. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأنْصَارِيِّ، عن أَبِيه، قال: سأَلْتُ واثِلَةَ بنَ الأسْقَعِ، قلتُ: أُصَلِّي خلفَ القَدَرِيِّ؟ قال: لا تُصَلِّ خَلْفَه. ثم قال: أمّا أنا لو صَلَّيْتُ خلفَه لأعَدْتُ صَلاِتى. رَواه الأثْرَمُ.
فصل: وأمّا الفاسِقُ مِن جِهَةِ الأعْمالِ؛ كالزّانِي، والذى يَشْرَبُ ما يُسْكِرُه، فرُوِيَ عنه، أنَّه لا يُصَلَّى خلفَه، فإنَّه قال: لا تُصَلِّ خَلْفَ فاجِرٍ ولا فاسِقٍ. وقال أبو داودَ: سَمِعْتُ أحمدَ يُسْئَلُ عن إمامٍ قال: أُصَلِّي بكم رمضانَ بكذا وكذا دِرْهَمًا. قال: أسْألُ اللهَ العافِيَةَ، مَن يُصَلِّي خلفَ هذا؛ ورُوِيَ، لا يُصَلَّى خلف مَن لا يُؤدِّي الزكاةَ، ولا يُصَلَّى خلفَ مَن يُشارِطُ، ولا بَأْسَ أن يُدْفَعَ إليه من غيرِ شَرْطٍ. وهذا
стр. 1892
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اخْتِيارُ ابنِ عَقِيل. وعنه، أنَّ الصلاةَ خَلْفَه جائِزَةٌ. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لقَوْلِ النبيِّ ﷺ : «صَلُّوا خَلْفَ مَنْ قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ». وكان ابنُ عُمَرَ يُصَلِّي مع الحَجّاجِ. والحَسنُ والحسينُ، وغيرُهما من الصَّحابَةِ كانوا يُصَلُّون مع مَرْوانَ. والَّذين كانوا في وِلايةِ زِيادٍ وابنِه كانوا يُصَلُّون معهما. وصَلَّوْا وراءَ الوَلِيدِ بنِ عُقْبَةَ وقد شَرِبَ الخَمْرَ. فصارَ هذا إجْماعًا. وعن أبي ذَرٍّ، قال: قال لى رسولُ اللهِ ﷺ : «كَيْفَ أَنْتَ إذَا كَانَ عَلَيْكَ أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا»؟ قال: قلتُ: فما تَأْمُرُنِي؟ قال: «صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإنْ أدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ، فَإنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ». رَواه مُسْلِمٌ (١). وهذا فِعْلٌ يَقْتَضِي فِسْقَهم، ولأنَّه رجلٌ تَصِحُّ صَلَاتُه لنَفْسِه،
стр. 1893
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصَحَّ الائْتِمامُ به، كالعَدْلِ. ووَجْهُ الأُولَى ما ذَكَرْنا من الحَدِيثِ، ولأنَّ الإِمامَةَ تَتَضَمَّنُ حَمْلَ القِراءَةِ، ولا يُؤْمَنُ تَرْكُه لها، ولا يُؤْمَنُ تَرْكُ بَعْضِ شَرائِطِها، كالطهارةِ، وليس ثَمَّ أمارَةٌ ولا غَلَبَةُ ظنٍّ يُؤَمنُنا ذلك. والحدِيث أجَبْنَا عنه، وفِعْلُ الصَّحابَةِ مَحْمُولٌ على أنَّهم خافُوا الضَّرَرَ بتَرْكِ الصلاةِ معهم، ورَوَيْنا عن قَسامَةَ بنِ زُهَيْرٍ (١)، أنَّه قال: لَمّا كان مِن شَأْنِ فُلانٍ ما كان، قال له أبو بَكْرَةَ (٢): تَنَحَّ عن مُصَلَّانا، فإنَّا لا نُصَلِّي خَلْفَكَ. وحَدِيت أبي ذَرٍّ يَدُلُّ على صِحَّتِها نافِلَةً، والنِّزاعُ إنَّما هو في الفَرْضِ.
فصل: وأمّا الجُمَعُ والأعْيادُ فَتُصَلَّى خلفَ كلِّ بَرٍّ وفاجِر. وقد كان أحمدُ يَشْهَدُها مع المُعْتَزِلَةِ، وكذلك مَن كان مِن العُلَماءِ في عَصْرِه. وقد
стр. 1894
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رُوِيَ أنَّ رَجُلًا جاء محمدَ بنَ النَّضْرِ (١)، فقال له: إنَّ لى جيرانًا مِن أهْلِ الأهْواءِ لا يَشْهَدُون الجُمُعَةَ. قال: حَسْبُكَ، [ما تَقولُ] (٢) في مَن رَدَّ على أبي بكرٍ وعُمَرَ؟ قال: ذلك رجلُ سَوْءٍ. قال: فإن رَدَّ على النبيِّ ﷺ ؟ قال: يَكْفُرُ. قال: فإن رَدَّ على العَلِيِّ الأعْلَى؟ ثم غُشِيَ عليه، ثم أفاقَ، فقال: رَدُّوا عليه، والذِي لا إلهَ إلَّا هُوَ، فإنَّه قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾ (٣). وهو يَعْلَمُ أنَّ بَنِي العَبّاسِ سَيَلُونَها. ولأنَّ هذه الصلاة مِن شَعائِرِ الإِسْلامِ الظّاهِرَةِ، وتَلِيها الأَئِمَّةُ دُونَ غيرِهم، فتَرْكُها خلفَهم يُفْضِي إلى تَرْكِها بالكُلِّيَةِ. إذا ثَبَت ذلك فإنَّها تُعادُ خَلْفَ مَن يُعادُ خلْفَه غيرُها قِياسًا عليها. هذا ظاهِرُ المَذْهَبِ. وعنه، أنَّه قال: مَن أعادَها فهو مُبْتَدِعٌ. وهذا يَدُلُّ على أنَّها لا تُعادُ خَلْفَ فاسِقٍ ولا مُبْتَدِعٍ؛ لأنَّها صلاةٌ مَأْمُورٌ بها، فلم تَجِبْ إعادَتُها، كسائِرِ الصَّلَواتِ.
стр. 1895
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن كان المُباشِرُ عَدْلًا، والذى وَلَّاه غيرَ مَرْضِيِّ الحالِ لبِدْعَتِه أو لفِسْقِه، لم يُعِدْها. في المَنْصُوصِ عنه؛ لأنَّ صلَاته إنَّما تَرْتَبِطُ بصلاةِ إمامِهِ، ولا يَضُرُّ وُجُودُ مَعْنًى في غيرِه، كالحَدَثِ. وذَكَر القاضي في وُجُوبِ الإِعادَة رِوايَتَيْن. والصَّحِيحُ الأوَّلُ.
فصل: فإنَ لم يَعْلَمْ فِسْقَ إمامِه، ولا بِدْعَتَه، فقال ابنُ عَقِيل: لا إعادَةَ عليه؛ لأنَّ ذلك مما يَخْفِي، فأَشْبَهَ الحَدَثَ والنَّجَسَ. قال شيخُنا (١): والصَّحِيحُ أنَّ هذا يُنْظَرُ فيه، فإن كان مِمَّن يُخْفِي بِدْعَتَه وفُسُوقَه، صَحَّتْ صَلَاتُه؛ لأَنَّ مَن يُصَلِّي خَلْفه مَعْذُورٌ، وإن كان مِمَّن يُظْهِرُ ذلك، وجَبَتِ الإِعادَةُ، على الرِّوايَةِ التى تَقُول بوُجُوبِ إعادَتِها خَلْفَ المُبْتَدِعِ؛ لأنَّه مَعْنًى يَمْنَعُ الائْتِمامَ، فاسْتَوَى فيه العِلْمُ وعَدَمُه, كما لو كان أُمِّيًّا، والحَدَثُ والنَّجاسَةُ يُشْتَرَطُ خَفاؤُهما على الإِمامِ والمَأْمُومِ معًا، والفاسِقُ لا يَخْفَى عليه فِسْقُ نَفْسِه. فأمّا إن لم يَعْلَمْ حَالَه، ولم يَظْهَرْ منه ما يَمْنَعُ الائِتْمامَ به، فصَلاُته صَحِيحَةٌ. نصَّ عليه؛ لأنَّ الأصْلَ في المُسْلِمين السَّلامَةُ.
стр. 1896
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فأمّا المُخالِفُون في الفُرُوعِ كالمذاهِب الأرْبَعَةِ، فالصلاةُ خلفهم جائِزَةٌ صَحِيحَةٌ غيرُ مَكْرُوهَةٍ. نَصَّ عليه؛ لأَنَّ الصَّحابَةَ والتّابِعِين ومَن بعدَهم، لم يَزَلْ بَعْضُهم يُصَلِّي خَلْفَ بَعْضٍ، مع اخْتِلافِهم في الفُرُوعِ، فكان ذلك إجْماعًا. وإن عَلِم أنَّه يَتْرُكُ رُكْنًا يَعْتَقِدُه المَأْمُومُ دوُنَ الإِمامِ، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ صِحَّةُ الائْتِمام به. قال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أحمدَ يُسْألُ عن رَجُلٍ صَلَّى بقَوْمٍ وعليه جُلُودُ الثَّعالِبِ، [فقال: إن كان يَلْبَسُه وهو يَتَأوَّلُ قَوْلَه ﵇: «أَيُّمَا إهَابٍ دُبغَ فَقَدْ طَهُرَ» (١). فَصَلِّ خَلْفَه] (٢). فقِيلَ له: أتَراهُ أَنْتَ جائِزًا؟ قال: لا. ولكنَّه إذا كان يَتَأَوَّلُ فلا بَأْسَ أن يُصَلَّىَ خَلْفَه. ثم قال أبو عبدِ الله: لو أنَّ رجلًا لم يَرَ
стр. 1897
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الوُضُوءَ مِن الدَّمِ لم يُصَلَّ خلفَه، فلا نُصَلِّي خَلْفَ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، ومالكٍ. أي: بَلَى. ولأنَّ كلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ، أو كالمُصيبِ في حَطِّ المَآثِمِ عنه، وحُصُولِ الثَّوابِ له، ولأنَّ صَلَاتَه تَصِحُّ لنَفْسِه، فجازتِ الصلاةُ خَلْفَه, كما لو لم يَتْرُكْ شيئًا. وقال ابنُ عَقِيلٍ في الفُصُولِ: لا تَصِحُّ الصلاةُ خَلْفَه. وذَكَر القاضي فيه رِوايَتَيْن؛ إحْداهُما، لا تَصِحُّ؛ لأنَّه يَفْعَلُ ما يَعْتَقِدُه المَأْمُومُ مُفْسِدًا للصلاةِ، فلم يَصِحَّ ائْتِمامُه به, كما لو خالَفَه في القِبْلَةِ حالَةَ الاجْتِهادِ، ولأنَّ أكْثَرَ ما فيه أنَّه تَرَك رُكْنًا لا يَأْثَمُ بتَرْكِه، فبَطَلَتِ الصلاةُ خَلْفَه, كما لو تَرَكَه ناسِيًا. والثّانِيَةُ، تَصِحُّ؛ لِما ذَكَرْنا.
فصل: فإن فَعَل شيئًا مِن المُخْتَلَفِ فيه، يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَه، فإن كان يَتْرُكُ ما يُعْتَقَدُ شَرْطًا للصلاةِ، أو وَاجِبًا فيها، فصَلاُته وصلاةُ مَن يَأْتَمُّ به فاسِدَةٌ، وإن كان المَأْمُومُ يُخالِفُ في اعْتِقادِ ذلك؛ لأنَّه تَرَك واجِبًا في الصلاةِ، فبَطَلَتْ صَلَاتُه وصلاةُ مَن خَلْفَه، كالمُجْمَعِ عليه. وإن كان
стр. 1898
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا يَتَعَلَّقُ ذلك بالصلاةِ، كشُرْبِ يَسِيرِ النَّبِيذِ، والنَّكاحَ بغيرِ وَلِيٍّ مِمَّن يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَه، فهذا إن دام علي ذلك فهو فاسِقٌ، حُكْمُه حُكْمُ سائِرِ الفُسّاقِ، وإن لم يَدُمْ عليه لم يُؤَثِّرْ؛ لأنَّه مِن الصَّغائِرِ. فإن كان الفاعِلُ لذلك عامِّيًّا قَلُّدَ مَن يَعْتَقِدُ جَوازَه، فلا شئَ عليه فيه؛ لأنَّ (١) فَرْضَ العامِّيِّ سُؤَالُ العالِمِ وتَقْلِيدُه؛ قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢). وإنِ اعْتَقَد حِلَّه وفِعْلَه، صَحَّتِ الصلاةُ خَلْفَه في الصَّحيحِ مِن المَذْهَبِ. وذَكَر ابنُ أبي موسى في صِحَّةِ الصلاةِ خَلْفَه رِوايَتَيْن.
فصل: وإذا أُقِيمَتَ الصلاةُ والإِنْسانُ في المَسْجدِ، والإِمامُ لا يَصْلُحُ للإِمامَةِ، فإن شاء صَلَّى خَلْفَه، وأعاد. وإن نَوَى الانْفِرادَ، ووافَقَه في أفْعالِ الصلاةِ، صَحَّتْ صَلاتُه؛ لأنَّه أتَى بالصلاةِ على الكَمالِ، أشْبَهَ ما لو لم يَقْصِدْ مُوافَقَةَ الإِمامِ. ورُوِي عن أحمدَ، أنَّه يُعِيدُ.
стр. 1899
وَفِي إِمامَةِ أَقْطَعِ الْيَدَيْنِ وَجْهَانِ.
ــ
رَواها عنه الأثْرَمُ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لِما ذَكَرْنا. وكذلك لو كان الذين لا يَرْضَوْن الصلاةَ خلفَه جَماعَةً، فأمَّهم أحَدُهم ووافَقُوا الإِمامَ في الأفْعالِ، كان ذلك جائِزًا.
فصل: وأمّا الأقْلَفُ (١)، ففيه رِوايَتان؛ إحْداهما، لا تَصِحُّ إمامَتُه؛ لأنَّ النَّجاسَة في ذلك المَحلِّ لا يُعْفَى عنها عندَنا. والثّانِيَةُ، تَصِحُّ؛ لأنَّه إن أمْكنَه كَشْفُ القُلْفَةِ، وغَسْلُ النَّجاسَةِ غَسَلَها، وإن كان مُرْتَتِقًا (٢) لا يَقْدِرُ علي كَشْفِها، عُفِي عن إزالَتِها؛ لعَدَمِ الإِمْكانِ، وكلُّ نَجاسَةٍ مَعْفُوٍّ عنها لا تُؤَثِّرُ في بُطْلانِ الصلاةِ. والله أعلمُ.
٥٥٣ - مسألة: (وفي إمامَةِ أقْطَعِ اليَدَيْن وَجْهان) رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه قال: لم أسْمَعْ فيها شيئًا. وذَكَر الآمِدِيُّ فيه رِوايَتَيْن؛ إحْداهما،
стр. 1900
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تُكْرَهُ وتَصِحُّ. اخْتارَها القاضي؛ لأنَّه عَجْزٌ لا يُخِلُّ برُكْنٍ في الصلاةِ، فلم يَمْنَعْ صِحَّةَ الإمامَةِ، كقَطْعِ إحدَى الرِّجْلَيْن [والأنْفِ] (١). والثّانِيَةُ، لا تَصِحُّ. اخْتارَها أبو بكرٍ؛ لأنَّه يُخِلُّ بالسُّجُودِ على بَعْضِ أعْضاءِ السُّجُودِ، أشْبَهَ العاجِزَ عن السُّجُودِ على جَبْهَتِه. وحُكمُ قَطْعِ اليَدِ الواحِدَةِ كقَطِعِهما. فأمّا أقْطَعُ الرِّجْلَيْنِ فلا تَصِحُّ إمامَتُه؛ لأنَّه عاجِزٌ عن القِيامِ، أشْبَهَ الزَّمِنَ. فإن قُطِعَتْ إحْداهُما، وأمْكَنَه القِيامُ، صَحَّتْ إمامَتُه. ويَتَخَرَّجُ أن لا تَصِحَّ، على قوْلِ أبي بكرٍ؛ لإِخْلالِه بالسُّجُودِ على عُضْوٍ. والأوَّلُ أَصَحُّ؛ لأنَّه يَسْجُدُ على الباقِي من رِجْلِه أو حائِلِها (٢).
стр. 1901
وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ خَلْفَ كَافِرٍ، وَلَا أَخْرَسَ،
ــ
٥٥٤ - مسألة: (لا تَصِحُّ الصلاةُ خلفَ كافِرٍ، ولا أخْرَسَ) ولا تَصِحُّ الصلاة خلفَ كافِرٍ بحالٍ، سواءٌ عَلِم بِكُفْرِه قبلَ فراغِه مِن الصلاةِ أو بعدَ ذلك. وبهذا قال الشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْيِ. [وقال المُزَنِيُّ، وأبو ثَوْرٍ: لا إعادَةَ على مَن صَلَّى خَلْفَه وهو لا يَعْلَمُ, كما لو ائْتَمَّ] (١) بمُحْدِثٍ وهو لا يَعْلَمُ. ولَنا، أنَّه ائْتَمَّ بمَن ليس مِن أهلِ الصلاةِ، أشْبَهَ ما لو ائْتَمَّ بمَجْنُونٍ. والمُحْدِثُ يُشْتَرَطُ أن لا يَعْلَمَ حَدَثَ نفْسِه، والكافِرُ يَعْلَمُ حالَ نَفْسِه.
стр. 1902
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: إذا صَلَّى خَلْفَ مَن يَشُكُّ في إسْلامِه، فصَلاتُه صَحِيحَةٌ، ما لم يَبِنْ كُفْرُه، ولأنَّ الظّاهِرَ مِن المُصَلِّين الإِسْلامُ، سِيَّما إذا كان إمامًا. فإن كان مِمَّن يُسْلِمُ تارَةً ويَرْتَدُّ أُخْرَى، لم يُصَلِّ خَلْفَه، حتَّى يَعْلَمَ على أيِّ دِينٍ هو، فإن صَلَّى خَلْفَه ولم يَعْلَمْ ما هو عليه، نَظَرْنا؛ فإن كان قد عَلِمَ إسْلامَه قبلَ الصلاةِ، ثم شَكَّ في رِدَّتِه، فهو مسلمٌ، وإن عَلِم رِدَّتَه، وشَكَّ في إسْلامِه، لم تَصِحَّ الصلاةُ خَلْفَه، وإن كان عَلِم إسْلامَه فصَلَّى خَلْفَه، فقال بعدَ الصلاةِ: أسْلَمْتُ. أو: ارْتَدَدْتُ قبلَ الصلاةِ. لم تَبْطُل الصلاةُ؛ لأنَّها كانت مَحْكُومًا بصِحَّتِها، فلم يُقْبَلْ قوْلُه في إبْطالِهَا؛ لأنَّه مِمَّن لا يُقْبَلُ قَوْلُه. [وإن صَلَّى خَلْفَ مَن عَلِمَ رِدَّتَه، فقال بعدَ الصلاةِ: قد كنتُ أسْلَمْتُ. قُبِلَ قَوْلُه؛ لأنَّه مِمَّن يُقْبَلُ قَوْلُه] (١).
فصل: قال أصحابُنا: يُحْكَمُ بإسْلامِه [بالصلاةِ] (١)، سَواءٌ كان في دارِ الحَرْبِ أو دارِ الإِسْلامِ، وسَواءٌ صَلَّى في جَماعَةٍ أو مُنْفَرِدًا؛ فإن رَجَع عن الإسْلامِ بعدَ ذلك فهو مُرْتَدٌّ، وإن ماتَ قبلَ ظُهُورِ ما يُنافِي الإِسْلامَ فهو مسلمٌ، يَرِثُه وَرَثَتُه المسْلِمُونَ دُونَ الكُفَّارِ. وقال
стр. 1903
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أبو حنيفةَ: إن صَلَّى في المَسْجِدِ حُكِم بإسْلامِه، وإن صَلَّى في غيرِ المَسْجِدِ فُرادَى لم يُحْكَمْ بإسْلامِه. وقال بعضُ الشَّافِعِيَّةِ: لا يُحْكَمُ بإسْلامِه بِحالٍ؛ لأنَّ الصلاة مِن فُرُوعِ الإِسْلامِ، فلا يَصِيرُ بفِعْلِها مُسْلِمًا، كالحَجِّ والصِّيام، ولأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ، فَإِذَا قَالُوَها عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُم وأمْوَالَهُمْ، إلَّا بحَقِّهَا» (١). وقال بعضُهم: إن صَلَّى في دارِ الإِسْلامِ فليس بمُسْلِمٍ؛ لأنَّه يَقْصِدُ الاسْتِتارَ بالصلاةِ، وإخْفاءَ دِينهِ، وإن صَلَّى في دارِ الحَرْبِ فهو مسلمٌ؛ لعَدَمِ التُّهْمَةِ في حَقِّهِ. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : «نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ المُصَلِّينَ» (٢). وقال: «بَيْنَنَا وبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ» (٣). فجَعَلَ الصلاةَ حَدًّا بينَ الإِسْلامِ والكُفْرِ، فمَن صَلَّى فقد دَخَل في حَدِّ الإِسْلامِ. وقال: «المَمْلُوكُ إذَا صَلَّى فَهُوَ أَخُوكَ». رواه الإِمامُ
стр. 1904
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أحمدُ (١). ولأنِّها عِبادَةٌ تَخْتَصُّ المُسْلِمينَ، فإِذَا [أتَى بها] (٢) حُكِم بإسْلامِه، كالشَّهادَتَيْن. فأمّا الحَجُّ، فإنَّ الكُفارَ كانُوا يَفْعَلُونَه، والصِّيامُ ترْكُ المُفْطِراتِ، وقد يَفْعَلُه مَن ليس بصائِم، فأمّا صلاتُه في نَفْسِه فَأَمْرٌ بينَه وبينَ اللهِ تعالى، فإن علمَ أنَّه كان قد أَسْلَم، ثم تَوَضَّأ وصَلَّى بنِيَّة صَحِيحَةٍ، فهي صَحِيحَةٌ، وإلَّا فعليه الإعادَةُ؛ لأنَّ الوُضُوءَ لا يَصِحُّ مِن الكُفّارِ. وإذا لم يُسْلِمْ قبلَ الصلاةِ، كان حالَ شُرُوعِه فيها غيرَ مُسْلِم ولا مُتَطَهِّر، فلا تَصِحُّ منه. واللهُ أعلمُ.
فصل: ولا تَصِحُّ إمامَةُ الأخْرَسِ بغيرِ أَخْرسَ؛ لأنَّه يَتْرُكُ رُكْنًا وهو القِراءَةُ تَرْكًا مَأُيُوسًا مِن زَوالِه، فلم تَصِحَّ إمامَتُه بقادِرٍ عليه، كالعاجِزِ عن الرُّكُوعِ والسُّجُودِ. فأمّا إمامَتُه بمِثْلِه، فقِياسُ المذْهَبِ صِحَّتُها، قِياسًا على الأُمِّيِّ. والعاجِزُ عن القِيَامِ يومُّ مِثْلَه، وهذا في مَعْناهما. واللهُ أعلمُ. وقال القاضي، وابنُ عَقِيل: لا تَصِحُّ؛ لأنَّ الأمِّيِّ غيرُ مَأْيُوس مِن نُطْقِهِ. والأوَّلُ أوْلَى.
стр. 1905
وَلَا مَنْ بِهِ سَلَس الْبَوْلِ، وَلَا عَاجِزٍ عَنِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقُعُودِ.
ــ
فصل: فأمّا الأَصَمُّ فتَصِحُّ إمامَتُه؛ لأنَّه لا يُخِلُّ بشئٍ مِن أفْعالِ الصلاةِ ولا شُرُوطِها، أشْبَهَ الأعْمَى. فإن كان الأصَمُّ أعْمَى صَحَّتْ إمامَتُه كذلك. وقال بعضُ أَصْحابِنا: لا تَصِحُّ إمامَتُه؛ لأنَّه إذا سَها لا يُمْكِنُ تَنْبِيهُه بتسْبِيحٍ ولا إشارَةٍ. قال شيخُنا (١): والأوْلَى صِحَّتُها؛ لأنَّه لا يَمْنَعُ مِن صِحَّةِ الصلاةِ احْتِمالُ عارِض لا يُتَيَقَّنُ وُجُودُه، كالمَجْنُونِ حال إفاقَتِه.
٥٥٥ - مسألة: (ولا) تَصِحُّ إمامَةُ (مَن به سَلَسُ البَوْلِ، ولا عاجِزٍ عن الرُّكُوعِ والسُّجُودِ والقُعُودِ) وجملَةُ ذلك أنَّه لا تَصِحُّ إمامَةُ مَن به سَلَسُ البَوْلِ، ومَن في مَعْناه، ولا المُسْتَحاضَةِ بصَحِيح؛ لأنَّهم يُصَلُّون مع خُرُوجِ النَّجاسَةِ التى يَحْصُلُ بها الحَدَثُ مِن غيرِ طهارةٍ. فأمّا مَن عليه النَّجاسَةُ، فإن كانت على بَدَنِه فتَيَمَّمَ لها لعَدَمِ الماءِ، جاز للطّاهِرِ الائْتِمامُ به، كما يَجُوزُ لِلمُتَوَضِّئ الائْتِمامُ بالمُتَيَمِّمِ للحَدَثِ. هذا
стр. 1906
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اخْتيارُ القاضي. وعلى قِياسِ قولِ أبي الخَطّابِ، لا يَجُوزُ الائْتِمامُ به؛ لأنَّه أوْجَبَ عليه الإعادَةَ. وإن كانت على ثَوْبِه، لم يَجُزْ الِائْتِمامُ به؛ لتَرْكِه الشَّرْطَ. ولا يَجُوزُ ائْتِمامُ المُتَوَضِّئِ ولا المُتَيَمِّمِ بعادِم اِلماءِ والتُّراب، ولا اللّابِسِ بالعارِي، ولا القادِرِ على الاسْتِقْبالِ بالعاجِزِ عنه؛ لأنَّه تارِكٌ (١) لشَرْطٍ يَقْدِرُ عليه المَأْمُومُ، أشْبَهَ ائْتِمامَ المُعافَى بمَن به سَلَسُ البَوْلِ. ويَصِحُّ ائْتِمامُ كلِّ واحِدٍ مِن هؤلاء بمِثْلِه؛ لأنَّ العُراةَ يُصَلُّون جَماعَةً، وكذلك الأمِّيُّ يَجُوزُ أن يَؤُمَّ مِثْلَه، كذلك هذا.
فصل: ويَصِحُّ ائْتِمامُ المتَوضِّئ بالمُتَيَمِّمِ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّ عَمْرَو بنَ العاص صَلَّى بأصحابِه مُتَيَمِّمًا، وبَلَغ ذلك النَّبِيّ ﷺ -فلم يُنْكِرْه (٢). وأمَّ ابنُ عباس أصحابَه مُتَيَمِّمًا، وفيهم عَمّارُ بنُ ياسِرٍ، في نَفَرٍ مِن أصْحابِ النبيِّ ﷺ فلم يَنْكِرُوه (٣). ولأن طَهارَتَه صحِيحَةٌ، أشْبَهَ المُتَوَضِّئَ.
فصل: ولا تَصِحُّ إمامَةُ العاجِزِ عن شئٍ مِن أرْكانِ الأفْعالِ، كالعاجزِ عن الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، بالقادِرِ عليه، سَواءٌ كان إمامَ الحَيِّ أو لم يَكُنْ.
стр. 1907
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وبه قال أبو حنيفةَ، ومالكٌ. وقال الشافعيُّ: يَجُوزُ؛ لأَنَّه فِعْلٌ أجازَه المَرَضُ، أشْبَهَ القاعِدَ يَؤُمُّ بالقُيَّامِ. ولَنا، أنَّه أخَلَّ برُكْن لا يَسْقُطُ في النّافِلَةِ، فلم يَجُزْ الائْتِمَامُ به، للقادِرِ عليه، كالقارِئُ بالأُمِّيِّ. وأمّا القِيامُ فهو أخَفُّ بدَلِيلِ سُقُوطِه في النَّافِلَةِ؛ ولأنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَ المُصَلِّين خَلْفَ الجالِسِ بالجُلُوسِ (١). ولا خِلافَ أنَّ المُصَلّىَ خَلْفَ المُضْطَجِعِ لا يَضْطَجِعُ. فأمّا إن أمَّ مِثْلَه، فقِياسُ المَذْهَب صِحَّتُه؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ صَلَّى بأصحابِه في المَطَرِ بالإِيماء (٢). والعُراةُ يُصَلُّوَن جَماعَةً بالإِيماءِ، وكذلك حالَ المُسايَفَةِ، ولأنَّ الأُمِّيَّ تَصِحُّ إمامَتُه بمِثْلِه، كذلك هذا.
стр. 1908
وَلَا تَصِحُّ خَلْفَ عَاجِزٍ عَنِ الْقِيَامِ، إِلَّا إِمَامَ الْحَيِّ الْمَرْجُوَّ زَوَالُ عِلَّتِهِ، وَيُصَلُّونَ وَرَاءُهُ جُلُوسًا،
ــ
٥٥٦ - مسألة: (ولا تَصِحُّ خَلْفَ عاجِزٍ عن القِيامِ، إلَّا إمامَ الحَيِّ المَرْجُوَّ زَوالُ عِلَّتِه، [ويُصَلُّون وراءَه جُلُوسًا] (١) ولا تَصِحُّ إمامَةُ العاجِزِ عن القِيامِ بالقادِرِ عليه إذا لم يَكُنْ إمامَ الحَيِّ، رِوايَة واحِدَةً؛ لأنَّه يُخِلُّ برُكْنٍ مِن أركانِ الصلاةِ، أشْبَهَ العاجِزَ عن الرُّكُوعِ، وتَجُوزُ إمامَتُه بمِثْلِه، كما يَؤُمُّ الأُمِّيُّ مِثْلَه.
فصل: فأمّا إِمامُ الحَيِّ إذا عَجَز عن القِيام، فيَجُوزُ أن يَؤُمَّ القادِرَ عليه، بشَرْطِ أن يكون ذلك لمَرَض يُرْجَى زَوالُه؛ لأنَّ اتِّخاذَ الزَّمِنِ، ومَن لا تُرْجَى قُدْرَتُه على القِيامِ إمامًا رَاتِبًا، يُفْضِي إلى تَرْكِهم القِيامَ على الدَّوامِ، وإلى مُخالَفَةِ قَوْلِه ﵇: «فَإذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أجْمَعُونَ» (٢). ولا حاجَةَ إليه، ولأنَّ الأصْلَ في هذا فِعْلُ النبيِّ ﷺ وكان يُرْجَى بُرْؤُه. فإذا وُجِدَ فيه هذان الشَّرْطان، فالمُسْتَحَبُّ له أن يَسْتَخْلِفَ؛ لأنَّ النّاسَ مُخْتَلِفُون في صِحَّة إمامَتِه، ففي اسْتِخْلافِه خُرُوجٌ مِن الخِلافِ، ولأنَّ صَلاةَ القَائِمِ أكْمَلُ، وكَمالُ صلاةِ الإِمامِ مَطْلُوبٌ.
стр. 1909
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإن قِيلَ: فقد صَلَّى النبيُّ ﷺ بأصْحابِه، ولم يَسْتَخْلِفْ. قُلْنا: فَعَل ذلك لتَبْيِينِ الجَوازِ، واسْتَخْلَفَ مَرَّةً أُخْرَى، ولأنَّ صلاةَ النبيِّ ﷺ قاعِدًا أفْضَلُ مِن صلاةِ غيرِه قائِمًا. فإن صَلَّى بهم قاعِدًا «جاز» وصَلَّوا وراءَه جُلُوسًا. يُرْوَى ذلك عن أرْبَعَةٍ مِن أصْحابِ النبيِّ ﷺ ؛ أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ (١) , وجابِرٌ، وقَيْسُ بنُ قَهْدٍ (٢)، وأبو هُرَيْرَةَ. وهو قَوْلُ الأوْزاعِيِّ، وحَمّادِ بنِ زيدٍ، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ. وقال مالكٌ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن: لا تَصِحُّ صلاةُ القادِرِ على الِقيامِ خَلْفَ القاعِدِ. وهو قَوْلُ محمدِ بنِ الحسنِ. قال الشَّعْبِيُّ: رُوِي عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «لَا يَؤُمَّنَّ أحَدٌ بَعْدِي (٣) جَالِسًا». أخْرَجَه الدَّارَقُطْنِيُّ (٤). ولأنَّ القِيامَ رُكْنٌ، فلا يَصِحُّ ائْتِمامُ القادِرِ عليه بالعاجِزِ عنه، كسائِرِ الأرْكانِ. وقال
стр. 1910
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْيِ: يُصَلُّون خَلْفَه قِيامًا؛ لِما رَوت (١) عائشةُ، أنَّ رسولَ الله ﷺ اسْتَخْلَفَ أَبا بكرٍ، ثم وَجَد في نَفْسِه خِفَّةً، فخرَجَ بينَ رَجُلَيْن، فأجْلَساه إلى جَنْبِ أبي بكر، فجَعَلَ أبو بكرٍ يُصَلِّي وهو قائِمٌ بصلاةِ النبيِّ ﷺ ، والنّاسُ يُصَلُّون بصلاةِ أبي بكرٍ، والنبيُّ ﷺ قاعِدٌ. مُتَّفَقٌ عليه (٢). وهذا آخِرُ الأمْرَيْن مِن رسولِ الله ﷺ ، ولأنَّه رُكْنٌ قَدَر عليه، فلم يَجُزْ له تَرْكُه، كسائِرِ الأرْكانِ. ولَنا، ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : «إنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، فَإذَا صَلَّى جَالِسًا، فَصَلُّوا جُلُوسًا أجْمَعُونَ». مُتَّفَقٌ عليه. وعن عائشةَ، قالت: صَلَّى رسولُ الله ﷺ في بَيْتِه، وهو شاكٍّ، فَصَلَّى جالِسًا، وصَلَّى وراءَه قَوْمٌ قِيامًا، فأشار إليهم، أنِ اجْلِسُوا. فلَمَّا
стр. 1911
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
انْصَرَفَ قال: «إنَّما جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤتَمَّ بِهِ، فَإذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإذا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ. فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَإذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أجْمَعُونَ». أخْرَجَه البُخارِيُّ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: رُوِيَ هذا عن النَّبِيّ ﷺ مِن طُرُقٍ مُتَواتِرَةٍ من حَدِيثِ أنَسٍ، وجابِرٍ، وأبي هُرَيْرَةَ، وابنِ عُمَرَ، وعائشةَ، كلُّها بأسانِيدَ صَحِيحَةٍ. فأمّا حَدِيثُ الشُّعْبِي فمُرْسَلٌ، ويَرْوِيه جابِرٌ الجُعْفِيُّ، وهو مَتْرُوكٌ. وقد فَعَلَه أرْبَعَةٌ مِن أصْحاب النبيِّ ﷺ بعدَه. وأمّا حَدِيثُ الآخَرِين فليس فيه حُجَّةٌ. قاله أحمدُ، لأنَّ أَبا بكرٍ كان ابْتَدَأ الصلاةَ، [فإذا ابْتَدَأ الصلاةَ قائِمًا (١) أتمَّها قائِمًا. فأشار أحمدُ إلى إمْكانِ الجَمْع بينَ الحَدِيثَيْن، بحَمْلِ حَدِيثِهم على مَن ابْتَدَأ الصلاةَ قائِمًا، والثّانِي على مَن ابْتَدَأ الصلاةَ جالِسًا، ومتى أمْكَنَ الجَمْعُ بينَ الحَدِيثَيْن كان أوْلَى مِن النَّسْخِ، ثم يَحْتَمِلُ أن أَبا بكر كان الإمامَ. قاله ابنُ المُنْذِرِ في بَعْضِ الرِّواياتِ. وقالت عائشةُ: إنَّ النبيَّ ﷺ صَلَّى خَلْفَ أبي بكر في مَرَضِه الذى مات فيه (٢). وقال أنسٌ: صَلَّى النبيُّ ﷺ في مَرَضِه خَلْفَ أبي بكرٍ قاعِدًا في ثَوْب مُتَوَشِّحًا به (٣). قال الترمِذِيُّ: كلا الحَدِيثَيْن حسنٌ صحيحٌ، ولا
стр. 1912
فَإنْ صَلَّوْا قِيَامًا صَحَّتْ صَلَاتُهُمْ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ،
ــ
يُعْرَفُ للنبيِّ ﷺ خَلْفَ أبي بكرٍ صلاةٌ إلَّا في هذا الحَدِيثِ. وروَى مالك الحديثَ عن رَبِيعَةَ، وقال: كان أبو بكرٍ الإمامَ. قال مالكٌ: العَمَلُ عندَنا على حَدِيثِ رَبيعَةَ هذا. فإن قِيلَ: لو كان أبو بكر الِإمامَ لكان عن يَسارِ النبيِّ ﷺ . قُلْنا: يَحْتَمِلُ أنَّه فَعَل ذلك؛ لأنَّ (١) وراءَه صَفًّا. واللهُ أعلمُ.
٥٥٧ - مسألة؛ قال: (فإن صَلَّوْا قِيامًا صَحَّتْ صلاتُهم في أحَدِ الوَجْهَيْن) أحَدُهما، لا تَصِحُّ. أوْمأ إليه أحمدُ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَهم بالجُلُوس، ونَهاهم عن القِيام، فقال في حَدِيثِ جابِرٍ: «إذَا صَلَّى الْإمَامُ قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا، وَإذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيامًا، وَلَا تَقُومُوا والْإمَامُ جَالِسٌ، كَمَا يَفْعَلُ أهْلُ فَارِسَ بِعُظَمَائِهَا». فَقَعَدْنا (٢). ولأنَّه تَرَك الاقْتِداءَ بإمامِه مع القدْرَةِ عليه، أشْبَهَ تارِكَ القِيامِ في حالِ قِيامِ إمامِه.
стр. 1913
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والثّانِي، يَصِحُّ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ صَلَّى وراءَه قَوْمٌ قِيامًا، فلم يَأْمُرْهم بالإِعادَةِ. فعلى هذا يُحْمَلُ الأمْرُ على الاسْتِحْبابِ، ولأنَّه تَكَلَّف القِيامَ في مَوْضِعٍ يَجُوزُ له الجُلُوسُ، أشْبَهَ المَرِيضَ إذا تكَلَّفَ القِيامَ. ويَحْتَمِلُ أن تَصِحَّ صلاةُ الجاهِلِ بوُجُوبِ القُعُودِ، دُونَ العالِمِ، كما قالُوا في الذى رَكَع دُونَ الصَّفِّ.
стр. 1914
وَإنِ ابْتَدَأ بِهِمُ الصَّلَاةَ قَائِمًا، ثُمَّ اعْتَلَّ فَجَلَسَ، أَتَمُّوا خَلْفَهُ قِيَامًا.
ــ
٥٥٨ - مسألة: (فإنِ ابْتدَأ بهم الصلاةَ قائِمًا، ثم اعْتَلَّ فجَلَسَ، أتَمُّوا خَلْفَه قِيامًا) لأنَّ أَبا بكرٍ حينَ ابْتَدَأ بهم الصلاةَ قائِمًا، ثم جاء النبيُّ ﷺ فأتَمَّ الصلاةَ بهم جالِسًا، أتَمُّوا قِيامًا، ولم يَجْلِسُوا. ولأنَّ القِيامَ هو الأصْلُ، فمَن بَدَأ به في الصلاةِ لَزِمَه في جَمِيعِها إذا قَدَر عليه، كالذى أحْرَمَ في الحَضَرِ ثم سافَرَ.
فصل: فإن اسْتَخْلَفَ بعضُ الأئِمَّةِ في وَقْتِنا هذا، ثم زال عُذْرُه فحَضَرَ، فهل يَجُوزُ أن يَفْعَلَ كفِعْلِ النبيِّ ﷺ أبي بكرٍ؛ فيه ثَلاثُ رِواياتٍ؛ إحْداها، ليس له ذلك. قال أحمدُ، في رِوايَة أبي داودَ: وذلك خاصٌّ بالنبيِّ ﷺ ؛ لأن هذا أمْرٌ يُخالِفُ القِياسَ، فإنَّ انْتِقالَ الإِمام مَأْمُومًا، وانْتِقَالَ المأْمُومِين مِن إمام إلى آخَرَ، لا يَجُوزُ إلَّا لعُذْرٍ يُحْوِجُ إليه، وليس في تَقدُّم الإِمامِ الرّاتِبِ ما يُحْوِجُ إلى هذا، أمّا النبيُّ ﷺ فله مِن الفَضِيلَةِ وعِظَمِ المَنْزِلَةِ ما ليس لأَحَدٍ، ولذلك قال أبو بكرٍ: ما كان لابنِ أبي قُحافَةَ أن
стр. 1915
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَتَقَدَّمَ بينَ يَدَيْ رسولِ الله ﷺ . والثانيةُ، يَجُوزُ. نَصَّ عليه في رِوايةِ أبي الحارِثِ. فعلى هذا يُكَبِّرُ ويَقْعُدُ إلى جَنْبِ الإمام، ويَبْتَدِئُ القِراءةَ مِن حيث بَلَغ الإِمامُ؛ لأنَّ الأصْلَ أنَّ ما فَعَلَه النبيُّ ﷺ يكونُ جائِزًا لأُمَّتِه، ما لمِ يَقُمْ على اخْتِصاصِه به دَلِيلٌ. والرِّوايةُ الثالِثَةُ، أنَّ ذلك يَجُوزُ للخَلِيفَةِ دُون بَقِيَّةِ الأئِمَّةِ، فإنَّه قال، في رِوايَةِ المَرُّوذِيِّ: ليس هذا لأحَدٍ إلَّا للخَلِيفَةِ. وذلك لأنَّ رُتْبَةَ الخِلافَةِ تَفْضُلُ رُتْبَةَ سائِرِ الأئِمَّةِ، فلا يَلْحَقُ بها غيرُها، [وكان ذلك للخَلِيفَةِ] (١)، وخَلِيفَةُ النبيِّ ﷺ يَقُومُ مَقامَه.
стр. 1916
ولَا تَصِحُّ إمَامَةُ الْمَرأَةِ وَالْخُنْثَى لِلرِّجَالِ، وَلَا لِلْخَنَاثَى،
ــ
٥٥٩ - مسألة: (ولا تَصِحُّ إمامَةُ المَرْأةِ والخُنْثَى للرجالِ، ولا للخَناثَى) لا يَصِحُّ أن يَأْتَمَّ رجلٌ بامْرَأةٍ، في فَرْضٍ ولا نافِلَةٍ، في قولِ عامَّةِ الفُقَهاءِ. وقال أبو ثَوْرٍ: لا إعادَةَ على المُصَلِّي خَلْفَها. وقال بعضُ أَصْحابِنا: يَجُوزُ أن تَؤُمَّ الرِّجالَ في التَّراوِيحِ، وتكونَ وراءَهم؛ لِما رُوِيَ
стр. 1917
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عن أُمِّ وَرَقَةَ بنتِ [عبدِ اللهِ بنِ] (١) الحارثِ، أنَّ رسول الله ﷺ جَعَل لها مُؤذِّنًا يُؤَذِّنُ لها، [وأمَرَها] (٢) أن تَؤُمَّ أهلَ دارِها. رَواه أبو داودَ (٣). وهذا عامٌّ. ولَنا، قَوْلُ النبيِّ ﷺ : «لَا تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رجُلًا». رَواه ابنُ ماجه (٤). ولأَنَّها لا تُؤَذِّنُ للرِّجالِ، فلم يَجُزْ أن تَؤُمَّهم، كالمَجْنُونِ، وحَدِيثُ أُمِّ وَرَقَةَ إنَّما أَذِن لها أن تؤُمَّ بنِساءِ أهلِ الدّارِ. كذلك رَواه
стр. 1918
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الدَّارَقُطنيُّ (١). وهذه زِيادَةٌ يَجِبُ قَبُولُها، ولو لم يُذْكَرْ ذلك لتَعَيَّنَ حَمْلُ الحديثِ عليه؛ وذلك لأنَّه أذِن لها أن تَؤُمَّ في الفَرائِضِ، بدَلِيلِ أنَّه جَعَل لها مُؤَذِّنًا، والأذانُ إنَّما يُشْرَعُ في الفَرائِضِ، ولا خِلافَ في المذْهَبِ أنَّها لا تَؤُمُّهم في الفَرائِضِ، فالتَّخْصِيصُ بالتَّراوِيحِ تَحَكُّمٌ بغيرِ دَلِيلِ. ولو ثَبَت ذلك لأُمِّ وَرَقَةَ، لكان خاصًّا لها، بدَلِيلِ أنَّه لا يُشْرَعُ لغَيْرِها مِن النِّساءِ أذانٌ ولا إقامَةٌ، فتَخْتَصُّ بالإِمامةِ، كما اخْتَصَّت بالأذانِ والإِقامَةِ.
стр. 1919
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وأمّا الخُنْثَى، فلا يجُوزُ أن يَؤُمَّ رجلًا؛ لاحْتِمالِ أن يكونَ امْرَأةً، ولا يَؤُمَّ خُنْثَى؛ لجَوازِ أن يكونَ الإمامُ امْرأةً والمأُمُومُ رجلًا، ولا أن تَؤُمَّه امْرَأةٌ؛ لجَوازِ أن يكونَ رجلًا. ويَجُوزُ له أن يَؤُمَّ المرأةَ؛ لأنَّ أدْنَى أحْوالِه أن يكونَ امرأةً. وقال القاضي: رأيْتُ لأبي حَفْص البَرْمَكِيِّ (١) أنَّ الخُنْثَى لا تَصِحُّ صَلاتُه في جَماعَةٍ؛ لأنَّه إن قام مع الرِّجالِ احْتَمَلَ أن يكونَ امرأةً، وإن قام مع النِّساءِ، أو وَحْدَه، أو ائْتَمَّ بامرأةٍ، احْتَمَل أن يكونَ رجلًا، وإن أمَّ الرِّجالَ احْتَمَل أن يكونَ امْرَأةً. وإن أمَّ النِّساءَ فقامَ وَسَطَهُنَّ احْتَمَل أن يكونَ رجلًا، وإن قام أمامَهُنَّ احْتَمَل أنَّه امْرَأةٌ. قال
стр. 1920
وَلَا إمَامَةُ الصَّبِيِّ لِبَالِغ، إلَّا فِي النَّفْلِ،
ــ
الشيخُ (١): ويَحْتَمِلُ أن تَصِحَّ صَلاتُه في هذه الصُّورَةِ، وفي صُورَةٍ أُخْرى، وهو أن يَقُومَ في صَف الرِّجالِ مَأُمُومًا؛ فإنَّ المَرْأَةَ إذا قامت في صَفِّ الرِّجالِ لم تَبْطُلْ صَلاتُها، ولا صلاةُ مَن يَلِيها.
٥٦٠ - مسألة؛ قال: (ولا إمامَةُ الصَّبِيِّ لبالِغٍ، إلَّا في النَّفْلِ ،
стр. 1921
عَلى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
ــ
على إحْدَى الرَّوايَتَيْن) لا يَصِحُّ ائْتِمامُ البالِغِ بالصَّبِيِّ في الفَرْضِ. نَصَّ عليه أحمدُ. وهو قَوْلُ ابنِ مسعودٍ، وابنِ عباس. وبه قال عطاءٌ، ومُجاهِدٌ (١)، والشَّعْبِيُّ، ومالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وأبو حنيفةَ. وأجازه الحسنُ، والشافعيُّ: وإسحاق، وابنُ المُنْذِر. وذَكَر أبو الخَطَّاب رِوايَةً في صحَّةِ إمامَتِه في الَفْرض، بِناءً على [إمامَةِ المُفْترِض بالمُتَنَفِّلِ. وقال ابنُ عَقِيل: يُخَرَّجُ في صِحَّةِ إمامَةِ ابنِ عَشْر سِنينَ وجْهًا، بناءً على] (٢) القَوْلِ بوُجُوب الصلاة عليه. ووَجْهُ ذلك قوْلُه ﷺ : «يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤهُمْ لِكِتَابِ اللهِ» (٣). فيدخُلُ في عُمُوم ذلك. وروَى عَمْرُو ابنُ سَلَمةَ الجَرْمِي، أنَّ النبيَّ ﷺ قال لقَوْمِه: «لِيَؤُمَّكُمْ أقْرَؤُكُمْ».
стр. 1922
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال: فكنتُ أؤُمُّهم وأنا ابنُ سَبْعِ سِنِين، أو ثَمانِ سِنِين. رَواه البُخاريُّ، وأبو داودَ، وغيرُهما (١). ولَنا، قَوْل ابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، ولأنَّ الإمامَةَ حالُ كَمالٍ، والصَّبِيُّ ليس مِن أهلِ الكَمالِ، فلا يَؤُمُّ الرِّجالَ، كالمَرْأَة؛ ولأنَّهُ لا يُؤْمَنُ مِن الصَّبِي الإخْلالُ بشَرْط مِن شَرائِطِ الصلاةِ أو القِراءَةِ حالَ الإسْرارِ. فأما حديثُ عمرِو بنِ سَلَمَةَ، فقال الخَطابِيُّ (٢): كان أحمدُ يُضَعِّفُ أمْرَ عمرِو بنِ سَلَمَةَ. وقال مَرَّةً: دَعْه، ليس بشئٍ. قال أبو داودَ: قِيلَ لأحمدَ: حَدِيثُ عمرِو بنِ سَلَمَةَ؛ قال: لا أدْرِي أيُّ شيء هذا! ولَعَلَّه إنَّما تَوَقفَ عنه؛ لأنَّه لم يَتَحَقَّقْ بُلُوغَ الأمْرِ إلى النبيِّ ﷺ ، فإنَّه كان بالبادِيَةِ في حَيٍّ مِن العَربِ بَعِيدٍ مِن المَدِينَةِ، وقَوَّى هذا الاحْتِمالَ قَوْلُه في الحديثِ: وكنتُ إذا سَجَدْتُ خَرَجَتِ اسْتِي. وهذا غيرُ سائِغٍ.
стр. 1923
وَلَا تَصِحُّ إمَامَةُ مُحْدِثٍ وَلَا نَجِسٍ يَعْلَمُ ذَلِكَ.
ــ
فصل: فأمّا إمامَتُه في النَّفْلِ، ففيها رِوايَتان؛ إحْداهما، لا تَصِحُّ؛ لذلك. والثانيةُ، تَصِحُّ لأنَّه مُتَنَفِّلٌ يَؤُمُّ مُتَنَفِّلِين، ولأنَّ النّافِلَةَ يَدْخُلُها التَّخْفِيفُ، ولذلك تَنْعَقِدُ الجَماعَةُ به فيها إذا كان مَأْمُومًا.
٥٦١ - مسألة: (ولا تَصِحُّ إمامَة مُحْدِثٍ ولا نَجِسٍ يَعْلَمُ ذلك
стр. 1924
فَإنْ جَهِلَ هُوَ وَالْمَأْمُومُ حَتَّى قَضَوُا الصَّلَاةَ، صَحَّتْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ وَحْدَهُ.
ــ
فإن جَهِل هو والمَأْمُومُ حتَّى قَضَوُا الصلاةَ، صَحَّتْ صلاةُ المَأْمُومِ وحدَه) متى أخَلَّ بشَرْطِ الصلاةِ مع القُدْرَةِ عليه، لم تَصِحَّ صَلاتُه؛ لإخْلالِه بالشَّرْطِ. فإن صَلَّى مُحْدِثًا، وجَهِل الحَدَثَ هو والمَأْمُومُ حتَّى قَضَوُا الصلاة، فصلاةُ المَأْمُومِين صَحِيحَةٌ، وصلاةُ الإِمامِ باطِلَةٌ. ورُوِيَ ذلك عن عُمَرَ، وعُثمانَ، وعليٍّ، وابنِ عُمَرَ، ﵃. وبه قال الحسنُ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، ومالِكٌ، والأوْزاعِيُّ, والشافعيُّ. وعن عليٍّ، أنَّهم يُعيِدُون جميعًا (١). وبه قال ابنُ سِيرِينَ (٢)، والشَّعْبِيُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُه؛ لأنَّه صَلَّى بهم مُحْدِثًا، أشْبَهَ ما لو عَلِم. ولَنا، إجْماعُ الصحابةِ، ﵃، فرُوِي أنَّ عُمَرَ صَلَّى بالنّاسِ الصُّبْحَ, ثم خَرَج إلى الجُرْفِ (٣)، فأهْراقَ الماء، فوَجَدَ في ثَوْبِه احْتِلامًا، فأعاد ولم يُعِدِ
стр. 1925
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النّاسُ (١). وعن عثمانَ أنَّه صَلَّى بالنّاسِ صلاةَ الفجْرِ، فلَمّا أصْبَح وارْتَفَع النَّهارُ إذا هو بأثَرِ الجَنابَةِ، فقال: كَبُرَتْ واللهِ، كَبُرَتْ واللهِ. وأعاد الصلاةَ، ولم يَأْمُرْهم أن يُعِيدُوا. وعن ابنِ عُمَرَ نحوُ ذلك (٢). رَواه كلَّه الأثْرَمُ. وعن البَراءِ بن عازِبٍ، أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «إذَا صَلَّى الجُنُبُ بِالْقَوْمِ، أعاد صَلَاتهُ، وتَمَّتْ لِلْقَوْمِ صَلاتُهم». رَواه أبو سُليمانَ محمدُ ابنُ الحسينِ الحَرّانِيُّ. ولَأنَّ الحَدَثَ ممَّا يَخْفَى، ولا سَبِيلَ إلى مَعْرِفَتِه مِن الإِمامِ للمَأْمُومِ، فكان مَعْذورًا في الاقْتِداءِ به، ويُفارِقُ ما إذا عَلِم الإمامُ حَدَثَ نَفْسِه؛ لأنَّه يكونُ مُسْتَهْزِئًا بالصلاةِ، فاعِلًا ما لا يَحِلُّ. وإذا عَلِمَه المَأْمُومُ، لم يُعْذَرْ في الاقْتِداءِ به، وما نُقِل عن عليٍّ لا يَثْبُتُ، بل قد نُقِل عنه كما ذَكَرْنا عن غيرِه مِن الصَّحابةِ. والحُكْمُ في النَّجاسَةِ كالحُكْمِ في الحَدَثِ؛ لأنَّها في مَعْناه في خَفائِها على الإِمامِ والمَأْمُومِ، على أنَّ في النَّجاسَةِ رِوايَةً أُخْرَى، أنَّ الإِمامَ أَيضًا لا تَلْزَمُه الإِعادَةُ. وقد ذَكَرْناه.
стр. 1926
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن عَلِم حَدَثَ نَفْسِه في الصلاةِ، أو عَلِم المَأْمُومُون، لَزِمَهم اسْتِئْنافُ الصلاةِ. قال الأثْرَمُ سأَلْتُ أَبا عبدِ اللهِ، عن رَجُلٍ صَلَّى بقَوْمٍ [غيرَ طاهرٍ] (١)، بعضَ الصلاةِ، فذَكَرَ؟ قال: يُعْجِبُنِي أن يَبْتَدِئُوا الصلاةَ. قلتُ: يقولُ لهم: اسْتَأْنِفُوا الصلاةَ؟ قال: لا، ولكنْ يَنْصَرِفُ وَيَتَكَلَّمُ، ويَبْتَدِئُون هم الصلاةَ. وذَكَر ابنُ عقيل رِوايَةً، إذا عَلِم المَأْمُومُون، أنَّهم يَبْنُون على صَلاِتهم. وقال الشافعيُّ: يَبْنُون على صَلاِتهم، سواءٌ عَلِم بذلك، أو عَلِم المَأْمُومُون؛ لأن ما مَضَى مِن صَلاِتهم صَحِيحٌ، فكان لهم البِناءُ عليه، لو قام (٢) إلى خامِسَةٍ فسَبَّحُوا به فلم يَرْجِعْ. ولَنا، أنَّه ائْتَمَّ بمَن صَلَاتُه فاسِدَةٌ، مع العِلْمِ منهما أو مِن أحَدِهما، أشْبَهَ ما لو ائْتَمَّ بامرَأةٍ. وإنما خُولِفَ هذا إذا اسْتَمَرَّ الجَهْلُ [منهما؛ للإِجْماعِ، ولأنَّ وُجُوبَ الإِعادَةِ على المَأْمُومِين حالَ (٣) اسْتِمْرارِ الجَهْلِ] (٤) يَشُقُّ؛ لتَفَرُّقِهم، بخِلافِ مَا إذا عَلِمُوا في الصلاةِ.
стр. 1927
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وإن عَلِم بعضُ المَأْمُومِين دُونَ بَعْضٍ، فالمَنْصُوصُ أنَّ صلاةَ الجَمِيعِ تَفْسُدُ. والأوْلَى يَخْتَصُّ البُطْلانُ بمَن عَلِم دُون مَن جَهِل؛ لأنَّه مَعْنًى مُبْطِلٌ اخْتَصَّ به، فاخْتَصَّ بالبُطْلانِ، كحَدَثِ نَفسِه.
فصل: قال أحمدُ، في رَجُلَيْن أمَّ أحَدُهما الآخرَ، فشَمَّ كلُّ واحِدٍ منهما رِيحًا، أو سَمِع صوْتًا يَعْتَقِدُه مِن صاحِبِه: يَتَوَضَّآن، ويُعِيدان الصلاةَ؛ لأنَّ كلُّ واحِدٍ منهما يَعْتَقِدُ فَسادَ صلاةِ صاحِبِه. وهذا إذا قُلْنا: تَفْسُدُ صلاةُ كُلِّ واحِدٍ مِن الإمامِ والمَأْمُومِ بفَسادِ صلاةِ الآخَرِ، بكَوْنِه صارِ فَذًّا. وعلى الرِّوايَةِ المَنْصُورَة يَنْوِي كلُّ واحِدٍ منهما الانْفِرادَ، ويُتِمُّ صَلاتَه. ويَحْتَمِلُ أنَّه إنَّما قَضَى بفَسادِ صَلاتِهما، إذا أتَمّا الصلاةَ على ما كانا عليه مِن غيرِ فَسْخِ النِّيَّةِ، فإنَّ المَأْمُومَ يَعْتَقِدُ أنَّه مُؤتَمَّ بمُحْدِثٍ، والإمامَ يَعْتَقِدُ أنَّه يَؤُمُّ مُحْدِثًا. وأمَّا قولُه: يَتَوَضَّآن. فلَعَلَّه أراد؛ لتَصِحَّ صَلاتُهما جَماعَةً. إذ ليس لأحَدِهما أن يَأْتَمَّ بالآخَرِ مع اعْتِقادِه حَدَثَه، [أو احْتِياطًا] (١). أمّا إذا صَلَّيا مُنْفَرِدَيْن، فلا يَجِبُ الوُضُوءُ على واحِدٍ منهما؛ لأنَّه مُتَيَقِّنٌ للطَّهارَةِ، شاكٌّ في الحَدَثِ.
فصل: فإنِ اخْتَلَّ غيرُ ذلك مِن الشُّرُوطِ في حَقِّ الإِمامِ، كالسِّتارَةَ،
стр. 1928
وَلَا تَصِحُّ إِمَامَةُ الأُمِّيِّ؛ وَهُوَ مَنْ لَا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ، أَوْ يُدْغِمُ حَرْفًا لَا يُدْغَمُ، أَوْ يُبْدِلُ حَرْفًا، أَوْ يَلْحَنُ فِيهَا لَحْنًا يُحِيلُ الْمَعْنَى، إِلَّا بِمِثْلِهِ،
ــ
واسْتِقْبالِ القِبْلَةِ، لم يُعْفَ عنه في حَقِّ المَأْمُومِ؛ لأنَّ ذلك لا يَخْفَى غالِبًا، بخِلافِ الحَدَثِ والنَّجاسَةِ. وكذا إن فَسَدَتْ صلاُته، لتَرْكِ رُكْنٍ، فَسَدَتْ صلاُتهم. نَصَّ عليه (١) أحمدُ، في مَن تَرَك القِراءَةَ، يُعِيدُ ويُعِيدُون، وكذلك لو تَرَك تَكْبيرَةَ الإِحْرامِ.
٥٦٢ - مسألة: (ولا تَصِحُّ إمامَة الأُمِّيِّ؛ وهو مَن لا يُحْسِنُ الفاتِحَةَ، أو يُدْغِمُ حَرْفًا [لا يُدْغَمُ، أو يُبْدِل حَرْفًا] (٢)، أو يَلْحَنُ فيها (٣) لَحْنًا يُحِيلُ المَعْنَى، إلَّا بِمِثْلِه) الكلامُ في هذه المَسْأَلةِ في فَصْلَيْن؛
стр. 1929
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أحَدُهما، أن الأمِّيَّ لا تَصِحُّ إمامَتُه بمَن يُحْسِنُ قِراءَةَ الفاتِحَةِ. وهذا قَوْلُ مالكٍ، والشافعيِّ في الجديدِ. وقيل عنه: يَصِحُّ أن يَأْتَمَّ القارِئُ بالأُمِّيِّ في صلاةِ الإِسْرارِ دُونَ الجَهْرِ. وعنه، يَصِحُّ أن يَأُتَمَّ به في الحالَيْن. ولَنا، أنَّه ائْتَمَّ بعاجِزٍ عن رُكْن وهو قادِرٌ عليه، فلا تَصِحُّ، كالعاجِزِ عن الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وقِياسُهم يَبْطُلُ بالأخْرَسِ والعاجزِ عن الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وأمّا القِيامُ فهو رُكْنٌ أخَفُّ مِن غيرِه؛ بدَلِيل أنَّه يَسْقُطُ في النّافِلَةِ مع القُدْرَةِ عليه بخِلافِ القِراءَةِ. فإن صَلَّى بأُمِّيِّ وقارِئٍ، صَحَّتْ صلاةُ الأُمِّيّ والإِمام. وقال أبو حنيفةَ: تفْسُدُ صلاةُ الإِمامِ أَيضًا؛ لأنَّه يَتَحَمَّلُ القِراءَةَ عن المَأَمُومِ، وهو عاجِزٌ عنها ففَسَدَتْ صَلَاتُه. ولَنا، أنَّه أمَّ مَن لا يَصِحُّ ائْتِمامُه به، فصَحَّتْ صلاةُ الإمامَ، كما لو أمَّتِ امْرأةٌ رَجُلًا ونِساءً.