. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويَحْتَمِلُ أنَّه مُباحٌ؛ لأنَّه يُشْبهُ اليَرْبُوعَ، ومتى تَرَدَّدَ بينَ الإِباحَةِ والتَّحْرِيمِ، غُلِّبَتِ الإِباحَةُ؛ لأنَّها الأصْلُ، وعُمومُ النُّصوصِ يقْتَضِيها.
فصل: والفِيلُ مُحَرَّمٌ. قال أحمدُ: ليس هو مِن أطْعِمَةِ المسلمين. وقال الحسنُ: هو مَسْخٌ. وكَرِهَه أبو حنيفةَ، والشافعيُّ. ورَخَّصَ الشَّعْبِيُّ في أكلِه. ولَنا (١)، نَهْيُ النبيِّ ﷺ عن أكْلِ كُلِّ ذِي نابٍ مِن السِّباعِ. وهو مِن أعْظَمِها نابًا، ولأنَّه مُسْتَخْبَثٌ، فيَدْخُلُ في عُمومِ الآيَةِ المُحَرِّمَةِ.
стр. 13388
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فأمّا الدُّبُّ، فيُنْظَرُ فيه؛ فإن كان ذا نابٍ يَفْرِسُ به، فهو، مُحَرَّمٌ، وإلَّا فهو مُباحٌ. قال أحمدُ: إن لم يَكُنْ له نابٌ، فلا بَأْسَ به. وقال أصْحابُ أبي حنيفةَ: هو سَبُعٌ؛ لأنَّه أشْبَهُ شيءٍ بالسِّباعِ، فلا يُؤْكَلُ. ولَنا، أنَّ الأصْلَ الإِباحَةُ، ولم يتَحَقَّقْ وُجودُ المُحَرِّمِ، فيَبْقَى على الأصْلِ، وشَبَهُه بالسِّباعِ إنَّما يُعْتَبَرُ في وُجودِ العِلَّةِ المُحَرِّمَةِ، وهو كونُه ذا نابٍ يَصِيدُ به ويَفْرِسُ، فإذا لم يُوجَدْ ذلك، كان داخِلًا في عُمومِ النُّصوصِ المُبِيحَةِ.
стр. 13389
وَمَا عَدَا هَذَا مُبَاحٌ؛ كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، وَالْخَيلِ، وَالدَّجَاجِ،
ــ
٤٦٠٩ - مسألة: (وما عَدا هذا فمُباحٌ؛ كبَهِيمَةِ الأنْعامِ، والخَيلِ، والدَّجَاجِ) لعُمومِ النُّصوصِ الدَّالَّةِ على الإِباحَةِ، كبَهِيمَةِ الأنْعامِ، وهي الإِبِلُ، والبقرُ، والغنمُ، قال اللهُ تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ (١). والخَيلُ كُلُّها، عِرَابُها وبَراذِينُها. نَصَّ أحمدُ على ذلك. وبه قال ابنُ سِيرِينَ. ورُوِيَ ذلك عن ابنِ الزُّبَيرِ، والحسَنِ، وعَطاءٍ، والأسْوَدِ بنِ يَزِيدَ. وبه قال حَمَّادُ بنُ زيدٍ، واللَّيثُ، وابنُ المُبارَكِ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ. وقال سعيدُ بنُ جُبَيرٍ: ما أكَلْتُ شيئًا أطْيَبَ مِن مَعْرَفَةِ (٢) بِرْذَوْنٍ. وحَرَّمها أبو حنيفةَ. وكَرِهَها مالِكٌ، والأوْزَاعِيُّ، وأبو عُبَيدٍ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَالْخَيلَ وَالْبِغَال وَالْحَمِيرَ
стр. 13390
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لِتَرْكَبُوهَا﴾ (١). وعن خالِدٍ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «حَرَامٌ عَلَيكُمُ الْحُمُرُ الْأَهْلِيَّةُ، وخَيلُهَا، وبِغَالُهَا» (٢). ولأنَّه ذو حافِرٍ، أشْبَهَ الحِمارَ. ولَنا، قولُ جابِرٍ: نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ يومَ خيبَرَ عن لُحومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ، وأذِنَ في لُحومِ الخَيلِ. مُتَّفَقٌ عليه (٣). وقالت أسماءُ: نَحَرْنا فَرَسًا على عَهْدِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فأكَلْناه، ونحنُ بالمَدِينَةِ. مُتَّفَقٌ عليه (٤). ولأنَّه حَيوانٌ طاهِرٌ مُسْتَطابٌ، ليس بذِى نابٍ ولا مِخْلَبٍ، فيَحِلُّ، كبَهيمَةِ الأنْعامِ، ولأنَّه داخِلٌ في عُمومِ الآياتِ والأخْبارِ المُبِيحَةِ. وأمّا الآيةُ فإنَّهم إنَّما يتعَلَّقُونَ بدليلِ خِطابِها، وهم لا يقولون به. وحديثُ خالدٍ ليس له إسْنادٌ جَيِّدٌ. قاله أحمدُ. قال: وفيه رجُلان لا يُعْرَفان، يَرْويه ثَوْرٌ عن رجُلٍ ليس بمَعْرُوفٍ، فلا نَتْرُكُ أحادِيثَنا لِمثل هذا الحديثِ المُنْكَرِ.
والدَّجاجُ مُباحٌ. قال أبو مُوسى: رأيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يأكُلُ
стр. 13391
وَالْوَحْشِيِّ مِنَ الْبَقَرِ، وَالظِّبَاءِ، وَالْحُمُرِ،
ــ
الدَّجاجَ (١).
٤٦١٠ - مسألة: (والوَحْشِيُّ مِن البَقَرِ، والظِّباءِ، والحُمُرِ) يُباحُ. بَقَرُ الوَحْشِ، على اخْتِلافِ أنْواعِها، مِن الأُيَّلِ (٢)، والثَّيتَلِ (٣)، والوَعْلِ، والمَها (٤)، وكذلك الظِّبَاءُ، وسائرُ (٥) الوَحْشِ مِن الصُّيودِ كلِّها مُباحَةٌ (٦)، وتُفْدَى في الإِحْرامِ، [وحُمُرُ الوَحْشِ] (٧). وهذا كُلُّه مُجْمَعٌ عليه، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، إلَّا ما روَى طَلْحَةُ بنُ مُصَرِّفٍ، أنَّ الحِمارَ الوَحْشِيَّ إذا أَنِسَ واعْتَلَفَ، فهو بمَنْزِلَةِ الأهْلِيِّ. قال أحمدُ: وما ظَنَنْتُ أنَّه رُوِيَ في هذا شيءٌ، وليس الأمْرُ عندِي كما قال، وأهلُ العلمِ على خِلافِه؛ لأنَّ الظِّباءَ إذا تَأنَّسَتْ لم تَحْرُمْ، والأهْلِيُّ إذا تَوَحَّشَ لم يَحِلَّ، ولا يتغيَّرُ
стр. 13392
وَالزَّرَافَةِ، وَالنَّعَامَةِ، وَالْأَرْنَبِ
ــ
منها شيءٌ عن أصْلِه وما كان عليه. قال عَطاءٌ، في حمارِ الوَحْشِ: إذا تَناسَلَ في البُيوتِ، لا تَزُولُ عنه أسْماءُ الوَحْشِ. فأمّا الزَّرافَةُ فسُئِلَ أحمدُ عنها: تُؤْكَلُ؟ قال: نَعَمْ. وهي دابَّةٌ تُشْبِهُ البَعِيرَ، إلَّا أنَّ عُنُقَها أطْوَلُ مِن عُنُقِه، وجِسْمَها ألْطَفُ مِن جِسْمِه، وأعْلَى منه، ويَداها أطْولُ مِن رِجْلَيها، وهي مُباحَةٌ لعُمومِ النُّصوصِ المُبِيحَةِ، ولأنَّها مُسْتَطابَةٌ، ليس لها نابٌ، ولا هي مِن المُسْتَخْبَثاتِ، أشْبَهَتِ الإِبِلَ. وحَرَّمَها أبو الخَطّابِ. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لِما ذكَرْنا. والنَّعامَةُ مُباحَةٌ، وقد قَضَى فيها الصَّحابَةُ، ﵃، ببَدَنَةٍ إذا قَتَلَها المُحْرِمُ، ولا نَعْلَمُ في إباحَتِها خِلافًا.
٤٦١١ - مسألة: (والأرْنَبُ) مُباحَةٌ، أكلَها (١) سعدُ بنُ أبي
стр. 13393
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَقَّاصٍ. ورَخَّصَ فيها أبو سعيدٍ، وعَطاءٌ، وابنُ المُسَيَّبِ، واللَّيثُ، ومالِكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. ولا نَعْلَمُ قائِلًا بتَحْرِيمِها، إلَّا شيئًا رُوِيَ عن عمرِو بنِ العاصِ. وقد صَحَّ عن أنسٍ أنَّه قال: أنْفَجْنَا (١) أرْنَبًا، فسَعَى القَوْمُ فلَغَبُوا (٢)، فأخذْتُها، وجئْتُ بها أبا طَلْحَةَ، فذَبَحَها فبَعَثَ بوَرِكِها -أو قال- فَخِذِها إلى النبيِّ ﷺ فقَبِلَه. مُتَّفَقٌ عليه (٣). وعن محمدِ بنِ صَفْوانَ، أو صَفْوانَ بنِ محمدٍ، قال: صِدْتُ أرْنَبَين، فَذَبَحْتُهُما بمَرْوَةَ (٤)، فسَألْتُ رسولَ اللهِ ﷺ فأمَرَنِي
стр. 13394
وَسَائِرِ الْوَحْشِ، وَالضَّبُعِ، والضَّبِّ،
ــ
بأَكْلِهِما. رَواه أبو داودَ (١). ولأنَّها حيوانٌ مُسْتَطابٌ، ليس بذِي نابٍ، فأَشْبَهَ الظَّبْيَ (٢).
٤٦١٢ - مسألة: (وسائِرُ الوَحْشِ) لِعُمومِ النَّصِّ (والضَّبُعُ، والضَّبُّ) رُويَتِ الرُّخْصَةُ في الضَّبُعِ عن سَعْدٍ، وابنِ عمرَ، وأبي هُرَيرَةَ، وعُرْوَةَ بنِ الزُّبَيرِ، وعِكْرِمَةَ، وإسحاقَ. قال عُرْوَةُ: ما زالتِ العربُ تأكُلُ الضَّبُعَ، لا تَرَى بأكْلِها بَأسًا. وقال أبو حنيفةَ، والثَّوْرِيُّ، ومالِكٌ: هي حرامٌ. ورُوِيَ نحوُ ذلك عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ؛ فإنَّها مِن
стр. 13395
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
السِّباعِ، وقد نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عن أكْلِ كُلِّ ذِي نابٍ مِن السِّباعِ، وهي مِن السِّباعِ، فتدْخُلُ في عُمومِ النَّهْيِ. ورُوِيَ عنِ النبيِّ ﷺ أنَّه سُئِلَ عنِ الضَّبُعِ، فقال: «ومَنْ يَأْكُلُ الضَّبُعَ؟» (١). ولَنا، ما رَوَى جابرٌ، قال: أمَرَنا رسولُ اللهِ ﷺ بأكْلِ الضَّبُعِ. قلتُ: صَيدٌ هي؟ قال: «نعم». احْتَجَّ به أحمدُ. وفي لَفْظٍ قال: سألْتُ رسولَ اللهِ ﷺ عن الضَّبُعِ. فقال: «هُوَ صَيدٌ، ويُجْعَلُ فِيه كَبْشٌ إذَا صَادَه المُحْرِمُ». رَواه أبو داودَ (٢). وعن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي عَمَّارٍ، قال: قلتُ لجابرٍ: الضَّبُعُ، أصَيدٌ هي؟ قال: نعم، قلتُ: أقاله رسولُ اللهِ ﷺ ؟ قال: نعم. رَوَاه التِّرْمِذِيُّ، وقال: حَدِيثٌ حسَنٌ صَحِيحٌ. [ورَواه النَّسائِيُّ، والدَّارَقُطْنِيُّ] (٣). قال ابنُ عبدِ البَرِّ (٤): هذا لا يُعارِضُ حديثَ النَّهْيِ عن كُلِّ ذِي نابٍ مِن السِّباعِ؛ لأنَّه أقْوَى منه. قُلْنا: هذا تَخْصيصٌ لا
стр. 13396
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُعارِضٌ (١)، ولا يُعْتَبَرُ في التَّخْصِيصِ كونُ المُخَصِّصِ في رُتْبَةِ المُخَصَّصِ، بدَليلِ تَخْصِيصِ عُمومِ الكتابِ بأخْبارِ الآحادِ. فأمّا الخَبَرُ الذي فيه: «ومَنْ يَأْكُلُ الضَّبُعَ!» (٢). فهو حَدِيثٌ طويلٌ، يَرْويه عبدُ الكريمِ (٣) بنُ أبي (٤) المُخارِقِ، يَنْفَرِدُ به، وهو مَتْرُوكُ الحديثِ. وقد قيل: إنَّ الضَّبُعَ ليس لها نابٌ. فعلى هذا، لا تَدْخُلُ في عُمومِ النَّهْي.
فصل: والضَّبُّ مُباحٌ في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم عمرُ بنُ الخَطَّابِ، وابنُ عباسٍ، وأبو سعيدٍ، وأصْحابُ رسولِ اللهِ ﷺ . قال أبو سعيدٍ: كُنّا مَعْشَرَ أصْحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، لأنْ يُهْدَى إلى أحَدِنا ضَبٌّ (٥) أحَبُّ إليه مِن دَجاجَةٍ. وقال عمرُ: ما يَسُرُّنِي أنَّ مَكانَ كُلِّ ضَبٍّ دَجاجَةً سَمِينَة، ولَوَدِدْتُ أنَّ في كُلِّ جُحْرِ ضَبٍّ ضَبَّينِ (٦). وبهذا قال مالِكٌ، واللَّيثُ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ: هو حَرامٌ؛ لِما رُوِيَ عنِ النبيِّ ﷺ أنَّه نَهَى عن أكْلِ لَحْمِ الضَّبِّ (٧). ورُوِيَ نحوُه عن عليٍّ. ولأنَّه يَنْهَشُ، فأشْبَهَ ابنَ
стр. 13397
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عِرْسٍ. ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، قال: دَخَلْتُ أنا وخالِدُ بنُ الوليدِ مع رسولِ اللهِ ﷺ بَيتَ مَيمُونَةَ، فأُتِيَ بضَبٍّ مَحْنُوذٍ (١)، فقيل: هو ضَبٌّ يا رسولَ اللهِ. فرَفَعَ يَدَه، فقلتُ: أحرامٌ هو يا رسولَ اللهِ؟ قال: «لَا، ولَكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأرْض قَوْمِي، فَأَجدُنِي أعَافُهُ». قال خالدٌ: فاجْتَرَرْتُه فأكَلْتُه، والنبيُّ ﷺ يَنْظُرُ. مُتَّفَقٌ عليه (٢). قال ابنُ عَبَّاسٍ: تَرَكَ رسولُ اللهِ ﷺ الضَّبَّ تَقَذُّرًا، وأُكِلَ على مائِدَتِه، ولو كان حَرامًا ما أُكِلَ على مائِدَةِ رسولِ اللهِ ﷺ (٣). وقال عمرُ: إنَّ النبيَّ ﷺ لم يُحَرِّمِ الضَّبَّ، ولكنَّه قَذِرَهُ، ولو كان عندِي لأَكَلْتُه (٤). ولأنَّ الأصْلَ الحِلُّ، ولم يُوجَدِ المُحَرِّمُ، فبَقِيَ على الإِباحَةِ، ولم يثْبُتْ فيه عن النبيِّ ﷺ نَهْيٌ ولا تحْريمٌ، ولأنَّ إباحَتَه قولُ مَن سَمَّينا مِن الصحابةِ، ﵃، ولم يثْبُتْ عنهم خِلافُه، فيكونُ إجْماعًا.
стр. 13398
وَالزَّاغِ، وَغُرَابِ الزَّرْعِ، وَسَائِرِ الطَّيرِ،
ــ
٤٦١٣ - مسألة: (والزَّاغُ) (١) مُبَاحٌ. وبذلك قال الحَكَمُ، وحَمَّادٌ، ومحمدُ بنُ الحسَنِ، والشافعيُّ في أحَدِ قَوْلَيه. ويُباحُ (غُرابُ الزَّرْعِ) وهو الأسْوَدُ الكبيرُ الذي يأكُلُ الزَّرْعَ، ويطيرُ مع الزَّاغِ؛ لأنَّ مَرْعاهُما الزَّرْعُ والحُبوبُ، فأشْبَها الحَجَلَ (٢). (وسائِرُ الطَّيرِ) كالحمامِ وأنْواعِه مِن الفَواخِتِ (٣)، والجَوَازِلِ (٤)، والرَّقاطَي (٥)، والدَّبَاسِيِّ (٦)، والعَصافِيرِ، والقَنابِرِ (٧)، والقَطا (٨)، والحَجَلِ؛ والحُبارَى (٩)، لِما روَى سَفِينَةُ، قال: أكلتُ مع رسولِ اللهِ ﷺ لَحْمَ حُبارَى. رواه أبو داودَ (١٠). والكُرْكِيُّ (١١)، والكَرَوانُ، والبَطُّ،
стр. 13399
وَجَمِيعِ حَيَوَانِ الْبَحْرِ، إلا الضِّفْدِعَ، وَالْحَيَّةَ، وَالتِّمْسَاحَ. وَقَال
ــ
والإِوَزُّ، وما أشْبَهَه ممّا يَلْتَقِطُ الحَبَّ، أو يُفْدَى في الإِحْرامِ، مُباحٌ؛ لأنَّه مُسْتَطابٌ، ويُفْدَى في حَقِّ المُحْرِمِ، فكانَ مُباحًا كبَقِيَّةِ ما يُفْدَى. وكذلك الغَرانِيقُ (١)، والطَّواويسُ، وطَيرُ الماءِ كلُّه، وأشْبَاهُ ذلك، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ في الهُدْهُدِ والصُّرَدِ (٢)، فعنه، أنَّهما حَلالٌ؛ لأنَّهما ليسا مِن ذَواتِ المِخْلَبِ، ولا مُسْتَخْبَثاتٍ. وعنه تَحْرِيمُهما؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عن قَتلِ الهُدْهُدِ، والصُّرَدِ، والنَّمْلَةِ، والنَّحْلَةِ (٣). وكلُّ ما كان لا يَصِيدُ بمِخْلَبِه، ولا يَأكُلُ الجِيَفَ، ولا يُسْتَخْبَثُ، فهو حَلالٌ.
٤٦١٤ - مسألة: (وجميعُ حيوانِ البحرِ) مُباحٌ؛ لقوْلِ اللهِ تعالى:
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الشَّعْبِيُّ: لو أكلَ أهْلى الضَّفادِعَ لأطْعَمْتُهم (١). ولَنا، أنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عن قَتْل الضِّفْدِعِ. رواه النَّسَائِيُّ (٢). فيدُلُّ على تَحْريمِه، ولأنَّها مُسْتَخْبَثَةٌ. وكذلك الحَيَّةُ، وقد ذكَرْنا الخِلافَ فيها. فأمّا التِّمْساحُ، فقال ابنُ حامِدٍ: لا يُؤكَلُ التِّمْساحُ ولا الكَوْسَجُ، لأنَّهما يأكُلان النّاسَ. وذكرَ ابنُ أبي موسى في التِّمْساحِ رِوايَةً، أنَّه مَكْرُوهٌ غيرُ مُحَرَّمٍ؛ للآيةِ. ورُوِيَ عن إبراهيمَ النَّخَعِيِّ أو غيرِه (٣)، أنَّهم كانوا يَكْرَهُون سِباعَ البحرِ، كما يكْرَهون سِباعَ البَرِّ. وذلك لِنَهْيِ النبيِّ ﷺ عن أكلِ كُلِّ
стр. 13402
وَقَال أَبُو عَلِيٍّ النَّجَّادُ: لَا يُبَاحُ مِنَ الْبَحْرِيِّ مَا يَحْرُمُ نَظِيرُهُ فِي الْبَرِّ؛ كَخِنْزِيرِ الْمَاءِ، وَإنْسَانِهِ.
ــ
ذِي نابٍ مِن السِّبَاعِ (وقال أبو عليٍّ النَّجّادُ: لا يُباحُ مِن البَحْرِيِّ ما يَحْرُمُ نَظَيرُه في البَرِّ، كخِنْزِيرِ الماءِ وإنْسانِه) وهو قولُ اللَّيثِ، إلَّا في كَلْبِ الماءِ، فإنَّه يَرَى إباحَةَ كلْبِ البَرِّ والبَحْرِ. وقال أبو حنيفةَ: لا يُباحُ إلَّا السَّمَكُ. وقال مالِكٌ: كُلُّ ما فِي البحرِ مُباحٌ؛ لعُموم قولِه سبحانه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾.
فصل: وكَلْبُ الماءِ مُباحٌ، ورَكِبَ الحسنُ بنُ عليٍّ، ﵄، سَرْجًا عليه جلْدٌ مِن جُلُودِ كلابِ الماءِ. وهذا قولُ مالِكٍ، والشافعيِّ، واللَّيثِ. ويَقْتَضِيه قولُ الشَّعْبِيِّ، والأوْزَاعِيِّ. ولا يُباحُ عندَ أبي حنيفةَ. وهو قولُ أبي عليٍّ النَّجَّادِ، وبعضِ أصْحابِ الشافعيِّ. ولَنا، عُمومُ الآيةِ والخَبَرِ. قال عبدُ اللهِ: سَألْتُ أبي عن كَلْبِ الماءِ، فقال: حدثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن عمرِو بن دينارٍ، وأبي الزُّبَيرِ، سَمِعا شُرَيحًا، رَجُلًا أدْرَكَ النبيَّ ﷺ ، يقول: كُلُّ شيءٍ في البحرِ فهو مَذْبُوحٌ. فذكَرْتُ ذلك لعَطاءٍ، فقال: أمّا الطَّيرُ فيَذْبَحُه (١). وقال
стр. 13403
وَتَحْرُمُ الْجَلَّالةُ الَّتي أَكْثَرُ عَلَفِهَا النَّجَاسَةُ، وَلَبَنُهَا، وَبَيضُهَا، حَتَّى تُحْبَسَ. وَعَنْهُ، تُكْرَهُ وَلَا تَحْرُمُ.
ــ
أبو عبدِ اللهِ: كلبُ الماءِ نَذْبَحُه.
فصل: قال أحمدُ: لا أكْرَهُ الجِرِّيَّ (١)، وكيف لنا بالجِرِّيِّ. ورَخَّصَ فيه عليٌّ، والحسَنُ، ومالِكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْي، وسائِرُ أهلِ العلمِ. وقال ابنُ عباسٍ: الجِرِّيُّ لا تَأْكُلُه اليهودُ (٢). ووَافَقَهم الرّافِضَةُ، ومُخالفَتُهم صَوابٌ.
٤٦١٥ - مسألة: (وتَحْرُمُ الجَلَّالةُ التي أكثَرُ عَلَفِها النَّجاسَةُ، وبَيضُها، ولَبَنُها. وعنه، تُكْرَهُ ولا تَحْرُمُ) قال أحمدُ: أكْرَهُ لُحومَ الجَلَّالةِ وألْبانَها. قال القاضي: هي التي تَأكُلُ العَذِرَةَ، فإذا كان أكثرُ عَلَفِها النَّجاسَةَ، حَرُمَ لَحْمُها ولَبَنُها. وفي بَيضِها روايتان. وإن كان أكثرُ
стр. 13404
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَلَفِها الطَّاهِرَ، لم يَحْرُمْ أكْلُها ولا لَبَنُها. قال شيخُنا (١): وتحْدِيدُ الجَلَّالةِ بكونِ أكْثَرِ عَلَفِها النَّجاسَةَ، لم نَسْمَعْه عن أحمدَ، ولا هو ظاهِرُ كلامِه، لكنْ يُمْكِنُ تَحْدِيدُه بما (٢) يكونُ كثيرًا في مأكُولِها، ويُعْفَى عنِ اليَسِيرِ. وقال اللَّيثُ: إنَّما كانُوا يَكْرَهون الجَلَّالةَ التي لا طَعامَ لها إلَّا الرَّجِيعُ وما أشْبَهَه. وقال ابنُ أبي مُوسَى: في الجَلَّالةِ روايتان؛ إحداهُما، هي مُحَرَّمَةٌ. والثانيةُ، هي مَكْرُوهَةٌ غيرُ مُحَرَّمَةٍ. وهذا قولُ الشافعيِّ. وكَرِهَ أبو حنيفةَ لُحُومَها، والعملَ عليها حتى تُحْبَسَ. ورَخَّصَ الحسنُ (٣) في لُحُومِها وألْبانِها؛ لأنَّ الحيوانَ لا يَنْجُسُ بأكلِ النَّجاسةِ، بدَليلِ أنَّ شارِبَ الخمرِ لا يُحْكَمُ بتَنْجِيسِ أعْضائِه، والكافِرَ الذي يأكلُ الخِنْزِيرَ والمحرَّماتِ، لا يكونُ ظاهِرُه نَجِسًا، ولو نَجُسَ لما طَهُرَ بالإِسلامِ، ولا الاغْتِسالِ، ولو تَنَجَّسَتِ الجَلَّالةُ، لَما طَهُرَتْ بالحَبْسِ. ولَنا، ما روَى ابنُ عمرَ، قال: نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ عن أكلِ الجَلَّالةِ وألْبانِها. رواه أبو داودَ (٤). وروَى عبدُ اللهِ بنُ عمرِو بنِ
стр. 13405
وَتُحْبَسُ ثَلَاثًا.
ــ
العاص، قال: نَهَى رسولُ اللهِ ﷺ عنَ الإِبِلَ الجَلَّالةِ، أن يُؤْكَلَ لَحْمُها، ولا يُحْمَلَ عليها إلَّا الأُدُمُ، ولا يَرْكَبَها النّاسُ حتى تُعْلَفَ أرْبَعِين ليلةً. رواه الخَلَّالُ بإسْنادِه (١). ولأنَّ لَحْمَها يتَوَلَّدُ مِن النَّجاسَةِ، فيكونُ نَجسًا، كرَمادِ النجاسَةِ. وأمّا شارِبُ الخمرِ، فليس ذلك أكثرَ غِذَائِه، وإنَّما يتَغَذَّى الطّاهِراتِ، وكذلك الكافِرُ في الغالِبِ.
٤٦١٦ - مسألة: (حتى تُحْبَسَ) وتَزولُ الكَرَاهَةُ بحَبْسِها اتِّفاقًا. واخْتُلِفَ في قَدْرِه، فرُويَ أنَّها تُحْبَسُ ثلاثًا، سواءٌ كانت طائِرًا أو بهيمةً. وكان ابنُ عمرَ إذا أرادَ أكلَها حَبَسَها ثلاثًا (٢). وهذا قولُ أبي ثَوْرٍ؛ لأنَّ
رَمَقَهُ. وَهَلْ لَهُ الشِّبَعُ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
ــ
فله أن يأكلَ منه ما يَسُدُّ رَمَقَه. وهل له الشِّبَعُ؟ على رِوايَتَين) أجْمَعَ العُلَماءُ على تحْريمِ المَيتَةِ والخِنْزيرِ حالةَ الاخْتيارِ، وعلى إباحَةِ الأكلِ منها في الاضْطِرارِ. وكذلك سائِرُ المُحَرَّماتِ. والأصْلُ في ذلك قولُه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ الْمَيتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (١). وقولُه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ﴾ (٢). ويُباحُ له أكلُ ما يَسُدُّ رَمَقَه، ويأمَنُ معه الموْتَ، بالإِجْماعِ. ويَحْرُمُ ما زادَ على الشِّبَعِ، بالإِجْماعِ أيضًا. وفي الشِّبَعِ رِوايَتان؛ إحداهُما، لا يُباحُ. وهو قولُ أبي حنيفةَ. وإحْدَى الرِّوايَتَين عن مالِكٍ. وأحَدُ القَوْلَين للشافعيِّ. قال الحسنُ: يأكلُ قَدْرَ ما يُقِيمُه؛ لأنَّ الآيَةَ دَلَّتْ على تحريمِ المَيتَةِ، واسْتُثْنِيَ ما اضْطُرَّ إليه، فإذا انْدَفَعَتِ الضَّرورَةُ، لم يَحِلَّ له