← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

ويَعْتَمِدَ عَلَى سَيْفٍ، أَوْ قَوْسٍ، أَوْ عَصًا، وَيَقْصِدَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، ــ ٦٥١ - مسألة: (ويَعْتَمِدَ على سَيفٍ، أو قَوْسٍ، أو عَصًا) لِما روَى الحَكَمُ بنُ حَزْنٍ، قال: وَفَدْتُ إلى النبىِّ ﷺ ، فشَهِدْنا معه الجُمُعَةَ، فقام مُتَوَكِّئًا على عَصًا أو قَوْسٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنَى عليه، كَلِمَاتٍ خَفِيفَاتٍ طَيِّباتٍ مُبارَكَاتٍ. رَواه أبو داودَ (١). فإن لم يَفْعَلِ اسْتُحِبَّ أن يُسَكِّنَ أطْرَافَه، إمَّا أن يَضَعَ يَمِينَه على شِمالِه، أو يُرْسِلَهُما ساكِنَتَيْن إلى جَنْبَيْه. ٦٥٢ - مسألة: (ويَقْصِدَ تِلْقَاءَ وَجْهِه) لأنَّ النبىَّ ﷺ كان يَفْعَلُ ذلك ولأنَّ (٢) في التِفاتِه إلى أحَدِ جانِبَيْه إعْراضًا (٣) عن الجانِبِ الآخَرِ، فإن خالَفَ فاسْتَدْبَرَ النَّاسَ واسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، صَحَّتِ الخُطْبَةُ؛ لحُصُولِ المَقْصُودِ به، كما لو أذَّنَ غيرَ مُسْتَقْبِلِ القِبْلَةِ. قال ابنُ عَقِيلٍ: ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ؛ لأنَّه ترَك الجِهَةَ المَشْرُوعَةَ، أشْبَهَ ما لو اسْتَدْبَرَ القِبْلَةَ في الصَّلاةِ، ولأنَّ مَقْصُودَ الخُطْبَةِ المَوْعِظَةُ، وذلك لا يَتِمُّ باسْتِدْبارِ النَّاسِ. فصل: ويُسْتَحَبُّ للنَّاسِ أن يَسْتَقْبِلُوا الخَطِيبَ إذا خَطَب. قال الأثْرَمُ: قُلْتُ لأبى عبدِ اللَّهِ: يَكُونُ الإِمامُ عن يَمِينى مُتباعِدًا، فإذا أرَدْتُ

стр. 2242

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أن أنْحَرِفَ إليه حَوَّلْتُ وَجْهِىَ عن القِبْلَةِ. فقال: نعم، تَنْحَرفُ إليه. ومِمَّن كان يَسْتَقْبِلُ الإِمامَ ابنُ عمرَ، وأنسٌ. وهو قولُ أكثرِ العُلَماءِ؛ منهم مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْى. قال ابنُ المُنْذِرِ: هذا كالإجْماعِ. ورُوِىَ عن الحسنِ، أنَّه اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، ولم يَنْحَرِفْ إلى الإِمامِ. وعن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، أنَّه كان لا يَسْتَقْبِلُ هِشامَ ابنَ إسماعيلَ (١) إذا خَطَبَ، فوَكَلَ به هِشامٌ شُرَطِيًّا يَعْطِفُه إليه. والأوَّلُ أوْلَى؛ لِما روَى عَدِىُّ بنُ ثابِتٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، قال: كان النبىُّ ﷺ إذا قام على المِنْبَرِ اسْتَقْبَلَه أصحابُه بوُجُوهِهم. رَواه ابنُ ماجه (٢). ولأنَّ ذلك أبْلغُ في إسماعِهم، فاسْتُحِبَّ، كاسْتِقْبَالِه إيَّاهم. فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَرْفَعَ صَوْتَه ليُسْمِعَ النَّاسَ قال جابِرٌ: كان رسولُ اللَّهِ ﷺ إذا خَطَب احْمَرَّتْ عَيْنَاه، وعَلَا صَوْتُه، واشْتَدَّ غَضبُه حتى كأنَّه مُنْذِرُ جَيْشٍ، يَقُولُ: صَبَّحكُمْ ومَسَّاكُمْ، ويَقُولُ: «أمَّا بَعْدُ، فَإنَّ خَيْرَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الهَدْىِ هَدْىُ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَشَرَّ الأمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ». رَواه مسلمٌ (٣). ويُسْتَحَبُّ تَرْتِيبُ الخُطْبَةِ، وهو أن يَبْدَأَ بالحَمْدِ قبلَ المَوْعِظَةِ؛

стр. 2243

وَيَقْصِرَ الْخُطْبَةَ، ــ لأنَّ النبىَّ ﷺ كان يَفْعَلُ ذلك، ثمَّ يُثْنِى على النبىِّ ﷺ ، ثمَّ يَعِظُ. فإن عَكَس ذلك صَحَّ؛ لحُصُولِ (١) المَقْصُودِ منه (٢). قال ابنُ عَقِيلٍ: ويَحْتمِلُ أن لا يُجْزِئَه؛ لأنَّهما فَصْلان مِن الذِّكْرِ يَتَقَدَّمان الصلاةَ، فلم يَصِحَّا مُنَكَّسَيْن، كالأذانِ والإِقامَةِ. ويُسْتَحَبُّ أن يَكُونَ في خُطْبَتِه مُتَرَسِّلًا، مُبينًا، مُعْرِبًا، لا يَعْجَلُ فيها، ولا يَقْطَعُها، وأن يكونَ مُتَخَشِّعًا، مُتَّعِظًا بما يَعِظُ الناسَ به؛ لأنَّه قد رُوِىَ عن النبىِّ ﷺ أنَّه قال: «عُرِضَ عَلَىَّ قَوْمٌ تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ، فَقِيلَ لِى: هَؤُلَاءِ خُطَبَاءُ مِنْ أُمَّتِكَ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ» (٣). ٦٥٣ - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ تَقْصِيرُ الخُطْبَةِ) لِما روَى عَمَّارٌ، قال: إنِّى سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِه مَئِنَّةٌ (٤) مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ، وَأقْصِرُوا الخُطْبَةَ». رَواه مسلمٌ (٥). وعن جابِرِ بنِ سَمُرَةَ، قال: كان رسولُ اللَّهِ ﷺ لا يُطِيلُ

стр. 2244

وَيَدْعُوَ لِلْمُسْلِمِينَ. ــ المَوْعِظَةَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إنَّما هى كَلِماتٌ يَسِيراتٌ. رَواه أبو داود (١). ٦٥٤ - مسألة: (و) يُسْتَحَبُّ أن (يَدْعُوَ) لنَفْسِه، (والمسلمين) والمُسْلِماتِ، والحاضِرِينَ، وإن دَعَا لسُلْطانِ المسلمين بالصَّلاحِ، فحَسَنٌ. وقد روَى ضَبَّةُ بنُ مُحْصَنٍ (٢)، أنَّ أبا موسى كان إذا خَطَب فحَمِدَ اللَّهَ، وأثْنَى عليه، وصَلَّى على النبىِّ ﷺ ، يَدْعُو لعمرَ. وقال القاضى: لا يُسْتَحَبُّ ذلك؛ لأنَّ عَطاءً قال: هو مُحْدَثٌ. وفِعْلُ الصحابةِ أوْلَى مِن قولِ عَطَاءٍ؛ ولأنَّ سُلْطَانَ المسلمين إذا صَلَح كان فيه صَلاحٌ لهم، ففى الدُّعاءِ له دُعاءٌ لهم، وذلك مُسْتَحَبٌّ غيرُ مَكْرُوهٍ. فصل: وسُئِلَ الإِمامُ أحمدُ، ﵀، عمَّن قَرَأ سُورَةَ الحَجِّ على المِنْبَرِ، أيُجْزِئُه؟ قال: لا، لم يَزَلِ النَّاسُ يَخْطُبُون بالثَّناءِ على اللَّهِ والصلاةِ على رسولِه ﷺ . وقال: لا تكونُ الخُطْبَةُ إلَّا كما خَطَب النبىُّ ﷺ . أو خُطْبَةٌ تَامَّةٌ. ولأنَّ هذا لا يُسَمَّى خُطْبَةً، ولا يَجْمَعُ الشُّروطَ. فإن قَرَأ آيَاتٍ فيها حَمْدُ اللَّهِ تعالى، والمَوْعِظَةُ، وصَلَّى على النبىِّ ﷺ ، صَحَّ؛ لاجْتِماعِ الشُّروطِ.

стр. 2245

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وإن قَرَأ سَجْدَةً في أثْناءِ الخُطْبَةِ، فإن شاء نَزَل فسَجَدَ، وإن أمْكَنَه السُّجودُ على المِنْبَرِ، سَجَد عليه. وإن تَرَك السُّجودَ فلا حَرَج، فَعَلَه عمرُ وتَرَك (١). وبهذا قال الإِمامُ الشافعىُّ. ونَزَل عثمانُ، وأبو موسى، وعَمّارٌ، والنُّعْمانُ، وعُقْبَةُ بنُ عامرٍ. وبه قال أصحابُ الرَّأْى. وقال الإِمامُ مالكٌ: لا يَنْزِلُ؛ لأنَّه تَطَوُّعٌ بصلاةٍ، فلم يَشْتَغِلْ به في أثْناءِ الخُطْبَةِ، كصلاةِ رَكْعَتَيْن. ولَنا، فِعْلُ عمرَ، وفِعْلُ مَن سَمَّينا مِن الصحابةِ، -رَضِىَ اللَّهُ عنهم-، ولأنَّه سُنَّةٌ وُجِدَ سَبَبُها في أثْناءِ الخُطْبَةِ، لا يَطُولُ الفَصْلُ بها، فاسْتُحِبَّ فِعْلُها، كحَمْدِ اللَّهِ إذا عَطَس. ولا يَجِبُ ذلك؛ لِما قَدَّمْنَا مِن أنَّ سُجُودَ التِّلاوَةِ غيرُ واجِبٍ. ويُفارِقُ صلاةَ رَكْعَتَيْن؛ لأنَّ سَبَبَها لم يُوجَدْ في الخُطْبَةِ، ويَطُولُ بها الفَصْلُ. فصل: ويُسْتَحَبُّ الأذانُ إذا صَعِدَ الإِمامُ على المِنْبَرِ، بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّه قد كان يُؤَذَّنُ للنبىِّ ﷺ . قال السَّائِبُ بنُ يَزِيدَ: كان النِّداءُ يَوْمَ الجُمُعَةِ إذا جَلَس الإِمامُ على المِنْبَرِ على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، وأبى بكرٍ، وعمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، فلمَّا كان زَمَنُ عثمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، وكَثُرَ

стр. 2246

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النَّاسُ، زاد النِّداءَ الثَّالِثَ على الزَّوْرَاءِ. رَواه البخارىُّ (١). فهذا النِّداءُ الأوُسَطُ هو الذى يَتَعَلَّقُ به وُجُوبُ السَّعْى، وتَحْرِيمُ البَيْعِ؛ لقَوْلِه سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (٢). وهذا النِّداءُ الذى كان على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ حينَ نُزولِ الآيَةِ، فَتعَلَّقَتِ الأحْكِامُ به. والنِّداءُ الأوَّلُ مُسْتَحَبٌّ في أوَّلِ الوَقْتِ، سَنَّه عثمانُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، وعَمِلَت به الأُمَّةُ بعدَه، وهو للإِعْلامِ بالوَقْتِ، والثَّانِى للإِعْلامِ بالخُطْبَةِ، والثَّالِثُ للإِعْلامِ بقِيامِ الصَّلاةِ. وذَكَر ابنُ عَقِيلٍ روايةً (٣) أنَّ الأذانَ الذى يُوجِبُ السَّعْىَ ويُحَرِّمُ البَيْعَ هو الأذانُ الأوَّلُ على المَنارَةِ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ. فصل: فأمَّا مَن يَكُونُ مَنْزِلُه بَعيدًا، لا يُدْرِكُ الجُمُعَةَ بالسَّعْى وَقْتَ النِّداءِ، فعليه السَّعْىُ في الوقتِ الذى يَكُونُ مُدْرِكًا للجُمُعَةِ؛ لكَوْنِه مِن ضَرُورَةِ إدْراكِها، وما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلَّا به واجِبٌ، كاسْتِسْقاءِ الماءِ مِن البئْرِ للوُضُوءِ إذا احْتاجَ إليه.

стр. 2247

وَلَا يُشْتَرَطُ إِذْنُ الْإِمَامِ. وَعَنْهُ، يُشْتَرَطُ. ــ ٦٥٥ - مسألة: (ولا يُشْتَرَطُ إذْنُ الإِمامِ. وعنه، يُشْتَرَطُ) الصَّحِيحُ أنَّ إذْنَ الإِمامِ الأَعْظَمِ ليس بشَرْطٍ في صِحَّةِ الجُمُعَةِ. وبه قال الإِمامُ مالكٌ، رحِمَه اللَّهُ تعالى، والإِمامُ الشافعىُّ. والثَّانِيَةُ، هو شَرْطٌ. رُوِىَ ذلك عن الحسنِ، والأوْزاعِىِّ، وحَبِيبِ بنِ أبى ثابِتٍ، والإِمامِ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه لا يُقِيمُها إلَّا الأئِمَّةُ في كلِّ عَصْرٍ، فكان في ذلك إجْماعٌ. ولَنا، أنَّ عَلِيًّا، رَضِىَ اللَّهُ عنه، صَلَّى الجُمُعَةَ بالنَّاسِ وعثمانُ مَحْصُورٌ، فلم يُنْكِرْه أحَدٌ، وصَوَّبَ ذلك عثمانُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه. فرَوَى حُمَيْدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ عَدِىِّ بنِ الخِيَارِ، أنَّه دَخَل على عثمانَ وهو مَحْصُورٌ، فقال: إنَّه قد نَزَل بك ما تَرَى وأنت إمامُ العَامَّةِ. فقال: الصلاةُ مِن أحْسَنِ ما يَعْمَلُ النَّاسُ، فإذا أحْسَنُوا فأحْسِنْ معهم، وإذا أساءُوا فاجْتَنِبْ إساءَتَهُم. أخْرَجَه البُخارِىُّ (١)، والأثْرَمُ. وهذا لَفْظُه.

стр. 2248

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقال الإِمامُ أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ تعالى: وَقَعَتِ الفِتْنَةُ بالشَّامِ تِسْعَ سِنِين، فكانوا يُجَمِّعُون. ولأنَّها مِن فَرائِضِ الأعْيانِ، فلم يُشْتَرَطْ لها إذْنُ الإِمامِ، وما ذَكَرُوه إجْمَاعًا لا يَصِحُّ، فإنَّ النَّاسَ يُقِيمُونَ الجَماعاتِ (١) في القُرَى مِن غيرِ اسْتِئْذانِ أحَدٍ، ثمَّ لو صَحَّ أنَّه لم يَقَعْ إلَّا ذلك لَكان إجْماعًا على جَوازِ ما وَقَع، لا على تَحْرِيمِ غيرِه، كالحَجِّ يَتَوَلَّاه الأئِمَّةُ، وليس شَرْطًا فيه. فإن قُلْنا: هو شَرْطٌ. فلم يَأْذَنِ الإِمامُ، لم تَجُزْ إقامَتُها، وصَلَّوْا ظُهْرًا. وإن أَذِنَ في إقامَتِها ثمَّ مات (٢) بَطَل إذْنُه. فإن صَلَّوْا، ثمَّ بان أنَّه مات قبلَ صلاتِهم، فهل تُجْزِئُهم صَلاُتهم؟ على رِوَايَتيْن؛ أصَحُّهما، أنَّها تُجْزِئُهم؛ لأنَّ المسلمين في الأمْصارِ النَّائِيَةِ عن بَلَدِ الإِمامِ لا يُعِيدُون ما صَلَّوْا مِن الجُمُعَاتِ بعدَ مَوْتِه، ولا نَعْلَمُ أحَدًا أنْكَرَ ذلك عليهم، فكان

стр. 2249

فَصْلٌ: وَصَلَاةُ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ، يَجْهَرُ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِى الْأُولَى بِسُورَةِ الْجُمُعَةِ، وَفِى الثَّانِيَةِ ــ إجْماعًا. ولأنَّ وُجُوبَ الإِعادَةِ يَشُقُّ؛ لعُمُومِه في أكْثَرِ البُلْدانِ. وإن تَعَذَّرَ إذْنُ الإِمامِ لفِتْنَةٍ، فقال القاضى: ظاهِرُ كلامِه صِحَّتُها بغيرِ إذْنٍ، على كِلْتَا الرِّوايَتَيْن. فعلى هذا إنَّما يَكُونُ الإِذْنُ مُعْتَبَرًا عندَ إمْكانِه، ويسْقُطُ بتَعَذُّرِه. فصل: قال: (وصلاةُ الجُمُعَةِ رَكْعَتان، يَجْهَرُ فيهما بالقِراءَةِ) بغيرِ خِلافٍ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ المسلمون على أنَّ صلاةَ الجُمُعَةِ رَكْعَتان. وجاء الحديثُ عن عمرَ، أنَّه قال: صلاةُ الجُمُعَةِ رَكْعَتان، تمامٌ، غَيْرُ قَصْرٍ، على لِسانِ نَبِيِّكم ﷺ ، وقد خاب مَن افْتَرَى. رَواه الإِمامُ أحمدُ، وابنُ ماجه (١). ٦٥٦ - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن يَقرَأَ في الأُولَى بسُورَةِ الجُمُعَةِ ،

стр. 2250

بِالْمُنَافِقِينَ. ــ وفى الثَّانِيَةِ بالمُنافِقِين) يُسْتَحَبُّ أن يَقْرَأَ في الجُمُعَةِ بعدَ الفاتِحَةِ بهاتَيْن السُّورَتَيْن. وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ؛ لِما رُوِىَ عن عَبدِ اللَّهِ بنِ أبى (١) رافِعٍ، قال: صَلَّى بنا أبو هُرَيْرَةَ الجُمُعةَ فَقَرأَ سُورَةَ الجُمُعَةِ في الرَّكْعَةِ الأُولَى، وفى الرَّكْعَةِ الأُخْرَى ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ فلما قَضَى أبو هُرَيْرَةَ الصلاةَ أدْرَكْتُه، فقُلْتُ: يا أبا هُرَيْرَةَ، إنَّك (١) قَرَأْتَ سُورَتَيْن كان علىٌّ يَقْرَأُ بهما [بالكُوفَةِ] (٢). فقال: إنِّى سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ بهما في الجُمُعَةِ. رَواه مسلمٌ (٣). وإن قَرَأَ في الثَّانِيَةِ بالغاشِيَةِ، فحَسَنٌ؛ فإنَّ الضَّحَّاكَ بنَ قَيْسٍ سَأَل النُّعْمانَ بنَ بَشِيرٍ: ماذَا يَقْرَأُ رسولُ اللَّهِ ﷺ

стр. 2251

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَوْمَ الجُمُعَةِ على إثْرِ سُورَةِ الجُمُعَةِ؟ قال: كان يَقْرَأُ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. أخْرَجه مسلمٌ (١). وإن قَرَأَ في الأُولَى بـ ﴿سَبِّحِ﴾. وفى الثّانِيَة بـ «الغَاشِيَةِ» فحَسنٌ؛ فإنَّ النُّعْمانَ بنَ بَشِيرٍ، قال: كان رسولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ في العِيدَيْن، وفى الجُمُعَةِ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. فإذا اجْتَمَعَ العِيدُ والجُمُعَةُ في يَوْمٍ واحِدٍ، قَرَأ بهما في الصلاتَيْن. أخْرَجَه مسلمٌ (٢). وقال مالكٌ: أمَّا الذى جاء به الحَدِيثُ ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾. مع سُورَةِ الجُمُعَةِ، والذى أدْرَكْتُ عليه النَّاسَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾. وحُكِىَ عن أبى بكرٍ عبدِ العَزِيزِ، أنَّه يَسْتَحِبُّ أن يَقْرَأَ في الثَّانِيَةِ

стр. 2252

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﴿سَبِّحِ﴾ ولَعَلَّه صار إلى ما حَكاه مالكٌ، أنَّه أدْرَكَ عليه النَّاسَ، واتِّباعُ سُنَّةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ أَوْلَى. ومَهْمَا قَرَأ به فجائِزٌ حَسَنٌ، إلَّا أنَّ الاقْتِدَاءَ به ﵊ أحْسَنُ، ولأنَّ سُورَةَ الجُمُعَةِ تَلِيقُ بالجُمُعَةِ؛ لِما فيها مِن ذِكرها، والأمْرِ بها، والحَثِّ عليها. فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَقْرَأَ في صلاةِ الصُّبْحِ يَوْمَ الجُمُعَةِ ﴿الم﴾ السَّجْدَةَ (١). و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ (٢). نَصَّ عليه؛ لما روَى ابنُ عباسٍ، وأبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النبىَّ ﷺ كان يَقْرَأُ في الفَجْرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾. رَواهُما مسلمٌ (٣). قال أحمدُ: لا أُحِبُّ المُداوَمَةَ عليها؛ لِئَلَّا يَظُنَّ النَّاسُ أنَّها

стр. 2253

وَتَجُوزُ إِقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنَ الْبَلَدِ لِلْحَاجَةِ، وَلَا يَجُوزُ مَعَ عَدَمِهَا، ــ مُفَضَّلَةٌ بسَجْدَةٍ. ويَحْتَمِلُ أن يُسْتَحَبَّ؛ لأنَّ لَفْظَ الخَبَرِ يَدُلُّ عليه، ولأنَّ النبىَّ ﷺ كان إذا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَه: ٦٥٧ - مسألة: (وتَجُوزُ إقَامَةُ الجُمُعَةِ في مَوْضِعَيْن مِن البَلَدِ للحاجَةِ، ولا يَجُوزُ مع عَدَمِها) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ البَلَدَ إذا كان كَبِيرًا، يَشُقُّ على أهْلِه الاجْتِماعُ في مسْجِدٍ واحِدٍ، ويَتَعَذَّرُ ذلك لتبَاعُدِ أقْطارِه، أو ضِيقِ مَسْجِدِه على أهْلِه، كبَغْدادَ ونَحْوِها، جازَتْ إقامَةُ الجُمُعَةِ في أكْثَرَ مِن مَوْضِعٍ على قَدْرِ ما يَحْتاجُونَ إليه. وهذا قولُ عَطَاءٍ. وأجازَه

стр. 2254

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أبو يوسفَ في بَغْدادَ دُونَ غيرِها، قال: لأنَّ الحُدُودَ تُقامُ فيها في مَوْضِعَيْن، والجُمُعَةُ حيثُ تُقامُ الحُدُودُ. ومُقْتَضَى قَوْلِه، أنَّه لو وُجِدَ بَلَدٌ آخَرُ تُقامُ فيه الحُدُودُ في مَوْضعَيْن، كان مثلَ بَغْدَادَ؛ لأنَّ الجُمُعَةَ حيثُ تُقامُ الحُدُودُ. وهذا قولُ ابنِ المُبارَكِ. وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعىُّ: لا تَجُوزُ الجُمُعَةُ في بَلَدٍ واحِدٍ في أكْثَرَ مِن مَوْضِعٍ واحِدٍ، ورُوِىَ أيضًا عن أحمدَ مثلُ ذلك؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ لم يَكُنْ يُجَمِّعُ إلَّا في مَسجِدٍ واحِدٍ، وكذلك الخُلَفاءُ بعدَه، ولو جاز لم يُعَطِّلُوا المَساجِدَ، حتى قال ابنُ عمرَ: لا تُقامُ الجُمُعَةُ إلَّا في المَسْجِدِ الأكْبرِ، الذى يُصَلِّى فيه الإِمامُ. ولَنا، أنَّها صلاةٌ شُرِعَ لها الاجْتِماعُ والخُطْبَةُ، فجَازَت فيما يُحْتاجُ إليه مِن المَواضِعِ كصلاةِ العِيدِ. وقد ثَبَت أنَّ عَلِيًّا رَضِىَ اللَّهُ عنه، كان يَخْرُجُ يَوْمَ العِيدِ إلى المُصَلَّى، ويَسْتَخْلِفُ على ضَعَفَةِ النَّاسِ أبا مسعودٍ البَدْرِىَّ، فيُصَلِّى بهم (١). فأمَّا تَرْكُ النبىِّ ﷺ إقامَةَ جُمُعَتَيْن فلغناهُم عن إحْداهما، ولأنَّ الصحابةَ كانوا يُؤْثِرُونَ سَماعَ خُطْبَتِه، وشُهُودَ جُمُعَتِه، وإن بَعُدَتْ مَنازِلُهم؛ لأنَّه المُبَلِّغُ عن اللَّهِ تعالى، وشارِعُ الأحْكامِ، ولَمّا دَعَتِ الحَاجَةُ إلى ذلك في الأمْصارِ صُلِّيَتْ في أماكِنَ، ولم يُنْكَرْ، فصارَ إجْماعًا.

стр. 2255

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقولُ ابنِ عمرَ مَعْناه أنَّها لا تُتْرَكُ في المَساجِدِ الكِبارِ، وتُقامُ في الصِّغارِ. وأمَّا اعْتِبارُ ذلك بإقامَةِ الحُدُودِ، فلا وَجْهَ له. قال أبو داودَ: سَمِعْتُ أحمدَ يَقُولُ: أىُّ حَدٍّ كان يُقامُ بالمَدِينَةِ! قَدِمَها مُصْعَبُ ابنُ عُمَيْرٍ وهم يَخْتَبِئُونَ في دارٍ، فجَمَّعَ بهم وهم أرْبَعونَ. فصل: فأمَّا مع عَدمِ الحاجَةِ فلا يَجُوزُ أكْثَرُ مِن واحِدَةٍ، وإن حَصَل الغِنَى باثْنَتَيْن لم تَجُزِ الثَّالِثَةُ، وكذلك ما زاد، لا نَعْلَمُ في هذا مُخالِفًا، إلَّا أنَّ عَطَاءً قِيلَ له: إنَّ أهْلَ البَصْرَةِ يَسَعُهم المَسْجِدُ الأكْبَرُ. قال: لكلِّ قومٍ مَسْجِدٌ يُجَمِّعُونَ فيه، ويُجْزِئُ ذلك مِن التَّجْمِيعِ في المسجدِ الأكْبَرِ. وما عليه الجُمْهُورُ أَوْلَى إذ لم يُنْقَلْ عن النبىِّ ﷺ وخُلَفائِه أنَّهم جَمَّعُوا أكْثرَ مِن جُمُعَةٍ، إذ لم تَدْعُ الحاجَةُ إلى ذلك، ولا يَجُوزُ إثْباتُ الأحكامِ بالتَّحَكُّمِ بغيرِ دَلِيلٍ.

стр. 2256

فَإِنْ فَعَلُوا فَجُمُعَةُ الْإِمَامِ هِىَ الصَّحِيحَةُ، ــ ٦٥٨ - مسألة: (فإن فعلُوا فجُمُعَةُ الإِمامِ هى الصَّحِيحَةُ) متى صَلَّوْا جُمُعَتَيْن في بلدٍ لغيرِ حاجَةٍ، وإحْداهما جُمُعَةُ الإِمامِ، فهى الصَّحِيحَةُ، تَقَدَّمَتْ أو تَأَخَّرَتْ؛ لأنَّ في الحُكْمِ ببُطْلانِ جُمُعَةِ الإِمامِ افْتِئاتًا عليه، وتَفْوِيتًا له الجُمُعَةَ ولمَن يُصَلِّى معه، ويُفْضِى إلى أنَّه متى شاءَ أرْبَعُونَ أن يُفْسِدُوا صلاةَ أهلِ البلدِ أمْكَنَهم ذلك، بأن يَسْبِقُوا أهلَ البلدِ بصلاةِ الجُمُعَةِ، وقيل: السَّابِقَةُ هى الصَّحِيحَةُ؛ لأنَّها لم يَتَقَدَّمْها ما يُفْسِدُها، ولا تَفْسُدُ بعدَ صِحَّتِها بما بعدَها. والأوَّلُ أصَحُّ. وكذلك إن كانت إحْداهما في المَسْجدِ الجامِعِ، والأُخْرَى في مَكانٍ صَغِيرٍ لا يَسَعُ المُصَلِّينَ، أو لا يُمْكِنُهم الصلاةُ فيه؛ لاخْتِصاصِ السُّلْطانِ وجُنْدِه به،

стр. 2257

فَإِنِ اسْتَوَيَا فَالثَّانِيَةُ بَاطِلَةٌ، ــ أو غيرِ ذلك، أو كانت إحْداهما في قَصَبَةٍ، والأُخْرَى أقْصَى المَدِينَةِ، فما وُجدَتْ فيه هذه المَعَانِى، الصلاةُ فيه صَحِيحَةٌ دُونَ الأُخْرَى. وهذا قولُ مالكٍ؛ فإنَّه قال: لا أرَى الجُمُعَةَ إلَّا لأهلِ القَصَبَةِ. وذلك لأنَّ لهذه المعانى مَزِيَّةً تَقْتَضِى التَّقْدِيمَ، فيُقَدَّمُ بها، كجُمُعَةِ الإِمامِ. ويَحْتَمِلُ أن تَصِحَّ السَّابِقَةُ؛ لأنَّ إذْنَ الإِمامِ شَرْطٌ في إحْدَى الرِّوَايَتَيْن، فكانت آكَدَ مِن غيرِها. ٦٥٩ - مسألة: (فإنِ اسْتَوَيَا فالثَّانِيَةُ باطِلَةٌ) وإن لم يَكُنْ لإِحْداهما مَزِيَّةٌ على الأُخْرَى؛ لكَوْنِهما جَمِيعًا مَأْذُونًا فيهما، أو غيرَ مَأْذُونٍ وتَساوَى المكانان، فالسَّابِقَةُ هى الصَّحِيحَةُ؛ لأنَّها وَقَعَتْ بشُرُوطِها، ولم يُزاحِمْها

стр. 2258

فَإِنْ وَقَعَتَا مَعًا، أَوْ جُهِلَتِ الْأُولَى بَطَلَتَا مَعًا. ــ ما يُبْطِلُها، ولا سَبَقَها ما يُغْنِى عنها، والثَّانِيَةُ باطِلَةٌ؛ لكَوْنِها واقِعَةً في مِصْرٍ أُقِيمَتْ فيه جُمُعَةٌ صَحِيحَةٌ، تُغْنِى عمَّا سِواها. ويُعْتَبَرُ السَّبْقُ بالإِحرامِ؛ لأنَّه متى أُحْرِمَ بإحْداهما حَرُمَ الإِحْرامُ بالأُخْرَى للغِنَى عنها. ٦٦٠ - مسألة: (فإن وَقَعَتا مَعًا، أو جُهِلَتِ الأُولَى بَطلَتا مَعًا) متى وَقَع الإِحْرامُ بهما معًا مع تَساوِيهما، فهما باطِلَتان؛ لأنَّه لم يُمْكِنْ صِحَّتُهما معًا، وليست إحْداهما أوْلَى بالفَسادِ مِن الأُخْرَى، كالمُتَزوِّجِ

стр. 2259

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أُخْتَيْن. وإن لم تُعْلَمِ الأُولَى منهما، أو لم يُعْلَمْ كَيْفِيَّةُ وُقُوعِهما، بَطلَتا أيضًا؛ لأنَّ إحْداهما باطِلَةٌ، ولم يُعْلَمْ عَيْنُها، وليست إحْداهما بالإِبْطالِ أوْلَى مِن الأُخْرَى، فهى كالتى قبلَها، ثمَّ نَنْظُرُ، فإن عَلِمْنا فَسادَ الجُمُعَتَيْن لوُقُوعِهما معًا وَجَبَتْ إعادَةُ الجُمُعَةِ إن أمْكَنَ ذلك، لأنَّه مِصْرٌ ما أُقِيمَتْ فيه جُمُعَةٌ صَحِيحَةٌ، والوَقْتُ مُتَّسِعٌ لإِقامَتِها، أشْبَهَ ما لو لم يُضَلُّوا شَيْئًا.

стр. 2260

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإن عَلِمْنا صِحَّةَ إحْداهما لا بعَيْنِها، فليس لهم أن يُصَلُّوا إلَّا ظُهْرًا؛ لأنَّ هذا مِصْرٌ، تَيَقَّنّا سُقُوطَ الجُمُعَةِ فيه بالأُولَى، فلم تَجُزْ إقامَةُ الجُمُعَةِ فيه كما لو عُلِمَتْ. وقال القاضى: يَحْتَمِلُ أنَّ لهم إقَامَةَ الجُمُعَةِ؛ لأنَّا حَكَمْنا بفَسادِهما معًا، فكأنَّ المِصْرَ ما صُلِّيَتْ فيه جُمُعَةٌ صَحِيحَةٌ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ الأُولَى لم تَفْسُدْ، وإنَّما لم يُمْكِنْ إثْباتُ حُكْمِ الصِّحَّةِ لها بعَيْنِها للجَهْلِ، فيَصِيرُ هذا كما لو زَوَّجَ الوَلِيَّان، وجُهِلَ السَّابِقُ منهما، فإنَّه لا يَثْبُتُ حُكْمُ الصِّحَّةِ بالنِّسْبَةِ إلى واحِدٍ بعَيْنِه، ويَثْبُتُ حُكْمُ النِّكاحِ في حَقِّ المرأَةِ، بحيثُ لا يَحِلُّ لها أن تَنْكِحَ زَوْجًا آخَرَ. فإن جَهِلْنا كَيْفِيَّةَ وُقُوعِهما، فالأَوْلَى أن لا تَجُوزَ إقامَةُ الجُمُعَةِ أيضًا؛ لأنَّ وُقُوعَهما معًا، بحيثُ لا تَسْبِقُ إحْداهما الأُخْرَى بَعِيدٌ جدًّا، وما كان في غايَةِ النُّدُورِ فحُكْمُه حُكْمُ المَعْدُومِ. ويَحْتَمِلُ أنَّ لهم إقامَتَها؛ لأنَّنا لم نَتَيَقَّنِ المانِعَ مِن صِحَّتِها. والأوَّلُ أوْلَى. فصل: فإن أحْرَمَ بالجُمُعَةِ، فتَبَيَّنَ في أثناءِ الصَّلاةِ أنَّ الجُمُعَةَ قد أُقِيمَتْ في المِصْرِ، بَطَلَتِ الجُمُعَةُ، ولَزِمَهم اسْتِئْنَافُ الظُّهْرِ؛ لأنَّنا تَبَيَّنَّا أنَّه أحْرَمَ بها في وَقْتٍ لا يَجُوزُ الإِحْرامُ بها، لا يَصِحُّ، أشْبَهَ ما لو أحْرَمَ بها في وَقْتِ العَصْرِ. وقال القاضى: يُسْتَحَبُّ أن يَسْتَأنِفَ ظُهْرًا. وهذا مِن قَوْلِه يَدُلُّ على أنَّ له إتْمامَها ظُهْرًا، كالمَسْبُوقِ بأكثرَ مِن رَكْعَةٍ، وكما لو

стр. 2261

وَإِذَا وَقَعَ الْعِيدُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَاجْتُزِئَ بِالْعِيدِ، وَصُلِّىَ ظُهْرًا، جَازَ إِلَّا لِلْإِمَامِ. ــ أحْرَمَ بالجُمُعَةِ [فنَقَصَ العَدَدُ] (١) قبلَ رَكعَةٍ. والفَرْقُ ظاهِرٌ؛ فإنَّ هذا أحْرَمَ بها في وَقْتٍ لا تَصِحُّ فيه الجُمُعَةُ، ولا يَجُوزُ الإِحْرامُ بها بخِلافِ الأصْلِ المقِيسِ عليه. فصل: وإذا كانت قَرْيَةٌ إلى جانِبِ مِصْرٍ، يَسْمَعُونَ النِّداءَ منه، أو كان مِصْرَان مُتَقَارِبان، يَسْمَعُ كلٌّ منهم نِداءَ المِصْرِ الآخَرِ، لم تَبْطُلْ جُمُعَةُ أحدِهما بجُمُعَةِ الآخَرِ. وكذلك القَرْيَتان المُتقَارِبتَان؛ لأنَّ لكلِّ قومٍ منهم حُكْمَ أنْفُسِهم، بدَلِيلِ أنَّ جُمُعَةَ أحَدِ القَرْيَتَيْن لا يَتِمُّ عَدَدُها بالفَرِيقِ الآخَرِ، ولا تَلْزَمُهم الجُمُعَةُ بكمَالِ العَدَدِ بهم، وإنَّما يَلْزَمُهم السَّعْىُ إذا لم يَكُنْ لهم جُمُعَةٌ، فهم كأهلِ المَحَلَّةِ القَرِيبَةِ مِن المِصْرِ. ٦٦١ - مسألة: (وإذا وَقَع العِيدُ يَوْمَ الجُمُعَةِ فاجْتُزِئَ بالعِيدِ) عن الجُمُعَةِ (وصَلَّوْا ظُهْرًا، جاز إلَّا للإِمامِ) وقد قِيلَ: في وُجُوبها على الإِمامِ

стр. 2262

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رِوايتَانِ. ومِمَّن قال بسُقُوطِها الشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، والأوْزاعِىُّ. وقد قِيلَ: إنَّه مَذهَبُ عمرَ، وعثمانَ، وعلىٍّ، وسَعِيدٍ، وابنِ عمرَ، وابنِ عباسٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ. وقال أكثرُ الفُقَهاءِ: لا تَسْقُطُ الجُمُعَةُ؛ لعُمُومِ الآيَةِ، والأخْبارِ الدَّالَّةِ على وُجُوبِها، ولأنَّهما صلاتان واجِبتانِ، فلم تَسْقُطْ إحْداهما بالأُخْرَى، كالظُّهْرِ مع العِيدِ. ولَنا، ما رُوِىَ أنَّ مُعاوِيَةَ سَأَل زيدَ بنَ أرْقَمَ: هل شَهِدْتَ مع رسولِ اللَّهِ ﷺ عِيدَيْن اجْتَمَعا في يَوْمٍ؟ قال: نعم. قال: فكيف صَنَع؟ قال: صَلَّى العِيدَ، ثمَّ رَخَّصَ في الجُمُعَةِ، فقالَ: «مَنْ شَاءَ أنْ يُصَلِّىَ فَلْيُصَلِّ». رَواه أبو دَاودَ، وفى لَفْظٍ للإِمامِ أحمدَ: «مَنْ شَاءَ أنْ يُجَمِّعَ فَلْيُجَمِّعْ» (١). وعن أبى هُرَيْرَةَ،

стр. 2263

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ قال: «اجْتَمَعَ لَكُمْ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ، فَمَنْ شَاءَ أجْزَأَهُ مِنَ الْجُمُعَةِ، وإنَّا مُجَمِّعُونَ». رَواه ابنُ ماجه (١). ولأنَّ الجُمُعَةَ إنَّما زادَتْ عن الظُّهْرِ بالخُطْبَةِ، وقد حَصَل سَماعُها في العِيدِ،

стр. 2264

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فأجْزَأَ عن سَماعِها ثانِيًا. ونُصُوصُهم مَخْصُوصَةٌ بما رَوَيْنَاه، وقِياسُهم مَنْقُوضٌ بالظُّهْرِ مع الجُمُعَةِ. فأمَّا الإِمامُ فلا تَسْقُطُ عنه؛ لقَوْلِ النبىِّ ﷺ : «وَإنَّا مُجَمِّعُونَ». ولأنَّه لو تَرَكَها لا مْتَنَعَ فِعْلُ الجُمُعَةِ في حَقِّ مَن تَجِبُ عليه، ومَن يُرِيدُها مِمَّن سَقَطَتْ عنه، ولا كذلك غيرُ الإِمامِ. فصل: فإن قَدَّمَ الجُمُعَةَ فصَلَّاها في وَقْتِ العِيدِ، فقد رُوِىَ عن أحمدَ، قال: تُجْزِئُ الأُولَى منهما. فعلى هذا تُجْزِئُه عن العِيدِ والظُّهْرِ، ولا يَلْزمُه شئٌ إلى (١) العَصْرِ، عندَ مَن يُجَوِّزُ فِعْلَ الجُمُعَةِ في وَقْتِ العِيدِ؛ لِما روَى أبو داودَ، بإسْنادِه، عن عَطَاءٍ، قال: اجْتَمَعَ يَوْمُ جُمُعَةٍ ويومُ فِطْرٍ على عَهْدِ ابنِ الزُّبَيْرِ، فقال: عِيدَانِ قد اجْتَمَعَا في يَوْمٍ واحَدٍ، فجَمَعَهما

стр. 2265

وَأَقَلُّ السُّنَّةِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ، وَأَكْثَرُهَا سِتُّ رَكَعَاتٍ. ــ وصَلَّاهُما رَكْعَتَيْنِ بُكْرَةً، ولم يَزِدْ عليهما حتى صَلَّى العَصْرَ. فيُرْوَى أنَّ فِعْلَه بَلَغ ابنَ عباسٍ، فقالَ: أصاب السُّنَّةَ (١). قال الخَطَّابِىُّ (٢): وهذا لا يَجُوزُ أن يُحْمَلَ إلَّا على قَوْلِ مَن يَذْهَبُ إلى تَقدِيمِ الجُمُعَةِ قبلَ الزَّوالِ. فعلى هذا يَكُونُ ابنُ الزُّبَيْرِ قد صَلَّى الجُمُعَةَ، فسَقَطَ العِيدُ والظُّهْرُ، ولأنَّ الجُمُعَةَ إذا سَقَطَتْ بالعِيدِ مع تَأكُّدِها، فالعِيدُ أوْلَى أن يَسْقُطَ بها. أمَّا إذا قَدَّمَ العِيدَ فلابُدَّ مِن صلاةِ الظُّهْرِ في وَقْتِها إذا لم يُصَلِّ الجُمُعَةَ. واللَّهُ أعلمُ. ٦٦٢ - مسألة: (وأَقَلُّ السُّنَّةِ بعدَ الجُمُعَةِ رَكْعَتان، وأكْثَرُها سِتُّ رَكَعاتٍ) رُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه قال: إن شاء صَلَّى رَكْعَتَيْن، وإن شاء صَلَّى أرْبَعًا. وفى رِوايَةٍ: إن شاء صَلَّى سِتًّا فأيَّما فعَلَ مِن ذلك فهو حَسَنٌ.

стр. 2266

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وكان ابنُ مَسْعُودٍ، والنَّخَعِىُّ وأصحابُ الرَّأْى يَرَوْن أن يُصَلِّىَ بعدَها أرْبعًا؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُصَلِّيًا بَعْدَ الْجُمُعَةِ فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أرْبَعًا». رَواه مسلمٌ (١). وعن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، وأبى موسى، وعَطَاءٍ، والثَّوْرِىِّ، أنَّه يُصَلِّى سِتًّا؛ لِما رُوِىَ عن ابنِ عمرَ، أنَّه كان إذا كان بمَكَّةَ، فصَلَّى الجُمُعَةَ، تَقَدَّمَ فصَلَّى رَكْعَتَيْن، ثمَّ تَقَدَّمَ فصَلَّى أرْبَعًا (٢). ووَجْهُ قَوْلِنا، أنَّ النبىَّ ﷺ كان يَفْعَلُ ذلك كلَّه؛ بما رَوَيْنا مِن الأخْبارِ، ورُوِىَ عن ابنِ عمرَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ كان يُصَلِّى بعدَ الجُمُعَةِ رَكْعَتَيْن. مُتَّفَقٌ عليه (٣). وفى لَفْظٍ: وكان

стр. 2267

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لا يُصَلِّى في المسجدِ حتى يَنْصَرِفَ، فيُصَلِّى رَكْعَتَيْن في بَيْتِه. وهذا يَدُلُّ على أنَّه مَهْمَا فَعَل مِن ذلك كان حَسَنًا. وقد قال أحمدُ، في رِوايَةِ عبدِ اللَّهِ: ولو صَلَّى مع الإِمامِ، ثمَّ لم يُصَلِّ شَيْئًا حتى صَلَّى العَصْرَ كان جائِزًا، فقد فَعَلَه عِمْرَانُ بنُ حُصَينٍ. فصل: فأمَّا الصلاةُ قبلَ الجُمُعَةِ، فقد رُوِىَ أنَّ النبىَّ ﷺ كان يَرْكَعُ قبلَ الجُمُعَةِ أرْبعًا. أخْرَجَه ابنُ ماجه (١). ورُوِىَ عن عَمْرِو بنِ سَعِيدِ ابنِ العَاصِ، عن أبِيه، قال: كُنْتُ أبْقِى (٢) أصْحَابَ رسولِ اللَّهِ ﷺ ،

стр. 2268

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فإذا زالَتِ الشمسُ قامُوا فصَلَّوْا أرْبَعًا. وعن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، أنَّه كان يُصَلِّى قبلَ الجُمُعَةِ أرْبَعَ رَكَعَاتٍ. رواه سعيدٌ (١). فصل: ويُسْتَحَبُّ لِمن أرادَ الرُّكُوعَ بعدَ الجُمُعَةِ أن يَفْصِلَ بينَها وبينَه

стр. 2269

فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْتَسِلَ لِلْجُمُعَةِ فِي يَوْمِهَا، وَالْأَفْضَلُ فِعْلُهُ عِنْدَ مُضِيِّهِ إِلَيْهَا، ــ بكَلامٍ، أو انْتِقَالٍ مِن مَكانِه، أو خُرُوجٍ؛ لِما روَى السَّائِبُ بنُ (١) يَزِيدَ، قال: صَلَّيْتُ مع مُعاوِيَةَ الجُمُعَةَ في المَقْصُورَةِ، فلمَّا سَلَّمَ الإِمامُ قُمْتُ في مَقامِى فَصَلَّيْتُ، فلمّا دَخَل أرْسَلَ إلىَّ، فقال: لا تَعُدْ لِما فَعَلْتَ، إذا صَلَّيْتَ الجُمُعَةَ فلا تَصِلْها بصلاةٍ حتى تَتَكَلَّمَ أو تَخْرُجَ، فإنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ أمَرَنا بذلك؛ أن لا نُوصِلَ صلاةً حتى نَتَكَلَّمَ أو نَخْرُجَ. أخْرَجَه مسلمٌ (٢). فصل: قال الشَّيْخُ، ﵀: (ويُسْتَحَبُّ أن يَغْتَسِلَ للجُمُعَةِ في يَوْمِها، والأفْضَلُ فِعْلُه عندَ مُضِيِّه إليها) لا خِلافَ في اسْتِحْبابِ غُسْلِ الجُمُعَةِ، وفيه أحاديثُ صَحِيحَةٌ؛ منها ما روَى سَلْمَانُ الفارِسِىُّ، قال:

стр. 2270

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال رسولُ اللَّهِ ﷺ : «لا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، ويَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ، فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّى مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ، إلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى». رَواه البُخارىُّ (١). ومنها قَوْلُه ﵇: «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ واجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ». وقولُه: «مَنْ أَتَى مِنْكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ». مُتَّفَقٌ عليهما (٢). وليس الغُسْلُ واجِبًا في قَوْلِ أكثرِ أهلِ العِلْمِ. قال التِّرْمِذىُّ: العَمَلُ على هذا عندَ أهلِ العِلْمِ مِن أصحابِ النبىِّ ﷺ ومَن بعدَهُم؛ منهم مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى، وابنُ المُنْذِرِ. وحَكاه ابنُ عبدِ البَرِّ إجْماعًا. وعن أحمدَ، أنَّه واجِبٌ. رُوِىَ ذلك عن أبى هُرَيْرَةَ، وعَمْرِو بنِ سُلَيْمٍ.

стр. 2271

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقاوَلَ عَمَّارُ بنُ يَاسِر رجلًا، فقال: أنا إذًا أشَرُّ مِمَّن لا يَغْتَسِلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ. ووَجْهُه ما ذَكَرْنا مِن النُّصُوصِ. ولَنا، ما روَى سَمُرَةُ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : «مَنْ تَوَضَّأ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَل فَالْغُسْلُ أفْضَلُ». رَواه النَّسَائِىّ، والتِّرْمِذىّ (١)، وقال: حديثٌ حسنٌ. وعن أبى هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ : «مَنْ تَوَضَّأ فَأحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أتَى الْجُمُعَةَ، وَاسْتَمَعَ وَأنصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ، وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أيَّامٍ، وَمَنْ مَسَّ الْحَصَا فَقَدْ لَغَا». مُتَّفَقٌ عليه (٢). وحَدِيثُهم مَحْمُولٌ على تَأْكِيدِ النَّدْبِ، ولذلك (٣) ذَكَر في سِياقِه: «وَسِوَاكٌ، وَأنْ يَمَسَّ طِيبًا». كذلك رَواه مسلمٌ (٤)

стр. 2272

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والسِّوَاكُ، وَمَسُّ الطِّيبِ، لا يَجِبُ. وقالَتْ عائشةُ، رضى اللَّهُ عنها، وعن أبيها: كان النّاسُ مِهْنَةَ أنْفُسِهم، وكانوا يَرُوحُونَ إلى الجُمُعَةِ بهَيْئَتِهِم، فتَظْهَرُ لهم رائِحةٌ، فَقيلَ لهم: لو اغْتَسَلْتُمْ. رَواه مسلمٌ بنَحْوِ هذا المَعْنَى (١). والأفْضَلُ أن يَفْعَلَه عندَ مُضِيِّه إليها؛ لأنَّه أبلَغُ في المَقْصُودِ، وفيه خُروجٌ مِن الخِلافِ. فصل. ومتى اغْتَسَلَ بعدَ طُلُوعِ الفَجْرِ أجْزَأ، وإن اغْتَسلَ قبلَه لم يُجْزِئْه. وهذا قولُ مُجاهِدٍ، والحسنِ، والنَّخعىِّ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وإسحاقَ. وحُكىَ عن الأوْزاعِى أنَّه يُجْزِئُه الغُسْلُ قبلَ الفَجْرِ. وعن مالكٍ: لا يُجْزِئُه الغُسْلُ إلَّا أن يَتَعَقَّبَه الرَّواحُ. ولَنا، قولُه ﷺ : «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ» (٢). واليَوْمُ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ. وإن اغْتَسَلَ، ثم أحْدَثَ أجْزَأَه الغُسْلُ وكَفاهُ الوُضُوءُ. وهذا قولُ الحسنِ، ومالكٍ، والشافعىِّ. واسْتَحَبَّ طَاوس، والزُّهْرِىُّ، وقَتادَةُ،

стр. 2273

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ويَحْيَى بنُ أبى كَثيرٍ (١) إعادَةَ الغُسْلِ. ولَنا، أنَّه اغْتَسَلَ في يَوْمِ الجُمُعَةِ، أشْبَهَ مَن لم يُحْدِثْ، والحَدَثُ إنَّما يُؤَثِّرُ في الطهارةِ الصُّغْرَى، ولأنَّ المقْصُودَ مِن الغُسْل. التَّنّظِّفُ وإزالَةُ الرائِحَةِ، وذلك لا يُؤثِّرُ فيه الحَدَثُ، ولأنَّه غُسْلٌ فلم يُؤَثِّرْ فيه الحَدَثُ الأصْغَرُ، كغُسْلِ الجَنَابَةِ. فصل: ويَفْتَقِرُ الغُسْلُ إلى النِّيَّةِ، لأنَّه عِبادَةٌ، فافْتَقَرَ إلى النِّيَّةِ، كتَجْدِيدِ الوُضُوءِ. وإنِ اغْتَسَلَ للجُمُعَةِ والجَنابَةِ غُسْلًا واحِدًا ونَواهُما أجْزَأَه، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه؛ لأنَّهُما غُسْلان اجْتَمَعا، فأشْبَها غُسْلَ الحَيْضِ والجَنابَةِ. وإنِ اغْتسَلَ للجَنَابَةِ، ولم يَنْوِ غُسْلَ الجُمُعَةِ، ففيه وِجْهان؛ أحَدُهما، لا يُجْزِئُه، لقَوْلِ النبىِّ ﷺ : «وَإنَّما لِامْرِئٍ مَا نوَى» (٢). ورُوِىَ عن ابنٍ لأبى قَتادَةَ، أنَّه دَخَل عليه يَومَ الجُمُعَةِ مُغْتَسِلًا، فقال: للجُمُعَةِ اغْتَسَلْتَ؟ قال: لا، ولكن للجَنابَةِ. قال: فأعِدْ غُسْلَ الجُمُعَةِ (٣). والثانى، يُجْزِئُه؛ لأنَّه مُغْتَسِلٌ، فيَدْخُلُ في عُمومِ الحَديثِ، ولأنَّ المَقْصُودَ التنظِيفُ، وقد حَصَل، ولأنَّه قد رُوِىَ

стр. 2274

وَيَتَنَظَّفَ، وَيَتَطَيَّبَ، وَيَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ، ــ في الحديثِ: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ» (١). فصل: ومَن لا يأْتِى الجُمُعَةَ فلا غُسْلَ عليه. قال أحمدُ: ليس على النِّساءِ غُسْلُ يومِ الجُمُعَةِ؛ وعلى قِياسِهِنَّ الصِّبْيَانُ والمُسافِرُونَ. وكان ابنُ عمرَ لا يَغْتَسِلُ في السَّفَرِ، وكان طَلْحَةُ يَغْتَسِلُ. ورُوِىَ عن مُجْاهِدٍ، وطَاوُسٍ اسْتِدْلَالًا بعُمُومِ الأَحادِيثِ المذْكُورَةِ. ولَنا، قولُه ﵇: «مَنْ أتَى الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ» (٢). ولأنَّ المَقْصُودَ التنظِيفُ وقَطْعُ الرَّائِحَةِ؛ لِئلَّا يَتأذَّى غيرُه به، وذلك مُخْتَصٌّ بحُضُورِ الجُمُعَةِ، والأخْبارُ العامَّةُ تُحْمَلُ على هذا؛ ولذلك يُسَمَّى غُسْلَ الجُمُعَةِ، ومَن لا يَأْتِيها فليس غُسْلُه غُسْلَ الجُمُعَةِ. فإن أتَاها من لا تَجِبُ عليه اسْتُحِبَّ له الغُسْلُ؛ لعُمُومِ الخَبَرِ، ووُجُودِ المَعْنَى فيه. ٦٦٣ - مسألة: (ويَتَنَظَّف، ويَتَطَيَّبَ، ويَلْبَسَ أحْسَنَ ثِيابِهِ) التَّنظُّفُ والتَّطَيُّبُ والسِّوَاكُ مَنْدُوبٌ إليه؛ لقولِ النبىِّ ﷺ : «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِب عَلَى كُلِّ مُحْتلم، وَسِوَاكٌ، وَأنْ يَمَسَّ طِيبًا» (٣). ويُسْتَحَبُّ أن يَدَّهِنَ، ويَتَنَظَّفَ ما اسْتَطاعَ بأخْذِ الشَّعَرِ، وقَطْعِ الرَّائِحَةِ؛

стр. 2275

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لحديثِ سَلْمَانَ الذى ذَكَرْناه (١). ويُسْتَحَبُّ أن يَلْبَسَ ثَوْبَيْن نَظِيفَيْن؛ لِما روَى عبدُ اللَّهِ بنُ سَلَام، أنَّه سمِع النبىَّ ﷺ في يَوْمِ الجُمُعَةِ، يَقُولُ: «مَا عَلَى أحَدِكُمْ لَوِ اشْتَرَى ثَوْبَيْنِ لِيَومِ جُمُعَتِهِ سِوَى ثَوْبَى مِهْنَتِه». رَواه مسلمٌ (٢). وعن أبى أيُّوبَ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقُولُ: «مَنِ اغْتَسَلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَمَسَّ مِنْ طِيبٍ إنْ كَانَ لَهُ، وَلَبِسَ مِنْ أحْسَنِ ثِيَابِهِ، ثُمَّ خرَجَ وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ حَتَّى أتَى المَسْجِدَ، فَيَرْكَعُ إنْ بَدَا لَهُ، وَلَمْ يُؤْذِ أحَدًا، ثُمَّ أنْصَتَ إذَا خَرَجَ إمَامُهُ حَتَّى يُصَلِّى، كَانتْ كَفَّارَةَ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى». رَواه الإِمامُ أحمدُ (٣). وأفْضَلُها البَياضُ؛ لقولِه ﵊: «خَيْرُ ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضُ أَلْبِسُوهَا أحْيَاءَكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» (٤). والإِمَامُ في هذا ونَحْوِه آكَدُ؛ لأنَّه المَنْظُورُ

стр. 2276

وَيُبَكِّرَ إِلَيْهَا مَاشِيًا، وَيَدْنُوَ مِنَ الإِمَامِ، ــ إليه مِن بينِ النَّاسِ. ٦٦٤ - مسألة: (ويُيَكِّرَ إليها ماشِيًا، ويَدْنُوَ مِن الإِمامِ) للسَّعْى إلى الجُمُعَةِ وَقْتانِ؛ وَقْتُ وُجُوبٍ، ووَقْتُ فَضِيلَةٍ، وقد ذَكَرْنا وقتَ الوُجُوبِ. وأمَّا وقتُ الفَضِيلَةِ فمِن أوَّلِ النَّهارِ، فكُلَّما كان أبْكَرَ كان أوْلَى وأفْضَلَ. وهذا مَذْهَبُ الأَوْزاعِىِّ، والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْى، وابنِ المُنْذِرِ. وقال مالكٌ: لا يُسْتَحَبُّ التبكِيرُ قبلَ الزَّوالِ؛ لقولِ النبىِّ ﷺ : «مَنْ رَاحَ إلَى الْجُمُعَةِ» (١). والرَّوَاح بعدَ الزَّوالِ، والغُدُوُّ (٢) قبلَه، قال النبىُّ ﷺ : «غَدْوَةٌ فِى سَبِيلِ اللَّهِ، أوْ رَوْحَة خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيها» (٣). قال امْرُؤُ القَيْسِ (٤):

стр. 2277

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ * تَرُوحُ مِنَ الحَىِّ أمْ تَبْتَكِرْ * ولَنا، ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ اللَّهَ ﷺ قال: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ، ثمَّ رَاحَ فِى السَّاعَةِ الأُولَى، فَكَأنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِى الثَّانِيَةِ، فَكَأنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِى السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِى السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِى السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ، فَكَأنَّمَا قَرَّبَ بَيْضةً، فَإذَا خَرَجَ الإمَامُ حَضَرَتِ الْمَلَائِكَةُ يَسْمَعُونَ الذِّكْرَ». مُتَّفَقٌ عليه (١). وقال عَلْقَمَةُ: خَرَجْتُ مع عبدِ اللَّه، إلى الجُمُعَةِ، فوَجَدَ ثَلَاثةً قد سَبَقُوه، فقال: رابعُ أرْبَعَةٍ، وما رابعُ أرْبَعَةٍ ببَعِيدٍ، إنِّى سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ النَّاسَ يَجْلِسُون مِنَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَدْرِ رَوَاحِهِمْ إلَى الْجُمُعَةِ». رَواه ابنُ ماجه (٢). ورُوِىَ أن النبىَّ ﷺ قال: «مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ واغْتَسَلَ، وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا أجْرُ

стр. 2278

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ سَنَةٍ، صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا». أخْرَجَه التِّرْمِذىُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ. ورَواه ابنُ ماجه، والنَّسَائِىُّ (١) وفيه: «وَمَشَى وَلَمْ يَركَبْ، ودَنَا مِن الإِمَامِ، وَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ». قولُه: «بَكَّرَ» أى خرَج في بُكْرَةِ النَّهارِ، وهو أوَّلُه. وقولُه: «وابْتَكَرَ» أى بالَغَ في التبكِيرِ، أى جاء في أوَّل البُكْرَةِ، على ما قال امْرُؤُ القَيْسِ: * تَرُوحُ مِنَ الحَىِّ أمْ تَبْتَكِرْ * وقِيلَ: مَعْناه ابْتَكَرَ العِبادَةَ مع بُكُورِه. وقِيلَ: ابْتَكَرَ الخُطْبَةَ. أى حَضَر الخُطْبَةَ، مَأخُوذٌ مِن باكُورَةِ الثَّمرَةِ، وهى أوَّلُها. وغيرُ هذا أجْوَدُ، لأنَّ مَن جاء في بُكْرَةِ النَّهَارِ لَزِم أن يَحْضُرَ أوَّلَ الخُطْبَةِ. وقولُه: «غسَّلَ» أى جامَعَ ثم اغْتَسَلَ. يَدُلُّ على هذا قولُه في الحديثِ الآخَرِ: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ». قال الإِمامُ أحمدُ: قولُه: «غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ». مُشَدَّدَةً، يُرِيدُ يُغَسِّلُ أهْلَه. وغيرُ واحِدٍ مِن التَّابِعِينَ، عبدُ الرحمنِ بنُ

стр. 2279

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الأسْوَدِ، وهِلَالُ بنُ يَساف (١)، يَسْتَحِبُّونَ أن يُغَسِّل الرجلُ أهْلَه يَوْمَ الجُمُعَةِ، يُرِيدُونَ أن يَطَأَ؛ لأنَّ ذلك أمْكَنُ لنَفْسِه، وأغَضُّ لطَرْفِه في طَرِيقِه. وقال الخَطَّابِىُّ (٢): المُرادُ به غَسَّل رَأسَه واغْتَسَلَ في بَدَنِه. وحُكِى ذلك عن ابنِ المُباركِ. فعلى هذا يَكُونُ مَعْنَى قَوْلِه: «غُسْلَ الْجَنَابَةِ». أى كغُسْلَ الجَنابَةِ. فأمَّا قوْلُ مالكٍ، فمُخالِفٌ للآثارِ؛ لأنَّ الجُمُعَةَ مُسْتَحَبٌ فِعْلُها عندَ الزَّوالِ، وكان النبىُّ ﷺ يُبَكِّرُ بها، ومتى خَرَجَ الإِمامُ طُوِيَتِ الصُّحُفُ، فلم يُكْتَبْ مَن أتَى الجُمُعَةَ بعدَ ذلك، فأىُّ فَضِيلَةٍ لهذا؟ فإن أخَّرَ بعدَ ذلك شَيْئًا دَخَل في النَّهْى والذَّمِّ، كما قال النبىُّ ﷺ للذى جاء يَتَخَطَّى رِقابَ النَّاسِ: «أَرَأَيتَكَ؟ آنيْتَ وَآذَيْتَ» (٣). أى أخَّرْتَ المَجِئَ. وقال عمرُ لعثمانَ حينَ جاء والإِمامُ يَخْطُبُ: أيَّةُ ساعَةٍ

стр. 2280

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هذه؟ (١) على وَجْهِ الإِنْكارِ. فكيف يَكُونُ لهذا بَدَنَةٌ، أو بَقَرَةٌ، أو فَضْلٌ؟ فعلى هذا، مَعْنى قولِه: «رَاحَ إلى الْجُمُعَةِ». أى ذَهَب إليها. لا يَحْتَمِلُ غيرَ هذا. فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَمْشِىَ ولا يَرْكَبَ في طَرِيقِها؛ لقولِه ﵊: «وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ». لأنَّ الثَّوابَ على الخُطُواتِ، بدَلِيلٍ ما ذَكَرْناه مِن الحديثِ. ويَكُونُ عليه السَّكِينَةُ والوَقَارُ في مَشْيهِ، ولا يُسْرِعُ؛ لأنَّ الماشِىَ إلى الصَّلاةِ في صلاةٍ، ولا يُشَبِّكُ بينَ أصَابِعِه، ويُقارِبُ بينَ خُطاه؛ لتَكْثُرَ حسَناتُه. وقد رَوَيْنَا عن النبىِّ ﷺ ، أنَّه خَرَج مع زيدِ بنِ ثابِتٍ إلى الصَّلاةِ، فقارَبَ بينَ خُطَاهُ، ثم قال: «إنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ خُطَانَا فِى طَلَبِ الصَّلَاةِ». ورُوِىَ عن [عبدِ اللَّه] (٢) بنِ رَوَاحَةَ، أنَّه كان يَمْشِى إلى الجُمُعَةِ حافِيًا، ويُبَكِّرُ، ويَقْصُرُ في مَشْيِه. رَواهُما الأثْرَمُ (٣). ويُكْثِرُ ذِكْرَ اللَّهِ، ويَغُضُّ طَرْفَه، ويَقُولُ ما ذَكَرْنا في أدَبِ المَشْى إلى الصَّلاةِ. ويقولُ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْنِى مِنْ أوْجَهِ مَنْ تَوَجَّهَ
следующие страницы →