وَقَتْلُ الْحَيَّة وَالْعَقْرَبِ وَالْقَمْلَةِ، وَلُبْسُ الثَّوْبِ وَالْعِمَامَةِ، مَا لَمْ يَطُلْ,
ــ
٤٤٢ - مسألة: (و) له (قَتْلُ الحَيَّةِ والعَقْرَبِ والقَمْلَةِ، ولُبْسُ الثَّوْبِ والعِمامَةِ، ما لم يَطُلْ) وهو قولُ الحسنِ، والشافعيِّ، وإسْحاقَ، وأصحاب الرَّأْيِ. وكَرِهَه النَّخَعيُّ؛ لأنَّه يَشْغَلُ عن الصلاةِ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ أمَر بقَتْل الأسْوَدَيْن في الصلاةِ؛ الحَيَّةِ والعَقْرَب. رَواه أبو داودَ، والتِّرمِذِيُّ (١)، وقال: حديثٌ حسنٌ صحِيحٌ. ولا بَأسَ بقَتْلِ القَمْلِ؛ لأنَّ عُمَرَ وأنَسًا كانا يَفْعَلانه. وقال القاضي: التَّغافُلُ عنه أوْلَى. وقال الأوْزاعِيُّ: تَرْكُه أَحَبُّ إليَّ؛ لأنَّ ذلك يَشْغَلُ عن الصلاةِ لأمْرٍ غيرِ مُهِمٍّ، يُمْكنُ اسْتِدْراكُه بعدَ الصلاةِ، ورُبَّما كَثُرَ فأبْطَلَها.
стр. 1474
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ولا بَأْسَ بالعَمَلِ اليَسِيرِ للحاجَةِ؛ لِما رَوَتْ عائشةُ، قالت: كان رسولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي والبابُ عليه مُغْلَقٌ، فجِئْتُ (١) فاسْتَفْتَحْتُ، فمَشَى، ففَتَحَ لِي، ثم رَجَع إلى مُصَلَّاه. رَواه أبو داودَ (٢)، ورَواه أحمدُ (٣)، عن عائشةَ، وفيه: ووَصَفَتْ له البابَ في القِبْلَةِ. وروَى أبو قَتادَةَ، قال: رَأَيْتُ النبيَّ ﷺ يَؤُمُّ النَّاسَ، وأُمامَةُ بنتُ زينبَ بنتِ رسولِ الله ﷺ على عاتِقِه، فإذا رَكَع وَضَعَها، وإذا رَفَع مِن السُّجُودِ رَدَّها. رَواه مسلمٌ (٤). وصَلَّى أبو بَرْزَةَ ولِجامُ دابَّتِه في يَدِه، فجَعَلْتِ الدّابَّةُ تُنازِعُه، وجَعَل يَتْبَعُها، وجعل رجلٌ مِن الخَوارِجِ يقولُ: اللَّهُمَّ افْعَلْ بهذا الشَّيْخِ. فلَمَّا انْصَرفَ، قال: إنِّي سَمِعْتُ قولَكم، وإنِّي غزَوْتُ مع رسولِ اللهِ ﷺ سِتَّ غَزَواتٍ أو سَبْعَ غَزَواتٍ أو ثَمانٍ (٥)، وشَهدْتُ مِن تَيسِيرِه أنِّي إن كُنْتُ أرجِعُ مع دابَّتِي أَحَبُّ إليَّ مِن أن تَرْجِعَ إلى مَأْلفِها،
стр. 1475
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فيَشُقَّ عليَّ. رَواه البُخَارِيّ (١). قال: لا بَأْسَ أن يَحْمِلَ الرجلُ وَلَدَه في صلاةِ الفَرِيضَةِ؛ لحديثِ أبي قَتادَةَ. ورُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه الْتَحَفَ بإزارِه وهو في الصلاةِ (٢). فلا بَأْسَ إن سَقَط رِداءُ الرجلِ أن يَرْفَعَه لذلك، وإنِ انَحَلَّ إزارُه أن يَشُدَّه. وإن عَتَقَتِ الأمَةُ في الصلاةِ اخْتَمَرَتْ، وبَنَتْ على صلاِتها. وقال: مَن فَعَل كفِعْلِ أبي بَرْزَةَ، حينَ مَشَى إلى الدَّابَّةِ حينَ أفْلَتَتْ منه، فصلاتُه جائِزَةٌ. وهذا لأنَّ النبيَّ ﷺ هو المُشَرعُ، فما فَعَلَه وأمَرَ به، فلا بَأْسَ به؛ [لِما ذَكَرْنا] (٣). وقد روَى سَهْلُ بنُ سعدٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ صلَّى على مِنْبَرِه، فإذا أَرادَ أن يَسْجُدَ نَزَل عن المِنْبَرِ فسَجَدَ بالأرضِ، ثم رَجَع إلى المِنْبَرِ، كذلك حتَّى قَضَى صلاتَه (٤). وفي حديثِ جابِرٍ، في صلاةِ الكُسوفِ، قال: ثم [تَأَخَّرَ و] (٥) تَأَخَّرَتِ الصُّفُوفُ خَلْفَه (٦)، حتى انْتَهَيْنَا إلى النِّساءِ، ثم تَقَدَّمَ وتَقَدَّمَ النّاسُ معه، حتَّى قام في مَقامِه. مُتَّفَقٌ عليه (٧) فكلُّ هذا
стр. 1476
فَإنْ طَالَ الْفِعْلُ فِي الصَّلَاةِ أبْطَلَهَا، عمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا، إلَّا أنْ يَفْعَلَهُ مُتَفَرِّقًا.
ــ
وأشْباهُه لا بَأْسَ به في الصلاةِ، ولا يُبْطِلُها، وإن فَعَلَه لغيرِ حاجَةٍ، كُرِهَ ولم يُبْطِلْها أَيضًا؛ لِما روَى عَمْرُو بنُ حُرَيْثٍ، قال: كان رسول اللهِ ﷺ رُبَّما يَضَعُ اليُمْنَى على اليُسْرَى في الصلاةِ، وربَّما مَسَح لِحْيَتَه وهو يُصَلِّي. رواه البَيْهَقِيُّ (١).
فصل: ولا يَتَقَدَّرُ الجائِزُ مِن هذا بثَلاثٍ، ولا بغيرها مِن العَدَدِ؛ لأنَّ فِعْلَ النبيِّ ﷺ الظاهِرُ منه في زيادَتُه على ثلاثٍ، كتَأَخُّرِه، حتَّى تَأَخَّرَ الرِّجالُ، فانْتَهَوْا إلى النِّساءِ، وكذلك مَشْىُ أبي بَرْزَةَ مع دابَّتِه، ولأنَّ التَّقْدِيرَ بابُه التَّوْقِيفُ، وهذا لا تَوْقِيفَ فيه، لكنْ يُرْجَعُ في الكثيرِ واليَسِيرِ إلي العُرْفِ فيما يُعَدُّ كثيرًا ويَسِيرًا، وما شابَهَ فِعْلَ النبيِّ ﷺ فهو يَسِيرٌ.
٤٤٣ - مسألة: (وإن طال الفِعْلُ في الصلاةِ أبْطَلَها، [عَمْدًا كان أو سَهْوًا] (٢)، إلَّا أن يَفْعَلَه مُتَفرِّقًا) متى طال الفِعْلُ في الصلاةِ
стр. 1477
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[وكَثُرَ، أبْطَلَ الصلاةَ] (١) إجماعًا، عَمْدًا كان أو سَهْوًا، إذا كان مِن غيرِ جِنْسِ الصلاةِ، إلَّا أن يكونَ لضَرُورَةٍ، فيكونَ حُكمُه حُكْمَ الخائِفِ، فلا تَبْطلُ الصلاةُ به، وإن فَعَلَه مُتَفَرِّقًا، لم تَبْطُلِ الصلاةُ أَيضًا إذا كان كُلُّ عَمَلٍ منها يَسِيرًا؛ بدَلِيلِ حَمْلِ النبيِّ أُمامَةَ، ووَضْعِها في كُلِّ رَكْعَةٍ، فإنَّ ذلك لو جُمِعَ كان كثيرًا، ولم تَبْطُلْ به؛ لتَفَرُّقِه، فإنِ احْتاجَ إلى الفِعْلِ الكثيرِ [في الصلاةِ] (٢) لغيرِ ضَرُورَةِ [الصلاةِ قَطَع الصلاةَ وفَعَلَه] (٣). قال أحمدُ: إذا رَأى صَبيَّيْن يَتَخَوَّفُ أن يُلْقِيَ أحَدُهُما صاحِبَه
стр. 1478
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في البئْرِ، فإنَّه يَذْهَبُ إليهما، فيُخَلِّصُهُما ويَعُودُ في صلاِته. وقال: إذا لَزِم رَجُلٌ رجلًا، فدَخَلا المَسْجِدَ وقد أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فإذا سَجَد الإِمامُ خَرَج المَلْزُومُ، فإن الذى كان يَلْزَمُه يَخْرُجُ في طلَبِه. يَعْنِي: ويَبْتَدِئُ الصلاةَ. وهكذا لو رَأَى حَرِيقًا يُرِيدُ إطْفاءَه، أو غَرِيقًا يُرِيدُ إنْقاذَه خَرَج إليه، وابْتَدَأَ الصلاةَ (١). فإن خافَ على نَفْسِه مِن الحَرِيقِ ونَحْوِه في الصلاةِ، ففَرَّ منه، بَنَى على صلاتِه وأَتَمَّهَا صلاةَ خائِفٍ؛ لِما (٢) ذَكَرْنا مِن قبلُ. واللهُ أعلمُ.
стр. 1479
وَيُكْرَهُ تَكْرَارُ الْفَاتِحَةِ،
ــ
٤٤٤ - مسألة: (ويُكْرَهُ تَكْرارُ الفاتِحَةِ) لأنَّه لم يُنْقَلْ عن النبيِّ ﷺ ولا عن أصحابِه، [ولأنَّها في] (١) إبْطالِ الصلاةِ بتَكَرُّرِها خِلافٌ، فكُرِهَ لذلك.
стр. 1480
وَالجَمْعُ بَيْنَ سُوَلي فِي الْفَرْضِ، وَلَا يُكْرَهُ فِي النَّفْلِ.
ــ
٤٤٥ - مسألة: (و) يُكْرَهُ (الجَمْعُ بينَ سُوَرٍ في الفَرْضِ، ولا يُكْرَهُ في النَّفْلِ) أمّا الجَمْعُ بينَ السُّوَرِ في النَّفْلِ فلا يُكْرَهُ. رِوايَةً واحِدَةً. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ قرَأ في رَكْعَةٍ سورةَ البَقَرَةِ وآلِ عِمْرانَ والنِّساءِ (١). وقال ابنُ مسعودٍ: لقدْ عَرَفْتُ النَّظائِرَ التى كان رسولُ اللهِ ﷺ يَقْرِنُ بَيْنَهُنَّ. فذَكَرَ عِشْرِين سُورَةً مِن المُفَصَّلِ، سُورَتَيْن في كلِّ (٢)
стр. 1481
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رَكْعَةٍ. مُتِّفَقٌ عليه (١). وكان عثمانُ، ﵁، يَخْتِمُ القُرْآنَ في رَكْعَةٍ (٢). وأمّا الفَرِيضَةُ فيُسْتَحَبُّ أن يَقْتَصِرَ فيها على سُورَةٍ بعدَ الفاتِحَةِ، مِن غيرِ زِيادَةٍ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ هكذا كان يُصَلِّي أكْثَرَ صلاِته. وهل يُكْرَهُ الجَمْعُ بينَ السُّورَتَيْن فيها؟ على رِوايَتَيْن؛ إحْداهما، يُكْرَهُ؛ لِما ذَكَرْنا. والثَّانِيَةُ، لا يُكْرَهُ؛ لأنَّ حديثَ ابنِ مسعودٍ مُطْلَقٌ. ورُوِيَ أنَّ رَجلًا مِن الأنْصارِ كان يَؤُمُّهُم، وكان يَقْرأُ قبلَ كلِّ سُورَةٍ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾. ثم يَقْرَأُ سُورَةً أُخْرَى معها، فقال له النبيُّ ﷺ : «مَا يَحْمِلُكَ عَلَى لُزُومِ هَذِهِ السُّورَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ؟». فقال: إنِّي أُحِبُّها. فقال: «حُبُّكَ إيَّاهَا أدْخَلَكَ الجَنَّةَ». رَواه البخاريُّ تَعْلِيقًا، ورَواه التِّرمِذِيُّ (٣)، وقال: حديثٌ صحيحٌ غريبٌ. وروَى الخَلَّالُ، بإسْنادِه عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه كان يَقْرَأُ في المَكْتُوبَةِ بالسُّورَتَيْن في رَكْعَةٍ (٢)،
стр. 1482
وَلَا تُكْرَهُ قِرَاءَةُ أوَاخِرِ السُّوَرِ وَأوْسَاطِهَا. وَعَنْهُ، تُكْرَهُ.
ــ
رَواه مالكٌ. في «المُوطَّإِ» (١). فأمّا قِراءَةُ السُّورَةِ الواحِدَةِ في الرَّكْعَتَيْن
يُعِيدُها، فلا بَأْسَ، وقد ذَكَرْناه.
فصل: والمُسْتَحَبُّ أن يَقْرَأُ في الثانِيةِ سُورَةً بعدَ السُّورَةِ التى قَرَأها في الرَّكْعَةِ الأولَى في النَّظْمِ. قال أحمدُ في رِوايَةِ مُهَنَّا: أعْجَبُ إليَّ أن يَقْرَأَ مِن البَقَرَةِ إلى أسْفَل؛ لأنَّ ذلك المَنْقُولُ عن رسولِ اللهِ ﷺ . ورُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ، أنَّه سُئِلَ عَمَّنْ يَقْرَأُ القرآنَ مَنْكُوسًا، فقال: ذلك مَنْكُوسُ القَلْبِ. وفَسرَّه أبو عُبَيْدٍ (٢) بذلك، فإن قَرَأ كذلك، فلا بَأْسَ به؛ لأنَّ أحمدَ قال، حينَ سُئِلَ عن ذلك: لا بَأْس به، ألَيْسَ يُعَلَّمُ الصَّبِيُّ على هذا؟. وقد رُوِيَ أنَّ الأحْنَفَ (٣) قَرَأ الكَهْفَ في الأُولَى، وفي الثَّانية بيُوسُفَ. وذَكَر أنَّه صَلَّى مع عُمَرَ الصُّبْحَ بهما (٤). اسْتَشْهَدَ به البخاريُّ (٥).
٤٤٦ - مسألة: (ولا تُكْرَهُ قِراءَةُ أو أواخِرِ السُّوَرِ وأوْساطِها. وعنه، تُكْرَهُ) المَشْهُورُ عن أحمدَ، أنَّه لا تُكْرَهُ قِراءَةُ أواخِرِ السُّوَرِ وأوْساطِها
стр. 1483
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في الصلاةِ. نَقَلَها عنه جَماعَةٌ؛ لقولَ اللهُ تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ (١). ولأنَّ أَبا سعيدٍ قال: أُمِرْنا أن تَقْرَأَ فاتِحَةَ الكِتابِ وما تَيَسَّرَ رَواه أبو داودَ (٢). وروَى الخَلّالُ، بإسْنادِه، أنَّ ابنَ مسعودٍ كان يَقْرأُ في الآخِرَةِ مِن صلاةِ الصُّبْحِ آخِرَ آلِ عِمْرانَ، وآخِرَ الفُرْقانِ. وقال أبو بَرْزَةَ: كان رسولُ اللهِ ﷺ يَقْرَأَ بالسِّتِّين إلى المِائةِ (٣). فيه دَلِيلٌ على أنَّه لم يَكن يَقْتَصِرُ على قِراءَة سُورَةٍ. ولأنَّ آخِرَها أحَدُ طَرَفَيِ السُّورَةِ، فلم يُكْرَهْ، كأوَّلِها. وعن أحَمدَ، أنَّه يُكْرَهُ في الفرْضِ. نَقَلَها عنه المَرُّوذِيُّ، قال: سُورَةٌ أعْجَبُ إليَّ. قال المَرُّوذِيُّ: وكان لأبِي عبدِ اللهِ قَرَابَةٌ يُصَلِّي به، فكان يَقْرَأُ في الثَّانِيَةِ مِن الفَجْر بآخِرِ السُّورَةِ، فلمّا أكْثَرَ، قال أبو عبدِ اللهِ: تَقَدَّمْ أنتَ فصَلِّ. فقُلْتُ له: هذا يُصَلِّي بكم منذُ كَم؟
стр. 1484
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال: دَعْنا منه، يَجِيءُ بآخِرِ السُّورِ. وكَرِهَه. قال شيخُنا (١)، ﵀: ولَعَلَّ أحمدَ إنَّما أحَبَّ اتِّباعَ النبيِّ ﷺ فيما نُقِلَ عنه، وكَرِه المُداوَمَةَ على خِلافِ ذلك؛ فإنَّ المَنْقُولَ عن النبيِّ ﷺ قِراءَةُ السُّورَةِ أو بعض السُّورَةِ مِن أوَّلِها. ونُقِلَ عنه رِوايَةٌ ثالِثَةٌ، أنَّه يُكْرَهُ قِراءَةُ أوْسَطِ السُّورَةِ دونَ آخِرِها؛ لِما رَوَيْنا في آخِرِ السُّوَرِ عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، ولم يُنْقَل مثلُ ذلك في وَسَطِها. قال الأثْرَمُ: قُلْتُ لأبي عبدِ اللهِ: الرَّجُلُ يَقْرَأُ آخِرَ السُّورَةِ في الرَّكْعَةِ؟ فقال: ألَيْس قد رُوِيَ في هذا رُخْصَةٌ عن عبدِ الرَّحْمَنِ ابنِ يَزِيدَ، وغيرِه؟
فصل: فأمّا قِراءَةُ أوائِلِ السُّوَرِ، فلا خِلافَ في أنَّه غيرُ مَكْرُوهٍ، فإنَّ النبيَّ ﷺ قَرَأ مِن سُورَةِ المُؤْمِنِين إلى ذِكْرِ موسى وهارونَ، ثم أخَذَتْه سَعْلَةٌ، فرَكَعَ (٢). وقَرَأ سُورَةَ الأعْرافِ في المَغْرِبِ فَرَّقها مَرَّتَيْن. رَواه النَّسائِيُّ (٣).
стр. 1485
وَلَهُ أَنْ يَفْتَحَ عَلَى الإِمَامِ إِذَا أُرْتِجَ عَلَيْهِ،
ــ
٤٤٧ - مسألة: (وله أن يَفْتَحَ على الإِمامِ إذا أُرْتِجَ عليه) في الصلاةِ، وأن يَرُدَّ عليه إذا غَلِط لا بَأْسَ به في الفَرْضِ والنَّفْلِ. رُوِيَ ذلك عن عثمانَ، وعليٍّ، وابنِ عُمَرَ، رَضىَ اللهُ عنهم، وهو قولُ جماعَةٍ مِن التّابِعِينَ. وكَرِهَه ابنُ مسعودٍ، وشُريْحٌ، والثَّوْرِيُّ. وقال أبو حنيفةَ: تَبْطُلُ به الصلاةُ؛ لِما روَى الحَارِثُ، عن عليٍّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «لَا تَفْتَحْ عَلَى الإِمَامِ» (١). وقال ابنُ عَقِيل: إن كان في النَّفْلِ، جازَ ذلك، وإن كان في الفَرْضِ وأُرْتِجَ عليه في الفاتِحَةِ، فَتَح عليه وإلَّا فلا. ولَنا، ما روَى ابنُ عُمَرَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ صَلَّى صلاةً، فقَرَأَ فيها، فلُبِسَ (٢) عليه، فلمّا انْصَرَفَ قال لأُبَيٍّ: «أَصَلَّيْتَ مَعَنَا؟» قال: نَعَمْ. قال: «فَمَا مَنَعَكَ؟». رَواه أبو داودَ (٣). قال الخَطّابِيُّ (٤): إسْنادُه جَيِّدٌ. وعن ابنِ عباسٍ، قال: تَرَدَّدَ رسولُ اللهِ
стр. 1486
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
- صلي الله عليه وسلم - في القِراءَةِ في صلاةِ الصُّبْحِ، فلم يَفْتَحُوا عليه، فلمَّا قَضَى الصلاةَ نَظَر في وُجُوهِ القَوْمِ، فقال: «أمَا شَهِدَ الصَّلَاةَ مَعَكُمْ أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ؟». قالوا: لا. فرَأَى القَوْمُ إنَّما تفَقَّدَه لِيَفْتَحَ عليه (١). ورَوَى مُسَوَّرُ بنُ يَزِيدَ المالِكِيُّ (٢)، قال: شَهِدْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ في الصلاةِ فَتَرَكَ آيةً مِن القرآنِ، فقيلَ: يَا رسولَ اللهِ، آيةَ كذا وكذا تَرَكْتَها. فقال: «فَهَلَّا أَذْكَرْتَنِيهَا؟». رَواه أبو داودَ (٣). ولأنَّه تَنْبِيهٌ في الصلاةِ بما هو مَشْرُوعٌ فيها، أشْبَهَ التَّسْبِيحَ. وحديثُ عليٍّ يَرْوِيه الحارِثُ، قال الشَّعْبِيُّ: كان كذَّابًا. وقال أبو داودَ: لم يَسْمَعْ أبو (٤) إسْحاقَ مِن الحارِثِ إلَّا أرْبَعَةَ أحادِيثَ، ليس هذا منها.
فصل: فإن أُرْتِجَ على الإِمَامِ في الفاتِحَةِ، فعلى المَأْمُومِ أن يَفْتَحَ عليه، كما لو نَسِيَ سَجْدَةً لَزِمَهُم تَنْبِيهُه بالتَّسْبِيحِ. فإن عَجَز عن إتْمامِ الفاتحةِ فله أن يَسْتَخْلِفَ مَن يُصَلِّي بهم، وكذلك لو عَجَز في أثْناءِ الصلاةِ عن رُكْن يَمنَعُ الائْتِمامَ، كالرُّكُوعِ، فإنَّه يَسْتَخْلِفُ مَن يُتِمُّ بهم الصلاةَ (٤) , كما لو
стр. 1487
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سَبَقَه الحَدَثُ، بل الاسْتِخْلافُ هاهُنا أَوْلَى؛ لأنَّ مَن سَبَقَه الحَدَثُ قد بَطَلَتْ صلاتُه، وهذا صلاتُه صَحِيحَةٌ. وإذا لم يَقْدِرْ على إتْمامِ الفاتحةِ، فقال ابنُ عَقِيلٍ: يَأْتِي بما يُحْسِنُ، ويَسْقُطُ عنه ما عَجَز عنه، وتَصِحُّ صلاتُه؛ لأنَّ القِراءَةَ رُكْنٌ مِن أرْكانِ الصلاةِ، فإذا عَجَز عنه في أثْناءِ الصلاةِ سَقَط، كالقِيامِ، فأمّا المَأمُومُ؛ فإن كان أُمِّيًّا، صَحَّتْ صلاتُه أَيضًا، وإن كان قارئًا نَوَى مُفارَقَتَه، وأتَمَّ (١) وَحْدَه، ولا يَصِحُّ له إتْمامُ الصلاةِ خَلْفَه؛ لأنَّ هذا قد صار في حُكْمِ الأُمِّيِّ. قال شيخُنا (٢): والصَّحِيحُ أنَّه إذا لم يَقدِرْ على قِراءَةِ الفاتِحةِ تَفْسُدُ صلاتُه؛ لأنَّه قادِرٌ على الصلاةِ بقراءَتِها فلم تَصِحَّ صلاتُه؛ لعُمُومِ قولِه ﵇: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ» (٣). ولا يَصِحُّ قِياسُ هذا على الأمِّيِّ؛ لأن الأُمِّيَّ لو قَدَر على تَعَلُّمِها قبل خُرُوجِ الوَقْتِ، لم تَصِحَّ صلاتُه بدُونِها، وهذا يُمْكِنُه أن يَخْرجَ فيَسْأَلَ عمَّا وَقَف فيه ويُصَلِّيَ، ولا يَصِحُّ قِياسُه على أرْكانِ الأفْعالِ؛ لأنَّ خُرُوجَه مِن الصلاةِ لا يُزِيلُ عَجْزَه عنها، بخِلافِ هذا.
стр. 1488
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ويُكْرَهُ أن يَفْتَحَ مَن هو في الصلاةِ على مَن هو في صلاةٍ أُخْرَى، أو على مَن ليس في صلاةٍ؛ لأنَّ ذلك يَشْغَلُه عن صلاِته، وقد قال النبيُّ ﷺ : «إنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا» (١). فإن فَعَل لم تَبْطُلْ صلاتُه؛ لأنَّه قُرآنٌ، إنَّما قَصَد قِراءَتَه دُونَ خِطاب الآدَمِيِّ لغيرِه (٢)، أشْبَهَ ما لو رَدَّ على إمامِه. وقال ابنُ عَقِيل، في المُصلِّي إذا رَدَّ على مَن ليس في الصلاةِ: إن كان في النَّفْلِ فلا بَأْسَ، وإن كان في الفَرْضِ، [لم يَجُزْ. وهل تَبْطُلُ] (٣)؟ يُخَرَّجُ على رِوايَتَيْن. فأمّا غيرُ المُصَلِّي فلا بَأْسَ أن يَفْتَحَ على المُصَلِّي. وقد روَى النَّجّادُ بإسْنادِه، قال (٤): كُنْتُ قاعِدًا بمَكَّةَ، فإذا رجلٌ عندَ المَقامِ يُصَلِّي، وإذا رَجُلٌ قاعِدٌ خَلْفَه يُلَقِّنُه، فإذا هو عثمانُ (٥)، ﵁ (٦).
стр. 1489
وَإذَا نَابَهُ شَيْءٌ، مِثْلَ سَهْوِ إمَامِهِ، أو اسْتِئْذَانِ إِنْسَانٍ عَلَيْهِ، سَبَّحَ إنْ كَانَ رَجُلًا، وَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةً صَفَّحَتْ بِبَطْنِ كَفِّهَا عَلَى ظَهْرِ الأُخْرَى.
ــ
٤٤٨ - مسألة: (وإذا نابَه شَيْءٌ، مِثْلَ سَهْوِ إمامِهِ، أو اسْتِئْذَانِ إنسانٍ عليه، سَبَّحَ إن كان (١) رجلًا، وإن كانَتِ امْرَأةً صَفَّحَتْ (٢) بِبَطْنِ كفِّها على ظَهْرِ (٣) الأُخْرَى) وجُمْلَتُهُ أنَّه إذا سَها الإِمامُ فأتَى بفِعْلٍ في غيرِ مَوْضِعِه، لَزِم المَأْمُومِين تَنْبِيهُه، فإن كانُوا رِجالًا سَبَّحُوا، وإن كانُوا نِساءً صَفَّقْنَ بِبُطونِ أكُفِّهِنَّ على ظُهُورِ الأُخْرَى، وبه قال الشافعيُّ. وقال مالكٌ: يُسَبِّحُ الرِّجالُ والنَّسَاءُ؛ لقَوْلِ النبيِّ ﷺ : «مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإذا سَبَّحَ لتَنْبِيهِ إمامِه، أو لاسْتِئْذانِ إنْسانٍ عليه، وهو في الصلاةِ، أو كَلَّمَه بشئٍ، أو نابَه أمْرٌ في صلاتِه فسَبَّحَ ليُعْلَم (١) أنَّه في صلاةٍ، أو خشِيَ على إنْسانٍ الوُقُوعَ في شئٍ فسَبَّحَ به، أو خَشِيَ أن يَتْلَفَ بشئٍ فسَبَّحَ به (٢) لِيَتْرُكَه، أو تَرَكَ إمامُه ذِكْرًا فرَفَعَ صَوْتَه ليُذَكِّرَه، لم يُؤَثِّرْ في الصلاةِ، في قولِ أكْثَرِ أهلِ العلمِ؛ منهم الأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ. وحُكِيَ عن أبي حنيفةَ، أنَّ تَنْبِيهَ الآدَمِيِّ بالتَّسْبِيحِ، أو القُرآنِ، أو الإِشارَةِ يُبْطِلُ الصلاةَ؛ لأنَّ ذلك خِطابُ آدَمِيٍّ، فيَدْخُلُ في عُمُومِ أحادِيثِ النَّهْيِ عن الكلامِ؛ لأنَّه قد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «مَنْ أَشَارَ فِي الصَّلَاةِ إشَارَةً تُفْقَهُ أَو تُفهَمُ، فَقَدْ قَطَع الصَّلَاةَ» (٣). ولَنا، ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ». مُتَّفَقٌ عليه (٤). ولِما ذَكَرْنا مِن
стр. 1492
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حديثِ سَهْلِ بنِ سعدٍ. وعن ابنِ عُمَرَ، قال: قُلْتُ لبلالٍ: كيفَ كان النبيُّ ﷺ يَرُدُّ عليهم حينَ كانُوا يُسَلِّمُونَ عليه في الصلاةِ؟ قال: كان يُشِيرُ بيَدِه (١). وعن صُهَيْبٍ، قال: مَرَرْتُ برسولِ اللهِ ﷺ وهو يُصَلِّي، فسَلَّمْتُ عليه (٢) فَرَدَّ عليَّ إشارَةً (٣). قال التِّرمِذِيُّ: كِلا الحَدِيثَيْنِ صَحِيحٌ. وقد ذَكَرْنَا حديثَ أنَسٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ كان يُشِيرُ في الصلاةِ. رَواه أبو داودَ (٤). وعن عليٍّ، قال: كُنْتُ إذا اسْتَأْذَنْتُ على النبيِّ ﷺ فإن كان في صلاةٍ سَبَّحَ، وإن كان في غيرِ صلاةٍ أذِنَ (٥). وحديثُ أبي حنيفةَ يَرْوِيه أبو غَطَفانَ وهو مَجْهُولٌ، فلا تُعارَضُ بِه الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ.
فصل: فإن عَطَس في الصلاةِ، فقال: الحَمْدُ لِلهِ. أو لَسَعَه شئٌ، فقال: بِسْمِ اللهِ. أو سَمِعَ أو رَأَى ما يَغُمُّه، فيقولُ: إنَّا للهِ وَإنَّا إلَيْهِ
стр. 1493
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رَاجِعُونَ. أو رَأى ما يُعْجِبُه، فقال: سُبْحَانَ اللهِ. كُرِهَ له ذلك، ولم تَبْطُلِ الصلاةُ. نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ الجماعةِ، في مَن عَطَس فحَمِدَ اللهُ لم تَبْطُلْ صلاتُه. ونَقَل عنه مُهَنَّا في مَن قِيلَ له في الصلاةِ: وُلِدَ لك غُلامٌ. فقال: الحَمْدُ للهِ. أو قِيلَ: احْتَرَقَ دُكَّانُكَ. فقال: لا إلهَ إلَّا اللهُ. أو ذَهَبَ كِيسُكَ. فقال: لا حَوْلَ ولا قُوةَ إلَّا باللهِ. فقد مَضَتْ صلاتُه. وهذا قَوْلُ الشافعيِّ، وأبي يُوسُفَ؛ لِما رُوِيَ عن عليٍّ، ﵁، أنَّه قال له رجلٌ مِن الخَوارِجِ وهو في صلاةِ الغَداةِ: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ (١). الآيةُ، قال: فأنْصَتَ له حتَّى فَهِم، ثم أجابَه وهو في الصلاةِ: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ (٢). الآيةُ. رواه النَّجَّادُ بإسْنادِه، واحْتَجَّ به أحمدُ. [وقال أبو حنيفةَ: تَفْسُدُ صلاتُه، لأنَّه كَلامُ آدَمِيٍّ. وقد رُوِيَ نَحْوُ ذلك عن أحمدَ] (٣)، فإنَّه قال في مَن قِيلَ له: وُلِدَ لك غُلَامٌ. فقال: الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ. أو ذَكَر مُصِيبَةً، فقال: إنَّا للهِ وَإنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. قال: يُعِيدُ الصلاةَ. قال القاضي: هذا مَحْمُولٌ على مَن قَصَد خِطَابَ الآدَمِيِّ. ووَجْهُ الأوَّلِ ما ذَكَرْنا مِن حديثِ عليٍّ، ورَوَى عامِرُ بنُ رَبِيعَةَ، قال: عَطَس شَابٌّ
стр. 1494
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِن الأنْصارِ خلفَ رسولِ اللهِ ﷺ ، وهو في الصلاةِ، فقال: الحَمْدُ للهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيْبًا مُبارَكًا فيه، حتَّى يَرْضَى رَبُّنا، وبعدَ ما يَرْضَى مِن أمْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. فلمّا انْصَرَفَ رسولُ الله ﷺ قال: «فَي الْقَائِلُ الْكَلِمَةَ؟ فَإنَّهُ لم يَقُلْ بَأْسًا، مَا تَنَاهَتْ دُونَ الْعَرْشِ». رَواه أبو داودَ (١). ولأنَّ ما لا يُبْطِلُ الصلاةَ ابْتِداءً لا يُبْطِلُها إذا أتَى به عَقِيبَ سَبَبٍ، كالتَّسْبِيِحِ لتَنْبِيهِ إمامِه. قال الخَلَّالُ: اتَّفَقُوا عن أبي عبدِ اللهِ، أنَّ العاطِسَ لا يَرْفعُ صَوْتَه بالحمدِ، وإن رَفَع فلا بَأْسَ؛ لحديثِ الأنْصارِيِّ. قال أحمدُ، في الإِمامِ يقولُ: لا إلهَ إلَّا اللهُ. فيَقولُ مَن خَلْفَه: لا إلهَ إلَّا اللهُ. يَرْفَعُونَ بها أصْواتَهم، قال: يَقُولُون، ولكنْ يُخْفُونَ (٢). وإنَّما لم يَكْرَهْ أحمدُ ذلك, كما كَرِه القِراءَةَ خَلْفَ الإِمامِ؛ لأنَّه يَسِيرٌ لا يَمْنَعُ الإِنْصاتَ فَهُو (٣) كالتَّأمِينِ. قيل لأحمدَ: فإن رَفَعُوا أَصْواتَهم بهذا؛ قال: أكْرَهُه. قِيلَ: فيَنْهاهم الإِمامُ؟ قال: لا. قال القاضي: إنَّما لم يَنهَهم؛ لأنَّه قد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه كان يُسْمِعُهُم الآيَةَ أحْيانًا في صلاةِ الإِخفاءِ (٤).
стр. 1495
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: قيل لأحمدَ: إذا قَرَأَ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ (١). هل يقولُ: «سُبْحَان رَبِّيَ الأعْلَى؟». قال: إن شاء قاله (٢) فيما بينَه وبينَ نَفْسِه، ولا يَجْهَرُ به. وقد رُوِيَ عن عليٍّ، ﵁، أنَّه قَرَأ في الصلاةِ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾. فقال: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأعْلَى. وعن ابنِ عباسٍ، أنَّه قَرَأ. ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾. فقال: سُبْحانَكَ, وبَلَى (٣). وعن مُوسَي بنِ أبي عائشةَ، قال: كان رجلٌ يُصَلِّي فوقَ بَيْتِه، فكان إذا قَرَأَ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾. قال: سُبْحانَكَ، فبَلَى. فسَأَلُوه عن ذلك، فقال: سَمِعْتُه مِن رسولِ الله ﷺ . رَواه أبو داودَ (٤).
فصل: فإن قَرَأ القُرآنَ يَقْصِدُ به تَنْبِيهَ آدَمِيٍّ، مثلَ أن يُسْتَأْذَنَ عليه، فيقولَ: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾ (٥). أو يقولَ (٦) لرجُلٍ اسمُه يحيى. ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ (٧). فقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه
стр. 1496
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يُبْطِلُ الصلاةَ. وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه خِطابُ آدَمِيٍّ، أشْبَهَ ما لو كَلَّمَه. ورُوِيَ عنه ما يَدُلُّ على أنَّها لا تَبْطُلُ؛ فإنَّه احْتَجَّ بحديثِ عليٍّ مع الخارِجِيِّ حِينَ (١) قال له: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ (٢). ورُوِيَ نَحْوُ هذا عن ابنِ مسعودٍ، وابنِ أبي لَيْلَى؛ فرَوَى الخَلَّالُ، بإسْنادِه، عن عَطاءِ بنِ السّائِبِ، قال: اسْتَأْذَنَّا على عبدِ الرحمنِ بنِ أبي لَيْلَى، وهو يُصَلِّي، فقال: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾ (٣). ولأنَّه قُرآنٌ فلم يُفْسِدِ الصلاةَ، كما لو لم يَقْصِدْ به التَّنْبِيهَ. وقال القاضي: إن قَصَد التِّلاوَةَ حَسْبُ، لم تَفْسُدْ صلاتُه وإن حَصَل التَّنْبِيهُ، وإن قَصَد التَّنْبِيهَ حَسْبُ، فَسَدَتْ صلاتُه؛ لأنَّه خاطَبَ آدَمِيًّا، وإن قَصَدَهُما ففِيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا تَفْسُدُ صلاتُه (٤). وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الآثارِ والمَعْنَى. والثَّانِي، تَفْسُدُ صلاتُه؛ لأنَّه خاطَبَ آدَمِيًّا، أشْبَهَ ما لو لم يَقْصِدِ التِّلاوَةَ. فأمّا إن أتَي بما لا يَتَمَيَّزُ به القُرآنُ مِن غيرِه، كقولِه لرجلٍ اسْمُه إبراهيمُ: يَا إبراهيمُ. ونحوِه، فَسَدَتْ صلاتُه؛ لأنَّ هذا كَلامُ
стр. 1497
وَإِنْ بَدَرَهُ الْبُصَاقُ، بَصَقَ فِي ثَوْبِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ جَازَ أَنْ يَبْصُقَ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ.
ــ
النّاسِ، ولم يَتَمَيَّزْ عن كَلامِهم بما يَتَمَيَّزُ به القرآنُ، أشْبَهَ ما لو جَمَع بينَ كلِمَاتٍ مُفَرَّقَةٍ مِن القُرآنِ، فقال: يَا إبراهيمُ خُذِ الكتابَ الكبيرَ. ٤٤٩ - مسألة: (وإن بَدَرَه البُصاقُ بَصَق فِي ثَوْبِه، وإن كان فِي غَيرِ المَسْجدِ جاز أن يَبْصُقَ عن يَساره، أو تحتَ قَدَمِه) لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ رَأَى نُخامَةً في قِبْلَةِ المسجدِ فأقْبَلَ على النَّاس، فقال: «مَا بَالُ أحَدِكُمْ يَقُومُ مُستقْبِلَ رَبِّهِ فَيَتَنَخَّعُ أمَامَهُ، أَيُحِبُّ أَنْ يُسْتَقْبَلَ فَيُتَنَخَّعَ فِي وَجْهِهِ؟ فَإذَا تَنَخَّعَ أحَدُكُمْ فَلْيَتَنَخَّعْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَقُل هَكَذَا». ووَصَف القاسِمُ، فتَفَلَ في ثَوْبِه،
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ إلَى سُتْرَة مِثْلِ آخِرَةِ الرَّحْلِ،
ــ
٤٥٠ - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أَن يُصَلِّيَ إلى سُتْرَةٍ مِثْلِ آخِرَةِ الرَّحْلِ) يُستحَبُّ للمُصَلِّي الصلاةُ إلى سُتْرَةٍ، فإن كان في مسجدٍ أو بيتٍ صَلَّى إلى الحائِطِ أو إلى سارِيةِ، وإن كان في فَضاءٍ صَلَّى إلى شئٍ شاخِصٍ بينَ يَدَيْه، إمّا إلى حَرْبَةٍ أو عَصًا، أو يَعْرِضُ البَعِيرَ فيُصَلِّي إليه، لا نَعْلَمُ في اسْتِحْبابِ ذلك خِلَافًا، وسَواءٌ ذلك في الحَضَرِ والسَّفَرِ؛ لأن النبيَّ ﷺ كانت تُرْكَزُ له الحَرْبَةُ فيُصَلِّي إليها (١)، ويُعْرَضُ البَعِيرُ فيُصَلِّي إليه (٢). وفي حديثِ أبي جُحَيْفَةَ، أن النبيَّ ﷺ رُكِزَتْ له عَنَزَةٌ (٣)، فتَقَدَّمَ فصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، يَمُرُّ بينَ يَدَيْهِ الحِمارُ والكَلْبُ، لا يُمْنَعُ. مُتَّفَقٌ
стр. 1500
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عليه (١). وعن طَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ اللهِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «إذَا وَضَعَ أحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلَ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ، فَلْيُصَلِّ ولَا يُبَالِ مَنْ مَرَّ ورَاءَ (٢) ذَلِكَ». رَواه مسلمٌ (٣).
فصل: وقَدْرُ طُولِها ذِراعٌ أو نَحْوُه. يروَى ذلك عن عَطاءٍ، والثوْرِيِّ، وأصحابِ الرَّأْيِ. وعنه أنَّها قَدْرُ عَظْمِ الذِّراعِ. وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ. وهذا ظاهِرُه (٤) التَّقْرِيبُ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قَدَّرَها بمُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ (٥)، وهي تَخْتَلِفُ، فتارَةً تَكُونُ ذِراعًا، وتارةٌ تكونُ أقَلَّ، فما قارَبَ الذِّراعَ أجْزَأ الاسْتِتارُ به. فأمّا قَدْرُها في الغِلَظِ فلا نَعْلَمُ
стр. 1501
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
له (١) حَدًّا، فقد تكونُ غَلِيظَةٌ، كالحائِطِ، ودَقِيقَةً، كالسَّهْمِ، فإنَّ النبيَّ ﷺ كان يَسْتَتِرُ بالعَنَزَةِ. وقال أبو سَعِيدٍ: [كنا نَسْتَتِرُ] (٢) بالسَّهْمِ والحَجَرِ في الصلاةِ. إلَّا أنَّ أحمدَ قال: ما كان أعْرَضَ فهو أعْجَبُ إليَّ، لِما رُوِيَ عن سَبْرَةَ (٣)، أن النبيَّ ﷺ قال: «اسْتَتِرُوا فِي الصلاةِ وَلَوْ بِسَهْمٍ». رَواه الأثْرَمُ (٤)، فقولُه: «وَلَوْ بِسَهْمٍ». يَدُلُّ على أنَّ غيرَه أوْلَى منه.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَدْنُوَ مِن سُتْرَتِه، لِما روَى سَهْلُ بنُ أبي حَثْمَةَ، يَرْفَعُه، أنَّه قال: «إذَا صَلَّى أحَدُكُمْ إلَى سُتْرَةٍ فَلْيَدْنُ مِنْهَا، لَا يَقْطَعُ الشَّيْطانُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ». رَواه أبو داودَ (٥). وعن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ، قال: كان بينَ رسولِ اللهِ ﷺ وبينَ السُّتْرَةِ مَمَرُّ الشَّاةِ. رَواه البخارِيُّ (٦). ولأنَّ قُرْبَه مِن السُّتْرَةِ أصْوَنُ لِصلاِته وأبْعَدُ مِن أن يَمُرَّ بينَه
стр. 1502
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وبينَها شئٌ، ويَنْبَغِي أن يكونَ مِقْدارُ ذلك ثَلاثةَ أذْرُع فما دُونَ. قال أحمدُ: إن ابنَ عُمَرَ، قال: صَلَّى النبيُّ ﷺ في الكَعْبَةِ، فكان بينَه وبينَ الحائِطِ ثلاثةُ أذْرُعٍ (١). وكان (٢) عبدُ اللهِ بنُ مُغفَّل (٣) يَجْعَلُ بينَه وبينَ سُترتِه سِتَّةَ أذْرُعٍ. وقال عَطاءٌ: أقَل ما يَكْفِيكَ ثلاثةُ أذْرُعٍ. وهو قولُ الشافعيِّ، لخبَرِ ابن عمرَ. وكلَّما دَنَا فهو أفْضَلُ، لِما ذَكَرْنا مِن الأخْبارِ والمَعْنَى. قال مُهَنّا: سَأَلْتُ أحمدَ عن الرجُلِ يُصَلِّي، كم يَنْبَغِي أن يكونَ بَيْنَه وبينَ القِبْلَةِ؟ قال: يَدْنُو مِن القِبْلَةِ ما اسْتَطاعَ.
فصل: ولا بَأْسَ أن يَسْتَتِرَ ببَعِيرٍ أو حَيَوانٍ، فَعَلَه ابنُ عُمَرَ، وأنسٌ. وقال الشافعيُّ: لا يَسْتَتِرُ بدابَّةٍ. ولَنا، ما روَى ابنُ عُمَرَ، أنَّ النبيَّ ﷺ صَلَّى إلى بَعِيرٍ. رَواه البخاريُّ (٤). وفي لَفْظٍ، قال: قُلْتُ: فإذا ذَهَب الرِّكابُ؟ قال: كان يَعْرِضُ الرَّحْلَ، ويُصَلِّي إلى آخِرَتِه. فإن اسْتَتَرَ
стр. 1503
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بإنْسانٍ فلا بَأْسَ؛ لأنَّه يَقُومُ مَقامَ (١) غيرِه (٢). وقد رُوِيَ عن حُمَيْدِ بنِ هلالٍ، قال: رَأَى عُمَرُ بنُ الخَطّابِ رجلًا يُصَلِّي، والنّاسُ يَمُرُّونَ بينَ يَدَيْه، فوَلّاهُ ظَهْرَه، وقال بثَوْبِه هكذا، وبَسَط يَدَيْه هكذا، وقال: صَلِّ، ولا تَعْجَلْ. وعن نافِعٍ قال: كان ابنُ عُمَرَ إذا لم يَجِدْ سَبِيلًا إلى سارِيَةٍ مِن سَوارِي المسجدِ، قال لنافِعٍ: وَلِّنِي ظَهْرَكَ. رَواهُما النَّجّادُ (٣). فأمّا الصلاةُ إلى وَجْهِ الإنْسانِ فتُكْرَهُ؛ لأنَّ عُمَرَ (٤) أدَّب على ذلك. وعن عائشةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ كان يُصَلِّي حِذاءَ وَسَطِ السَّرير، وأنا مُضْطَجِعَةٌ بينَه وبينَ القِبْلَةِ، تكونُ لىَ الحاجَةُ، فأكْرَهُ أن أقُومَ فأسْتَقْبِلَه، فأنْسَلُّ انْسِلالُا. مُتَّفَقٌ عليه (٥).
стр. 1504
فَإنْ لَمْ يَجِدْ، خَطَّ خَطًّا،
ــ
٤٥١ - مسألة: (فإن لم يَجِدْ، خَطَّ خَطًّا) [ متى لم يَجِدْ سُتْرَةً يُصَلِّي إليها خَطَّ خَطًّا] (١)، وَصَلَّى إلَيْهِ، وقام ذلك مَقامَ السُّتْرَةِ، نَصَّ عليه أحمدُ. وبه قال سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والأوْزاعِيُّ، وأَنْكَرَه مالكٌ، واللَّيْثُ، وأبو حنيفةَ. وقال الشافعيُّ بالخَطِّ، بالعِراقِ، وقال بمِصْرَ: لا يَخُطُّ المُصَلِّي خَطًّا، إلَّا أن يكونَ فيه سُنَّةٌ تُتَّبَعُ. ولَنا، ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إذَا صَلَّى أحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقاءَ وَجْههِ شَيْئًا، فَإنْ لَمْ يَجَدْ فَلْيَنْصِبْ عَصًا، فَإن لم يَكُنْ مَعَهُ عَصًا فَلْيَخُطَّ خَطًّا، ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ مَا مَرَّ أمَامَهُ». رَواه أبو داودَ (٢). وصِفَةُ الخَطِّ مثلُ الهِلالِ. قال
стр. 1505
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أبو داودَ: سَمِعْتُ أحمدَ غيرَ مَرَّةٍ، وسُئِلَ عن الخَطِّ. فقال: هكذا غَرْضًا مثلَ الهِلالِ. قال (١): وسَمِعْت مُسَدَّدًا (٢)، قال: قال [ابنُ داودَ] (٣): الخَطُّ بالطُّولِ. وقال، في رِوايَةِ الأثْرَم: قالُوا: طُولًا. وقالوا: عَرْضًا. وأمّا أنا فأخْتارُ هذا. ودَوَّرَ بإصْبَعِه مثَلَ القَنْطَرَةِ. وكَيْفَما خَطَّه أجْزَأَ؛ لأنَّ الحديثَ مُطلَقٌ فكَيْفَما أتَى به، فقد أتَى بالخَطِّ. واللهُ أعلمُ.
فصل: فإن كان معه عَصًا لا يُمْكنُه نَصْبُها (٤)، ألقاها بينَ يَدَيْه عَرْضًا. نَقَلَه الأثْرَمُ. وكذلك قال سعيدُ بنُ جُبَيْر، والأوْزاعِيُّ. وكَرِهَه النَّخَعِيُّ. ولَنا، أنَّ هذا في مَعْنَى الخَطِّ الذى ثَبَت اسْتِحْبابُه بالحدِيثِ الذى رَوَيْناه.
فصل: وإذا صَلَّى إلى عُودٍ أو عَمُودٍ أو نَحْوِه، اسْتُحِبَّ أن يَنْحَرِفَ عنه، ولا يَصْمُدَ له صَمْدًا (٥)، لما روَى أبو داودَ (٦)، عن المِقْدادِ بنِ الأسْوَدِ، قال: ما رَأيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ صَلَّى إلى عُودٍ أو إلى عَمُودٍ ولا
стр. 1506
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
شَجَرَةٍ، إلَّا جَعَلَه على حاجِبِه الأيْمَنِ مَنِ أو الأيْسَرِ، ولا يَصْمُدُ له صَمْدًا. أي لا يَسْتَقْبِلُه فيَجْعَلَه وَسَطًا. ومَعْنَى الصَّمْدِ: القَصْدُ.
فصل: وتُكْرَهُ الصلاةُ إلى المُتَحَدِّثِين، لِئَلَّا يَشْتَغِلَ بحَدِيثِهم. واخْتَلَفَ في الصلاةِ إلى النَّائِمِ، فرُوِيَ أنَّه يُكْرَهُ، رُوِي ذلك عن ابنِ مسعودٍ، وسعيدِ بنِ جُبَيْر. وعنه، ما يَدُلُّ على أنَّه إنَّما يُكْرَهُ في الفَرِيضَةِ خاصَّةً؛ لأَنَّ النبيَّ ﷺ كان يُصَلِّي مِن اللَّيْلِ وعائشةُ مُعْتَرِضَةٌ بينَ يَدَيْه كاعْتِراض الجِنازَةِ. مُتَّفَقٌ عليه (١). وقد رُوِيَ أنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عن الصلاةِ إلى النَّائِمِ والمُتَحَدِّثِ. رَواه أبو داودَ (٢). وخَرَج التَّطَوُّعُ منه، لحديثِ عائشةَ، وبَقِيَ الفَرْضُ على مُقْتَضَى العُمُومِ. وقِيلَ: لا يُكْرَهُ فيهما؛ لأنَّ حَدِيثَ عائشةَ صَحِيحٌ، وحَدِيثَ النَّهْيِ ضَعِيفٌ. قاله الخَطّابِيُّ (٣). وتَقْدِيمُ قِياس الخَبَرِ الصَّحِيحَ أَوْلَى مِنْ الضَّعِيفِ. ويُكْرَهُ أن يُصَلِّيَ إلى نارٍ. قال أحمدُ: إذا كان التَّنُّورُ في قِبْلَتِه لا يُصَلِّي إليه. وكَرِهَه
стр. 1507
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابنُ سيِرِينَ. قال أحمدُ، في السِّراجِ والقِنْدِيلِ يكونُ في القِبْلَةِ: أكْرَهُه. وإنَّما كُرِهَ ذلك؛ لأنَّ النّارَ تُعْبَدُ مِن دُونِ اللهِ، فالصلاةُ إليها [تُشْبِهُ الصلاةَ] (١) لها. وقال أحمدُ: لا تُصَلِّ إلى صُورَةٍ مَنْصُوبَةٍ في وَجْهِكَ، وذلك لأنَّ الصُّورَةَ تُعْبَدُ مِن دُونِ اللهِ. وقد رُوِيَ عن عائشةَ، قالت: كان [لنا ثَوْبٌ] (٢) فيه تَصاوِيرُ، فجَعَلْتُه بينَ يَدَيْ رسولِ اللهِ ﷺ وهو يُصَلِّي، فنَهانِي. أو قالت: كَرِه ذلك. رَواه عبدُ الرحمنِ بنُ أبِي حاتِمٍ، بإسْنادِه. ولأنَّ المُصَلِّيَ يَشْتَغِلُ بها عن صلاِته. قال أحمدُ: يُكْرَهُ أن يكونَ في القِبْلَةِ شئٌ مُعَلَّقٌ، مُصْحَفٌ أو غيرُه. ولا بَأْسَ أن يكونَ مَوْضُوعًا بالأرض. ورَوَى مُجَاهِدٌ، قال: لم يَكُنِ ابنُ عُمَرَ يَدَعُ بينَه وبينَ القِبْلَةِ شيئًا إلَّا نَزَعَه، لا سَيْفًا ولا مُصْحَفًا. رَواه الخَلَّالُ. قال أحمدُ: ولا يُكْتَبُ في القِبْلَةِ شئٌ؛ لأنَّه يَشْغَلُ قَلْبَ المُصَلى، ورُبَّما اشْتَغلَ بقِراءَتِه عن الصلاةِ. وكذلك يُكْرَهُ التَّزْوِيقُ، وكلُّ ما يَشْغلُ المُصَلِّيَ عن صلاِته، فإنَّه رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال لعائشةَ: «أمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ (٣)، فَإنَّهُ لَا تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تُعْرِضُ لِي فِي صلَاتى». رَواه البخاريُّ (٤). وإذا كان
стр. 1508
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النبيُّ، مع ما أيَّدَه الله به مِن العِصْمَةِ والخُشُوعِ، يَشْغلُه ذلك، فغَيْرُه مِن النّاسِ أوْلَى. ويُكْرَهُ أن يُصَلِّيَ وأمامَه امْرَأةْ تُصَلِّي، لقولِ رسول الله ﷺ : «أخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ الله» (١). وإن كانت عن يَمِينِه أو يَسارِه، لم يُكْرَه، وإن كانَتْ تُصَلِّي. وكَرِهَ أحمدُ أن يُصَلِّيَ وبينَ يَدَيْه كافِر. ورُوِيَ عن إسْحاقَ؛ لأنَّ المُشْرِكِين نَجَسٌ.
فصل: ولا بَأس أن يُصَلِّيَ بمَكَّةَ إلى غيرِ سُتْرَةٍ، رُوِيَ ذلك عن ابنِ الزُّبَيْرِ، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ. وقال الأثْرَمُ: قِيل لأحمدَ: الرَّجُلُ يُصَلِّي بمَكَّةَ، ولا يَسْتَتِرُ بشئٍ؛ فقال: قد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه صلَّى ثَمَّ ليسَ بينَه وبينَ الطُّوَّافِ سُتْرَةٌ. قال أحمدُ: لأنَّ مَكَّةَ ليستْ كغيرِها، لِما روَى الأثْرَمُ، بإسنادِهِ، عن المُطلِب، قال: رَأيْتُ رسولَ اللهِ ﷺ إذا فَرَغ مِن سَبْعَةٍ، جاءَ حتَّى يُحاذِيَ الرُّكْنَ بينَه وبينَ السَّقِيفَةِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْن (٢) في حاشِيَةِ المَطافِ، وليس بينَه وبينَ الطَّوَّافِ أحَدٌ (٣). وقال
стр. 1509
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَمّارُ [بنُ أبي عَمّارٍ] (١): رَأَيْتُ ابن الزُّبَيْرِ جاءَ يُصَلِّي والطُّوَّافُ بينَه وبينَ القِبْلَةِ، تَمُرُّ المَرْأةُ بينَ يَدَيْه، فيَنْتَظِرُها حتَّى تَمُرَّ، ثم يَضَعُ جَبْهَتَهُ في مَوْضِع قَدَمِها (٢). رَواه حَنْبَلٌ، في كتاب «المَنَاسِكِ». قال المُعْتَمِرُ: قُلْتُ لطاوُسٍ: الرجلُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْن بمَكَّةَ، فيَمُرُّ بينَ يَدَيْه الرجلُ والمَرْأَةُ؛ فقال: أوَ لا تَرَى أنَّ النّاسَ يَبُكُّ (٣) بَعْضُهُم بَعْضًا. وإذا هو يَرَى أن لهذا البَلَدِ حالًا ليس لغيرِه، وذلك لأنَّ النّاسَ يَكْثُرُونَ بها لأجْلِ قَضاءِ النُّسُكِ، ويَزْدَحِمُونَ فيها، [ولذلك سُمِّيَتْ بَكةَ؛ لأنَّ النَّاسَ يَتَباكُّونَ فيها، أي: يَزْدَحِمُونَ ويَدْفَعُ بَعْضُهم بعضًا] (٤)، فلو مَنَع المُصَلِّي مَن يَجْتَاز بينَ يَدَيْه لضاقَ على النّاس. وحُكْمُ الحَرَمِ كلِّه حُكْمُ مَكَّةَ في هذا، بدَلِيلِ قولِ ابن عباسٍ: أقْبَلْتُ راكِبًا على حِمارٍ أتانٍ (٥)، والنبيُّ ﷺ يُصَلِّي بالنّاس بِمِنًى (٦) إلى
стр. 1510
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
غيرِ جِدارٍ. مُتفَقٌ عليه (١). ولأنَّ الحَرَمَ كلَّه مَحَلُّ المَشاعِرِ والمَناسِكِ، فَجَرَى مَجْرَى مَكَّةَ في ذلك.
فصل: فإن صَلَّى في غيرِ مَكَّةَ إلى غيرِ سُتْرَةٍ، فلا بأْسَ، لما روَى ابنُ عباسٍ، قال: صَلَّى النبيُّ ﷺ في فَضاءٍ ليسَ بينَ يَدَيْه شئٌ. رَواه البخاريُّ (٢). قال أحمدُ، في الرَّجُلِ يُصَلِّي في فَضَاءٍ، ليس بينَ يَدَيْه سُتْرَةٌ ولا خَطٌّ: صلاتُه جائِزَةٌ، وأحَبُّ إليَّ أن يَفْعَلَ.