← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 13021–13060 · переход к 13026.

стр. 13021

وَهَلْ يَجِبُ الْحَدُّ بِوُجُودِ الرَّائِحَةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. ــ فصل: ولا يجبُ الحَدُّ حتى يَثْبُتَ شُرْبُه بأحَدِ شَيْئَيْن؛ الإقْرارِ أو البَيِّنَةِ. ويَكفِى في (١) الإقْرارِ مَرَّةٌ واحِدَةٌ، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ لأنَّه لا يَتَضَمَّنُ إتْلافًا، فأشْبَهَ حَدَّ القَذْفِ. ومتى رَجَع عن إقْرارِه قُبِلَ رُجُوعُه؛ لأنَّه حَدٌّ للَّهِ سبحانَه، فقُبِلَ رُجُوعُه عنه (٢)، كسائرِ الحُدُودِ. ولا يُعْتَبَرُ مع الإِقْرارِ وُجودُ الرَّائحةِ. وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ، لا حَدَّ عليه، إلَّا أن توجَدَ رائحة. ولنا، أنَّه أحَدُ بَيِّنتَىِ الشُّرْبِ، فلم يُعْتَبَرْ معه وجُودُ الرّائحةِ، كالشَّهادَةِ، ولأنَّه قد يُقِرُّ بعدَ زَوالِ الرائحةِ عنه، ولأنَّه إقْرارٌ بحَدٍّ، فاكْتُفِىَ به، كسائرِ الحُدودِ. ٤٤٦٤ - مسألة: (وهل يَجِبُ الحَدُّ بوُجُودِ الرّائحَةِ؟ على

стр. 13022

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رِوايَتَيْن) لا يَجِبُ الحَدُّ [بوجودِ رائحةِ الخمرِ] (١) مِن فِيه، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعىُّ. وعن أحمدَ، أنَّه يُحَدُّ بذلك. روَاها عنه أبو طالبٍ. وهو قولُ مالكٍ؛ لأَنَّ ابنَ مسعودٍ جَلَد رجلًا وَجَد منه رائحةَ الخمرِ (٢). ورُوِىَ عن عمرَ، أنَّه قال: إنى وَجَدْتُ من عُبَيْدِ اللَّهِ رِيحَ شَرابٍ، فأقَرَّ أنَّه شَرِبَ الطِّلاءَ (٣). فقال عمرُ: إنِّى سائِلٌ عنه، فإن كان يُسْكِرُ جَلَدْتُه (٤). ولأَنَّ الرّائحةَ تَدُلُّ على شُرْبِه، فَجَرَى مَجْرَى الإِقْرارِ. والأَوَّلُ أوْلَى؛ لأَنَّ الرَّائحةَ يَحْتَمِلُ أنَّه تَمَضْمَضَ بها، أو ظَنَّها ماءً، فلَمَّا صارتْ في فِيه مَجَّهَا، أو ظَنَّها لا تُسْكِرُ، أو كان مُكْرَهًا، أو أكَلَ نَبْقًا بالِغًا، أو شَرِب مِن (٥) شَرابِ التُّفَّاحِ، فإنَّه يكونُ منه كرائحةِ الخمرِ، وإذا احْتَمَلَ ذلك، لم يجبِ الحَدُّ الذى يُدْرَأُ بالشُّبُهات. وحديثُ عمرَ حُجَّةٌ لنا، فإنَّه لم يَكْتَفِ بوُجودِ الرائحةِ، ولو وَجَب ذلك، لبادَرَ إليه عمرُ.

стр. 13023

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وإن وَجَدَه سَكْرانَ، أو تَقَيَّأَ الخمرَ، فعن أحمدَ، لا حَدَّ عليه؛ لاحْتِمالِ أن يكونَ مُكْرَهًا، أو لم يَعْلَمْ أنَّها تُسْكِرُ. وهذا مذهبُ الشافعىِّ. ورِوايةُ أبى طالبٍ عنه في الحَدِّ بالرَّائحةِ تَدُلُ على وُجوبِ الحَدِّ ههُنا بطرِيقِ الأُوْلَى؛ لأَنَّ ذلك لا يكونُ إلَّا بعدَ شُرْبِها، فأَشْبَهَ ما لو قامَتِ البَيِّنةُ عليه (١) بشُرْبِها. وقد روَى سعيدٌ، حَدَّثَنا هُشَيْمٌ، حَدَّثَنا المُغيرةُ، عن الشَّعْبِىِّ، قال: لمَّا كان من أمْرِ قُدامةَ ما كانَ، جاءَ عَلْقَمَةُ الخَصِىُّ،

стр. 13024

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال: أشهدُ أنِّى رأيْتُه يَتَقَيَّؤُهَا. فقالَ عمرُ: من قاءَها فقد شَرِبَها. فضَرَبَه الحَدَّ (١). وروَى حُضَيْنُ بنُ المُنْذِرِ الرَّقاشِىُّ، قال: شَهِدْت عثمانَ، وأُتِىَ بالوليدِ بنِ عُقبَةَ، فشَهِدَ عليه حُمْرانُ ورجل آخَرُ، فشَهِدَ أحدُهما أنَّه رآه شَرِبَها، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه رآه يَتَقَيَّؤُها. فقال عثمانُ: إَّنه لم يَتَقَيَّأْها حتى شَرِبَها. فقال لعلىٍّ: أقِمْ عليه الحَدَّ. فأمَرَ على عبدَ اللَّهِ بنَ جَعْفَرٍ، فضَرَبَه. رَواه مسلمٌ (٢). وفى رِوايةٍ، قال له عثمانُ: لقد تَنَطَّعْتَ في الشَّهادَةِ. وهذا بمَحْضَرٍ مِن عُلَماءِ الصحايةِ وسادَتِهم، فلم يُنْكَرْ، فكان إجْماعًا. ولأنَّه يُكْتَفَى بالشَّهادَةِ عليه أنَّه شَرِبَها، ولا يَتَقَيَّؤُها أو لا يَسْكَرُ منها حتى يَشرَبَها. فصل: وأمَّا البَيِّنَةُ، فلا تكونُ إلَّا رجلَيْن عَدْلَيْن مسلمَين، يَشْهَدانِ أنَّه شَرِب مُسْكِرًا، ولا يَحْتاجان إلى بَيانِ نوْعِه؛ لأنَّه لا يَنْقَسِمُ إلى ما يُوجِبُ الحَدَّ وإلى ما لا يُوجِبُه، بخِلافِ الزِّنى، فإنَّه يُطْلَقُ على الصَّرِيحِ وعلى

стр. 13025

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ دَواعِيه، ولهذا قال النبىُّ ﷺ : «الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ، وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ» (١). فلهذا احْتاجَ الشَّاهِدُ إلى تَفْسِيرِه، وفى مسْألَتِنا لا يُسَمَّى غيرُ المُسْكِرِ مُسْكِرًا، فلم يَفْتَقِرْ إلى ذِكْرِ نَوْعِه، ولا يَفْتَقِرُ في الشَّهادَةِ إلى ذِكْرِ عَدَمِ الإِكْراهِ، ولا ذِكْرِ عِلْمِه أنَّه مُسْكِرٌ؛ لأَنَّ الظَّاهِرَ الاخْتِيارُ والعلمُ، وما عَداهما نادِرٌ، فلم يَحْتَجْ إلى إثْباتِه، ولذلك لم يُعْتَبَرْ في شئٍ مِن الشَّهاداتِ، ولم يَعْتَبِرْه عثمانُ في الشَّهادَةِ على الوليدِ بنِ عُقْبَةَ، ولا عمرُ في الشَّهادَةِ على قُدامَةَ بنِ مَظْعُونٍ، ولا في الشَّهادَةِ على المُغِيرةِ بنِ شُعْبَةَ، ولو شَهِدا (٢) بعِتْقٍ أو طَلاقٍ، لم يَفْتَقِرْ إلى ذِكْرِ الاخْتِيارِ، كذا ههُنا.

стр. 13026

وَالْعَصِيرُ إِذَا أَتَتْ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، حَرُمَ، إِلَّا أَنْ يَغْلِىَ قَبْلَ ذَلِكَ فَيَحْرُمْ، نَصَّ عَلَيْهِ. ــ ٤٤٦٥ - مسألة: (وَالْعَصِيرُ إِذَا أَتَتْ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، حَرُمَ، إِلَّا أَنْ يَغْلِىَ قَبْلَ ذَلِكَ فَيَحْرُمْ، نَصَّ عَلَيْهِ) أما إذا غَلَى العَصِيرُ كغَلَيإنِ القِدْرِ، وقَذَف بزَبَدِه، فلا خِلاف في تَحْرِيمِه. وإنْ أتَتْ عليه ثلاثةُ أَيَّام ولم يَغْلِ، فقال أصحابُنا: هو حَرَامٌ. وقال أحمدُ: اشْرَبْه ثلاثًا ما لم يَغْلِ، فإذا أتَتْ عليه أكثرُ من ثلاثةِ أَيَّامٍ، فلا تَشْرَبْه. وأكثرُ أهلِ العلمِ يَقُولُونَ: هو مُبَاحٌ ما لم يَغْلِ ويُسْكِرْ؛ لقولِ رسولِ اللَّهِ ﷺ : «اشْرَبُوا في كُلِّ وعَاءٍ، ولا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا». أخْرَجَه أبو داودَ (١). ولأَنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِه الشِّدَّةُ المُطْرِبَةُ، وإنَّما ذلك في المُسْكِرِ خاصَّةً. ووَجْه الأوَّل ما روَى أبو داودَ (٢)، بإسْنادِه، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ النبىَّ ﷺ كان يُنْبَذُ له

стр. 13027

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الزَّبِيبُ، فيَشْرَبُه اليومَ والغَدَ وبعدَ الغَدِ، إلى مساءِ الثالثةِ، ثم يَأْمُرُ به فيُسْقَى الخَدَمَ، أو يُهَرَاقُ. وروَى الشَّالَنْجِىُّ، بإسْنادِه، عن النبىِّ ﷺ ، أنَّه قال: «اشْرَبُوا العَصِيرَ ثَلاثًا، مَا لَمْ يَغْلِ» (١). وقال ابنُ عمرَ: اشْرَبْه ما لم يَأْخُذْه شَيْطانُه. قيل: وفى كمْ يَأْخُذُه شَيْطانه؟ قال: في

стр. 13028

وَعِنْدَ أَبِى الْخَطَّابِ أَنَّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى عَصِيرٍ يَتَخَمَّرُ في ثَلَاثٍ غَالِبًا. ــ ثلاثٍ (١). ولأَنَّ الشِّدَّةَ تَحْصُلُ في الثَّلاثِ غالِبًا، وهى خَفِيَّةٌ، تَحْتاجُ إلى ضابطٍ، فجاز جَعْلُ الثَّلاثِ ضابِطًا لها. قال شيخُنا (٢): ويَحْتَمِلُ أن يكونَ شُرْبُه بعدَ الثَّلاثِ إذا لم يَغْلِ مَكْرُوهًا غيرَ مُحَرَّم، فإنَّ أحمدَ لم يُصَرِّحْ بالتَّحْرِيمِ، وقال في مَوْضِعٍ: أكْرَهُه. وذلك لأَنَّ النبىَّ ﷺ لم يَكُنْ يَشْرَبُه بعدَ ثلاثٍ. ٤٤٦٦ - مسألة: وقال أبو الخَطَّابِ: عِندى أنَّ كلامَ أحمدَ في ذلك مَحْمُولٌ عَلَى عصيرٍ الغالِبُ أنَّه يَتَخَمَّرُ في ثلاثةِ أَيَّامٍ . فصل: وكذلك النَّبيذُ مُباحٌ ما لم يَغْلِ، أو يَأْتِىَ عليه ثلاثةُ أَيَّامٍ. والنَّبِيذُ ما يُلْقَى فيه تمرٌ أَو زَبيبٌ أو نحوُهُما؛ ليَحْلوَ به الماءُ، وتَذهَبَ مُلُوحَتُه، فلا بَأْسَ به ما لم يَغْلِ، أو يَأْتِىَ عليه ثلاثةُ أَيَّامٍ؛ لِما رَوَيْنا عن ابنِ عباسٍ. وقال أبو هُرَيْرَةَ: عَلِمْتُ أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ كان يَصُومُ، فتَحَيَّنْتُ فِطْرَه. بنَبِيذٍ صَنَعْتُه في دُبَّاءَ، ثم أتَيْتُه به، فإذا هو يَنِشُّ. فقال: «اضْرِبْ بِهَذَا الحَائِطَ، فَإنَّ هذَا شَرَابُ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ

стр. 13029

وَلَا يُكْرَهُ أَنْ يَتْرُكَ في الْمَاءِ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا وَنَحْوَهُ، لِيَأَخُذَ مُلُوحَتَهُ، مَا لَمْ يَشْتَدَّ، أَوْ يَأْتِىَ عَلَيْهِ ثَلَاثٌ. وَلَا يُكْرَهُ الْانْتِبَاذُ في الدُّبَّاءِ، وَالْحَنْتَمِ، وَالنَّقِيرِ، وَالْمُزَفَّتِ. ــ الآخِرِ». روَاه أبو داودَ (١). ولأنَّه إذا بَلَغ ذلك صارَ مُسْكِرًا، وكلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ. ٤٤٦٧ - مسألة: (وَلَا يُكْرَهُ أَنْ يَتْرُكَ في الْمَاءِ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا وَنَحْوَهُ؛ لِيَأَخُذَ مُلُوحَتَهُ، مَا لَمْ يَشْتَدَّ، أَوْ يَأْتِىَ عَلَيْهِ ثَلَاثٌ) لِما ذَكَرْنا في الفصلِ الَّذى قبلَه ٤٤٦٨ - مسألة: (ولا يُكْرَهُ الانْتِباذُ في الدُّبَّاءِ، والحَنْتَمِ ،

стр. 13030

وَعَنْهُ، يُكْرَهُ. ــ والنَّقِيرِ، والمُزَفَّتِ) [يجوزُ الانْتِباذُ في الأوْعِيَةِ كلِّها. وعن أحمدَ، أنَّه يُكْرَهُ الانْتِباذُ في الدُّبَّاءِ والحَنْتَمِ والنَّقِيرِ والمُزَفَّتِ] (١)؛ لأَنَّ النبىَّ ﷺ نَهَى عن الانْتِباذِ فيها (٢). والدُّبَّاءُ: اليَقْطِينُ (٣). والحَنْتَمُ: الجِرارُ. والنَّقِيرُ: الخَشَبُ. والمُزَفَّتُ: الَّذى يُطْلَى بالزِّفْتِ. والصَّحِيحُ أَنَّه لا يُكْرَهُ؛ لِما روَى بُرَيْدَةُ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: «نَهَيْتُكُمْ عَن ثَلَاثٍ، وأنَا آمُرُكُمْ بِهِنَّ، نَهَيْتُكُمْ عَنِ الأشْرِبَةِ [أن لا تَشْرَبُوا إلَّا] (٤) في ظُرُوفِ الأَدَمِ، فَاشْرَبُوا في كُلِّ وِعَاءٍ، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا». رَواه مسلمٌ (٥). وهذا

стр. 13031

وَيُكْرَهُ الْخَلِيطَانِ، وَهُوَ أَنْ يَنْتَبِذَ شَيْئَيْنِ، كَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ. ــ دَلِيلٌ على نَسْخِ النَّهْى، ولا حُكْمَ للمَنْسُوخِ. فصل: وما طُبِخَ مِن النَّبيذِ والعَصِيرِ قبلَ غَلَيَانِه، حتَّى صارَ غيرَ مُسْكِرٍ، كالدِّبْسِ (١)، ورُبِّ الخَرُّوبِ، وغيرِهما من المُرَبَّيَاتِ والسُّكَّرِ، فهو مُبَاحٌ، لأَنَّ التَّحْرِيمَ إنَّما ثَبَت في المُسْكِرِ، ففيما عَدَاه يَبْقَى على أصْلٍ الإِباحَةِ، وما أسْكَرَ كثيرُه فقلِيلُه حَرامٌ، سَواءٌ ذَهَب منه الثُّلُثان، أو أقَلُّ، أو أكثرُ. قال أبو داودَ: سألتُ أحمدَ عن شُرْبِ الطِّلَاءِ إذا ذهبَ ثُلُثاه (٢)، وبَقِىَ ثُلُثه؟ قال: لا بَأْسَ به. قيل لأحمدَ: إنَّهم يقولونَ: إنَّه يُسْكِرُ. قال: لا يُسْكِرُ، لو كان يُسْكِرُ ما أحَلَّه عمرُ. ٤٤٦٩ - مسألة: (ويُكْرَهُ الخَلِيطَان، وهو أن يَنْتَبِذَ شَيْئَيْن ،

стр. 13032

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كالتَّمْرِ والزَّبِيبِ) لأَنَّ النبىَّ ﷺ نَهَى عن الخَلِيطَين (١). وقال أحمدُ: الخَلِيطان حَرامٌ. وقال في رجلٍ يَنْقعُ الزَّبِيبَ، والتَّمْرَ الهِنْدِىَّ، والعُنَّابَ ونحوَه، يَنْقَعُه غُدْوَةً، ويَشْرَبُه عَشِيَّةَ للدَّواءِ: أكْرَهُه؛ لأنَّه نَبِيذٌ، ولكن يَطْبُخُه ويَشْرَبُه على المَكانِ. وقد روَى أبو داودَ (٢) بإسْنادِه، عن رسولِ اللَّهِ ﷺ ، أنَّه نَهَى أن يُنْبَذَ الرُّطَبُ والبُسْرُ جميعًا، ونَهَى أن يُنْبَذَ التمرُ والزَّبِيبُ جميعًا. وفى رِوايةٍ: «انْتَبذُوا كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَةٍ» (٣). وعن أبى قَتادَةَ، قال: نَهَى النبىُّ ﷺ أَنْ يُجْمَعَ بينَ التَّمْرِ والزَّهْوِ (٤)، والتَّمْرِ

стр. 13033

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والزَّبِيبِ، ولْيُنْتَبَذْ كلُّ واحدٍ منهما على حِدَةٍ. مُتَّفَقٌ عليه (١). قال القاضى: يَعْنِى أحمدُ بقولِه: هو حَرامٌ. إذا اشْتَدَّ وأسْكَرَ، وإذا لم يُسْكِرْ لم يَحْرُمْ. وهذا هو الصَّحِيحُ، إن شاء اللَّهُ، وإنَّما نَهَى النبىُّ ﷺ لعلةِ إسْراعِه إلى السُّكْرِ المُحَرَّمِ، فإذا لم يُوجَدْ، لم يَثْبُتِ التَّحْرِيمُ، كما أنَّه ﵇ نَهَى عن الانْتِباذِ في الأوعِيَةِ المَذْكُورَةِ لهذه العِلَّةِ، ثم أمَرَهُم بالشُّرْبِ فيها، ما لم تُوجَدْ حقيقةُ الإِسْكارِ، وقد دَلَّ على صِحَّةِ هذا ما رُوِى عن عائشةَ، قالت: كنَّا نَنْبِذُ لرسولِ اللَّهِ ﷺ ، فنَأخُذُ قَبْضةً من تَمْرٍ، وقَبْضَةً من زبيبٍ، فنَطْرَحُها فيه، ثم نَصُبُّ عليه الماءَ، فَنَنْبِذُه غُدْوَةً، فيَشْرَبُه عَشِيَّةً، ونَنْبِذُه عَشِيَّة، فيَشْربُه غُدْوَةً. رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجَه (٢). فلمَّا كانت مُدَّةُ الانْتِباذِ قريبةً، وهى يومٌ وليلةٌ،

стр. 13034

وَلَا بَأْسَ بِالْفُقَّاعَ. ــ لا يُتَوَهَّمُ الإسْكارُ فيها، لم يُكْرَهْ، ولو كان مَكْرُوهًا لَمَا فُعِلَ هذا في بيتِ النبىِّ ﷺ له. فعلى هذا، لا يُكْرَهُ ما كان في المُدَّةِ اليَسِيرَةِ، ويُكْرَهُ ما كان في مُدَّةٍ يَحْتَمِلُ إفْضاؤُه إلى الإِسْكارِ، ولا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ ما لم يَغْلِ، أو تَمْضِىَ عليه ثلاثةُ أَيَّامٍ. ٤٤٧٠ - مسألة: (ولا بأْسَ بالفُقَّاعِ) (١) وبه قال إسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ. قال شيخُنا (٢): ولا أعلمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه لا يُسْكِرُ، وإذا تُرِكَ يَفْسُدُ، بخلافِ الخمرِ، والأشْياءُ على الإِباحةِ ما لم يَرِدْ بتَحْرِيمِها حُجَّةٌ.

стр. 13035

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: والخَمْرَةُ إذا أُفْسِدَتْ، فصُيِّرَتْ خَلًّا، لم تَحِلَّ، وإن قَلَب اللَّهُ عَيْنَها فصارَتْ خَلًّا، فهى حَلالٌ. رُوِى هذا عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. وبه قال الزُّهْرِىُّ. ونحوُ؛ قولُ مالكٍ. وقال الشافعىُّ: إن أُلقِىَ فيها شئٌ يُفْسِدُها كالمِلْحِ، فتخلَّلَتْ، فهى على تَحْرِيمِها، وإن نُقِلَتْ مِن شمسٍ إلى ظِلٍّ، أو مِن ظِلٍّ إلى شمسٍ، فتَخَلَّلَتْ، ففى إباحَتِها قَوْلان. وقال أبو حنيفةَ: تَطْهُرُ في الحالَيْن؛ لأَنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِها زالَتْ بتَخْلِيلِها فطَهُرَتْ، كما لو تَخَلَّلَتْ بنَفْسِها، يُحَقِّقُه أنَّ التَّطهِيرَ لا فَرْقَ فيه بينَ ما حَصَل بفِعْلِ اللَّهِ تعالى، وفِعْلِ الآدَمِىِّ، كتَطْهيرِ الثَّوْبِ والبَدَنِ والأَرْضِ. ونحوُ هذا قولُ عَطاءٍ، وعمرو بنِ دِينارٍ، والحارِثِ العُكْلِىِّ. وذَكَرَه أبو الخَطَّابِ وَجْهًا في مذهَبِنا. ولَنا، ما روَى أبو سعيدٍ، قال: كان عندَنا خَمْرٌ ليَتِيمٍ، فلمَّا نَزَلَتِ المائدةُ، سألتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّه لَيَتِيمٌ؟ قال: «أَهْرِيقُوهُ». رَواه التِّرْمِذِىُّ (١)، وقال: حديثٌ حَسَنٌ. وعن أنَس، قال: سُئِلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ أتُتَّخَذُ الخمرُ خَلًّا؟ قال: «لَا». رَواه مسلمٌ، والتِّرْمِذِىُّ (٢)،

стр. 13036

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقال: حديثٌ حسنٌ صَحِيحٌ. وعن أبى طَلْحَةَ، أنَّه سألَ رسولَ اللَّهِ ﷺ عن أيْتامٍ وَرِثُوا خَمْرًا؟ فقال: «اهرِقْهَا». قال: أفَلا أُحَلِّلُها؟ قال: «لَا». رَواه أبو داودَ (١). وهذا نَهْىٌ يَقْتَضِى التَّحْرِيمَ، ولو كان إلى اسْتِصْلاحِها سَبِيلٌ، لم تَجُزْ إراقتُها، بل أرْشَدَهم إليه (٢)، سِيّما وهى لأيْتامٍ يَحْرُمُ التَّفْرِيطُ في أمْوالِهم، ولأنَّه إجْماعُ الصَّحابةِ، فرُوِىَ أنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، صَعِدَ المِنْبَرَ، فقال: لا يَحِلُّ خَلُّ خَمْرٍ أُفْسِدَت، حتَّى يكونَ اللَّهُ تعالى هو الَّذى تَوَلَّى إفْسادَها، ولا بَأْسَ على مسلمٍ ابْتاعَ مِن أَهْلِ الكتابِ خَلًّا، ما لم يَتَعَمَّدْ إفسادَها. رواه أبو عُبَيْدٍ في «الأَمْوالِ» بنَحْوٍ من هذا المعنى (٣). وهذا قولٌ يَشْتَهِرُ؛ لأنَّه خَطَب به النَّاسَ على المِنْبَرِ، فلم يُنْكَرْ. فأمَّا إذا انْقَلَبَتْ بنَفْسِها، فإنَّها تَطْهُرُ وتَحِلُّ، في قولِ جميعِهم، فقد رُوِى عن جماعةٍ من الأوائِلِ، أنَّهمِ اصْطَبَغُوا بخَلِّ خمرٍ؛ منهم علىٌّ، وأبو الدَّرْدَاء. ورَخَّصَ فيه الحسنُ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ. وليس في شئٍ من أخْبارِهم أنَّهَم اتَّخَذُوه خَلًّا، [ولا أنَّه] (٤) انْقَلَبَ بنَفْسِه، لكنْ قد بَيَنّهَ عمرُ بقولِه: لا يَحِلُّ خَلُّ خمرٍ افْسِدَتْ، حتَّى يكونَ اللَّهُ تعالى هو الَّذى يَتَوَلَّى إفْسادَها. ولأنَّها إذا انْقَلَبَتْ بنَفْسِها، فقد زالَتْ عِلَّةُ

стр. 13037

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَحْرِيمِها، من غيرِ عِلَّةٍ خَلَفَتْها، فطَهُرَتْ، كالماءِ إذا زالَ تَغَيُّره بمُكْثِه. وإذا أُلْقِىَ فيها شئٌ يَنْجُسُ بها، ثم انْقَلَبَتْ، بَقِىَ ما أُلْقِىَ فيها نَجِسًا، فنَجَّسَها وحَرَّمَها. فأمَّا إن نَقَلَها مِن مَوْضِعٍ إلى آخَرَ، فتَخَلَّلَتْ مِن غيرِ أن يُلْقِىَ فيها شيئًا، فإن لم يَكُنْ قَصَد تَخْلِيلَها، حَلَّتْ بذلك؛ لأنَّها تخلَّلَتْ بفِعْلٍ اللَّهِ تعالى فيها، وإن قَصَد بذلك تخْلِيلَها، احْتَمَلَ أن تَطْهُرَ، لأنَّه لا فَرْقَ بينَهما إلَّا القَصْدُ، فلا يَقْتَضِى تحْريمَها. ويَحْتَمِلُ أن لا تَطْهُرَ، لأنَّها خلَّلَت، فلم تَطْهُرْ، كما لو أُلْقِىَ فيها شئٌ.

стр. 13038

بَابُ التَّعْزِيرِ وَهُوَ التَّأْدِيبُ، وَهُوَ وَاجِبٌ فِى كُلِّ مَعْصِيَةٍ لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ، كَالْاسْتِمْتَاعِ الَّذِى لَا يُوجِبُ الْحَدَّ، وَإتْيَانِ الْمَرأَةِ الْمَرأَةِ، وَسَرِقَةِ مَا لَا يُوجِبُ الْقَطْعَ، وَالْجِنَايَةِ عَلَى النَّاسِ بِمَا لَا قِصَاصَ فِيهِ، وَالْقَذْفِ بِغَيْرِ الزِّنَى وَنَحْوِهِ. ــ بَابُ التَّعْزِيرِ وَهُوَ التَّأْدِيبُ، وَهُوَ وَاجِبٌ فِى كُلِّ مَعْصِيَةٍ لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ، كَالْاسْتِمْتَاعِ الَّذِى لَا يُوجِبُ الْحَدَّ، وَإتْيَانِ الْمَرأَةِ الْمَرأَةِ، وَسَرِقَةِ مَا لَا يُوجِبُ الْقَطْعَ، وَالْجِنَايَةِ عَلَى النَّاسِ بِمَا لَا قِصَاصَ فِيهِ، وَالْقَذْفِ بِغَيْرِ الزِّنَى وَنَحْوِهِ) والنَّهْبِ والغَصْبِ والاخْتِلاسِ. وسُمِّىَ تَعْزِيرًا، لأنَّه

стр. 13039

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَمْنَعُ من الجِنايَةِ. والأَصْلُ في التَّعْزِيرِ المَنْعُ، ومنه التَّعْزِيرُ بمعنى النُّصْرَةِ؛

стр. 13040

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لأنَّه مَنْعٌ لعَدُوِّه من أذاه.

стр. 13041

وَمَنْ وَطِئَ أَمَةَ امْرَأَتِهِ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ أَحَلَّتْهَا لَهُ، فَيُجْلَدُ مِائَةً. ــ ٤٤٧١ - مسألة: (وَمَنْ وَطِئَ أَمَةَ امْرَأَتِهِ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ) قد (أحَلَّتْها له، فيُجْلَدُ مائَةً. وهل يَلْحَقُه نَسَبُ وَلَدِها؟ على رِوايَتَيْن) أمَّا إذا وَطِئَ جاريةَ امرأتِه بإذْنِها، فإنَّه يُجْلَدُ مائةً، ولا يُرْجَمُ إن كان ثَيِّبًا، وإن كان بِكرًا لم يُغَرَّبْ. وإن لم تَكُنْ أحَلَّتْها له، فهو زانٍ، حُكْمُه حُكْمُ الزَّانِى بجارِيَةِ الأجْنَبِىِّ. وحُكِىَ عن النُّخَعِىِّ، أنَّه يُعَزَّرُ، ولا حَدَّ عليه؛ لأنَّه يَمْلِكُ امرأتَه، فكانت له شُبْهَةٌ في مَمْلُوكَتِها. وعن عمرَ، وعَلىٍّ، وعَطاءٍ، وقَتادَةَ، ومالكٍ، والشافعىِّ، أنَّه كوَطْءِ الأجْنَبِيَّةِ، سَواءٌ أحَلَّتْها له أو لم تُحِلَّها؛ لأنَّه لا شُبْهَةَ له فيها، فأشْبَهَ جاريةَ أُخْتِه، ولأنَّه إباحَةٌ لوَطْءِ مُحَرَّمَةٍ عليه، فلم يَكُنْ شُبْهَةً، كإباحةِ سائرِ المُلَّاكِ. وعن ابنِ مسعودٍ، والحسنِ، إن كان اسْتَكْرَهَها، فعليه غُرْمُ مِثْلِها، وتَعْتِقُ، وإن كانت طاوَعَتْه، فعليه غُرْمُ مِثْلِها، ويَمْلِكُها؛ لأَنَّ

стр. 13042

وَهَلْ يَلْحَقُهُ نَسَبُ وَلَدِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. ــ هذا يُرْوَى عن النبىِّ ﷺ ، وقد رَواه ابنُ عبدِ البَرِّ (١)، وقال: هذا حديثٌ صحيحٌ. ولَنا، ما روَى أبو داودَ (٢)، بإسْنادِه، عن حبيبِ بنِ سالمٍ، أنَّ رجلًا يُقالُ له: عبدُ الرحمنِ ابنُ حُنَيْنٍ، وَقَعِ على جارِيةِ امرأتِه، فرُفِعَ إلى النُّعْمانِ بنِ بشيرٍ، وهو أميرٌ على (٣) الكُوفةِ، فقال: لأقْضِيَنَّ فيك بقَضِيَّةِ رسولِ اللَّه ﷺ ؛ إنْ كانت أحَلَّتْها لك جَلَدْتُكَ مائةً، وإن لم تَكُنْ أحَلَّتْها لك رَجَمْتُك بالحِجارَةِ. فوَجَدُوها أحَلَّتْها له، فجلَدَه مائةً. ٤٤٧٢ - مسألة: (وهل يَلْحَقُه نَسَبُ وَلَدِها) إذا حَمَلَتْ من هذا الوَطْءِ؟ (على رِوايَتَيْن) إحْدَاهما، يَلْحَقُ؛ لأنَّه وَطْءٌ لا يَجِبُ به الحَدُّ،

стр. 13043

وَلَا يَسْقُطُ الْحَدُّ بِالإِبَاحَةِ في غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. ــ فلَحِقَ به النَّسَبُ، كوطءِ الجاريةِ المُشْتَرَكَةِ. والأُخْرَى، لا يَلْحَقُ به؛ لأنَّه وَطْءٌ في غيرِ مِلْكٍ، ولا شُبْهَةِ مِلاكٍ، أشْبَهَ الزِّنَى المَحْضَ. ٤٤٧٣ - مسألة: (ولا يَسْقُطُ الحدُّ بالإِباحَةِ في غيرِ هذا المَوْضِعِ) لعُمومِ النُّصُوصِ الدَّالَّةِ على وُجُوبِ الحَدِّ على الزَّانِى، وإنَّما سَقَط الحَدُّ في هذا المَوْضِعِ؛ لحديثِ النُّعْمانِ.

стр. 13044

وَلَا يُزَادُ في التَّعْزِيرِ عَلَى عَشْرِ جَلَدَاتٍ، في عيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ؛ لِقَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : «ولَا يُجْلَدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ، إِلَّا في حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ». وَعَنْهُ، مَا كَانَ سبَبُهُ الْوَطْءَ، كَوَطْءِ جَارِيَتِهِ الْمُشْتَرَكَةِ والْمُزَوَّجَةِ وَنَحْوِهِ، ضَرْبُ مِائَةٍ، ويَسْقُطُ عَنْهُ النَّفْىُ، ــ ٤٤٧٤ - مسألة: (ولا يُزادُ في التَّعْزِيرِ على عَشْرِ جَلَداتٍ، في غيْرِ هذا المَوْضِعٍ. وعنه، ما كان سببُه الوَطْءَ، كوَطْءِ جارِيَتِه المُشْتَرَكَةِ والمُزَوَّجَةِ ونحْوِه، ضُرِبَ مائةً، ويَسْقُطُ عنه) التَّغرِيبُ. اخْتلفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، ﵀، في قَدْرِ التَّعْزيرِ، فرُوِىَ عنه أنَّه لا يُزادُ على عشْرِ جَلَداتٍ. نَصَّ عليه في مَواضِعَ. وهو قولُ إسحاقَ؛ لِما روَى أبو بُرْدَةَ، قال: سمعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: «لَا يُجْلَدُ أحَدٌ فَوْقَ عَشْرِ

стр. 13045

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ جَلَدَاتٍ، إلَّا في حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ». مُتَّفَقٌ عليه (١). والرِّوايةُ الثَّانيةُ، لَا يَبْلُغُ به الحَدَّ. وهو الَّذى ذَكَرَه الخِرَقِىُّ. فيَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ لا يَبْلُغُ به أدْنَى حَدٍّ (٢) مَشْرُوعٍ. وهذا قولُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ. فعلى هذا، لا يَبْلُغُ به أربعين سَوْطًا؛ لأنَّها حَدُّ العَبْدِ في الخَمْرِ والقذفِ. وهذا قولُ أبى حنيفةَ. وإن قُلْنا: إنَّ حَدَّ الخمرِ أربعون. لم يَبْلُغْ به عشرين سَوْطًا في حَقِّ العبدِ، وأربعين في حَقِّ الحُرِّ. وهذا مذهبُ الشافعىِّ. فلا يُزادُ العبدُ على تسعةَ عشَرَ سَوْطًا، ولا الحُرُّ على تسعةٍ وثلاثين. وقال ابنُ أبى ليلى، وأبو يوسفَ: أدْنَى الحُدودِ ثمانون، فلا يُزادُ في التَّعْزِيرِ على تسعةٍ وسَبْعين. ويَحْتَمِلُ كلامُ أحمدَ والخِرَقِىِّ، أن لا يَبْلُغَ بكلِّ جِنايةٍ حدًّا مشروعًا في جِنْسِها، ويجوزُ أن يَزِيدَ على حَدِّ غيرِ جِنْسِها. فعلى هذا، ما كان سَبَبُه (٣) الوَطْءَ، جازَ أن يُجْلَدَ مائةً إلَّا سَوْطًا؛ ليَنْقُصَ عن حَدِّ الزِّنَى، وما كان

стр. 13046

وَكَذَلِكَ يَتَخَرَّجُ في مَن أَتَى بَهِيمَةً. وَغَيْرُ الْوَطْءِ لَا يُبْلَغُ بِهِ أَدْنَى الْحُدُودِ. ــ سَبَبُه غيرَ الوَطْءِ، لم يَبْلُغْ به أدْنَى الحُدودِ (١)؛ لِما ذَكَرْنا من حديثِ النُّعْمانِ بنِ بَشِيرٍ، في الَّذى وَطِئَ جاريةَ امرأتِه بإذْنِها. أنَّه يُجْلَدُ مائةً. وهذا تَعْزِيرٌ؛ لأنَّه في حَقِّ المُحْصنِ إنَّما هو الرَّجْمُ. وعن سعيدِ بن المُسَيَّبِ، عن عمرَ، في أمَةٍ بينَ رجليْن، وَطِئَها أحدُهما: يُجْلَدُ الحَدَّ إلَّا سَوْطًا واحِدًا (٢). رَواه الأثرَمُ، واحْتَجَّ به أحمدُ. قال القاضى: هذا عندى من نَصِّ أحمدَ لا يَقْتَضِى اخْتِلافًا في التَّعْزِيرِ، بل المذهبُ أنَّه لا يُزادُ على عَشْرِ جَلَداتٍ؛ اتِّبَاعًا للأثَرِ (٣)، إلَّا في وَطْءِ جاريةِ امرأتِه؛ لحديثِ النُّعْمانِ، وفى الجارِيَةِ المُشتَرَكَةِ؛ لحديثِ عمرَ، وما عَدَاهما يَبْقَى على العُمومِ؛ لحديثِ أبى بُرْدَةَ. وهذا قولٌ حَسَنٌ (٤). وإذا ثَبَت تَقْدِيرُ أكثَرِه، فليسَ أقَلُّه مُقَدَّرًا؛ لأنَّه لو تَقَدَّرَ لَكانَ حَدًّا، ولأَنَّ النبىَّ ﷺ قَدَّرَ أكثرَه، ولم يُقَدِّرْ أقَلَّه، فيُرجَعُ فيه إلى اجْتِهادِ الإِمامِ أو الحاكِمِ فيما يَراه،

стр. 13047

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وما يَقْتَضِيه حالُ الشَّخْصِ. وقال مالكٌ: يجوزُ أن يُزادَ التَّعْزِيرُ على الحَدِّ، إذا رَأَى الإِمامُ؛ لِما رُوِى أنَّ مَعْنَ بنَ زَائِدَةَ، عَمِلَ خاتَمًا على نَقْشِ خاتَمِ بيتِ المالِ، ثم جاءَ به صاحبَ بيتِ المالِ، فأخَذَ منه مالًا، فبَلَغَ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فضَرَبَه مائةً، وحَبَسه، وكُلِّمَ فيه، فضَرَبَه مائةً أُخْرَى، فكُلِّمَ فيه من بعدُ، فضربَه مائةً ونَفاه (١). وروَى أحمدُ بإسْنادِه، أنَّ عليًّا أُتِى بالنَّجَاشِىِّ قد شَرِب خَمْرًا في رمضانَ، فجَلَدَه (٢)

стр. 13048

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ثمانينَ الحَدَّ، وعشرينَ سَوْطًا لفِطْرِه في (١) رمضانَ (٢). ورُوِىَ أنَّ أبا الأَسْوَدِ اسْتَخْلَفَه ابنُ عباسٍ على قضاءِ البصرةِ، فأُتِىَ بسارِقٍ قد كان جَمَعَ المَتاعَ في البيتِ، ولم يُخْرِجْه، فقال أبو الأسْوَدِ: أعْجَلْتُمُ المِسْكِينَ. فضَرَبَه خمسةً وعشرين سَوْطًا وخَلَّى سبيلَه (٣). ولَنا، حديثُ أبى بُرْدَةَ، وهو صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عليه. وروَى الشَّالَنْجِىُّ (٤) بإسْنادِه، عن النبىِّ ﷺ أنَّه قال: «مَنْ بَلَغَ حَدًّا في غَيْرِ حَدٍّ، فَهُوَ مِنَ المُعْتَدِينَ». ولأَنَّ العُقوبَةَ على قَدْرِ الإِجْرامِ، والمَعاصِىَ المَنْصُوصَ على حُدُودِها أعْظَمُ من غيرِها، فلا يجوزُ أن يَبْلُغَ في أهْوَنِ الأَمْرَيْن عُقُوبَةَ أعْظَمِهما. وما قالُوه يُفْضِى إلى أنَّ مَن قَبَّلَ امرأةَ حَرامًا، يُضْرَبُ أكثرَ مِن حَدِّ الزِّنَى، وهذا غيرُ جائزٍ، لأَنَّ الزِّنَى مع عِظَمِه وفُحْشِه، لا يجوزُ أن يُزَادَ على حَدِّه، فما دُونَه أوْلَى.

стр. 13049

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فأمَّا حديثُ مَعْنٍ، فَلعَلَّه كانت له ذُنُوبٌ كثيرةٌ، فأُدِّبَ على جميعِها، أو تَكَرَّرَ منه الأخْذُ، أو كان ذَنْبُه مُشْتَمِلًا على جِناياتٍ؛ أحدُها، تَزْوِيرُه، والثانى، أخْذُه لمالِ (١) بيتِ المالِ بغيرِ حَقِّه، والثالثُ، فَتْحُه بابَ هذه الحِيلَةِ لغيرِه، وغيرُ هذا، وأمَّا حديثُ النَّجَاشِىِّ، فإنَّ عليًّا ضَرَبَه الحَدَّ لشُرْبِهِ، [ثم عَزَّرَه عشرين لفِطْرِه، فلم يبلُغْ بتَعْزِيرِه حَدًّا. وقد ذَهَب أحمدُ إلى هذا، ورَأَى أنَّ مَن شَرِب] (٢) الخمرَ في رمضانَ يُحَدُّ (١)، ثم يُعَزَّرُ؛ لجِنايَتِه من وَجْهَيْن. والذي يَدُلُّ على صِحَّةِ ما ذَكَرْناه، ما رُوِى أنَّ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، كَتَب إلى أبى موسى، أن لا يَبْلُغَ بنَكالٍ أكثرَ من عشرينَ سَوْطًا (٣).

стр. 13050

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: والتَّعْزِيرُ يكونُ بالضَّرْبِ والحَبْسِ والتَّوْبِيخِ. ولا يجوزُ قَطْعُ شئٍ منه، ولا جَرْحُه، ولا أخْذُ مالِه؛ لأَنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ بشئٍ من ذلك عن أحَدٍ يُقْتَدَى به، ولأَنَّ الواجِبَ أدَبٌ، والتَّأْدِيبُ لا يكونُ بالإِتْلافِ، وإن رَأَى الإِمامُ العَفْوَ عنه، جازَ.

стр. 13051

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: والتَّعْزِيرُ فيما شُرِعَ فيه التَّعْزِيرُ واجِبٌ، إذا رَآه الإِمامُ. وبه قال مالكٌ، وأبو حنيفةَ. وقال الشافعىُّ: ليس بواجِبٍ؛ لأَنَّ رجلًا جاءَ إلى النبىِّ ﷺ فقال: إنِّى لَقِيتُ امرأةً، فأصَبْتُ منها ما دونَ أن أطأَها.

стр. 13052

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فقال «أصَلَّيْتَ مَعَنَا؟». قال: نعم. فَتَلا عليه: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (١). وقال في الأنْصارِ: «قْبَلُوا مِن مُحْسِنِهم، وتَجاوَزُوا عن مُسِيئِهم» (٢). وقال رجلٌ للنبىِّ ﷺ في حُكْمٍ حَكَم به للزُّبَيْرِ: أن كان ابنَ عَمَّتِكَ؟ فغَضِبَ النبىُّ ﷺ ، فلم يُعَزِّرْه على مَقالَتِه (٣). وقال

стр. 13053

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ له رجلٌ: إنَّ هذه لَقِسْمَةٌ ما أُرِيدَ بها وَجْهُ اللَّه (١). ولَنا، أنَّ ما كان من التَّعْزِيرِ مَنْصُوصًا عليه، كوَطْءِ جاريةِ امرأتِه، أو (٢) جاريةٍ مُشْتَرَكَةٍ، فيَجِبُ امْتِثالُ الأمرِ فيه، وما لم يَكُنْ مَنْصُوصًا عليه، إذا رأى الإِمامُ المَصْلَحَةَ فيه، أو عَلِم أنَّه لا يَنْزَجِرُ إلَّا به، [وجَبَ؛ فإنَّه زَجْر] (٣) مَشْرُوعٌ لحَقِّ اللَّهِ تعالى، فوَجَبَ، كالحَدِّ. وإن رأى الإِمامُ العَفْوَ عنه

стр. 13054

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ جازَ؛ لِما ذَكَرْنا من النُّصُوصِ. واللَّهُ أعلمُ. وإن كان التَّعْزِيرُ لحَقِّ آدَمِىٍّ فطَلَبَه، لَزِمَه إجابَتُه، كسائرِ حُقُوقِ الآدَمِيِّينِ.

стр. 13055

وَمَنِ اسْتَمْنَى بِيَدِهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، عُزِّرَ، وَإِنْ فَعَلَهُ خَوْفًا مِنَ الزِّنَى، فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ. ــ ٤٤٧٥ - مسألة: (وإنِ اسْتَمْنَى بيَدِه لغيرِ حاجَةٍ عُزِّرَ) لأنَّه مَعْصِيَةٌ (وإن فَعَلَه خَوْفًا مِن الزِّنَى، فلا شئَ عليه) لأنَّه لو فَعَل ذلك خَوْفًا على بَدَنِه، لم يَلْزَمْه شئٌ، ففِعْلُه خَوْفًا على دِينِه أَوْلَى.

стр. 13056

بَابُ الْقَطْعِ في السَّرِقَةِ ــ بابُ القَطْعِ في السَّرقَةِ الأصلُ فيه الكِتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمَّا الكتابُ، فقولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (١). وأمَّا السُّنَّةُ، فرَوَتْ عائشةُ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: «تُقْطَعُ اليَدُ في رُبْعِ (٢) دِينارٍ فَصَاعِدًا» (٣). وقال النَّبىُّ ﷺ : «إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، بِأنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وإِذَا سَرَقَ فِيهمُ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ». مُتَّفَقٌ عليه (٤). في أخْبارٍ سِوَى هذه، نَذْكُرُها إن شَاءَ اللَّهُ

стр. 13057

وَلَا يَجِبُ إِلَّا بِسَبْعَةِ أَشْيَاءَ؛ أَحَدُهَا، السَّرِقَةُ؛ وَهِىَ أَخْذُ الْمَالِ عَلَى وَجْهِ الاخْتِفَاءِ. وَلَا قَطْعَ عَلَى مُنْتَهِبٍ، وَلَا مُخْتَلِسٍ، وَلَا ــ تعالى في مَواضِعِها، وأجْمَعَ المسلمون على وُجُوبِ قَطْعِ السَّارِقِ في الجملةِ. ٤٤٧٦ - مسألة: (وَلَا يَجِبُ إِلَّا بِسَبْعَةِ شُرُوطٍ؛ أَحَدُهَا، السَّرِقَةُ؛ وَهِىَ أَخْذُ الْمَالِ عَلَى وَجْهِ الاخْتِفَاءِ) ومنه اسْتِراقُ السَّمْعِ، ومُسارَقَةُ النَّظرَ، إذا كان يَسْتَخفِى بذلك. ٤٤٧٧ - مسألة: (ولا قَطْعَ على مُنْتَهِبٍ، ولا مُخْتَلِسٍ، ولا

стр. 13058

غَاصِبٍ، وَلَا خَائِنٍ، وَلَا جَاحِدِ وَدِيعَةٍ وَلَا عَارِيَّةٍ. وَعَنْهُ، يُقْطَعُ جَاحِدُ الْعَارِيَّةِ، ــ غاصِبٍ، ولا خائِنٍ، ولا جاحِدِ وَدِيعَةٍ ولا عارِيَّةٍ. وعنه، يُقْطَعُ جاحِدُ العَارِيَّةِ) [لا يُقْطَعُ مُخْتَطِفٌ] (١) ولا مُخْتَلِسٌ عندَ أحدٍ عَلِمْناه، غيرَ إياسِ ابنِ مُعاويةَ (٢)، قال: أقْطَعُ المُخْتَلِسَ؛ لأنَّه (٣) يَسْتَخْفِى بأخْذِه، فيكونُ سَارِقًا. وأهلُ الفِقْهِ والفَتْوَى مِن عُلَماءِ الأمْصارِ على خِلافِه. وقد رُوِى عن النبىِّ ﷺ ، أنَّه قال: «لَيْسَ عَلَى الخَائِنِ وَلَا المُخْتَلِسِ قَطْعٌ». وعن جابرٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : «لَيْسَ عَلَى المُنْتَهِبِ قَطْعٌ». وعنه ﷺ أنَّه قال: «لَيْسَ عَلَى الخَائِنِ وَالمُخْتَلِسِ قَطْعٌ». روَاهما أبو داودَ [والتِّرْمِذىُّ (٤)، وصَحَّحَه] (٥). وقال (٦): لم يَسْمَعْهُما ابنُ جُرَيْجٍ مِن

стр. 13059

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَبِى الزُّبَيْرِ. ولأَنَّ الواجِبَ قَطْعُ السَّارِقِ، وهذا غيرُ سارِقٍ، ولأَنَّ الاخْتِلاسَ نَوْعٌ مِن الخَطْفِ والنَّهْبِ، وإنَّما اسْتَخْفَى في ابْتِداءِ اخْتلاسِه، بخِلافِ السَّارِقِ. فصل: ولا يُقْطَعُ جاحِدُ الوَدِيعَةِ، ولا غيرِها مِن الأماناتِ، لا نعلمُ فيه خِلافًا، فأمَّا جاحِدُ العَارِيَّةِ، فقد اخْتُلِفَ عن أحمدَ، ﵀، فيه، فعنه أنَّه يُقْطَعُ. وهو قولُ إسحاقَ؛ لِما [رُوِى عن] (١) عائشةَ، أنَّ (٢) امرأةً كانت (٣) تسْتَعِيرُ المَتاعَ وتَجْحَدُه، فأمَرَ النبىُّ بقَطْعِ يَدِها، فأتَى أهْلُها أُسامَةَ، فكَلَّمُوه، فكَلَّمَ النبىَّ ﷺ ، فقال النبىُّ ﷺ : «لا (٤) أرَاكَ تُكَلِّمُنِى في حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟». ثم قامَ النبىُّ ﷺ خَطِيبًا، فقال:

стр. 13060

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ «إنَّما هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِأنَّه إذَا سَرَقَ فِيهمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ، والَّذِى نَفْسِى بِيَدِه لو كانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، لَقَطَعْتُ يَدَهَا». قالَتْ: فقَطَعَ يَدَها. قال أحمدُ: لا أعرفُ شيئًا يَدْفَعُه. مُتَّفَقٌ عليه (١). وعن أحمدَ رِوايةٌ ثانيةٌ، أنَّه لا قَطْعَ عليه. وهو قولُ الخِرَقِىِّ، وأبى إسحاقَ بنِ شَاقْلَا، وأبى الخَطَّاب، وسائرِ الفُقَهاءِ. وهو الصَّحِيحُ، إن شَاءَ اللَّهُ تعالى؛ لقولِ رسولِ اللَّهِ ﷺ : «لَا قَطْعَ عَلَى الخَائِنِ». ولأَنَّ الواجِبَ قَطْعُ السَّارِقِ، والخائنُ ليس بسارِقٍ، فأَشْبَهَ جاحِدَ الوَدِيعَةِ، فأمَّا المرأةُ التى كانت تَسْتَعِيرُ المَتاعَ فإنَّما قُطِعَتْ لسَرِقَتِها، لا لجَحْدِها، ألا تَسْمَعُ قولَه: «إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ». وقولَه: «وَالَّذِى نَفْسِى بِيَده لَوْ كَانتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، لَقَطَعْتُ يَدَهَا». وفى بعضِ ألفاظِ رُواةِ (٢) هذه القصَّةِ عن عائشةَ، أنَّ قُرَيْشًا أهَمَّهُم شَأْنُ المَخْزُومِيَّةِ التى سَرَقَتْ، وذَكَر القِصَّةَ. رَواه البخارِىُّ. وفى حديثٍ أنَّها سَرَقَتْ قَطِيفَةً، فرَوَى الأَثْرَمُ بإسْنادِه، عن مسعودِ (٣) [بنِ الأسْوَدِ] (٤)، قال: لمَّا سَرَقَتِ المرأةُ تلك القَطِيفَةَ من بيتِ رسول اللَّهِ ﷺ ، أعْظَمْنَا ذلك، وكانتِ امرأةً مِن قُرَيْشٍ، فجِئْنَا إلى النبىِّ ﷺ ، فَقُلْنا: نحنُ نَفْدِيها بأرْبَعِين أُوقِيَّةً.
следующие страницы →