← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

وَمَنْ كَانَ لَهُ غَائِبٌ أَوْ آبِقٌ فَعَلَيْهِ فِطْرَتُهُ، إلَّا أَنْ يَشُكَّ في حَيَاتِهِ فَتَسْقُطَ. ــ وُجُوبَها آكَدُ؛ لأنَّها ممَّا لا بُدَّ منه، وتَجِبُ على المُعْسِرِ والعاجِزِ، ويُرْجَعُ عليه بها عندَ يَسارِه، والفِطْرَةُ بخِلافِها. ٩٥٤ - مسألة: (ومَن كان له غائِبٌ أو آبِقٌ فعليه فِطْرَتُه، إلَّا

стр. 3117

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أن يَشُكَّ في حَياتِه فتَسْقُطَ) تَجِبُ فِطْرَةُ العَبْدِ الحاضِرِ، والغائِبِ الذى تُعْلَمُ حَياتُه، والآبِقِ، والمَرْهُونِ، والمغْصُوبِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ عَوامُّ أهلِ العلمِ على أنَّ على المَرْءِ زكاةَ الفِطْرِ عن مَمْلُوكِه الحاضِرِ غيرِ المُكاتَبِ، والمَغْصُوبِ، والآبِقِ. والغائِبُ تَجِبُ فِطْرَتُه إذا عُلِمَ أنَّه حَىٌّ، سَواءٌ رَجا رَجْعَتَه أو أيِسَ منها، وسَواءٌ كان مُطْلَقًا أو مَحْبُوسًا، كالأسِيرِ وغيرِه. قال ابنُ المُنْذِرِ: أكْثَرُ أهلِ العِلْمِ يَرَوْنَ أن تُؤَدَّى زكاةُ الفِطْرِ عن الرَّقِيقِ، غائِبِهم وحاضِرِهم؛ لأنَّه مالكٌ لهم، فوَجَبَتْ فِطْرَتُهم عليه، كالحاضِرِين. وممَّن أوْجَبَ فِطْرَةَ الآبِقِ الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، والزُّهْرِىُّ إذا عُلِمَ مَكانُه، والأوْزاعِىُّ إن كان في دارِ الإِسْلامِ، ومالكٌ إن كانت غَيْبَتُه قرِيبَةً. ولم يُوجِبْها عَطاءٌ، والثَّوْرِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى؛ لأنَّه لا يَلْزَمُه الإِنْفاقُ عليه، فلا تَجِبُ فِطْرَتُه، كالمرأةِ

стр. 3118

وَإنْ عَلِمَ حَيَاتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، أخْرَجَ لِمَا مَضَى. ــ النَّاشِزِ. ولَنا، أنَّه مالُه (١)، فوَجَبَتْ زكاتُه في حالِ غَيْبَتِه, كمالِ التِّجارَةِ، ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَه إخْراجُ زكاتِه حتَّى يَرْجعَ، كزَكاةِ الدَّيْن والمَغْصُوبِ. ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ. ووَجْهُ القَوْلِ الأَوَّل، أنَّ زَكاةَ الفِطْرِ تَجِبُ تابِعَةً للنَّفَقَةِ، والنَّفَقَةُ تَجِبُ مع الغَيْبَةِ، بدَلِيلِ أنَّ مَن رَدَّ الآبِقَ رَجَع بنَفَقَتِه. فأمَّا مَن شُكَّ في حَياتِه وانْقَطَعَتْ أخْبارُه لم تَجِبْ فِطْرَتُه. نصَّ عليه، في رِوايَةِ صالِحٍ؛ لأنَّه لا يَعْلَمُ بَقاءَ مِلْكِه عليه، ولأنَّه لو أعْتَقَه عن كَفَّارَتِه لم يُجْزِئْه، فلم تَجِبْ فِطْرَتُه، كالمَيِّتِ. ٩٥٥ - مسألة: (وإن عَلِم حَياتَه بعدَ ذلك، أخْرَجَ لِما مَضَى) لأنَّه بان له وُجُودُ سَبَبِ الوُجُوبِ في الزَّمَنِ الماضِى، فوَجَبَ عليه الإِخْراجُ لما مَضَى، كما لو سَمِع بهَلاكِ مالِه الغائِبِ، ثم بان له أنَّه كان سَلِيمًا.

стр. 3119

وَلَا تَلْزَمُ الزَّوْجَ فِطْرَةُ النَّاشِزِ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: تَلْزَمُهُ. ــ والحُكْمُ في القَرِيبِ الغائِبِ كالحُكْمِ في العَبِيدِ؛ لأنَّهم مِمَّن تَجِبُ فِطْرَتُهم مع الحُضُورِ، فكذلك مع الغَيْبَةِ، كالعَبِيدِ. ويَحْتَمِلُ أن لا تَجِبَ فِطْرَتهم مع الغَيْبَةِ؛ لأنَّه لا يَلْزَمُه بَعْثُ نَفَقَتِهم إليهم، ولا يَرْجِعُونَ بالنَّفَقَةِ الماضِيَة. ٩٥٦ - مسألة: (ولا تَلْزَمُ الزَّوْجَ فِطْرَةُ النَّاشِزِ. وقال أبو الخَطّابِ: تَلْزَمُه) إذا نَشَزَتِ المرأةُ في وَقْتِ وُجُوبِ الفِطْرَةِ، ففِطْرَتُها على نَفْسِها دُونَ زَوْجِها؛ لأنَّ نَفَقَتَها لا تَلْزَمُه. واخْتارَ أبو الخَطّابِ أنَّ عليه (١) فِطْرَتَها؛ لأنَّ الزَّوْجيَّةَ ثابِتَةٌ عليها فلَزِمَتْه فِطْرَتُها، كالمَرِيضَةِ التى لا تَحْتاجُ إلى نفَقَةٍ. والأوَّلُ أَصَحُّ؛ لأنَّ هذه مِمَّن لا تَلْزَمُه مُؤْنَتُه، فلا تَلْزَمُه فِطْرَتُه، كالأجْنَبِيَّةِ، وفارَقَ المَرِيضَةَ؛ لأنَّ عَدَمَ الإِنْفاقِ عليها لعَدَمِ الحاجَةِ، لا لخَلَلٍ في المُقْتَضى لها، فلا يَمْنَعُ ذلك مِن ثُبُوتِ تَبَعِها، بخِلافِ النَّاشِزِ. وكذلك كُلُّ امرأةٍ لا تَلْزَمُه نَفَقَتُها، كغيرِ المَدْخُولِ بها إذا لم تُسَلَّمْ إليه، والصَّغِيرةِ التى لا يُمْكِنُ الاسْتِمْتاعُ بها، فإنَّه لا تَلْزَمُه

стр. 3120

وَمَنْ لَزِمَ غَيْرَهُ فِطْرَتُهُ فَأَخْرَجَ عَنْ نَفْسِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَهَلْ يُجْزِئُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنَ. ــ نَفَقَتُها ولا فِطْرَتُها؛ لأنَّها ليست مِمَّن يَمُونُ. ٩٥٧ - مسألة: (ومَن لَزِم غيرَه فِطْرَتُه فأخْرَجَ عن نَفْسِه بغيرِ إذْنِه، فهل يُجْزِئُه؟ على وَجْهَيْنِ) مَن وَجَبَتْ نَفَقَتُه على غيرِه، كالمرأةِ والنَّسِيبِ الفَقِيرِ، إذا أخْرَجَ عن نفْسِه بإذْنِ مَن تَجِبُ عليه، صَحَّ بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّه نائِبٌ عنه. وِإن أخْرَجَ بغيرِ إذْنِه، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يُجْزِئُه؛ لأنَّه أخْرَجَ فِطْرَةَ نفْسِه، فأجْزَأه، كالتى وَجَبَتْ عليه. والثانِى،

стр. 3121

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لا يُجْزِئُه؛ لأنَّه أدَّى ما وَجَب على غيرِه بغيرِ إذْنِه، فلم يَصِحَّ [كما لو أدَّى] (١) عن غيرِه.

стр. 3122

وَلَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ وُجُوبَ الْفِطْرَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُطَالَبًا بِهِ. ــ ٩٥٨ - مسألة: (ولَا يَمْنَعُ الدَّيْنُ وُجُوبَ الفِطْرَةِ، إلَّا أن يَكُونَ مُطالَبًا به) إنَّما لم يَمْنَعِ الدَّيْنُ الفِطْرَةَ؛ لأنَّها آكَدُ؛ بدَلِيلِ وُجُوبِها على الفَقِيرِ، وشُمُولِها لكلِّ مسلم قَدَر على إخْراجِها، ووُجُوبِ تَحَمُّلِها عمَّن وَجَبَتْ نَفَقَتُه على غيرِه، ولا تَتَعَلَّقُ بقَدْرٍ مِن المالِ، فجَرَى مَجْرَى النَّفَقَةِ، ولأنَّ زَكاةَ المالِ تَجِبُ بالمِلْكِ، والدَّيْنُ يُؤَثِّرُ في المِلْكِ، فأثَّرَ فيها، وهذه تَجِبُ على البَدَنِ، والدَّيْنُ لا يُؤَثِّرُ فيه. فأمَّا عندَ المُطالَبَةِ بالدَّيْنِ، فتَسْقُطُ الفِطْرَةُ، لوُجُوبِ أدائِه عندَها، وتَأَكُّدِه بكَوْنِه حَقَّ آدَمِىٍّ مُعَيَّنٍ لا يَسْقُطُ

стр. 3123

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بالإِعْسارِ، وكَوْنُه أسْبَقَ سَبَبًا وأقْدَمَ وُجُوبًا يَأْثَمُ بتَأْخِيرِه. فصل: وإن مات مَن وَجَبَتْ عليه الفِطْرَةُ قبلَ أدائِها، أُخْرِجَتْ مِن مالِه، فإن كان عليه دَيْنٌ وله مَالٌ يَفِى بهما، قُضِيا جَمِيعًا، وإن لم يَفِ بهما، قُسِمَ بينَ الدَّيْنِ والصَّدَقَةِ بالحِصَصِ. نَصَّ عليه أحمدُ في زَكاةِ المالِ، أنَّ التَّرِكَةَ تُقْسَمُ بينَهما، فكذا ههُنا. فإن كان عليه زَكاةُ مالٍ وصَدَقَةُ الفِطْرِ ودَيْنٌ، فزَكاةُ الفِطْرِ والمال كالشئِ الواحِدِ، لاتِّحادِ مَصْرِفِهِما، فيُحاصَّان الدَّيْنَ، وأصْلُ هذا أنَّ حَقَّ اللَّه تعالى وحَقَّ الآدَمِىِّ، إذا تَعَلَّقا بمَحَلٍّ واحِدٍ، فكانا في الذِّمَّةِ، أو كانا في العَيْنِ، تَساوَيا في الاسْتِيفاءِ. فصل: وإذا مات المُفْلِسُ ولهَ عَبِيدٌ، فهَلَّ شَوّالٌ قبلَ قِسْمَتِهم بينَ الغُرَماءِ، ففِطْرَتُهم على الوَرَثَةِ؛ لأنَّ الدَّيْنَ لا يَمْنَعُ نَقْلَ التَّرِكَةِ، بل غايَتُه أن يكونَ رَهْنًا بالدَّيْنِ، وفِطْرَةُ الرَّهْنِ على مالِكِه. فصل: ولو مات عَبِيدُه أو مَن يَمُونُه بعدَ وُجُوبِ الفِطْرَةِ، لم تَسْقُطْ؛ لأنَّها دَيْنٌ ثَبَت في ذِمَّتِه بسَبَبِ عَبْدِه، فلم يَسْقُطْ بمَوْتِه، كما لو اسْتَدانَ العَبْدُ بإذْنِه دَيْنًا وَجَب في ذِمَّتِه، ولأنَّ زَكاةَ المالِ لا تَسْقُطُ بتَلَفِه (١)، فالفِطْرَةُ أوْلَى، فإنَّ زَكاةَ المالِ تَتَعَلَّقُ بالعَيْنِ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن، وزَكاةُ الفِطْرِ بخِلافِه.

стр. 3124

وَتَجِبُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ لَيْلَةِ الْفِطْرِ، فَمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ، أَوْ مَلَكَ عَبْدًا أَوْ زَوْجَةً، أو وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ، لَمْ تَلْزَمْهُ فِطْرَتُهُ، وَإنْ وُجِدَ ذَلِكَ قَبْلَ الْغُرُوبِ، وَجَبَتْ. ــ ٩٥٩ - مسألة: (وتَجِبُ بغُرُوب الشَّمْسِ مِن لَيْلَةِ الفِطْرِ، فمَن أسْلَمَ بعدَ ذلك، أو مَلَك عَبْدًا أو زَوْجَةً، أَو وُلِد له وَلدٌ، لم تَلْزَمْه فِطْرَتُه، وإن وُجِدَ ذلك قبلَ الغُرُوبِ، وَجَبَتْ) ولو كان حينَ الوُجُوبِ مُعْسِرًا ثم أيْسَرَ في لَيْلَتِه تلك، أو في يَوْمِه، لم يَجِبْ عليه شئٌ. ولو كان وَقْتَ الوُجُوبِ مُوسِرًا ثم أعْسَرَ لم تَسْقُطْ عنه، اعْتِبارًا بحالَةِ الوُجُوبِ. ومَن مات لَيْلَةَ الفِطْرِ، بعدَ غُروبِ الشَّمْسِ، فعليه صَدَقَةُ الفِطْرِ. نَصَّ عليه أحمدُ. وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، وإسحاقُ، ومالكٌ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن عنه, والشافعىُّ، في أحَدِ قَوْلَيْه. وقال اللَّيْثُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى: تَجِبُ بطُلُوعِ الفَجْرِ يَوْمَ العِيدِ. وهى رِوايَةٌ عن مالكٍ؛ لأنَّها قُرْبَةٌ تتَعَلَّقُ بالعِيدِ، فلم يَتَقَدَّمْ وقْتُها يَوْمَ العِيدِ، كالأُضْحِيَةِ. ولَنا، قَوْلُ ابنِ عباسٍ، أنَّ النبىَّ ﷺ فَرَض زَكاةَ الفِطْرِ طُهْرَةً للصّائِمِ مِن الرَّفَثِ واللَّغْوِ (١). ولأنَّها تُضافُ إلى الفِطْرِ، فكانت واجِبَةً به، كزكاةِ المالِ، وذلك لأنَّ الإِضافَةَ دَلِيلُ الاخْتِصاصِ، والسَّبَبُ أخَصُّ بحُكْمِه مِن غيرِه،

стр. 3125

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والأُضْحِيَةُ لا تَتَعَلَّقُ بطُلُوعِ الفَجْرِ (١)، ولا هى واجِبَةٌ، ولا تُشْبِهُ ما نحن فيه. فعلى هذا إذا غَرَبَتْ والعَبْدُ المَبِيعُ في مُدَّةِ الخِيارِ، أو وُهِب له عَبْدٌ فقَبِلَه ولم يَقْبِضْه، أو اشْتَراه ولم يَقْبِضْه، فالفِطْرَةُ على المُشْتَرِى والمُتَّهِبِ؛ لأنَّ المِلْكَ له، والفِطْرَةُ على المالِكِ. ولو أوْصَى له بعَبْدٍ، أو مات المُوصِى قبلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فلم يَقْبَلِ المُوصَى له حتَّى غَرَبَت، فالفِطْرَةُ عليه، في أحَدِ الوَجْهَيْن، والآخَرِ، على وَرَثَةِ المُوصِى، بناءً على الوَجْهَيْن في المُوصَى به هل يَنْتَقِلُ بالمَوْتِ أو مِن حينِ القَبُولِ؟ ولو مات المُوصَى له قبلَ الرَّدِّ والقَبُولِ، فقَبِلَ وَرَثَتُه، وقُلْنَا بصِحَّةِ قَبُولِهم، فهل تكونُ فِطْرَته على وَرَثَةِ المُوصِى، أو في تَرِكَةِ المُوصَى له؟ على وَجْهَيْن. وقال القاضى: فِطْرَتُه في تَرِكَةِ المُوصَى له؛ لأنّا حَكَمْنا بانْتِقالِ المِلْكِ مِن حينِ مَوْتِ المُوصَى له، فإن كان مَوْتُه بعدَ هِلالِ شَوَّالٍ، ففِطْرَةُ العَبْدِ في تَرِكَتِه؛ لأنَّ الوَرَثَةَ إنَّما قَبِلُوه له. وإن كان مَوْتُه قبِلَ هِلالِ شَوَّالٍ، ففِطرَتُه على الوَرَثَةِ. ولو أوْصَى لرجلٍ برَقَبَةِ عَبْدٍ، ولآخرَ بنَفْعِه، فقَبِلا، كانتِ الفِطْرَةُ على مالِكِ الرَّقَبَةِ؛ لأنَّ الفِطْرَةَ تَجِبُ بالرَّقَبَةِ لا بالمَنْفَعَةِ، ولهذا تَجِبُ على مَن لا نَفْعَ فيه. ويَحْتَمِلُ أن تكونَ تَبَعًا لنَفَقَتِه، وفيها ثَلاثَةُ أوْجُهٍ؛ أحدُها، أنَّها على مالِكِ نَفْعِه. والثانِى، أنَّها على مالِكِ رَقَبَتِه. والثالثُ، في كَسْبِه.

стр. 3126

وَيَجُوزُ إِخْرَاجُهَا قَبْلَ الْعِيدِ بِيَوْمَيْنِ، ــ ٩٦٠ - مسألة: (ويَجُوزُ إخْراجُها قبلَ العِيدِ بيَوْمَيْن) ولا يجوزُ قبلَ ذلك. قال ابنُ عُمَرَ: كانوا يُعْطُونَها قبلَ الفِطْرِ بيَوْمٍ أو يَوْمَيْن (١). وقال بعضُ أصحابِنا: يَجُوزُ تَعْجِيلُها بعدَ نِصْفِ الشَّهْرِ، كما يَجُوزُ تَعْجِبلُ أذانِ الفَجْرِ، والدَّفْعِ مِن مُزْدَلِفَةَ بعدَ نِصْفِ اللَّيْلِ. وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ تَعْجِيلُها مِن أوَّلِ الحَوْلِ؛ لأنَّها زَكاةٌ، أشْبَهَتْ زَكاةَ المالِ. وقال الشافعىُّ: يجوزُ مِن أوَّلِ شَهْرِ رمضانَ؛ لأنَّ سَبَبَ الصَّدَقَةِ الصَّوْمُ والفِطْرُ عنه، فإذا وُجِد أحَدُ السَّبَبَيْن، جاز تَعْجِيلُها، كزَكاةِ المالِ بعدَ مِلْكِ النِّصابِ. ولَنا، ما روَى الجُوزَجانِىُّ: ثَنا يَزِيدُ بنُ هارُونَ، أنَا أبو مَعْشَرٍ، عن نافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ، قال: كان رسولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ به، فيُقْسَمُ، قال يَزِيدُ: أظُنُّ قال: يَوْمَ الفِطْرِ، ويَقُولُ: «أَغْنُوهُمْ عَنِ الطَّوَافِ في هذَا اليَوْمِ» (٢). والأمْرُ للوُجُوبِ، ومتى قَدَّمَها بالزَّمَنِ الكَثِيرِ لم

стр. 3127

وَالْأَفْضَلُ إِخْرَاجُهَا يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، ــ يَحْصُلْ إغْناؤُهُم بها يَوْمَ العِيدِ، وسَبَبُ وُجُوبِها الفِطْرُ؛ بدَلِيلِ إضافَتِها إليه، وزَكاةُ المالِ سَبَبُها مِلْكُ النِّصابِ، والمَقْصُودُ إغْناءُ الفَقِيرِ بها في الحَوْلِ كلِّه، فجازَ إخْراجُها في جَمِيعِه، وهذه المَقْصُودُ منها الإِغْناءُ في وَقْتٍ مَخْصُوصٍ، فلم يَجُزْ تَقْدِيمُها قبلَ الوَقْتِ. فأمَّا تَقْدِيمُها بيَوْمٍ أو يَوْمَيْن فجائِزٌ، لِما روَى البخارىُّ، بإسْنادِه، عن ابنِ عُمَرَ (١)، قال: فَرَض رسولَ اللَّهِ ﷺ صَدَقَةَ الفِطْرِ مِن رمضانَ. وقال في آخِرِه: وكانوا يُعْطُونَ قبلَ الفِطْرِ بيَوْمٍ أو يَوْمَيْن. وهذا إشارَةٌ إلى جَمِيعِهم، فيكون إجْماعًا, ولأنَّ تَعْجِيلَها بهذا القَدْرِ لا يُخِلُّ بالمَقْصُودِ منها، فإنَّ الظاهِرَ أنَّها تَبْقَى أو بَعْضُها إلى يَوْمِ العِيدِ، فيُسْتَغْنَى بها عن الطَّوافِ والطَّلَبِ فيه، ولأنَّها زَكاةٌ، فجازَ تَعْجِيلُها قبلَ وُجُوبِها، كزَكاةِ المالِ. ٩٦١ - مسألة: (والأفْضَلُ إخْراجُها يَوْمَ العِيدِ قبلَ الصَّلاةِ) لأنَّ النبىَّ ﷺ أمَر بها أنْ تُؤَدَّى قبلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلى الصَّلاةِ في حَدِيثِ ابنِ

стр. 3128

وَيَجُوزُ في سَائِرِ الْيَوْمِ. فَإِنْ أَخَّرَهَا عَنْهُ، أَثِمَ وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ. ــ عُمَرَ، وقال في حَدِيثِ ابنِ عباسٍ: «مَنْ أدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِى زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِى صَدَقَةٌ مِن الصَّدَقَاتِ» (١). فإن أخَّرَها عن الصَّلاةِ تَرَك الأفْضَلَ؛ لِما ذَكَرْنا مِن السُّنَّةِ، ولأنَّ المَقْصُودَ منها الإِغْناءُ عن الطَّوافِ والطَّلَبِ في هذا اليَوْمِ، فمتى أخَّرَها لم يَحْصُلْ إغْناؤُهُم في جَمِيعِه. ومالَ إلى هذا القَوْلِ عَطاءٌ، ومالكٌ، وموسى بنُ وَرْدانَ (٢)، وأصحابُ الرَّأْى. وقال القاضى: إذا أخْرَجَها في بَقِيَّةِ اليَوْمِ لم يُكْرَهْ. وقد ذَكَرْنا مِن الخَبَرِ والمَعْنَى ما يَقْتَضِى الكَراهَةَ. ٩٦٢ - مسألة: (ويَجُوزُ في سائِرِ اليَوْمِ) لحُصُولِ الإِغْناءِ في اليَوْمِ، إلَّا أنَّه يَكُونُ قد تَرَك الأَفْضَلَ على ما ذَكَرْنا (فإن أخَّرَها عنه أثِمَ) لتَأخِيرِه الحَقَّ الواجِبَ عن وَقْتِه (ولَزِمَه القَضاءُ) لأنَّه حَقُّ مالٍ وَجَب،

стр. 3129

فَصْلٌ: وَالْوَاجِبُ في الْفِطْرَةِ صَاعٌ مِنَ الْبُرِّ أَوِ الشَّعِيرِ وَدَقِيقِهِمَا وَسَوِيقِهِمَا، وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ، وَمِنَ الْأَقِطِ في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. ــ فلا يَسْقُطُ بفَواتِ وَقْتِه، كالدَّيْنِ. وحُكِىَ عن ابنِ سِيرِينَ، والنَّخَعِىِّ الرُّخْصَةُ في تَأْخِيرِها عن يَوْم العِيدِ. وحَكاه ابنُ المُنْذِرِ عن أحمدَ. وروَى محمدُ بنُ يحيى الكَحّالُ، قالَ: قلتُ لأبى عبدِ اللَّهِ: فإن أخْرَجَ الزَّكَاةَ، ولم يُعْطِها؟ قال: نعم، إذا أعَدَّها لقَوْمٍ. واتِّباعُ سُنَّةِ رسولِ اللَّهِ ﷺ أوْلَى. (فصل:) قال الشَّيْخُ، ﵀: (والواجِبُ في الفِطْرَةِ صاعٌ مِن البُرِّ أو الشَّعِيرِ ودَقِيقِهما وسَوِيقِهما، والتَّمْرِ والزَّبِيبِ، ومِن الأَقِطِ

стр. 3130

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في إحْدَى الرِّوايَتَيْن) الكلامُ في هذه المَسْألَةِ في أمُورٍ ثَلاثَةٍ؛ أحَدُها، أنَّ الواجِبَ في صَدَقَةِ الفِطْرِ صَاعٌ عن كلِّ إنْسانٍ، مِن جَميعِ أجْناسِ المُخْرَجِ. وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، وإسحاقُ. ورُوِىَ عن أبى سَعِيدٍ الخُدْرِىِّ، والحسنِ وأبى العالِيَةِ. ورُوِىَ عن ابنِ الزُّبَيْرِ، ومُعاوِيَةَ، أنَّه يُجْزِئُ نِصْفُ صاعٍ مِن البُرِّ خاصَّةً. وهو مَذهَبُ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعَطاءٍ، وطاوُسٍ، ومُجاهِدٍ، وعُمَرَ بنِ عبدِ العزِيز، وعُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ، وأبى سَلَمَةَ، وسَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وأصحابِ الرَّأْى. واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن علىٍّ، وابنِ عباسٍ، والشَّعْبِىِّ، فرُوِى صاعٌ، ورُوِى نِصْفُ صاعٍ. وعن أبى حنيفةَ في الزَّبِيبِ رِوايَتانِ؛ إحْداهُما، صاعٌ. والأُخْرَى، نِصْفُ صاعٍ، واحْتَجُّوا بما روَى ثَعْلَبَةُ بنُ أبى صُعَيْرٍ، عن أَبِيه، عن النبىِّ ﷺ أنَّه قال: «صَاعٌ مِن بُرٍّ أوْ قَمْحٍ عَلَى كُلِّ اثْنَيْنِ». رَواه أبو داودَ (١). وعن عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أَبِيه، عن جَدِّه، أنَّ النبىَّ ﷺ بَعَث مُنادِيًا في فِجاجِ مَكَّةَ: «ألَا إنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، ذَكَرٍ أوْ أُنْثَى، حُرٍّ أوْ عَبْدٍ، صَغِيرٍ أوْ كَبِيرٍ، مُدَّانِ مِن قَمْحٍ أوْ سِوَاهُ صَاعٌ مِن طَعَامٍ» (٢). قال التِّرْمِذىُّ: هذا حَدِيثٌ حسنٌ غَرِيبٌ. ولَنا، ما روَى أبو سَعِيدٍ الخُدْرِىُّ، قال: كنّا نُخْرِجُ زَكاةَ الفِطْرِ

стр. 3131

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إذ كان فينا رسولُ اللَّهِ ﷺ صاعًا مِن طَعامٍ، أو صاعًا مِنِ شَعِيرٍ، أو صاعًا مِن تَمْرٍ، أو صاعًا مِن زَبِيبٍ، أو صاعًا مِن أقِطٍ، فلم نزَلْ نُخرِجُه حتَّى قَدِم مُعاوِيَةُ المَدِينَةَ فتَكَلَّمَ، فكان فيما كلَّمَ النّاسَ: إنِّى لأرَى مُدَّيْنِ مِن سَمْراءِ الشّامِ تَعْدِلُ صاعًا مِن تَمْرٍ. فأخَذَ النّاسُ بذلك. قال أبو سَعِيدٍ: فلا أزالُ أُخْرِجُه كما كنتُ أُخْرِجُه. وروَى ابنُ عُمَرَ، أنَّ النبىَّ ﷺ فَرَض صَدَقَةَ الفِطْرِ صاعًا مِن تَمْرٍ، أو صاعًا مِن شَعِيرٍ، فعَدَلَ النّاسُ إلى نِصْفِ صاعٍ مِن بُرٍّ. مُتَّفَقٌ عليهما (١). ولأنَّه جِنْسٌ يُخْرَجُ في صَدَقَةِ الفِطْرِ، فكان صاعًا، كسائِرِ الأجْناسِ. فأمّا أحادِيثُهم فلا تَثْبُتُ عن النبىِّ ﷺ . قالَه ابنُ المُنْذِرِ. وحَدِيثُ ثَعْلَبَةَ يَنْفَرِدُ به النُّعْمانُ بنُ راشِدٍ. قال البخارىُّ: وهو يَهِمُ كَثِيرًا. وقال مُهَنّا: ذَكَرْتُ لأحمدَ حَدِيثَ ثَعْلَبَةَ بنِ أبى صُعَيْرٍ، في صَدَقَةِ الفِطْرِ نِصْفُ صاعٍ مِن بُرٍّ. فقال: ليس بصَحِيحٍ، إنَّما هو مُرْسَلٌ، يَرْوِيه مَعْمَرٌ وابنُ جُرَيْجٍ، عن الزُّهْرِىِّ مُرْسَلًا. قلت: مِن قِبَل مَن هذا؟ قال: مِن قِبَلِ النُّعْمانِ [بنِ راشِدٍ] (٢)، ليس هو بقَوِىٍّ في الحَدِيثِ. وسَألْتُه عن ابنِ أبى صُعَيْرٍ، أمَعْرُوفٌ هِو؟ قال: مَن يَعْرِفُ ابنَ أبى صُعَيْرٍ؟ ليس هو مَعْرُوفًا. وضَعَّفَه أحمدُ، وابنُ المَدِينِىِّ جَمِيعًا. وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: ليس دُونَ الزُّهْرِىِّ مَن تَقُومُ به حُجَّةٌ. وقد روَى أبو إسحاقَ الجُوزَجانِىُّ حَدِيثَ ثَعْلَبَةَ، بإسْنادِه، عن أَبِيه، قال: قال

стр. 3132

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رسولُ اللَّهِ ﷺ : «أدُّوا صَدَقَةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ قَمْحٍ» أو قال: «بُرٍّ، عَنْ كُلِّ إنْسَانٍ، صَغِيرٍ أوْ كَبِيرٍ» (١). وهذا حُجَّةٌ لنا، وإسْنادُه حَسَنٌ. قال: الجُوزَجانِىُّ: والنِّصْفُ صاعٍ ذَكَرَه عن النبىِّ ﷺ ، ورِوايَتُه ليس تَثْبُتُ. ولأنَّ ما ذَكَرْناه أحْوَطُ مع مُوافَقَتِه القِياسَ. فصل: والصاعُ خَمْسَةُ أرْطَالٍ وثُلُثٌ بالعِراقِىِّ، وقد دَلَّلْنا عليه فيما مَضى، وذَكَرْنا الاخْتِلافَ فيه (٢)، والأصْلُ فيه الكَيْلُ، وإنَّما قَدَّرَه العلماءُ بالوَزْنِ ليُحْفَظَ ويُنْقَلَ. وقد روَى جَماعَةٌ عن أحمدَ، أنَّه قال: الصاعُ وَزَنْتُه وقَدَّرْتُه، فوَجَدْتُه خَمْسَةَ أرْطالٍ وثُلُثًا حِنْطَةً. ورُوِى عنه تَقْدِيرُه بالعَدَسِ أيضًا. وإذا كان الصاعُ خَمْسَةَ أرْطالٍ وثُلُثًا مِن الحِنْطَةِ والعَدَسِ، وهما مِن أثْقَلِ الحُبُوبِ، فمتى أخْرَجَ مِن غيرِهما خَمْسَةَ أرْطالٍ وثُلُثًا، فهى أكْثَرُ مِن صاعٍ. وقال محمدُ بنُ الحسنِ: إن أخْرَجِ خَمْسَةَ أرْطالٍ وثُلُثًا بُرًّا لم يُجْزِئْه؛ لأنَّ البُرَّ يَخْتَلِفُ، فيكونُ ثَقِيلًا وخَفِيفًا. وقال الطَّحاوِىُّ (٣): يُخْرِجُ ثَمانِيَةَ أرْطالٍ ممّا يَسْتَوِي كَيْلُه ووَزْنُه، وهو الزَّبِيبُ والماشُ. ومُقْتَضَى كَلامِه أنَّه إذا أخْرَجَ ثَمانِيَةَ أرْطالٍ ممّا هو أثْقَلُ

стр. 3133

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ منهما لم يُجْزِئْه، حتَّى يَزِيدَ شيئًا يَعْلَمُ أنَّه قد بَلَغ صاعًا. قال شيخُنا (١): والأَوْلَى لمَن أخْرَجَ مِن الثَّقِيلِ بالوَزْنِ أن يَحْتاطَ، فيَزِيدَ شيئًا يَعْلَمُ به أنَّه قد بَلَغ صاعًا. وقدْرُ الصاعِ بالرَّطْلِ الدِّمَشْقِىِّ رَطْلٌ وسُبْعٌ، وقَدْرُه بالدَّراهِمِ سِتُّمائةِ دِرْهَم وخمسةٌ وثمانون دِرْهَمًا وخمسةُ أسْباعِ دِرْهَمٍ، ويُجْزِئُ إخْراجُ مُدٍّ بالدِّمَشْقِىِّ مِن سائِرِ الأجْناس؛ لأنَّه أكْثَرُ مِن صاعٍ يَقِينًا. واللَّهُ أعلمُ. الأمْرُ الثَّانِى، لا يَجُوزُ العُدُولُ عن هذه الأجْناسِ المَذْكُورَةِ مع القُدْرَةِ عليها، سَواءٌ كان المَعْدُولُ إليه قُوتَ بَلَدِه أو لم يَكُنْ. وقال أبو بكرٍ: يَتَوَجَّهُ قَوْل آخَرُ، أنَّه يُعْطِى ما قامَ مَقامَ الخَمْسَةِ على ظاهِرِ الحَدِيثِ صاعًا مِن طَعام، والطَّعامُ قد يكونُ البُرَّ والشَّعِيرَ، وما دَخَل في الكَيْلِ. قال: وكِلا القَوْلَيْن مُحْتَمِلٌ، وأقْيَسُهُما لا يَجُوزُ غيرُ الخَمْسَةِ، إلَّا أن يَعْدَمَها, فيُعْطِيَ ما قام مَقَامَها. وقال مالكٌ: يُخْرِجُ مِن غالِبِ قُوتِ البَلَدِ. وقال الشافعىُّ: أىُّ قُوتٍ كان الأغْلَبَ على الرَّجُلِ، أدَّى زَكاةَ الفِطْرِ منه. واخْتَلَفَ أصحابُه؛ فمنهم مَن قال كقَوْلِ مالكٍ، ومنهم مَن قال: الاعْتِبارُ بغالِبِ قُوتِ المُخْرِجِ. ثم إن عَدَل عن الواجِبِ إلى أعْلَى منه جاز، وإن عَدَل إلى دُونِه، جاز في أحَدِ القَوْلَيْن؛ لقَوْلِه ﵇: «أغْنُوهُم عَنِ الطَّلَبِ» (٢). والغِنَى يَحْصُلُ بالقُوتِ. والثانِى، لا يَجُوزُ؛ لأنَّه عَدَل

стр. 3134

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عن الواجبِ إلى أدْنَى منه، فلم يُجْزِئْه، كما لو عَدَل عن الواجب في زَكاةِ المالِ إلى أَدْنَى منه. ولَنا، قَوْلُ ابنِ عُمَرَ: فَرَضِ رسولُ اللَّهِ ﷺ صَدَقَةَ الفِطْرِ صاعًا مِن تَمْرٍ، أو صاعًا مِن شَعِيرٍ. متَّفقٌ عليه (١). وروَى أبو سَعِيدٍ، قال: كنّا نُخْرِجُ زَكاةَ الفِطْرِ صاعًا مِن طَعامٍ، أو صاعًا مِن تَمْرٍ، أو صاعًا مِن شَعِيرٍ، أو صاعًا مِن زَبِيبٍ. مُتَّفَقٌ عليه (٢). وفى لَفظٍ لمسلمٍ: كُنّا نُخْرِجُ إذ كان فينا رسولُ اللَّهِ ﷺ زَكاةَ الفِطْرِ عن كُلِّ صَغِيرٍ أو كَبِيرٍ، حُرٍّ أو مَمْلُوكٍ، صاعًا مِن طَعامٍ، أو صاعًا مِن أقِطٍ، أو صاعًا مِن شَعِيرٍ، أو صاعًا مِن تَمْرٍ، أو صاعًا مِن زَبِيبٍ. فقَصَرُوها على أجْناسٍ مَعْدُودَةٍ؛ فلم يَجُزِ العُدُولُ عنها، كما لو أخْرَجَ القِيمَةَ، وكما لو أخْرَجَ عن زَكاةِ المالِ مِن غيرِ جِنْسِه. والإِغْناءُ يَحْصُلُ بالإِخْراجِ مِن المَنْصُوصِ عليه، فلا مُنافاةَ بينَ الخَبَرَيْن؛ لكَوْنِهِما جَمِيعًا يَدُلَّان على وُجُوبِ الإِغْناءِ بأحَدِ الأجْناسِ المَفْرُوضَةِ. والسُّلْتُ نَوْعٌ مِن الشَّعِيرِ، فيَجُوزُ إخْراجُه؛ لدُخُولِه في المَنْصُوصِ عليه، وقد صُرِّح بذِكْرِه في بعْضِ ألفاظِ حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ، قال: كان النّاسُ يُخْرِجُون صَدَقَةَ الفِطْرِ على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ صاعًا مِن شَعِيرٍ، أو تَمْرٍ، أو سُلْتٍ، أو زَبِيبٍ. رَواه أبو داودَ (٣).

стр. 3135

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والأمْرُ الثّالثُ، أنَّه يَجُوزُ إخْراجُ أحَدِ الأصْنافِ المَذْكُورَةِ أيُّها شاء، وإن لم يكنْ قُوتًا له. وقال مالكٌ: يُخْرِجُ مِن غالِبِ قُوتِ البَلَدِ. وقال الشافعىُّ: أىُّ قُوتٍ كان أغْلَبَ على الرجلِ أخرَجَ منه. ولَنا، أنَّ خَبَرَ الصَّدَقَةِ وَرَد بحَرْفِ «أوْ» وهى للتَّخْيِيرِ بينَ هذه الأصْنافِ، فوَجَبَ التَّخْيِيرُ فيه، ولأنّه عَدَل إلى مَنْصُوصٍ عليه، فجازَ، كما لو عَدَل إلى الأعْلَى، ولأنَّه خَيَّرَ بينَ الزَّبِيبِ والتَّمْرِ والأقِطِ، ولم يَكُن الزَّبِيبُ والأقِطُ قُوتًا لأهْلِ المَدِينَةِ، فدَلَّ على أنَّه لا يُعْتَبَرُ أن يكونَ قوتًا للمُخْرِجِ. فصل: ويَجُوزُ إخْراجُ الدَّقِيقِ. نَصَّ عليه أحمدُ. وكذلك السَّوِيقُ. قال أحمدُ: قد رُوِىَ عن ابنِ سِيرِينَ، دَقِيقٍ أو سَوِيقٍ. وقال مالكٌ، وِالشافعىُّ: لا يَجُوزُ إخْراجُهما؛ لحَدِيثِ ابنِ عُمَرَ، ولأنَّ مَنافِعَه نقَصَتْ، فهو كالخُبْزِ. ولَنا، حَدِيثُ أبى سَعِيدٍ، وفى بَعْضِ ألْفاظِه: «أوْ صَاعًا مِن دَقِيقٍ». رَواه النَّسائِىُّ (١). ثم شَكَّ سُفْيانُ بعدُ، فقال:

стр. 3136

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ دَقِيقٍ أو سُلْتٍ. ولأنَّ الدَّقِيقَ والسَّوِيقَ أجْزاءُ الحَبِّ بَحْتًا يُمْكِنُ كَيْلُه وادِّخارُه، فجازَ إِخْراجُه، كالحَبِّ، وذلك لأنَّ الطَّحْنَ إنَّما فَرَّقَ أجْزاءَه، وكَفَى الفقِيرَ مُؤنَتَه، فأشْبَهَ ما لو نَزَع نَوَى التَّمْرِ ثم أخْرَجَه. ويُفارِقُ الخُبْزَ، فإنَّه قد خرَج عن حالِ الادِّخارِ والكَيْلِ، والمَأْمُورُ به صَاعٌ، وهو مَكِيلٌ. وحَدِيثُ ابنِ عُمَرَ لم يَقْتَضِ ما ذَكَرُوه، ولم يَعْمَلُوا به. فصل: وفى جَوازِ إخْراجِ الأقِطِ إذا قَدَر على غَيْرِه مِن الأجْناسِ المَذْكُورَةِ رِوايَتان؛ إحْداهُما، يُجْزِئُه؛ لحَدِيثِ أبى سعيدٍ المَذْكُورِ. والثانيةُ، لا يُجْزِئُه؛ لأنَّه جِنْسٌ لا تجِبُ الزَّكاةُ فيه، فلم يَجُزْ إخْراجُه مع القُدْرَةِ على غيرِه مِن الأصْنافِ المَنْصُوصِ عليها، كاللَّحْمِ. ويُحْمَلُ الحَدِيثُ على مَن هو قُوتٌ له، أو لم يَقْدِرْ على غيرِه. وقال الخِرَقِىُّ:

стр. 3137

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إن أخْرَجَ أهْلُ البادِيَةِ الأقِطَ أجْزَأ إذا كان قُوتَهم. فظاهِرُه أنَّه يَجُوزُ إخْراجُه وإن قَدَر على غيرِه، إذا كان مِن أهْلِ البادِيَةِ وكان قوتًا له. وعلى قَوْلِه يَنْبَغِى أن يُجْزِئَ غيرَ أهْلِ البادِيَةِ إذا كان قُوتَهم أَيضًا؛ لأنَّ الحَدِيثَ لم

стр. 3138

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يُفَرِّقْ. وحديثُ أبى سَعِيدٍ يَدُلُّ عليه، وهم مِن غيرِ أهْلِ البادِيَةِ، ولَعَلَّه إنَّما ذَكَر أهْلَ البادِيَةِ؛ لأنَّ الغالِبَ أنَّه لا يَقْتاتُه غيرُهم. وقال أبو الخَطّابِ: في إخْراجِ الأقِطِ لمَن قَدَر على غيرِه مُطْلقًا رِوايَتان. وظاهِرُ حديث أبى سَعِيدٍ يَدُلُّ على خِلافِه. وذَكَر القاضى أنّا إذا قُلْنا بجَوازِ إخْراجِ الأقِطِ وعَدِمَه، أخْرَجَ لَبَنًا؛ لأنَّه أكْمَلُ مِن الأقِطِ، لكَوْنِه يَجِئُ منه الأقِطُ وغيرُه. وحَكاه أبو ثوْرٍ عن الشافعىِّ. وقال الحسنُ: إن لم يكنْ بُرٌّ ولا شَعِيرٌ أخْرَجَ صاعًا مِن لَبَنٍ. وما ذَكَرَه القاضى لا يَصِحُّ، فإنَّه لو كان أكْمَلَ مِن الأقِطِ، لجاز إخْراجُه مع وُجُودِه، ولأنَّ الأقِطَ أكْمَلُ مِن اللَّبَنِ مِن وَجْهٍ؛ لأنَّه بَلَغ حالةَ الادِّخارِ، وهو جامِدٌ، بخِلافِ اللَّبَنِ، لكنْ يَكُونُ حُكْمُ اللَّبَنِ حُكْمَ اللَّحْمِ، يُجْزِئُ إخْراجُه عندَ عَدَمِ الأصْنافِ المَنْصُوصِ عليها على قولِ ابنِ حامِدٍ، ومَن وافَقَه. وكذلك الجُبْنُ وما أشْبَهَه.

стр. 3139

وَلَا يُجْزِئُ غَيْرُ ذَلِكَ، إِلَّا أَنْ يَعْدَمَهُ، فَيُخْرِجَ مِمَّا يَقْتَاتُ عِنْدَ ابْن حَامِدٍ. وَعِنْدَ أَبِى بَكْرٍ يُخْرِجُ مَا يَقُومُ مَقَامَ الْمَنْصُوصِ. ــ ٩٦٣ - مسألة: (ولا يُجْزِئُ غيرُ ذلك، إلَّا أن يَعْدَمَه، فيُخْرِجَ مِمَّا يَقْتاتُ عندَ ابنِ حامِدٍ. وعندَ أبى (١) بكرٍ يُخْرِجُ ما يقُومُ مَقامَ المَنْصُوصِ) لا يَجُوزُ إخْراجُ غيرِ الأجْناسِ المذْكُورَةِ مع القُدْرَةِ عليها؛ لأنَّ في بعْضِ ألفاظِ حَدِيثِ أبى سعيدٍ: فَرَض رسولُ اللَّهِ ﷺ صَدَقَةَ الفِطْرِ صاعًا مِن طَعام، أو صاعًا مِن شَعِيرٍ، أو صاعًا مِن تَمْرٍ، أو صاعًا مِن أقِطٍ. رَواه النَّسائِىُّ (٢). ولِما ذَكَرْنا، إلَّا أن يَعْدَمَها، فيُخْرِجَ ممّا يَقْتاتُ عندَ ابنِ حامِدٍ، كالذُّرَةِ، والدُّخْنِ (٣)، واللَّحْمِ، واللَّبَنِ،

стр. 3140

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وسائِرِ ما يَقْتاتُ؛ لأنَّ مَبْناها على المُواساةِ. وقال أبو بكر: يُخْرِجُ ما يقومُ مَقامَ المَنْصُوصِ عندَ عَدَمِه مِن كُلِّ مُقْتاتٍ مِن الحَبِّ والتَّمْرِ؛ كالذُّرَةِ، والدُّخْنِ، والأُرْزِ، والتِّينِ اليابِسِ، وأشْباهِه. لأنَّه أشْبَهُ بالمَنْصُوصِ عليه، فكانَ أوْلَى مِن غيرِه، وهذا ظاهِرُ كلامَ الخِرَقِىِّ.

стр. 3141

وَلا يُخْرِجُ حَبًّا مَعِيبًا، وَلَا خُبْزًا، ــ ٩٦٤ - مسألة: (ولا يُخْرِجُ حَبًّا مَعِيبًا, ولا خُبْزًا) لا يَجُوزُ أن يُخْرِجَ حَبًّا مَعِيبًا، كالمُسَوَّسِ، والمَبْلُولِ، والقَدِيمِ الذى تَغَيَّرَ طَعْمُه، لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ (١). فإن كان القَدِيمُ لم يَتَغَيَّرْ طَعْمُه، إلَّا أنَّ الحَدِيثَ أكْثَرُ قِيمَةً، جاز إخْراجُه؛ لعَدَمِ العَيْبِ فيه، والأفْضَلُ الأجْوَدُ. قال أحمدُ: كان ابنُ سِيرِينَ يُحِبُّ أن يُتَقَّى الطَّعامُ، وهو أحبُّ إلىَّ، ليكونَ على الكَمالِ، ويَسْلَمَ ممّا يُخالِطُه مِن غيره. فإن كان المُخالِطُ له يَأْحُذُ حَظًّا مِن المِكْيالِ، وكان كَثِيرًا بحيثُ

стр. 3142

وَيُجْزِئُ إِخْرَاجُ صَاعٍ مِنْ أجْنَاسٍ. ــ يُعَدُّ عَيْبًا فيه، لم يُجْزِئْه، وإن لم يَكْثُرْ، جاز إخْراجُه إذا زاد على المُخْرَجِ قَدْرًا يَزِيدُ على ما فيه مِن غيرِه، ليَكُونَ المُخْرَجُ صاعًا كامِلًا. ولِا يَجُوزُ إخْراجُ الخُبْزِ، ولا الهَرِيسَةِ، ولا الكَبُولا (١)، وأشْباهِها؛ لأنَّه خَرَج عن الكَيْلِ والادِّخارِ، ولا الخَلِّ والدِّبْسِ (٢)؛ لأنَّهما ليسا قُوتًا. ٩٦٥ - مسألة: (ويُجْزِئُ إخْراجُ صاعٍ مِن أجْناسٍ) إذا كان مِن الأجْناسِ المَنْصُوصِ عليها؛ لأنَّ كُلَّ واحِدٍ منهما يُجْزِئُ مُنْفَرِدًا، فأجْزأ بعضٌ مِن هذا وبعضٌ مِن الآخَرِ، كفِطْرَةِ العَبْدِ المُشْتَرَكِ إذا أخْرَجَ كُلُّ واحِدٍ مِن جِنْسٍ.

стр. 3143

وَأفْضلُ الْمُخْرَجِ التَّمْرُ، ثُمَّ مَا هُوَ أنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ بَعْدَهُ، ــ ٩٦٦ - مسألة: (وأفْضَلُ المُخْرَجِ التَّمْرُ، ثُمَّ ما هو أنْفَعُ للْفُقَراءِ بعدَه) وهذا قَوْلُ مالكٍ. قال ابنُ المُنْذِرِ: واسْتَحَبَّ مالكٌ إخْراجَ العَجْوَةِ منه. واخْتارَ الشافعىُّ، وأبو عُبَيْدٍ، إخْراجَ البُرِّ. وقال بعضُ أصحابِ الشافعىِّ: يَحْتَمِلُ أنَّ الشافعىَّ قال ذلك؛ لأنَّ البُرَّ كان أغْلَى في زَمنِه؛ لأنَّ المُسْتَحَبَّ أن يُخْرِجَ أغْلاها ثَمَنًا وأنْفَسَها؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ سُئِل عن أفْضَلِ الرِّقابِ، فقال: «أغْلَاهَا ثَمَنًا، وأنْفَسُهَا عِنْدَ أهْلِهَا» (١). وإنَّما اخْتارَ أحمدُ إخْراجَ التَّمْرِ اقْتِداءً بأصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ . وروَى بإسْنادِه، عن أبى مِجْلَزٍ، قال: قُلتُ لابنِ عُمَرَ: إنَّ اللَّه قد أوْسَعَ، والبُرُّ أفْضَلُ مِن التَّمْرِ. قال: إنَّ أصحابِى سَلَكُوا طَرِيقًا، وأُحِبُّ أن أسْلُكَه.

стр. 3144

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وظاهِرُ هذا أنَّ جَماعَةَ الصَّحابَةِ كانوا يُخْرِجُون التَّمْرَ، فأحَبَّ ابنُ عُمَرَ مَوافَقَتَهُم، وسُلُوكَ طَرِيقِهم، وأحَبَّ أحمدُ أَيضًا الاقْتِداءَ بهم واتِّباعَهم. وروَى البخارىُّ (١)، عن ابنِ عُمَرَ، قال: فَرَض رسولُ اللَّه ﷺ صَدَقَةَ الفِطْرِ، صاعًا مِن تَمْرٍ، أو صاعًا مِن شَعِيرٍ، فعَدَلَ النّاسُ به نِصْفَ صاعٍ مِن بُرٍّ. فكان ابنُ عُمَرَ يُخْرِجُ التَّمْرَ، فأعْوَزَ أهْلُ المَدِينَةِ مِن التَّمْرِ، فأعْطَى شَعِيرًا. ولأنَّ التَّمْرَ فيه قُوتٌ وحَلاوَةٌ، وهو أقْرَبُ تَناوُلًا، وأقَلُّ كُلْفَةً، فكان أوْلَى. والأفْضَلُ بعدَ التَّمْرِ البُرُّ. وقال بعضُ أصحابنا: الزَّبِيبُ؛ لأنَّه أقْرَبُ تَناوُلًا وأقَلُّ كُلْفَةً، أشْبَهَ التَّمْرَ. ولَنا، أنَّ البُرَّ أَنْفَعُ في الاقْتِياتِ، وأْبلَغُ في دَفْعِ حاجَةِ الفَقِيرِ. ولذلك قال أبو مِجْلَزٍ

стр. 3145

وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطِىَ الْجَمَاعَةَ مَا يَلْزَمُ الْوَاحِدَ، وَالْوَاحِدَ مَا يَلْزَمُ الْجَمَاعَةَ. ــ لابنِ عُمَرَ: البُرُّ أفْضَلُ مِن التَّمْرِ. فلم يُنْكِرْه ابنُ عُمَرَ، وإنَّما عَدَل عنه اتِّباعًا لأصْحابِه، وسُلُوكَ طَرِيقَتِهم، ولهذا عَدَل نِصْفَ صاعٍ منه بصاعٍ مِن غيرِه. وتَفْضِيلُ التَّمْرِ إنَّما كان لاتِّباعِ الصَّحابَةِ، فيَبْقَى فيما عَداه على قَضِيَّةِ الدَّلِيلِ. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ الأفْضَلُ بعدَ التَّمْرِ ما كان أعْلَى قِيمَةً وأكْثَرَ نَفْعًا؛ لما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ. ٩٦٧ - مسألة: (ويَجُوزُ أن يُعْطِىَ الجَماعَةَ ما يَلْزَمُ الواحِدَ، والواحِدَ ما يَلْزَمُ الجَماعَةَ) أمّا إعْطاءُ الجَماعَةِ ما يَلْزَمُ الواحِدَ فلا نَعْلَمُ فيه خِلافًا إذا أعْطَى مِن كلِّ صِنْفٍ ثَلاثَةً؛ لأنَّه دَفَع الصَّدَقَةَ إلى مُسْتَحِقِّها.

стр. 3146

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأمّا إعْطاءُ الواحِدِ ما يَلْزَمُ الجَماعَةَ، فإنَّ الشافعىَّ ومَن وافَقَه أوْجَبُوا تَفْرِيقَ الصَّدَقَةِ على سِتَّةِ أصْنافٍ، مِن كلِّ صِنْفٍ ثَلاثةٌ. وقد رُوِى مثلُ هذا عن أحمدَ، وسَنَذْكُرُ ذلك فيما بعدَ هذا البابِ، إن شاء اللَّهُ تعالى. وظاهِرُ المَذْهَبِ الجَوازُ، وبه قال مالك، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى، وابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّها صَدَقَةٌ لغير مُعَيَّنٍ، فجاز صَرْفُها إلى واحِدٍ، كالتَّطَوُّعِ.

стр. 3147

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ومَصْرِفُ صَدَقَةِ الفِطْرِ مَصْرِفُ سائِرِ الزَّكَواتِ؛ لعُمُومِ قَوْلِه تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ (١). الآيةُ. ولأنَّها زكاة، أشْبَهَتْ زكاةَ المالِ، فلا يَجُوزُ دَفْعُها إلى مَن لا يجوزُ دَفْعُ زكاةِ المالِ إليه. وبهذا قال مالكٌ، واللَّيْثُ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وقال أبو حنيفةَ: يَجوزُ. وعن عَمْرِو بنِ مَيْمُونٍ، وعَمْرِو بنِ شُرَحْبِيل، ومُرَّةَ الهَمْدانِىِّ (٢)، أنَّهم كانوا يُعْطُون منها الرّهْبانَ. ولَنا، أنَّها زكاةٌ، فلم يَجُزْ دَفْعُها إلى غيرِ المُسْلِمِين، كزكاةِ المالِ، وزَكاةُ المالِ لا يجوزُ دَفْعُها إلى غيرِ المُسْلِمِين إجْماعًا. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّه لا يَجُوزُ أن يُعْطِىَ مِن زكاةِ المالِ أحَدًا مِن أهْلِ الذِّمَّةِ. فصل: فإن دَفَعَها إلى مُسْتَحِقها، فأخْرَجَها آخِذُها إلى دافِعِها، أو جُمِعَتِ الصَّدَقَة عندَ الإِمامِ، ففَرَّقَها على أهْلِ السُّهْمانِ، فعادَتْ إلى إنْسانٍ

стр. 3148

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ صَدَقَتُه. فاخْتارَ القاضى جَوازَ ذلك، قال: لأنَّ أحمدَ نَصَّ في مَن له نِصابٌ مِن الماشيَةِ والزُّرُوعِ، أنَّ الصَّدَقَةَ تُؤْخَذُ منه، وتُرَدُّ إليه، إذا لم يكنْ له قَدْرُ كِفايَتِه. وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ قَبْضَ الإِمامِ أو المُسْتَحِقِّ أزالَ مِلْكَ المُخْرجِ، وعادَتْ إليه بسَبَبٍ آخَرَ، أَشْبَهَ ما لو عادَتْ إليه بمِيراثٍ. وقال أبو بكر: مَذْهَبُ أحمدَ أنَّه لا يَحِلُّ له أخْذُها؛ لأنَّها طُهْرَةٌ، فلم يَجُزْ له أخْذُها، كشِرائِها؛ لأنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أراد أن يَشتَرِى الفَرَسَ الذى حَمَلَ عليه في سَبِيلِ اللَّهِ، فقال له النبىُّ ﷺ : «لَا تَشْتَرِهَا، وَلَا تَعُدْ في صَدَقَتِكَ، فَإنَّ الْعائِدَ في صَدَقَتِهِ كَالْعَائِدِ في قَيْئهِ» (١). فإن عادَتْ إليه بالشِّراءِ، ففيه مِن الخِلافِ مثلُ ما ذَكَرْنا، والمَنْصُوصُ أنَّه لا يجوزُ، فإن عادَتْ إليه بالمِيراثِ، فله أخْذُها؛ لأنَّها رَجَعَتْ إليه بغيرِ فِعْلٍ منه، واللَّهُ تعالى أعلمُ.

стр. 3149

بَابُ إِخْرَاجَ الزَكَاةِ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقتِ وُجُوبِهَا مَعَ إِمكَانِهِ إِلَّا لِضَرَرٍ؛ مِثْلَ أَنْ يَخشَى رُجُوعَ السَّاعِى عَلَيْهِ، وَنحْوَ ذَلِكَ. ــ بابُ إِخْراجَ الزَّكاةِ (لا يَجُوزُ تَأخِيرُه عن وَقْتِ وُجُوبِها مع إمْكانِه إلَّا لضَرَرٍ؛ مثلَ أن يَخْشَى رُجُوعَ السّاعِى عليه أو نحوَ ذلك) الزكاةُ واجِبَةٌ على الفَوْرِ، فلا يجوزُ تَأْخِيرُ إخْراجِها مع القُدْرَةِ عليه، إذا لم يَخْشَ ضَرَرًا. وبهذا قال الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: له التَّأْخِيرُ ما لِم يُطالَبْ؛ لأنَّ الأمْرَ بأدائِها مُطْلَقٌ، فلا يَتَعَيَّنُ الزَّمَنُ الأوَّلُ (١) للأداءِ دُون غيرِه، كما لا يَتَعَيَّنُ المكانُ. ولَنا، أنَّ الأمْرَ المُطْلَقَ يَقْتَضِى الفَوْرَ، على ما يُذكَرُ في مَوْضِعِه، ولذلك يَستَحِقُّ مُؤَخِّرُ الامْتِثالِ العِقابَ، بدَلِيلِ أنَّ اللَّه تعالى أخْرَجَ إبْلِيسَ، وسَخِط عليه بامْتِناعِه مِن السُّجُودِ. ولو أنَّ رُجُلًا أمَرَ عَبْدَه أن يَسْقِيَه فأخَّرَ ذلك،

стр. 3150

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اسْتَحَقَّ العُقُوبَةَ، ولأنَّ جَوازَ التَّأْخِيرِ يُنافِى الوُجُوبَ، لكَوْنِ الواجِبِ ما يُعاقَبُ على تَرْكِه، ولو جاز التَّأْخِيرُ، لجاز إلى غيرِ غايَةٍ، فتَنْتَفِى العُقُوبَةُ بالتَّرْكِ. ولو سَلَّمْنا أنَّ مُطْلَقَ الأمْرِ لا يَقْتَضِى الفَوْرَ، لاقْتَضاه في مَسْألَتِنا، إذ لو جاز التَّأْخِيرُ ههُنا لَأخّرَه بمُقْتَضَى طَبْعِه، ثِقَةً منه بأنَّه لا يَأْثَمُ بالتَّأْخِيرِ، فيَسْقُطُ عنه بالمَوْتِ، أو بتَلَفِ مالِه، أو بعَجْزِه عن الأداءِ، فيَتَضَرَّر الفُقَراءُ، ولأنَّ ههُنا قرِينَةً تَقْتَضِى الفَوْرَ، وهو أنَّ الزكاةَ وَجَبَتْ لحاجَةِ الفُقَراءِ، وهى ناجزَةٌ، فيَجِبُ أن يكونَ الوُجُوبُ ناجِزًا، ولأنَّها عِبادَةٌ تَتَكَرَّرُ، فلم يَجُزْ تَأْخِيرُها إلى وقْتِ وُجُوبِ مثلِها، كالصلاةِ والصومِ. قال الأثْرَمُ: سمعتُ أَبا عبدِ اللَّه يُسْألُ عن الرَّجل يَحُولُ الحَوْلُ على مالِه، فيُؤَخِّرُ عن وقتِ الزكاةِ؟ فقال: لا, ولِمَ يُؤَخِّرُ إخْراجَها؟ وشَدَّدَ في ذلك. قِيلَ: فابْتَدَأ في إخْراجِها، فجَعَلَ يُخْرِجُ أوَّلًا فأوَّلًا. فقال: لا، بل يُخْرِجُها كلَّها إذا حال الحَوْلُ. فأمّا إن كان يَتَضَرَّرُ بتَعْجِيل الإِخْراجِ، مثلَ أن يَخْشَى إن أخْرَجَها بنَفْسِه أخَذَها السّاعِى منه مَرَّةً أُخْرَى، فله تَأْخِيرُها. نَصَّ عليه أحمدُ. وكذلك إن خَشِى في إخراجِها ضَرَرًا في نَفْسِه، أو مالٍ له سِواها، فله تَأْخِيرُها؛ لقَوْلِ النبىِّ ﷺ : «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (١). ولأنَّه إذا جاز تَأْخِيرُ دَيْنِ الآدَمِىِّ لذلك (٢)، فتَأْخِيرُ الزكاةِ أوْلَى.

стр. 3151

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإن أخَّرَها ليَدْفَعَها إلى مَن هو أحَقُّ بها، مِن ذى قَرابَةٍ، أو حاجَةٍ شَدِيدَةٍ، فإن كان شيئًا يَسِيرًا فلا بَأْسَ، وإن كان كَثِيرًا لم يَجُزْ. قال أحمدُ: لا يُجَزِّئُ على أقْرَابِه مِن الزكاةِ في كلِّ شَهْرٍ. يَعْنِى لا يُؤَخِّرُ إخْراجَها حتَّى يَدْفَعَها إليهم مُفَرَّقَةً، في كلِّ شَهرٍ شيئًا، فأمّا إن عَجَّلَها فَدَفَعَها إليهم أو (١) إلى غيرِهم مُفَرَّقَةً أو مَجْمُوعَةً، جاز؛ لأنَّه لم يُؤَخِّرْها عن وَقْتِها، وكذلك إن كانت عندَه أمْوالٌ أحْوالُها مُخْتَلِفَةٌ، مثلَ أن يكونَ عندَه نِصابٌ، وقد اسْتَفادَ في أثْناءِ الحَوْلِ مِن جِنْسِه، لم يَجُزْ تَأْخِيرُ الزكاةِ ليَجْمَعَها كلَّها؛ لأنَّه يُمْكِنُه جَمْعُها بتَعْجِيلِها في أوَّلِ واجِبٍ منها.

стр. 3152

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإن أخْرَجَ الزكاةَ، فضاعَتْ قبلَ دَفْعِها إلى الفَقِيرِ، لم تَسْقُطْ عنه. وهذا قولُ الزُّهْرِىِّ، وحَمّادٍ، والثَّوْرِىِّ، وأبى عُبَيْدٍ، والشافعىِّ، إلَّا أنَّه قال: إن لم يكنْ فَرَّطَ في إخراجِ الزكاةِ، وفى حِفْظِ ذلك المُخْرَجِ

стр. 3153

فَإِنْ جَحَدَ وُجُوبَهَا جَهْلًا بِهِ، عُرِّفَ ذَلِكَ، فَإِنْ أصَرَّ كَفَرَ وَأُخِذَتْ مِنْهُ، وَاسْتُتِيبَ ثَلَاثًا، فَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ. ــ رُجعَ إلى مالِه، فإن كان فيما بَقِىَ زكاةٌ أخْرَجَ، وإلَّا فلا. وقال أصحابُ الرَّأْى: يُزَكى ما بَقِى، إلَّا أن يَنْقصَ عن النِّصابِ وإن فَرَّطَ. وقال مالكٌ: أراها تُجْزِئُه إذا أخْرَجَها في مَحَلِّها، وإن أخْرَجَها بعدَ ذلك ضَمِنَها. وقال مالكٌ: يُزَكِّى ما بَقِىَ بقِسْطِه، وإن بَقِى عَشَرَةُ دَراهِمَ. ولَنا، أنَّه حَقٌّ مُتَعَيِّنٌ على رَبِّ المالِ، تَلِف قبلَ وُصُولِه إلى مُسْتَحِقِّه، فلم يَبْرَأْ منه بذلك، كدَيْنِ الآدَمِىِّ. قال أحمدُ: ولو دَفَع إلى رجل زَكاتَه خَمْسَةَ دَراهِمَ، فقَبْلَ أن يَقْبِضَها منه، قال: اشْتَرِ لى ثَوْبًا بها أو طَعامًا. فذَهَبَتِ الدَّراهِمُ، أو اشْتَرَى بها ما قال فضاعَ منه، فعليه أن يُعْطِى مَكانَها؛ لأنَّه لم يَقْبِضْها منه، ولو قَبَضَها ثم رَدَّها إليه، وقال: اشْتَرِ لى بها، أو اشْتَرِ بها. فضاعَتْ، أو ضاع ما اشْتَراه، فلا ضَمانَ عليه إذا لم يكنْ فَرَّطَ. وإنَّما قال ذلك؛ لأنَّ الفَقِيرَ لا يَمْلِكُها إلَّا بقَبْضِه، فإذا وَكَّلَه في الشِّراءِ بها لم يَصِحَّ التَّوْكِيلُ، وبَقِيَتْ على مِلْكِ رَبِّ المالِ، فإذا تَلِفَتْ كانت مِن ضَمانِه. ولو عَزَل قَدْرَ الزكاةِ يَنْوِى أنَّه زكاةٌ فتَلِفَ فهو مِن ضَمانِ رَبِّ المالِ، ولا تَسْقُطُ الزكاةُ عنه بذلك، سَواءٌ قَدَر على دَفْعِها أو لم يَقْدِرْ، وهى كالمَسْألةِ قبلَها. ٩٦٨ - مسألة: (فإن جَحَد وُجُوبَها جَهْلًا به، عُرف ذلك، فإن أصَرَّ كَفَر وأُخِذَتْ منه، واسْتُتِيبَ ثَلاثًا، فإن لم يَتُبْ قُتِل) مَن جَحَد وُجُوبَ الزكاةِ جَهْلًا به، وكان ممَّن يَجْهَلُ ذلك، إمّا لحَداثَةِ عَهْدِه بالإِسْلامِ، أو لأنَّه نَشَأ ببادِيَةٍ بَعِيدَةٍ، عُرِّفَ وُجُوبَها, ولم يُحْكَمْ

стр. 3154

وَمَنْ مَنَعَهَا بُخْلًا بِهَا، أُخِدتْ مِنْهُ وَعُزِّرَ. فَإِنْ غَيَّبَ مَالَهُ، أَوْ كَتَمَهُ، أوْ قَاتَلَ دُونَهَا، وَأَمْكَنَ أخْذُهَا، أُخِذَتْ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَأْخُذُهَا وَشَطْرَ مَالِه. ــ بكُفْرِه؛ لأنَّه مَعْذُورٌ. وإن كان مُسْلِمًا ناشِئًا ببِلادِ الإِسْلامِ بينَ أهلِ العلْمِ فهو مُرْتَدٌّ، تَجْرِى عليه أحْكامُ المُرْتَدِّين، ويُسْتَتابُ ثلاثًا، فإن تاب وإلَّا قُتِل؛ لأنَّ أدِلَّةَ وُجُوبِ الزكاةِ ظاهِرَةٌ في الكِتابِ والسُّنَّةِ وإجْماعِ الأمَّةِ، فلا تَكادُ تَخْفَى على مَن هذا حالُه، فإذا جَحَدَها لا يكونُ إلَّا لتَكْذِيبِه الكِتابَ والسُّنَّةَ، وكُفْرِه بهما. ٩٦٩ - مسألة: (وإن مَنَعَها بُخْلًا بها، أُخِذَتْ منه وعُزِّرَ. فإن غَيَّبَ مالَه، أو كَتَمَه، أوْ قاتَلَ دُونَها، وأمْكَنَ أخْذُها، أُخِذَت مِن غيرِ زِيادَةٍ. وقال أبو بكرٍ: يَأْخُذُها وشَطْرَ مالِه) إذا مَنَع الزكاةَ مع اعْتِقادِ وُجُوبِها، وقَدَر الإِمامُ على أخْذِها منه، أَخَذَها وعَزَّرَه. قال ابنُ عَقِيلٍ:

стр. 3155

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إلَّا أن يكونَ كَتَمَها لفِسْقِ الإِمامِ، لكَوْنِه يَصْرِفُها في غيرِ مصارِفِها (١)، فلا يُعَزَّرُ؛ لأنَّ له عُذْرًا في ذلك. ولم يَأْخُذْ زِيادَةً عليها، في قولِ أكْثَرِ أهلِ العلْمِ؛ منهم أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأصحابُهم. وكذلك إن غَلَّ مالَه فكَتَمَه، أو قاتَلَ دُونَها فقَدَرَ عليه الإِمامُ. وقال إسحاقُ ابنُ راهُويه، وأبو بكَرٍ عبدُ العزِيزِ: يَأْخُذُها وشَطْرَ مالِه؛ لِما روَى أبو داودَ، والنَّسائِىُّ، والأثْرَمُ (٢)، عن بَهْزِ بن حَكِيمٍ، عن أَبيه، عن جَدِّه، عن النبىِّ ﷺ أنَّه كان يقولُ: «في كُلِّ سَائِمَةِ الإبِلِ، في كُلِّ أرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، لَا تُفَرَّقُ الإبِلُ عَنْ حِسَابِهَا (٣)، مَنْ أعْطَاهَا مُؤْتَجرًا فَلَهُ أجْرهَا، وَمَنْ أبَى فَإنَّا آخِذُوهَا وَشَطْرَ مَالِهِ، عَزْمَةً مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا، لَا يَحِلّ لِآلِ مُحَمَّدٍ مِنهَا شَئٌ». وسُئِل أحمدُ عن إسْنادِه
следующие страницы →