. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإن شاء خافَتَ، إنَّما الجَهْرُ للجَماعَةِ. وكذلك قال طاوُسٌ، والأوْزاعِيُّ في مَن فاتَه بعضُ الصلاةِ. ولا فَرْقَ بينَ القَضاءِ والأداءِ. وقال الشافعيُّ: يُسَنُّ للمُنْفَرِدِ؛ لأنَّه غيرُ مَأْمُورٍ بالإنْصاتِ، أشْبَهَ الإِمامَ. ولَنا، أنَّه لا يُرادُ منه إسْماعُ غيرِه، أشْبَهَ المَأْمُومَ في سَكَتاتِ الإِمامِ، بخِلافِ الإِمامِ، فإنَّه يَقْصِدُ (١) إسْماعَ المَأْمُومِين، فقد تَوَسَّطَ المُنْفَرِدُ بينَ الإِمامِ والمَأْمُومِ، ولذلك كان مُخَيَّرًا في الحالَيْن.
فصل: فإن قَضَى الصلاةَ في جَماعَةٍ، وكانت صلاةَ نَهارٍ، أَسَرَّ، سَواءٌ قَضاها لَيْلًا أو نَهارًا، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّها صلاةُ نَهارٍ، وإن كانت صلاةَ لَيْلٍ فقَضاها لَيْلًا، جَهَر في ظاهِرِ كَلامِه؛ لأنَّها صلاةُ لَيْلٍ فَعَلَها لَيلًا فيَجْهَرُ فيها، كالمُؤَدّاةِ، وإن قَضاها نَهارًا احْتَمَلَ أن لا يَجْهَرَ، وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ، والأوزاعِيِّ (٢)؛ لأنَّها مَفْعُولَةٌ في النَّهارِ، وصلاةُ النَّهارِ عَجْماءُ، وقد روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاةِ النَّهَارِ فَارْجُمُوهُ بِالبَعْزِ». رَواه أبو حَفْصٍ
стр. 1332
وَإنْ قَرَأَ بِقِرَاءَةٍ تخْرُجُ عَنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ. وَعَنْهُ، تَصِحُّ.
ــ
بإسْنَادِه. واحْتَمَلَ أن يَجْهَرَ فيها، وهو قولُ أَبى حنيفةَ، وابنِ المُنْذِرِ، وأبي ثَوْرٍ؛ ليَكُونَ (١) القَضاءُ كالأداءِ، ولا فَرْقَ عندَ هؤلاءِ بينَ الإِمامِ والمُنْفرِدِ، وظاهِرُ كَلامِ أحمدَ، أنَّه مُخَيَّرٌ بينَ الأمْرَيْن.
٤٠٠ - مسألة: (وإن قَرَأ بقِراءَةٍ تَخْرُجُ عن مُصْحَفِ عثمانَ، لم تَصِحُّ صَلاتُه. وعنه، تَصِحُّ) لا يُسْتَحَبُّ له أن يَقْرَأَ بغيرِ (٢) ما في مُصْحَفِ عثمانَ. ونُقِل عن أحمدَ، أنَّه كان يَخْتارُ قِراءَةَ نافِعٍ مِن طَرِيقِ
стр. 1333
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إسماعيلَ بنِ جَعْفَرٍ، فإن لم يَكُنْ فقِراءَةُ عاصِمٍ مِن طَرِيقِ أَبى بكرِ بنِ عَيّاشٍ. وأثْنَى على قِراءَة أَبى عَمْرٍو، ولم يَكْرَهْ قراءةَ أحَدٍ مِن العَشَرَةِ، إلَّا قِراءَةَ حَمْزَةَ والكَسائِيِّ؛ لِما فيها مِن الكَسْرِ، والإِدْغامِ، والتَّكَلُّفِ، وزِيادَةِ المَدِّ. وقد رُوِي عن زيدِ بنِ ثابتٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «نَزَلَ الْقُرْآنُ بِالتَّفْخِيمِ» (١). وعن ابنِ عباسٍ، قال: نَزَل القُرْآنُ بالتَّفْخِيمِ والتَّثْقِيلِ، نَحْوَ الجُمُعَةِ، وأشْباهِ ذلك. ولأنَّها تَتَضَمَّنُ الإِدْغامَ الفاحِشَ،
стр. 1334
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وفيه إذْهابُ حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِ اللهِ تعالى، يَنْقُصُ (١) بإدْغامِ كلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَناتٍ. ورُوِيَتْ كَراهَتُها، والتَّشْدِيدُ فيها عن جَماعَةٍ مِن السَّلَفِ؛ منهم الثَّوْرِيُّ، وابنُ مَهْدِيٍّ، ويزِيدُ بنُ هارُونَ (٢)، وسُفْيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، فرُوِيَ عنه، أنَّه قال: لو صَلَّيْتُ خلفَ إنْسانٍ يَقْرَأُ قِراءَةَ حَمْزَةَ لأعَدْتُ صَلَاتى. وقال أبو بكرِ بنُ عَيّاشٍ: قِراءَةُ حَمْزَةَ بِدْعَةٌ. وقال ابنُ إدْرِيسَ (٣): ما أسْتَجْرِئُ (٤) أنْ أقولَ لمَن (٥) يَقْرَأُ بقِراءَةِ حَمْزَةَ: إنَّه صاحِبُ سُنَّةٍ. وقال بِشْرُ بنُ الحارِثِ (٦): يُعِيدُ إذا صَلَّى خلفَ إمامٍ يَقْرَأُ بها. ورُوِيَ عن أحمدَ التَّسْهِيلُ في ذلك. قال الأثْرَمُ: قلْتُ لأبي عبدِ اللهِ: إمامٌ يُصَلِّي بقِراءَةِ حَمْزَةَ، أُصَلِّي خَلْفَه؟ قال: لا تبْلُغْ [به هذا] (٧) كلَّه، ولكنَّها لا تُعْجبُنِي.
стр. 1335
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن قَرَأ بقِراءَةٍ تَخْرُجُ عن مُصْحَفِ عثمانَ، كقِراءَةِ ابنِ مسعودٍ: (فَصِيَامُ ثَلَاثةِ أَيَّام مُتَتَابِعَاتٍ) وغيرِها، كُرِهَ له ذلك؛ لأنَّ القُرْآنَ يَثْبُتُ بطَرِيقِ التَّواتُرِ، ولا تَواتُرَ فيها، ولا يَثْبُتُ كَونُها قُرْآنًا. وهل تَصِحُّ صَلاتُه إذا كان مِمّا صَحَّتْ به الرِّوايَةُ واتَّصَلَ إسْنادُها؛ على رِوايَتَيْن؛ إحْداهما، لا تَصِحُّ صَلاتُه، لذلك. والثَّانِيَةُ، تَصِحُّ؛ لأنَّ الصَّحابَةَ، ﵃، كانوا يُصَلُّون بقِراءَتِهم في عَصْرِ النبيِّ ﷺ وبعدَه، وكانت صَلاتُهم صَحِيحَةً، وقد صَحَّ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أحَبَّ أنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ، فَلْيَقْرَأُ عَلَى قِرَاءَةِ ابنِ أُمِّ عَبْدٍ» (١). وكان الصَّحابَةُ، ﵃، يُصَلُّون بقِراءاتٍ لم يُثْبِتْها عثمانُ في المُصْحَفِ، لا يَرَى أحَدٌ منهمِ تَحْرِيمَ ذلك، ولا بُطلانَ صَلاتِهِم به.
فصل: فإذا فَرَغ مِن القِراءَةِ، ثَبَت قائِمًا، وسَكَت حتَّى يَرْجِعَ إليه نَفَسُه قبلَ أن يَرْكَعَ، ولا يَصِلُ قِراءَته بتَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ. قاله أحمدُ؛ لأنَّ في حديثِ سَمُرَةَ، في بَعْضِ رِواياتِه: «فَإذَا فَرَغ مِنَ الْقِرَاءَةِ سَكَتَ». رَواه أبو داودَ (٢).
стр. 1336
ثُمَّ يَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيَرْكَعُ مُكَبِّرًا، فَيَضَعُ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَيَمُدُّ ظَهْرَهُ مُسْتَوِيًا.
ــ
٤٠١ - مسألة: (ثم يَرْفَعُ يَدَيْه، ويَرْكَعُ مُكَبِّرًا، فيَضَعُ يَدَيْه على رُكْبَتَيْه، ويَمُدُّ ظَهْرَه مُسْتَوِيًا، ويَجْعَلُ رَأْسَه حِيالَ ظَهْرِه، ولا يَرْفَعُه ولا يَخْفِضُه) الكَلامُ في هذه المسألةِ في ثلاثةِ أُمُورٍ، أحَدُها، في رَفْعِ اليَدَيْن، ورَفْعُهما في تَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ مُسْتَحَبٌّ، ويَرْفَعُهما إلى فرُوعِ أُذُنَيْه، ويكون ابْتِداءُ الرَّفْعِ مع ابْتِداءِ التَّكْبِيرِ، وانْتِهاؤُه مع انْتِهائِه، كما قُلْنا في ابْتِداءِ الصلاةِ. وهذا قَوْلُ ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، وجابِرٍ، وأبي هُرَيْرَةَ، وابنِ الزُّبَيْرِ، وأنَسٍ، ﵃. وبه قال الحسنُ، وعَطاءٌ، وطاوُسٌ، وابنُ المبارَكِ، والشافعيُّ، ومالِكٌ في أحَدِ قَوْلَيْه. وقال الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ، والنَّخَعِيُّ: لا يَرْفَعُهما؛ لِما رُوِيَ عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، أنَّه قال: ألا أُصَلِّي بكم صلاةَ رسولِ اللهِ ﷺ . فصَلَّى،
стр. 1337
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فلم يَرْفَعْ يَدَيْه (١) إلَّا في أوَّلِ مَرَّةٍ (٢). حديثٌ حسنٌ. وروَى يَزِيدُ بنُ أبي زِيادٍ، عن ابنِ أَبى لَيْلَى، عن البَراءِ بنِ عازِبٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يَرْفعُ يَدَيْه إذا افْتَتَحَ الصلاةَ، ثم لا يَعُودُ. رَواه أحمدُ بمَعْناه (٣). قالُوا: والعَمَل بهذيْن (٤) الحَدِيثَيْن (٥) أوْلَى؛ لأنَّ ابنَ مسعودٍ كان فَقِيهًا، مُلازِمًا لرسولِ اللهِ ﷺ ، عالِمًا بأحْوالِه، فتُقَدَّمُ رِوايَتُه على غيرِه. ولَنا، ما روَى عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ، قال: رَأيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ إذا افْتَتَحَ الصلاةَ رَفَع يَدَيْه حتَّى يُحاذِي مَنْكِبَيْه، وإذا أراد أن
стр. 1338
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَرْكَعَ، وبعدَ ما يَرْفَعُ رَأْسَه مِن الرُّكُوعِ. مُتَّفَقٌ عليه (١). وقد ذَكَرْنا حديثَ أبي حُمَيْدٍ (٢)، وفيه الرَّفْعُ، رَواه في عَشَرَةٍ مِن الصَّحابَةِ، منهم أبو قَتادَةَ، فصَدَّقُوه. ورَواه عُمَرُ، وعليٌّ، ووائِلُ بنُ حُجْرٍ، ومالكُ بنُ الحُوَيْرِثِ، وأنَسٌ، وأبو هُرَيْرَةَ، وأبو أُسَيْدٍ، وسَهْلُ بنُ سعدٍ، ومحمدُ ابنُ مَسْلَمَةَ، وأبو موسى، فصار كالمُتَواتِرِ الذى لا يَتَطَرَّقُ إليه شَكٌّ بصِحَّةِ سَنَدِه، وكَثْرَةِ رُواتِه، وعَمِل به الصَّحابَةُ والتّابِعُون، وأنْكَرُوا على مَن تَرَكَه، فرُوِيَ أنَّ ابنَ عُمَرَ كان إذا رَأى مَن لا يَرْفَعُ، حَصَبَه (٣)، وأمَرَه
стр. 1339
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أن يَرْفَعَ. وحَدِيثاهم ضَعِيفان؛ فحديثُ ابنِ مسعودٍ، قال ابنُ المُبارَكِ: لم يَثْبُتْ. وحديثُ البَراءِ، قال أبو داودَ: هذا حديثٌ ليس بصَحِيحٍ. ولو صَحّا، كان التَّرْجِيحُ لأحادِيثِنا؛ لأنَّها أَصَحُّ إسْنَادًا، وأكْثَرُ رُواةً، ولأنَّهم مُثْبِتُون، والمُثْبِتُ يُقَدَّمُ على النّافِي، ولأنَّه قد عَمِل بها (١) السَّلَفُ مِن الصَّحابَةِ والتّابِعِين. وقَوْلُهم: إنَّ ابنَ مسعودٍ إمامٌ. قُلْنا: لا نُنْكِرُ فَضْلَه وإمامَتَه، أمّا بحيث يُقَدَّمُ على عُمَرَ وعليٍّ فلا، ولا يُساوِي واحِدًا منهما، فكيف تُقَدَّمُ رِوايَتُه؛ الأمْرُ الثاني، الرُّكُوعُ، وهو واجِبٌ في الصلاةِ بالنَّصِّ والإِجْماعِ، قال اللهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (٢). وأجْمَعُوا على وُجُوبِ الرُّكُوعِ على القادِرِ عليه. الأمْرُ الثَّالِثُ، التَّكْبِيرُ فيه، وهو مَشْرُوعٌ في كلِّ خَفْضٍ ورَفْعٍ، في قولِ أكْثَرِ أهلِ العلمِ؛ منهم ابنُ مسعودٍ، وابنُ عُمَرَ، وجابِرٌ، وأبو هُرَيْرَةَ. وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْيِ، وعَوامٌ علماءِ الأمْصارِ. ورُوِيَ عن عُمَرَ (٣) بنِ عبدِ العزيزِ، وسالِمٍ، والقاسِمِ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، أنَّهم كانوا لا يُتِمُّون التَّكْبِيرَ؛ لِما روَى عبدُ الرَّحْمنِ بن أبْزَى (٤)، أنَّه صلَّى مع النبيِّ ﷺ فكان لا يُتِمُّ التَّكْبِيرَ. يَعْنِي إذا خَفَض وإذا رَفَع. رَواه الإمامُ أحمدُ (٥). ولَنا، ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ
стр. 1340
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إذا قام إلى الصلاةِ يُكَبِّرُ حينَ يَقُومُ، ثم يُكَبِّرُ حين (١) يَرْكَعُ، ثم يَقُولُ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ». حينَ يَرْفَعُ صُلْبَه مِن الرُّكُوعِ، ثم يَقُولُ وهو قائِمٌ: «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ». ثم يُكَبِّرُ حينَ يَهْوِي ساجِدًا، ثم يُكَبِّرُ حينَ يَرْفَعُ رَأْسَه، [ثم يُكَبِّرُ حينَ يَسْجُدُ، ثم يُكَبِّرُ حينَ يَرْفَعُ رَأْسَه، ثم يَفْعَلُ ذلك في الصلاةِ كلِّها حتَّى] (٢) يَقْضِيَها. ويُكَبِّرُ حينَ يَقُومُ مِن الثِّنْتَيْن بعدَ الجُلُوسِ. مُتَّفَقٌ عليه (٣). وعن ابنِ مسعودٍ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يُكَبِّرُ في كلِّ خَفْضٍ ورَفْعٍ، وقِيامِ وقُعُودٍ، وأبو بكرٍ وعُمَرُ. رَواه الإِمامُ أحمدُ، والتِّرْمِذِيُّ (٤)، وقال: حسنٌ صحيحٌ. وقال النبيُّ ﷺ : «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٥). وقال: «إنَّمَا
стр. 1341
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا». مُتَّفَقٌ عليه (١). ولأنَّه شُرُوعٌ في رُكْنٍ، فشُرِع فيه التَّكْبِيرُ، كحالَةِ الابتِداءِ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَضَعَ يَدَيْه على رُكْبَتَيْه. ثَبَت ذلك عن رسولِ اللهِ ﷺ ، وهو قولُ عامَّةِ أهلِ العِلْمِ. وذَهَب قَوْمٌ بن السَّلَفِ إلى التَّطْبِيقِ؛ وهو أن يَجْعَلَ المُصَلِّي إحْدَى كَفَّيْه على الأُخْرَى، ثم يَجْعَلَهما بينَ رُكْبَتَيْه إذا رَكَع. وهذا كان في أوَّلِ الإِسلامِ، ثم نُسِخ. قال مُصْعَبُ بنُ سَعْدٍ: رَكَعْتُ، فجَعَلْتُ يَدَيَّ بينَ رُكْبَتَيَّ، فنَهانِي أبِي، وقال: إنّا كُنّا نَفْعَلُ هذا، فنُهِينا عنه، وأُمِرْنا أن نَضَعَ أيْدِيَنا على الرُّكَبِ. مُتَّفَقٌ عليه (٢). وفي حديثِ أَبى حُمَيْدٍ (٣): رَأَيْتُه إذا رَكَع أمْكَنَ يَدَيْه مِن رُكْبَتَيْه. ويُسْتَحَبُّ أن يُفَرِّجَ أصابِعَه؛ لِما روى وائِلُ بنُ حُجْرٍ، قال: كان النبيُّ ﷺ إذا رَكَع، فَرَّجَ أصابِعَه. رَواه البَيْهَقِيُّ (٤).
стр. 1342
وَيَجْعَلُ رأْسَهُ حِيَالَ ظَهْرِهِ، لَا يَرْفَعُهُ وَلَا يَخْفِضُهُ، وَيُجَافِي مِرْفَقَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَقَدْرُ الْإِجْزَاءِ الِانْحِنَاءُ بِحَيّثُ يُمْكنُهُ مَسُّ رُكْبَتَيْهِ،
ــ
٤٠٢ - مسألة: (ويَجْعَلُ رَأْسَه حِيالَ ظَهْرِه، ولا يَرْفَعُه ولا يَخْفِضُه) لأنَّ في حديثِ أَبى حُمَيْدٍ، في صِفَةِ الرُّكُوعِ: ثم هَصَرَ ظَهْرَه. وفي لفظٍ: ثم اعْتَدَلَ، فلم يُصَوِّب (١) رَأْسَه ولم يُقنِعْ (٢). وقالت عائشةُ، ﵂: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا رَكَع لم يَرْفَعْ رَأْسَه ولم يُصَوِّبْه، ولكنْ بينَ ذلك. مُتَّفَقٌ عليه (٣). وجاء في الحديثِ عن النبيِّ ﷺ أنَّه كان إذا رَكَع، لو كان قَدَحُ ماءٍ على ظَهْرِه ما تَحَرَّكَ (٤). وذلك لاسْتِواءِ ظَهْرِه. (و) يُسْتَحَبُّ أن (يُجافِيَ عَضُدَيْه عن جَنْبَيْه) فإنَّ في حديثِ أَبى حُمَيْدٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ وَضَع يَدَيْه على رُكْبَتَيْه، كأنَّه قابِضٌ عليهما، ووَثَّرَ يَدَيْه، فنَحَّاهُما عن جَنْبَيْه. صَحِيحٌ.
٤٠٣ - مسألة: (وقَدْرُ الإِجْزاءِ الانْحِناءُ، بحيث يُمْكِنُه مَسُّ رُكْبَتَيْه بيَدَيْه) لأنَّه لا يَخْرُجُ عن حَدِّ القِيامِ إلى الرُّكُوعِ إلَّا به، ولا
стр. 1343
ثُمَّ يَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ. ثَلَاثًا، وَهُوَ أَدْنَى الْكَمَالِ،
ــ
يَلْزَمُه وَضْعُ يَدَيْه على رُكْبَتَيْه، بل ذلك مُسْتَحَبٌّ، فإن كانتا عَلِيلَتَيْن، لا يُمْكنُه وَضْعُهما، تَرَكَهما، وإن قَدَر على وَضْعِ إحْداهُما، وَضَعَها.
فصل: وإذا رَفَع رَأْسَه، وشَكَّ هل رَكَعَ أوْ لا، أو هل أتَى بقَدْرِ الإجْزاءِ أوْ لا؟ لَزِمَه أن يَعُودَ فيَرْكَعَ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ ما شَكَّ فيه، إلَّا، أن يكُونَ وَسْواسًا، فلا يَلْتَفِتُ إليه. وكذلك حُكْمُ سائِرِ الأرْكانِ.
٤٠٤ - مسألة: (ثم يقُولُ: سُبْحانَ رَبِّيَ العَظِيمِ. ثَلاثًا. وهو أدْنَى الكمالِ) قَوْلُ: سُبْحانَ رَبِّيَ العَظِيمِ. مَشْرُوعٌ في الرُّكُوعِ. وبه
стр. 1344
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال الشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْيِ. وقال مالكٌ: ليس عندَنا في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ شئٌ مَحْدُودٌ، وقد سَمِعْتُ أنَّ التَّسْبِيحَ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ. ولَنا، ما روَى عُقْبَةُ بنُ عامِرٍ، قال: لَمّا نَزَلتْ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ (١). قال النبيُّ ﷺ : «اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ». وروَى ابنُ مسعودٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إذا رَكَعَ أحَدُكُمْ فَلْيَقلْ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ. ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَذَلِكَ أدْنَاهُ». أخْرَجَهما أبو داودَ، وابنُ ماجه (٢). وأدْنَى الكَمالِ ثَلاثٌ؛ لِما ذَكَرْنا. وتُجْزِئُ تَسْبِيحَةٌ واحِدَةٌ؛
стр. 1345
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لأن النبيَّ ﷺ لم يَذْكُرْ عَدَدًا في حديثِ عُقْبَةَ، ولأنَّه ذِكْر مُكَرَّرٌ، فأجْزَأتْ واحِدَةٌ، كسائِرِ الأذْكارِ. قال أحمدُ: جاء الحديثُ عن الحسنِ البَصْرِيِّ، أنَّه قال: التَّسْبِيحُ التّامُّ سَبْعٌ، والوَسَطُ خَمْسٌ، وأدْناه ثلاثٌ. وقال القاضي: الكامِلُ في التَّسْبِيحِ، إن كان مُنْفَرِدًا، ما لا يُخْرِجُه إلى السَّهْوِ، وفي حَقِّ الإمامِ [ما لا يَشُقُّ] (١) على المَأْمُومِين، ويَحْتَمِلُ أن يكُونَ الكَمالُ (٢) عَشْرَ تَسْبِيحاتٍ؛ لأنَّ أنَسًا روَى، أنَّ النبيَّ ﷺ كان يُصَلِّي كصلاةِ عُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ. فَحَزَرُوا (٣) ذلكَ بعَشْرِ تَسْبيحَاتٍ (٤). وقال المَيْمُونِيُّ: صَلَّيْتُ خلفَ أبي عبدِ اللهِ، فكُنْتُ أُسَبِّحُ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ عَشْرَ تَسْبِيحاتٍ وأكْثَرَ. وقال بَعْضُ أصحابنا: الكَمالُ أن يُسَبِّحَ مِثْلَ قِيامِه؛ لِما روَى البَراءُ، قال: رَمَقْتُ محمدًا ﷺ وهو يُصَلِّي، فوَجَدْتُ قِيامَه، فرَكْعَتَه، فاعْتِدالَه بعدَ رُكُوعِه، فسَجْدَتَه، فجَلْسَتَه [ما بينَ السَّجْدَتَيْنِ، فسَجْدَتَه، فجَلْسَتَه] (٥) ما بينَ التَّسْلِيمِ والانْصِرافِ، قَرِيبًا
стр. 1346
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِن السَّواءِ. مُتَّفَقٌ عليه (١).
فصل: إلَّا أنَّ الأوْلَى للإمامِ عَدَمُ التَّطْوِيلِ؛ لِيَّلَّا يَشُقَّ على المَأْمُومِين، إلَّا أن تكُونَ الجَماعَةُ يَرْضَوْن بذلك، فيُسْتَحَبُ له التَّسْبِيحُ الكامِلُ، على ما ذَكَرْنا. وإن قال: سُبْحانَ رَبِّيَ العَظِيمِ وبحَمْدِه. فلا بَأْسَ، فإنَّه قد جاء عن النبيِّ ﷺ أنَّه كان إذا رَكَع قال: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ». ثَلاثًا، وإذا سَجَد، قال: «[سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى وَبِحَمْدِهِ». ثَلاثًا. رَواه أبو داودَ (٢). قال أحمدُ بنُ نَصْرٍ (٣): رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه سُئِل: تَسْبِيحُ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ] (٤)؛ «سُبْحانَ رَبِّيَ العَظِيمِ وبحَمْدِهِ» أعْجَبُ إليك، أو «سُبْحانَ رَبِّيَ العَظِيمِ»؟ فقال: قد جاء هذا، وجاء هذا. ورُوِيَ عنه أنَّه قال: أمّا أنا فلا أقُولُ:
стр. 1347
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وبحَمْدِه. وحَكاه ابنُ المُنْذِرِ عن الشافعيِّ وأصحابِ الرَّأْيِ، لأنَّ هذه الزِّيادَةَ، قال أبو داودَ: نَخافُ أن لا تكونَ مَحْفُوظَةً. والروايَةُ بدُونِها أكَثرُ.
فصل: يُكْرَهُ أن يَقْرَأ في الرُّكوعِ والسُّجُودِ؛ لِما روَى عليٌّ -رضي الله
عنه -، عن النبيِّ ﷺ أنَّه نَهى عن قِراءَةِ القُرْآنِ في الركُوعِ والسُّجودِ (١) قال التِّرمِذِي: هذا حديث صَحِيحٌ.
стр. 1348
ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَائِلًا: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ،
ــ
٤٠٥ - مسألة: (ثم يَرْفعُ رَأْسَه قائِلًا: سَمِعَ اللهُ لمَن حَمِدَه. ويَرْفَعُ يَدَيْه) إذا فَرَغ مِن الركُوعِ، رَفَع رَأْسَه قائِلًا: سَمِعَ اللهُ لمَن حَمِدَه. ويكُونُ انْتِهاؤُه عندَ انْتِهاءِ رَفْعِه، ويَرْفَعُ يَدَيْه؛ لِما رَوَيْنا مِن الأخْبارِ. وفي مَوْضِع الرَّفْعِ رِوايتان؛ إحْداهما، بعدَ اعْتِدالِه قائِمًا. حَكاه أحمدُ بنُ الحسينِ؛ أنَّه رَأى أحمدَ يَفْعَلُه؛ لأنَّ في بعْضِ ألْفاظِ حديثِ ابنِ عُمَرَ (١): رَأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ إذا افْتَتَحَ الصلاةَ رفَعَ يَدَيْه، وإذا رَكَع، وبعدَ ما يَرْفَعُ رَأسَه مِن الرُّكُوعِ. والثانِيَةُ، يَبْتَدِئُه حينَ يَبْتَدِئُ رَفْعَ رَأسِه؛ لأنَّ أَبا حُمَيْدٍ قال في صِفةِ صلاةِ رسولِ اللهِ ﷺ : ثم قال: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَه». ورَفَع يَدَيْه (٢). وفي حديثِ ابنِ عُمَرَ في الرَّفْعِ: وإذا رَفَع رَأْسَه مِن الرُّكوعِ، رَفَعَهما كذلك، ويقُولُ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَه». وظاهِرُه أنَّه رَفَع يَدَيْه حينَ أخَذَ في رَفْعِ رَأسِه، كقَوْلِه «إذا كَبَّرَ». أي
стр. 1349
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أخَذَ (١) في التَّكْبِير. ولأنَّه مَحَلُّ رَفْع المَأْمُومِ فكان مَحَلَّ رَفْع الإمامِ كالرُّكُوعِ، فإنَّ الرِّوايَةَ لا تَخْتَلِف في أنَّ المَأمُومَ يَبْتَدِئُ الرَّفْعَ عندَ (٢) رَفْعِ رَأسِه، لأنَّه ليس في حَقِّه ذِكْرٌ بعدَ الاعْتِدالِ، والرَّفْعُ إنَّما جُعِلَ هَيئة للذِّكْرِ، وقَوْلُ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ». مَشْرُوع في حَق الإمامِ والمُنْفَرِدِ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافا في المَذْهَبِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ أبي حُمَيْدٍ، وحديثِ ابنِ عُمَرَ. ورُوِيَ أنَّ النَّبِيّ ﷺ ، قال لبُريْدَةَ: «يَا بُرَيْدَةُ، إذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ مِنَ الرُّكُوعِ، فَقُلْ: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ». رَواه الدَّارَاقُطنِيُّ (٣). ويَعْتَدِلُ قَائِمًا حتَّى يَرْجِعَ كلُّ عُضْوٍ إلى مَوْضِعِه، ويَطْمَئِنَّ، لقول أَبى حُمَيْدٍ في صِفَةِ صلاةِ رسولِ اللهِ ﷺ : وإذا رَفَع رَأْسَه اسْتَوَى قَائِمًا حتَّى يَعُودَ كلُّ فَقارٍ إلى مَكانِه. مُتَّفق عليه (٤). وقالت عائشةُ، عن النبيِّ ﷺ : فكان إذا رَفَع رَأسَه مِن
стр. 1350
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الرُّكُوعِ، لم يَسْجُدْ حتَّى يَسْتَوِيَ قائِمًا. رَواه مسلمٌ (١).
فصل: وهذا الرَّفْعُ والاعْتِدالُ عنه واجِبٌ، وبه قال الشافعيُّ وقال أبو حنيفةَ وبَعْضُ أصحابِ مالكٍ: لا يَجِبُ؛ لأنَّ اللهَ تعالى لم يَأمرْ به، وإنَّما أمَرَ بالرُّكوعِ والسُّجُودِ والقِيامِ، فلا يَجبُ غيرُه. وَلَنا، قَوْلُ النبيِّ ﷺ للمُسِيءِ في صَلاِته: «ثُمَّ ارْفَعْ حَتى تَعْتَدِلَ قَائِمًا». مُتفَقٌ عليه (٢). وداوَمَ على فِعْلِه، وقد قال: «صَلوا كَمَا رَأيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٣). وقَوْلُهم: لم يَأمُرْ به. قُلْنا: قد أَمَرَ بالقِيامِ، وهذا قِيامٌ، وقد أمَرَ به النبيُّ ﷺ ، وأمْرُه يَجبُ امْتِثالُه. ويُسَن الجَهْرُ بالتسْمِيع للإمامِ، كما يُسَنُّ له الجَهْرُ بالتَّكْبِيَرِ قِياسًا عليه. واللهُ أعلمُ.
فصل: وإذا قال مَكانَ «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»: مَن حَمِدَ الله سَمِعَ له. لم يُجْزِئْه. وقال أصحابُ (٤) الشافعيِّ: يُجْزِئُه، لإتْيانِه باللَّفْظِ والمَعْنَى. ولَنا، أنَّه عَكَس اللفْظَ المَشْرُوعَ، أشْبَهَ ما لو قال في التَّكْبِيرِ: الأكْبَرُ اللهُ. ولا نُسَلِّمُ أنَّ المَعْنَى لم يَتغَير، فإنَّ قَوْلَه: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ». صِيغةُ خَبَرٍ (٤) تَصْلُحُ للدُّعاءِ، واللفْظُ الآخَرُ صيغةُ شَرْطٍ
стр. 1351
فَإذَا قَامَ قَالَ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، مِلْءَ السّمَاءِ، وَمِلْءَ الْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ.
ــ
وجَزاءٍ، لا يَصْلُحُ لذلك (١)، فاخْتَلَفا.
٤٠٦ - مسألة: (فَإذَا اعْتَدَلَ قَائِمًا، قال: رَبَّنا ولك الحَمْدُ، مِلْءَ السَّماءِ (٢) ومِلْءَ الأرْضِ، ومِلْءَ ما شِئْتَ مِن شيء بعدُ) قولُ: «رَبَّنا ولكَ الحَمْدُ». مَشْرُوعٌ في حَقِّ كلِّ مُصَلٍّ، في المَشْهُورِ عنه. وهو قولُ أكْثَرِ أهلِ العلمِ؛ منهم ابنُ مسعودِ، وابنُ عُمَرَ، وأبو هُرَيْرَةَ، والشِّعْبِيُّ،
стр. 1352
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والشافعيُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ. وعن أحمدَ: لا يَقُولُه المُنْفَرِدُ. فإنَّه قال في رِوايِةِ إسحاقَ، في الرجلِ يُصَلى وَحْدَه، فإذا قال: «سَمِعَ اللهُ لِمن حَمِدَهُ». قال: «رَبَّنا ولك الحَمْدُ»؟ فقال: إنَّما هذا للإمامِ جَمْعُها، وليس هذا لأحَدٍ سِوَى الإمامِ. لأنَّ الخَبَرَ لم يَرِدْ به في حَقِّه، فلم يُشْرَعْ له، كقَوْلِ: «سَمِع اللهُ لمَن حَمِدَهُ» في حَق المَأْمُومِ. وقال مالكٌ وأبو حنيفةَ: لا يُشْرعُ هذا في حَق الإمامِ ولا المُنْفَرِدِ؛ لقوْلِ النبيِّ ﷺ : «إذَا قَالَ الإمَامُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنا وَلَكَ الْحَمْدُ. فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكةِ، غُفِرَ لَهُ». مُتَّفَق عليه (١). ولنَا، أنَّ أَبا هُرَيْرَةَ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يقُولُ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ». حينَ يرفَعُ صُلْبَه مِنَ الرُّكُوعِ، ثم يقُولُ وهو قائِمٌ:
стр. 1353
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
«رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ». مُتفَق عليه (١). وعن أَبى سعيدٍ، وابنِ أبي أوْفَى، أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا رَفَع رَأْسَه مِن الرُّكُوعِ، قال: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، اللَّهُم رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَواتِ وَمِلْءَ الأرضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ» رَواه مسلمٌ (٢). وما ذَكَرُوه لا حُجةَ لهم فيه؛ فإنّه إن تَرَك ذِكْرَه في حَديثِهمِ، فقد ذكَرَه في أحادِيثنا. ثم يقُولُ الإمامُ: مِلْءَ السمَواتِ وَمِلْءَ الأرْضِ، ومِلْءَ ما شِئْتَ مِن شئٍ بَعْدُ. لِما ذَكَرْنا مِن الأحادِيثِ. والصَّحِيحُ أنَّ المُنْفَرِدَ يقُولُ كما يقولُ الإمامُ؛ لِما رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال لبُريْدَةَ: «يَا بُرَيْدَةُ، إذَا رَفَعْتَ رَأسَكَ مِنَ الرُّكُوعِ، فَقُلْ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاءِ وَمِلْءَ الأرضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِن شَيْءٍ بَعْدُ». رَواه الدّارَقُطْنِيُّ (٣). وهذا
стр. 1354
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عامٌ، وقد صَحَّ أنَّ النبيَّ ﷺ كان يقولُ ذلك. رَواه عنه عليٌّ، وأبو هُرَيرَةَ، وأبو سعيدٍ، وغيرُهم (١)، ولم يُفَرِّقُوا بينَ كَوْنِه إمامًا أو مُنْفَرِدًا، ولأنَّه ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ (٢) للإمامِ، فشُرِعَ للمنْفَرِدِ كسائِرِ الأذْكارِ (٣). وذَكَر القاضي في المُنْفَرِدِ رِوايَةً، أنَّه يقُولُ: «سَمِع اللهُ لمَن حَمِدَهُ، رَبَّنا ولك الحَمْدُ». لا يَزِيدُ عليه. قال: والصحِيحُ أنَّه يقُولُ مِثْلَ الإمامِ.
فصل: ويقُولُ: «ربَّنَا ولك الحمْدُ» بواوٍ، نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ الأثْرَم، قال: سَمِعْتُ أَبا عبدِ اللهِ يُثْبِتُ أمْرَ الواوِ، وقال: روَى فيه الزُّهْرِي ثلاثةَ أحادِيثَ؛ عن أنَسٍ، وعن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ عن أبي هُرَيْرَةَ، وعن سالِم عن أَبيه. وهو قَوْلُ مالكٍ. ونَقَل ابنُ منصورٍ، عن أحمدَ، إذا رَفَع رَأسَه مِن الرُّكُوعِ قال: «اللَّهُمَ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ». رَواه
стр. 1355
فَإنْ كَانَ مَأمُومًا لَمْ يَزِدْ عَلَى: رَبَنا وَلَكَ الْحَمْدُ،
ــ
أبو سعيدٍ، وابنُ أبي أوْفَى. فاسْتَحِبَّ الاقْتِداءُ به في القَوْلَيْن. وقال الشافعيُّ: السُّنَّةُ قَوْلُ: رَبَّنا لك الحَمْدُ. لأنَّ الواوَ للعَطْفِ، وليس هاهُنا شيء يُعْطَفُ عليه. ولَنا، أنَّ السُّنَّةَ الاقْتِداءُ بالنبيِّ ﷺ وقد، صَحَّ عنه ذلك، ولأنَّ إثْباتَ الواوِ أكْثَرُ حُرُوفًا، ويَتَضَمِّنُ الحَمْدَ مُقَدِّرًا ومُظْهَرًا، إذِ التَّقْدِيرُ: رَبَّنا حَمِدْناك ولك الحَمْدُ: فإنَّها لَمَّا كانت للعَطْفِ ولا شئَ هاهُنا تَعْطِفُ عليه، دَلَّتْ على التَّقْدِيرِ الذى ذَكَرْناه (١)، كقَوْله: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ». أي وبحَمْدِك سُبْحانَك، وكَيْفَما قَال كان حَسَنًا؛ لأَنَّ السُّنَّةَ قد وَرَدَتْ به.
٤٠٧ - مسألة: (فإن كان مَأمُومًا لم يَزِدْ على: رَبَّنا ولك الحَمْدُ .
стр. 1356
إلَّا عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ،
ــ
إلَّا عندَ أبي الخَطَّابِ) قال شيخُنا (١): لا أعْلَمُ خِلافًا في المَذْهَبِ أنَّه لا يُشْرَعُ للمَأَمُومِ قَوْلُ: سَمِع اللهُ لمَن حَمِدَه. وهذا قولُ ابنِ مسعودٍ، وابنِ عُمَرَ، وأبي هُرَيْرَةَ، ومالكٍ، وأصحابِ الرَّأيِ. وقال يعقوبُ، ومحمدٌ، والشافعيُّ، وإسحاقُ: يقُولُ ذلك كالإمامِ؛ لحديثِ بُرَيْدَةَ، وقِياسًا على الإمامِ في سائِرِ الأذْكار. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : «إذَا قَالَ الْإمَامُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» (٢). وهذا يقْتَضِي أن يكُونَ قوْلُهم: رَبَّنا ولك الحَمْدُ. عَقِيبَ تَسْمِيع الإمامِ بلا فَصْلٍ؛ لِأنَّ الفاءَ للتَّعْقِيبِ، وهذا ظاهرٌ يَجِبُ تَقْدِيمُه على القِياسِ، وعلى حديثِ بُرَيْدَةَ؛ لأنَّه (٣) خاصٌّ بالمَأمُومِ، وذلك عامٌ ولو تَعارَضا كان حَدِيثُنا أوْلَى؛ لأئَّه صَحِيحٌ، وحديث بُرَيْدَةَ فيه جابِرٌ الجُعْفِيُّ (٤). فأمّا قولُ: «مِلْءَ السَّماءِ». وما بعدَه، فظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّه لا يُسَنُّ للمَأمُومِ. اخْتارَه الخِرَقِي، ونَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ أبي داودَ وغيرِه،
стр. 1357
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
واخْتارَه أكْثَرُ أصحابِه؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ اقْتَصَر على أمْرِهم بقَوْلِ: «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ». فدَلَّ على أنَّه لا يُشْرَعُ لهم سِواه. ونَقَل الأثْرَمُ عنه ما يَدُلُّ على أنَّه مَسْنُون، وهو أنَّه قال: ليس يَسْقُطُ خلفَ الإمامِ عنه غيرُ: سَمِع اللهُ لمَن حَمِدَهُ. اخْتارَه أبو الخَطَّابِ، وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّه ذِكرٌ مَشْرُوعٌ في الصلاةِ، أشْبَهَ سائِرَ الأَذْكارِ.
فصل: ومَوْضِعُ قولَ: رَبَّنا ولك الحَمْدُ في حَق الإمامَ والمُنْفَرِدِ بعدَ القِيامِ مِن الرُّكُوعِ، لأَنَّه في حالِ رفْعِه (١) يقُولُ: سَمِعَ اللهُ لمَن حَمِدَه. [فأمّا المَأمُومُ ففي حالِ رَفْعِه؛ لأنَّ قَوْلَ النبيِّ ﷺ : «إذَا قَالَ الإمَامُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ] (٢). فَقُولُوا (٣): رَبَّنا وَلَكَ الحَمْدُ». يَقْتَضى تعْقِيبَ قَوْلِ الإمامِ قولَ المَأمُومِ، والمَأمُومُ يَأخُذُ في الرفْعِ عَقِيبَ قولِ الإمامِ: سَمِعَ اللهُ لَمَن حَمِدَهُ. فَيَكُونُ قَوْلُه: رَبَّنا ولك الحَمْدُ. حِينَئذٍ، وَاللهُ أعلمُ.
فصل: وإن زاد على قَوْلِ: [رَبَّنا ولك الحَمْدُ] (٤)، مِلءَ
السَّماءِ (٥)، ومِلْءَ الأرْضِ، ومِلءَ ما شِئْتَ مِن شيء بعدُ. فقد اخْتَلَفَ عن أحمدَ فيه؛ فَرُوِيَ عنه، أنَّه قِيلَ له: أتَزِيدُ على هذا، فَتقُولُ: أهلَ الثَّناءِ
стр. 1358
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والمَجْدِ؟ فقال: قد رُوِيَ ذلك، وأمّا أنا فأقُولُ هذا إلى: ما شِئْتَ مِن شيء بعدُ، فظاهِرُ هذا أنَّه لا يُسْتَحَبُّ ذلك في الفرِيضَةِ اتِّباعًا لأكْثَرِ الأحادِيثِ الصحِيحَةِ. ونَقَل عنه أبو الحارثِ، أَنَّه قال: وأنا أقُولُ ذلك. يَعْنِي، أهْلَ الثَّناءِ والمَجْدِ. فظاهِرُه أنَّه يُسْتَحَبُّ، اخْتارَه أبو حَفصٍ، وهو الصَّحِيحُ؛ لِما روَى أبو سعيدٍ، قال: كان النبيُّ ﷺ إذا رَفَع رَأْسَه مِن الرُّكُوعِ، قال: «اللَّهُمَّ رَبَّنا لَكَ (١) الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَاوَاتِ (٢) وَمِلْءَ الْأَرْض، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ [مِنْ شَيْءٍ] (٣) بَعْدُ، أهْلَ الثناءِ والْمَجْدِ (٤)، أحَقُّ مَا قَالَ العَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، اللهُم لَا مَانِعَ لِمَا أعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ». وروَى ابنُ عباسٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا رَفَع رَأْسَه مِن الرُّكُوعِ قال: «اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَوَاتِ (٢) وَمِلْءَ الْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْء بَعْدُ، أهْلَ الثناءِ وَالْمَجْدِ، لَا مَانِعَ لِمَا أعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ، مِنْكَ الْجَدُّ». وروَى عبدُ اللهِ بنُ أبي أوْفَى بعدَ قولِه: «وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ»: «اللَّهُمَّ طَهِّرْنِي بِالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ وَالْمَاءِ الْبَارِدِ، اللَّهُمَّ
стр. 1359
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
طَهِّرْنِي مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطايَا كَمَا يُنقَّى الثُّوْبُ الأبيَضُ مِنَ الدَّنَسِ» (١). رَواهُنَّ مسلمٌ (٢). وقد كان النبيُّ ﷺ يُطِيلُ القِيامَ بينَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، قال أَنَسٌ: كان النبيُّ ﷺ إذا قال: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ». قام حتَّى نقُولَ: قد أوْهَمَ (٣). ثم يَسْجُدُ ويَقْعُدُ بينَ السَّجْدَتَيْن حتَّى نقُولَ: قد أوْهَمَ. رَواه مسلمٌ (٤). وليست حالَةَ سُكوتٍ، فنَعْلَمَ (٥) أَنَّه ﵇ كان يَزِيدُ على هذه الكلِماتِ، لكَوْنِها لا تَسْتَغْرِقُ هذا القِيامَ
كلَه.
стр. 1360
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإذا رَفَع رَأسَه مِن الرُّكوعِ، فعَطسَ، فقال: رَبَّنا ولك الحَمْدُ. يَنْوِي بذلك للعَطْسَةِ والرفْعِ، فرُوِيَ عنه: لا يُجْزِئُه. لأنَّه لم يُخْلِصْه للرَّفعِ. قال شيخُنا (١): والصَّحِيحُ أنَّه يُجْزِئُه؛ لأنَّه ذِكْرٌ لا تُعْتَبَرُ له النيةُ، وقد أتَى به فأجْزَأه، كما لو قاله ذاهِلًا، ويُحْمَلُ قولُ أحمدَ على الاسْتِحْباب، لا على نَفْيِ الإجْزاءِ حَقِيقَةً.
فصل: وإذا أتَى بقَدْرِ الإجْزاءِ من الرُّكُوعِ، فاعْتَرَضَتْه عِلَّةٌ مَنَعَتْه القِيامَ، سَقَط عنه الرَّفْعُ؛ لتَعَذرِه، ويَسْجُدُ عن الرُّكُوعِ. فإن زالَتِ العِلَّةُ قبلَ سُجُودِه، فعليه القِيامُ. وإن زالَتْ بعدَ سُجُودِه إلى الأرضِ، سَقَط القِيامُ؛ لأن السُّجُودَ قد صَحَّ وأجْزَأ، فسَقطَ (٢) ما قبلَه. فإن قام مِن سُجُودِه عالِمًا بتَحْرِيمِ ذلك، بَطَلَتْ صَلَاتُه؛ لأنَّه زاد في الصلاةِ فِعْلًا. وإن كان جاهِلًا أو ناسِيًا، لم تَبْطُلْ، ويَعُودُ إلى جَلْسَةِ الفَصْلِ، ويَسْجُدُ للسَّهْوِ.
فصل: وإن أراد الرُّكُوعَ، فوَقَعَ إلى الأرضِ، فإنَّه يَقومُ فيَرْكعُ. وكذلك إن رَكَع فسَقَطَ قبلَ [طمَأْنِينَتِه، بَطَل الرُّكُوعُ] (٣)؛ لأنَّه لم يَأتِ بما يُسْقِطُ الفَرْضَ. فإن رَكَع فاطْمَأنَّ، ثُمْ سَقط، فإنَّه يقُومُ مُنْتَصِبًا، ولا يُعيدُ الرُّكوعَ؛ لأنَّ (٤) فَرْضَه قد سَقَط، والاعْتدالُ عنه قد سَقَط بقِيامِه.
стр. 1361
ثُمَّ يُكَبِّر وَيَخِرُّ سَاجِدًا، وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ،
ــ
فصل: إذا رَفَع رَأسَه مِن الركُوعِ، فذَكَرَ أنَّه لم يُسَبِّحْ في ركُوعِه، لم يَعُدْ إلى الرُّكُوعِ، سَواءً ذَكَرَه بعدَ اعْتِدالِه قائِمًا أو قبلَه؛ لأن التَّسْبِيحَ قد سَقَط برَفْعِه، والركُوعَ (١) قد وَقَع صَحِيحًا مُجْزِئًا، فلو عاد إليه، زاد رُكُوعًا في الصلاةِ غيرَ مَشْرُوع، فإن فَعَلَه عَمْدًا، أبْطَلَ الصلاةَ، وإن فَعَلَه ناسِيًا أو جاهِلًا، لم تَبْطُلِ الصلاةُ، كما لو ظَنَّ أنَّه لم يَرْكَعْ، ويَسْجُدُ للسَّهْوِ. فإن أدْرَكَ المَأمُومُ الإمامَ في هذا الركُوعِ، لم يُدْركِ الركْعَةَ؛ لأنَّه ليس بمَشْرُوعٍ في حَقِّه، ولأنَّه لم يُدْرِكْ رُكوعَ الرَّكْعَةِ، فأشْبَهَ ما لو لم يُدْرِكْه راكِعًا. ذَكَرَه شيخُنا (٢). وقال القاضي في «المُجَردِ»: إن رَجَع الإمامُ، لم تَبْطُلْ صَلاُتَه، فَإن أدْرَكَه المَأمُومُ، فقِياسُ المَذْهَبِ أنَّه يُعْتَدُّ بها رَكْعَةً؛ لأنَّه رَجَع إلى واجِبٍ، غيرَ أنَّه سَقَط عنه بالنِّسْيانِ.
٤٠٨ - مسألة: (ثم يُكَبِّرُ وَيَخِرُّ ساجِدًا، ولا يَرْفَعُ يَدَيْه) السُّجُودُ واجِبُ في الصلاةِ بالنَّصِّ والإجْماعِ، والطمَأنِينَةُ واجِبَة فيه؛ لقَوْلِ النبيِّ
стр. 1362
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ﷺ للمُسِيءِ في صَلاتِه: «ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِن سَاجِدًا» (١). والخِلافُ فيها كالخِلافِ في طُمَأنِينَةِ الرُّكُوعِ. ويَنْحَط إلى السُّجُودِ مُكَبِّرًا، لِما ذكرْنا من الأخْبارِ، ويكُونُ ابْتِداءُ تَكْبِيرِه مع ابْتِداءِ انْحِطاطِه، وانْتِهاؤه مع انْتِهائِه. ولا يُسْتَحَبُّ رَفْعُ يَدَيْه فيه (٢)، في المَشْهُورِ مِن المَذْهَبِ: ونَقَل عنه (٣) المَيْمُونِيُّ، أنَّه يَرْفَعُ يَدَيْه. وسُئِل عن رَفْع اليَدَيْن في الصلاةِ، فقال: يَرْفَعُ في كل خَفْضٍ ورَفْعٍ. وقال: فيه عن ابنِ عُمَرَ وأبي حُمَيْدٍ أحادِيثُ صِحاحٌ. ووَجْهُ الأوَّلِ حديثُ ابنِ عُمَرَ، قال: وكان لا يَفْعَلُ ذلك في السُّجُودِ. مُتفَق عليه (٤). ولَمَّا وَصَف أبو حُمَيْدٍ صلاةَ النَّبِيّ ﷺ لم يَذْكُرْ رَفْعَ الَيَدَيْن في السُّجُودِ (٥). والأحادِيثُ العامَّةُ مُفَسَّرَةٌ بالأحادِيثِ المُفَصَّلَةِ التى رَوَيْناها، فلا يَبْقَى فيها اختِلافٌ.
стр. 1363
فَيَضَعُ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يَدَيْهِ، ثُمَّ جَبْهَتَهُ وَأنْفَهُ، وَيَكُونُ عَلَى أطْرَافِ أصَابِعِهِ.
ــ
٤٠٩ - مسألة: (فيَضَعُ رُكْبَتَيْه، ثم يَدَيْه، ثم جَبْهَتَه وَأَنفَه، ويكونُ على أطْرافِ أصابِعِه) هذا المَشْهُورُ مِن المَذْهَبِ، رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ (١)، ﵁. وهو قَوْلُ أبي حنيفةَ، والثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ. وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّه يَضَعُ يَدَيْه قَبْل رُكْبَتَيْه. وهو مذهبُ مالكٍ؛ لِما رُوِيَ عن أبي هُرَيْرَةَ، قَال: قَال رسولُ اللهِ ﷺ : «إذَا سَجَدَ أحَدُكُمْ فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ، وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْل رُكْبَتَيْهِ». رَواه أبو داودَ، والنَّسائِيُّ (٢). وعن ابنِ عُمَرَ، أنَّ النبيَّ ﷺ كان إذا سَجَد يَضَعُ يَدَيْه قَبلَ رُكْبَتَيْه. رَواه الدَّارَقُطْنِيُّ (٣). ووَجْهُ الأولى ما روَى وائِلُ بنُ حُجْرٍ، قال: رَأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ إذا سَجَد وَضَع رُكْبَتَيْه
стр. 1364
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قبلَ يَدَيْه، وإذا نَهَض رَفَع يَدَيْه قبلَ رُكْبَتَيْه. رَواه أبو داودَ، والنَّسائِيُّ، وابنُ ماجه، والترمِذِيُّ (١)، وقال: حسنٌ غريبٌ. قال الخَطَابِيُّ: هذا أَصَحُّ مِن حديثِ أبي هُرَيْرَةَ (٢). وقد روَى الأثْرَمُ حَدِيثَ أبي هُرَيْرَةَ: «إذَا سَجَدَ أحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأ بِرُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَلَا يَبْرُكْ بُرُوكَ الْبَعِيرِ» (٣). وعن سعدٍ، قال: كُنَّا نَضَعُ اليَدَيْن قبل الركْبَتَيْن، فأُمْرِنا بوَضْعِ الركْبَتَين
стр. 1365
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قبلَ اليَدَيْن (١). وهذا (٢) يَدُلُّ على أنَّه مَنْسُوخٌ. رَواه ابنُ خُزَيْمَةَ (٣)، إلَّا أنَّه مِن رِوايَةِ يَحْيَى بنِ سَلَمَةَ بنِ كُهَيْل، وقد تَكلمَ فيه البُخارِيُّ، وقال ابنُ مَعِين: ليس بشئٍ، لا يُكْتَبُ حَدِيثُه. وقال الدّارَقُطْنِيُّ (٤) في حديثِ وائِلِ بنِ حُجْر: تَفَرَّدَ به شَرِيكٌ، عن عاصِمِ بن كُلَيْب، وشَرِيكٌ ليس بالقَوِيِّ فيما تَفَرّدَ به. ويُسْتَحَبُّ أن يكُونَ على أطْرافِ أصابِعِه، ويَثْنِيَها (٥) إلى القِبْلَةِ؛ لقَوْلِ النبيِّ ﷺ : «أُمِرْتُ أنْ أسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أعْظمٍ» (٦). ذَكَر منها أطْرافَ القَدَمَيْن. وروَى البخارِيُّ، أن النبيَّ
стр. 1366
وَالسُّجُودُ عَلَى هَذِهِ الْأَعْضَاءِ وَاجِبٌ، إلَّا الْأَنْفَ عَلَى إحْدَى الرَّوَايَتَيْنِ.
ــ
ﷺ سَجَد غيرَ مُفْتَرِشٍ ولا قابضِهما، واسْتَقْبَلَ بأطْرافِ رِجْلَيْه القِبْلَةَ. وفي رِوايَةٍ: وفَتَح أصابعَ رِجْلَيْه (١). وهذا مَعْناه.
٤١٠ - مَسألة: (والسُّجُودُ على هذه الأعْضاءِ واجِبٌ، إلَّا الأنفَ، على إحْدَى الروايتين) السُّجُودُ على الأعْضاءِ السَّبْعَةِ واجِبٌ، في قَوْلِ طاوُسٍ، وإسحاقَ، والشافعيِّ في أحَدِ قَوْلَيْه. وقال مالكٌ،
стр. 1367
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ الآخَرِ: لا يَجِبُ السُّجُودُ على غيرِ الجَبْهَةِ. ورَواه الآمِدِيُّ، عن أحمدَ. وقال القاضي في «الجامِع»: هو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ؛ فإنَّه قد نصَّ في المَرِيضِ يَرْفَعُ شيئًا يَسْجُدُ عليه، أنَّه يُجْزِئُه. ومَعْلُوم أنَّه قد أخَلَّ بالسُّجُودِ على يَدَيْه؛ لقَوْلِ النبيِّ ﷺ «سَجَدَ وَجْهِي» (١). وهذا يَدُل على أنَّ السُّجُودَ على الوَجْهِ، ولأنَّ السَّاجِدَ على الوَجْهِ يُسَمى ساجدًا، ووَضْعَ غيرِه على الأرْضِ لا يُسَمى به ساجِدًا، فالأمْرُ بالسُّجُودِ يَنْصَرِفُ إلى ما يُسَمِّي به ساجِدًا دُونَ غيرِه، ولأنَّه لو وَجَب السُّجُودُ على هذه الأعْضاءِ، لوَجَبَ كَشْفُها، كالجَبْهَةِ. ولَنا، ما روَى ابنُ عباس، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «أمِرْتُ أنْ أسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أعْظُم؛ الْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَالْقَدَمَيْنِ، وَالْجَبْهَةِ». مُتَّفَق
стр. 1368
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عليه. وعن البَراءِ بنِ عازِبٍ، قال: قال رسول اللهِ ﷺ : «إذَا سَجَدْتَ فَضَعْ كفَّيْكَ وَارْفَعْ مِرْفَقَيْكَ». رَواه مسلمٌ (١). وسُجُودُ الوَجْهِ لا يَنْفِي سُجُودَ ما عَداه، وسُقُوطُ الكَشْفِ لا يَمْنَعُ وُجُوبَ السُّجُودِ، [فإنَّا نَمْنَعُ] (٢) في الجَبْهَةِ على رِوايَةٍ، ولو سُلِّمَ فالجَبْهَةُ هي الأصْلُ في السُّجُودِ، وهي مَكشُوفَةٌ (٣) عادَةً، بخِلافِ غيرِها، فإن أخَلُّ بالسُّجُودِ على عُضْوٍ مِن هذه الأعْضاءِ، لم تَصِح صَلاُتَه عندَ مَن أوْجَبَه، وإن قَدَر على السُّجُودِ على الجَبْهَةِ، وعَجَز عن السُّجُودِ على بَعْضِ هذه الأعضاء، سَجَد على بَقِيَّتِها، وقَرَّبَ العُضْوَ المَرِيضَ مِن الأرْضِ غايَةَ ما يُمْكِنُه، ولا يَجِبُ عليه أن يَرْفَعَ إليه شيئًا؛ لأَنَّ السُّجُودِ هو الهُبُوطُ، ولا يَحْصُلُ بالرفْعِ، وإن سَقَط السُّجُودُ على (٤) الجَبْهَةِ؛ لعارِضٍ مِن مَرَض أو غيرِه، سَقَط عنه السُّجُودُ على غيرِه، لأنَّه الأصْلُ، وغيرَه تَبَعٌ له، فإذا سَقَط الأصْلُ سَقَط التبعُ، ولهذا قال أحمدُ في المَرِيضِ يَرْفَعُ إلى جَبْهَتِه شيئًا يَسْجُدُ عليه: أنَّه يُجْزِئُه.
стр. 1369
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وفي الأنْفِ رِوايَتان؛ إحْداهما، يَجبُ السُّجودُ عليه. وهو قولُ سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وإسحاقَ؛ لِما روَى ابنُ عباسٍ، أن النبيَّ ﷺ قال: «أمِرْتُ أنْ أسْجُدَ عَلَى سَبْعةِ أعْظُمٍ، عَلَى (١) الْجَبْهَةِ». وأشار بيَدِه إلى أنفِه. «وَالْيَدَيْنِ، وَالركْبَتَيْنِ، وأطْرافِ الْقَدَمَيْن». مُتَّفَق عليه (٢). وإشارَتُه إلى أنْفِه تَدُل على إرادَتِه. وللنَّسائِيِّ، أن النبيَّ ﷺ قال: «أمِرْتُ أنْ أسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أعْظُمٍ عَلَى (١) الجَبْهَةِ، وَالأنْفِ، وَالْيَديْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَالْقَدَمَيْنِ» (٣). والرِّوِايَةُ الثَّانِيَةُ، لا يَجبُ. وهو قولُ عَطاء، والحسنِ، والشافعيِّ، وأبي يُوسُف، ومحمدٍ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «أمِرْتُ أن أسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أعْظُم». ولم يَذْكُرِ الأنفَ فيها، ورُوِيَ أنَّ جابِرًا قال: رَأيتُ النبيَّ ﷺ سَجَد بأعْلى جَبْهَتِه على قُصاصِ الشَّعَرِ (٤). رَواه تَمَّامٌ في «فَوائِدِ»، وغيرُه. وإذا سَجَد بأعْلَى الجَبْهَةِ لم يَسْجُدْ على الأنْفِ. ورُوِيَ عن أبي حنيفةَ: إن سَجَد على [أنْفِهِ دُونَ جَبْهَتِهْ] (٥)، أجْزَأه (١). ولَعَلَّه ذَهَب إلى أنَّ الجَبْهَةَ والأَنْفَ عُضْو واحِدٌ؛
стр. 1370
وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ مُبَاشَرَةُ المُصَلَّى بِشَيْء مِنْهَا، إلَّا الْجَبهَةَ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
ــ
لإشارَةِ النبيِّ ﷺ إليه حينَ ذَكرَ الجَبْهَةَ. والسُّجُودُ على بعضِ العُضْوِ يُجْزِئُ. وهذا قَوْل يُخالِفُ الحديثَ الصَّحِيحَ والعُلَماءَ قبلَه. قال ابنُ المُنْذِرِ: لا أعْلَمُ أحدًا سَبَقَه إلى هذا القَوْلِ. واللهُ أعلمُ.
٤١١ - مسألة: (ولا تَجِبُ عليه مُباشَرَةُ المُصَلَى بشئٍ منها، إلَّا الجَبْهَةَ على إحْدَى الروايَتَيْن) لا تَجِبُ مُباشَرَةُ المُصَلَى بشئٍ مِن أعْضاءِ السُّجُودِ في الصَّحِيحِ مِن المَذْهَبِ. قال القاضي في «المُجَرَّدِ»: إذا