← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.

стр. 2031

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لواجبٍ. وعن عَطاءٍ: لا يَقْصُرُ إلَّا في سَبِيلٍ من سُبُلِ الخَيْرِ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ إنَّما قَصَر في سَفرٍ واجبٍ أو مَنْدُوبٍ. ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾. وقالت عائشةُ: إنَّ الصلاةَ أَوَّلَ ما فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ، فأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وأُتِمَّتْ صلاةُ الحَضَرِ. مُتَّفَقٌ عليه (١). وعن ابنِ عباسٍ، قال: فَرَضَ اللَّهُ الصلاةَ على لِسَانِ نَبِيِّكُمْ في الحَضَرِ أرْبَعًا، وفى السَّفَرِ رَكْعَتَيْن، وفى الخَوْفِ رَكْعَةً. رَواه مسلمٌ (٢). وفى حَدِيثِ صَفْوَانَ بنِ عَسَّالٍ: أمَرَنا رسولُ اللَّهِ ﷺ إذا كُنَّا مُسافِرِين أو سَفْرًا، أن لا نَنْزِعَ خِفَافَنا ثَلَاثَةَ أيَّام ولَيالِيهِنَّ. رَواه

стр. 2032

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ التِّرمِذِىُّ (١). وهذه نُصوصٌ تَدُلُّ على إباحَةِ التّرَخُّص في كلِّ سَفَرٍ، وقد كان النبىُّ ﷺ يَتَرَخَّصُ في العَوْدِ مِن السَّفَرِ، وهو مُباحٌ. فصل: فأمَّا سَفَرُ المَعْصِيَة فلا تُباحُ فيه هذه الرُّخَصُ؛ كالإباقِ، وقَطْع الطرَّيقِ، والتِّجارَةِ في الخَمْرِ، ونحوِه. نَصِّ عليه أحمدُ. وهذا قَوْلُ الشافعىِّ. وقال الثَّوْرِى، والأوْزاعِىُّ: له ذلك؛ لِما ذَكَرْنَا مِن النُّصوصِ، ولأنَّه مُسافرٌ، أشْبَهَ المُطِيعَ. ولَنا، قولُه تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (٢). خَصَّ إباحَة الأكْلِ بغيرِ الباغِى والعادى، فدَلَّ على أنه لا يُباحُ للباغِى والعادِى، وهذا في مَعْناه. ولأنَّ التَّرَخُّصَ شُرِعَ [للإعانةِ على المَقْصُودِ المُباحِ، تَوَصُّلًا إلى المَصْلَحَةِ، فلو شُرِعَ ههُنا لشُرِعَ] (٣) إعانَةً على المُحَرَّمِ، تَحْصِيلًا للمَفْسَدَةِ،

стр. 2033

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والشَّرْعُ مُنَزَّهٌ عن هذا، والنُّصوصُ وَرَدَتْ في حَقِّ الصحابةِ، وكانت أسْفارُهم مُباحَةً، فلا يَثْبُتُ الحُكْمُ فيما خالَفَها، ويَتَعَيَّنُ حَمْلُه على ذلك جَمْعًا بينَ النُّصوصِ، وقِياسُ سَفَرِ المَعْصِيَةِ على الطَّاعَةِ لا يَصِحُّ. فصل: إذا غُرِّبَ في الحَدِّ إلى مَسافَةِ القَصْرِ، جَازَ له القَصْرُ وسائرُ الرُّخَصِ، وكذلك إذا نُفِىَ قاطِعُ الطَّرِيقِ؛ لأنَّه سَفَرٌ لَزِمَه بالشَّرْعِ، أشْبَه سَفَرَ الغَزْوِ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: ويَحْتَمِلُ أن لا يَقْصُرَ؛ لأنَّه سَفَرٌ [سَبَبُه المَعْصِيَةُ، أشْبَه سَفَرَ المَعْصِيَةِ، ولأنَّه ليس بأحْسَنَ حَالًا مِن سَفَرِ النُّزْهَةِ، وفيه رِوايَتان، فيُخَرَّجُ ههُنا مِثْلُه] (١). والأولُ أوْلَى.

стр. 2034

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ويُمْكِنُ التَّفْرِيقُ بينَ هذا وبينَ سَفَرِ المَعْصِيَةِ؛ لأنَّ ذلك تَصِحُّ التَّوْبَةُ منه، بخِلافِ هذا. وإن هَرَب المَدِينُ مِن غُرَمائِه وهو مُعْسِرٌ قصَر، وإن لم يكنْ مُعْسِرًا، والدَّيْنُ حالٌ، أو مُؤَجَّلٌ يَحِلُّ قبلَ مُدَّةِ السَّفَرِ، احْتَمَلَ وَجْهَين، ذَكَرهما ابنُ عَقِيل؛ أحَدُهما، لا يَقْصُرُ؛ لأنَّه سَفَر يَمْنَعُ حَقًّا واجِبًا عليه. والثَّانِى، يَقْصُرُ؛ لأنَّه نَوْعٌ غَيْرُه (١)، فلا يَتَوَجَّهُ عليه كقبلِ (٢) المُطالَبَةِ. فصل: فإن عَدِم الماءَ في سَفَرِ المَعْصِيَةِ لَزِمَه التَّيَمُّمُ؛ لأنَّه عَزِيمَةٌ. وهل تَلْزَمُه الإعادَةُ؟ على وَجْهَيْن؛ أحَدُهُما، لا تَلْزَمُه؛ لأنَّ التَّيَمُّمَ عَزِيمَةٌ، بدَلِيلِ وُجُوبِه، والرُّخَصُ لا تَجِبُ. والثّانِى، عليه الإعادَةُ؛ لأنَّهُ حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بالسَّفَرِ، أشْبَهَ بَقِيَّةَ الرُّخَصِ. والأَوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه أتَى بما أُمِرَ به، فلم

стр. 2035

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَلْزَمْه الإِعادَةُ، وفارَقَ بَقِيَّةَ الرُّخَص، لأنَّه مَمْنُوعٌ منها، [وهذا مَأْمُورٌ به، فلا يُمْكِنُه تَعْدِيَةُ حُكْمِها إلى التَّيَمُّمِ. وقَوْلُهم: إن ذلك مُخْتَصٌّ بالسَّفَرِ. مَمْنُوعٌ] (١) ويُباحُ له المَسْحُ يَوْمًا ولَيْلَةً؛ لأنَّ ذلك [لا يَخْتَصُّ السَّفَرَ] (٢)، أشْبَهَ الاسْتِجْمَارَ. وقيلَ: لا يَجُوزُ؛ لأنَّه رُخْصَةٌ، فلم يُبَحْ كَرُخَصِ السَّفَرِ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لِما بَيَّنّا. فصل: وإذا كان السَّفَرُ مُباحًا فغَيَّرَ نِيَّتَه إلى المَعْصِيَةِ، انْقَطَعَ التَّرَخُّصُ؛ لزَوالِ سَبَبِه. ولو كان لمَعْصِيةٍ، فغَيَّرَ نِيَتّهَ إلى المُباح [أُبيحَ له ما يُباحُ] (٣) في السَّفَرِ المُباحِ. وتُعْتَبَرُ مَسافَةُ القَصْرِ مِن حينَ غَيَّرَ النِّيَّةَ؛ لأنَّ وُجُودَ ما مَضَى مِن سَفرِه لا يُؤَثِّرُ في الإباحَةِ، فهو كعَدَمِه. فأمَّا إن كان السَّفَرُ مُباحًا، لَكِنَّه يَعْصِى فيه، أُبيحَ له التَّرَخُّصُ؛ لأنَّ السَّبَبَ السَّفَرُ، وهو مُباحٌ، وقد وُجِدَ، فيَثْبُتُ حُكْمُه، ولم تَمْنَعْه المَعْصِيَةُ، كَمَا أنَّ المَعْصِيَةَ في الحَضَرِ لا تَمْنَعُ التَّرَخُّصَ فيه.

стр. 2036

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وفى سَفَرِ التَّنَزُّهِ والتَّفَرُّجِ روايَتان، إحْداهما، يُبِيحُ التَّرَخُّصَ. وهو ظاهِرُ كَلام الخِرَقِىِّ، لأنَّه مُباحٌ، فيَدْخُلُ في عُمُومِ النُّصُوصِ، وقِيَاسًا على سَفَرِ التِّجَارَةِ. والثانيةُ، لا يَتَرَخَّصُ فيه، لأنَّه إنَّما شُرِعَ إعانةً على تَحْصِيلِ المَصْلَحَةِ، ولا مَصْلَحَةَ في هذا. والأولُ أوْلَى. فصل: فإن سافَرَ لزِيارَةِ القُبُورِ والمَشاهِدِ، فقال ابنُ عقيل: لا يُباحُ له التَّرَخُّصُ، لأنَّه مَنْهِىٌّ عن السَّفَرِ إليها، لقَوْلِه ﵇: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ». مُتَّفَقٌ عليه (١). قال شيخُنا (٢):

стр. 2037

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والصَّحِيحُ إباحَتُه، وجَوازُ (١) التَّرَخُّصِ فيه، لأنَّ النبىَّ ﷺ كان يَأْتِى قُباءَ راكِبًا وماشِيًا، وكان يَزُورُ القُبُورَ، وقال: «زُورُوهَا تُذَكِّرْكُمُ الْآخِرَةَ» (٢). والحديثُ المَذْكُورُ مَحْمُولٌ على نَفْىِ الفَضِيلَةِ، لا على التَّحْرِيم (٣)، وليستِ الفَضِيلَةُ شَرْطًا في إباحَةِ. القَصْرِ، فلا يَضُرُّ انْتِفاؤُها.

стр. 2038

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فضل: الشَّرْطُ الثَّانِى: أن تكونَ مَسافَةُ سَفَرِه سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا فما زاد. قال الأثْرَمُ: قِيلَ لأبى عبدِ اللَّهِ: في [كَمْ تُقْصَرُ] (١) الصلاةُ؟ قال: في أرْبَعَةِ بُرُدٍ. قيلَ له: مَسِيرَةُ يومٍ تامٍّ؟ قال: لا، أَرْبَعَةُ بُرُدٍ، سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا، مَسِيرَةُ يَوْمَيْنِ. والفَرْسَخُ: ثَلَاثةُ أمْيَالٍ. قال القاضى: والمِيلُ: اثْنَا عَشَرَ ألْفَ قَدَمٍ، وذلك مَسِيرَةُ يَوْمَيْنِ قاصِدَيْن. وقد قَدَّرَه ابنُ عباسٍ مِن عُسْفانَ (٢) إلى مَكَّةَ. ومِن الطّائِفِ إلى مَكَّةَ، ومن جُدَّةَ إلى مَكَّةَ (٣). وذكر صاحِبُ المَسَالِكِ (٤)، أنَّ من دِمشقَ إلى القُطَيِّفَة أرْبَعَةً وعِشْرِينَ مِيلًا، ومِن دِمَشْقَ إلى الكُسْوَةِ اثْنَىْ عَشَرَ مِيلًا، ومِن الكُسْوَةِ

стр. 2039

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إلي جاسِمٍ أرْبَعَةً وعشرين ميلاً. فعلى هذا تكونُ مَسافَةُ القَصْرِ يَوْمَيْن قاصِدَيْن. وهذا قولُ ابنِ عباس، وابنِ عمرَ. وهو مَذْهَبُ مالكٍ، واللَّيْثِ، والشافعىِّ، وإسحاقَ. ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، أنه يَقْصُرُ في مَسِيرَةِ عَشرَةِ فَراسِخَ. حكاه ابنُ المُنْذِرِ. ورُوِىَ نَحْوُه عن ابنِ عباسِ، أنه قال: يَقْصُرُ في يَوْمٍ، ولاْ يَقْصُرُ فيما دُونَه. وإليه ذَهَب الأوْزاعِىُّ. قال ابنُ المُنْذِرِ: عامَّةُ العُلَماءِ يَقُولون: مَسِيرَةُ يَوْمٍ تَامٍ. وبه نَأْخُذُ. ورُوِىَ عن ابنِ مسعودٍ، أنَّه يَقْصُرُ في مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أيَامٍ. وبه قال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ؛ لقولِ النبىِّ ﷺ ثَلَاثةَ أيَّامٍ ولَيَالِيهِنَّ» (١). وهذا يَقْتَضِى أنَّ كُلَّ مُسافِرٍ له ذلك، ولأنَّ الثَّلَاثةَ مُتَّفَقٌ عليها، وليس في ما دُونَها تَوْقِيف ولا اتِّفاقٌ. ورُوِىَ عن جَماعَة مِن السَّلَفِ ما يَدُلُّ على جَوازِ القَصْرِ في أقَلَّ مِن يَوْمٍ. فقال الأوْزاعِىُّ: كان أَنَسٌ يَقْصُرُ فيما بَيْنَه

стр. 2040

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وبينَ خَمْسَةِ فَراسِخَ. وكان قَبِيصَةُ بنُ ذُؤيْبٍ (١)، وهانِئُ بنُ كُلْثُومٍ (٢)، وابنُ مُحَيْرِيزٍ (٣) يَقْصُرُون فيما بينَ الرَّمْلَةِ وبَيْتِ المَقْدِسِ (٤). ورُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه خَرَج مِن قَصْرِهِ بالكُوفَةِ حتى أتى النُّخَيْلَةَ (٥)، فصَلَّى بها الظُّهْرَ والعَصْر رَكْعَتَيْن، ثمْ رَجَع مِن يَوْمِه، فقال: أرَدْتُ أن أعَلِّمَكُم سُنَّتَكَم. ورُوِىَ أنَّ دِحْيَة الكَلْبِىَّ خَرَج مِن قَرْيَةٍ مِن دِمَشْقَ مَرَّةً إلى قَدْرِ ثَلَاثَةِ أمْيالٍ في رمضانَ، ثم إنَّه أفْطر وأفْطر معه أُنَاسٌ كَثِيرٌ، وكَرِهَ آخَرونَ أن يُفْطِرُوا، فلمَّا رَجَعَ إلى قَرْيته، قال: واللَّه لقد رَأيْتُ اليَوْمَ أمْرًا ما كُنْتُ أظُنُّ أنِّى أرَاهُ، إنَّ قوْمًا رَغِبُوا عن هَدْىِ رسولِ اللَّهِ ﷺ . يَقُولُ ذلك للَّذِينَ صامُوا. رَواه أبو داودَ (٦). وعن أبى سعيدٍ

стр. 2041

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الخُدْرِىِّ، قال: كان رسولُ اللَّهِ ﷺ إذا سافَرَ فَرْسَخًا. قَصَرَ الصلاةَ (١). رَواه سعيد. واحْتَجَّ أصحابُنا بقَوْلِ ابنِ عباسٍ، وابنِ عمرَ: يا أهْلَ مَكةَ، لا تَقْصُرُوا في أدْنَى مِن أرْبَعَةِ بُرُدٍ، ما بينَ عُسْفانَ إلى مَكَّةَ (٢). قال الخَطَّابِىُّ (٣): وهو أصَحُّ الرِّوايَتَيْن عن ابنِ عمرَ. ولأنَّها مَسافَةٌ تَجْمَعُ مَشَقَّةَ السَّفَرِ، مِن الحَلِّ والعَقْدِ، فجازَ القَصْرُ فيها، كالثَّلاثِ، ولم يَجُزْ فيما دُونَها؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ دَلِيلٌ بوُجُوبِ القَصْرِ فيه.

стр. 2042

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وحَدِيثُ أبى سعيدٍ يُحْمَلُ على أنَّه ﵇ كان إذا سافَرَ سَفَرًا طَوِيلًا قَصَرٍ إذا (١) بَلَغ فَرْسَخًا. قال شيخُنا (٢): ولا أرى لِما صار إليه الأئِمَّةُ حُجَّةٌ؛ لأنَّ أقْوالَ الصَّحابَةِ مُخْتَلِفَةٌ مُتَعارِضَةٌ، ولا حُجَّةَ فيها مع الاخْتِلَافِ. ثم لو لم يُوجَدْ ذلك لم يَكُنْ قوْلُهم حُجَّةً مع قَوْلِ النبىِّ ﷺ وفِعْلِه. وإذا لم تَثْبُتْ أقوالُهم امْتَنَعَ المَصِيرُ إلى التقْدِيرِ الذى ذَكَرُوه، لوَجْهَيْن؛ أحَدُهما، أنَّه مُخالِفٌ للسُّنَّةِ التى رَوَيْناها، ولظاهِرِ القُرْآنِ؛ فإنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ إباحَةُ القَصْرِ لمَن ضَرَب في الأرْضِ. فأمَّا قَوْلُ النبىِّ ﷺ : «يَمْسَحُ المُسَافِرُ ثَلَاَثةَ أيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ». فإنَّما جاء لبَيانِ أكْثَرِ مُدَّةِ المَسْحِ، فلا يَصِحُّ الاحْتِجاجُ به ههُنا. على أنه يُمْكِنُه قَطعُ المَسافَةِ

стр. 2043

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ القَصِيرَةِ في ثَلَاثَةِ أيام، وقد سَمَّاه النبىُّ ﷺ سَفَرًا، فقال: «لا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليوْم الآخِرِ أنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْم إلَّا مَعَ ذِى مَحْرَمٍ» (١). والثَّانى، أنَّ التَّقْدِيرَ بَابُه التَّوْقِيفُ، فلا يَجُوزُ المَصِيرُ إليه برأىٍ مُجَرَّدٍ، سِيَّما وليس له أصْل يُرَدُّ إليه، ولا نَظِيرٌ يُقاسُ عليه، والحُجَّةُ مع مَن أباح القَصْرَ لكلِّ مُسافِرٍ، إلَّا أن يَنْعَقِدَ الإجْماعُ على خِلافِه. فصل: وحُكْمُ سَفَرِ البحرِ حُكْمُ سَفَرِ البَرِّ، إن بَلَغَتْ [مَسافَةُ سفَرِه] (٢) مَسافةَ القَصْرِ، [أُبيحَ له، وإلَّا فلا، سَواءٌ قَطَعَه فِى زَمَنٍ طَوِيلٍ أو قَصِيرٍ، اعْتِبارًا بالمَسافَةِ] (٢). وإن شَكَّ في كَوْنِ السَّفَرِ مُبِيحًا أوْلا لم يُبَحْ؛ لأن الأصْلَ عَدَمُه ووُجُوبُ الإِتْمامِ. فإن قَصَر لم تَصِحَّ صَلاتُه، وإن تَبَيَّنَ له بعدَها أنَّه طَوِيلٌ؛ لأنَّه صَلَّى مع الشَّكِّ، فلم تَصِح صَلاتُه، كما لو صَلَّى شاكًّا في دُخُولِ الوَقْتِ.

стр. 2044

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: والاعْتِبارُ بالنِّيَّةِ لا بالفِعْلِ، فيُعْتَبَرُ أن يَنْوِىَ مَسافَةَ القَصْرِ، فلو خَرَج يَقْصِدُ سَفَرًا بَعِيدًا، فقَصَرَ الصلاةَ، ثم بَدا له فرَجَعَ، كان ما صَلَّاه صَحِيحًا، ولا يَقْصُرُ في رُجُوعِه، إلَّا أن تَكونَ مَسافَةُ الرُّجُوعِ مُبِيحَةً بنَفْسِها. نَصَّ أحمدُ على هذا. ولو خَرَج طَالِبًا لعَبْدٍ آبِقٍ، لا يَعْلَمُ أين هو، أو مُنْتَجِعًا غَيْثًا أو كَلأً متى وَجَدَه أقَامَ، أو سائِحًا في الأرْضِ لا يَقْصِدُ مَكانًا، لم يُبَحْ له القَصْرُ، وإن سار أيّامًا. وقال ابنُ عَقِيلٍ: يُباحُ له القَصْرُ إذا بَلَغ مَسافَةَ القَصْرِ؛ لأنَّه سافَرَ سَفَرًا طَوِيلًا. ولَنا، أنَّه لم يَقْصِدْ مَسافَةَ القَصْرِ، فلم يُبَحْ له، كابْتِداءِ سَفَرِه، ولأنَّه سَفَرٌ لم يُبَحِ القَصْرُ في ابْتِدائِه، فلم يُبَحْ في أثْنائِه، إذا لم يُغَيِّرْ نِيَّتَه، كالسَّفَرِ القَصِيرِ، وسَفَرِ المَعْصِيَة. ومتى رَجَع هذا يَقصِدُ بَلَدًا، أو نَوَى مسافةَ القَصْرِ، فله القَصْرُ؛ لوُجُودِ النِّيَّةِ المُبِيحَةِ. ولو قصَد بَلَدًا بَعِيدًا، وفى عَزْمِه أنَّه متى وَجَد طِلْبَتَه دُونَه رَجَع أو أقَامَ، لم يُبَحْ له القَصْرُ؛ لأنَّه لم يَجْزِمْ بسَفَرٍ طَوِيلٍ. وإن كان لا يَرْجِعُ ولا يُقيمُ بوُجُودِه، فله القَصْرُ.

стр. 2045

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ومَن خَرَج إلى سَفَرٍ مُكْرَهًا، كالأسِيرِ، فله القَصْرُ إذا كان سَفَرُه بَعِيدًا. نَصَّ عليه أحمدُ. وقال الشافعىُّ: لا يَقْصُرُ؛ لأنَّه غيرُ نَاوٍ للسَّفَرِ ولا جازِمٍ به، فإنَّ نِيَّتَه متى أفْلَتَ رَجَع. ولَنا، أنَّه مُسافِرٌ سَفَرًا بَعِيدًا غيرَ مُحَرَّمٍ، فأُبِيحَ له القَصْرُ، كالمَرْأَةِ مع زَوْجِها، والعَبْدِ مع سَيِّدِه، إذا كان عَزْمُهما أنَّه لو مات أو زال مُلْكُهما، رَجَعا. وقِياسُهم مُنْتَقِضٌ بهذا. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُتِمُّ إذا صار في حُصُونِهم. نَصَّ عليه أيضًا؛ لأنَّه قد انْقَضَى سَفَرُه. ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَه الإِتْمَامُ؛ لأنَّ في عَزْمِه أنَّه متى أفْلَتَ رَجَع، فهو كالمَحْبُوسِ ظُلْمًا. الشَّرْطُ الثَّالِثُ، أنَّ القَصرَ يَخْتَصُّ الربَاعِيَّةَ، فأمَّا المَغْرِبُ والصُّبْحُ فلا قَصْرَ فيهما. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أن لا يَقصُرَ في صلاةِ المَغْرِبِ والصُّبْحِ، وأنَّ القَصْرَ إنَّما هو في الرُّبَاعِيَّةِ، ولأنَّ الصُّبْحَ رَكْعَتان، فلو قُصِرَتْ صارَتْ رَكْعَةً، وليس في الصَّلَواتِ رَكْعَةٌ إلَّا الوِتْرَ، والمَغْرِبُ وِتْرُ النَّهارِ، فإن قُصِرَ منها رَكْعَةٌ لم تَبْقَ وِترًا، وإن قُصِرَ رَكْعَتان كان إجْحافًا بها، وإسْقاطًا لأَكْثَرِها.

стр. 2046

إِذَا فَارَقَ بُيُوتَ قَرْيَتِهِ، أَوْ خيَامَ قَوْمِهِ. ــ ٦٠١ - مسألة: (إذا جاوَزَ بُيُوتَ قَرْيته، أو خِيامَ قَوْمِه) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه ليس لمن نَوَى السَّفَرَ القَصْرُ حتى يَشْرَعَ في السَّفَرِ بخُرُوجِه مِن بُيُوتِ قَرْيته. وهذا قَوْلُ مالكٍ (١)، والشافعىِّ، والأوْزاعِىِّ، وإسحاقَ. وحُكِىَ ذلك عن جَماعَةٍ مِن التَّابِعِين. وحُكِىَ عن عَطاءٍ، وسليمانَ بنِ موسى، أنَّهما أباحا القَصْرَ في البَلدِ لمَن نَوَى السَّفَرَ. وعن الحارثِ بن أبى رَبِيعَةَ، أنه أراد سَفَرًا، فصَلَّى بهم في مَنْزِلِه رَكْعَتَيْن، وفيهم الأسْوَدُ ابنُ يَزِيدَ وغيرُه مِن أصْحابِ عبدِ اللَّهِ. وروَى عُبَيْدُ بنُ جُبَيْرٍ (٢)، قال: رَكِبْتُ مع أبى بَصْرَةَ الغِفارِىِّ في سَفِينَةٍ مِن الفُسْطاطِ، في شَهْرِ رمضانَ، فدَفَعَ، ثم قُرِّبَ غَدَاه، فلم يُجاوِزِ البُيُوتَ حتى دَعَا بالسُّفْرَةِ، ثم قال: اقْتَرِبْ. قُلْتُ: ألَسْتَ تَرَى البُيُوتَ؟ قال أبو بَصْرَةَ: أَتَرْغَبُ عن سُنَّةِ رسولَ اللَّه ﷺ . فأَكَلَ. رَواه أبو داودَ (٣). ولَنا، قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾. ولا

стр. 2047

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يكونُ ضاربًا [في الأرض] (١) حتى يَخْرُجَ. وقد رُوِىَ عن النبىِّ ﷺ ، أنَّه إنَّما كان يَبْتَدِئُ القَصْرَ إذا خَرَج مِن المَدِينَةِ (٢). فرَوَى أنَسٌ قال: صَلَّيْتُ مع النبىِّ ﷺ بالمَدِينَةِ أرْبَعًا، وبذى الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْن. مُتَّفَقٌ عليه (٣). فأمَّا أبو بَصْرَةَ، فإنَّه لم يَأْكُلْ حتى دَفَع، بدَلِيلِ قوْلِ عُبَيْدٍ له: ألَسْتَ تَرَى البُيُوتَ؟ وقولُه: لم يُجاوِزِ البُيوتَ: مَعْناه لم يَيْعُدْ منها. إذا ثَبَت هذا،

стр. 2048

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فإنَّه يَجُوزُ القَصْرُ، وإن كان قَرِيبًا. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ، أنَّ للذى يُرِيدُ السَّفَرَ أن يَقْصُرَ الصلاةَ إذا خَرَج مِن بُيوتِ القَرْيَةِ التى يَخْرُجُ منها. وروِىَ عن مُجاهِدٍ، أنَّه قال: إذا خَرَجْتَ مُسافِرًا فلا تَقْصُرِ الصلاةَ يَوْمَكَ ذلك إلى اللَّيْلِ، وإذا رَجَعتَ فلا تَقْصُرْ لَيْلَتَكَ حتى تُصْبِحَ. والآيَةُ تَدُلُّ على خِلافِ قَوْلِه. ورُوِىَ أنَّ النبىَّ ﷺ كان إذا خَرَج مِن المَدِينَةِ لا يَزِيدُ على رَكْعَتَيْن حتى يَرْجِعَ إليها (١). وقد ذَكَرْنا حَدِيثَ أبى بَصْرةَ. وقال البخارِي: خَرَج علىٌّ فقَصَر وهو يَرَى البُيوتَ، فلمَّا رَجَع قِيلَ له: هذه الكُوفَةُ. قال: لا حتى نَدْخُلَها (٢). فصل: فإن خَرَج مِن البَلَدِ، وصار بينَ حِيطانِ بَساتِينه، فله القَصْرُ؛ لأنَّه قد تَرَك البُيوتَ وراءَ ظَهْرِه. وإن كان حَوْلَ البَلَدِ خَرابٌ قد تَهَدَّمَ وصار فَضاءً، أُبِيحَ القَصْرُ فيه كذلك (٣). وإن كانت حِيطانُه قائِمةً،

стр. 2049

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فكذلك، قاله الآمِدِىُّ. وقال القاضى: لا يُباحُ. وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ السُّكْنَى فيه مُمْكِنَة، أشْبَهَ العامِر. ولَنا، أنَّها غيرُ مُعَدَّةٍ للسُّكْنَى، أشْبَهَتْ حِيطانَ البَساتينِ. وإن كان في وَسَطِ البَلَدِ نَهْر فاجْتازَه، فليس له القَصْرُ؛ لأنَّه لم يَخْرُجْ مِن البَلَدِ، ولم يُفارقِ البُنْيانَ، فأَشْبَهَ الرَّحْبَةَ والمَيْدانَ في وَسَطِ البَلَدِ. وإن كان للبَلَدِ مَحَالٌّ، كلُّ مَحَلَّةٍ مُنْفَرِدَةٌ عن الأُخْرَى كبَغْدادَ، فمتى خَرَج مِن مَحَلَّتِه أُبِيحَ له القَصْرُ إذا فارَقَ مَحَلَّتَه. وإن كان بعضُها مُتَّصِلًا ببَعْض، لم يَقْصُرْ حتى يُفارِقَ جَمِيعَها (١). ولو كانت قَرْيَتان مُتَدانيَتَيْن، فاتَّصَل بِناءُ إحْداهما بالأُخْرَى، فهما كالواحِدَةِ، وإن لم يَتَّصِلْ، فلكلِّ قَرْيةٍ حُكْمُ نَفْسِها. فصل: وحُكْمُ السَّفَرِ مِن الخِيامِ والحِلَلِ حُكْمُ السَّفَرِ مِن القُرَى فيما ذَكَرْنا، متى فارَقَ حِلَّتَه قَصَرَ، وإن كانت حِلَلًا، فلكلِّ حِلَّةٍ حُكْمُ نَفْسِها، كالقُرَى. وإن كان بَيْتُه مُنْفَرِدًا، فحتى يُفارِقَ مَنْزِلَه ورَحْلَه، ويَجْعَلَه وراءَ ظَهْرِه، كالحَضَرِىِّ. وقال القاضى: إن كان نازِلًا في وادٍ

стр. 2050

وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ الإِتْمَامِ، وَإِنْ أَتَمَّ جَازَ. ــ وسافَرَ في طُولِه فكذلك، وإن سافَرَ في عَرْضِه فكذلك إن كان واسِعًا، وإن كان ضَيِّقًا لم يَقْصر حتى يَقْطَعَ عَرْضَ الوَادِى ويُفارِقَه. وقال ابنُ عَقِيلٍ: متى كانت حِلَّتُه في وادٍ لم يَقْصُرْ حتى يُفارِقَه. والأَوْلَى جَوازُ القَصْرِ إذا فارَقَ البنيانَ مُطْلَقًا، لِما ذَكَرْنا مِن الأدِلَّةِ، كما لو كان نازِلًا في الصَّحْرَاءِ، ولأنَّ المَعْنَى المُجَوِّزَ للتَّرَخُّص وُجُودُ المَشَقَّةِ، وذلك مَوْجُودٌ في الوَادِى، كوُجُودِه في غيرِه. ٦٠٢ - مسألة: (وهو أَفْضَلُ مِن الإِتْمامِ، وإن أَتَمَّ جاز) القَصْرُ أفْضَلُ من الإِتْمامِ في قولِ جُمْهُورِ العُلَماءِ، ولا نَعْلَمُ أحَدًا خالَفَ فيه إلَّا الشافعىَّ في أحَدِ قَوْلَيْه، قال: الإتمَامُ أفْضَلُ، لأنَّه أكثرُ عَمَلًا وعَدَدًا، وهو الأصْلُ، فكان أفْضَلَ، كغَسْلِ الرِّجْلَيْن. ولَنا، أنَّ النبىَّ ﷺ كان يُدَاوِمُ على القَصْرِ، قال ابنُ عمرَ: صَحِبْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ في السَّفَرِ، فلم يَزِدْ على رَكْعَتَيْن حتى قَبَضَه اللَّهُ، وصَحِبْتُ أبا بكرٍ فلم يَزِدْ على رَكْعَتَيْن حتى قَبَضَه اللَّهُ، وصَحِبْتُ عُمَرَ فلم يَزِدْ على رَكْعَتَيْن حتى قَبَضَه اللَّهُ. مُتَّفَقٌ

стр. 2051

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عليه (١). ولمّا بَلَغ ابنَ مسعودٍ أنَّ عثمانَ صَلَّى أرْبَعًا، اسْتَرْجَعَ، وقال: صَلَّيْتُ مع النبىِّ ﷺ رَكْعَتَين، ومع أبى بكرٍ رَكْعَتَين، ومع عمرَ رَكْعَتَيْنِ. ثم تَفَرقَتْ بكم الطرقُ، ولوَدِدْتُ أنَّ حَظِّى مِن أرْبعٍ رَكْعَتان مُتَقَبَّلَتان (٢). وقد كَرِهَ طائِفَة مِن الصَّحابَةِ الإِتْمَامَ، فقال ابنُ عباسٍ للذى قال له: كُنْتُ. أُتِمُّ الصلاةَ وصَاحِبى يَقْصُرُ: أنتَ الذي كُنْتَ تَقْصُرُ وصاحِبُكَ يتمُّ (٣). ورُوِىَ أنَّ رَجُلًا سَأَل ابنَ عُمَرَ عن صلاةِ السَّفَرِ، فقال: رَكْعَتان، فمَن خالَفَ السُّنَّةَ كَفَر (٤). ولأنَّه إذا قَصَر أدَّى الفَرْضَ بالإِجْمَاعِ، بخِلافِ الإِتْمَامِ، وأمَّا الغَسْلُ فلاْ نُسَلِّمُ أنه أفْضَلُ مِن المَسْحِ.

стр. 2052

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: والإِتْمامُ جائِزٌ في المَشْهُورِ عن أحمدَ، وقد رُوِىَ عنه أنَّه تَوَقَّفَ، وقال: أنا أحِبُّ العافِيَةَ مِن هذه المَسْأَلَةِ. وقال مَرَّةً أُخْرَى: ما يُعْجِبُنِى. ومِمَّن رُوِىَ عنه الإِتْمامُ في السَّفَرِ، عثمانُ (١)، وابنُ مسعودٍ، وابنُ عُمَرَ، وعائشةُ رَضِىَ اللَّهُ عنهم. وبه قال الأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وهو المَشْهُورُ عن مالكٍ. وقال حَمَّادُ بنُ أبى سليمانَ: ليس له الإِتْمَامُ في السَّفَرِ. وهو قَوْلُ الثَّوْرِىِّ، وأبي حنيفة. وأوْجَبَ حَمَّادٌ على مَن أَتَمَّ الإِعادَةَ. وقال أصحابُ الرَّأىِ: إن كان جَلَس بعدَ الرَّكْعَتَيْن قَدْرَ التَّشَهُّدِ فصلاُته صَحِيحَةٌ، وإلَّا فلا. وقال عُمَرَ بنُ عبدِ العزيزِ: الصلاةُ في السَّفَرِ رَكْعَتانِ حَتْمٌ (٢)، لا يَصْلُحُ غيرُهما. واحْتَجُّوا بأنَّ صلاةَ السَّفَرِ رَكْعَتان بدَلِيلِ قولِ عائشةَ: إنَّ الصلاةَ أوَّلَ ما فُرِضَتْ رَكْعَتَيْن، فأُقِرَّتْ صلاةُ السَّفَرِ، وأُتِمَّتْ صلاةُ الحَضَرِ. مُتَّفَقٌ عليه (٣). وقال عمرُ رَضِىَ اللَّه عنه: صلاةُ السَّفَرِ رَكْعَتان، وصَلَاةُ الجُمُعَةِ رَكْعتانِ، وصَلَاةُ العِيدِ رَكْعَتانِ تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ على لِسانِ محمدٍ ﷺ ، وقد خاب مَن افْتَرَى. رَواه ابنُ ماجه (٤). وسُئِلَ ابنُ عمرَ عن الصلاةِ في السَّفرِ، فقال: رَكْعَتانِ،

стр. 2053

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فمَن خالَفَ السُّنَّةَ كَفَر. ولأنَّ الرَّكْعَتَيْن الأُخْرَيَيْن يَجُوزُ تَرْكُهما إلى غيرِ بَدَلٍ، فلم يَجُزْ زِيادَتُهما على الرَّكْعَتَيْن المَفْروضَتَيْن، كالزِّيادَةِ على صلاةِ الفَجْرِ. ولَنا، قَولُه تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾. وهذا يَدُل على أنَّ القَصْرَ رُخْصَةٌ يُتَخَيَّرُ بينَ فِعْلِه وتَرْكِه، كسائرِ الرُّخَص. وقَوْلُ النبىِّ ﷺ في حديثِ يَعْلَى بنِ أُمَيَّةَ: «صَدَقَة تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقتَهُ» (١). يَدُلُّ على أنه رُخْصَة، وليس بعَزِيمَةٍ. وقالت عائشةُ: خَرَجْتُ مع رسولِ اللَّهِ ﷺ في عُمْرَةٍ في رمَضانَ، فأفْطَرَ وصُمْتُ، وقَصَر وأَتمَمْتُ، فقُلْتُ: يا رسولَ اللَّه، بأبى أنت وأُمِّى، أفْطَرْتَ وصُمْتُ، وقَصَرْتَ وأَتْمَمْتُ. قال: «أحْسَنْتِ». رَواه أبو داودَ الطَّيالِسِىُّ (٢). ولأنَّه لو ائْتَمَّ بمُقِيمٍ صَلَّى أرْبَعًا، والصلاةُ لا تَزِيدُ بالائْتِمَام. وعن أنَسٍ، قال: كُنَّا، أصحابَ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، نُسافرُ، فيتم بَعْضُنا، ويَقْصُرُ بَعْضُنا، ويَصُومُ بَعْضُنا، ويُفْطِرُ بَعْضُنا، فلا يَعِيبُ أحَدٌ على أحدٍ (٣). وهذا إجْمَاعٌ منهم على جَوازِ الأمْرَيْنِ. فأمَّا قولُ عائشةَ، فُرِضَتْ الصَّلاة رَكْعَتَيْنِ. فإنَّما أرادَتْ أنَّ ابتداءَ فَرْضِها كان

стр. 2054

فَإِنْ أَحْرَمَ فِى الْحَضَرِ ثُمَّ سَافَرَ، أوْ فِى السَّفَرِ ثُمَّ أَقامَ، ــ رَكْعَتَيْنِ، ثم أُتِمَّتْ بعدَ الهِجْرَةِ، فصارَتْ أرْبَعًا، وكذلك كانت تُتِمُّ الصلاةَ، ولو اعْتَقَدَتْ ما أرادَه هؤلاء لم تُتِمَّ. وقوْلُ عمرَ: تَمامٌ (١) غيرُ قَصْير. [أراد بها تَمامٌ في فضلِها] (٢)، ولم يُرِدْ أنَّها غيرُ مَقْصُورَةِ الرَّكَعاتِ (٣)؛ لأنَّه خِلافُ ما دَلَّتْ عليه الآيَةُ والإِجْماعُ، إذ الخِلافُ إنَّما هو في القَصْرِ والإِتْمام، وقد ثَبَت برِوايته عن النبىِّ ﷺ في حَدِيثِ يَعْلَى بنِ أُمَيَّةَ أنَّها مَقْصُورَةٌ، ثم لو ثَبَت أنَّ أَصْلَ الفَرْض رَكْعَتان لم تَمْتَنِعِ الزِّيادَةُ عليها، كما لو ائْتَمَّ بمُقِيم، ويُخالِفُ زِيادَةَ رَكْعَتَيْن على صلاةِ الفَجْرِ، فإنَّه لا يَجُوزُ زِيادَتُهما بحالٍ. ٦٠٣ - مسألة: (فإن أَحْرَمَ في الحَضَرِ ثم سافَرَ، أو في السَّفَرِ ثم

стр. 2055

أوْ ذَكَرَ صَلَاةَ حَضَرٍ فِى سَفَرٍ، أوْ صَلَاةَ سَفَرٍ فِى حَضَرٍ، أوِ ائْتَمَّ بِمقِيمٍ، أوْ بِمَنْ يَشُكُّ فِيهِ، أوْ أحْرَمَ بصَلَاةٍ يَلْزَمُهُ إِتْمَامُهَا، فَفَسَدَتْ وَأعَادَهَا، أوْ لَمْ يَنْوِ الْقَصْرَ، لَزِمَهُ أنْ يُتمَّ. وَقَالَ أبو بَكْرٍ: لَا يَحْتَاجُ الْقَصْرُ وَالْجَمْعُ إِلَى نِيَّةٍ. ــ أقامَ، أو ذَكَر صلاةَ حَضَرٍ في سَفَرٍ، أو صلاةَ سَفَرٍ في حَضَرٍ، أو ائْتَمَّ بمُقِيمٍ، أو بمَن يَشُكُّ فيه، أو أَحْرَمَ بصلاةٍ يَلْزَمُه إتْمامُها، ففَسَدَتْ وأعادَها، أو لم يَنْوِ القَصْرَ، لَزِمَه أن يُتِمَّ. وقالَ أبو بكرٍ: لا يَحْتاجُ القَصْرُ والجَمْعُ إلى نِيَّةٍ) إذا أحْرَمَ بالصلاةِ في سَفِينَةٍ في الحَضَرِ، فخَرَجَتْ به في أثْناءِ الصلاةِ، أو أحْرَمَ في السَّفَرِ، فدَخَلَتْ في أثْناءِ الصلاةِ البَلَدَ، لم يَقْصُرْ؛ لأنَّها عِبادَةٌ تَخْتَلِفُ بالسَّفَرِ والحَضَرِ، فإذا وُجِدَ أحَدُ طَرَفَيْهَا في الحَضَرِ غُلِّبَ حُكْمُه، كالمَسْحِ. فصل: فأمَّا إن سافَرَ بعدَ دُخُولِ الوَقْتِ، فقال أصْحابُنا: يُتِمُّ. وذَكَر ابنُ عَقِيل فيه رِوايَتَيْن؛ إحْداهما، يُتِمُّ؛ لأنَّها وَجَبَتْ في الحَضَرِ، فلَزِمَه

стр. 2056

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إتْمامُها، كما لو سافَرَ بعدَ خُرُوجِ وَقْتِها. والثَّانِيَةُ، له قَصْرُها. وهو قَوْلُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْىِ. وحَكاه ابنُ المُنْذِرِ إجْماعًا؛ لأنَّه سافَرَ قبلَ خُروجِ وَقْتِها، أشْبَهَ ما لو سافَرَ قبلَ وُجُوبِها، وكلابِس الخُفِّ إذا أحْدَثَ ثم سافَرَ قبلَ المَسْحِ. فصل: وإذا نَسِىَ صلاةَ حَضَرٍ، فذَكَرَها في السَّفَرِ، وَجَبَتْ عليه أرْبَعًا بالإِجْماعِ. حَكاه الإمامُ أحمدُ، وابنُ المُنْذِرِ. قال: [إلَّا أنَّه] (١) قد اخْتُلِفَ فيه عن الحسنِ، فرُوِىَ عنه، أنَّه قال: يُصَلِّيها رَكْعَتَيْنِ. ورُوِىَ عنه كقَوْلِ الجَماعَةِ؛ لأنَّ الصلاةَ يَتَعَيَّنُ (٢) فِعْلُها، فلم يَجُزْ له النُّقْصانُ مِن عَدَدِها، كما لو لم يُسافِرْ. وأمّا إذا نَسِىَ صلاةَ سَفَرٍ فذَكرها في الحَضَرِ، فقال أحمدُ، في رِواية الأَثْرَمِ: عليه الإِتْمامُ احْتِياطًا. وبه قالَ الأوْزاعِىُّ، وداودُ، والشافعىُّ في أحَدِ قَوْلَيْه. وقال مالك، والثَّوْرِىُّ، وأصحابُ الرَّأىِ: يُصَلِّيها صلاةَ سَفَرٍ؛ لأنَّه إنَّما يَقْضِى ما فاتَه، وهو رَكْعَتانِ. ولَنا، أنَّ القَصْرَ رُخْصَة مِن رُخَص السَّفَرِ، فَبَطَلَتْ بزَوالِه، كالمَسْحِ ثَلاثًا.

стр. 2057

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولأنَّها وَجَبَت عليه في الحَضَرِ؛ بدَلِيلِ قَوْلِه ﵇: «فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» (١). ولأنَّها عِبادَةٌ تَخْتَلِفُ بالحَضَرِ والسَّفَرِ فإذا وُجِدَ أحَدُ طَرَفَيْها في الحَضَرِ غُلِّبَ حُكْمُه، كالسَّفِينَةِ إذا دَخَلتْ به البَلَدَ في أثْناءِ الصلاةِ، وقِياسُهم يَنْتَقِضُ بالجُمُعَةِ إذا فاتَتْ، وبالمُتَيَمِّمِ إذا فاتَتْه الصلاةُ فقَضاها عندَ وُجُودِ الماءِ. فصل: وإذا ائْتَمَّ المُسافِرُ بمُقِيمٍ، لَزِمَه الإِتْمامُ، سَواءٌ أدْرَكَ جَميعَ الصلاةِ أو بَعْضَها، وقال ابنُ أبى موسى في (٢) رِوايةٍ: إنَّه إذا أحْرَمَ في آخِرِ صَلاِته لا يَلْزَمُه أن يُتِمَّ. قال الأَثْرَمُ: سَأَلْتُ أبا عبدِ اللَّهِ عن المُسافِرِ، يَدْخُلُ في تَشَهُّدِ المُقِيمين؟ قال: يُصَلِّى أرْبَعًا. رُوِىَ ذلك عن ابنِ عُمرَ، وابنِ عباسٍ، وجَماعَةٍ مِن التَّابِعِين. وبه. قال الثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ. وقال إسحاقُ: للمُسافِرِ القَصْرُ؛ لأنَّها صلاةٌ يَجُوزُ فِعْلُها رَكْعَتَيْن، فلم تَزِدْ بالائْتمامِ (٣)،

стр. 2058

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كالفَجْرِ. وقال طاوُسٌ، والشَّعْبِىُّ، في المُسافِرِ يُدْرِكُ مِن صلاةِ المُقِيمِ رَكْعَتَيْن: تُجْزِئان. وقال الحسنُ، والنَّخَعِىُّ، والزهْرِىُّ وقَتادَةُ، ومالكٌ: إن أدْرَكَ رَكْعَةً أَتَمَّ، وإن أدْرَكَ دُونَها قَصَر؛ لقَوْلِ النبىِّ ﷺ : «مَنْ أدْرَكَ مِنَ الصَّلَاةِ رَكْعَةً فَقَدْ أدْرَكَ الصَّلَاةَ» (١). ولأنَّ مَن أدْرَكَ مِن الجُمُعَةِ رَكْعَةً أتَمَّها جُمُعَةً، ومَن أدْرَكَ أقَلَّ مِن ذلك لا يَلْزَمُه فَرْضُها. ولَنا، ما رُوِىَ أنَّه قِيلَ لابنِ عباسٍ: ما بالُ المُسافِرِ يُصَلِّى رَكْعَتَيْن في حالِ الانْفِرادِ، وأرْبَعًا إذا أَتَمَّ بمُقِيم؟ فقال: تلك السُّنَّةُ. رَواه الإمامُ أحمدُ (٢). وهذا يَنْصَرِفُ إلى سُنَّةِ النبىِّ ﷺ ، ولأنَّه فِعْلُ مَن سَمَّيْنا مِن الصحابةِ، ولا يُعْرَفُ لهم مُخالِفٌ في عَصْرِهم، فكان إجْماعًا، ولأنَّها صلاةٌ مَرْدُودَةٌ مِن أرْبَع إلى رَكْعَتَيْن، فلا يُصَلِّيها [خَلْفَ مَن يُصَلِّى الأرْبَعَ كالجُمُعَةِ. وما ذَكَروه لا يَصِحُّ عندَنا؛ فإنَّه لا تَصِحُّ له صلاةُ الفَجْرِ] (٣) خلفَ مَن يُصَلِّى رُباعِيَّةً، وإدْراكُ الجُمُعَةِ يُخالِفُ ما نحن فيه؛ فإنَّه لو أدْرَكَ رَكْعَةً مِن الجُمُعَةِ رَجَع إلى الرَّكْعَتَيْن، وهذا بخِلافِه، ولأنَّ

стр. 2059

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النبىَّ ﷺ قال: «إنَّما جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤتَمَّ بِهِ، فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ» (١). وَمُفارَقَةُ إِمامِة مع إمْكانِ مُتابَعَتِه اخْتِلافٌ عليه. فصل: وإذا أحْرَمَ المُسافِرُون خلفَ مُسافِرٍ، فأحْدَثَ واسْتَخْلَفَ مُسافِرًا، فلهم القَصْرُ. وإنِ اسْتَخْلَفَ مُقِيمًا لَزِمَهم الإِتْمامُ، لأنَّهم ائْتَمُّوا بمُقِيم، وللإِمامِ المُحْدِثِ القَصْرُ؛ لأنَّه لم يَأْتَمَّ بمُقِيمٍ. ولو صَلَّى

стр. 2060

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المُسَافِرُون خلفَ مُقِيم فأحْدَثَ واسْتَخْلَفَ مُسافِرًا أو مُقِيمًا، لَزِمَهم الإِتْمامُ؛ لأنَّهم ائْتَمُّوا بمُقِيمٍ. فإنِ اسْتَخْلَفَ مُسافِرًا لم يَكُنْ معهم في الصلاةِ فله أن يُصَلِّىَ صلاةَ السَّفَرِ؛ لأنَّه لم يَأْتَمَّ بمُقِيمٍ. فصل: وإذا أحْرَمَ المُسافِرُ خلفَ مَن يَشُكُّ فيه، أو مَن يَغْلِبُ على ظَنِّه أنَّه مُقِيمٌ، لَزِمَه الإِتْمامُ وإن قَصَر إمامُه؛ لأنَّ الأصْلَ وُجُوبُ الإِتْمامِ (١)، فليس له نِيةُ قَصْرِها مع الشَّكِّ في وُجُوبِ إتْمامِها، فلَزِمَه الإِتْمامُ اعْتِبارًا بالنِّيَّةِ. وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ. وإن غَلَب على ظَنِّه أنَّ الإِمامَ مُسافِرٌ بأمارَةِ آثارِ السَّفَرِ، فله أن يَنْوِىَ القَصْرَ، فإن قَصَر إِمامُه قَصَر معه، وإن أتَمَّ تابَعَه فيه، وإن نَوَى الإِتْمَامَ لَزِمَه الإِتْمَامُ، سَواءٌ قَصَر إِمامُه أو أتَمَّ، اعْتِبارًا بالنِّيَّة. وإن نَوَى القَصْرَ فأحْدَثَ إِمامُه قبلَ عِلْمِه بحالِه، فله القَصْرُ؛ لأنَّ الظاهرَ أنَّ إِمامَه مُسافرٌ، لوُجُودِ دَلِيله، وقد أُبِيحَتْ (٢) له نِيَّةُ القَصْرِ، بِناءً على هذا الظَّاهِرِ. ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَه الإِتْمَامُ احْتِياطًا. فصل: وإذا أحْرَمَ بصلاةٍ يَلْزَمُه إِتْمامُها، مثلَ إن نَوَى الإِتْمامَ، أو ائْتَمَّ بمُقِيمٍ ففَسَدت الصلاةُ وأراد إعادَتَها، لَزِمَه الإِتْمامُ؛ لأنَّها وَجَبَتْ عليه تامَّةً بتَلبُّسِه بها خلفَ المُقِيمِ ونِيَّةِ الإِتْمَامِ. وهذا قولُ الشافعىِّ.

стр. 2061

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ: إذا فَسَدَتْ صلاةُ الإِمامِ عاد المُسافِرُ إلى القَصْرِ. ولَنا، أنَّها وَجَبَتْ بالشُّرُوعِ فيها تَامَّةً، فلم يَجُزْ له قَصْرُها، كما لو لم تَفْسُدْ. فصل: وإذا صَلَّى المُسافِرُ صلاةَ الخَوْفِ بمُسافِرِين، ففَرَّقَهم فِرْقَتَيْن، فأحْدَثَ قبلَ مُفارَقَةِ الطَّائِفَةِ الأُولَى، واسْتَخْلَفَ مُقِيمًا، لَزِم الطائِفَتَيْن الإتْمَامُ؛ لأنَّهم ائْتَمُّوا بمُقِيم. وإن كان ذلك بعدَ مُفارَقَةِ الأُولَى، أتَمَّتِ الثَّانِيَةُ وحدَها؛ لأنَّها اخْتَصتْ بمُوجِبِه. وإن كان الإِمامُ مُقِيمًا، فاسْتَخْلَفَ مُسافرًا مِمَّن كان معه في الصلاةِ، فعلى الجَمِيعِ الإِتْمامُ؛ لأنَّ المُسْتَخْلَفَ قد لَزِمَه الإِتْمَامُ باقْتِدائِه بالمُقِيمِ، فصار كالمُقِيمِ. وإن لم يَكُنْ دَخَل معه في الصلاةِ، وكان استخْلَافُه قبلَ مُفارَقَةِ الأُولَى، فعليها الإِتْمامُ؛ لائْتِمَامِها بمُقِيم، وكقَصْرِ الإِمامِ والطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ. وإنِ اسْتَخْلَفَ بعدَ دُخُولِ الثَّانِيَةِ، فعلى الجَمِيع الإِتْمامُ، وللمُستخْلَفِ القَصْرُ وحدَه؛ لأنَّه لم يَأْتَمَّ بمقِيمٍ.

стр. 2062

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وإذا صَلَّى مُقِيمٌ ومُسافِرٌ خلفَ مُسافِرٍ، أَتَمَّ المُقِيمُ إذا سَلَّمَ إمامُه، وذلك إجْماعٌ. وقد روَى عِمْرَانُ بنُ حُصَيْنٍ، قال: شَهِدْتُ الفَتْحَ مع رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فأَقَامَ ثَمَانِىَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، لا يُصَلِّى إلَّا رَكْعَتَيْن، ثم يقولُ لأهْلِ البَلَدِ: «صَلُّوا أرْبَعًا، فَإنَّا سَفْرٌ». رَواه أبو داودَ (١). ولأن الصلاةَ واجبَة عليه أرْبَعًا، فلم يَسْقُطْ شئٌ منها، كما لو لم يَأْتَمَّ بالمُسافِرِ. ويُسْتَحَبُّ أَن يقولَ الإِمامُ للمُقِيمِين: أَتِمُّوا، فإنَّا سَفْرٌ. كما في الحَدِيثِ، ولِئَلَّا يَلْتَبِسَ على الجاهِل عَدَدُ رَكَعاتِ الصلاةِ. وقد روَى الأْثرمُ عن الزُّهْرِىِّ، أنَّ عثمانَ إنَّما أتَمَّ لأنَّ الأعْرابَ حَجُّوا، فأراد أن يُعَرِّفَهم أنَّ الصلاةَ أرْبَعٌ. فصل: وإذا أمَّ المُسافِرُ المُقِيمِين، فأَتَمَّ بهم الصلاةَ، فصلاتُهم تامَّةٌ. وبهذا قال الشافعىُّ، وإسحاقُ. وقال الثَّوْرِىُّ، وأبو حنيفةَ: تَفْسُدُ صلاةُ المُقِيمِين، وتَصِحُّ صلاةُ الإِمام والمُسافِرِين معه. وعن أحمدَ نحوُه. قال القاضى: لأنَّ الرَّكعَتَيْن الأخرَيَيْنَ نَفْلٌ مِن الإِمامِ، ولا يَؤُمُّ بها مُفْتَرِضِين. ولَنا، أنَّ المُسافِرَ يَلْزَمُه الإِتْمامُ بنِيَّتِهِ، فيكونُ الجَمِيعُ واجِبًا، ثم لو كانت نَفْلاً، فائْتِمامُ المُفْتَرِضِ بالمُتَنَفِّلِ صَحِيحٌ، على ما مَضَى. فصل: وإن أمَّ مُسافِرٌ مُسافِرِين، فنَسِىَ فصَلَّاها تامَّةً، صَحَّتْ صلاةُ

стр. 2063

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الجَمِيعِ، ولا يَلْزَمُه سُجُودُ سَهْوٍ؛ لأنَّها زِيادَة لا يُبْطِلُ عَمْدُها الصلاةَ، فلا يَجِبُ السُّجُودُ لسَهْوِها، كزِياداتِ الأقْوالِ. وهل يُشرعُ السُّجودُ؟ يُخَرَّجُ على رِوايَتَيْنِ فيما إذا قَرَأ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا يَحْتاجُ إلى سُجُودٍ؛ لأنَّه أتى بالأصْلِ. ولَنا، أنَّ هذه زِيادَةٌ نقصَتِ الفَضِيلَةَ، وأخَلَّتْ بالكَمالِ، أشْبَهَتِ القِراءَةَ في غيرِ مَحَلِّها، وقِراءَةَ (١) السُّورَةِ في الأُخْرَيَيْن. فإذا ذَكَر الإِمامُ بعدَ قِيامِه إلى الثَّالِثةِ، لم يَلْزَمْه الإِتْمامُ، وله أن يَجْلِسَ، فإنَّ المُوجِبَ للإِتْمامِ نِيَّتُه، أو الائْتِمامُ بمُقِيمٍ، ولم يُوجَدْ واحِدٌ منهما. وإن عَلِم المأْمُومُ أنَّ قِيامَه لسَهْوٍ، لم يَلْزَمْه مُتابَعَتُه، ويُسَبِّحُونَ به (٢)؛ لأنَّه سَهْو فلا يَجِبُ اتِّباعُه فيه، ولهم مُفارَقَتُه إن لم يَرْجِعْ، كما لو قام إلى ثالِثَةٍ في الفَجْرِ. وإن تابَعُوه لم تَبْطُلْ صَلاتُهم؛ لأنَّها زِيادَة لا تُبْطِلُ صلاةَ الإِمامِ، فلا تَبْطُلُ صلاةُ المَأْمُومِ بمُتابَعَتِه فيها، كزِياداتِ الأقْوالِ. وقال القاضى: تَفْسُدُ صَلاُتهم؛ لأنَّهم زادُوا رَكْعَتَيْن عَمْدًا. وإن لم يَعْلَمُوا هل قام (٣) سَهْوًا أو عَمْدًا، لَزِمَهم مُتابَعَتُه؛ لأنَّ وُجُوبَ المُتابَعَةِ ثابِتٌ، فلا يَزُولُ بالشَّكِّ. فصل: ومَن لم يَنْوِ القَصْرَ لَزِمَه الإِتْمامُ؛ لأنَّ نِيَّةَ القَصْرِ شَرْطٌ في

стр. 2064

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ جَوازِه، ويُعْتَبَرُ وُجُودُها عندَ أوَّلِ الصلاةِ، كنِيَّتها. كذلك ذَكَرَه الخِرَقِىُّ والقاضى. وقال أبو بكرٍ: لا يَحْتاجُ الجَمْعُ والقَصْرُ إلى نِيَّةٍ؛ لأنَّ مَن خُيِّرَ في العِبادَةِ قبلَ الدُّخُولِ فيها خُيِّرَ بعدَ الدُّخُولِ فيها، كالصَّوْمِ، ولأنَّ القَصْرَ هو الأصْلُ، بدَلِيلِ خَبَرِ عائشةَ، وعُمَرَ، وابنِ عباس، فلا يَحْتاجُ إلى نِيَّةٍ، كالإِتْمام في الحَضَرِ. ووَجْهُ الأوَّلِ أنَّ الإِتْمام هو الأصْلُ على ما ذَكَرْنَا، وقد أَجَبْنَا عن الأخْبارِ المَذْكُورَةِ، وإطْلاقُ النِّيَّةِ يَنْصَرِفُ إلى الأَصْلِ، ولا يَنْصَرِفُ عنه إلَّا بتَعْيِينِ ما يَصْرِفُه (١) إليه، كما لو نَوَى الصلاةَ مُطْلَقًا، ولم يَنْوِ إمامًا. ولا مَأْمُومًا، فإنَّه يَنْصَرِفُ إلى الانْفِرادِ، إذ هو الأصْلُ. والتَّفْرِيعُ على هذا القَوْلِ، فلو شَكَّ في أثْناءِ صَلاتِه، هل نَوَى القَصْرَ في ابتدائِها أوْ لَا، لَزِمَه الإِتْمامُ احْتِياطًا؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ النِّيَّةِ.

стр. 2065

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فإن ذَكَر بعدَ ذلك أنَّه قد نَوَى القَصْرَ، لم يَجُزْ له القَصْرُ؛ لأنَّه قد لَزِمَه الإِتْمامُ، فلم يَزُلْ. فصل: ومَن نَوَى القَصْرَ، ثمَّ نَوَى الإِتْمامَ، أو نَوَى ما يَلْزَمُه به الإِتْمامُ مِن الإِقامَةِ، وسَفَرِ المَعْصِيَةِ، أو نَوَى الرُّجُوعَ، ومَسافَةُ رُجُوعِه لا يُباحُ فيها القصْرُ، ونحو هذا، لَزِمَهُ الإِتْمامُ، ولَزِم مَن خَلْفَه مُتابَعَتُه. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال مالكٌ: لا يَجُوزُ له الإِتْمامُ؛ لأنَّه نَوَى عَدَدًا، وإذا زاد عليه، حَصَلَتِ الزِّيادَةُ بغيرِ نِيَّةٍ. ولَنا، أنَّ نِيَّةَ صلاةِ الوَقْتِ قد وُجِدَتْ، وهي أرْبَعٌ، وإنَّما أُبِيحَ تَرْكُ رَكْعَتَيْن رُخْصَةً، فإذا أسْقَطَ نِيَّةَ التَّرَخُّصِ،

стр. 2066

وَمَنْ لَهُ طَرِيقَانِ؛ بَعِيدٌ وَقَريبٌ، فَسَلكَ الْبَعِيدَ، أَوْ ذَكَرَ صَلاةَ سَفَرٍ فِى آخَرَ، فَلَهُ الْقَصْرُ. ــ صَحَّتِ الصلاةُ بِنيَّتِها, ولَزِمَه الإِتْمامُ، ولأنَّ الإِتْمامَ الأصْلُ، وإنَّما أُبِيحَ تَرْكُه بشَرْطٍ، فإذا زال الشَّرْطُ عاد الأصْلُ إلى حالِه. فصل: وإذا قَصَر المُسافِرُ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَ القَصْرِ، لم تَصِحَّ صَلاتُه؛ لأنَّه فَعَل ما يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَه، فلم يَقَعْ مُجْزِئًا، كمَن صَلَّى مُعْتَقِدًا أنَّه مُحْدِثٌ، ولأنَّ نِيَّةَ التَّقَرُّبِ بالصَّلاةِ شَرْطٌ، وهذا يَعْتَقِدُ أنَّه عاصٍ، فلم تَصِحَّ نِيَّةُ التَّقَرُّبِ. ٦٠٤ - مسألة: (ومَن له طَرِيقان؛ بَعِيدٌ وقَرِيبٌ، فسَلَكَ البَعِيدَ، أو ذَكَر صلاةَ سَفَرٍ في آخَرَ، فله القَصْرُ) إذا كان لسَفَرِه طَرِيقانِ، يُباحُ

стр. 2067

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ القَصْرُ في أحَدِهما لبُعْدِه دُونَ الآخَرِ، فسَلَكَ البَعِيدَ، ليَقْصُرَ الصلاةَ فيه، أو لغيرِ ذلك، أُبِيحَ له القَصْرُ؛ لأنَّه مُسافِرٌ سَفَرًا بَعِيدًا مُباحًا، فأُبِيحَ له القَصْرُ، كما لو لم يَجِدْ سِواه، وكما لو كان الآخَرُ مَخُوفًا أو شَاقًّا. وقال ابنُ عَقِيلٍ: إن سَلَك الأَبْعَدَ لرَفْع أذِيَّةٍ، واخْتِلافِ نَفْعٍ قَصَرَ، قَوْلًا واحِدًا، وإن كان لا لغَرَضٍ صَحِيحٍ، خُرِّجَ على الرِّوايَتَيْن في سَفَرِ التَّنَزُّهِ. وقد ذَكَرْنا تَوْجِيهَهما (١).

стр. 2068

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وإن نَسِىَ الصلاةَ في سَفَرٍ وذَكَرَها فيه، قَضاها مَقْصُورَةً؛ لأنَّها وَجَبَتْ في السَّفَرِ، وفُعِلَتْ فيه، أشْبَهَ ما لو صَلّاها في وَقْتِها. وإن ذَكَرَها في سَفَرٍ آخَرَ، فكذلك؛ لِما ذَكَرْنا. وسَواءٌ ذَكَرها في الحَضَرِ أو لم يَذْكرها. ويَحْتَمِلُ أنَّه إذا ذَكَرَها في الحَضَرِ لَزِمَتْه تامَّةً؛ لأنَّه وَجَب عليه فِعْلُها تامَّةً بذِكْرِه إيَّاها، فبَقِيَتْ في ذِمَّتِه. ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَه إتْمامُها إذا ذَكَرَها في سَفَرٍ آخَرَ، سَواءٌ ذَكَرَها في الحَضَرِ أوْلَا؛ لأنَّ الوُجُوبَ كان ثابِتًا في ذِمَّتِة في الحَضَرِ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ وُجُوبَها وفعلَها في السَّفَرِ، فكانَتْ صلاةَ سَفَرٍ، كما لو لم يَذكرْها في الحَضَرِ. وذَكَر بعضُ أَصحابِنا،

стр. 2069

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أنَّ مِن شَرْطِ القَصْرِ كَوْنَ الصَّلاةِ مُؤدَّاةً؛ لأنَّها صلاةٌ مَقْصُورَة، فاشْتُرِطَ لها الوَقْتُ، كالجُمُعَةِ. وهذا فاسِدٌ؛ لأنَّه اشتراطٌ بالرَّأْى والتَّحَكُّمِ ولم يَرِدِ الشَّرْعُ به، والقِياسُ على الجُمُعَةِ لا يَصِحُّ؛ فإنَّ الجُمُعَة لا تُقْضَى، ويُشْتَرَطُ لها الخُطبتان والعَدَدُ والاسْتِيطانُ، فجازَ أن يُشْتَرَطَ لها الوَقْتُ، بخِلافِ هذه.

стр. 2070

وَإِذَا نَوَى الإِقَامَةَ فِى بَلَدٍ أَكْثَرَ مِنْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ صَلَاةً أَتَمَّ، وَإِلَّا قَصَرَ. ــ ٦٠٥ - مسألة: (وإذا نَوَى الإِقامَةَ ببَلَدٍ أَكْثَرَ مِن إحْدَى وعِشْرِين
следующие страницы →