← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مُحَرَّمَةٌ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لَعَنَ فاعِلَها، وفاعِلُ المُبَاحِ لا تَجُوزُ لَعْنَتُه. والواصِلَةُ: هي التي تَصِلُ شَعَرَها، أو شَعَرَ غيرِها بغيرِه. والمُسْتَوْصِلَةُ: المَوْصولُ شَعَرُها بإذْنِها (١). فوَصْلُه بالشَّعَر مُحَرَّمٌ؛ لما ذكرْنا. فأمَا وَصْلُه بغيرِ الشَّعَرِ، فإن كان بقَدْرِ ما تَشُدُّ به رَأسَها، فلا بَأسَ؛ للحاجَةِ، وإن كان أكثرَ مِن ذلك، ففيه رِوايتان؛ إحْداهما، أنه مَكْرُوهٌ غيرُ مُحَرَّم؛ لما رُوِيَ عن مُعاويةَ، أنه أخْرَجَ كُبَّةً (٢) مِن شَعَرٍ، وقال: سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يَنْهَى عن مِثْلِ هذا، وقال: «إنَّمَا هَلَكَ بَنُو إسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَ هَذَا نِساوهُمْ» (٣). فخَصَّ التي تَصِلُه بالشَّعَرِ، فيُمْكِن جَعْلُ ذلك تَفْسِيرًا للَّفْظِ العامِّ في الحديثِ الذي ذَكَرْناه. ولأنَّ وَصْلَه بالشَّعَرِ فيه تَدْلِيسٌ، بخلافِ غيرِه. والثانية، أنَّه قال: لا تَصِلُ المرأةُ برَأسِها الشَّعَرَ ولا القَرَامِلَ (٤) ولا الصُّوفَ، وذلك لما روَى الإِمامُ أحمدُ في

стр. 247

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ «مُسْنَدِه» (١)، عن جابِرٍ، قال: نَهَى رسولُ الله ﷺ أن تَصِلَ المْرأَةُ برَأسِها شيئًا. قال شيخُنا: والظّاهِرُ أنَّ المُحَرَّمَ إنَّما هو وَصْلُ الشَّعَرِ بالشَّعَرِ؛ لما فيه مِن التَّدْلِيسِ واسْتِعْمالِ الشَّعَرِ المُخْتَلَفِ في نَجاسَتِه، وغيرُ ذلك لا يَحْرُمُ؛ لعَدَمِ ذلك فيه، وحُصُولِ المَصْلَحَةِ مِن تَحْسِين المرأةِ لزَوْجِها مِن غيرِ مَضَرَّةٍ (٢). وتُحْمَلُ أحاديثُ النَّهْي على الكَراهَةِ. واللهُ أعلمُ. فأمّا النّامِصَةُ: فهي التي تَنْتِفُ الشَّعَرَ مِن الوَجْهِ. والمُتَنَمِّصَةُ: المَنْتُوفُ شَعَرُها بأمْرِها. فلا يَجُوزُ؛ للخَبَرِ. وإن حُلِقَ الشَعَرُ فلا بأسَ؛ لأنَّ الخَبَرَ وَرَد في النتفِ. نَصَّ عليه أحمدُ. وأمّا الواشِرَةُ: فهي التي تَبْرُدُ الأسْنانَ، لتُحَدِّدَها وتُفَلِّجَها وتُحَسَنها. والمُسْتَوْشِرَةُ: المَفْعُولُ بها ذلك بإذْنِها. وفي خَبَرٍ. آخَرَ: «لَعَنَ الوَاشِمَةَ والمُسْتَوْشِمَةَ» (٣).

стр. 248

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والواشِمةُ: التي تَغْرِزُ جِلْدَها أو جِلْدَ غيرِها بإبْرَةٍ، ثم تَحْشُوه كُحْلًا. والمُسْتَوْشِمَةُ: التي يُفْعَلُ بها ذلك بإذْنِها. فصل: ويُسْتَحَبُّ التَّطيُّبُ (١)؛ لأنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان يُعْجِبُه الطِّيبُ، ويَتَطَيَّبُ كثيرًا. ويُسْتَحَبُّ النَّظَرُ في المِرْآةِ، قال حَنْبَلٌ: رأيتُ أبا عبدِ اللهِ، وكانت له صِينيَّةٌ فيها مِرْآةٌ ومُكْحُلَةٌ ومِشْطٌ، فإذا فَرَغ مِن قراءَةِ حِزْبِه، نَظَرَ في المِرْآةِ واكْتَحَلَ وامْتَشَطَ. ورَوَى أبو أيُّوبَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : في: «أرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ المُرْسَلِينَ؛ الحِنَّاءُ (٢)، والتَّعَطُّرُ، والسِّوَاكُ، والنِّكَاحُ». رواه الإمامُ أحمدُ (٣). فصل: ويُسْتَحَبُّ خِضَابُ الشَّيبِ بغيرِ السَّوادِ، قال أحمدُ: إنِّي لأرَى الشَّيخَ المَخْضُوبَ فأَفْرَحُ به. وذلك لما رُوى أنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ جاءَ بأبيه إلى رسولِ اللهِ ﷺ ورَأسُه ولِحْيَتُه كالثَّغَامَةِ (٤) بَياضًا، فقال رَسول اللهِ ﷺ : «غَيِّرُوهُمَا وجَنِّبُوهُ السَّوَادَ» (٥). ويُسْتَحَبُّ بالحِنَّاءِ

стр. 249

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والكَتَمِ (١)؛ لما رَوَى الخَلَّالُ، وابنُ ماجَه، بإسْنادِهِما، عن تَمِيمِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ مَوْهَب، قال: دَخَلْتُ على أُمِّ سَلَمَةَ، فَأَخْرَجَتْ إلينا شَعَرًا مِن شَعَرِ رسولِ الله ﷺ ، مَخْضُوبًا بالحِنَّاءِ والكَتَمِ (٢). وخَضَبَ أبو بكرٍ، ﵁، بالحِنَّاءِ والكَتَمِ. ولا بَأْسَ بالوَرْس والزَّعْفَرانِ؛ لأنَّ أبا مالِكٍ الأشْجَعِيَّ قال: كان خِضَابَنا مع رسولِ اللهِ ﷺ الوَرْسُ (٣) والزَّعْفَرانُ (٤). ويُكرهُ الخِضابُ بالسَّوادِ. قِيل لأبي عبدِ اللهِ: تَكْرَهُ الخِضابَ بالسَّوادِ؟ قال: إي واللهِ؛ لقَوْلِ النبيِّ ﷺ : «وجَنِّبُوهُ السَّوَادَ». في حديثِ أبي بكرٍ، ولما روَى ابنُ عبّاسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «يَكُونُ قَوْمٌ في آخِرِ الزَّمَانِ يَخْضِبُون بالسَّوادِ كَحَواصِلِ (٥) الحَمامِ، لا يَرِيحُونَ رَائِحَةَ الجَنَّةِ» (٦). ورَخَّصَ فيه إسحاقُ بنُ رَاهُويَه للمرأةِ، تَتَزَيَّنُ به لزَوْجِها. واللهُ أعلمُ.

стр. 250

وَيَجِبُ الْخِتَانُ مَا لمْ يَخَفْه عَلَى نَفْسِهِ. وَيُكْرَهُ الْقَزَعُ. ــ ٧١ - مسألة: (ويُكْرَهُ القَزَعُ، وهو حَلْقُ بعضِ الرَّأْسِ) لما رَوَى ابنُ عُمَرَ أنَّ النبيَّ ﷺ نَهَى عن القَزَعِ، وقال: «احْلِقْهُ كُلَّهُ، أو دَعْهُ كُلَّهُ». رواه أبو داوُدَ (١). وفي شُرُوطِ عُمَرَ، ﵁، على أهلِ الذِّمَّةِ، أن يَحْلِقُوا مَقادِمَ رُءُوسِهم؛ ليَتَمَيَّزُوا عن المسلِمين. فمَنْ فَعَلَ ذلك فقد تَشَبَّه بهم، وقد نُهِيَ عن التَّشَبُّهِ بهم. ٧٢ - مسألة؛ قال: (ويَجِبُ الخِتانُ، ما لم يَخَفْه على نَفْسِه) وجملةُ ذلك أنَّ الخِتانَ واجِبٌ على الرِّجالِ، ومَكْرُمَةٌ للنِّساءِ، وليس بواجبٍ عَلَيهِنَّ. وهذا قولُ كثيرٍ مِن أهلِ العلم. قال أحمدُ: والرجلُ أشَدُّ؛ وذلك أنَّه إذا لم يَخْتَتِنْ، فتلك الجِلْدَةُ مُدَلَّاةَ على الكَمَرَةِ، فلا يُنَقَّى ما ثَمَّ، والمرأةُ أهْوَن. وفيه رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّه يَجِبُ على المرأَةِ كالرجلِ. قال أبو عبدِ اللهِ: وكان ابنُ عباسٍ يُشَدِّدُ في أمْرِه، ورُوِيَ عنه، لا حَجَّ له، ولا صلاةَ. يَعني: إذا لم يَخْتَتِنْ. ورَخَّص الحسنُ في تَرْكِه، وقال:

стр. 251

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قد أسْلَمَ الناسُ؛ الأسْوَدُ، والأَبْيَضُ، ولم يُفَتَّشْ أحدٌ مِنهم، ولم يَختَتِنُوا. والدَّليلُ على وُجُوبِه ما رُوِيَ أنَّ النبيَّ ﷺ قال لرجلٍ أسْلَمَ: «ألْقِ عَنْكَ شَعَرَ الكُفْرِ واخْتَتِنْ». رواه أبو داوُدَ (١). وفي الحديثِ: «اخْتَتَنَ إبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمنِ بَعْدَمَا أَتَتْ عليه ثَمانُونَ سَنَةً». مُتَّفَقٌ عليه (٢)، واللَّفْظُ للبخاريِّ. وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَينَا إِلَيكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ (٣). ولأنَّه مِن شِعارِ (٤) المسلِمِين، فكانَ واجبًا، كسائِرِ شَعائِرِهم. ولأنَّه يَجُوزُ كَشْفُ العَوْرَةِ والنَّظَرُ إليها (٥) لأَجْلهِ [لغيرِ التَّداوي] (٦)، ولو لم يَكُنْ واجبًا، لما جازَ النَّظَرُ إلى العَوْرَةِ مِن أجْلِه، وهذا يَنْتَقِضُ بالمرأَةِ إذا قُلنا: لا يَجب عليها. فإنَّه ليس واجبًا عليها، ويجوزُ كَشْفُ عَوْرَتِها مِن أجْلِه. فَأمّا إن خافَ على نَفْسِه مِنه، سَقَط؛ لأنَّ الغُسْلَ والوُضوءَ، وما هو آكَدُ مِنه يَسْقُطُ بذلك. فهذا أوْلَى.

стр. 252

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ويُشْرَعُ الخِتانُ في حَقِّ النِّساءِ، لأنّ قولَ النبيِّ ﷺ : «إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَجَبَ الغُسْلُ» (١). فيه بَيانُ أنَّ النِّساءَ كُنَّ يَخْتَتِنَّ. ورَوَى الخَلّالُ بإسْنادِه، عن شَدّادِ بنِ أوْسٍ، قال: قال النبيُّ ﷺ : «الخِتَانُ سُنَّةٌ للرِّجَالِ، وَمَكْرُمَةٌ لِلنِّسَاءِ» (٢).

стр. 253

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: اخْتَلَف العلماءُ في وقتِ الخِتانِ، فقال مالكٌ: يُخْتَنُ يومَ أُسْبُوعِه. وهو قولُ الحسنِ. وقال أحمدُ: لم أسْمَعْ في ذلك شيئًا. وقال

стр. 254

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اللَّيثُ: الخِتانُ للغُلامِ ما بينَ سَبْع سِنِينَ إلى العَشْرَةِ. ورَوَى مَكْحُولٌ، وغيرُه، أنَّ إبراهيمَ، ﵇، خَتَنَ إسحاقَ لسَبْعَةِ أيامٍ، وإسماعيلَ لثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً. ورُوى عن أبي جعفرٍ أنَّ فاطمةَ، ﵍، كانتْ

стр. 255

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَخْتِنُ وَلَدَها يومَ السَّابعِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: ليس في بابِ الخِتانِ خَبَرٌ حتَّى يُرْجَعَ إليه، ولا سُنَّةٌ تُتبَّعَ، والأشياءُ على الإِباحَةِ. قلتُ: ولا يَثْبُتُ في

стр. 256

وَيَتَيَامَنُ في سِوَاكِهِ وَطُهُورِهِ وَانْتِعَالِهِ وَدُخُولِهِ الْمَسْجِدَ. ــ ذلك تَوْقِيتٌ، فمتى خَتَنَ قبلَ البُلوغِ كان مُصِيبًا. واللهُ أعلمُ. [وإنْ أخَّرَه حتَّى يُدْرِكَ، جازَ؛ لقول ابن عبَّاس: وكانوا لا يَخْتِنُونَ الرَّجُلَ حتَّى يُدْرِكَ. رواه البُخاريُّ] (١). ٧٣ - مسألة: (ويَتَيامَنُ في سِواكِه وطُهُورِه وانْتِعالِه، ودُخُولِه المسجِدَ) لما رَوَت عائشةُ، أنَّ النبي ﷺ كَان يُحبُّ التَّيَمُّنَ في تَنَعُّلِه،

стр. 257

وَسُنَنُ الْوُضُوءِ عَشْرٌ؛ السِّوَاكُ، وَالتَّسْميَةُ، ــ وتَرَجُّلِه، وطُهُورِه، وفي شَأنِه كُلِّه. مُتَّفَقٌ عليه (١). وعن أبي هُرَيرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «إذَا انْتَعَلَ أحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِاليُمْنَى، وإذَ خَلَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالْيُسْرَى». رواه الطَّبَرانِيُّ في «المُعْجَمِ الصَّغِيرِ» (٢)، [وروَاه البخاريُّ بمعناه] (٣). ولأنَّ عُثمانَ وعَلِيًّا وَصَفا وُضوءَ النبيِّ ﷺ ، فَبَدَأَ باليُمْنَى قبلَ اليُسْرَى. رواه أبو داوُدَ (٤). ٧٤ - مسألة: (وسُنَنُ الوُضُوء عَشْرٌ؛ السِّواكُ) لما روَى أبو هُرَيرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «لَوْلَا أنْ أشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ

стр. 258

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مَعَ كُلِّ وُضُوءِ بِسِوَاكٍ». رواه الإمامُ أحمدُ (١). (والتَّسْمِيَةُ، وعنه أنَّها واجِبَةٌ مع الذِّكْرِ) وجملتُه أنَّ التَّسْمِيَةَ فيها رِوايتان؛ إِحْداهما، أنَّها واجِبةٌ في طَهاراتِ الحَدَثِ كُلِّها؛ الغُسْلِ، والوُضُوءِ، والتَّيَمِّمِ. وهذا اخْتِيارُ أبي بكرٍ، ومذهبُ الحسنِ، وإسحاقَ؛ لما رُوِيَ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ عَلَيهِ». رواه أبو داودَ، والتِّرمِذِيُّ (٢). ورَواه عن النبيِّ جماعةٌ مِن أصحابِه؛ مِنهم أبو سعيدٍ. قال أحمدُ: حديثُ أبي سعيدٍ أحسنُ حديثٍ في الباب. وهذا نَفْيٌ في نَكِرَةٍ، يَقْتَضِي أن لا يَصِحَّ وُضُوءُه بدُونِ التَّسْمِيَةِ. وَالثانيةُ، أنَّها سُنَّة. وهذا ظاهِرُ المذهبِ. قال الخَلَّالُ: الَّذي اسْتَقَرَّتِ الرِّواياتُ عليه، أنَّه لا بَأْسَ به. يَعني: إذا تَرَكَ التَّسْمِيَةَ. وهذا قولُ الثَّوْرِيِّ،

стр. 259

وَعَنْهُ، أَنَّهَا وَاجِبَةٌ مَعَ الذِّكْرِ. ــ ومالكٍ، والشافعيِّ، وابنِ المُنْذِرِ، وأصحابِ الرَّأي. واخْتِيارُ الخِرَقِيِّ، لأنَّها طَهارَةٌ فلا تَفْتَقِرُ إلى التَّسْمِيَةِ، كالطَّهارَةِ مِن النَّجاسَةِ، أو عِبادَةٌ، فلا تَجِبُ فيها التَّسْمِيَةُ كسائِرِ العِباداتِ. والأحاديثُ، قال أحمدُ: ليس يَثْبُتُ في هذا حديثٌ، ولا أعْلَمُ فيها حديثًا له إسْنادٌ جَيِّدٌ. وإن صحَّ ذلك فيُحْمَلُ على تَأكِيدِ الاسْتِحْبابِ، ونَفْي الكَمالِ بدُونِها، كقَوْلِه: «لا صَلاةَ لِجَارِ المَسْجِدِ إلَّا في المَسْجِدِ» (١). فصل: فإذا قُلْنا بوُجُوبِها فتَرَكَها عَمْدًا، لم تَصِحَّ طَهارَتُه، قياسًا على سائِرِ الواجِبِاتِ. وإن نَسِيَها، فقال بعضُ أصحابِنا: لا تَسْقُطُ، قياسًا لها

стр. 260

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على سائِرِ الواجِباتِ. والصَّحيحُ أَنَّها تَسْقُطُ بالسَّهْو. نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايةِ أبي داودَ، فإنَّه قال: سألتُ أحمدَ: إذا نَسِيَ التَّسْمِيةَ في الوُضُوءِ؟ قال: أرْجُو أن لا يَكُونَ عليه شيءٌ. وهذا قولُ إسحاقَ. ووَجْهُ ذلك قولُه ﷺ : «عُفِيَ لأمَّتِي عَنِ الخَطَأ والنِّسْيَانِ» (١). ولأنّ الوُضُوءَ عِبادَةٌ تَتَغايُر أفْعَالُها، فكانَ في واجِباتِها ما يَسْقُطُ بالسَّهْو كالصلاةِ، ولا يَصِحُّ قِياسُها على سائِرِ واجِباتِ الطَّهارَةِ، لتَأَكُّدِ وُجُوبِها، بخلافِ التَّسْمِيَةِ. فعلى هذا إذا ذَكَرَها في أثْناءِ طَهارَتِه، سَمَّى حيثُ ذَكَرَ، لأنَّه إذا عُفِىَ عنها مع السَّهْو في جُمْلَةِ الوُضُوءِ، ففي البَعْضِ أَوْلَى. وإن تَرَكَها عَمْدًا حتَّى غَسَل عُضْوًا لم يُعْتَدَّ بغَسْلِه، لأنَّه لم يَذْكُرِ اسمَ اللهِ عليه. وقال الشيخُ أَبو الفَرَجِ: إذا سَمَّى في أثناءِ الوُضُوءِ أجْزَأَه. يَعني على كُلِّ حالٍ، لأنّه قد ذَكَرَ اسمَ اللهِ على وُضُوئِه. والتَّسْمِيَةُ قولُ «بِسْمِ اللهِ»، لا يَقُومُ غيرُها مَقامَها، كالتَّسْمِيَةِ المَشْرُوعَةِ على الذَّبِيحَةِ، وعندَ الأَكْلِ والشُّرْب، ومَوْضِعُها بعدَ النِّيَّةِ، لتَكُونَ شامِلَةً لجميعِ أفعالِ الوُضُوءِ، ولتكونَ. النِّيَّةُ شامِلَةً لها، كما يُسَمِّي على الذَّبِيحَةِ قبلَ ذَبْحِها.

стр. 261

وَغَسْلُ الْكَفَّينِ، إلا أَنْ يَكُونَ قَائِمًا مِنْ نَوْمِ اللَّيلِ، فَفِي وُجُوبِهِ رِوَايَتَانِ. ــ ٧٥ - مسألة، قال: (وغَسْلُ الكَفَّين، إلا أن يَكُونَ قائِمًا مِن نومِ اللَّيلِ، ففي وجوبِه رِوايَتان) وجملةُ ذلك أنَّ غَسْلَ اليَدَين إلى الكُوعَين سُنَّةٌ

стр. 262

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في الوُضُوءِ، سَواءٌ قامَ مِن [نَوْمِ اللَّيلِ] (١) أو لم يَقُمْ، لأنَّ عُثمانَ وعَلِيًّا، وعبدَ اللهِ بنَ زيدٍ وَصَفُوا وُضُوءَ رسولِ اللهِ ﷺ ، وذَكَرُوا أنَّه غَسَلَ كَفَّيه ثَلاثًا. ولأنَّهما آلةُ نَقْلِ الماءِ إِلى الأعْضاءِ، ففي غَسْلِهما احْتِياطٌ لجَمِيعِ الوُضُوءِ. وليس بواجِبٍ إذا لم يَقُمْ مِن النَّوْمِ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه، فأمّا عندَ القِيامِ مِن نَوْمِ اللَّيلِ فاخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ في وُجُوبِه، فرُويَ عنه وُجُوبُه، وهو الظَّاهِرُ عنهْ، واخْتِيارُ أبي بكرٍ. وهو مذهبُ ابنِ عُمَرَ، وأبي هُرَيرَةَ والحسنِ، لقَول النبيِّ ﷺ : «إِذَا اسْتَيقَظَ أحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلْيَغْسِلْ يَدَيهِ قَبْلَ أنْ يُدْخِلَهُمَا الإِنَاءَ ثَلاثًا، فَإنَّ أحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أينَ بَاتَتْ يَدُهُ». مُتَّفَقٌ عليه (٢) والأمْرُ يَقْتَضِي

стр. 263

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الوُجُوبَ. ورُوِيَ عنه أنَّ ذلك مُسْتَحَبٌّ، وهو اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ، وقولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وأصحابِ الرَّأْي، وابنِ المُنْذِرِ، لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية (١). وقال زيدُ بن أسْلَمَ في تَفْسِيرِها: إذا قُمْتُمْ مِن نَوْمٍ (٢). أمَرَ بغَسْلِ الوَجْهِ عَقِيبَ القِيامِ إلى الوُضُوءِ، ولم يَذْكُرْ غَسْلَ الكَفَّين، والأمْرُ بالشيءِ يَقْتَضِي حُصُولَ الإِجْزَاءِ به. ولأنّه قائِمٌ مِن نومٍ، أشْبَهَ القِيامَ (٣) مِن نومِ النَّهارِ، والحديثُ مَحْمُولٌ على الاسْتِحْبابِ، لأنَّه عَلَّلَ بِوَهْمِ النَّجاسَةِ، وطَرَيانُ الشَّكِّ على يقينِ الطهارةِ لا يُؤَثِّرُ فيها، كما لو تَيَقَّنَ الطهارَةَ وشَكَّ في الحَدَثِ. وهذا هو الصحيحُ إن شاءَ اللهُ تعالى. واللهُ أعلمُ.

стр. 264

وَالْبِدَايَةُ بِالْمَضْمَضَةِ وَالاسْتِنْشَاقِ، وَالْمُبَالغَةُ فِيهِمَا، إلا أَنْ يَكُونَ صَائِمًا. ــ ٧٦ - مسألة؛ قال: (والبِدايةُ بالمَضْمَضَةِ والاسْتِنْشاقِ، والمُبالغَةُ فيهما، إلَّا أن يَكُونَ صائِمًا) البدايةُ بالمَضْمَضَةِ والاسْتِنْشاقِ قبلَ غَسْلِ الوجْهِ مُسْتَحَبٌّ؛ لأنَّ عُثمانَ وعَلِيًّا وعبدَ اللهِ بنَ زيدٍ ذَكَرُوا ذلك في صِفَةِ وُضُوءِ النبيِّ ﷺ ، والمُبالغَةُ فِيهما سُنَّةٌ، والمُبالغَةُ في المَضْمَضَةِ: إدارَةُ الماءِ في أعماقِ الفَمِ وأقاصِيه، ولا يَجْعَلُه وَجُورًا (١) ثم يَمُجُّه، وإن ابْتَلَعَه جازَ؛ لأنّ الغَسْلَ قد حَصَل. ومعنى المُبالغَةِ في الاسْتِنْشاقِ: اجْتِذابُ الماءِ بالنَّفَسِ إلى أقْصَى الأنْفِ، ولا يَجْعَلُه سَعُوطًا (٢)، وذلك لما روَى لَقِيطُ بنُ صَبِرَةَ، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ،

стр. 265

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أخْبِرْنِي عن الوُضُوءِ. قال: «أسْبغِ الوُضُوءَ، وخَلِّلْ بَينَ الأصَابِعِ، وَبَالِغْ في الاسْتِنْشَاقِ إلَّا أنْ تكُونَ صَائِمًا». رواه أبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ (١)، وقال: حديثٌ حسن صحيحٌ. ثَبَتَ بذلك اسْتِحْبابُ المُبالغةِ في الاسْتِنْشاقِ، وقِسْنا عليه المَضْمَضَةَ، ولأنّه مِن جُمْلَةِ إسْباغِ الوُضُوءِ المأْمُورِ به. وقال أبو حَفْصٍ العُكْبَرِيُّ: هي واجِبَةٌ في الاسْتِنْشاقِ على غيرِ الصّائِمِ؛ للحديثِ المَذْكُورِ. فأمّا الصّائِمُ فلا يُسْتَحَبُّ له المُبالغَةُ فيهما، لا نَعْلَمُ فيه خلافًا؛ لما ذكرْناه مِن الحديثِ.

стр. 266

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ويُسْتَحَبُّ المُبالغةُ في غَسْلِ سائِرِ الأعْضاءِ بالتَّخْلِيلِ، ودَلْكِ المَواضِعِ التي يَنْبُو عنها الماءُ، ويُسْتَحَبُّ مُجاوَزَةُ مَوْضِعِ الوُجُوبِ بالغَسْلِ، لما رَوَى نُعَيمٌ المُجْمِرُ، أنَّه رَأَى أبا هُرَيرَةَ يَتَوَضَّأُ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ويَدَيه حتَّى كادَ يَبْلُغُ المَنْكِبَين، ثم غَسَلَ رِجْلَيه حتَّى رَفَعَ إلى السَّاقَين، ثم قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: «إنَّ أُمَّتِي يَأْتُون يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الوُضُوءِ، فَمَن اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ». مُتَّفَقٌ عليه (١). ولمُسْلِمٍ (٢) عنه، سمعتُ خَلِيلي ﷺ ، يقول: «تَبْلُغُ الحِلْيَةُ مِنَ المُؤْمِنِ حَيثُ يَبْلُغُ الوُضُوءُ».

стр. 267

وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ الْكَثَّةِ ــ ٧٧ - مسألة؛ قال: (وتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ، وهو سُنَّةٌ) ومِمَّن رُوِيَ عنه أنَّه كان يُخلِّلُ لِحْيَتَه ابنُ عُمَرَ، وابنُ عباس. ووَجْهُه ما رَوَى عثمانُ عن

стр. 268

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ النبيِّ ﷺ أنَّه كان يُخَلِّلُ لِحْيَتَه. رواه ابنُ ماجَه، والتِّرْمِذِيُّ (١)، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وعن أنَسِ بنِ مالكٍ، أنّ النبيَّ كان إذَا تَوَضَّأَ، أَخَذَ كَفًّا مِن ماءٍ، فَجَعَلَهُ تَحْتَ حَنَكِهِ وَخَلَّلَ بِه لِحْيَتَه، وقال: «هَكَذَا أَمَرَنِي رَبِّي». رواه أبو داوُدَ (٢). وصِفَةُ التَّخْلِيلِ أنْ يُشَبِّكَ لِحْيَتَه بأصابِعِه ويَعْرُكَها، ولِمَا (٣) رَوَى ابنُ عمرَ، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا تَوَضَّأَ عَرَكَ عارِضَيهِ بَعْضَ العَرْكِ، ثم شَبَكَ لِحْيَتَه بأصابِعِهِ مِن تَحْتِها. رواه الدَّارَقُطْنِيُّ (٤)، وقال: الصَّوابُ أنَّه مَوْقُوفٌ على ابنِ عمرَ. قال يعقوبُ: سأَلْتُ أحمدَ عن التَّخْلِيلِ، فأَرَانِي مِنْ تحت لِحْيَتِه، فخَلَّلَ بالأصابِعِ. وقال حَنْبَلٌ: مِنْ تحتِ ذَقَنِه مِنْ أَسْفَلٍ الذَّقَنِ، يُخَلَّلُ جانِبَيْ لِحْيَتِه جميعًا بالماءِ. ويُسْتَحَبُّ أن يَتَعَهَّدَ بَقِيَّةَ شُعُورِ وَجْهِه، ويَمْسَحَ مَآقِيَهُ؛ لِمَا روَى أبو داوُدَ (٥)، قال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يَمْسَحُ المَأْقَينِ.

стр. 269

وَتَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ، ــ ٧٨ - مسألة: (وتَخْلِيلُ الأصابِعِ) تَخْلِيلُ أصابِعِ اليَدَين والرِّجْلَين في الوُضُوءِ مَسْنُونٌ؛ لقَوْلِ النبيِّ ﷺ للَقِيطِ بنِ صَبِرَةَ: «وَخَلِّلْ بَينَ الأصابِعِ» (١). وهو في الرِّجْلَين آكَدُ. قال المُسْتَوْرِدُ بنُ شَدّادٍ: رأيتُ النبيَّ ﷺ إذَا تَوَضَّأ دَلَكَ أصابِعَ رِجْلَيهِ بخِنْصَرِه. رواه أبو داوُد (٢). ويَبْدأْ في تَخْلِيلِ اليُمْنَى مِن خِنْصَرِها إلى إبْهامِها، وفي اليُسْرَى مِن إبْهامِها إلى خِنْصَرِها؛ ليَحْصُلَ له التَّيامُنُ في التَّخْلِيلِ. وذَكَر ابنُ عَقِيلٍ، في اسْتِحْبابِ تَخْلِيلِ أصابِعِ اليَدَين رِوايَتَين؛ إحداهما، يُسْتَحَبُّ؛ لما ذكرْناه، ولأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إِذَا تَوَضَّأتَ فَخَلِّلْ أصَابِعَ يَدَيكَ وَرِجْلَيكَ». رواه التِّرْمِذِيُّ (٣)، وقال: حديثٌ حسنٌ. والثانية، لا يُسْتَحَبُّ؛ لأنَّ تَفْرِيقَها يُغْنِي عن التَّخْلِيلِ، والأولَى أوْلَى.

стр. 270

وَالتَّيَامُنُ، ــ ٧٩ - مسألة؛ قال: (والتَّيامُنُ) لا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ، فيما عَلِمْنا، في اسْتِحْبابِ البِدايَةِ باليُمْنَى، وأجْمَعُوا على أنّه لا إعادَةَ على مَن بَدَأَ بيَسارِه قبلَ يَمِينِه. ووَجْهُ اسْتِحْبابِه حديثُ عائشةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ كان يُعْجِبُه التَّيامُنُ في تَنَعُّلِه، وتَرَجُّلِه وطُهُورِه، وفي شَأنِه كُلِّه. مُتَّفَقٌ عليه (١) وعن أبي هُرَيرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «إذَا تَوَضّأْتُمْ فابْدَءُوا بِمَيَامِنِكُمْ». رواه ابنُ ماجَه (٢).

стр. 271

وَأَخْذُ مَاءٍ جَدِيدٍ لِلأُذُنَينِ، ــ ٨٠ - مسألة؛ قال: (وأخْذُ ماءٍ جَدِيدٍ لِلأُذُنَينِ) يَعنى أنَّه مُسْتَحَبٌّ، قال أحْمدُ: أنا أسْتَحِبُّ أن يَأْخُذَ لأُذُنِه ماءً جَدِيدًا. يروَى ذلك عن ابنِ عمرَ. وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ. وقال ابنُ المُنْذِرِ: ليس بمَسْنُونٍ. وحَكاه أبو الخَطّابِ رِوايةً عن أحمدَ؛ لأنَّ الَّذي قالُوه غيرُ مَوْجُودٍ في الأخْبارِ، وقد قال النبيُّ ﷺ : «الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ». رواه ابنُ ماجَة (١). ورَوَتِ الرُّبَيِّعُ بنتُ مُعَوِّذٍ، والمِقْدامُ بنُ مَعْدِ يكَرِبَ، أنَّ النبيَّ ﷺ مَسَحَ برَأْسِه وأُذُنَيه مَرَّةً واحِدَةً. رواه أبو داودَ (٢). ووَجْهُ الأوَّلِ ما رُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ. وقد ذهَب الزُّهْرِيُّ إلى أنَّهما مِن الوَجْهِ.

стр. 272

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقال الشَّعْبِيُّ (١): ما أقْبَلَ مِنهما مِن الوَجْهِ، وظاهِرُهُما مِن الرَّأْسِ. وقال الشافعيُّ وأبو ثَوْر: لَيسَتَا مِن الرَّأْسِ، ولا مِن الوَجْهِ. ففي إفْرادِهِما بماءٍ جَدِيدٍ خُرُوجٌ مِن الخِلافِ، فكانَ أوْلَى. فإنْ مَسَحَهُما بماءِ الرَّأْسِ أجْزأه؛ لما ذكرْناه مِن الحديثِ.

стр. 273

وَالْغَسْلَةُ الثَّانِيَةُ، وَالثَّالِثَةُ. ــ ٨١ - مسألة؛ قال: (والغسْلَةُ الثّانيةُ والثّالثةُ) وذلك لما روَى عليٌّ، ﵁، أنَّ النبيَّ ﷺ تَوَضَّأ ثَلاثًا ثَلاثًا. رواه الإمامُ أحمدُ، والتِّرمِذِيُّ (١)، وقال: هذا أحسنُ شيءٍ في البابِ وأصحُّ. وليس ذلك

стр. 274

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بواجب؛ لما روَى ابنُ عباسٍ، قال: تَوَضَّأ النبيُّ ﷺ مَرَّةً مَرَّةً. رواه البُخارِيُّ (١). وعن أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ دعا بماءٍ، فتَوَضَّأَ مَرَّةً مَرّةً، فقال: «هَذا وَظِيفَةُ الوُضُوءِ». أو قال: «وُضُوءٌ، مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأهُ لَمْ يَقْبَلِ اللهُ لَهُ صَلاةً». ثم تَوَضَّأ مَرّتَينِ مَرَّتَينِ، ثم قال: «هَذَا وُضُوءٌ، مَنْ تَوَضَّأَهُ أعْطَاهُ اللهُ كِفْلَينِ مِنَ الأجْرِ». ثم تَوَضّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، فقال: «هذا وُضُوئِي، وَوُضُوءُ المُرْسَلِينَ مِنْ قَبْلِي». رواه ابنُ ماجَه (٢).

стр. 275

بَابُ فَرْضِ الْوُضُوءِ، وَصِفَتِهِ وَفُروضُهُ سِتَّةٌ؛ غَسْلُ الْوَجْهِ، وَالْفَمُ وَالْأَنْفُ مِنْهُ، وَغَسْلُ الْيَدَينِ. وَمَسْحُ الرَّأْسِ، وَغَسْل الرِّجْلَينِ، ــ بابُ فَرْضِ الوُضُوءِ وصِفَتِه (وفُرُوضُه سِتَّةٌ؛ غَسْلُ الوَجْهِ)، وهو فَرْضٌ بالإِجْماعِ، والأَصلُ فيه قولُه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية (١). ٨٢ - مسألة؛ قال: (والفَمُ والأَنْفُ مِنه) لدُخُولِهِما في حَدِّه على ما يَأْتِي. ٨٣ - مسألة؛ قال: (وغَسْلُ اليَدَينِ) -وهو الفرضُ الثاني؛ لقولِه تعالى: ﴿وَأَيدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (١). ٨٤ - مسألة؛ قال: (ومَسْحُ الرَّأْسِ) وهو الفرضُ الثالثُ. (وغَسْلُ الرِّجْلَينِ) وهو الفرضُ الرابعُ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ﴾ (١). لا نَعْلَمُ خِلافًا بينَ العلماء في وُجُوبِ غَسْلِ الوَجْهِ واليَدَين؛ لما ذكرْنا مِن النَّصِّ، وكذلك مَسْحُ الرَّأْسِ واجِبٌ بالإِجماعِ في الجُمْلَةِ، مع اخْتِلافِ الناس في قَدْرِ الواجِبِ مِنه. فأمّا غَسْل الرِّجْلَينِ، فهو فَرْضٌ في قولِ أكْثَرِ أهلِ العلمِ. قال

стр. 276

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عبدُ الرَّحمنِ بنُ أبي لَيلَى (١): أجْمَعَ (٢) أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ على غَسْلِ القَدَمَينِ. ورُوِيَ عن عليٍّ، أنَّه مَسَحَ على نَعْلَيه وقَدَمَيه، ثم دَخَلَ المَسْجِدَ، ثم خَلَعَ نَعْلَيه، ثم صَلَّى. وحُكِيَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّه قال: ما أجِدُ في كتابِ الله إلَّا غَسْلَتَينِ ومَسبْحَتَين. وحُكِيَ عن الشَّعْبِيِّ، أنَّه قال: الوُضُوءُ مَمْسُوحان ومَغْسُولان؛ فالْمَمْسُوحان يَسْقُطان في التَّيَمُّمِ. وعن أنَسِ بنِ مالكٍ، أنَّه ذُكِرَ له قولُ الحَجّاجِ: اغْسِلُوا القَدَمَين ظاهِرَهُما وباطِنَهُما، وخَلِّلُوا ما (٣) بينَ الأصابعِ، فإنَّه ليس شيءٌ مِن ابنِ آدَمَ أقربَ إلى الخَبَثِ مِن قَدَمَيه. فقال أنَسٌ: صَدَقَ اللهُ وكَذَبَ الحَجّاجُ. وتَلا هذه الآيةَ: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ﴾ وحُكِيَ عن ابنِ جَرِيرٍ (٤)، أنَّه قال: هو مُخَيَّرٌ بينَ المَسْحِ والغَسْلِ (٥). ولم نَعْلَمْ أحدًا مِن

стр. 277

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أهلِ العلمِ قال بجَوازِ مَسْحِ الرِّجْلَين غيرَ مَنْ ذَكَرْنا، واحْتَجُّوا بظاهِرِ الآيَةِ، وبما روَى ابنُ عباسٍ، قال: تَوَضَّأَ النبيُّ ﷺ فأدْخَلَ يَدَه في الإِناءِ، فتَمَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ مَرَّةً واحدةً، ثم أدْخَلَ يَدَه، فصَبَّ على وَجْهِه مَرَّةً واحِدَةً، وصَبَّ على يَدَيه مَرَّةً مَرَّةً، ومَسَحَ برَأْسِه وأُذُنَيه مَرَّةً، ثم أَخَذَ كَفًّا مِن ماءٍ، فرَشَّ على قَدَمَيه وهو مُنْتَعِلٌ (١). رواه سعيدٌ. ورَوَى سعيدٌ، عن هُشَيمٍ، أنبأنا يَعْلَى بنُ عَطاءٍ، عن أبيه، قال: أخْبَرَني أَوْسُ بنُ أوسٍ الثَّقَفِيُّ، أنَّه رأَى النبيَّ ﷺ أتَى كِظامَةَ قومٍ (٢) بالطَّائِفِ، فتَوَضَّأَ ومَسَحَ على قَدَمَيه (٣). قال هُشَيم: كان هذا في أوَّلِ الإِسْلامِ. ولَنا، أنَّ عبدَ اللهِ بنَ زيدٍ وعثمانَ وَصَفا وُضُوءَ النبيِّ ﷺ ، وقالا: فغَسَلَ قَدَمَيه. وفي حديثِ عثمانَ: ثم غَسَلَ كِلْتَا رِجْلَيه ثَلاثًا. مُتَّفَقٌ عَلَيهما (٤). وحَكَى عليٌّ وُضُوءَ رسولِ اللهِ ﷺ ، فقال: ثم غَسَلَ

стр. 278

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رِجْلَيه إلى الكَعْبَين، ثَلاثًا ثَلاثًا (١). وعن عمرَ، ﵁، أنَّ رَجُلًا تَوَضَّأَ، فتَرَكَ مَوْضِعَ ظُفْرٍ مِن قَدَمِه، فأَبْصَرَه النبيُّ ﷺ ، فقال: «ارْجِعْ فَأَحْسِنْ وُضُوءَكَ». فرَجَعَ ثم صَلَّى. رواه مسلم (٢). وعن عبد اللهِ بن عَمْرٍو، أنَّ النبيَّ ﷺ رَأَى قومًا يَتَوَضَّئُونَ وأعْقَابُهُمْ تَلُوحُ (٣)، فقال: «وَيلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ». رواه مسلم (٤). وقد

стр. 279

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذَكَرْنا أمْرَ النبيِّ ﷺ بالتَّخْلِيلِ، وأنَّه كان يَعْرُكُ أصابِعَه بِخِنْصَرِه بَعْضَ العَرْكِ، وهذا كلُّه يَدُلُّ على وُجُوبِ الغَسْلِ؛ لأنَّ المَمْسُوحَ لا يَحْتاجُ إلى الاسْتِيعابِ والعَرْكِ. وأمّا الآيةُ، فقد رَوَى عِكْرِمَةُ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّه كان يَقْرأُ. ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ (١). قال: عادَ إلى الغَسْلِ (٢). ورُوِيَ عن عليٍّ وابنِ مسعودٍ والشَّعْبِيِّ قِراءَتُها كذلك. وهي قِراءةُ ابنِ عامِرٍ، فتَكُونُ مَعْطُوفةً على اليَدَينِ، ومَن قَرَأَ بالجَرِّ فللمُجاوَرَةِ، كقولِه تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ (٣). جَرَّ أَلِيمًا، وهو صِفَةٌ للعَذابِ على المُجاوَرَةِ. وقولِ الشّاعرِ (٤): فَظَلَّ طُهَاةُ اللَّحْمِ مِنْ بَينِ مُنْضِجٍ ... صَفِيفَ شِوَاءٍ أو قَدِيرٍ مُعَجَّلِ فجَرَّ قَدِيرًا مع العَطْفِ للمُجاوَرَةِ. وإذا احْتَمَلَ الأمْرَين وجَبَ الرُّجُوعُ إلى فِعْلِ رسولِ اللهِ ﷺ ، لأنّه مُبَيِّنٌ، يُبَيِّنُ بفِعْلِه تارَةً، وبقَوْلِه أُخْرَى. ويَدُلُّ على صِحَّةِ هذا قولُ النبيِّ ﷺ ، في حديث عَمْرِو بنِ عَبَسَةَ (٥): «ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيهِ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ» (٦) فثَبَتَ بهذا أنَّ الله تعالى إنَّما أمَرَه

стр. 280

وَتَرتِيبُهُ، عَلَى مَا ذَكَرَ اللهُ تَعَالى، ــ بالغَسْلِ، لا بالمَسْحِ. ويَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ بالمَسْحِ الغَسْلَ الخَفِيفَ. قال أبُو عَليٍّ الفارِسِيُّ (١): العَرَبُ تُسَمِّي خَفِيفَ الغَسْلِ مَسْحًا، فيَقُولُون: تَمَسَّحْتُ للصَّلاةِ. أي تَوَضَّأْتُ. فإن قِيل: فعَطْفُه على الرَّأْسِ يَدُلُّ على أنَّه أرادَ حَقِيقَةَ المَسْحِ. قُلْنا: قد افْتَرَقا مِن وُجُوهٍ؛ أحَدُها، أنَّ المَمْسُوحَ في الرَّأْسِ شَعَرٌ يَشُقُّ غَسْلُه، والرِّجْلان بخِلافِ ذلك، فَهُما أشْبَهُ بالمَغْسُولاتِ. الثاني، أنَّهما مَحْدُودانِ بحَدٍّ يَنْتَهِي إليه، أَشْبَها اليَدَين. الثالثُ، أنَّهما مُعَرَّضَتان للخَبَثِ، لكَوْنِهما يُوطَأ بِهما على الأرضِ. وأمّا حَدِيثُ أوْسِ بنِ أوس فيُحْمَلُ على أنّه أرادَ الغَسْلَ الخَفِيفَ، وكذلك حديثُ ابنِ عباسٍ، وكذلك قال: أخَذَ مِلْءَ كَفٍّ مِنْ ماءٍ، فرَشَّ على قَدَمَيه. والمَسْحُ يكونُ بالبَلَلِ لا برشِّ الماءِ. واللهُ أعلمُ. ٨٥ - مسألة؛ قال: (والتَّرْتِيبُ على ما ذَكَرَ اللهُ تعالى) وهو الفرضُ الخامسُ، وجملةُ ذلك أنَّ التَّرْتِيبَ في الوُضُوءِ، كما ذكر اللهُ تعالى، واجبٌ

стр. 281

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في قولِ أحمدَ. قال شيخُنا: لم أَرَ عنه فيه اخْتِلافًا. وهو مَذْهبُ الشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأبي عُبَيدٍ، وإسحاقَ (١). وحَكَى أبو الخَطَّابِ، عن أحمدَ روايةً أُخْرَى، أنَّه غيرُ واجبٍ. وهو مذهَبُ مالكٍ، والثَّوْرِيِّ، وأصحابِ الرَّأْي. واخْتارَه ابنُ المُنْذِرِ؛ لأنّ الله تعالى أمَرَ بغَسْلِ الأعْضاءِ، وعَطَف بَعْضَها على بعضٍ بواو الجَمْعِ، وهي لا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، فكَيفَما غَسَل كان مُمْتَثِلًا، ورُوي عن عليٍّ، أنَّه قال: ما أُبَالِي إذا أَتْمَمْتُ وُضُوئِي بأَيِّ أَعْضائِي بَدأْتُ (٢). وعن ابنِ مسعودٍ: لا بَأْسَ أنْ تَبْدَأَ برِجْلَيكَ قَبْلَ يَدَيك في الوُضُوءِ (٢). ووجْهُ الأوَّلِ أنَّ في الآيةِ قَرِينَةً تَدُلُّ على التَّرْتِيبِ، فإنَّه أدْخَلَ مَمْسُوحًا بينَ مَغْسُولَين، وقَطَع النَّظِيرَ عن نَظِيرِه، والعربُ لا تَفْعلُ ذلك إلَّا لفائِدَةٍ، والفائِدَةُ هي التَّرْتِيبُ. فإن قِيل: فائِدَتُه اسْتِحْبابُ التَّرْتِيبِ. قُلْنا: الآيةُ ما سِيقَتْ إلَّا لبَيان الواجِبِ،

стр. 282

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولهذا لم تُذْكَرِ السُّنَنُ فيها، ولأنّه متى اقْتَضَى اللَّفْظُ التَّرتِيبَ، كان مَأمُورًا به. ولأنَّ كلَّ من حَكَى وُضُوءَ رسولِ اللهِ ﷺ حَكاه مُرَتَّبًا، وهو مُفَسِّرٌ لِما في كتابِ الله تِعالى، وتَوَضَّأَ مُرَتِّبًا، وقال: «هذا وُضُوءٌ، لا يَقْبَلُ اللهُ الصَّلاةَ إلَّا بِهِ» (١). أي: بمِثْلِه. وقولُهم: إنَّ الواو لا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ. مَمْنُوعٌ، فقد اقْتَضَتِ التَّرْتِيبَ في قولِه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (٢). وما رُوِيَ عن عليٍّ، قال أحمدُ: إنَّما عَنَى به اليُسْرَى قبلَ اليُمْنَى؛ لأنَّ مَخْرَجَهُما في الكتابِ واحِدٌ. ورَوَى الإِمامُ أحمدُ بإسْنادِه، أنَّ عليًّا سُئِلَ، فقِيل له: أحدُنا يَسْتعجِلُ، فيَغْسِلُ شيئًا قبلَ شيءٍ؟ فقال: لا. حَتى يكونَ كما أمَرَ اللهُ تعالى. وروايَتُه (٣) عن ابن مسعودٍ لا نَعْرِفُ لها أصلًا، فأمَّا تَرْتِيبُ اليُمْنَى على اليُسْرَى، فلا يَجِبُ بِالإِجماع. حكناه ابنُ الْمُنْذِرِ، لأنَّ اللهَ تعالى ذَكرَ مَخْرَجَهُما (٤) واحدًا، فقال: ﴿وَأيدِيَكُمْ﴾، ﴿وَأرْجُلَكُمْ﴾، وكذلك التَّرْتِيبُ بينَ المَضْمَضَةِ، والاسْتِنْشاقِ، والفُقهَاءُ يَعُدُّون اليَدَينِ عُضْوًا، والرِّجْلَينِ عُضوًا، ولا يجبُ التَّرْتِيبُ بينَ العُضْو الواحِدِ. واللهُ أعلمُ.

стр. 283

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإن نَكَّسَ وُضُوءَه، فَبَدأ بشيءٍ مِنْ أَعْضائِه قبلَ وَجْهِه، لم يُحْتَسَبْ بما غَسَلَه قبلَه. وإن بَدَأ برِجْلَيه، وخَتَم بوَجْهِه، لم يَصِحَّ إلَّا غَسْلُ وَجْهِه. وإن تَوَضَّأ مُنَكِّسًا أربعَ مَرّاتٍ، صَحَّ وُضُوؤه إذا كان مُتَقارِبًا، يَحْصُلُ له مِنْ كلِّ مَرَّةٍ غَسْلُ عُضْوٍ. ومذهبُ الشافعيِّ يُجَوِّزُ (١) هَذا. ولو غَسَل أعْضاءَه دَفْعَةً واحِدَةً، لم يَصِحَّ إلَّا غَسْلُ وَجْهِه. وإنِ انْغَمَس في ماءٍ جارٍ، فلم يَمُرَّ على أعْضائِه إلَّا جَرْيَةٌ واحدةٌ، فكذلِك. وإن مَرَّ عليه أرْبعُ جَرَيَاتٍ، وقلنا: الغَسْلُ يُجْزِئُ عن المَسْحِ. أجْزأه، كما لو توَضَّأ أربعَ مَرَّاتٍ. وإنْ كان الماءُ راكِدًا، فقال بَعْضُ أصحابِنا: إذا أخْرَجِ وَجْهَه ثم يَدَيهِ، ثم مَسَح رَأسَه، ثم خَرَج مِن الماءِ، أجْزأه؛ لأنَّ الحَدَثَ إنَّما يَرْتَفِعُ بانْفِصالِ الماءِ عن العُضْو. ونَصَّ أحمدُ، في رجلٍ أرادَ الوُضُوءَ فاغْتَمَس في الماءِ، ثم خرجَ مِن الماءِ، فعليه مَسْحُ رَأْسِه وغَسْلُ رِجْلَيهِ. وهذا يَدُلُّ على أنَّ الماءَ إذا كان جَاريًا، فمَرَّتْ عليه جَرْيَةٌ واحدةٌ، أنَّه يُجْزِئُه مَسْحُ رَأْسِه، ثم يَغْسِلُ رِجْلَيه. وإنِ اجْتَمَع الحَدَثانِ، سَقَطَ التَّرْتِيبُ والمُوالاةُ، على ما سَنَذْكُرُه [في مَوْضِعِه] (٢)، إنْ شاءَ اللهُ تعالى.

стр. 284

وَالْمُوَالاةُ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ، ــ ٨٦ - مسألة؛ قال: (والمُوالاةُ على إحْدَى الرِّوايَتَين) المُوالاةُ هي الشرطُ السادسُ، وفيها رِوايتان؛ إحْداهما، هي واجِبَةٌ. نَصَّ عليها أحمدُ في مَواضِعَ. وهو قَوْلُ الأوْزاعِيِّ، وقَتَادَةَ، وأحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ. قال القاضي: وفيها رِوايَةٌ أُخْرَى؛ أنَّها غيرُ واجِبَةٍ. وهو قولُ النَّخَعِيِّ، والحسنِ، والثَّوْريِّ، وأصحابِ الرَّأْي، والقولُ الثاني للشافعيِّ، واخْتارَه ابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّ المَأْمُورَ به غَسْلُ الأعْضاءِ، فكَيفَما غَسَل فقد أتَى بِالمَأَمُورِ به، وقد ثَبَت أنَّ ابنَ عُمَرَ تَوَضَّأَ بالسُّوقِ فغَسَلَ وَجْهَه ويَدَيه، ومَسَح رَأْسَه، ثم دُعِيَ لجِنازَةٍ، فمَسَح على خُفَّيه، ثم صَلَّى

стр. 285

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عليها (١). ولأنَّها إحْدَى الطَّهارَتَين، فلم تَجِبْ فيها المُوالاةُ كالكُبْرَى. وقال مالكٌ: إن تَعَمَّد التَّفْرِيقَ بَطَل، وإلَّا فلا. ووَجْهُ الأُولى ما رَوَى عُمَرُ، أنَّ النبيَّ ﷺ رَأَى رجُلًا يُصَلِّي، وفي ظَهْرِ قَدَمِه لُمْعَةٌ لم يُصِبْها
следующие страницы →