيل المبالغة أن نؤكد أن الله أعطى هذه الأمة في قرنها الثالث عشر الهجري واحدًا من رجالها الذين سعوا نحو فهم للقرآن ونواحي إعجازه الثلاث: اللغوية، والعلمية، والتشريعية، بشكل متميز. ٥ - النبأ العظيم في وجدان تلامذة الشيخ: قال الدكتور محمد بن فتح الله بدران الذي تتلمذ على يد الشيخ في كلية أصول الدين في قصيدته "دولة القلم" التي أهداها للشيخ دراز عام (١٩٣٤) ميلادية: بل هاكمو النبأ الفياض معجزة … يهدي العقول وإن قامت على قدم وقال تلميذه محمد عبد المقصود الجعفراوي في قصيدته: سبحان من أعطى الورود أريجها … وبا الربيع جماله المصقولا _________ (١) انظر مقدمة الأستاذ عبد الحميد أحمد الدخاخني لكتاب النبأ العظيم - الطبعة المحققة سنة ١٩٩٧ م. (٢) الكلمة للدكتور محمد رجب البيومي، النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين، ج ٥، ص ١٨٣ مجمع البحوث الإسلامية "١٤٠٨ هـ - ١٩٨٧ م".

стр. 21

أولاك بالأدب الصفي كأنه … نضر النعيم محببًا مقبولا وحباك باسم محمد كنبيه … فأتيت بالنبأ العظيم رسولا للدين أعداء تحاول هدمه … وتروم للشرع الحنيف أفولا ذهبوا يصدون الأنام عن الهدى … ويضللون عقولهم تضليلا فصدعت بالنبأ العظيم مزاعمًا … ورددت كيد الظالمين أفولا أولاك ربي بالكتاب وسره … فسقى الحديث وعلم التأويلا فكأنما يوحى إليه بيانه … عذبًا فيروي بالبيان عقولا وكأنما الروح الأمين يضمه … فيُحمِّل الإبقاء والترتيلا وقال تلميذه عبد الرحمن نجا الإبياري في قصيدته "تحية الإخلاص": محمد من في حلبة العلم مثلكم … وأنت يراك الله للعلم أوحدا إذا ما دجى ليل الجهالة بيننا … بعثت لنا من صبح رأيك مرشدا أبنت لنا التنزيل بعد غموضه … وألفت من أشتاته ما تبددا

стр. 22

بتفسيرك القرآن حاربت عصبة … عموا كلهم عن موطن الخير والهدى كأن ابن سينا بيننا كان حاضرًا … يفتح للأذهان ما كان موصدا يقيمك دين الله جيشًا عرمرمًا … ويشهرك الحق الصراح مهندا فداك نفسي من أديب وعالم … أقام جيوش الملحدين وأقعدا ٦ - قالوا عن النبأ العظيم: أ- الشيخ محمد بن محمد أبو شهبة: في كتابه القيم "المدخل إلى القرآن الكريم" تحدث الدكتور العلامة محمد بن محمد أبو شهبة عن كتاب "النبأ العظيم" فقال: "وللأستاذ الشيخ الدكتور محمد عبد الله دراز عضو جماعة كبار العلماء ﵀ وأثابه- كتاب جليل سماه "النبأ العظيم" عرض فيه لإعجاز القرآن، وأبان عنه بطريقة علمية فنية، ثم شرع يدلل على إعجاز القرآن البياني في سورة من سور القرآن؛ وهي سورة البقرة، إحدى الزهراوين، بما لا يدع مجالًا للشك في أن هذا القرآن فوق مستوى قدر البشر، وأنه من عند خالق القوى والقدر. ولو أنه تناول القرآن كله على هذا المنوال لكان ذخيرة من الذخائر القرآنية التي تنتفع بها الأجيال المتعاقبة. فعسى أن يقيض له الله سبحانه من يقوم بإتمام هذه الدراسة القرآنية على هذا النهج المستقيم البديع" (١). _________ (١) المدخل لدراسة القرآن الكريم، مكتبة السنة، ط ٣.

стр. 23

ب- الشيخ محمد الغزالي: ذكر الشيخ الغزالي في مقدمة كتابه: "نحو تفسير موضوعي للقرآن الكريم" أن أسوته في ذلك الدكتور محمد عبد الله دراز، فقال ما نصه: "لقد عنيت عناية شديدة بوحدة الموضوع في السورة وإن كثرت قضاياها، وتأسيت في ذلك بالشيخ محمد عبد الله دراز عندما تناول سورة البقرة -وهي أطول سورة في القرآن- فجعل منها باقة واحدة ملونة نضيدة، يعرف ذلك من قرأ كتابه "النبأ العظيم" وهو أول تفسير موضوعي لسورة كاملة فيما أعتقد" (١). ج- الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي: وكتب عنه الدكتور العلامة يوسف القرضاوي قائلًا: "كان الشيخ أحد العلماء الراسخين في التفسير وعلوم القرآن، وقد ترك لنا من دلائل ذلك: كتابه الرائع "النبأ العظيم" وهو كتاب متفرد، ويحتوي على نظرات جديدة، ومتميزة في الإعجاز البياني أو الأدبي للقرآن، لم ينسجه على منوال أحد قبله في مضمونه وأسلوبه" (٢). د- الشيخ الدكتور عبد الستار فتح الله سعيد: وقال عنه العالم الجليل الدكتور عبد الستار فتح الله سعيد: "إنه كتاب صغر حجمًا وغزر علمًا، وهو من أعاجيب الكتب في الإسلام، وهو يمثل أعجوبة الدراسة" (٣). _________ (١) محمد العزالي، نحو تفسير موضوعي لسور القرآن الكريم، دار الشروق. (٢) انظر مقدمته لكتاب: "زاد المسلم" للدكتور دراز - جمع وإعداد وتحقيق: الشيخ أحمد مصطفى فضلية، دار القلم - القاهرة، الكويت. (٣) مقابلة شخصية بمنزله.

стр. 24

هـ- الدكتور عبد العظيم إبراهيم المطعني: وكتب عنه العلامة الدكتور/ عبد العظيم المطعني، فقال: "وضع دراز كتابًا دعاه "النبأ العظيم أو "نظرات جديدة في القرآن الكريم" وقدم في هذا الكتاب دراسة غنية جدًّا عن القرآن الكريم، فهو عالم ضليع، وفيلسوف عميق النظر، استطاع أن يخرج لنا كتابًا في القرآن فيه جدة، ومتعة، وتوجيه" (١). و الدكتور محمد رجب البيومي: وقال الكاتب الأديب الدكتور/ محمد رجب البيومي عنه: "إننا لا نغالي إذا قلنا: إن المكتبة القرآنية في عهدنا الأخير لم تر أهدى سبيلًا منه في سلامة النظرة، ولطافة الاستشفاف … وعمق التأمل" (٢). ز- الدكتور عبد الله محمود شحاتة: ويقول عنه الدكتور عبد الله محمود شحاته، وهو من تلاميذ الدكتور دراز في دار العلوم: "كتاب «النبأ العظيم، نظرات جديدة في القرآن الكريم» من أقيم الكتب التي تحدثت عن القرآن" (٣). ح- الدكتور عبد الغني بركة: وقال عنه الدكتور عبد الغني محمد سعد بركة، في كتابه "الإعجاز القرآني؛ وجوهه .. وأسراره" (٤): _________ (١) انظر كتابه الممتاز خصائص التعبير القرآني وسماته البلاغية ص ١٦٠. (٢) د/ محمد رجب البيومي، النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين، ج ٥. (٣) د/ عبد الله محمود شحاته، التفسير بين الماضي والحاضر، دار الاعتصام، ص ١٠٩. (٤) نشر مكتبة وهبة الطبعة الأولى - ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٩ م.

стр. 25

"إن كتاب "النبأ العظيم" الذي كان مرجعنا الأساسي في التعرف على آراء الدكتور دراز ﵀ في قضية الإعجاز القرآني، يعتبر كتابًا فريدًا في منهجه الذي اتبعه في دراسة هذه القضية والإقناع بها" (١). ط- الدكتور محمد نبيل غنايم: وكتب عنه الدكتور محمد نبيل غنايم فقال: "وكتاب «النبأ العظيم» للدكتور محمد عبد الله دراز، كتاب لا يستغني عنه باحث، وقد تكلم فيه عن سورة البقرة ونظمها في عقد فريد تظهر جمال النظم الإلهي ذي الترتيب المحدد بمقدار معين" (٢). ي- الدكتور محمد أبو موسى: قال الدكتور محمد أبو موسى في كتابه التصوير البياني عندما رأى الدكتور دراز في القول بعطاء الكاف في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ودحض القول بالزيادة كلمة نفيسة تكتب بماء الذهب؛ لأنها أبانت عن قدرة الدكتور دراز: "إن الشيخ قد ذكر الآية وأتبعها بما يكشف عن مدلول الحروف، متخذًا من دلالة الكتابة التي ذكرها الزمخشري أساسًا لتأمله الخصب الذي يريك كيف تكون بصيرة البحث قادرة على أن تبعث من الفكرة القديمة المألوفة فكرة جديدة غير مألوفة، وكيف ترى جلال مقالة القدماء إذا صادفت نفسًا خصبة فيها بقية من طبائع العلماء" (٣). _________ (١) المرجع السابق، ص ٢٦٤. (٢) د/ محمد نبيل غنايم، بحوث ونماذج من التفسير الموضوعي، دار القلم، والهداية بالقاهرة. (٣) التصوير البياني د/ محمد موسى، ص ٤٠٤.

стр. 26

ك- الدكتور محمد محمود حجازي: "يعد الدكتور محمد عبد الله دراز من رواد التفسير الموضوعي للسورة القرآنية الذي هو عبارة عن الكلام على السورة القرآنية ككل، مع بيان أغراضها العامة والخاصة، وما فيها، مع بيان ربط الموضوعات بعضها ببعض حتى تبدو السورة، وهي في منتهى الدقة والإحكام" (١). ل- الأستاذ محمد عبد العظيم علي: وكتب عنه الأستاذ محمد عبد العظيم في مختصره لتفسيره سورة البقرة ما نصه: "من علامات سبق المؤلف لزمانه، المنهج الجديد في التفسير الذي ضمنه كتاب «النبأ العظيم» الذي نحن بصدده. وهو منهج جديد في زمانه ولا يزال على جدته وحداثته برغم مرور أكثر من نصف قرن على تأليفه، إنه منهج لم يسبقه إليه أحد لدراسة القرآن وتفسيره؛ إذ شعر المؤلف ﵀ في الثلاثينيات بحاجة المسلمين إلى فهم كتاب الله على منهج يتفق مع عصر العلم الحديث الذي يتميز عن العصور السابقة وتختلف علومه ومناهجه عما سبق، فكتب وألف في الموضوع، ورسم الطريق لمن يجيء بعده لكي يستكمل الرسالة التي بدأها" (٢). م- الدكتور محمد ناصر قطبي: وكان من نوابغ الأطباء الذين تأثروا بكتاب "النبأ العظيم" الدكتور/ محمد ناصر قطبي، قال ما نصه: "وبعد قراءتي لتفاسير عديدة للأئمة الكبار من السلف ومن المعاصرين، كان هناك كتاب فريد في بابه، قوي في بيانه، له أكبر الأثر في نفسي، وتكوين فكري مع القرآن، _________ (١) الوحدة الموضوعية في القرآن الكريم - دار الكتب الحديثة. (٢) انظر مختصر تفسير سورة البقرة، ص ٥، دار الإبداع بالإسكندرية.

стр. 27

إنه كتاب "النبأ العظيم" (١). ن- الشيخ منصور الأحمد: ".... كثيرة هي الكتب المؤلفة حول القرآن الكريم تفسيرًا وأسباب نزول، وبيان إعجاز، ولكن كتاب "النبأ العظيم" على صغر حجمه يظل معلمًا بارزًا يقف شامخًا بين كل الدراسات القرآنية" (٢). س- الشيخ عبد المعز خطاب: "ولا أنسى كتاب «النبأ العظيم» للدكتور محمد عبد الله دراز الذي تناول «سورة البقرة» بعد أن مهد بالحديث عن القرآن، فكان هذا الكتاب فتحًا، ولا أظن عالمًا معاصرًا بلغ شأوه، والأجل لم يمهله ليستكمل هذا المنهج ويغطي كل سور القرآن" (٣). ع- الدكتور محمد أمين أبو شهبة: وحين تناول صديقنا الشيخ محمد أمين أبو شهبة الجانب البلاغي في "النبأ العظيم" في أطروحته للماجستير كتب ما نصه: "والدكتور محمد عبد الله دراز ﵀ واحد من الذين قيضهم الله لخدمة بلاغة القرآن وبيان أسرار إعجازه، والرد على زعم أن القرآن ليس من عند الله، فقد سطر في ذلك الميدان صفحاتٍ بارزةً تعكس جهده البلاغي، وفكره البياني المتميز الجدير بالبحث والتقدير، ذلك أنه شغل بالبحث عن الخصائص البيانية التي انفرد بها القرآن وباين بها أسلوب البشر، وهو ما يعطي هذه الصفحات أهميتها، وعظمتها المستمدة من عظمة البحث في كتاب الله، فإذا انضاف إلى ذلك طبيعة الشيخ فكرًا، وذوقًا، وقدرة على الفهم والتحليل والمحاورة، فقد تجلت _________ (١) انظر كتابه: هكذا يحدثنا القرآن، دار القلم بالقاهرة. (٢) كتاب في مقال مجلة البيان - العدد الثالث - ربيع الثاني/ ١٤٠٧ هـ. (٣) عن مقدمة كتاب: تأملات ونظرات في سور القرآن ١٩٩١ م - ١٩٩٢ م، مطبعة دار التأليف.

стр. 28

أهمية كتاب "النبأ العظيم" (١). وبعد، فسلام على العالم المجدد، والباحث المنهجي المنفرد، والعالم العظيم، والمسلم العظيم .. محمد عبد الله دراز. سلام عليه يوم ارتفع بإيمانه الصادق فوق هذه الدنيا؛ حقيقة لا كلامًا. سلام على العالم الإنسان الذي وسع بقلبه الكبير وعقله الرشيد، وخلقه الرفيع وأفقه الواسع سائرَ الناس. سلام على العالم المجاهد الذي استنفذ عمره وقواه في خدمة الإسلام والمسلمين، ووهب حياته لخدمة دينه وأمته بقلمه ولسانه وعمله. سلام على العالم المفكر والداعية العالمي الذي عاش في الغرب أحد عشر عامًا، فلم يفتنه الغرب، ولم يلوثه الغرب، وكان حيثما وُجد منارة هادية، ودعوة دائبة، وتعريفًا حيًّا بالإسلام، وفضائل الإسلام، بلسان الحال، لا بمجرد المقال، تعريفًا رائعًا ما يزال له في كثير من النفوس أجمل الآثار. سلام على صاحب «النبأ العظيم» ورضي الله عنه وتقبله في الصالحين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. كتبه: الفقير إلى عفو الله أحمد مصطفى فضلية شيخ معهد محلة دياي الأزهري محلة دياي - دسوق في محرم (١٤٢٦) هـ. ٧ من مارس (٢٠٠٥) م _________ (١) بتصرف يسير عن رسالة الماجستير، محمد عبد الله دراز وجهوده البلاغية - ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م.

стр. 29

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة المؤلف للطبعة الثانية: الجزء الأول من كتاب "النبأ العظيم" مولود جديد … قديم؛ جديد في مقطعه ونهايته، قديم في مطلعه وبدايته. كان مسقط رأسه في الحرم الجامعي، منذ نيف وعشرين عامًا؛ ولكنه لم يبرز منه يومئذ إلا عنقه وصدره .. أما أطرافه فلم تنشأ، وأما خلقه فلم يكتمل إلا اليوم. لقد شهد طلاب الأمس بداية أمره، حين كان يملى عليهم نجومًا متفرقة، في فترات متلاحقة أو غير متلاحقة، وكانوا كلما اجتمعت منه صفحات معدودة لا تزيد عن عقد وبعض عقد، استعجلوا طبعها، وجعلوا يستحثون همة المؤلف لوضع لاحقتها. ثم أتت بعد ذلك شئون (١) حالت دون إتمام وضعه، بله إكمال طبعه؛ فبقي القدر الذي طبع منه حبيسًا في دار الطبع، أو مقصورًا على الرعيل الأول من طلاب هذا البحث .. حتى أذن أذن العلي القدير -وكل شيء عنده بمقدار- أن يضيف المؤلف إليه

стр. 30

اليوم خليات أخر، اكتمل به قوامه، وأخذ بها أهبته للخروج من نطاق الثقافة الجامعية، إلى فضاء الثقافة العالمية، لكي يتحدث إلى كل عقل واع ناقد، لا يأخذ إلا على بصيرة وبينة، ولا يذر ما يذر إلا على بصيرة وبينة؛ وإلى كل وجدان تجريبي ذائق لا يكتفي بالخبر عن المعاينة؛ ولا يستغني بالوزن عن الموازنة. إنه حديث يبدأ من نقطة البدء … فلا يتطلب من قارئه انضواءً تحت راية معينة؛ ولا اعتناقًا لمذهب معين، ولا يفترض فيه تخصصًا في ثقافة معينة؛ ولا حصولًا على مؤهل معين، بل إنه يناشده أن يعود بنفسه صحيفة بيضاء؛ إلا من فطرة سليمة؛ وحاسة مرهفة؛ ورغبة صادقة في الوصول إلى الحق في شأن هذا القرآن. وإنه إذًا لواصل إن شاء الله. في شعبان سنة ١٣٧٦ هـ "مارس ١٩٥٧ م" محمد عبد الله دراز

стр. 31

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة المؤلف للطبعة الأولى: الحمد لله الذي فضلنا بالقرآن على الأمم أجمعين، وآتانا به ما لم يؤتِ أحدًا من العالمين: أنزله هداية عالمية دائمة، وجعله للشرائع السماوية خاتمة، ثم جعل له من نفسه حجة على الدهر قائمة. والصلاة والسلام على من كان خلقه القرآن، ووصيته القرآن، وميراثه القرآن، القائل: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" (١). الله كما أعطيتنا حظًّا من وراثة هذا الذكر الحكيم، فيسرت علينا حفظه وتذكره، وحببت إلينا تلاوته وتدبره، نسألك أن تجعلنا من خيار وارثيه الذين هم بهدايته مستمسكون، والذين هم على حراسته قائمون، والذين هم تحت رايته يوم القيامة يبعثون، في جند إمامنا الأعظم، ورسولنا الأكرم، محمد بن عبد الله ﷺ وعلى آله وأصحابه، وأتباعه وأحبابه. أما بعد: فهذه بحوث في القرآن الكريم، قدمتها بين يدي دروس التفسير لطلبة كلية أصول الدين بالجامع الأزهر المعمور، أردت أن أنعت كتاب الله بحليته وخصائصه، وأن أرفع النقاب عن جانب من الحقائق المتصلة به، وأن أرسم الخطة التي ينبغي سلوكها في دراسته. وقد راعيت في أكثر هذه البحوث شيئًا من التفصيل والتحليل، وشيئًا من التطبيق

стр. 32

والتمثيل، فلم أكتفِ بالإشارة حيث تمكن العبارة، ولا بالبرهان إذا أمكن العيان، راجيًا بذلك أن تنفتح لها عيون الغافلين؛ فيجدوا نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، وأن تنشرح بها صدور المؤمنين، فيزدادوا إيمانًا إلى إيمانهم. ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير وبالإجابة جدير. في سنة ١٣٥٢ هـ، ١٩٣٣ م. محمد عبد الله دراز

стр. 33

البحث الأول: في تحديد معنى القرآن المعنى اللغوي والاشتقاقي لكلمتي "قرآن" و"كتاب": معنى القرآن في اللغة: القرآن في الأصل مصدر على وزن فُعلان بالضم، كالغفران والشكران والتكلان. تقول: قرأته قرءًا وقراءةً وقرآنًا بمعنى واحد، أي تلوته تلاوة، وقد جاء استعمال القرآن بهذا المعنى المصدري في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ (١) أي قراءته. ثم صار علمًا شخصيًّا (٢) لذلك الكتاب الكريم. وهذا هو الاستعمال الأغلب، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٣). ويسمى -أيضًا- الكتاب، ومنه قوله تعالى: ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ (٤). سر التسمية بالاسمين جميعًا: روعي في تسميته قرآنًا كونه متلوًّا (٥) بالألسن، كما روعي في تسميته كتابًا كونه مدونًا (٦) بالأقلام، فكلتا التسميتين من تسمية الشيء بالمعنى الواقع عليه.

стр. 34

وفي تسميته بهذين الاسمين إشارة إلى أن من حقه العناية بحفظه في موضوعين لا في موضع واحد، أعني أنه يجب حفظه في الصدور والسطور جميعًا، أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى، فلا ثقة لنا بحفظ حافظ حتى يوافق الرسم المجمع عليه من الأصحاب، المنقول إلينا جيلًا بعد جيل على هيئته التي وضع عليها أول مرة. ولا ثقة لنا بكتابة كاتب حتى يوافق ما هو عند الحفاظ بالإسناد الصحيح المتواتر. وبهذ العناية المزدوجة التي بعثها الله في نفوس الأمة المحمدية اقتداءً بنبيها بقي القرآن محفوظًا في حرز حريز، إنجازًا لوعد الله الذي تكفل بحفظه حيث يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١) ولم يصبه ما أصاب الكتب الماضية من التحريف والتبديل وانقطاع السند، حيث لم يتكفل الله بحفظها، بل وكلها إلى حفظ الناس فقال تعالى: ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ (٢) أي بما طلب إليهم حفظه. سر اختصاص القرآن بالخلود وعدم التحريف، دون الكتب السابقة: والسر في هذه التفرقة أن سائر الكتب السماوية جيء بها على التوقيت لا التأبيد،

стр. 35

وأن هذا القرآن جيء به مصدقًا لما بين يديه من الكتب ومهيمنًا عليها، فكان جامعًا لما فيها من الحقائق الثابتة، زائدًا عليها بما شاء الله زيادته، وكان سادًّا مسدها، ولم يكن شيء منها ليسد مسده، فقضى الله أن يبقى حجة إلى قيام الساعة، وإذا قضى الله أمرًا يسر له أسبابه، وهو الحكيم العليم. هل يمكن تحديد القرآن تحديدًا منطقيًّا؟: لما كان القرآن بهذا المعنى الأسمى جزئيًّا حقيقيًّا كان من المتعذر تحديده بالتعارف المنطقية ذات الأجناس والفصول والخواص. وذلك شأن كل الجزئيات الحقيقية لا يمكن تحديدها بهذا الوجه؛ لأنه يقبل الانطباق على كل ما يفرض مماثلًا له في ذلك الوصف ذهنًا وإن لم يوجد في الواقع فلا يكون مميزًا له عن جميع ما عداه، فلا يكون حدًّا صحيحًا. وإنما يحدد الجزئي بالإشارة إليه حاضرًا في الحس، أو معهودًا في الذهن. فإذا أردت تعريف القرآن تعريفًا تحديديًّا فلا سبيل لذلك إلا بأن تشير إليه مكتوبًا في المصحف أو مقروءًا باللسان، فنقول: هو ما بين هاتين الدفتين. أو تقول: هو "بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين … إلى: من الجنة والناس". أما ما ذكره العلماء من تعريفه بالأجناس والفصول كما تعرف الحقائق الكلية فإنما أرادوا به تقريب معناه وتمييزه عن بعض ما عداه مما قد يشاركه في الاسم ولو توهمًا؛ ذلك أن سائر كتب الله تعالى والأحاديث القدسية وبعض الأحاديث النبوية تشارك القرآن في كونها وحيًا إلهيًّا، فربما ظن ظانٌّ أنها تشاركه في اسم القرآن أيضًا، فأرادوا بيان اختصاص الاسم به ببيان صفاته التي امتاز بها عن تلك الأنواع. فقالوا: "القرآن هو كلام الله تعالى، المنزل على محمد ﷺ المتعبد بتلاوته".

стр. 36

عناصر التعريف: "فالكلام" جنس شامل لكل كلام، وإضافته إلى "الله" تميزه عن كلام من سواه من الإنس والجن والملائكة. و"المنزل" مخرج للكلام الإلهي الذي استأثر الله به في نفسه، أو ألقاه إلى ملائكته ليعملوا به لا لينزلوه على أحد من البشر؛ إذ ليس كل كلامه تعالى منزلًا، بل الذي أنزل منه قليل من كثير ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (١) ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ (٢). وتقيد المنزل بكونه "على محمد" لإخراج ما أنزل على الأنبياء من قبله، كالتوراة المنزلة على موسى، والإنجيل المنزل على عيسى، والزبور المنزل على داود، والصحف المنزلة على إبراهيم ﵈. وقيد "المتعبد بتلاوته" -أي المأمور بقراءته في الصلاة وغيرها على وجه العبادة- لإخراج ما لم نؤمر بتلاوته من ذلك، كالقراءات المنقولة إلينا بطريق الآحاد، وكالأحاديث القدسية، وهي المسندة إلى الله إن قلنا: إنها منزلة من عند الله بألفاظها. أما الأحاديث النبوية فإنها بحسب ما حوته من المعاني تنقسم إلى قسمين: "قسم توفيقي" استنبطه النبي بفهمه في كلام الله أو بتأمله في حقائق الكون، وهذا القسم ليس كلام الله قطعًا. و"قسم توقيفي" تلقى الرسول ﷺ مضمونه من الوحي فبينه للناس بكلامه. وهذا القسم وإن كان ما فيه من العلوم منسوبًا إلى معلمه وملهمه

стр. 37

سبحانه، لكنه -من حيث هو كلام- حري بأن ينسب إلى الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لأن الكلام إنما ينسب إلى واضعه وقائله الذي ألفه على نحو خاص ولو كان ما فيه من المعنى قد تواردت عليه الخواطر وتلقاه الآخر عن الأول. فالحديث النبوي إذًا خارج بقسميه من القيد الأول (١) في هذا التعريف. وكذلك الحديث القدسي إن قلنا: إنه منزل بمعناه فقط، وهذا هو أظهر القولين فيه عندنا؛ لأنه لو كان منزلًا بلفظه لكان له من الحرمة والقدسية في نظر الشرع ما للنظم القرآني، إذ لا وجه للتفرقة بين لفظين منزلين من عند الله. فكان من لوازم ذلك وجوب المحافظة على نصوصه، وعدم جواز روايته بالمعنى إجماعًا: وحرمة مس المحدث لصحيفته. ولا قائل بذلك كله. وأيضًا فإن القرآن لما كان مقصودًا منه مع العمل بمضمونه شيء آخر وهو التحدي بأسلوبه والتعبد بتلاوته احتيج لإنزال لفظه، والحديث القدسي لم ينزل للتحدي ولا للتعبد بل لمجرد العمل بما فيه وهذة الفائدة تحصل بإنزال معناه، فالقول بإنزال لفظه قول بشيء لا داعي في النظر إليه، ولا دليل في الشرع عليه، اللهم إلا ما قد يلوح من إسناد الحديث القدسي إلى الله بصيغة "يقول الله ﵎ كذا" لكن القرائن التي ذكرناها آنفًا كافية في إفساح المجال لتأويله بأن المقصود نسبة مضمونه لا نسبة ألفاظه، وهذا تأويل شائع في العربية. فإنك تقول حينما تنثر بيتًا من الشعر: "يقول الشاعر كذا" وعلى هذه القاعدة حكى الله تعالى عن موسى وفرعون وغيرهما مضمون كلامهم بألفاظ وأسلوب غير أسلوبهم، ونسب ذلك إليهم. فإن زعمت أنه لو لم يكن في الحديث القدسي شيء آخر مقدس وراء المعنى لصح لنا أن نسمي بعض الحديث النبوي قدسيًّا أيضًا، لوجود هذا المعنى فيه. فجوابه: أننا لما

стр. 38

قطعنا في الحديث القدسي بنزول معناه لورود النص الشرعي على نسبته إلى الله، بقوله ﷺ : "قال الله تعالى كذا" سميناه قدسيًّا لذلك، بخلاف الأحاديث النبوية فإنها لما لم يرد فيها مثل هذا النص جاز في كل واحد منها أن يكون مضمونه معلمًا بالوحي، وأن يكون مستنبطًا بالاجتهاد والرأي، فسمي الكل نبويًّا وقوفًا بالتسمية عند الحد المقطوع به، ولو كانت لدينا علامة، تميز لنا قسم الوحي لسميناه قدسيًّا كذلك. على أن هذا الامتياز لا يؤدي إلى نتيجة عملية، فسواء علينا عند العمل بالحديث أن يكون من هذا القسم أو من ذاك؛ إذ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في تبليغه صادق مأمون، وفي اجتهاده فطن موفق، وروح القدس يؤيده فلا يقره على خطأ إن أخطأ في أمر من أمور الشريعة. فكان مرد الأمر في الحقيقة إلى الوحي في كلتا الحالتين، إما بالتعليم ابتداءً، وإما بالإقرار أو النسخ انتهاءً؛ ولذلك وجب أن نتلقى كل سنته بالقبول ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١) ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٢).

стр. 39

البحث الثاني: في بيان مصدر القرآن تمهيد: لقد علم الناس أجمعون علمًا لا يخالطه شك أن هذا الكتاب العزيز جاء على لسان رجل عربي أمي ولد بمكة في القرآن السادس الميلادي، اسمه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله .. هذا القدر لا خلاف فيه بين مؤمن وملحد؛ لأن شهادة التاريخ المتواتر به لا يماثلها ولا يدانيها شهادته لكتاب غيره ولا لحادث غيره ظهر على وجه الأرض. أما بعد، فمن أين جاء به محمد بن عبد الله ﷺ ؟ أمن عند نفسه ومن وحي ضميره، أم من عند معلم؟ ومن هو ذلك المعلم؟ تحديد الدعوى أخذًا من النصوص القرآنية: نقرأ في هذا الكتاب ذاته أنه ليس من عمل صاحبه، وإنما هو قول رسول كريم، ذو قوة عند ذي العرش مكين، مطاع ثم أمين: ذلكم هو جبريل ﵇ تلقاه من لدن حكيم عليم، ثم نزله بلسان عربي مبين على قلب محمد ﷺ فتلقنه محمد منه كما يتلقن التلميذ عن أستاذه نصًّا من النصوص، ولم يكن له فيه من عمل بعد ذلك إلا: "١" الوعي والحفظ، ثم "٢" الحكاية والتبليغ، ثم "٣" البيان والتفسير، ثم "٤" التطبيق والتنفيذ. أما ابتكار معانيه وصياغة مبانيه فما هو منهما بسبيل، وليس له من أمرهما شيء، إن هو إلا وحي يوحى.

стр. 40

وهكذا سماه القرآن حيث يقول: ﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ (١) ويقول: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ (٢)، وأمثال هذه النصوص كثيرة في شأن إيحاء المعاني، ثم يقول في شأن الإيحاء اللفظي: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ (٣) ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ (٤) ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ، إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (٥) ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ (٦) ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ (٧) ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (٨) فانظر كيف عبر بالقراءة والإقراء، والتلاوة والترتيل، وتحريك اللسان، وكون الكلام عربيًّا، وكل أولئك من عوارض الألفاظ لا المعاني البحتة. القرآن إذًا صريح في أنه "لا صنعة فيه لمحمد ﷺ ولا لأحد من الخلق، وإنما هو منزل من عند الله بلفظه ومعناه". والعجب أن يبقى بعض الناس في حاجة إلى الاستدلال على الشطر الأول من هذه المسألة، وهو أنه ليس من عند محمد ﷺ .
следующие страницы →