← Акыда

Акыда · id 1910

الحاجة إلى الرسل

-

Полный текст (54 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الحاجة إلى الرسل أولا: لقد خلق الله تعالى الإنسان وزوده بوسائل المعرفة؛ ليكون خليفة في الأرض حتى يعمرها ويسخر ما فيها لمعيشته ومن ثم يتخذها مقرا لعبادة الله تعالى. ثانيا: إن الإنسان رغم ما زوده الله تعالى به من وسائل معرفية إلا أنه لا يستطيع الإحاطة في معرفته إلا بالقدر اليسير من كثير مما حوله في هذا الكون الفسيح المحسوس المرتبط ارتباطا وثيقا بحياته ذلك أن أكثر ما في هذا الكون يدخل في عالم الغيب النسبي أو المطلق بالنسبة للإنسان مما يجعله في حاجة إلى مصدر عليم بأمر الكون حتى يزوده بمعلومات تزيح عنه الستر وتكشف عنه بعض الغيب. ثالثا: لما كان الإنسان مفطورا على عبادة الله تعالى كما أنه مأمور بذلك وجوبا لزم أن تكون تلك العبادة على علم بالمعبود وهو الله تعالى وهذا العلم لا يمكن الوصول إليه مفصلا بالعقول المجردة، كما أن العبادة لا يمكن معرفة كيفيتها بالعقول المجردة وبذلك يكون الإنسان بحاجة دائمة إلى خبر من مصدر موثوق يمكنه من معرفة الله تعالى وكيفية عبادته.

стр. 2

رابعا: إن الإنسان كائن اجتماعي لا يمكنه العيش منعزلا عما حوله من كائنات وموجودات فهو كذلك بحاجة إلى قواعد ونظم لترتيب حياته الفردية والاجتماعية والأسرية وبدون هذه النظم تصبح هذه العلاقات قائمة على الفوضى والتنازع، وارتباط هذه القوانين والنظم بالتشريع الإلهي يضمن لها الثبات والاستقرار؛ لأنها تصدر عن عليم بخلقه مدرك لمصالحهم إدراكا كاملا مطلقا أضف إلى ذلك أن الإنسان قد استقر في وجدانه أنه لا بد من حياة أخرى يجازى فيها الناس على أعمالهم في هذه الحياة الدنيا فكان مقتضى الحكمة أن يبين الله تعالى ذلك لخلقه. خامسا: سبق أن بينا طبيعة الصلة بين الخالق والإنسان وذكرنا بأن الاتصال بين الله تعالى والإنسان يكون بواسطة الملائكة، ولكن لما كانت طبيعة الملائكة تختلف اختلافا كاملا عن البشر كان لا بد من وجود خصوصية في الصلة بين الملائكة وبين البشر؛ لذا قضى الله تعالى بحكمته البالغة أن يصطفي من البشر أفرادا ذوي طبيعة خاصة ويعدهم إعدادا خاصا للتكيف مع طبيعة الاتصال بالملائكة حتى تتنزل هذه الملائكة عليهم بأحكام الله تعالى وشرائعه.

стр. 3

والوجوه السابقة مجتمعة تؤكد الحاجة الأساسية لإرسال الرسل حتى يقوموا بتحقيق هذه الغايات.

стр. 4

النبوة منحة إلهية:

стр. 5

إن النبوة اصطفاء خالص من الله تعالى يختص به من يشاء من عباده الذين توفرت فيهم صفاتها فهي لا تنال بالمجاهدة والمعاناة وتكلف أنواع العبادات أو الاجتهاد في تهذيب النفوس وتنقية الخواطر وتطهير الأخلاق بأنواع الرياضات النفسية والبدنية. فالإنسان يستطيع أن ينمي مواهبه المختلفة فيصبح رياضيا بارزا أو عالما مرموقا أو عابدا مخلصا غير أنه لا يستطيع بكل ذلك أن يكون نبيا رسولا؛ فالنبوة بذاتها مرتبة فوق مرتبة البشر العاديين؛ لأنها خارج الحدود التي يستطيعون الوصول إليها باجتهاداتهم فالذي يختاره الله تعالى يؤهل بعنصر لا يحتاج للبشر العاديين ذلك هو الاتصال بالله تعالى عن طريق الوحي قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ والوحي أمر إلهي محض لا أثر لسعي المرء في كسبه أو دفعه وبالتالي فالنبوة إلزامية غير كسبية، فلا ينالها الإنسان بالجهد الفكري أو الترقي الروحي والأخلاقي ولا عبرة في حصولها للقيم الدنيوية والاعتبارات المادية فالله تعالى قد اختص بالنبوة من شاء في الوقت الذي شاء وفقا لحكمته وعلمه ورحمته، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ

стр. 6

النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ وقال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ وقال تعالى لموسى ﵇: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ وقال تعالى في وصف الرسل جملة: ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾

стр. 7

لماذا كان الرسل من البشر ? ١- إن البشر أقدر على القيادة والتوجيه وهم الذين يصلحون قدوة وأسوة وهذه الحكمة تظهر حين التأمل في رسالة أي رسول منهم. ٢- صعوبة رؤية الملائكة نسبة لاختلاف طبيعته الملائكة وطبيعة البشر؛ إذ الاتصال بالملائكة فيه عناء وجهد شديدين لا يحتمله جميع البشر فقد جاء في الحديث إن الرسول ﷺ كان يعاني من التنزيل شدة وكان إذا نزل عليه الوحي تغير لونه، وتصبب عرقه، وارتعدت فرائصه وكان من حوله يرون ذلك فيه فكان إرسال الرسل من البشر ضروريا كي يتمكنوا من مخاطبتهم والفقه عنهم والاختلاط بهم، ولو أرسل الله ملائكة لما أمكنهم ذلك.

стр. 8

٣- إن الرسالة تقوم على تكليف المرسل إليهم ودعوتهم لامتثال ما يأمرهم به الرسول فلو كان الرسول من الملائكة لأمكن الناس أن يحتجوا بعدم قدرتهم على هذه التكاليف نسبة لاختلاف طبيعة الملك المرسل؛ إذ يرون أنهم لا يستطيعون تحمل تلك التكاليف؛ لأنها تناسب طبيعتهم. لذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾

стр. 9

مقتضى بشرية الرسل: لما كانت الرسل بشرا فقد استلزم ذلك أن يتصفوا بكل صفات البشر مما لا ينافي النبوة ومن ذلك: ١- أنهم خلقوا من جسد كسائر البشر تحتاج أجسادهم إلى ما يحتاجه سائر البشر من طعام وشراب واحتماء من البرد والحر والإصابة بالمرض والموت قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ وقال الله تعالى على لسان خليله إبراهيم ﵇: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ وقد أخرج من أرضه وأهله. وابتلي عيسى ﵇ بالكيد له لقتله حتى رفعه الله تعالى إليه وجعل مكانه رجلا يشبهه فصلب وابتلي رسول الله ﷺ بالإيذاء الشديد من قومه والذين أخرجوه من أهله وغير ذلك. وقد سأل الصعب بن سعد رسول الله ﷺ قال: قلت يا رسول الله: «أي الناس أشد بلاء؟ قال (الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل» .

стр. 10

ومن أهم لوازم البشرية أن الرسل ليسوا بآلهة ولا فيهم شيء من صفات الألوهية ذلك أن صفات البشرية تنافي الألوهية في كل شيء لذلك فإن الرسل جميعهم لا يدعون لأنفسهم شيئا من الألوهية ويتبرءون مما ينسب إليهم لذلك قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وقال: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ وقال تعالى مبينا براءة عيسى ابن مريم ﵇ مما ينسب إليه: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي

стр. 11

وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾

стр. 12

اصطفاء الرسل الرسل خلاصة مختارة من البشر: لما كان الرسل عليهم الصلاة والسلام هم سفراء الله تعالى إلى خلقه يقومون بتبليغهم أوامره ونواهيه وهو سبحانه حارسهم وحافظهم كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ وجب أن يتصفوا بكل صفات الكمال الإنساني التي تحقق المقصود من مهمتهم العظيمة في توجيه الناس إلى الله تعالى وهدايتهم سواء السبيل فالرسل يمثلون الكمال الإنساني في أرقى صوره ذلك أن الله تعالى اختارهم واصطفاهم لنفسه فلا بد أن يختار أطهر البشر قلوبا وأزكاهم أخلاقا وأقواهم قريحة وعقلا كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾

стр. 13

كمال الصورة الخلقية: لأن وظيفة الرسل تقوم على الاختلاط بالناس لزم ألا يتصفوا بشيء من العيوب الخلقية المتفردة؛ لذا كانوا على أكمل وأحسن الصور وقد وصف رسول الله ﷺ موسى ﵇ بقوله: «ليلة أسري بي رأيت موسى ﵇ وإذا هو رجل ضرب من الرجال كأنه من رجال شنوءة» وقال ﷺ واصفا عيسى ﵇ عندما رآه في الإسراء: «ليس بيني وبينه نبي وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض ينزل بين ممصرتين، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل» وقد جاء وصف الرسول ﷺ في كتب السنة والسيرة فلم يرد فيها شيء مما ينفر أو يشذ فقد كان سوي الخلقة حسن الصورة بأكمل ما يكون. وقد جاء عن وصف يوسف ﵇ لما رأته نسوة المدينة حين دعتهن امرأة العزيز لما شاع خبرها بأنها راودت فتى العزيز قال الله تعالى واصفا حالهن حين رأين يوسف ﵇ ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ وقد قال رسول الله ﷺ واصفا يوسف وقد رآه في الإسراء

стр. 14

: «أعطي يوسف ﵇ شطر الحسن» وبناء على ما سبق فكل ما يذكر عن الرسل ﵈ أو ما ينسب إليهم من عيوب خلقية إنما هو كذب مفترى لذلك أنكر الله تعالى على الذين آذوا موسى ﵇ ونسبوا إليه بعض العيوب قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ وقد بين الرسول ﷺ كيف برأ الله تعالى موسى مما نسب إليه فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن موسى كان رجلا حييا ستيرا لا يرى من جلده شيء استحياء منه فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا: ما يستتر هذا التستر إلا من عيب بجلده: إما برص وإما أدرة وإما آفة وإن الله تعالى أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى فخلا يوما وحده فوضع ثيابه على الحجر ثم اغتسل فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها وإن الحجر عدا بثوبه فأخذ موسى عصاه عريانا أحسن ما خلق الله وأبرأه مما يقولون وقام الحجر فأخذ ثوبه فلبسه وطفق بالحجر ضربا بعصاه فوالله إن بالحجر لندبا من أثر ضربه ثلاثا أو أربعا أو خمسا فذلك قوله ﴿

стр. 15

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ »

стр. 16

الكمال الخلقي: تقتضي مهمة الرسول أن يتعامل مع أصناف مختلفة من البشر يمثلون مجمل الخصال البشرية حسنها وسيئها ونتيجة لطبيعة وظيفته فإن الرسول مأمور بتبليغ ما أرسل به للناس، وذلك يستلزم ضرورة أن يمكث فيهم ويصبر على أذاهم ويحتمل كل أنواع المضايقات التي تصدر من كثير منهم. وقد لبث نبي الله نوح ﵇ ٩٥٠ سنة يدعو قومه بالحوار والمجادلة الحسنة فما آمن معه مع ذلك إلا قليل قال الله تعالى حكاية عنه: ﴿رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا﴾ ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا﴾ ﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ وهكذا بقية الرسل عليهم الصلاة والسلام مع أقوامهم. فإذا كان الأمر كذلك لزم أن يكون الرسول على قدر عال من الكمال الخلقي حتى يصبح أهلا لتبليغ رسالته مع ما يلاقيه من المكاره.

стр. 17

وتحقيقا لذلك فقد بلغ الأنبياء ﵈ مبلغا عظيما في الأخلاق حتى أثنى الله تعالى عليهم بقوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ وقال الله تعالى في إبراهيم ﵇: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ وقالت ابنة شعيب ﵇ تصف موسى ﵇ فيما حكى الله تعالى عنها: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ وقد ذكر الله تعالى أن الملائكة بشرت مريم ﵍ بعيسى ابن مريم ﵇: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ

стр. 18

اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ وقال ﵇ حين تكلم في المهد واصفا نفسه: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ وقال الله تعالى في وصف محمد ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ وقال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ ولو لم يكن الرسل ﵈ على كمال الأخلاق لما انقادت لهم الجموع البشرية ذلك أن الناس لا ينقادون عن رضى وطواعية لمن فحش خلقه وضاق صدره وكثرت نقائصه وقلت فضائله. ومن تصفح سيرة الرسول محمد ﷺ يجد المثال الأعلى للكمال الأخلاقي عند الرسل حتى إن عائشة ﵂ زوج النبي

стр. 19

صلى الله عليه وسلم وصفته حين سئلت عن خلق النبي ﷺ فقالت للسائل: «ألست تقرأ القرآن قال نعم قالت كان خلق نبي الله ﷺ القرآن» ولا شك أن جميع الرسل كانوا مثالا راقيا للكمال الخلقي إلا أنه ليس بين أيدينا مصادر موثقه تصف لنا أخلاقهم وتورد نماذج عملية من تلك الأخلاق مثلما هو كائن في سيرة نبي الإسلام ﷺ وعلى جميع الرسل.

стр. 20

صفات الرسل إضافة لما سبق من كمال الصورة الخلقية والسمو الأخلاقي للرسل ﵈ فإنهم كذلك يتصفون بصفات مهمة تقتضيها وظيفتهم كوسائط بشرية بين الله تعالى وخلقه وهي صفات لا بد من وجودها مجتمعة في كل رسول وهي: أولا: الصدق:

стр. 21

النبوة رسالة من الله تعالى على يد رجل من الناس ليبلغ عن الله تعالى ما أرسل به فإذا كان كذلك فإن أول ما يجب أن يتصف به النبي هو الصدق سواء قبل البعثة أو بعدها إذ يستحيل أن يبعث الله تعالى كذابا فيستحيل على الرسول أن يكذب. . فتأييد الله تعالى له بالآيات البينات دليل على صدقه كما أن اتباع الناس له وظهور أمره كل ذلك يدل على صدقه قال الله تعالى في إبراهيم: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ وقال في إدريس: ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ وقال في وصف إسحاق ويعقوب ابني إبراهيم ﵈: ﴿وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ وقال في إسماعيل ﵇: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ وقد كان العرب في جاهليتهم قبل بعث النبي ﷺ يلقبونه بالصادق الأمين فما كانوا يؤثرون عليه كذبا قط.

стр. 22

ثانيا: الأمانة: وهذه صفة قرينة للصدق فلا يكون الكاذب أمينا كما أن الخائن لا يكون صادقا؛ لذا يلزم أن يكون الصادق أمينا والأمين صادقا وضد الأمانة الخيانة والله يستحيل أن يأتمن الخائن لحمل رسالته إلى الناس كيف وقد قدمنا أن الرسل خلاصة مختارة من البشر تتمتع بالكمال الخلقي المستلزم لكل صفات الفضائل.

стр. 23

والأمانة صفة تشمل كثيرا من الفضائل ككتمان السر والمحافظة على حقوق الناس وتبليغ الرسالة كما حملها من عند الله تعالى والالتزام التام بكل ما يدعو الناس إليه قال الله تعالى حكاية عن شعيب ﵇ مخاطبا قومه: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ وقال الله تعالى مخاطبا رسوله محمد ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ وقال تعالى مهددا إياه إن هو زاد فيما أوحى إليه أو أدخل فيه ما ليس منه قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ فلو جاز أن يكون الرسول خائنا لَغَيَّرَ في الشرائع الإلهية ولأفسد في الأحكام التي يتلقاها عن الله تعالى فيضيع بذلك الغرض من رسالته وهو الصلاح والعمل بأوامر الله تعالى وحده، والله تعالى لا يحب المفسدين ولا يؤيد الخائنين فكيف يؤيد من خانه وينصره ويظهره فلا بد إذا أن رسل الله تعالى قد كانوا

стр. 24

جميعا أمناء في تبليغ ما حملوا ومن كمال صفة الأنبياء تبليغهم كل ما أرسلهم الله تعالى به وأداء رسالتهم ووظيفتهم المتمثلة في ذلك كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾

стр. 25

ثالثا: الفطنة: وذلك بأن يكون الرسول فطنا ذكيا يدرك ما يدور حوله من الأمور إدراكا سريعا ويتصرف فيه على حسب ما يقتضي العقل الحكيم الأكمل. والفطنة لازمة للرسول حتى يكون قادرا على إقناع من يدعوهم من أهل الإنصاف والاعتدال خلافا للمعاندين الجاحدين وحتى يتمكن من إزالة الشبهة والشك من نفوسهم.

стр. 26

ومن مواقف الفطنة في الرسل ما حكاه الله تعالى عن إبراهيم ﵇ في حوار مع النمرود قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ وهذا موسى ﵇ في حواره مع فرعون يثبت على قوة الحجة وبداهة البينة دون أن يثيره استفزاز فرعون واستخفافه به وقد ذكر الله تعالى ذلك بقوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ ﴿قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ﴿قَالَ لَئِنِ

стр. 27

اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾

стр. 28

رابعا: العصمة: العصمة هي الحصانة التي يحيط بها الله تعالى أنبياءه حتى يكونوا بمأمن عن الانزلاق إلى الخطيئة وحتى لا تجد الشرور والآثام سبيلا إلى نفوسهم وحتى يظلوا منذ بعثتهم وحتى وفاتهم مبرأين من النقائص والعيوب. أولا: العصمة في التحمل عن الله تعالى والتبليغ إلى الناس: إن الرسل اتفاقا - معصومون من النسيان في تحمل الرسالة فهم لا ينسون شيئا مما أرسلهم الله تعالى به كما قال الله تعالى لرسوله محمد ﷺ : ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ وقال: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ كما أن الرسل معصومون في تبليغ ما أمرهم الله تعالى بتبليغه وسبب عصمتهم في ذلك ما يلي: ١- لأن الأمر لا يستقيم إذا أخطأ الرسول في التبليغ عن الله تعالى إذ يترتب على ذلك أحد أمرين:

стр. 29

أ- إما أن يسكت الوحي عن تصحيح الخطأ الذي وقع من النبي مما يعني أن الله تعالى أراد أن يبلغ الناس أمرا معينا ثم رضي تعالى أن يبلغ عنه النبي غير ما أمره وهذا لا يجوز على الله تعالى. ب- وإما أن ينزل الوحي بالتصحيح فيعود الرسول ويقول: إن الله أمرني أن أبلغكم كذا ولكني أخطأت في التبليغ وهذا هو تصحيح البلاغ فينتج عن ذلك لا محالة أن يفقد الناس الثقة به وكلا الأمرين غير مُتَصَوّر عن النبي لما سبق أن بيناه. ٢- أن الأمر لا يستقيم كذلك إذا أخطأ النبي في تنفيذ ما أوحى الله به إليه؛ لأن القدوة تنتفي حينئذ ويضطرب الأمر في نفوس الأتباع الذين اتبعوا الرسل فلا يعرفون أي طريق يسلكون.

стр. 30

ثانيا: العصمة من الذنوب: لقد عصم الله تعالى أنبياءه من ارتكاب الذنوب والمعاصي وطهرهم من ذلك فلا تقع منهم كبيرة مطلقا عمدا ولا سهوا كما أنهم لا يتعمدون ارتكاب صغيرة ذلك أن الناس مأمورون باتباع الرسل والاقتداء بهم كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ فلو جازت المعصية الكبيرة في حقهم لانتفت عنهم القدوة. فكل ما ينسب إلى الأنبياء من المعاصي والآثام والقبائح إنما هو كذب وافتراء عليهم؛ لأن الله تعالى قد عصمهم من ذلك فلا يقع منهم لا اختيارا ولا اضطرارا وكيف ينسب إلى أنبياء الله تعالى شرب الخمر والزنا بل وزنا المحارم والخيانة وغير ذلك من المنكرات وقد زكّاهم الله تعالى ومدحهم وهو الخبير بأحوالهم.

стр. 31

قال الله تعالى بعد أن ذكر قصة إبراهيم مع قومه ومحاولاتهم تحريقه قال: ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾ ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ أما ما قد يصدر منهم من الصغائر فإنهم لا يُقَرُّونَ عليها بل إن الله تعالى يبين لهم ذلك ويوفقهم للتوبة منها بدون تأخير لذلك لما أكل آدم وحواء من الشجرة التي منعهما الله تعالى منها حين أغراهما الشيطان فإنهما بادرا بالتوبة: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ وقد بين الله تعالى في سورة أخرى كيف أغرى الشيطان آدم ﵇ بعد أن حذره الله تعالى وبين له أن الشيطان عدو له قال تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى

стр. 32

شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ وموسى ﵇ لما أراد أن ينصر الذي هو من شيعته وَكَزَ القبطي فقضى عليه فأدرك موسى ﵇ أنه قد أخطأ فحكى الله تعالى عنه أنه قال: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾

стр. 33

وظائف الرسل لقد اصطفى الله تعالى رسله للقيام بوظائف محددة باعتبارهم سفراء الله تعالى إلى عباده وحملة وحيه وتتمثل هذه الوظائف في الآتي. أولا: البلاغ المبين: وهذه الوظيفة بالضرورة هي المهمة الأساسية للرسل إذ ما بعثهم الله تعالى إلا لإبلاغ الناس ما نزل إليهم من ربهم وقد جاء في القرآن الكريم ثلاث عشرة آية تنص على أن مهمة الرسول إنما هي (البلاغ) وقال الله تعالى آمرا رسوله ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ والبلاغ يحتاج إلى الشجاعة وعدم الخوف من الناس لأن الرسول يأتي بما يخالف أهواء الناس ويهدد مركز قادتهم وكبراءهم المسيطرين على الناس بالباطل ويأمرهم بما يستنكرون ويكرهون لأنه خلاف ما اعتادوه.

стр. 34

لذلك امتدح الله تعالى رسله قائلا: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ والرسول في بلاغه لرسالات الله تعالى مؤتمن في أدائه فلا يزيد فيها ولا ينقص منها ولو كان الأمر متعلقا به شخصيا وأوضح مثال على ذلك ما تكرر في القرآن الكريم من عتاب للنبي ﷺ في أكثر من موقف من ذلك حين أعرض عن عبد الله ابن أم مكتوم الأعمى الذي جاءه يسأله في أمور دينه فأعرض عنه النبي ﷺ منشغلا بدعوة بعض كبراء قريش فعاتبه الله تعالى في ذلك بقوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ ﴿أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾

стр. 35

ثانيا: دعوة الناس إلى الدين الحق ببيان ما يجب عليهم:

стр. 36

وهذه الوظيفة تعد من كمال البلاغ لذلك قال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ لأنه الذي يبين للناس الحق من الباطل ويدعوهم لاتباع الحق. وأعظم الحقائق التي دعت إليها الرسل جميعا: توحيد الله تعالى وإفراده بالخلق والملك والتدبير والعبادة قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ وقد ذكر الله تعالى أن الرسل قالوا لأقوامهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ كما أن الرسل ﵈ يقومون بتعريف الناس بإلههم الواحد الأحد وصفاته وقد جاء ذلك في القرآن الكريم بأوجز عبارة في سورة الإخلاص قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ ويقوم الرسل بتصحيح كل ما يخالف هذا الاعتقاد في الله تعالى مثل جعل شريك له في ملكه أو خلقه أو عبادته أو جعل صاحبة له

стр. 37

أو جعل ولد له أو نسبة البنات إليه فقد قال المسيح عيسى ابن مريم ﵇ لقومه: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ولما طلب قوم موسى منه أن يجعل لهم إلها مثل الآلهة الصنمية التي رأوها عند المشركين قال الله تعالى حكاية عنه في ذلك: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ وإضافة إلى ذلك فإن الرسل يقومون بتعليم الناس شئون عباداتهم وشعائرهم من صلاة وصيام وحج وزكاة وأحكام هذه العبادات مع التطبيق العملي النموذجي من الرسول كما قال الرسول ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي» وقال ﷺ في

стр. 38

حجة الوداع التي مات بعدها: «يا أيها الناس خذوا عني مناسككم فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا» ولا يقتصر الأمر على تطبيق الشعائر فقط بل يدعوهم إلى اتباعه وتطبيق جميع ما أنزل الله تعالى إليهم دون أن يجعلوا شيئا من تشريعاتهم لغير الله تعالى قال الله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ ثم إن الرسل في جميع ما يدعون الناس إليه يمثلون القدوة الحسنة والمثال المحتذى فهم يلتزمون بكل ما يأمرون الناس به ويجعلونه سلوكا عاما لهم في حياتهم لذلك قال الله تعالى بعد أن سرد سيرة كثير من الأنبياء في القرآن الكريم قال مخاطبا رسوله الكريم محمد ﷺ : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ وقال مخاطبا أمة محمد ﷺ والناس أجمعين: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ وقد ضربت الملائكة للرسول ﷺ مثلا كما ثبت عنه ﷺ أنه قال: «إني رأيت في المنام كأن جبريل عند

стр. 39

رأسي وميكائيل عند رجلي يقول أحدهما لصاحبه: اضرب له مثلا فقال اسمع سمعت أذنك واعقل عقل قلبك إنما مثلك ومثل أمتك كمثل مليك اتخذ دارا ثم بنى فيها بيتا ثم جعل فيها مائدة ثم بعث فيها رسولا يدعو الناس إلى طعامه فمنهم من أجاب الرسول ومنهم من تركه. فالله هو الملك والدار هي الإسلام والبيت الجنة وأنت يا محمد رسول. من أجابك دخل الإسلام ومن دخل الإسلام دخل الجنة ومن دخل الجنة أكل ما فيها»

стр. 40

ثالثا: التبشير والإنذار:
следующие страницы →