. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَجْهَيْن؛ أحدُهما، أنَّه حَرَّمَ سَفْكَ الدَّم بها على الإِطْلاقِ، وتَخْصِيصُ مَكَّةَ بهذا يَدُلُّ على أنَّه أرادَ العُمُومَ، فإنَّه لو أرادَ سَفْكَ الدَّمِ الحرامِ، لم تَخْتَصَّ به مكةُ، فلا يكونُ التَّخْصِيصُ مُفِيدًا. والثانى، قولُه: «إِنَّما أُحِلَّتْ لِى سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ عَادَتْ حُرْمَتُهَا». ومَعْلُومٌ أنَّه إنَّما أُحِلَّ له سفْكُ دَمٍ حَلالٍ في غيرِ الحَرَمِ، فحَرَّمَها الحَرَمُ، ثم أُحِلَّتْ له ساعةً، ثم عادتِ الحُرْمَةُ، ثم أكَّدَ هذا بمنْعِه قياسَ غيرِه عليه. والاقْتِداءُ به بقولِه: «فَإن أحَدٌ تَرَخَّصَ بقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فقُولُوا: إنَّ اللَّهَ أذِنَ لِرَسُولِه، وَلَمْ يَأذَنْ لَكُمْ». وهذا يَدْفَعُ ما احْتَجُّوا به مِن قَتْلِ ابنِ خَطَلٍ، فإنَّه مِن رُخْصَةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، التى مَنَعَ النَّاسَ أن يَقْتَدُوا به فيها، وبَيَّنَ أنَّها له على الخُصوصِ، وما رَوَوْه مِن الحديثِ، فهو مِن كلامِ عمرِو ابنِ سعيدٍ الأشْدَقِ، يَرُدُّ به قولَ رسولِ اللَّهِ ﷺ حينَ روَى له أبو شُرَيحٍ هذا الحديثَ، وقولُ رسولِ اللَّهِ ﷺ أحَقُّ أن يُتَّبَعَ. وأمَّا جَلْدُ الزَّانِى، وقطعُ السَّارِقِ، والأمْرُ بالقِصاصِ، فإنَّما هو مُطْلَقٌ في الأمْكِنَةِ والأزْمِنَةِ، فإنَّه يَتَناوَلُ مَكانًا غيرَ مُعَيَّنٍ، ضَرُورَةَ أنَّه لا بُدَّ مِن مكانٍ،
стр. 12821
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فيُمْكِنُ إقامَتُه في مكانٍ غيرِ الحَرَمِ، ثم لو كان عامًّا، فإنَّ ما رَوَيْناه خاصًّا يُخَصُّ به، مع أنَّه قد خُصَّ ممَّا ذكرُوه الحامِلُ، والمريضُ المرْجُوُّ بُرْؤُه، فتأخَّر الحدُّ عنه، وتأخَّرَ (١) قتلُ الحامِلِ، فجازَ أن يُخَصَّ أيضًا بما ذَكَرْناه. والقِياسُ على الكلبِ العَقورِ لا يَصِحُّ، فإنَّ ذلك طبعُه الأَذَى، فلم يُحَرِّمْه الحَرَمُ ليُدْفَعَ أذاه عن أهلِه، وأمَّا الآدَمِىُّ، فالأصْلُ فيه الحُرْمَة، وحُرْمَتُه عَظِيمَة، وإنَّما أُبِيحَ (٢) لعارضٍ، فأشْبَهَ الصائِلَ مِن الحيواناتِ المُباحَةِ مِن المَأكُولاتِ، فإنَّ الحَرَمَ يَعْصِمُها. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه لا يُبايَعُ، ولا يُشارَى، ولا يُطْعَمُ، ولا يُؤْوَى، ويُقالُ له: اتَّقِ اللَّهَ واخْرُجْ إلى الحِلِّ؛ ليُسْتَوْفَى منك الحَقُّ الذى قِبَلَكَ. فإذا خَرَج اسْتُوفِىَ حَقُّ اللَّهِ منه. وهذا قولُ جميعِ مَن ذَكَرْناه. وإنَّما كان كذلك، لأنَّه لو أُطْعِمَ أو أُوِىَ، لتَمَكَّنَ مِن الإِقامَةِ دائِمًا، فيضِيعُ الحَقُّ الذى عليه، وإذا مُنِعَ مِن ذلك، كان وسيلةً إلى خُرُوجِه فيُقامُ فيه حَقُّ اللَّهِ تعالى. وليس علينا إطْعامُه، كما أنَّ الصَّيْدَ لا يُصادُ في الحَرَمِ، وليس علينا القيامُ به. قال ابنُ عباسٍ، ﵀: مَن أصابَ حَدًّا، فلَجَأ إلى الحَرَمِ، فإنَّه لا يُجَالَسُ، ولا يُبايَعُ، ولا يُؤْوَى، ويَأتِيه الذى. يَطْلُبُه، فيقولُ: أىْ فلانُ، اتَّقِ اللَّهَ. فإذا خَرَج مِن الحَرَمِ، أُقِيمَ عليه الحَدُّ. رَواه الأثرَمُ (٣). فإن قَتَل مَن له
стр. 12822
وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِى الْحَرَمِ، اسْتُوفِىَ مِنْهُ فِيهِ.
ــ
عليه قِصاصٌ في الحَرَمِ، أو أقامَ حَدًّا بجَلْدٍ أو قَتْلٍ أو قَطْعِ طَرَفٍ، أساءَ، ولا شئَ عليه؛ لأنَّه اسْتَوْفَى حَقَّه (١) في حالٍ لم يَكُنْ له اسْتِيفاؤه فيه، فأشْبَهَ ما لو اقْتَصَّ في حَرٍّ شَدِيدٍ أو بَرْدٍ مُفْرِطٍ.
٤٣٩٦ - مسألة: (وإن فَعَل ذلكَ في الحَرَمِ، اسْتُوفِىَ منه فيه) وجملةُ ذلك، أنَّ مَن انْتَهَكَ حُرْمَةَ الحَرَمِ (٢)، بجِنايَةٍ فيه تُوجِبُ حدًّا أو قِصاصًا، فإنَّه يُقامُ عليه [الحَدُّ فيه] (٣)، لا نعلمُ فيه خِلافًا. وقد روَى الأَثْرَمُ بإسْنادِه عن ابنِ عباسٍ، أنَّه قال: مَن أحْدَثَ حَدَثًا في الحَرَمِ، أُقِيمَ عليه ما أحْدَثَ فيه مِن شئٍ (٤). وقد أَمَرَ اللَّهُ تعالى بقتالِ (٢) مَن قاتَلَ في الحَرَمِ، فقال تَعالى: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ (٥). فأباحَ قَتْلَهم عندَ قِتالِهم
стр. 12823
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في الحَرَمِ، ولأَنَّ أهلَ الحَرَم يَحْتاجُون إلى الزَّجْرِ عن ارْتِكابِ المعاصِى كغيرِهم، حِفْظًا لأنْفُسِهم وأمَوالِهم وأعْراضِهم، فلو لم يُشْرَعِ الحَدُّ في حَقِّ مَن ارْتَكَبَ الحَدَّ في الحَرَمِ، لتَعَطَّلَتْ حُدودُ اللَّهِ تعالى في حَقِّهم، وفاتَتْ هذه المصالحُ التى لا بُدَّ منها، ولا يجوزُ الإِخْلالُ بها، ولأَنَّ الجانِىَ في الحَرَمِ هاتِكٌ لحُرْمَتِه، فلا تَنْتَهِضُ الحُرْمَةُ لتَحْريمِ دَمِه وصِيانَتِه، بمَنْزِلَةِ الجانِى في دارِ المَلِكِ، لا يُعْصَمُ لحُرْمَةِ المَلِكِ، بخِلافِ المُلْتَجِئَ إليها لجِنايةٍ صَدَرَت منه في غيرِها.
فصل: فأمَّا حَرَمُ مَدينَةِ النبى ﷺ ، فلا يَمْنَعُ إقامَةَ حَدٍّ ولا قِصاصٍ؛ لأَنَّ النَّصَّ إنَّما وَرَد في حَرَمِ اللَّهِ تعالى، وحَرَمُ المدينةِ دُونَه في الحُرْمَةِ، فلا يَصِحُّ قِياسُه عليه. وكذلك سائِرُ البِقاعِ، لا تَمْنَعُ مِن اسْتِيفاءِ حَقٍّ، ولا إقامَةِ حَدٍّ؛ لأَنَّ أمْرَ اللَّهِ تعالى باسْتِيفاءِ الحُقوقِ وإقامَةِ الحَدِّ مُطْلَق في الأمْكِنَةِ والأزْمِنَةِ، خَرَج منها الحَرَمُ لمَعْنًى لا يَكْفِى (١) في غيرِه؛ لأنَّه مَحَلُّ الأنْساكِ وقِبْلَةُ المسلمين، وفيه بَيْتُ اللَّه المَحْجُوجُ، وأوَّلُ بيتٍ وُضِعَ للناسِ، ومَقامُ إبراهيمَ، وآياتٌ بَيِّناتٌ، فلا يُلْحَقُ به سِواهُ، ولا يُقاسُ عليه؛ لأنَّه [لا شئَ] (٢) في مَعْناه. واللَّهُ سُبحانه أعلمُ.
стр. 12824
وَإِنْ أَتَى حَدًّا فِى الْغَزْوِ، لَمْ يُسْتَوْفَ مِنْهُ في أرضِ الْعَدُوِّ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى دَارِ الإِسْلَامِ، فَيُقَامَ عَلَيْهِ.
ــ
٤٣٩٧ - مسألة: (وإن أتَى حَدًّا في الغَزْوِ، لم يُسْتَوْفَ منه في أرضِ العَدُوِّ حتى يَرْجِعَ إلى دارِ الإِسلامِ، فيُقامَ عليه) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن أتَى حَدًّا مِن الغُزاةِ، أو ما يُوجبُ قِصاصًا، في أرضِ الحَرْبِ، لم يُقَمْ عليه حتى يَقْفُلَ، فيُقامَ عليه حَدُّه. وبهذا قال الأوْزَاعِىُّ، وإسْحاقُ. وقال
стр. 12825
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مالكٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: يُقامُ الحَدُّ في كلِّ مَوْضِعٍ؛ لأنُّ أمْرَ اللَّهِ تعالى بإقامَتِه مُطْلَقٌ في كلِّ مكانٍ وزمانٍ. إلَّا أنَّ الشافعىَّ قال: إذا لم يَكُنْ أميرُ الجيشِ الإِمامَ، أو أميرَ إقْليمٍ، فليس له إقامَتُه، ويُؤَخَّرُ حتى يأْتىَ الإِمامَ؛ لأَنَّ إقامةَ الحُدُودِ إليه، وكذلك إن كان بالمسلمين حاجَةٌ إلى المَحْدُودِ، أو قُوَّةٌ به، أو شُغْلٌ عنه، أُخِّرَ. وقال أبو حنيفةَ: لا حَدَّ ولا قِصاصَ في دارِ الحَرْب، ولا إذا رَجع. ولَنا، على وُجُوبِ الحَدِّ، أمْرُ اللَّهِ تعالى ورسولِه ﷺ به، وعلى تَأْخيرِه، ما روَى بُسْرُ بنُ أبى (١) أرْطاةَ، أنَّه أُتِى برجلٍ في الغَزاةِ قد سَرَق بُخْتِيَّةً (٢)، فقال: لولا أنِّى سَمِعْتُ رسول اللَّهِ ﷺ يقولُ: «لا تُقْطَعُ الأيدِى في الْغَزَاةِ». لقَطَعْتُكَ. أخْرَجَه أبو داودَ وغيرُه (٣). ولأنَّه إجْماعُ الصَّحابةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، فروَى سعيدٌ (٤) بإسْنادِه عن الأحْوَصِ بنِ حَكيمٍ، عن أبِيه، أنَّ
стр. 12826
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عمرَ كَتَب إلى النَّاسِ، أن لا يَجْلِدَنَّ أمِيرُ جَيْشٍ ولا سَرِيَّةٍ ولا رجلًا مِن المسلمين حَدًّا، وهو غازٍ، حتى يَقْطَعَ الدَّرْبَ قافِلًا؛ لِئَلَّا تَلْحَقَه حَمِيَّةُ الشَّيْطانِ، فيَلْحَقَ بالكُفَّارِ. وعن أبى الدَّرْداءِ مثلُ ذلك (١). وعن علْقَمَةَ، قال: كنَّا في جيش في أرضِ الرُّومِ، ومعنا حُذَيْفَةُ بنُ اليَمَانِ، [وعلى القومِ] (٢) الوليدُ بنُ عُقْبَةَ، فشَرِبَ الخمرَ، فأرَدْنا أن نَحُدَّه، فقال حُذَيْفَةُ: أتَحُدُّونَ أمِيرَكم وقد دَنَوْتُمْ مِن عَدُوِّكم، فيَطْمَعُوا فيكم (٣)؟ وأُتِى سعدٌ بأبى مِحْجَنٍ يومَ القادِسِيَّةِ، وقد شَرِب الخمرَ، فأمَرَ به إلى القَيْدِ، فلمّا الْتَقَى الناسُ قال أبو مِحْجَنٍ:
كَفَى حَزَنًا أَنْ تُطْرَدَ الخيلُ بِالْقَنا ... وأُتْرَكَ مَشْدُودًا عَلَىَّ وَثَاقِيَا (٤)
وقال لابْنَةِ خَصَفَةَ (٥) امْرأةِ سعدٍ: أطْلِقِينى، ولَكِ اللَّهُ علَىَّ إن سَلَّمَنِى اللَّهُ
стр. 12827
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أن أرْجِعَ حتى أضَعَ رِجْلِى في القيدِ، وإن قُتِلْتُ، اسْتَرَحْتُم منِّى. قال: فحَلَّتْه حينَ (١) الْتَقَى الناسُ، وكانتْ بسعدٍ جِراحَةٌ، فلم يَخرُجْ يومَئِذٍ إلى الناسِ، قال: وصَعِدُوا به فوقَ العُذَيْبِ (٢) يَنْظُرُ إلى الناسِ، واسْتَعْمَلَ على الخيلِ خالدَ بنَ عُرْفُطَةَ، فوَثَبَ أبو مِحْجَنٍ على فَرسٍ لسعدٍ يُقالُ لها البَلْقَاءُ، ثم أخَذ رُمْحًا، فجعَلَ لا يَحْمِلُ على ناحِيَةٍ مِن العَدُوِّ إلَّا هَزَمَهم، وجَعَل الناسُ يقُولُون: هذا مَلَكٌ؛ لِما يَرَوْنَه يَصْنَعُ، وجَعَل سعدٌ يقولُ: [الضَّبْرُ ضَبْرُ] (٣) البَلْقاءِ، والطَّعْنُ طَعْنُ أبى مِحْجَنٍ، وأبو مِحْجَنٍ في القَيْدِ. فلَمّا هُزِمَ العَدُوُّ، رَجَع أبو مِحْجَنٍ حتى وَضَع رِجْلَه في القَيْدِ، فأخْبَرَت ابنةُ خَصَفَةَ (٤) سعدًا بما كان مِن أمْرِه، فقال سعدٌ: لا واللَّهِ لا أضْرِبُ اليومَ رَجلًا أبْلَى اللَّهُ المسلمين على يَدَيْه (٥) ما أبْلاهُم. فَخَلَّى سَبيلَه. فقال أبو مِحْجَنٍ: قد كنتُ أشْرَبُها إذْ يُقامُ علىَّ الحَدُّ وأُطَهَّرُ منها، فأمَّا إذْ بَهْرَجْتَنِى (٦)، فواللَّهِ لا أشْرَبُها أبدًا (٧). وهذا اتِّفاقٌ لم يظْهَرْ
стр. 12828
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خِلافُه. فأمَّا إذا رَجَع، فإنَّه يُقامُ عليه الحَدُّ؛ لعُمُومِ الآياتِ والأخْبارِ، وإنَّما أُخِّرَ لعارِضٍ، كما يُؤَخَّرُ لمَرَضٍ أو شُغْل، فإذا زال العارِضُ، أُقِيمَ الحَدُّ، لوُجودِ مُقْتَضِيه، وانْتِفاءِ مُعارِضِه، ولهذا قال عمرُ: حتى يقْطَعَ الدَّرْبَ قافِلًا.
فصل: وتُقامُ الحُدودُ في الثُّغورِ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه، لأنَّها مِن بلادِ الإِسْلامِ، والحاجَةُ داعِيَةٌ إلى زَجْرِ أهْلِها، كالحاجَةِ إلى زَجْرِ غيرِهم، وقد كَتَب عمرُ إلى أبى عُبَيْدَةَ، أن يَجْلِدَ مَن شَرِب الخمرَ ثمانين، وهو بالشَّامِ (١). وهو مِن الثُّغورِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ (١). قال بعضُ أهلِ العلمِ: المرادُ بقولِه: ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ الثَّيِّبُ؛ لأَنَّ قَوْلَه: ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾. [إضَافةٌ زَوْجِيَّةٍ] (٢)، كقولِه: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (٣). ولا فائدةَ في إضَافَتِه ههُنا نعْلَمُها إلَّا اعْتِبارُ الثيُوبَةِ، ولأنَّه قد ذَكَرَ عُقُوبَتَيْن إحْداهما أغْلَظُ (٤) مِن الأُخْرَى، فكانتِ الأغْلَظُ للثيِّبِ، والأُخْرَى للبِكْرِ، كالرَّجْمِ والجَلْدِ، ثم نُسِخَ هذا بما روَى عُبادَةُ بنُ الصَّامِتِ، أنَّ النبىَّ ﷺ قال: «خُذُوا عَنِّى، خُذُوا عَنِّى، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، البِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بالثَّيِّب جَلْدُ مِائَةٍ والرَّجْمُ». رَواه مسلمٌ (٥). فإن قِيلَ: فكيفَ يُنْسَخُ القُرْآَنُ بالسُّنَّةِ؟ قُلْنا: قد ذَهَب أصحابُنا إلى جَوازِه؛ لأَنَّ الكلَّ مِن عندِ اللَّهِ، وإنِ اخْتَلَفَتْ طَرِيقُه، ومن مَنَع ذلك قال: ليس هذا نَسْخًا، إنَّما هو تَفْسِيرٌ للقُرْآنِ وتَبْيينٌ له؛ لأَنَّ النَّسْخَ رَفْعُ حُكْمٍ ظاهِرُه الإِطْلاقُ، فأمَّا ما كان مَشْرُوطًا بشَرْطٍ، وزال الشَّرْطُ، لا يكونُ نَسْخًا، وههُنا شَرَط اللَّهُ تعالى حَبْسَهُنَّ إلى أن يَجعَلَ
стр. 12831
إِذَا زَنَى الْحُرُّ الْمُحْصَنُ، فَحَدُّهُ الرَّجْمُ حَتَّى يَمُوتَ. وَهَلْ يُجْلَدُ قَبْلَ الرَّجْمَ؟ عَلَى رِوَايَتَين.
ــ
اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا، فبَيَّنَتِ السُّنَّةُ السَّبِيلَ، فكان بَيانًا لا نَسْخًا. ويُمْكِنُ أن يُقالَ: إنَّ نَسْخَه حَصَل بالقُرآنِ، فإنَّ الجَلْدَ (١) في كِتابِ اللَّهِ تَعالى، والرَّجْمَ كان فيه، فنُسِخَ رَسْمُه، وبَقِىَ حُكْمُه.
٤٣٩٨ - مسألة: (إذا زَنَى الحُرُّ المُحْصَنُ، فحَدُّه الرَّجْمُ حتى يَمُوتَ. وهل يُجْلَدُ قَبلَ الرَّجْمِ؟ على رِوايَتَيْن) الكلامُ في هذه المسألةِ في فصولٍ ثلاثةٍ:
أحدُها، في وُجوبِ الرَّجْمِ على الزَّانِى المُحْصَنِ، رجلًا كان أو امرأةً. هذا قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ مِن الصَّحابةِ، والتَّابعِين، ومَن بَعْدَهم مِن عُلَماءِ الأمْصارِ في جميعِ الأعْصارِ، ولا نَعلمُ أحدًا خالفَ فيه إلَّا الخَوارِجَ، فإنَّهم قالُوا: الجَلْدُ للبِكْرِ والثيبِ، لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٢). وقالوا (٣): لا يجوزُ تَرْكُ كتابِ اللَّهِ تعالى الثابتَ بالقَطْعِ واليَقِينِ، لأخْبارِ آحادٍ يجوزُ (٤)
стр. 12832
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الكَذِبُ فيها، ولأَنَّ هذا يُفْضِى إلى نَسْخِ الكِتابِ بالسُّنَّةِ، وهو غيرُ جائِزٍ. ولَنا، أنَّه قد ثَبَت الرَّجْمُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ بقَوْلِه وفِعْلِه، في أخْبارٍ تُشْبِهُ المُتَواتِرَ، وأجْمَعَ عليه أصحابُ رسولِ اللَّهِ ﷺ على ما نَذْكُرُه في أثْناءِ البابِ في مَواضِعِه، إن شاءَ اللَّهُ تعالى، وقد أنزَلَه اللَّهُ تَعالى في كتابِه، وإنَّما نُسِخَ رَسْمُه دُونَ حُكْمِه، فرُوِىَ عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: إنَّ اللَّهَ تعالى بَعَث محمدًا ﷺ بالحَقِّ، وأنْزَلَ عليه الكِتابَ، فكان فيما أنْزَلَ عليه آيةُ الرَّجْمِ، فقَرَأتها وعَقَلْتُها ووَعَيْتُها، ورَجَم رسولُ اللَّهِ ﷺ ، ورَجَمْنا بعدَه. فأخْشَى إن طال بالنَّاسِ زَمانٌ، يقولُ قائِلٌ: ما نَجِدُ الرَّجْمَ في كتابِ اللَّهِ. فيَضِلُّوا بتَرْكِ فَرِيضَةٍ أنْزَلَها اللَّهُ تعالى، فالرَّجْمُ حَقٌّ على مَن زَنَى إذا أحْصَنَ، مِن الرِّجال والنِّساءِ، إذا قامَت به البَيِّنَةُ، أو كان الحَبَلُ، أو الاعْتِرافُ، وقد قَرَأْتُها: (الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُما البَتَّةَ نَكَالًا مِنَ اللَّه وَاللَّهُ عَزِيرٌ حَكِيمٌ). مُتَّفقٌ
стр. 12833
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عليه (١). وأمَّا آيَةُ الجَلْدِ، فنقولُ بها، فإنَّ الزَّانِىَ يجبُ جَلْدُه، فإن كان ثَيِّبًا رُجِمَ مع الجلدِ، والآيةُ لم تَتَعَرَّضْ لنَفْيِه (٢). وإلى هذا أشارَ علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، حينَ جَلَد شُرَاحَةَ (٣)، ثم رَجَمَها، [وقال] (٤): جَلَدْتُها بكتابِ اللَّهِ، ثم رَجَمْتُها بسُنَّةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ (٥). ثم لو قُلْنا: إنَّ الثَّيِّبَ لا يُجْلَدُ. لكان هذا تَخْصِيصًا للآيَةِ العامَّةِ، وهذا سائِغٌ بغيرِ خِلافٍ، فإنَّ عُمُوماتِ القُرْآنِ في الإِثْباتِ كلَّها مُخَصَّصَةٌ. وقولُهم: إنَّ هذا نَسْخٌ. ليس بصَحِيحٍ، وإنَّما هو تَخْصِيصٌ، ثم لو كان نَسْخًا، [لكان نَسْخًا] (٦) بالآيَةِ التى ذَكَرَها عمرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وقد رَوَيْنا أنَّ رُسُلَ الخَوارِجِ جاءوا عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ، ﵀، فكانَ مِن جُمْلَةِ ما عابُوا عليه الرَّجْمُ، وقالوا: ليس في كتابِ اللَّهِ إلَّا الجَلْدُ. وقالوا: الحائِضُ أوْجَبْتُم عليها قَضاءَ الصَّوْمِ دونَ الصَّلاةِ، والصلاةُ أوْكَدُ. فقال لهم عمرُ: وأنتُم لا تَأخُذونَ إلَّا بما في كتابِ اللَّهِ؟ قالوا: نعم. قال: فأخْبِرُونِى عن عَدَدِ الصَّلَواتِ المفْرُوضاتِ، وعَدَدِ رَكَعاتِها وأرْكَانِها وواجِباتِها، أين تَجِدُونَه في كتابِ اللَّهِ؟ وأخْبِرُونِى عمَّا تجبُ الزَّكاةُ فيه، ونُصُبِها، ومَقادِيرِها؟
стр. 12834
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قالوا: أنْظِرْنا. فرَجَعُوا يَوْمَهم ذلك، فلم يَجِدوا شيئًا ممَّا سَألهم عنه في القُرْآنِ. فقالوا لم نَجِدْه في القُرْآنِ. قال: فكيفَ ذَهَبْتُم إليه؟ قالوا: لأَنَّ النبىَّ ﷺ فَعَلَه، وفَعَلَه المسلمون بعدَه. فقال لهم: فكذلك الرَّجْمُ، وقَضاءُ الصَّوْم، [فإنَّ النبىَّ ﷺ رَجَم، ورَجَم خُلَفاؤُه بعدَه والمسلمون، وأَمَر النبىُّ ﷺ بقَضاءِ الصَّوْمِ] (١) دُونَ الصَّلاةِ، وفَعَل ذلك نِساؤُه ونِساءُ أصحابِه.
إذا ثَبَت هذا، فمعْنَى الرَّجْمِ أن يُرْمَى بالحِجارَةِ وغيرِها حتى يَمُوتَ بذلك. قال ابنُ المُنْذِرِ (٢): أجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ المَرْجُومَ يُدَامُ عليه الرَّجْمُ حتى يَمُوتَ. ولأَنَّ إطلاقَ الرَّجْمِ يَقْتَضِى القَتْلَ به؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ (٣). وقد رَجَم رسولُ اللَّهِ ﷺ اليَهُودِيَّين اللَّذَيْنِ زَنَيَا، وماعِزًا، والغامِدِيَّةَ، حتى ماتوا (٤).
الفصلُ الثانى: أنَّه يُجْلَدُ، ثم يُرْجَمُ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن. فَعَل ذلك علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وبه قال ابنُ عباسٍ، وأُبَى بنُ كَعْبٍ، وأبو ذَرٍّ،
стр. 12835
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رَضِىَ اللَّهُ عنهم. واخْتارَه [وذَكَر ذلك أبو بَكرٍ عبدُ العزيزِ عنهم] (١). وبه قال الحسنُ، وداودُ، وابنُ المُنْذِرِ. والرِّوايةُ الثَّانِيَةُ، يُرْجَمُ ولا يُجْلَدُ. رُوِى عن عمرَ وعثمانَ، أنَّهما رَجَما ولم يَجْلِدا. ورُوِىَ عن ابنِ مسعودٍ أنَّه قال: إذا اجْتَمَعَ حَدَّانِ للَّهِ، فيهما القَتْلُ، أحاطَ القَتْلُ بذلك (٢). وبهذا قال النَّخَعِىُّ، والزُّهْرِىُّ، والأوْزَاعِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى. واخْتارَه أبو إسحاقَ الجُوزْجَانِىُّ و [أبو بكرٍ] (٣) الأَثْرَمُ، ونَصَراه في «سُنَنِهما»، لأَنَّ جابرًا روَى أنَّ النبىَّ ﷺ رَجَم ماعِزًا ولم يَجْلِدْه (٤)، ورَجَمَ الغامِدِيَّةَ ولم يَجْلِدْها. وقال: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إلى امْرَأةِ هذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا». مُتَّفَقٌ عليه (٥). ولم يَأمُرْه بجَلْدِها، وكان هذا آخِرَ الأَمْرَيْن مِن رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فيَجِبُ تَقْدِيمُه. قال الأَثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللَّهِ يقولُ في حديثِ عُبادَةَ: إنَّه أوَّلُ حَدٍّ (٦) نَزَلَ، وإنَّ حديثَ ماعِزٍ بعدَه، رَجَمَه رسولُ اللَّهِ ﷺ ولم يَجْلِدْه، وعمرُ رَجَم ولم يَجْلِدْ. ونَقَل عنه إسماعيلُ بنُ سعيدٍ
стр. 12836
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نحوَ هذا. ولأنَّه حَدٌّ فيه قَتْلٌ، فلم يَجْتَمِعْ معه جَلْدٌ، كالرِّدَّةِ، ولأَنَّ الحُدُودَ إذا اجْتَمَعَتْ وفيها قَتْلٌ، سَقَط ما سِواهُ، فالحَدُّ الواحِدُ أَوْلَى. ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأُولَى قولُه تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (١). وهذا عامٌّ، ثم جاءتِ السُّنَّةُ بالرَّجْمِ في حَقِّ الثَّيِّبِ، والتَّغْرِيبِ (٢) في حَقِّ البِكْرِ، فوَجَبَ الجمعُ بينَهما. وإلى هذا أشارَ علىٌّ بقولِه: جَلَدْتُها بكتابِ اللَّهِ، ورَجَمْتُها بسُنَّةِ رسولِ اللَّهِ. وقد صَرَّحَ النبىُّ ﷺ بقوْلِه في حديثِ عُبادَةَ: «والثَّيِّبُ بالثَّيِّبِ، الْجَلْدُ والرَّجْمُ» (٣). وهذا الصَّريحُ الثابِتُ بيَقِينٍ لا يُتْرَكُ إلَّا بمِثْلِه، والأحادِيثُ الباقِيَة ليست صَرِيحةً، فإنَّه ذَكَر الرَّجْمَ ولم يَذْكُرِ الجَلْدَ، فلا يُعارَضُ به الصَّرِيحُ، بدليلِ أنَّ التَّغْرِيبَ يجبُ بذِكْرِه في هذا الحديثِ، وليس بمَذْكُورٍ في الآيَةِ، ولأنَّه زانٍ، فَيُجْلَدُ كالبِكْرِ، ولأنَّه قد شُرِعَ في حَقِّ البِكرِ عُقوبَتانِ؛ الجَلْدُ، والتَّغْرِيبُ، فيكونُ الرجمُ (٤) مكانَ التَّغْرِيبِ. فعلى هذه الرِّوايةِ، يَبْدأُ بالجَلْدِ أوَّلًا، ثم يَرْجُمُ، فإن وَالَى بينَهما جاز؛ لأَنَّ إتْلافَه مقصودٌ، فلا تَضُرُّ المُوالاةُ بينَهما، وإن جَلَدَه يومًا ثم رَجَمَه في آخَرَ، جاز، كما فَعَل علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، جَلَد شُراحَةَ يومَ الخميسِ، ثم رَجَمَها يومَ الجُمُعةِ.
стр. 12837
وَالْمُحْصَنُ مَنْ وَطِئَ امْرَأَتَهُ فِى قُبُلِهَا، فِى نِكَاحٍ صَحِيحٍ، وَهُمَا بَالِغَانِ عَاقِلَانِ حُرَّانِ، فَإِنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ ذَلِكَ فِى أحَدِهِمَا، فَلَا إِحْصَانَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَلَا يَثْبُتُ الإِحْصَانُ بِالْوَطْءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ، وَلَا فِى نِكَاحٍ فَاسِدٍ.
ــ
الفصلُ الثالثُ: أنَّ الرَّجْمَ لا يَجِبُ إلَّا على المُحْصَنِ، بإجْماعِ أهلِ العلمِ. وفى حديثِ عمرَ: إنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ (١) على مَن زَنَى وقد أحْصَنَ (٢): وقال النبىُّ ﷺ : «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بإحْدَى ثَلَاثٍ». ذكَرَ منها: «أَوْ زِنًى بَعْدَ إحْصَانٍ» (٣).
٤٣٩٩ - مسألة: (والمُحْصَنُ مَن وَطِئَ امرأتَه في قُبُلِها، في نِكاحٍ صَحِيحٍ، وهُما بالِغان عاقِلان حُرَّانِ، فإنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ منها، فلا إحْصانَ لواحِدٍ منهما. ولا يَثْبُتُ الإِحْصانُ بالوَطْءِ بمِلْكِ اليَمِينِ، ولا في نِكاحٍ فاسِدٍ) يُشْتَرَطُ للإِحْصانِ شُروطٌ سبعةٌ؛ أحدُها، الوَطْءُ في القُبُلِ، ولا خلافَ في اشْتِراطِه؛ لأَنَّ النبىَّ ﷺ قال: «وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ، الجَلْدُ والرَّجْمُ». والثِّيابَةُ تَحْصُلُ بالوَطْءِ في القُبُلِ، فوَجَب
стр. 12838
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اعْتِبارُه. ولا خِلافَ في أنَّ النِّكاحَ الخالِىَ عن الوَطْءِ، لا يَحْصُلُ به إحْصانٌ، سَواءٌ حَصَلَتْ فيه خَلْوَةٌ، أو وَطْءٌ فيما دُون الفَرْجِ، أو في الدُّبُرِ، أو لم يَحْصُلْ شئٌ مِن ذلك، لأَنَّ هذا لا تَصِيرُ به المرأةُ ثَيِّبًا، ولا تَخْرُجُ به عن حَدِّ الأبْكارِ، الذينَ حَدُّهم جَلْدُ مائةٍ وتَغْرِيبُ عامٍ، بمُقْتَضَى الخَبَرِ، ولا بُدَّ أن يكونَ وَطْئًا حَصَل به تَغْيِيبُ الحَشَفَةِ في الفَرْجِ؛ لأَنَّ ذلك الوَطْءُ الذى تَتَعَلَّقُ به أحْكامُه. الثانى، أن يكونَ في نِكاحٍ، لأَنَّ النِّكاحَ يُسَمَّى إحْصانًا، بدَليلِ قولِه تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (١). يعنى المُتَزَوِّجاتِ. ولا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ في أنَّ وَطْءَ الزِّنى، ووَطْءَ الشُّبْهَةِ، لا يَصِيرُ به الوَاطِئُ (٢) مُحْصَنًا. ولا نَعْلَمُ خِلافًا في أنَّ التَّسَرِّىَ لا يَحْصُلُ به الإِحْصانُ لواحدٍ منهما، لكَوْنِه ليس بنِكاحٍ، ولا تَثْبُتُ فيه أحْكامُه. الثالثُ، أن يكونَ
стр. 12839
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النِّكاحُ صَحِيحًا. وهو قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم عَطاءٌ، وقَتادَةُ، ومالِكٌ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى. وقال أبو ثَوْرٍ: يَحْصُلُ الإِحْصانُ بالوَطْءِ في نِكاحٍ فاسِدٍ. وحُكِىَ ذلك عن اللَّيْثِ، والأوْزَاعِىِّ؛ لأَنَّ الصَّحِيحَ والفاسِدَ سَواءٌ في أكثرِ الأحْكام، مِن وُجُوبِ المَهْرِ والعِدَّةِ، وتَحْرِيمِ الرَّبِيبَةِ وأُمِّ المرأةِ، ولَحاقِ الوَلَدِ، فكذلك في الإِحْصانِ. ولَنا، أنَّه وَطْءٌ في غيرِ مِلْكٍ، فلم يَحْصُلْ به الإِحْصانُ، كوَطْءِ الشُّبْهَةِ، ولا نُسَلِّمُ ثُبوتَ ما ذَكَرُوه مِن الأحْكامِ، وإنَّما ثَبَت بالوَطْءِ فيه، وهذه ثَبَتَتْ في كلِّ وَطءٍ، وليست مُخْتَصَّةً بالنِّكاحِ، إلَّا أنَّ النِّكاحَ ههُنا صارَ شُبْهَةً، فصارَ الوَطْءُ فيه كوَطْءِ الشُّبْهَةِ سَواءً. الرابعُ، الحُرِّيَّةُ، وهى شَرْطٌ في قولِ جميعِ أَهْلِ العلمِ، إلَّا أبا ثَوْرٍ، قال: العَبْدُ والأمَةُ هما مُحْصَنان، يُرْجَمانِ إذا زَنَيا، إلَّا أن يكونَ الإِجْماعُ يخالِفُ ذلك. وحُكِىَ عن الأوْزَاعِىِّ في العبدِ تحتَه حُرَّةٌ: هو مُحْصَنٌ، يُرْجَمُ إذا زَنَى، وإن كان تحتَه أمَةٌ، لم يُرْجَمْ. وهذه أقْوالٌ تخالفُ النَّصَّ والإِجْماعَ، فإنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (١). والرَّجْمُ لا يَتَنَصَّفُ، وإيجابُه كلُّه يُخالِفُ النَّصَّ مع
стр. 12840
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُخالَفةِ الإجْماعِ المُنْعَقِدِ قبلَه، إلَّا أن يكونَ إذا عَتَقا (١) بعدَ الإِصابةِ، فهذا فيه اخْتِلافٌ سنَذْكُرُه إن شاءَ اللَّهُ. وقد وافَقَ الأوْزَاعِىُّ على أنَّ العَبْدَ إذا وَطِئَ الأمَةَ، ثم عَتَقَا (١)، لم يَصِيرا مُحْصَنَيْن، وهو قولُ الجُمهورِ، وزاد فقال في المَمْلوكَيْن إذا عَتَقا وهما مُتَزَوِّجان، ثم وَطِئَها الزَّوْجُ: لا يَصِيران مُحْصنَيْن بذلك الوَطْءِ (٢). وهذا أيضًا قولٌ شاذٌّ، خالفَ أهلَ العلمِ به، فإنَّ الوَطْءَ وُجِدَ منهما حالَ كَمالِهما، فحصَّنَهما، كالصَّبِيَّين (٣) إذا بَلَغا. الشَّرْطُ الخامسُ والسادِسُ، البُلُوغُ والعقلُ، فلو وَطِئَ وهو صَبِىٌّ أو مجنونٌ، ثم بَلَغ أو عَقَل، لم يَكُنْ مُحْصَنًا. هذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ، وقولُ الشافعىِّ. ومِن أصحابِه مَن قال: يَصِيرُ مُحْصَنًا، وكذلك العَبْدُ إذا وَطِئَ، ثم عَتَقَ، يصيرُ مُحْصَنًا؛ لأَنَّ هذا وَطْءٌ يَحْصُلُ به الإحْلالُ للمُطَلِّقِ ثلاثًا، فحصلَ به الإِحْصانُ، كالموجودِ حالَ الكَمالِ. ولَنا، قولُه، ﵇: «وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ، جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ». فاعْتَبَرَ الثُّيُوبَةَ خاصَّةً، ولو كانت تَحْصُلُ قبلَ ذلك، لَكان يجبُ عليه الرَّجْمُ قبلَ بُلُوغِه وعَقْلِه، وهو خِلافُ الإِجْماعِ، ويُفارِقُ
стр. 12841
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الإِحْصانُ الإِحْلالَ؛ لأَنَّ اعْتِبارَ الوَطْءِ في حَقِّ المُطَلِّقِ، يَحْتَمِلُ أن يكونَ عُقُوبَةً له، بتَحْرِيمِها عليه حتى يَطَأَها غيرُه، لأَنَّ هذا ممّا تَأْباه الطِّباعُ ويَشُقُّ على النُّفُوسِ، فاعْتَبَرَه الشارِعُ زَجْرًا عن الطَّلاقِ الثَّلاثِ، وهذا يَسْتَوِى فيه العاقِلُ والمجْنونُ، بخِلافِ الإِحْصانِ، فإنَّه اعْتُبِرَ لكَمالِ النِّعْمَةِ، فإنَّ مَن كَمَلَتِ النِّعْمَةُ في حَقِّه، كانت جِنايتُه أفْحَشَ وأحَقَّ بزيادَةِ العُقُوبةِ، والنِّعْمَةُ في العاقِلِ البالِغِ أكمَلُ. الشَّرْطُ السابعُ، أن يُوجَدَ الكَمالُ فيهما جميعًا حالَ الوَطْءِ، فيَطَأُ الرجلُ العاقِلُ الحُرُّ امرأةً عاقِلةً حُرَّةً. وهذا قولُ أبى حنيفةَ وأصحابِه. ونحوُه قولُ عَطاءٍ، والحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، والنَّخَعِىِّ، وقَتادَةَ، والثَّوْرِىِّ، وإسْحاق. قالُوه في الرَّقيقِ. وقال مالكٌ: إذا كان أحدُهما كامِلًا صار مُحْصَنًا، إلَّا الصَّبِىَّ إذا وَطِئَ الكبيرةَ، لم يُحْصِنْها. ونحوُه عن الأوْزَاعِىِّ. واخْتُلِفَ عن الشافعىِّ، فقِيلَ: له قَوْلان؛ أحدُهما، كقَوْلِنا. والثانى، أنَّ الكامِلَ يَصِيرُ مُحْصَنًا. وهو قولُ ابنِ المُنْذِرِ. وذَكَرَ ابنُ أبى موسى نحوَ ذلك في «الإِرْشَادِ» فقال: إذا وَطِئَ الحُرُّ البالغُ حُرَّةً صغيرةً في نِكاحٍ صحيحٍ، صار مُحْصَنًا دُونَها، وإذا وَطِئَ الصَّبِىُّ الحُرُّ الصَّغيرُ الكبيرةَ، صارَتْ مُحْصَنَةً دُونَه، كما أنَّه لا (١) يجبُ على الصَّغيرِ الحَدُّ، ويجبُ على الكبيرِ. ولَنا، أنَّه وَطْءٌ لم يُحْصِنْ أحَدَ المُتَواطِئَيْن، فلم يُحْصنِ الآخَرَ، كالتَّسَرِّى، ولأنَّه متى
стр. 12842
وَيَثْبُتُ الإحْصَانُ لِلذِّمِّيِّيَّن. وَهَلْ تُحْصِنُ الذِّمِّيَّةُ مُسْلِمًا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنَ.
ــ
كان أحدُهما ناقِصًا، لم يَكْمُلِ الوَطْءُ (١)، فلا يَحْصُلُ به الإِحْصانُ، كما لو كانا غيرَ كامِلَيْن، وبهذا فارَق ما قاسُوا عليه.
٤٤٠٠ - مسألة: (ويَثْبُتُ الإِحْصانُ للذِّمِّيَّيْن. وهل تُحْصِنُ الذِّمِّيَّةُ مسلمًا؟ على رِوايَتَيْن) لا يُشْتَرَطُ الإِسْلامُ في الإِحْصانِ. وبه قال الزُّهْرِىُّ، والشافعىُّ. فعلى هذا، يكونُ الذِّمِّيّان مُحْصَنَيْن، فإن تَزَوَّجَ المسلمُ ذِمِّيَّةً فوَطِئَها، صارا مُحْصَنَيْن. وفيه رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّ الذِّمِّيَّةَ لا تُحْصِنُ المسلمَ. وقال عَطاءٌ، والنَّخَعِىُّ، والشَّعْبِىُّ، ومُجاهِدٌ، والثَّوْرِىُّ: هو شَرْطٌ في الإحْصانِ، فلا (٢) يكونُ الكافِرُ مُحْصَنًا، ولا تُحْصِنُ الذِّميَّةُ مسلمًا؛ لأَنَّ ابنَ عمرَ رَوَى أنَّ النبىَّ ﷺ قال: «مَنْ أشْرَكَ بِاللَّهِ، فَلَيْسَ بِمُحْصَنٍ» (٣). ولأنَّه إحْصانٌ مِن شَرْطِه (٤) الحُرِّيَّةُ،
стр. 12843
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فكان الإِسلامُ شَرْطًا فيه، كإِحْصانِ القَذْفِ. وقال مالكٌ كقولِهِم، إلَّا أنَّ الذِّمِّيَّةَ تُحْصِنُ المسلمَ، يِناءً على أصْلِه في أنَّه لا يَعْتَبِرُ الكمالَ في الزَّوْجَيْن، ويَنْبَغِى أن يكونَ ذلك قولًا للشافعىِّ. ولَنا، ما رَوَى [مالِكٌ، عن] (١) نافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه قال: جاء اليهودُ إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فذَكَرُوا له أنَّ رجلًا وامرأةً زَنَيا. وذَكَر الحديثَ، فأمَرَ بهما رسولُ اللَّهِ ﷺ فرُجِما. مُتَّفَقٌ عليه (٢). ولأَنَّ الجِنايَةَ بالزِّنَى اسْتَوَتْ مِنِ المسلمِ والذِّمِّىِّ، فيَجِبُ أن يَسْتَويا في الحَدِّ. وحديثُهم لم يَصِحَّ، ولا نعْرفُه في مُسْنَدٍ (٣). وقِيلَ: هو مَوْقُوفٌ على ابنِ عمرَ. ثم يَتَعَيَّنُ حَمْلُه على إحْصانِ القَذْفِ، جَمْعًا بينَ الحَدِيثَيْن، فإنَّ راوِيَهما واحِدٌ، وحديثُنا صريحٌ في الرَّجْمِ، فيَتَعَيَّنُ حَمْلُ خَبَرِهم على الإِحْصانِ الآخَرِ. فإن قالوا (٤): إنَّما رَجَم رسولُ اللَّه ﷺ اليَهودِيَّين بحُكْمِ التَّوْراةِ، بدليلِ أنَّه
стр. 12844
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
راجَعَها، فلمَّا تَبَيَّنَ له أنَّ ذلك حكمُ اللَّهِ تعالى عليهم، أقامَه فيهم، وفيها أنزلَ اللَّهُ سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ (١). قلنا: إنَّما حَكَم عليهم بما أنْزَلَ اللَّهُ إليه، بدليلِ قولِه تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (٢). ولأنَّه لا يَسُوغُ للنبىِّ ﷺ الحُكْمُ بغيرِ شَرِيعَتِه، ولو ساغ ذلك له ساغ لغيرِه، وإنَّما راجَعَ التَّوْراةَ لتَعْرِيفِهم أنَّ حُكْمَ التَّوْراةِ مُوافِقٌ لِما يَحْكُمُ به عليهم، وأنَّهم تارِكُونَ شَرِيعَتَهم، مُخالِفُون لحُكْمِهِم. ثم هذا حُجَّةٌ لنا، فإنَّ حكمَ اللَّهِ في وُجوبِ الرَّجْمِ إن كان ثابتًا في حَقِّهم يجبُ أن يُحْكَمَ به عليهم، فقد ثَبَت وُجودُ الإِحْصانِ فيهم، فإنَّه لا مَعْنى له سِوَى وُجوبِ الرَّجْمِ على مَن زَنَى منهم بعدَ وُجودِ شُروطِ الإحْصانِ فيه، وإن مَنَعُوا ثُبوت الحكمِ في حَقِّهم، [فَلِمَ حَكَم] (٣) به النبىُّ ﷺ ؟ ولا يَصِحُّ القِياسُ على إحْصانِ القَذْفِ؛ لأَنَّ مِن شَرْطِه العِفَّةَ، وليست شَرْطًا ههُنا.
стр. 12845
وَلَوْ كَانَ لِرَجُلٍ وَلَدٌ مِنَ امْرأتِهِ فَقَالَ: مَا وَطِئْتُهَا. لَمْ يَثْبُتْ إِحْصَانُهُ.
ــ
٤٤٠١ - مسألة: (وإن كان لرجلٍ وَلَدٌ مِن امرأتِه فقال: مَا وَطِئتُها. لم يَثْبُتْ إحْصَانُه) ولا يُرْجَمُ إذا زَنَى. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: يُرْجَمُ؛ لأَنَّ الوَلَدَ لا يكونُ إلَّا مِن وَطْءٍ. فقد حَكَم بالوَطْءِ ضَرُورةَ الحُكْمِ بالوَلَدِ. ولَنا، أنَّ الوَلدَ يُلْحَقُ بإمْكانِ الوَطْءِ واحْتِمالِه، والإِحْصانُ لا يَثْبُتُ إلَّا بحَقِيقَةِ الوَطْءِ (١)، فلا يَلْزَمُ مِن ثُبُوتِ ما يُكْتَفَى فيه بالإِمْكانِ وُجُودُ ما تُعْتَبَرُ فيه الحَقِيقةُ. وهو أحقُّ الناسِ بهذا، فإنه قال: لو تَزَوَّجَ امرأةً بحَضرَةِ الحاكمِ في مجلِسِه، ثم طَلَّقَها فيه، فأتَتْ بوَلَدٍ، لَحِقَه. مع العلمِ بأنَّه لم يَطَأها في الزَّوْجيَّةِ، فكيفَ يُحْكَمُ بحَقِيقةِ الوَطْءِ مع تحَقُّقِ انْتِفائِه! وهكذا لو كان لامرأَةٍ وَلَدٌ من زَوْجٍ، فأنْكَرَتْ أن يكون وَطِئها، لم يَثْبُتْ إحْصانُها لذلك.
فصل: ولو شَهِدَتْ بَيِّنةُ الإِحْصانِ أنَّه دَخَل بزَوْجَتِه، فقال أصحابُنا: يَثْبتُ الإِحْصانُ به؛ لأَنَّ المَفْهومَ مِن لفظِ الدُّخُولِ كالمَفْهومِ من لَفْظِ المُجامَعَةِ. وقال محمد بنُ الحسنِ: لا يُكْتَفَى به حتى [تقولَ: جامَعَها. أو: باضَعَها] (٢). أو نحوَها؛ لأَنَّ الدُّخولَ يُطْلَقُ على الخَلْوَةِ
стр. 12846
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بها، ولهذا تثْبُتُ بها أحكامُه. قال شيخُنا (١): وهذا أصَحُّ القَوْلَيْن، إن شاء اللَّه تعالى. أمَّا إذا قالت: جامَعَها. أو: باضَعَها. أو نحوَه. فلا نعلمُ خِلافًا في ثُبُوتِ الإِحْصانِ، وكذلك يَنْبَغِى إذا قالتْ: وَطِئَها. وإن قالتْ: باشَرَها. أو: مَسَّها. أو: أصابَها. أو: أتاها. فيَنْبَغِى أن لا يَثْبُتَ به الإِحْصانُ؛ لأَنَّ هذا يُسْتَعْمَلُ فيما دُونَ الجماعِ في الفَرْجِ كثيرًا، فلا يَثْبُتُ به الإِحْصانُ الذى يَنْدَرِئُ بالاحْتِمالِ.
فصل: وإذا جُلِدَ الزَّانِى على أنَّه بكْرٌ، ثم بان مُحْصَنًا، رُجِمَ؛ لِما رَوَى جابرٌ، أنَّ رجلًا زَنَى بامرأةٍ، فأمَرَ به رسولُ اللَّهِ ﷺ فجُلِدَ الحَدَّ، ثُمَّ أُخْبِرَ أنَّه مُحْصَنٌ، فرُجِمَ. رَواه أبو داودَ (٢). ولأنَّه إن وَجَب الجمعُ بينَهما، فقد أتَى ببعضِ الواجبِ، فيجبُ إتْمامُه، وإن لم يجبِ الجمعُ بينَهما، تَبَيَّنَ أنَّه لم يَأْتِ بالحدِّ الواجِبِ.
فصل: وإذا رُجِمَ الزَّانِيان، غُسِّلا، وصُلِّى عليهما، ودُفِنا إذا كانا مسلمَيْن. أمَّا غَسْلُهما ودَفْنُهما، فلا خِلافَ فيه بين أهلِ العلمِ، وأكثرُ أهلِ العلمِ يَرَوْنَ الصلاةَ عليهما. قال الإِمامُ أحمدُ: سُئِلَ علىٌّ عن شُراحَةَ، وكانَ رَجَمَها، فقال: اصْنَعُوا بها ما تَصْنَعُونَ بمَوْتاكم. وصلَّى علىٌّ
стр. 12847
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عليها (١). وقال مالكٌ: مَن قَتَله الإِمامُ في حَدٍّ، فلا يُصَلَّى عليه؛ لأَنَّ جابِرًا قال في حديثِ ماعِز: فرُجِمَ حتى ماتَ، فقال له النبىُّ ﷺ خيرًا، ولم يُصَلِّ عليه. مُتَّفَقٌ عليه (٢). ووَجْهُ الأَوَّلِ ما رَوَى أبو داودَ (٣)، بإسْنادِه، عن عِمْرانَ بنِ الحُصَيْنِ، في حديثِ الجُهَنِيَّةِ: فأمرَ بها النبىُّ ﷺ فرُجِمَتْ، ثم أمَرَهم فصَلَّوا عليها، فقال عمَرُ: يا رسولَ اللَّهِ تُصَلِّى عليها وقد زَنَتْ؟ فقال: «والَّذِى نَفْسِى بيَدِه، لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً، لَوْ قُسِمَت بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أهلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وهَلْ وَجَدْتَ أفْضَلَ مِن أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا؟». ورَواه التِّرْمِذِىُّ، وفيه: فرُجمَتْ، وصَلَّى عليها. وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ (٣). وقال النبىُّ ﷺ : «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ: لَا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ» (٤). ولأنَّه مسلم لو فاتَ قبلَ الحَدِّ صُلِّىَ عليه، فيُصَلَّى عليه
стр. 12848
وَإِنْ زَنَى الْحُرُّ غَيْرُ الْمُحْصَنِ، جُلِدَ مِائَةَ جَلْدَةٍ، وَغُرِّبَ عَامًا إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ.
ــ
بعدَه، كالسَّارِقِ. وأمَّا حديثُ ماعِزٍ، فيَحْتَمِلُ أنَّ النبىَّ ﷺ لم يحْضُرْه، أو اشْتَغَلَ عنه بأمْرٍ، أو غيرِ ذلك، فلا يُعارِضُ ما رَوَيْناه.
٤٤٠٢ - مسألة: (وإن زَنَى الحُرُّ غيرُ المُحْصَنِ، جُلِدَ مِائَةً، وغُرِّبَ عامًا إلى مَسافَةِ القَصْرِ) [ وإن كان ثَيِّبًا] (١). ولا خِلافَ في وُجُوبِ الجَلْدِ على الزَّانِى إذا لم يَكُنْ مُحْصَنًا، وقد جاء بَيانُ ذلك في كتابِ اللَّهِ تعالى، بقولِه : ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٢). وجاءتِ الأحاديثُ عن النبىِّ ﷺ مُوافِقَةً لِما جاء به الكتابُ. ويجبُ مع الجَلْدِ تَغْرِيبُه عامًا، في قولِ الجُمْهورِ. رُوِىَ ذلك عن الخُلَفاءِ الرَّاشِدينَ، وعن أُبَىٍّ، وأبى ذَرٍّ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم. وإليه ذَهَب عَطاءٌ، وطاوُسٌ، وابنُ أبى لَيْلى، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. وقال مالكٌ، والأوْزَاعِىُّ: يُغَرَّبُ الرَّجلُ دونَ المرأةِ؛ لأَنَّ المرأةَ تَحْتاجُ إلى حِفْظٍ وصِيانةٍ، ولأنَّها لا تَخْلُو مِن التَّغْرِيبِ بمَحْرَمٍ أو بغيرِ مَحْرَمٍ، لا يجوزُ بغيرِ محْرَمٍ؛ لقولِ رسولِ اللَّهِ ﷺ : «لَا يَحِلُّ لامْرَأةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ
стр. 12849
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَلَيْلَةٍ، إلَّا مَعَ ذِى مَحْرَمٍ» (١). ولأَنَّ تَغْرِيبَها بغيرِ مَحْرَم إغْراءٌ لها بالفُجُورِ، وتضْيِيعٌ لها، وإن غُرِّبَتْ بمَحْرَمٍ، أفْضَى إلى تَغْرِيبِ مَن ليس بزانٍ، ونَفْىِ مَن لا ذَنْبَ له، وإن كُلِّفَتْ أُجْرَتَه، ففى ذلك زيادةٌ على عقوبَتِها بما لم يَرِدِ الشَّرْعُ به، كما لو زادَ ذلك على الرجلِ، والخبرُ الخاصُّ في (٢) التَّغْرِيبِ إنَّما هو في حَقِّ الرجلِ، وكذلك فَعَل الصحابةُ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، والعامُّ يجوزُ تخْصِيصُه؛ لأنَّه يَلْزَمُ مِن العملِ بعُمُومِه مُخالفةُ مَفْهُومِه، فإنَّه دَلَّ بمَفْهُومِه على أنَّه ليس على الزَّانِى أكثرُ من العُقُوبَةِ المَذْكُورَةِ فيه، وإيجابُ التَّغْرِيبِ على المرأةِ، يَلْزَمُ منه الزِّيادةُ على ذلك، وفَواتُ حِكْمَتِه (٣)؛ لأَنَّ الحَدَّ وَجَب زَجْرًا عن الزِّنَى (٤)، وفى تَغْريبِها إغْراءٌ به، وتَمْكِينٌ منه، مع أنَّه قد يُخَصَّصُ في حَقِّ الثَّيِّبِ بإسْقاطِ الجَلْدِ (٥) في قولِ الأَكْثَرِين، فتَخْصِيصُه ههُنا أوْلَى. وقال أبو حنيفةَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ: لا يَجِبُ التَّغْرِيبُ؛ لأَنَّ عليًّا، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: حَسْبُهما مِن الفِتْنَةِ أن يُنْفيا (٦). وعنِ ابنِ المُسَيَّبِ، أنَّ عمرَ غَرَّبَ رَبِيعةَ ابنَ أُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ في الخمرِ إلى خيْبَرَ (٧)، فلَحِقَ بهِرَقْلَ فتَنَصَّرَ، فقال
стр. 12850
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عُمَرُ: لا أُغَرِّبُ مسلمًا بعدَ هذا أبدًا (١). ولأَنَّ اللَّهَ تعالى أمَر بالجَلْدِ دُونَ التَّغْرِيبِ، فإيجابُ التَّغْرِيبِ زيادةٌ على النَّصِّ. ولَنا، قولُ النبىِّ ﷺ : «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ، جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عَامٍ» (٢). ورَوَى أبو هُرَيْرَةَ، وزيدُ ابنُ خالدٍ، أنَّ رجلَيْن اخْتَصَما إلى رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فقال أحدُهما: إنَّ ابنى كان عَسِيفًا على هذا، فَزنَى بامْرأتِه، وإنَّنِى افْتَدَيْتُ منه بمائةِ شاةٍ ووَلِيدَةٍ، فسألتُ رِجالًا مِن أهلِ العلمِ، فقالوا: إنَّما على ابْنِكَ جلدُ مائةٍ وتَغْرِيبُ عام، والرَّجْمُ على امْرَأةِ هذا. فقال النبىُّ ﷺ : «وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بكِتَابِ اللَّهِ، عَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وتَغْرِيبُ عَامٍ». وجَلَد ابنَه مِائَةً (٣)، وغرَّبَه عامًا، وأمَر أُنَيْسًا الأَسْلَمِىَّ يأتِى امْرَأةَ الآخَرِ، فإنِ اعْتَرَفَتْ رَجَمَها، فاعْتَرَفَتْ، فرَجَمَها. مُتَّفَقٌ عليه (٤). وفى الحديثِ: فسألْتُ رجالًا مِن أهلِ العلمِ، فقالُوا: إنَّما على ابْنِكَ جَلْدُ مِائةٍ وتَغْرِيبُ عام. وهذا يَدُلُّ على أنَّ هذا كان مَشْهُورًا عندَهم، مِن حُكْمِ اللَّهِ، وقَضاءِ رسولِه ﷺ . وقد قِيلَ: إنَّ الَّذى قال له (٥) هذا أبو بكرٍ وعُمَرُ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما. ولأَنَّ التَّغْرِيبَ فَعَله الخلفاءُ الراشدون، ولا نعْرفُ لهم في الصَّحابةِ مُخالِفًا، فكان إجْماعًا، ولأَنَّ