وهاهم أهل الباطل اليوم يتذرعون بما يدعونه من حقوق الإنسان، ليسقطوا دولا يزعمون أنها تقف ضد حقوق الإنسان في شعوبها، ووصل الأمر بهم أن يعتبروا من حقوق الإنسان عدم تطبيق الشريعة الإسلامية في أي بلد إسلامي، ولو كان غالب أهل البلد ينادون بتطبيق الشريعة في بلدهم، بل ولو أجريت انتخابات حزبية تعددية باسم الديمقراطية التي هم يزعمون تقديسها وعدها من حقوق الإنسان في الشعوب، وفاز دعاة تطبيق الشريعة الإسلامية فوزا ساحقا، فإن أعداء الإسلام ودعاة حقوق الإنسان ومقدسي الديمقراطية، يقفون بدون حياء بجانب فئة قليلة من عبيدهم وأذنابهم العلمانيين، لسحق الأغلبية المسلمة من الشعب، لئلا يستقر الحق ويعلو ويزهق الباطل ويزول.
وإذا كان هذا هو موقف أهل الباطل من أجل حمايته وحماية العقول من نفاذ الحق إليها، فإن أهل الحق أولى بتحطيم سدود أهل الباطل - لا لإكراه الطغاة المردة أنفسهم على اعتقاد الحق ولكن - لإيصال الحق الذي يحملونه إلى الناس، وليسمع الناس دعوتهم إلى الحق وبيانه، ثم يقرروا - دون إكراه - اعتقادهم الحق أو عدم اعتقاده.
ولنضرب مثالا يقرب هذا المعنى:
стр. 527
حارة شب فيها حريق، فجاءت نجدة الإطفاء لإطفاء الحريق، وجاءت نجدة الإسعاف الطبي لنقل المصابين إلى المستشفيات لمعالجتهم، فوجدت النجدتان رجالا مسلحين يحيطون بتلك الحارة التي أصابها الحريق، يمنعون نجدة الإطفاء من إطفاء الحريق، ويمنعون نجدة الإسعاف الطبي من إسعاف المصابين، ويمنعون أهل الحارة من الهرب منها لينجوا بأنفسهم من الموت.
ألا يجب في هذه الحالة على الدولة أن تبعث فرقا من الشرطة أو الجيش، لطرد المسلحين الظالمين الذي يحيطون بالحارة المحروقة، لإجبار أهلها على البقاء في لهب النار ليحترقوا، ومنع من يريد إسعافهم من الوصول إليهم لإنقاذهم؟!
لا بد أن يكون جواب كل عاقل بالإيجاب.
وهكذا يجب أن يزال طغاة الباطل من طريق الحق، ليصل إلى عقول الناس، ومن طريق الناس ليصل إليهم الحق.
стр. 528
فالباطل أشد خطرا من النار، والحق أكثر ضرورة من الإطفاء والإسعاف، والناس الذين يحجر عليهم الطغاة ولا يأذنون لهم بسماع الحق وفهمه، أعظم حاجة إلى إطلاق حريتهم من الذين شب الحريق في منازلهم، وأهل الحق أجدر بالوصول إلى الناس من فرق الإغاثة المادية لإغاثتهم بالحق، وطغاة الباطل الذين يمنعون وصول الحق إلى الناس أولى بالاستئصال من مانعي نجدة الإطفاء من الحرائق، ونجدة إسعاف المصابين. فغاية ما يسببه الحريق هو تلف الأموال والنفوس في الدنيا، والأموال تعوض والنفوس لها آجال لا بد منها، والنفس التي تموت وهي مؤمنة ستنال الثواب الجزيل والفوز الدائم برضا الله وجنة الخلد.
أما البقاء في ضلال الكفر وظلماته واتباع الباطل والبقاء في ظلماته، فإن نهايته الشقاء والنكد في الدنيا، والوقوع في سخط الله والعذاب الدائم في نار جهنم والعياذ بالله.
стр. 529
غايات أهل الباطل في السباق إلى العقول
كما أن لأهل الحق غايات في سباقهم بالحق إلى العقول، فإن لأهل الباطل - كذلك - غايات في سباقهم بباطلهم إلى العقول، وقد لا يصرحون بتلك الغايات، ولكن أعمالهم وتصرفاتهم تدل على غاياتهم.
ولنذكر أهم غاياتهم تلك إجمالا، ثم نشرع في تفصيلها:
الغاية الأولى: التمتع المطلق بكل ما في الحياة الدنيا .
الغاية الثانية: الصد عن سبيل الله.
الغاية الثالثة: تكذيب الرسل.
الغاية الرابعة: الْحَوْل بين الناس وبين إقامة الحجة عليهم.
الغاية الخامسة: إخراج الناس من النور إلى الظلمات.
الغاية السادسة: إحلال الشرك محل التوحيد.
الغاية السابعة: إنكار الإيمان بالغيب.
الغاية الثامنة: محاربة الحكم بما أنزل الله.
الغاية التاسعة: محاربة الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين.
الغاية العاشرة: غرس الأخلاق الفاسدة في نفوس الناس.
الغاية الحادية عشرة: الإفساد في الأرض.
الغاية الأولى: التمتع المطلق بكل ما في الحياة الدنيا.
стр. 530
وكلمة: [المطلق] هنا مقصودة، لأن أهل الحق يتمتعون بكثير مما يتمتع به أهل الباطل، من مأكل ومشرب ومنكح ومسكن ومركب ومنصب وجاه، وغير ذلك، ولكن تمتع أهل الحق بذلك ليس تمتعا مطلقا، وإنما هو مقيد بما أذن الله فيه وشرعه.
بخلاف أهل الباطل، فإنهم يتمتعون بكل ما في الأرض تمتعا مطلقا، أي خاليا من كل قيد، من دين أو خلق، ودون معارض من رسل أو أنبياء ودعاة خير، ولا يقيدهم إلا قيد واحد فقط، وهو عدم القدرة على تناول ما يشتهون.
وهذه الغاية لا تتحقق لهم إلا إذا كثر أهل الباطل كثرة، لا تدع مجالا لأهل الحق في صدهم عن الوصول إلى غاياتهم تلك، ولذلك فهم يسعون جادين في سباقهم إلى عقول الناس، ليكسبوا أكبر عدد منهم، ليقفوا في صفهم للوصول إلى غاياتهم تلك وصد من يحاول منعهم منها.
وقد أبرز الله تعالى هذه الغاية في كتابه، والواقع يشهد بها، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ (١) .
وقال تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (٢) .
стр. 531
وقال تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (١) .
وقال تعالى: ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ﴾ ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ (٢) .
وفي هذه الآيات يهدد الله تعالى الكافرين الذين جعلوا غايتهم التمتع بالحياة الدنيا، وحرصوا على تحقيق هذا التمتع الذي ألهاهم عن عبادة الله وطاعته وطاعة رسله بما ينتظرهم من جزاء يوم القيامة.
وقال تعالى: - مبينا نوعا من أنواع هذا التمتع وهو العلو في الأرض - ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٣) .
стр. 532
وبين تعالى شيئا من علو فرعون، في قوله تعالى: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ (١) .
فغاية فرعون - وكذلك كل الفراعنة - العلو في الأرض بالملك والمال وكثرة الأتباع، ولذلك يحاولون خداع الجماهير والشعوب بمظاهر ملكهم وضعف أهل الحق والوقوف ضدهم.
وقال تعالى عن فرعون، أيضا - وقد أرسل إليه موسى يدعوه إلى طاعة الله، مع ما لدى موسى من آيات دالة على صدق رسالته -: ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى﴾ ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾ ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى﴾ ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ (٢) .
وهذا الاحتفاء بمن عندهم متاع الحياة الدنيا، هو من غاياتهم التي يريدون تحقيقها، وهم يعلمون أنهم لا يحتفي بهم وهم على باطل إلا أتباعهم من أهل الباطل، وأما أهل الحق فلا يعبأ ون بما عندهم من متاع الحياة الدنيا، ولهذا فإن أهل الباطل يضيقون ذرعا بأهل الحق، لعدم اغترارهم بما عندهم، كما قال تعالى في هذه القصة: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ . (١)
فالميزان يختلف عند هؤلاء وأولئك: أهل الحق يزنون الناس وما يملكون بالإيمان والعمل الصالح والصبر، وهي الصفات التي يترتب عليها رضوان الله وثوابه، وأهل الباطل يزنون الناس بما عندهم من ملك وغنى وشتان شتان.
стр. 535
ومما يدل على أن أهل الباطل يضيقون ذرعا بأهل الحق ونصحهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، ليقيدوا تمتعهم في الحياة الدنيا بقيود شرع الله: موقف قوم شعيب من نصحه لهم بالتزام عبادة الله وحده والعدل وترك الظلم والفساد، كما قال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ (١) .
стр. 536
الغاية الثانية: الصد عن سبيل الله .
هذه هي الغاية الرئيسة الثانية التي يريد أهل الباطل تحقيقها في السباق إلى العقول، وهي الصد عن سبيل الله ومحاربة الحق وأهله، ونصر الباطل وتثبيته في الأرض، أي تحقيق كل ما يضاد غايات أهل الحق ويخالفها من غايات.
وقد أوضح القرآن الكريم في آيات كثيرة منه أن أهل الباطل كلهم يصدون عن سبيل الله، سواء في ذلك أهل الكتاب من اليهود والنصارى، أو المشركون الوثنيون أو المنافقون.
وفعل: "صَدَّ" يأتي لازما، ومعناه انصراف الصاد عن الشيء والامتناع من قبوله، ويأتي متعديا، ومعناه صرف غيره عن الشيء وعن قبوله، ولا يصرف الإنسان غيره عن الحق إلا إذا كان هو نفسه قد انصرف عنه، لأن صاحب الحق لا ينصرف عنه ولا يصرف غيره.
قال تعالى عن أهل الكتاب: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (١) .
стр. 537
وقال تعالى عن علمائهم وعبادهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١) .
وقال عن اليهود منهم: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ (٢) .
وقال تعالى عن المشركين: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (٣) .
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ (٤) .
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ﴾ (٥) .
стр. 538
وقال تعالى عن المنافقين - النفاق الاعتقاد -: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ (١) .
وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (٢) .
وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣) .
هاتان هما الغايتان الرئيستان اللتان يضعهما أهل الباطل نصب أعينهم في سباقهم إلى العقول بباطلهم: التمتع بكل ما في الحياة الدنيا بدون التقيد بشرع الله، والصد عن سبيل الله من أجل إبطال الحق وتثبيت الباطل.
стр. 539
الغاية الثالثة: تكذيب الرسل والكفر بالوحي .
إن أقوى وسيلة يتمكن بها أهل الباطل، من الخلاص من التقيد بدين الله، ومن الاستجابة لرسله، عليهم الصلاة والسلام، هي: تكذيب أولئك الرسل في دعواهم أن الله تعالى بعثهم إلى الخلق لهدايتهم بوحيه، ووصف أولئك الرسل بضد ما يتصفون به من الصفات الحميدة التي أهلتهم لاختيار الله لهم رسلا إلى الناس، فيصفونهم بالضلال بدل الهدى، وبالسفه بدل الرشد، وبالجنون بدل كمال العقول، ويجعلونهم محلا للسخرية والاستهزاء بدلا من الاحترام والتوقير.
وينعتون الوحي الذي أنزله الله عليهم وجميع الكتب السماوية التي نزل بها جبريل من عند الله - وآخرها القرآن الكريم - بأنها أساطير الأولين وبأنها كذب وافتراء.
قال تعالى عن فرعون وقومه في موسى ﵇: ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ (١) .
стр. 540
وأخبر تعالى أن دأب الأمم المكذبة لرسله عليهم الصلاة والسلام في كل الأزمان، هو الاستهزاء والسخرية بهم، كما قال تعالى: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ (١) .
وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ (٢) .
وهكذا وصفوا بينات الرسل أنها سحر، كما قال تعالى عن فرعون وقومه: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ (٣)
وقال عمن كفر بعيسى من بني إسرائيل: ﴿فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (٤) .
стр. 541
وقال تعالى عن المشركين الذين كفروا بالوحي المنزل على رسولنا محمد ﷺ : ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (١) .
وقال تعالى عنهم: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (٢) .
وقال تعالى عنهم: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ (٣)
стр. 542
الغاية الرابعة: الْحَوْل بين الناس وإقامة الحجة عليهم .
ويحصل ذلك بإعراض قادة الباطل عن سماع الحق الذي يأتي به أهله، وبحض غيرهم على الإعراض عن حجج الحق وتدبرها والإصغاء إليها، بل وأمرهم بإحداث اللغط والضوضاء عندما يدعو أهل الحق إليه، كما قال تعالى عنهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (١) . وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ (٢) .
وليس من شرط هذا الحوْل وتحققه أن يصرح أهل الباطل بمثل ما دلت عليه الآيتان المذكورتان، فيقولوا: لا تسمعوا كلام الدعاة إلى الله، أو أن على قلوبنا أغطية لا يصل إليها ما يدعون إليه، بل يتحقق بكل سبيل يؤدي إلى ذلك الحول، كوضع مناهج تعليمية، أو برامج إعلامية، أو نواد ثقافية، أو رياضة، أو دور سينما، أو غيرها مما يلهي الناس ويشغلهم عن سماع الحق وحججه ودلائله، وهذا الأسلوب أشد تأثيرا في الناس من الأمر الصريح بالإعراض عن الحق (٣) .
стр. 543
الغاية الخامسة: إخراج الناس من النور إلى الظلمات .
كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ (١) .
стр. 544
الغاية السادسة: إحلال الشرك محل التوحيد .
ويكون ذلك بتقديس الطواغيت التي تنصب نفسها أو ينصبها غيرها آلهة للبشر، سواء أكانت قبورا أو حجارة أو أشجارا أو حيوانات، أو هي من علماء السوء الذين يشترون بآيات الله ثمنا قليلا، كما فعل علماء اليهود من قبل وغيرهم، من أمثال المجالس النيابية أو البرلمانية التي تعطي نفسها حق التشريع الذي يحل ما حرم الله، ويحرم ما أحل الله، تحقيقا لمصالح الطواغيت المحاربين للإسلام وشريعته.
ويدخل في ذلك طواغيت الحكام المستبدون الذين يشرعون للناس تشريعا يخالف شريعة الله، ويحاربون تلك الشريعة عن طريق إصدار مراسيم وقوانين وأنظمة لا يقرها الإسلام، حربا منهم لله ورسوله وكتابه المبين.
ولهذا كان طواغيت المشركين العرب يستنكرون التوحيد ويتعجبون من الدعوة إليه، ويظهرون أن الأصل هو الشرك الذي يقوم على تعدد الآلهة، مصادمة للفطرة الربانية التي فطر الله الناس عليها، كما قال تعالى عنهم: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ (١) .
стр. 545
وقال تعالى عن علماء السوء الذين اشتروا الدنيا بالدين: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ (١) .
وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (٢) .
وإنما كان اتخاذهم إياهم أربابا من دون الله، لاتباعهم في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله، كما وردت بذلك السنة في تفسير الآية. (٣)
стр. 546
الغاية السابعة: إنكار الإيمان بالغيب والصد عنه .
ومعلوم أن الإيمان بالغيب هو أساس التسليم المطلق لله تعالى في أمره ونهيه والدينونة له، لهذا يحرص أهل الباطل على إنكاره، لما في ذلك الإنكار من إبطال الوحي والرسالة من أساسها، وما يتبع ذلك من محاربة لله ورسوله ﷺ وكذلك من قبله من إخوانه المرسلين وتقليل أتباعهم، وتكثير سواد أهل الباطل الذين يقفون ضد دعوة الرسل.
ولهذا يتذرع أهل الباطل إلى إنكار هذا الأساس بطلبهم آيات مادية يأتي بها الرسل، للدلالة على صدقهم في دعوى الرسالة، مع أنهم مهما جاءتهم من آيات مادية لم تزدهم إلا جحودا واستكبارا.
стр. 547
قال تعالى عن فرعون الذي أوهم قومه أن موسى ﵇ يدعوهم إلى رب غير موجود، وأنه كاذب - حاشاه - في دعواه الرسالة، مع ما أنزل الله من الآيات العظيمة المؤيدة لموسى على فرعون وقومه، وكلها آيات مادية، فجحدها مع يقينه أنها من عند الله. قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (١) .
وقال تعالى عن بني إسرائيل - وقد شرفهم الله ببعث موسى رسولا منهم إليهم، وأنزل عليهم التوراة، وفضلهم على كثير من العالمين - في زمانهم - وأخرجهم من استعباد فرعون وظلمه لهم: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (٢) .
الغاية الثامنة: نبذ الحكم بما أنزل الله ومحو رتبته .
والمقصد من نبذ الحكم بما أنزل الله ومحاربة شرعه، أن تَحْكُمَ الناسَ أهواءُ أهل الباطل ورغباتُهم التي يصوغونها في صورة قوانين وأعراف وأنظمة تصادم شريعة الله، لأن نبذ الحكم بشرع الله وتحكيم ما يلبي رغباتهم وأهواءهم، يسهل عليهم استعباد الناس بتشريعهم، فيتصرفون في أنفسهم وأعراضهم وعقولهم وأموالهم، كما يشاءون بعيدا عن شريعة الله التي تحفظ للناس كل ذلك، إضافة إلى التلاعب بالدين وإضاعته.
قال تعالى عن قوم شعيب - وهو يأمرهم بأمر الله وينهاهم بنهيه -: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ (١) .
وقال تعالى عن قوم لوط - وقد نهاهم عن ارتكاب الفاحشة التي لم يسبقهم إليها من أحد من العالمين، مع نهيهم عن الشرك بالله -: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (٢) .
стр. 550
وقال تعالى عن مشركي العرب - وكانوا يشرعون لأنفسهم من دون الله، فيحلون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله -: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ
الغاية التاسعة: محاربة الولاء لله ولرسوله والمؤمنين.
ويسابق أهل الباطل إلى عقول الناس بمحاربة الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، وتثبيته للشيطان وأتباعه، وللأهواء التي يتبعونها، لعلمهم بأن الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين ولاء للحق، والولاء للحق يسلبهم ولاء الناس للباطل الذي لا يملكون سواه، ولا حياة لهم بدون أنصار يؤمنون بباطلهم ويؤيدونهم عليه.
ولهذا ترى أهل الباطل يحاربون من يوالي الله ورسوله والمؤمنين، ولا يُظْهِرُ ولاءه لهم ولباطلهم، حربا شعواء، كما يحاربون كل دعوة إلى هذا الولاء، خوفا من أن يكثر أنصار الحق وأولياؤه، ويقل أنصار الباطل وأولياؤه، فيخسرون بذلك الجاه والمال والمنصب، وينتهي تسلطهم على رقاب الناس وطغيانهم، ويقربون من يواليهم على باطلهم ويرفعون منزلته بالجاه والمال والمنصب، مع العلم أن الذي يكون ولاؤه لغير الحق لا يثبت ولاؤه ولا يدوم؛ لأنه إنما يوالي من رأى أن في موالاته مصلحة مادية، فإذا ظن أن تلك المصلحة ستنقطع، أو أنه سينال مصلحة أعظم منها من صاحب باطل آخر، نقل ولاءه لهذا وأصبح عدوا لمن سبق أن كان مواليا له.!
стр. 554
الغاية العاشرة: تثبيت الأخلاق الفاسدة في الأرض .
ومن أهم غايات أهل الباطل، تمكين الأخلاق الفاسدة وإشاعتها بين الناس في الأرض، ومطاردة الأخلاق الفاضلة وأهلها والتضييق عليهم، لتأسن الأرض وتفسد الحياة، تحقيقا لإشباع شهواتهم ونزواتهم التي لا تتحقق مع وجود الأخلاق الفاضلة وغلبتها، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ (١) .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ (٢) .
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (٣)
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ (٤)
وقال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ (٥) .
стр. 555
وفي الحديث الصحيح عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» (١) .
وبنظرة عجلى إلى أحوال الأمم اليوم - بما فيها أغلب الشعوب الإسلامية - يتضح للناظر ما تعانيه البشرية من الأخلاق الفاسدة، وما جنى به عليها دعاة الباطل الذين يحاربون الأخلاق الفاضلة بكل الوسائل والإمكانات، ويثبتون الأخلاق الفاسدة وينشرونها كذلك.
ويتضح للناظر كذلك حاجة العالم اليوم إلى سباق أهل الحق بأخلاقهم الفاضلة، إلى عقول الناس، لينقذوا البشرية من الأخلاق الفاسدة التي اتخذ أهل الباطل كل الوسائل ليسبقوا بها إلى عقول الناس الذين ذاقوا من جراء ذلك شتى أنواع العذاب في الدنيا، مع ما ينتظرهم من مقت الله وغضبه في الآخرة
стр. 556
الغاية الحادية عشرة: الإفساد في الأرض .
أراد الله تعالى من عباده أن يصلحوا في الأرض، ولا يفسدوا، لأن الإفساد في الأرض يعود على استخلاف الله للإنسان والغرض منه بالنقض، ولكن أهل الباطل -كعادتهم - لا ترضى نفوسهم بالصلاح والإصلاح، فيجتهدون في الإكثار من الإفساد فيها، ويسمون إفسادهم إصلاحا.
ويشمل ذلك الإفساد: النسل والنفس والعقل والمال، إضافة إلى إفساد الدين، يستغلون خيرات الأرض وبركات السماء، لنشر فسادهم وظلمهم، وإنزال الرعب على الآمنين واستعباد الناس وإذلالهم والتكبر عليهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (١) .
وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ (٢) .
стр. 557
وبالمقارنة بين غايات أهل الحق في سباقهم إلى العقول بحقهم، وبين غايات أهل الباطل في سباقهم إلى العقول بباطلهم، يُعلم ما يثمره كل من السباقين في حياة الناس أفرادا وأسرا وأمما ودولا.
فعندما يسبق أهل الحق بحقهم إلى عقول الناس، تتحقق في الأرض غاياتهم من سعادة وأمن على الدين والنسل والعرض والعقل والنفس والمال، وهي الضرورات التي لا حياة على الحقيقة إلا بحفظها، وما يكملها من حاجيات وتكميليات.
وعندما يسبق أهل الباطل بباطلهم إلى عقول الناس تتحقق في الأرض غاياتهم، من شقاء وخوف ونكد بضياع تلك الضرورات وما يكملها، كما هو حال العالم اليوم الذي تقدم فيه أهل الباطل بباطلهم، وتأخر أهل الحق بحقهم.
стр. 558
تمهيد:
اقتضت سنة الله الكونية أن يتصارع أهل الحق وأهل الباطل في هذه الحياة منذ وجد أبو البشرية آدم ﵇ وعدوه إبليس لعنه الله، وأن يمتد هذا الصراع في الأرض إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ابتلاء منه تعالى لأهل الحق بأهل الباطل، ولأهل الباطل بأهل الحق، ليزداد الأولون إيمانا بحقهم ويحملوه عملا وسلوكا ودعوة وجهادا، فينالوا نصر الله وتمكينه لهم في الدنيا، ورضاه ودار كرامته في الآخرة، وليزداد الآخرون الذين تكبروا على أمر الله ودعوة أنبيائه تمردا وعتوا، فينالوا الضنك والشقاء والنكد في الدنيا - وإن تمتعوا بنعم الله فيها كالحيوانات السائمة - والعذاب الأليم السرمدي وسخط الله في الآخرة.
قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (١)
قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ (٢)
وقال تعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ (٣)
стр. 559
وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ (١)
وقال تعالى: ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢)
وقال تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ (٣)
وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ (٤)
وإن الحق ليحمل عناصر قوته وبقائه في ذاته، وإن الباطل ليحمل عناصر ضعفه واضمحلاله في ذاته.
أليس الحق نورا ... والباطل ظلمات؟ أليس الحق هدى والباطل ضلالا..؟ أليس الحق عدلا والباطل ظلما..؟ أليس الحق صلاحا والباطل فسادا؟ أليس الحق طهارة وتقى والباطل رجسا وفسقا؟ أليس الحق إيمانا وتوحيدا والباطل شركا وكفرا وجحودا؟ أليس الحق رحمة والباطل غلظة وقسوة ووحشية؟ أليس الحق برا والباطل إثما وعدوانا؟
стр. 560
إنه لو ترك الناس على فطرهم التي فطرهم الله عليها، لا يُكرهون على اعتقاد الحق ولا على اعتقاد الباطل، وإنما يعرض عليهم هذا وذاك، لاختاروا الحق ونبذوا الباطل، فالفطر السليمة التي لم تجتلها الشياطين لا تفضل الظلمات على النور، ولا الضلال على الهدى، ولا العدل على الظلم، ولا الفساد على الصلاح، ولا الرجس والفسق على الطهارة والتقوى، ولا الشرك والكفر على الإيمان والتوحيد، ولا القسوة والعنف على الرحمة واللين.
стр. 561
ولكن كل مولود يولد على الفطرة، كما ثبت عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة، ﵁: [قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ» ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْه ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (١) لهذا كله اقتضت حكمة الله أن يكون لكل مبدأ من يحمله من البشر يعتقدونه ويعملون به، ويدعون إليه ويدافعون عنه وينصرونه، ولو كان ذلك المبدأ هو الحق الذي أنزل به كتبه وبعث به رسله وشرعه منهجا لكل البشر: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ . (٢)
стр. 562
ومن هنا وجد في الأرض معسكران: معسكر الحق، وهم حزب الله، ومعسكر الباطل، وهم حزب الشيطان، وقد سبق الكلام على حزب الله وغاياتهم في السباق بالحق إلى العقول ووسائلهم إلى ذلك، وكذلك سبق الكلام على حزب الشيطان وغاياتهم في السباق بالباطل، وبقي الكلام على وسائل حزب الشيطان التي يتخذها لذلك السباق.
стр. 563
وإذا كانت غايات أهل الباطل في سباقهم إلى العقول - تتلخص في الصد عن سبيل الله، والتمتع المطلق - الذي لا يقيده شرع الله - بمتع الحياة الدنيا، وتكذيب الرسل وما جاءوا به من وحي الله، والْحَوْل بين أهل الحق وإقامة الحجة على الناس - لئلا يكثر سواد أهل الحق فتضعف سلطة أهل الباطل - وإخراج الناس من نور الإيمان إلى ظلمات الكفر، والسعي في إحلال الشرك محل التوحيد، وإنكار الإيمان بأصوله وفروعه، لما يلزم من غرسه في نفوس الناس من التسليم المطلق لله تعالى ولما جاء به رسوله ﷺ ونبذ الحكم بما أنزل الله، والتحاكم إلى الطاغوت، لما في الحكم بما أنزل الله من القضاء على فسادهم وشرورهم، ولما في تحكيم الطاغوت من تحقيق مآربهم من الاعتداء على ضرورات الناس التي لا حياة لهم مستقرة بدونها، وهي الدين والنسل والنفس والعقل والمال - إذا كانت تلك هي غايات أهل الباطل في سباقهم إلى العقول بباطلهم، فإنهم قد اتخذوا لتحقيقها كل وسيلة متاحة لهم دون تقيد بشرع أو قانون، والغاية عندهم تسوغ الوسيلة.
стр. 564
الوسيلة الأولى: تزيين الباطل وزخرفته .
وقد تكون هذه الوسيلة أقدم الوسائل التي اتخذها أهل الباطل للسبق إلى العقول، بل هي أول وسيلة أضل بها عدو الله إبليس أَبَوَيْ البشر: آدم وحواء ﵉، كما قال تعالى عنه: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ (١) .
فقد هون - الشيطان - أمرَ الله في نفوسهما، وجعل الالتزام به مؤديا إلى حرمانهما من العلو والرفعة والتمتع الطويل بالحياة، وأكد لهما بالأيمان بأنه ناصح لهما لا يريد لهما إلا الخير، فكان هو قدوة أهل الباطل في تزيين الباطل وزخرفته والتنفير من الحق والتهوين من شأنه.
стр. 565
وقال تعالى حاكيا عزم إبليس على هذا التزيين الماكر، واستمراره عليه وبذل جهده في إغواء كل من لم يتحصن بعبودية الله من بني البشر: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (١) .
وقال تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . (٢)
وبيّن أن أهل الباطل يقارنون الناس ويزينون لهم الباطل، كما قال تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ (٣)
وهكذا استمر أهل الباطل في كل زمان يزينون الباطل ويزخرفونه ويشوهون الحق وينفرون منه.