← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 12741–12780 · переход к 12746.

стр. 12741

وَقَالَ غَيْرُهُ: لَيْسَ بِشَرْطٍ. لَكِنْ إِنْ كَانَتِ الدَّعْوَى عَمْدًا مَحْضًا، لَمْ يُقْسِمُوا إِلَّا عَلَى وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ وَيَسْتَحِقُّونَ دَمَهُ، وَإِنْ كَانَتْ خَطَأً أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ، فَلَهُمُ الْقَسَامَةُ عَلَى جَمَاعَةٍ مُعَيَّنِينَ وَيَسْتَحِقُّونَ الدِّيَةَ. ــ إلَّا في حَقِّ واحدٍ. وعندَ غيرِه مِن أصْحابِنا أنَّ القَسامةَ تَجْرِى فيما لا قَوَدَ فيه، فيجوزُ أن يُقْسِمُوا على جَماعةٍ. وهذا قولُ مالكٍ، والشافعىِّ. فعلى هذا، إذا ادَّعَى على رَجُلَيْن، على أحَدِهما لَوْثٌ دُونَ الآخَرِ، حَلَفَ على مَن عليه اللَّوْثُ خمسين يَمِينًا، واسْتَحَقَّ الدِّيَةَ عليه، وحَلَفَ (١) الآخَرُ يَمِينًا واحدةً، وبَرِئَ. وإن نَكَلَ عن اليَمِينِ، فعليه نِصْفُ الدِّيَةِ. وإنِ ادَّعَى على (٢) ثلاثةٍ عليهم لَوْثٌ، ولم يَحْضُرْ إلَّا أحَدُهم، حَلَفَ على الحاضِرِ منهم خَمْسين يَمِينًا، واسْتَحَقَّ ثُلُثَ الدِّيَةِ، فإذا حَضَرَ الثانى، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَحْلِفُ عليه خمسين يَمِينًا أيضًا، ويَسْتَحِقُّ ثُلثَ

стр. 12742

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الدِّيَةِ؛ لأَنَّ الحَقَّ لا يَثْبُتُ على أحدِ (١) الرَّجُلَيْن إلَّا بما يَثْبُتُ على صاحِبِه، كالبَيِّنَةِ، فإنَّه يَحْتاجُ إلى إقامةِ البَيِّنَةِ الكاملةِ على الثانى كإقامَتِها على الأَوَّلِ. والثانى، يَحْلِفُ عليه خَمْسًا وعشرين يَمِينًا؛ لأنَّهُما لو حَضَرا معًا، لحَلَفَ عليهما خَمْسِين يمينًا، حِصَّةُ كلِّ واحدٍ منهما خمسٌ وعشرون. وهذا الوَجْهُ ضَعِيفٌ؛ فإنَّ اليَمِينَ لا تُقْسَمُ عليهم إذا حَضَرُوا، ولو حَلَفَ على (١) كلِّ واحدٍ مُنْفَرِدًا (٢) حِصَّتَه مِن الأيْمانِ لم يَصِحَّ، ولم يَثْبُتْ له حَقٌّ، وإنَّما الأيْمانُ عليهم جميعِهم، وتتَناولُهم تَناوُلًا واحدًا، ولأنَّها لو قُسِمَتْ عليهم بالحِصَصِ، لَوَجَبَ أن لا يُقْسَمَ على الأَوَّلِ أكثرُ مِن سبعَ عشْرَةَ يَمِينًا. وإن قِيلَ: إنَّما حَلَفَ بقَدْرِ حِصَّتِه وحِصَّةِ الثالثِ. فيَنْبَغِى أن يَحْلِفَ أربعًا وثلاثين يَمِينًا. وإذا قَدِمَ الثالثُ، ففيه وَجْهان؛ أصَحُّهما، يَحْلِفُ عليه

стр. 12743

فَصْلٌ: وَيُبْدَأُ فِى الْقَسَامَةِ بأَيْمَانِ الْمُدَّعِينَ، فَيَحْلِفُونَ خَمْسِينَ ــ خمسين يَمِينًا، ويَسْتَحِقُّ ثُلُثَ الدِّيَةِ. والآخرُ، يَحْلِفُ سَبْعَ عشْرةَ يَمِينًا. وإن حَضَرُوا جميعًا، حَلَف عليهم خَمْسين يَمِينًا، واسْتَحَقَّ الدِّيَةَ عليهم أثْلَاثًا. وهذا التَّفْرِيعُ يَدُلُّ على اشْتِراطِ حُضُورِ المُدَّعَى عليه وقْتَ الأيْمانِ؛ وذلك لأنَّها أُقِيمَتْ مُقامَ البَيِّنَةِ، فاشْتُرِطَ (١) حُضُورُ مَن أُقِيمَتْ عليه، كالبَيِّنَةِ. وكذلك إن رُدَّتِ الأيْمانُ على المُدَّعَى عليهم، اشْتُرِطَ حُضُورُ المُدَّعِينَ وَقْتَ خَلِفِ المُدَّعَى عليهم؛ لأَنَّ الأيْمانَ له عليهم، فيُعْتَبَرُ رِضاه بها وحُضُورُه، إلَّا أن يُوَكِّلَ وَكِيلًا، فيقومُ مَقامَ المُوَكِّلِ (٢). فصل: (ويُبْدأُ في القَسامةِ بأيْمانِ المُدَّعِينَ، فيَحْلِفُون خَمْسينَ

стр. 12744

يَميِنًا، ــ يَمِينًا) الكلامُ في هذا الفصلِ في أمْرَيْن؛ أحَدُهما، أنَّ الأيْمانَ تُشْرَعُ في حَقِّ المُدَّعِين أوَّلًا، فيَحْلِفُون خَمسين يَمِينًا على المُدَّعَى عليه، أنَّه قَتَلَه (١)، ويَثْبُتُ حَقُّهم قِبَلَه (٢)، فإن لم يَحْلِفوا، حَلَفَ المُدَّعَى عليه خمسينَ يَمِينًا، [وبَرِئَ] (٣). وهذا قولُ يحيى بنِ سعيدٍ، ورَبيعةَ، وأبى الزِّنادِ، واللَّيْثِ، ومالكٍ، والشافعىِّ. وقال الحسنُ: يُسْتَخلَف المُدَّعَى عليهم أوَّلًا خمسين يَمِينًا، ويَبْرَأون، فإن أبَوْا أن يَحْلِفُوا، اسْتُحْلِفَ خَمْسون مِن المُدَّعِينَ أنَّ حَقَّنا قِبَلَكُم، ثُمَّ يُعْطَون الدِّيَةَ؛ لقَوْلِ النبىِّ ﷺ : «ولَكِن اليَمِينَ على المُدَّعَى عليه». رواه مُسْلِم (٤). وفى لَفْظٍ: «البينةُ على المُدَّعِى، واليَمِينُ على المُدَّعَى عليه». رواه الشَّافعىُّ في «مُسْنَدِه» (٥). ورَوَى أبو داودَ (٦) بإسْنادِه، عن سليمانَ بنِ يَسارٍ، عن رِجالٍ مِن الأنْصارِ، أنَّ النبىَّ ﷺ قال ليَهودَ، وبَدأ بهم: «يَحْلِفُ مِنْكُم خَمْسُونَ رَجُلًا». فأبَوْا، فقال للأنْصارِ: «اسْتَحِقُّوا». قالوا: نَحْلِفُ على الغَيْبِ يارسولَ اللَّهِ! فجعَلَها رسولُ اللَّهِ ﷺ على اليَهودِ ابْتِداءً؛ لأنَّه وُجِدَ بينَ أظْهُرِهم. ولأنَّها يَمِينٌ في دَعْوَى، فوَجَبَتْ في جانِبِ

стр. 12745

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المُدَّعَى عليه ابْتِداءً، كسائِرِ الدَّعاوَى. وقال الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والثَّوْرِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى: يُسْتَخلَفُ خَمْسون رَجُلًا مِن أهلِ المَحَلَّةِ التى وُجِدَ فيها القَتِيلُ: باللَّهِ ما قَتَلْناه، ولا عَلِمْنا قاتِلًا. ويُغَرَّمونَ الدِّيَةَ؛ لقَضاءِ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، بذلك (١). ولم نَعْرِفْ له في الصَّحابةِ مُخالِفًا، فكان إجْماعًا. وتكَلَّمُوا في حديثِ سَهْلٍ بما رَوَى أبو داودَ (٢)، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ الحارثِ التَيْمِىِّ، عن عبدِ الرحمنِ ابنِ بُجَيْدِ ابنِ قَيْظِىٍّ، أحدِ بنى حارثةَ، قال محمدُ (٣) بنُ إبراهيمَ: وايْمُ اللَّهِ، ما كان سَهْلٌ بأعْلَمَ منه، ولكنَّه كان أسَنَّ منه. قال: واللَّهِ ما قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : «احْلِفُوا على ما لا عِلْمَ لَكُمْ به». ولكنَّه كتبَ إلى يهودَ حينَ كلَّمتْه الأنْصارُ: «إنَّه وُجِدَ بَيْنَ أبْياتِكم (٤) قَتِيلٌ فَدُوهُ». فكتبوا يَحْلِفُون باللَّهِ ما قتَلُوه، ولا يَعلَمُون له قاتلًا، فَوَداه رسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن عندِه. ولَنا، حديثُ سَهْلٍ (٥)، وهو صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عليه، ورَواه مالِكٌ في «مُوَطَّئِه»، وعمِلَ به. وما عارَضَه مِن الحديثِ لا يَصِحُّ لوُجوهٍ؛ أحدُها، أنَّه نفْىٌ، فلا يُرَدُّ به قولُ المُثْبِتِ. والثانى، أنَّ سَهْلًا مِن أصْحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، شاهدَ القِصَّةَ، وعَرَفَها، حتى إنَّه قال: رَكَضَتْنِى ناقةٌ

стр. 12746

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ من تلك (١) الإِبلِ. والآخَرُ يقولُ برأْيه وظَنِّه، مِن غيرِ أن يَرْوِيَه عن أحدٍ، ولا حَضَر القِصَّةَ. والثالثُ، أنَّ حديثَنا مُخَرَّجٌ في الصَّحِيحَيْن، وحدِيثَهم بخِلافِه. الرابعُ، أنَّهم لا يَعمَلُونَ (٢) بحدِيثهم، ولا (٣) حَديثِنا، فكيفَ يَحْتَجُّونَ بما هو حُجَّةٌ عليهم فيما خالَفُوه فيه! وحديثُ سليمانَ ابنِ يسارٍ، عن رجالٍ مِن الأنْصارِ، لم يذْكُرْ لهم صُحبَةً، فهو أدْنَى حالًا مِن حديثِ محمدِ بنِ إبراهيمَ، وقد خالفَ الحديثَيْن جميعًا، فكيفَ يجوزُ أن يُعْتَمَدَ عليه! وحديثُ: «اليَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ». لم يُرَدْ به هذه القَضِيَّةُ؛ لأنَّه يَدُلُّ على أنَّ الناسَ لا يُعْطَوْن بدَعْواهم، وههُنا قد أُعْطُوا بدَعْواهم، على أنَّ حَدِيثَنا أخَصُّ منه، فيجبُ تَقْديمُه، وهو حُجَّةٌ عليهم، لكَوْنِ المُدَّعِينَ أُعْطُوا بمُجَرَّدِ دَعْواهم مِن غيرِ بَيِّنَةٍ ولا يَمِينٍ منهم. وقد رَواه ابنُ عبدِ البَرِّ (٤)، بإسْنادِه، عن عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، أنَّ النبىَّ ﷺ قال: «البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِى، واليَمِينُ عَلَى مَن أنْكَرَ، إلَّا فِى القَسامَةِ». وهذه الزيادةُ يتَعَيَّنُ العملُ بها؛ لأَنَّ الزِّيادةَ مِن الثِّقَةِ مقْبولَةٌ، ولأنَّها أيْمانٌ مُكَرَّرَةٌ، فيُبْدأُ فيها بأيْمانِ المُدَّعِين، كاللِّعانِ. إذا ثبتَ هذا، فإنَّ أيْمانَ القَسامةِ خَمْسونَ على ما جاءتْ به

стр. 12747

وَيَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْوَارِثِ، فَتُقْسَمُ الأَيْمَانُ بَيْنَ الرِّجَالِ مِنْهُمْ عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِمْ، فَإِنْ كَانَ الْوَارِثُ وَاحِدًا، حَلَفَهَا، وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً، قُسِمَتْ عَلَيْهِمْ عَلَى قَدرِ مِيرَاثِهِمْ، فَإِنْ كَانَ فِيها كَسْرٌ، جُبِرَ عَلَيْهِمْ، مِثْلَ زَوْجٍ وَابْنٍ، يَحْلِف الزَّوْجُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَمِينًا، ــ الأحاديثُ الصَّحِيحةُ، [وأجْمَعَ عليه] (١) أهْلُ العلمِ، لا نعلمُ أحدًا خالفَ فيه الأمرُ الثانى، أنَّ الأيْمانَ تَخْتَصُّ بالوُرَّاثِ دُونَ غيرِهم. هذا ظاهرُ المذهَبِ، وظاهرُ قولِ الخِرَقِىِّ، واخْتِيارُ ابنِ حامدٍ، وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّها يَمِينٌ في دَعوَى حَقٍّ، فلا تُشْرَعُ في حَقِّ غيرِ المُتَداعِيَيْن (٢)، كسائرِ الأيْمانِ. فعلى هذه الرِّوايةِ، تُقْسَمُ بينَ الوَرَثَةِ (٣) مِنٍ الرِّجالِ مِن ذَوِى الفُروضِ والعَصَباتِ على قَدْرِ إرْثِهم، إن كانوا جماعةً، وإن كان واحدًا حَلَفَها، فإنِ انْقَسَمَتْ مِن غيرِ كسْرٍ، مثلَ أن يُخَلِّفَ المقْتولُ ابْنَيْن، أو أخًا وزَوْجًا، حلفَ كلُّ واحدٍ منهم خمسًا وعشرين يَمِينًا (وإن كان فيها كسْرٌ، جُبِرٍ عليهم، مثلَ زَوْجٍ وابنٍ، يحلِفُ الزَّوْجُ ثلاثَ عَشْرةَ يَمِينًا، والابنُ ثمانيةً وثلاثينَ) يَمِينًا؛ لأَنَّ تَكْمِيلَ الخَمْسينَ واجبٌ، ولا يُمْكِنُ

стр. 12748

وَالِابْنُ ثَمَانِيَةً وَثَلَاثينَ. وَإِنْ خَلَّفَ ثَلَاثَةَ بَنِينَ، حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ سَبْعَةَ عَشَرَ يَمِينًا. ــ تَبْعِيضُ اليَمينِ، ولا حَمْلُ بعضِهم لها عن بعضٍ، فوجبَ تكْميلُ اليَمِينِ المُنْكَسِرةِ في حَقّ كلِّ واحدٍ منهم. وإن كانوا ثلاثةَ بَنِينَ، أو جَدًّا وأخَوَيْن، جُبِرَ الكَسْرُ، فحَلَفَ كلُّ واحدٍ سَبْعَ عَشْرةَ يَمِينًا. وإن خَلَّفَ أخًا مِن أبٍ، وأخًا مِن أُمٍّ، فعلَى الأخِ مِن الأُمِّ سُدْسُ الأيْمانِ، ثم يُجْبَرُ الكَسْرُ، فيكونُ عليه تِسعُ أيْمانٍ، وعلِى الأخِ من الأبِ اثْنتانِ وأربعون. وهذا أحدُ قَوْلَى الشافعىِّ. وقال في الآخرِ: يَحْلِفُ كلُّ واحدٍ مِن المُدَّعِين خمسينَ يَمِينًا، سواءٌ تَساوَوْا في المِيراثِ أو اختَلفُوا فيه؛ لأَنَّ ما حَلَفَه الواحدُ إذا انْفَرَدَ، حَلَفَه كلُّ واحدٍ مِن الجماعةِ، كاليَمِينِ الواحدةِ في سائرِ الدَّعاوَى. وعن مالكٍ أنَّه قال: يُنْظَرُ إلى مَن عليه أكثرُ اليَمِينَ، فيُجْبَرُ عليه، ويسْقُطُ عن الآخَرِ. ولَنا على أنَّ الخمسين تُقْسَمُ بينَهم، قولُ النبىِّ ﷺ للأنْصارِيين: «تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا، وتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ». وأكثرُ ما رُوِىَ عنه (١) في الأيْمانِ خمسون، ولو حَلَف كلُّ واحدٍ خمسين، لَكانَتْ مائةً ومائتين، وهذا خِلاف النَّصُّ، ولأنَّها حُجَّةٌ للمُدَّعِين، فلم تَزِدْ على ما يُشْرَعُ في حَقِّ الواحدِ، كالبَيِّنَةِ، وتُفارِقُ اليَمِينَ على المُدَّعَى عليه، فإنها ليستْ حُجَّةً للمُدَّعِى، ولأنَّها لم يُمكِنْ قِسْمَتُها، فكَمَلَتْ في حَقِّ كلِّ واحدٍ، كاليَمِينِ المُنْكَسِرَةِ في القَسامةِ، فإنَّها تُجْبَرُ

стр. 12749

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وتَكْمُلُ في حَقِّ كلِّ واحدٍ، لكَوْنِها لا تتَبَعَّضُ، وما لا يتَبعَّضُ يَكْمُلُ، كالطَّلاقِ والعَتاقِ. وما ذكَرَه مالكٌ لا يَصِحُّ؛ لأنَّه إسْقاطٌ لليَمِينِ عمَّن عليه بعضُها، فلم يَجُزْ، كما لو تَساوَى الكَسْران، بأن يكونَ على كلِّ واحدٍ نِصْفُها، أو ثُلُثُها إن كانوا ثلاثةً، وبالقِياسِ على مَن عليه أكْثَرُها، ولأَنَّ اليَمِينَ في سائرِ الدَّعاوَى تَكْمُلُ في حَقِّ كلِّ واحدٍ، ويَسْتَوِى مَن له في المُدَّعَى قليلٌ وكثيرٌ، كذا ههُنا، ولأنَّه يُفْضِى إلى أن يتَحَمَّلَ اليَمِينَ غيرُ مَن وجَبَتْ عليه [عمَّن وجَبَتْ عليه] (١)، فلم يَجُزْ ذلك، كاليَمِينِ الكاملةِ، وكالجُزْءِ الأكْبَرِ. فصل: فإن كان فيهم مَن لا قَسامةَ عليه بحالٍ، وهو النَّساءُ، سَقَط حُكْمُه. فإذا كان ابنٌ وبِنْتٌ، حَلَف الابْنُ الخمسين كلَّها. وإن كان أخٌ وأختٌ لأُمٍّ [وأخٌ] (٢) وأختٌ لأبٍ، قُسِمَتِ الأيْمانُ بينَ الأخَوَيْن، على أحدَ عَشَرَ؛ على الأخِ مِن الأمِّ ثلاثةٌ، وعلى الآخَرِ ثمانيةٌ، ثم يُجْبَرُ الكَسْرُ عليهما، فيَحْلِفُ الأخُ مِن الأبِ سبعًا وثلاثين يَمِينًا، والأخُ مِن الأُمِّ أرْبعَ عَشْرةَ يَمِينًا. فصل: فإن مات المُسْتَحِقُّ، انْتَقَلَ إلى وَارثِه ما عليه مِن الأيْمانِ، وكانتِ الأيْمانُ بينَهم على حَسَبِ مَوارِيثِهم، ويُجْبَرُ الكَسْرُ فيها عليهم، كما يُجْبَرُ في حَقِّ وَرَثَةِ القَتِيلِ. فإن مات بعْضُهم، قُسِمَ نَصِيبُه مِن الأيْمانِ

стр. 12750

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بينَ وَرَثَتِه، فلو كان للقتِيلِ ثلاثةُ بَنِينَ، كان على كُلِّ واحدٍ سبعَ عَشْرةَ يَمِينًا، فإن مات بعضُهم (١) قبلَ أن يُقْسِمَ، وخَلفَ ثلاثةَ بَنِينَ، قُسِمَتْ أيْمانُه بينَهم، فكان على كُلِّ واحدٍ منهم ستُّ أيْمانٍ. وإن خَلَّف ابْنَيْن (٢)، حَلَف كلُّ واحدٍ (٣) تِسْعَ أيْمانٍ. وإنَّما قُلْنا هذا؛ لأَنَّ الوارِثَ يقومُ مَقامَ المَوْرُوثِ في (٤) إثْباتِ حُجَجِه، كما يَقومُ مَقامَه في اسْتِحْقاقِ مالِه، وهذا مِن حُجَجِه، ولذلك يَملِكُ إقامَةَ البَيِّنَةِ والحَلِفَ في الإِنْكارِ، ومع الشَّاهدِ الواحدِ في دَعْوَى المالِ. فإن كان مَوْتُه بعدَ شُرُوعِه في الأيْمانِ، فحَلَف بعْضَها، فإنَّ ورَثتَه يَسْتأْنِفُون الأيْمانَ، ولا يَبْنُونَ على أيْمانِه؛ لأَنَّ الخمسين جَرَتْ مَجْرَى اليَمِينِ الواحدةِ، ولأنَّه لا يجوزُ أن يَسْتَحِقَّ أحَدٌ شيئًا بيَمِينِ غيرِه، ولا يَبْطُلُ هذا بما إذا حَلَف جميعَ الأيْمانِ ثم مات؛ لأنَّه يَسْتَحِقُّ (٥) المالَ إرْثًا عنه، لا بيَمِينِه، ولا بما إذا حَلَفَ الوارِثان، كلُّ واحدٍ منهما (٥) خمسًا وعشرين يَمِينًا، فإنَّ الدِّيَةَ تُسْتَحَقُّ بيَمِينِهما؛ لأنَّهما يَشْتَرِكان في الأيْمانِ، ويَسْتَحِقُّ كلُّ واحدٍ بقَدْرِ أيْمانِه، ولا يَسْتَحِقُّ بأيمانِ غيرِه وإن كان اجْتِماعُ العَدَدِ شَرطًا في اسْتِحقاقِها. فصل: ولو حَلَف بعضَ الأيْمانِ، ثم جُنَّ، ثم أفاقَ، فإنَّه يُتَمِّمُ، ولا

стр. 12751

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَلْزَمُه الاسْتِئْنافُ؛ لأنّ أيْمانَه وقَعتْ مَوْقِعَها، بخِلافِ الموْتِ، فإنَّ الموتَ يتعَذَّرُ معه إتْمامُ الأيْمانِ منه، وغيرُه لا يَبْنِى على يَمِينِه، وههُنا يُمكِنُه أن يُتِمَّها إذا أفاقَ، ولا يَبْطُلُ بالتَّفْرِيقِ، بدليلِ أنَّ الحاكمَ إذا أحْلَفَه بعضَ الأيْمانِ، ثم تشاغَلَ عنه، لم يَبْطُلْ، ويُتِمُّها، وما لا يُبْطِلُه التَّفْريقُ لا يُبْطِلُه تخلُّلُ الجنونِ، كالسَّعْىِ بينَ الصَّفا والمرْوَةِ. وإن حَلَف بعضَ الأيْمانِ، ثم عُزِلَ الحاكمُ ووَلِىَ غيرُه، أتَمَّها عندَ الثانى، ولم يَلْزَمْه اسْتِئنافُها؛ [لأنَّ الأيْمانَ وقَعتْ مَوْقِعَها. وكذلك لو حَلَف] (١) بعْضَها، ثم سأل الحاكمَ إنْظارَه، فأنْظَرَه، بنَى على ما مَضَى، ولم يَلْزَمه الاسْتِئْنافُ؛ لِما ذكَرْنا. فصل: وإذا حَلَف الأوْلِياءُ اسْتَحَقُّوا القَوَدَ، إذا كانتِ الدَّعْوَى عَمْدًا، إلَّا أن يَمْنَعَ منه مانِعٌ. رُوِى ذلك عن ابنِ الزُّبَيْرِ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ. وبه قال مالكٌ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وعن مُعاويةَ، وابنِ عباسٍ، والحسنِ، وإسْحاقَ: لا يجبُ بها إلَّا الدِّيَةُ؛ لقولِ النبىِّ ﷺ لليَهودِ: «إمَّا أن يَدُوا صاحِبَكُمْ، وإمَّا أَنْ يُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِه» (٢). ولأَنَّ أيْمانَ المُدَّعِين إنَّما هى لغَلَبَةِ الظَّنِّ، وحُكْمِ الظَّاهرِ، فلا يجوزُ إشاطَةُ الدَّمِ بها؛ لقِيامِ الشُّبْهَةِ المُتَمَكِّنَةِ، ولأنَّها حُجَّةٌ لا يثْبُتُ بها النِّكاحُ، فلا يجبُ بها القِصاصُ، كالشَّاهدِ واليَمِينِ. وللشافعىِّ قَوْلان كالمذْهبَيْن. ولَنا، قولُ النبىِّ ﷺ : «يُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ على رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَيُدفَعُ

стр. 12752

وَعَنْهُ، يَحْلِفُ مِنَ الْعَصَبَةِ الْوَارِثُ مِنْهُمْ وَغَيْرُ الْوَارِثِ، خَمْسُونَ رَجُلًا، كُلُّ وَاحِدٍ يَمِينًا. ــ إلَيْكُم بِرُمَّتِهِ». وفى رِوايةِ مُسْلِمٍ (١): «ويُسَلَّمُ إلَيْكُمْ». وفى لَفْظٍ: «وتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صاحِبِكُمْ». وأرادَ دَمَ القاتلِ؛ لأَنَّ دَمَ القَتيلِ ثابتٌ لهم قبلَ اليَمِينِ. والرُّمَّةُ: الحبلُ الذى يُرْبَطُ به مَن عليه القَوَدُ. ولأنَّها حُجَّةٌ يَثْبُتُ بها العَمْدُ، فيجبُ بها القَوَدُ، كالبَيِّنَةِ. وقد روَى الأَثْرَمُ، بإسْنادِه، عن عامرٍ الأحْولِ، أنَّ النبىَّ ﷺ أقادَ بالقَسامةِ بالطَّائِفِ (٢). وهذا نصٌّ. ولأَنَّ الشَّارِعَ جَعلَ القَوْلَ (٣) قولَ المُدَّعِى مع يَمِينِه، احْتِياطًا للدَّمِ، فإن لم يَجِبِ القَوَدُ، سقَط هذا المعْنى. ٤٣٦٥ - مسألة: (وعن أحمدَ، يَحْلِفُ مِن العَصَبَةِ الوارِثُ منهم وغيرُ الوارِثِ، خَمْسون رَجُلًا، كلُّ واحِدٍ يَمِينًا) اخْتلَفتِ الروايةُ عن

стр. 12753

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أحمدَ في مَن تجبُ عليه أيْمانُ القَسامةِ؛ فرُوِىَ أنَّها تَخْتَصُّ بالذُّكورِ مِن الوُرَّاثِ. وهو ظاهرُ المذهَبِ، وقد ذكَرناه. ورُوِىَ عنه رِوايةٌ ثانيةٌ، أنَّه يَحْلِفُ مِن العَصَبةِ الوارِثُ (١) وغيرُ الوارثِ خمسون رَجُلًا، كلُّ واحدٍ يَمِينًا واحِدةً. وهذا قولٌ لمالكٍ. فعلَى هذا، يَحْلِفُ الوُرَّاثُ منهم الذين يَسْتَحِقُّونَ دَمَه، فإن لم يبْلُغُوا خَمسين، تُمِّمُوا مِن سائرِ العَصَبةِ، يُؤْخَذُ الأقْرَبُ منهم فالأقْرَبُ مِن قَبِيلَتِه التى يَنْتَسِبُ إليها، ويُعرَفُ كيْفِيَّةُ نَسَبِه مِن المقْتُولِ، فأمَّا مَن عُرِفَ أنَّه مِن القَبِيلةِ، ولم يُعرَفْ وَجْهُ النَّسَبِ، لم يُقْسِمْ، مثلَ أن يكونَ الرَّجُلُ قُرَشِيًّا، والمقْتولُ قُرَشِىٌّ، ولا يعرَفُ كيْفِيَّةُ نَسَبِه منه، فلا يُقْسِمُ؛ لأنَّنا نعْلَمُ أنَّ الناسَ كلَّهمِ مِن آدمَ ونُوحٍ، وكلُّهم يَرْجِعون إلى أبٍ واحدٍ، ولو قُتِلَ مَن لا يُعْرَفُ نَسَبُه، لم يُقْسِمْ عنه سائِرُ الناسِ، فإن لم يُوجَدْ مِن نَسَبِه خَمسون، رُدِّدَتِ الأيْمانُ عليهم، وقُسِمَتْ بينَهم (٢)، فإنِ انْكَسَرَتْ (٣) عليهم، جُبِرَ كَسْرُها عليهم حتى تبْلُغَ خَمْسين؛ لقولِ النبىِّ ﷺ للأنْصارِ: «يَحْلِفُ خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْكُمْ، وتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ» (٤). وقد عَلِمَ النبىُّ ﷺ أنَّه لم يكُنْ لعبدِ اللَّهِ بنِ سَهْلٍ خَمْسون رَجُلًا وارِثًا، فإنَّه لا يَرِثُه إلَّا أخُوه، أو مَن

стр. 12754

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هو في دَرَجَتِه، أو أقْرَبُ منه نَسَبًا، ولأنَّه خاطَبَ بهذا [ابْنَىْ عَمِّه، وهما] (١) غيرُ وارِثَيْن. فصل: ويُسْتَحَب أن يَسْتَظْهِرَ في ألْفاظِ اليَمِينِ في القَسامةِ تأْكيدًا، فيقولَ: واللَّهِ الذى لا إلهَ إلَّا هو عالمِ خائِنَةِ الأعْيُنِ وما تُخْفِى الصُّدُورُ. فإنِ اقْتَصَرَ على لَفْظةِ: واللَّهِ. كَفَى، ويقُولُ: واللَّهِ، أو باللَّهِ، أو تاللَّهِ. بالجَرِّ كما تقْتَضِيه العربيَّةُ. فإن قاله مَضْمُومًا، أو منصوبًا، فقد لَحَنَ. قال القاضى: ويُجْزِئُه، تَعَمَّدَه أو لم يتَعَمَّدْه؛ لأنَّه لَحْنٌ لا يُحِيلُ المَعْنَى. وهو قولُ الشافعىِّ. وما زادَ على هذا تَأْكِيدٌ. ويقولُ: لقد قَتَلَ فلان بنُ فلانٍ الفُلانىُّ -ويُشِيرُ إليه- فُلانًا ابْنِى، أو أخِى، مُنْفَرِدًا بقَتْلِه، ما شَرَكَه غيرُه. وإن كانا اثْنَيْن قال: مُنْفَرِ دَيْن بقَتْلِه، ما شَرَكَهُما غيرُهما. ثم يقولُ: عَمْدًا، أو خَطأً. وبأىِّ اسْمٍ مِن أسماءِ اللَّهِ أو صِفَةٍ من [صِفَاتِ ذَاتِه] (٢) حَلَفَ، أجْزَأَ، إذا كان إطْلاقُه يَنْصَرِفُ إلى اللَّهِ تعالى. ويقولُ المُدَّعَى عليه في اليَمِينِ: واللَّهِ ما قَتَلْتُه، ولا شارَكْتُ في قَتْلِه، ولا فَعَلْتُ شيئًا (٣) ماتَ منه، ولا كان سَببًا في مَوْتِه، ولا مُعِينًا على مَوْتِه.

стр. 12755

فَإنْ لَمْ يَحْلِفُوا، حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ خَمسِينَ يَمِينًا وَبَرِئَ. ــ ٤٣٦٦ - مسألة: (فإن لم يَحْلِفِ المُدَّعُون، حَلَف المُدَّعَى عليه خَمْسِين يَمِينًا، وبَرِئَ) هذا ظاهرُ المذهبِ. وهو الذى ذكَرَه الخِرَقِىُّ.

стр. 12756

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وبه قال يحيى الأنْصارِىُّ، ورَبيعةُ، وأبو الزِّنادِ، واللَّيْثُ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وحكى أبو الخَطَّابِ (١) رِوايةً أُخْرَى عن أحمدَ، أنَّهم يَحْلِفُونَ، ويُغَرَّمُون الدِّيَةَ؛ لقَضِيَّةِ عمرَ (٢)، وخبرِ سليمانَ بنِ يَسارٍ (٣). وهو قولُ أصْحابِ الرَّأْى. ولَنا، قولُ النبىِّ ﷺ : «فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بأيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ» (٤). أى يَبْرأُونَ منكم. وفى لَفْظٍ قال: «فَيَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا ويَبْرأُونَ مِنْ دَمِهِ». وقد ثَبَت أنَّ النبىَّ ﷺ لم يُغَرِّمِ اليهودَ، وأنَّه أدَّاها مِن عندِه، ولأنَّها أيْمانٌ مَشْروعةٌ في حَقِّ المُدَّعَى عليه، فيَبْرأُ بها، كسائرِ الأيْمانِ، ولأَنَّ ذلك إعْطاءٌ بمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، فلم يَجُزْ؛ للخَبَرِ، ومُخالفةِ مُقْتَضَى الدَّليلِ، فإنَّ قولَ الإِنْسانِ لا يُقْبَلُ على غيرِه بمُجَرَّدِه، كدَعْوَى المالِ، وسائرِ الحُقوقِ، ولأَنَّ في ذلك جَمْعًا بينَ اليَمِينِ والغُرْمِ، فلم يُشْرَعْ، كغيرِه مِن الحُقوقِ. فصل: وإذا رُدَّتِ الأيْمانُ على المُدَّعَى عليهم، وكان عَمْدًا، لم تَجُزْ على أكثرَ مِن واحدٍ، فيَحْلِفُ خمسين يَمِينًا، وإن كانت على غيرِ (٥)

стр. 12757

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عَمْدٍ، كالخَطأ وشِبْهِ العَمْدِ، فلا قَسامةَ، في ظاهرِ كلامِ الخِرَقِىِّ؛ لأَنَّ القَسامةَ مِن شَرْطِها اللَّوْثُ والعداوةُ، وهى إنَّما تؤثرُ في تَعَمُّدِ القَتْلِ، لا في خَطَئِه، فإنَّ احتِمالَ الخَطأ في العَدُوِّ (١) وغيرِه سواءٌ. وقال غيرُه مِن أصْحابِنا: فيه قَسامةٌ. وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّ اللَّوْثَ لا (٢) يَخْتَصُّ العَداوَةَ عندَهم. فعلَى هذا، تجوزُ الدَّعْوَى على جماعةٍ، فإذا ادُّعِىَ على جماعةٍ، حَلَف كلُّ واحدٍ منهم خمسين يَمِينًا. وقال بعضُ أصْحابِنا: تُقْسَمُ الأيْمانُ بينَهم بالحِصَصِ، كقَسْمِها بينَ المُدَّعِينَ، إلَّا أنَّها ههُنا تُقْسَمُ بالسَّوِيةِ؛ لأَنَّ المُدَّعَى عليهم مُتَساوُون فيها، فهم كبَنِى المَيِّتِ. وللشافعىِّ قَوْلان كالوَجْهيْن. والحُجَّةُ لهذا القولِ، قولُ النبىِّ ﷺ : «تُبْرِئُكُم يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا». وفى لَفْظٍ قال: «فَيَحْلِفُونَ لَكُمْ خَمْسِينَ يَمِينًا، ويَبْرأُونَ مِنْ دَمِهِ». ولأنَّهم أحَدُ المُتَداعِيَيْن في القَسامةِ، فتُقَسَّطُ (٣) الأيْمانُ على عَدَدِهم، كالمُدَّعِينَ. وقال مالكٌ: يَحْلِفُ مِن المُدَّعَى عليهم خَمْسون رَجُلًا خَمْسِينَ يَمِينًا، فإن لم يَبْلُغُوا خَمْسين رَجُلًا، رُدِّدَتْ على مَن حَلَف منهم حتى تَكْمُلَ خَمسين يَمِينًا، فإن لم يَجِدْ أحدًا يَحْلِفُ إلَّا الذى ادُّعِىَ عليه، حَلَف وحدَه خَمْسين يَمِينًا. ولَنا،

стр. 12758

وَإِنْ لَمْ يَحْلِف الْمُدَّعُونَ وَلَم يَرْضَوْا بِيَمِينِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَدَاهُ الإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ. ــ أنَّ هذه أيْمانٌ يُبْرِئُ بها كلُّ واحدٍ نفْسَه [مِن القتلِ] (١)، فكان على كلِّ واحدٍ خَمْسون، كما لو ادُّعِىَ على كلِّ واحدٍ وحدَه قتيلٌ، ولأنَّه لا يُبْرِئَ المُدَّعَى عليه حالَ الاشْتِراكِ إلَّا ما يُبْرِئُه حالةَ الانْفِرادِ، ولأَنَّ كلَّ واحدٍ منهم يَحْلِفُ على غيرِ ما حَلَف عليه صاحِبُه، بخلافِ المُدَّعِين، فإنَّ أيْمانَهم على شئٍ واحدٍ، فلا يَلْزَمُ مِن تَلْفِيقِها تَلْفِيقُ ما يخْتلِفُ مدلُولُه ومقْصُودُه. ٤٣٦٧ - مسألة: (فإن لم يَحْلِفِ المُدَّعُون، ولم يَرْضَوْا بيَمِينِ المُدَّعَى عليه، فَدَاه الإِمَامُ مِن بَيْتِ المالِ) يعنى أدَّى دِيَتَه؛ لقَضِيَّةِ عبدِ اللَّهِ بنِ سَهْلٍ حينَ قُتِلَ بخَيْبَرَ، فأبَى الأنْصارُ أن يَحْلِفُوا، وقالوا: كيف نَقْبَلُ أيْمانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ؟ فوَداه النبىُّ ﷺ مِن عندِه، كَرَاهِيَةَ أن يُطَلَّ (٢) دَمُه. فإن تَعَذَّرَ فِداؤُه مِن بيتِ المالِ، لم يجبْ على المُدَّعَى عليهم شئٌ؛ لأَنَّ الذى تَوَجَّهَ (٣) عليهم اليَمِينُ، وقد امْتَنَعَ مُسْتَحِقُّوها مِن اسْتِيفائِها، فلم يجبْ لهم شئٌ، كدَعْوَى المالِ.

стр. 12759

وَإِنْ طَلَبُوا أَيْمَانَهُم فَنَكَلُوا، لَمْ يُحْبَسُوا. وَهَلْ تَلْزَمُهُمُ الدِّيَةُ أَوْ تَكُونُ فِى بَيْتِ الْمَالِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. ــ ٤٣٦٨ - مسألة: (وإن طَلَبو أيمانَهُم فنَكَلُوا، لم يُحْبَسوا. وهل تَلْزَمُهم الدِّيَةُ أو تَكُونُ في بَيْتِ المالِ؟ على رِوايَتَيْن) إذا امتَنَعَ المُدَّعَى عليهم مِن اليَمِينِ، لم يحبَسُوا حتى يَحْلِفُوا. وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّهم يُحبَسُون حتى يَحلِفُوا. وهو قولُ أبى حنيفةَ. ولَنا، أنَّها يَمِين مشْروعةٌ في حَقِّ المُدَّعَى عليه، فلم يُحْبَس عليها، كسائرِ الأيْمانِ. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه لا يجبُ القِصاصُ بالنُّكُولِ؛ لأنَّه حُجَّةٌ ضعيفةٌ، فلا يُشاطُ (١) بها الدَّمُ، كالشَّاهدِ واليَمِينِ. قال القاضى: ويَدِيه الإِمامُ مِن بيتِ المالِ. نَصَّ عليه أحمدُ. وروَى عنه حربُ بنُ إسماعيلَ، أنَّ الدِّيَةَ تجبُ عليهم. وهذا هو الصَّحِيحُ، وهو اخْتِيارُ أبى بكرٍ؛ لأنَّه حكمٌ يثْبُتُ بالنُّكُولِ، فيثْبُتُ في حَقِّهِم ههُنا، كسائرِ الدَّعاوَى، ولأَنَّ وُجُوبَها في بيتِ المالِ يُفْضِى إلى إهْدارِ الدَّم، وإسْقاطِ حَقِّ المُدَّعِين، مع إمكانِ جَبْرِه، فلم يَجُزْ، كما في سائرِ الدّعاوَى، وههُنا لو لم يَجِبْ على المُدَّعَى عليه مالٌ بنُكُولِه، ولم يُجْبَر على اليَمِينِ، [لخَلَا مِن وُجُوبِ شئٍ عليه] (٢)

стр. 12760

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بالكُلِّيَّةِ. وقال أصْحابُ الشافعىِّ: إذا نَكَل المُدَّعَى عليهم رُدَّتِ الأيْمانُ على المُدَّعِين، إن قُلْنا: مُوجَبُها المالُ. فإن حَلَفُوا اسْتَحَقُّوا، وإن نَكَلُوا فلا شئَ لهم، وإن قُلْنا: مُوجَبُها القِصاصُ. فهل تُرَدُّ على المُدَّعِين؟ فيه قولان. وهذا القولُ لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ اليَمِينَ إنَّما شُرِعَتْ في حَقِّ المُدَّعَى عليه إذا نَكَل عنها المُدَّعِى، فلا تُرَدُّ عليه، كما لا تُرَدُّ على المُدَّعَى عليه إذا نَكَل المُدَّعِى عنها بعدَ رَدِّها عليه في سائرِ الدَّعاوَى، ولأنَّها

стр. 12761

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَمِينٌ مَرْدُودةٌ على أحَدِ المُتَداعِيَيْن، فلا تُرَدُّ على مَن رَدَّها، كدَعْوَى المالِ.

стр. 12762

كِتَابُ الْحُدُودِ لَا يَجِبُ الْحَدُّ إِلَّا عَلَى بَالِغٍ عَاقِلٍ عَالِمٍ بِالتَّحْرِيمِ. ــ كِتابُ الحُدُودِ ٤٣٦٩ - مسألة: (ولَا يَجِبُ الحَدُّ إلَّا على بالِغٍ عاقِلٍ عالِمٍ بالتَّحْرِيمِ) [ أمَّا البُلوغُ والعَقلُ، فلا خِلافَ في اعْتِبارِهما في وُجوبِ الحَدِّ، وصِحّةِ الإِقْرار] (١). [ولا يجبُ على صَبِىٍّ ولا مَجْنونٍ] (٢)؛ [لأنَّهما قد رُفِعَ القَلَمُ عنهما] (١)؛ [لقَوْلِ النبىِّ ﷺ ] (٣): «رُفِعَ القَلَمُ [عَنْ ثَلَاثٍ] (٤)؛ عَن الصَّبِىِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وعَنِ المَجْنُونِ حَتُّى يُفِيقَ، وعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ». رَواه أبو داودَ، والتِّرْمِذِىُّ (٥)، وقال: حديثٌ حسنٌ. وفى حديثِ ابنِ عباسٍ، في قِصَّةِ ماعِزٍ، أنَّ النبىَّ ﷺ سأل قَوْمَه: «أَمَجْنُونٌ

стр. 12763

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هُوَ؟». قالوا: ليس به بَأْسٌ (١). ورُوِىَ أنَّ النبىَّ ﷺ قال له حينَ أقَرَّ عندَه: «أَبِكَ جُنُونٌ؟» (٢). ورَوَى أبو داودَ (٣) بإسْنادِه، قال (٤): أُتِى عمرُ بمَجْنُونَةٍ قد زَنَتْ، فاسْتَشَارَ فيها أُناسًا، فأمَرَ بها عمرُ أن تُرْجَمَ، فمَرَّ بها علىُّ بنُ أبى طالبٍ، فقال: ما شأْنُ هذه؟ قالوا: مَجْنونَةُ آلِ فُلانٍ زَنَتْ، فأمَرَ بها عمرُ أن تُرْجَمَ. فقال: ارْجِعُوا بها. ثم أتَاه، فقال: يا أمِيرَ المُؤْمِنِين، أمَا عَلِمْتَ أنَّ القَلَمَ قد رُفِعَ عن ثلاثةٍ؛ عن المجْنونِ حتى يَبْرَأَ، وعن النَّائِمِ حتى يَسْتَيْقِظَ، وعن الصَّبِىِّ حتى يَعْقِلَ؟ قال: بَلَى. قال: فما بالُ هذه؟ قال: لا شئَ. قال: فأَرْسِلْها. فأَرْسَلَها. قال: فجعَلَ عمرُ يُكَبِّرُ. ولأنَّه إذا سَقَط عنه التَّكْلِيفُ في العِباداتِ، والإِثْمُ في المعَاصِى، فالحَدُّ المَبْنِىُّ على الدَّرْءِ بالشُّبُهاتِ أوْلَى بالإِسْقاطِ.

стр. 12764

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ولا يَجِبُ على النَّائِمِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحديثِ، فلو زَنَى بنائِمَةٍ، أو اسْتَدْخَلَتِ المرأةُ (١) ذَكَرَ نائِمٍ، أو (٢) وُجدَ منه الزِّنَى حالَ نَوْمِه، فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّه مَرْفُوعٌ عنه القَلَمُ. ولو أقَرَّ (٣) حالَ نَوْمِه، لم يُلْتَفَتْ إلى إقْرارِه، لأَنَّ كلامَه ليس بمُعْتَبَرٍ، ولا يَدُلُّ على صِحَّةِ مَدْلُولِه. فصل: فإنْ كان يُجَنُّ مَرِّةً ويُفِيقُ أُخْرَى، فأقَرَّ في إفاقَتِه أنَّه زَنَى وهو مُفِيقٌ، أو قامَتْ عليه بَيِّنَةٌ أنَّه زَنى في إفاقَتِه، فعليه الحَدُّ. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. وبه قال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى؛ لأَنَّ الزِّنَى المُوجِبَ للحَدِّ وُجِدَ منه [في حالِ] (٤) إفاقَتِه وهو مُكَلَّفٌ، والقَلَمُ غيرُ مَرْفُوعٍ عنه، وإقْرارُه وُجِدَ في حالِ اعْتِبارِ كَلامِه. فإن أقَرَّ في إفاقَتِه، ولم يُضِفْه إلى حالٍ، أو شَهِدَت عليه البَيِّنَةُ بالزِّنَى، ولم تُضِفْه إلى حالِ إفاقَتِه، لم يَجِبِ الحَدُّ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أنَّه وُجِدَ في حالِ جُنُونِه، فلم يَجِبِ الحَدُّ مع الاحْتِمالِ. وقد رَوَى أبو داودَ، في حديثِ المجْنونَةِ التى أُتِى بها عُمَرُ، أنَّ عَليًّا قال: هذه مَعْتُوهَةُ بنى فلانٍ، لعَلَّ الذى أتاها أتاها في بَلائِها. فقال عمرُ: لا أدْرِى. فقال علىٌّ: وأنا لا أدْرِى. ٤٣٧٠ - مسألة: ولا يَجِبُ الحَدُّ إلَّا على عالِمٍ بِالتَّحْرِيمِ . قال

стр. 12765

وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقِيمَ الْحَدَّ إلَّا الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ. ــ عُمَرُ، وعلىٌّ، وعُثمانُ: لا حَدَّ إلَّا على مَن عَلِمَه (١). وبهذا قال عامَّةُ أهلٍ العلمِ. وقد رَوَى سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، قال: ذُكِرَ الزِّنَى بالشَّامِ، فقال رَجُلٌ: زَنَيْتُ البارِحَةَ. قالوا: ما تقولُ؟ قال: ما عَلِمْتُ أنَّ اللَّه حَرَّمَه. فكُتِبَ بها إلى عُمَرَ، فكَتَب: إن كان يَعْلَمُ أنَّ اللَّه حَرَّمَه فحُدُّوه، وإن لم يَكُنْ عَلِمَ فأعْلِمُوه، فإن عادَ فارْجُموه (٢). وسَواءٌ جَهِلَ تَحْريمَ الزِّنَى أو تحْريمَ عينِ المرأةِ، مثلَ أن تُزَفَّ (٣) إليه غيرُ (٤) امرأتِه، فيَظُنَّها زَوْجَتَه، أو تُدْفَعَ إليه جارِيةٌ، فيَظُنَّها جارِيَتَه، فيَطَأَها، فلا حَدَّ عليه. ٤٣٧١ - مسألة: (ولا يَجُوزُ أن يُقِيمَ الحَدَّ إلَّا الإِمامُ أو نائِبُه) لأنَّه حَقٌّ للَّه تعالى، ويَفْتَقِرُ إلى الاجْتِهادِ، ولا يُؤْمَنُ مِن اسْتِيفائِه الحَيْفُ،

стр. 12766

إلَّا السَّيِّدَ، فَإِنَّ لَهُ إِقَامَةَ الْحَدِّ بِالْجَلْدِ خَاصَّةً عَلَى رَقِيقِهِ الْقِنِّ. وَهَلْ لَهُ الْقَتْلُ فِى الرِّدَّةِ، وَالْقَطْعُ فِى السَّرِقَةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. ــ فوَجَب تَفْوِيضُه إلى نائبِ اللَّهِ تعالى في خَلْقِه، ولأَنَّ النبىَّ ﷺ كان يُقِيمُ الحَدَّ في حَياتِه، وخُلَفاؤُه بعدَه. ولا يَلْزَمُ حُضُورُ الإِمامِ إقامَتَه؛ لأَنَّ النبىَّ ﷺ قال: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إلَى امْرأَةِ هذَا، فَإن اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» (١). وأمَرَ برَجْمِ ماعزٍ، ولم يَحْضُرْ. وأُتِىَ بسارِقٍ، فقال: «اذْهبُوا بِهِ (٢) فَاقْطَعُوهُ» (٣). وجميعُ الحُدُودِ في هذا سَواءٌ، حَدُّ القَذْفِ وغيرُه؛ لأنَّه لا يُؤْمَنُ فيه مِن (٤) الحَيْفِ (٥) والزِّيادَةِ على الواجِبِ، ويَفْتَقِرُ إلى الاجْتِهادِ، فأشْبَهَ سائِرَ الحُدُودِ. ٤٣٧٢ - مسألة: (إلَّا السَّيِّدَ، فإنَّ له إقامَةَ الحَدِّ بالجَلْدِ خاصَّةً على رَقِيقِه القِنِّ. وهل له القَتْلُ في الرِّدَّةِ، والقَطْعُ في السَّرِقَةِ؟ على رِوايَتَيْن) وجملةُ ذلك، أنَّ للسَّيِّدِ إقامَةَ الحَدِّ بالجَلْدِ على رَقِيقِه القِنِّ، في

стр. 12767

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قولِ أكثرِ العُلَماءِ (١). رُوِى نحوُ ذلك عن علىٍّ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عمرَ، وأبى حُمَيْدٍ (٢) وأبى أُسَيْدٍ (٣) السَّاعِدِيَّيْن، وفاطمةَ بِنْتِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وعَلْقَمَةَ، والأسْوَدِ، والحسنِ، والزُّهْرِىِّ، وهُبَيْرَةَ بنِ يَرِيمَ (٤)، وأبى مَيْسَرَةَ، ومالكٍ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ. وقال ابنُ أبى لَيْلَى: أدْرَكْتُ بَقايا الأنْصارِ يَجْلِدُونَ وَلائِدَهم في مَجالِسِهم الحُدودَ إذا زَنَوْا (٥). وعن الحسنِ بنِ محمدٍ، أنَّ فاطمةَ حَدَّتْ جارِيَةً لها زَنَتْ (٦). وعن إبراهيمَ، أنَّ عَلْقَمَةَ والأسْوَدَ كانا يُقِيمانِ الحُدُودَ على مَنْ زَنَى مِن خَدَمِ عشائِرِهم (٧). روَى ذلك سعيدٌ، في «سُنَنِهِ». وقال أصحابُ الرَّأْى: ليس له ذلك؛ لأَنَّ الحُدُودَ إلى

стр. 12768

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ السُّلْطانِ، ولأَنَّ مَن لا يَمْلِكُ إقامَةَ [الحَدِّ على] (١) الحُرِّ لا يَمْلِكُهُ على العَبْدِ، كالصَّبِىِّ، ولأَنَّ الحَدَّ لا يَجِبُ إلَّا ببيِّنَةٍ أو إقْرارٍ، وتُعْتَبَرُ لذلك شُرُوطٌ؛ مِن عَدالَةِ الشُّهُودِ، ومَجِيئِهم مُجْتَمِعِينَ، أو في مَجْلِسٍ واحدٍ، وذِكْرِ حَقِيقَةِ الزِّنى، وغيرِ ذلك مِن الشُّرُوطِ التى تَحْتاجُ إلى فَقِيهٍ يَعْرِفُها، ويَعْرِفُ الخِلافَ فيها، [والصَّوابَ منها] (٢)، وكذلك الإقْرارُ، فيَنْبَغِى أن يُفَوَّضَ ذلك إلى الإمام أو نائِبِه، كحَدِّ الأحْرارِ، ولأنَّه حَدُّ هو حَقٌّ للَّهِ تعالى، فَيُفَوَّضُ إلى الإمام، كالقَتْلِ والقَطْعِ. ولَنا، ما روَى سعيدٌ (٣)، ثَنا سُفيانُ، عنَ أيُّوبَ بنِ موسى، عن سعيدِ بنِ أبى (٤) سعيدٍ، عن أبى هُرَيْرَةَ، عن النبىِّ ﷺ أنَّه قال: «إذَا زَنَتْ أَمَةُ أحَدِكُمْ،

стр. 12769

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَتَبَيَّنَ زِناهَا، فَلْيَجْلِدْهَا، وَلَا يُثَرِّبْ (١) بِهَا، فإنْ عَادَتْ، فَلْيَجْلدْهَا، وَلَا يُثَرِّبْ بِهَا، فإنْ عَادَتْ، فَلْيَجْلِدْهَا، وَلَا يُثَرِّبْ بِها، فإنْ عَادَتِ الرَّابِعَةَ، فَلْيَجْلِدْهَا، وليَبِعْهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ (٢)». وقال: حدَّثَنا أبو الأحْوَصِ، ثَنا عبدُ الأعْلَى، عن أبى جَمِيلَةَ، [عن علىٍّ] (٣)، عن النبىِّ ﷺ أنَّه قال: «وأَقِيمُوا الحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» (٤). ورَواه الدَّارَقُطْنِىُّ (٥). ولأَنَّ السَّيِّدَ يَمْلِكُ تَأْدِيبَ أمَتِه وتَزْوِيجَها، فَمَلَكَ إقامَةَ

стр. 12770

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الحَدِّ عليها، كالسُّلْطانِ. وبهذا فارَقَ الصَّبِىَّ. إذا ثَبَت هذا، فإنَّما يَمْلِكُ إقامَةَ (١) الحَدِّ بشُرُوطٍ أرْبَعَةٍ؛ أحَدُها، أن يكونَ جَلْدًا (٢)، كحَدِّ الزِّنَى، والشُّرْبِ، وحَدِّ القَذْفِ، فأمَّا القَتْلُ في الرِّدَّةِ، والقَطْعُ في السَّرِقَةِ، فلا يَمْلِكُهما (٣) إلَّا الإِمامُ. وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ. وفيهما (٤) رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّ السَّيِّدَ يَمْلِكُهُما. وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعىِّ؛ لعُموم قولِ النبىِّ ﷺ : «أَقِيمُوا الحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ». ورُوِىَ أنَّ ابنَ عُمَرَ قَطَع عبدًا سَرَقَ (٥). وكذلك عائشةُ (٦). وعن حَفْصَةَ أنَّها قَتَلَتْ أمَةً لها سَحَرَتْها (٧). ولأَنَّ ذلك حَدٌّ، أَشْبَه الجَلْدَ. ولَنا، أنَّ الأَصْلَ تَفْوِيضُ

стр. 12771

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الحَدِّ إلى الإِمامِ؛ لأنَّه حَقٌّ للَّهِ تعالى، فَيُفَوَّضُ إلى نائِبِه، كما في حَقِّ الأحْرارِ، ولِما ذَكَرَه أصحابُ أبى حنيفةَ، وإنَّما فُوِّضَ إلى السَّيِّدِ الجَلْدُ خاصَّةً؛ لأنَّه تأْدِيبٌ (١)، والسَّيِّدُ يَمْلِكُ تأديبَ عبدِه وضَرْبَه على الذَّنْبِ، وهذا مِن جِنْسِه، وإنَّما افْتَرَقا في أنَّ هذا مُقَدَّرٌ، والتأديبُ غيرُ مُقَدَّرٍ، وهذا لا أثَرَ له في مَنْعِ السَّيِّدِ منه، بخِلافِ القَطْعِ والقَتْلِ، فإنَّهما إتْلافٌ لجُمْلَتِه أو بعضِه الصَّحيحِ، ولا يَمْلِكُ السَّيِّدُ هذا مِن عبدِه، وِلا شيئًا مِن جِنْسِه، والخبرُ الوارِدُ في حَدِّ السَّيِّدِ عبدَه، إنَّما جاء في الزِّنَى خاصَّةً، وإنَّما قِسْنا عليه ما يُشْبِهُه مِن الجَلْدِ. وقولُه: «أَقِيمُوا الحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ». إنَّما جاء في سِياقِ الحَدِّ في الزِّنَى، فإنَّ أوَّلَ الحديثِ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: أُخْبِرَ النبىُّ ﷺ بأمَةٍ لهم (٢) فَجَرَتْ، فأرْسَلَنِى إليها، فقال: «اجْلدْهَا الحَدَّ». قال: فانطلَقْتُ فوَجَدْتُها لم تَجِفَّ مِن دَمِها، فرَجَعْتُ إليه، فقال: «أَفَرَغْتَ؟» فقلتُ: وَجَدْتُها لم تَجِفَّ مِن دَمِها. قال: «إذا جَفَّتْ مِنْ دَمِهَا، فَاجْلدْهَا الحَدَّ، وَأَقيمُوا الحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ» (٣). فالظَّاهِرُ أنَّه إنَّما أرادَ ذلك الحَدَّ وشِبْهَه. وأمَّا فِعْلُ حَفْصَةَ، فقد أنْكَرَه عُثمانُ عليها، وشَقَّ عليه.

стр. 12772

وَلَا يَمْلِكُ إِقَامَتَهُ عَلَى مُكَاتَبِهِ، وَلَا عَلَى مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ، وَلَا أَمَتِهِ الْمُزَوَّجَةِ. ــ وما رُوِى عن ابنِ عمرَ، فلا نَعْلَمُ ثُبُوتَه عنه. ٤٣٧٣ - مسألة: (ولا) يَمْلِكُ إقامَتَه (على مَن بعضُه حُرٌّ، ولا أمَتِه المُزَوَّجَةِ) وقال مالكٌ، والشافعىُّ: [يَمْلِكُ السَّيِّدُ] (١) إقامَةَ الحَدِّ على الأمَةِ المُزَوَّجَةِ؛ لعُمُومِ الخَبَرِ، ولأنَّه مُخْتَصٌّ بمِلْكِهَا، وإنَّما يَمْلِكُ الزَّوْجُ بعضَ نَفْعِها، فأشْبَهَتِ المُسْتَأْجَرَةَ. ولَنا، ما رُوِى عن ابنِ عمرَ، أنَّه قال: إذا كانتِ الأمَةُ ذاتَ زَوجٍ، رُفِعَتْ إلى السُّلْطانِ، وإن لم يَكُنْ لها زَوْجٌ، جلَدَها سَيِّدُها نِصْفَ ما على المُحْصَنَ (٢). ولا نَعْرِفُ له مُخالِفًا في عَصْرِه. ولأَنَّ نَفْعَها مملوكٌ لغيرِه مُطْلَقًا، أشْبَهَتِ

стр. 12773

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المُشْتَرَكَةَ، ولأَنَّ المُشْتَرَكَ إنَّما مُنِعَ مِن إقامَةِ الحَدِّ عليه؛ لأنَّه يُقِيمُه في غيرِ مِلْكِه، لأَنَّ الجُزْءَ الحُرَّ أو المملوكَ لغيرِه، ليس بمَمْلوكٍ له، وهذا يُشْبِهُه؛ لأَنَّ مَحَلَّ الحَدِّ هو (١) مَحَلُّ اسْتِمْتاعِ الزَّوْجِ، وهو بَدَنُها، فلا يَمْلِكُه، والخبرُ مخْصوصٌ بالمُشْتَرَكِ، فنَقِيسُ عليه، والمُسْتأْجَرَةُ إجارَتُها مُؤَقَّتَةٌ تَنْقَضِى. ويَحْتَمِلُ أن نقولَ: لا يَمْلِكُ إقامَةَ الحَدِّ عليها في حالِ إجارَتها؛ لأنَّه رُبَّما أفْضَى إلى تَفْوِيتِ حَقِّ المُسْتأْجِرِ، وكذلك الأمَةُ المَرْهُونَةُ، يُخَرَّجُ فيها وَجْهانِ. فصل: ويُشْتَرَطُ أن يكونَ السَّيِّدُ بالِغًا عاقِلًا عالِمًا بالحُدُودِ وكَيْفِيَّةِ إقامَتِها؛ لأَنَّ الصَّبِىَّ والمَجْنُونَ ليسَا مِن أهلِ الولاياتِ، والجاهلَ بالحَدِّ لا يُمْكِنُه إقامَتُه على الوَجْهِ الشَّرْعِىِّ، فلا يُفوَّضُ إليه.

стр. 12774

وَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ فَاسِقًا أَوْ امرأَةً، فَلَهُ إِقَامَتُهُ فِى ظَاهِرِ كَلَامِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَمْلِكَهُ. ــ ٤٣٧٤ - مسألة: (وإن كان السَّيِّدُ فاسِقًا أو امرأةً، فله إقامَتُه في ظاهِرِ كلامِه. ويَحْتَمِلُ أن لا يَمْلِكَه) في الفاسقِ وَجْهانِ؛ أحدُهما، لا يَمْلِكُه؛ لأَنَّ هذه وِلايَةٌ، فنَفاها الفِسْقُ، كوِلايةِ التَّزْويجِ. والثانى، يَمْلِكُه؛ لأنَّها وِلايةٌ اسْتَفادَها بالمِلْكِ، فلم يُنَافِها الفِسْقُ، كبَيْعِ العبدِ. وفى المرأةِ أيضًا وَجْهانِ؛ أحدُهما، لا تَملِكُه؛ لأنَّها ليست مِن أهلِ الوِلاياتِ. والثانى، تَمْلِكُهُ؛ لأَنَّ فاطِمَةَ جَلَدَتْ أمَةً لها، وعائِشَةَ قَطَعَتْ أمَةً لَها سَرَقَتْ، وحَفْصَةَ قَتَلَتْ أمَةً لَها سَحَرَتْها. ولأنَّها مالِكَة تامَّةُ المِلْكِ مِن أهلِ التَّصَرُّفاتِ، أشْبهتِ الرجلَ. وفيه وَجْهٌ ثالث، أنَّ الحَدَّ يُفَوَّضُ إلى وَلِيِّها؛ لأنَّه يُزَوِّجُ أمَتَها.

стр. 12775

وَلَا يملِكُهُ الْمُكَاتَبُ. وَيَحتَمِلُ أَنْ يملِكَهُ. وَسَوَاءٌ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ. ــ ٤٣٧٥ - مسألة: (ولا يَملِكُه المُكاتَبُ) لأنَّه ليس مِن أَهْلِ الوِلايةِ. وفيه وَجْهٌ أنَّه يَملِكُه؛ لأنَّه يُسْتَفادُ بالمِلْكِ، فأَشْبَهَ سائِرَ تَصَرُّفاتِه. ٤٣٧٦ - مسألة: (وسَواء ثَبَت ببيِّنَةٍ أو إقْرارٍ) إذا ثَبَتَ باعْتِرافٍ، فللسَّيِّدِ إقامَتُه، إن كان يَعتَرِف الاعتِرافَ الذى يَثْبُتُ به الحَدُّ وشُرُوطُه، وإن ثَبَت ببَيِّنَةٍ، اعتُبِرَ أن تَثْبُتَ عندَ الحاكمِ؛ لأَنَّ البَيِّنَةَ تَحْتاجُ إلى البَحْثِ

стр. 12776

وَإِنْ ثَبَتَ بِعِلْمِهِ، فَلَهُ إِقَامَتُهُ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَملِكَهُ، ــ عن العَدالةِ، ومَعْرفَةِ (١) شُرُوطِ سَماعِها ولَفْظِها، ولا يقومُ بذلك إلَّا الحاكِمُ. وقال القاضى يعقوبُ (٢): إن كان السَّيِّدُ يُحْسِنُ سَماعَ البَيِّنَةِ، ويَعرِفُ شُرُوطَ العَدالَةِ، جازَ أن يَسْمَعَها، ويُقِيمَ الحَدَّ بها، كما يُقِيمُه بالإِقْرارِ. وهذا ظاهِرُ نَصِّ الشافعىِّ؛ لأنَّها أحَدُ ما يَثْبُتُ به الحَدُّ، فأشْبَهتِ الإِقْرارَ. ٤٣٧٧ - مسألة: (وإن ثَبَت بعِلْمِه، فله إقامَتُه. نَصَّ عليه .

стр. 12777

كَالإِمَامِ. وَلَا يُقِيمُ الإِمَامُ الْحَدَّ بِعِلْمِهِ. ــ ويَحْتَمِلُ أن لا يملِكَه، كالإِمامِ) اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، ﵀، في ذلك، فرُوِىَ عنه أن السَّيِّدَ لا يُقِيمُه بعِلْمِه. وهذا قولُ مالكٍ؛ لأَنَّ الإِمامَ لا يُقِيمُه بعِلْمِه، فالسَّيِّدُ أوْلَى، ولأَنَّ وِلايةَ الإِمامِ للحَدِّ أقْوَى مِن وِلايَةِ السَّيِّدِ؛ لكَوْنِها مُتَّفَقًا عليها، وثابتةً بالإِجْماعِ، فإذا لم يَثْبُتِ الحَدُّ في حَقِّه بالعِلْمِ، فههُنا أوْلَى. وعن أحمدَ رِوايَة أُخْرَى، أنَّه يُقِيمُه بعِلْمِه؛ لأنَّه قد ثَبَت عندَه، فمَلَكَ إقامَتَه، كما لو أقَرَّ به، ولأنَّه يملِكُ تأْدِيبَ عبدِه بعِلْمِه، وهذا يَجْرِى مَجْرَى التَّأْدِيبِ، ويفارِقُ الحاكِمَ؛ لأَنَّ الحاكِمَ مُتَّهَمٌ لا يَملِكُ مَحلَّ إقامَتِه، وهذا بخِلافِه. وهذا ظاهِرُ المذْهبِ. ٤٣٧٨ - مسألة: (ولا يُقِيمُ الإِمامُ الحَدَّ بعِلْمِه) هذا ظاهِرُ المذهبِ. رُوِىَ ذلك عن أبى بكرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وبه قال مالكٍ، وأصحابُ الرَّأْى. وهو أحَدُ قولَىِ الشافعىِّ. وقال في الآخَرِ:

стр. 12778

وَلَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِى الْمَسَاجِدِ. ــ له إقامَتُه بعِلْمِه. وهو قولُ أبى ثَوْرٍ. وعن أحمدَ، ﵀، نحوُ ذلك؛ لأنَّه إذا جازَتْ له إقامَتُه بالبَيِّنَةِ والاعتِرافِ الذى لا يُفِيدُ [إلَّا الظنَّ] (١)، فبما (٢) يُفِيدُ العلمَ أوْلَى. ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ (٣). وقال سُبحانَه: ﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ (٤). وقال عُمرُ: أو كان الحَبَلُ أو الاعتِرافُ (٥). ولأنَّه لا يجوزُ له أن يَتَكَلَّمَ به، ولو رَماه بما عَلِمَه منه لَكانَ قاذِفًا، يَلْزَمُه حَدُّ القَذْفِ، فلم تَجُزْ إقامَةُ الحَدِّ به (٦)، كقولِ (٧) غيرِه، ولأنَّه إذا حَرُمَ النُّطْقُ به، فالعملُ به أوْلَى. ٤٣٧٩ - مسألة: (ولا تُقامُ الحُدُودُ في المساجِدِ) لِما روَى حَكِيمُ ابنُ حِزام، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ نَهى أن يُسْتَقادَ في المسجدِ، وأن تُنْشَدَ

стр. 12779

وَيُضْرَبُ الرَّجُلُ فِى الْحَدِّ قَائِمًا، ــ فيه الأشْعارُ، وأن تُقامَ فيه الحُدُودُ (١). ولأنَّه لا يُؤْمَنُ أن يَحْدُثَ مِن المَحْدودِ شئٌ يَتَلَوَّثُ به المسجدُ. فإن أُقِيمَ فيه، سَقَط الفرضُ؛ لحُصُولِ المقْصُودِ وهو الزَّجْرُ، ولأَنَّ المُرتَكِبَ للنَّهْى غيرُ المَحْدُودِ، فلم يَمْنَعْ ذلك سُقُوطَ الفَرضِ عنه، كما لو اقْتَصَّ في المسْجدِ. ٤٣٨٠ - مسألة: (ويُضْرَبُ الرجلُ قائِمًا) [ وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ] (٢). وقال مالكٍ: يُضْرَبُ جالِسًا. قال أبو الخَطَّاب: وقد روَى حَنْبَلٌ أنّه يُضْرَبُ قاعِدًا؛ لأنَّ اللَّه تعالى لم يَأْمُرْ بالقِيام، ولأَنّه مَجْلُودٌ في حَدٍّ، أشْبَهَ المرأةَ. ولَنا، قولُ علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: لكلِّ مَوْضِعٍ مِن الجَسَدِ (٣) حَظٌّ إلَّا الوَجْه والفَرْجَ. وقال للجَلَّادِ: اضْرِبْ، وأوْجِعْ، واتَّقِ الرَّأْسَ والوَجْهَ (٤). ولأنَّ قِيامَه وَسِيلةٌ إلى إعْطاءِ كلِّ عُضْوٍ

стр. 12780

بِسَوْطٍ لَا جَدِيدٍ وَلَا خَلَقٍ. ــ حَظَّه مِن الضَّرْبِ. وقولُه: إنَّ اللَّه لم يَأْمُرْ بالقِيامِ. قُلْنا: ولم يَأْمُرْ بالجُلُوسِ، ولم يَذْكُرِ الكيْفِيَّةَ، فعَلمناها مِن دَلِيلٍ آخَرَ، ولا يَصِحُّ قِياسُ الرجُلِ على المرأةِ في هذا؛ لأَنَّ المرأةَ يُقْصَدُ سَتْرُها، ويُخْشَى هَتْكُها. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُضْرَبُ بسَوطٍ. وحُكِىَ عن بعضِهم أن حَدَّ الشُّربِ يُقامُ بالأيْدِى، والنِّعالِ، وأطْرافِ الثِّيابِ؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النبىَّ ﷺ أتِىَ برجلٍ قد (١) شَرِبَ، فقال: «اضْرِبُوهُ». قال أبو هُرَيْرَةَ: فمِنّا الضَّارِبُ بيَدِه، والضَّارِبُ بنَعْلِه، والضَّارِبُ بثَوْبِه. رَواه أبو داودَ (٢). ولَنا، أنَّ النبىَّ ﷺ قال: «إذا شَرِبَ الخَمْرَ فَاجْلِدوهُ» (٣). والجَلدُ إنَّما يُفْهمُ مِن إطْلاقِه الضربُ بالسَّوْطِ، والخُلَفاءُ الرّاشِدون ضَرَبوا فيه بالسِّياطِ، وكذلك غيرُهم، فصار إجْماعًا، ولأنَّه جَلْدٌ في حَدٍّ، فكان
следующие страницы →