. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المذهبِ. وكذلك ما خَرَج عن حَدِّ الوَجْهِ عَرْضًا. وهذا ظاهرُ مذهبِ الشافعيِّ؛ لأنَّها مِن الوَجْهِ، بدليلِ ما رُوِيَ، أنَّ النبيَّ ﷺ رأى رجلًا قد غَطَّى لِحْيَتَه في الصلاةِ، فقال: «اكْشِفْ لِحْيَتَكَ، فَإنَّ اللِّحْيَةَ مِنَ الْوَجْهِ» (١). ولأَنّه نابِتٌ في مَحَلِّ الفَرْضِ، أشْبَه اليَدَ الزّائِدَةَ، ولأنَّها تحْصُلُ بها المُواجَهَةُ، أَشْبَهَتْ سائِرَ الوَجْهِ. وقال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ في أحَدِ قَوْلَيه: لا يَجِبُ غَسْلُ ما نَزَل مِنها عَنْ حَدِّ الوَجْهِ طُولًا، ولا ما خَرَج عَرْضًا؛ لأنه شَعَرٌ خارِجٌ عن مَحَلِّ الفَرْضِ، أشْبَه ما نَزَل مِن شَعَرِ الرّأْسِ. ورُوِيَ عن أبي حنيفةَ، أنَّه لا يَجِبُ غَسْلُ اللّحْيَةِ الكَثِيفَةِ، وما تحتَها مِن بَشَرَةِ الوَجْهِ؛ لأنَّ الوَجْه اسْمٌ للبَشَرَةِ التي تحْصُلُ بها المُواجَهَةُ،
стр. 317
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولم يُوجد ذلك في واحدةٍ مِنْهما. وقال الخَلّالُ: الذي ثَبَت عن أبي عبدِ اللهِ في اللِّحْيَةِ، أنَّه لا يَغْسِلُها، وليستْ مِن الوَجْهِ. وظاهِرُ هذا كمذهبِ أبي حنيفةَ، فيما ذُكِرَ عنه آخِرًا، والمشهورُ عن أبي حنيفةَ وُجوبُ غَسْلِ رُبْع اللِّحْيَةِ، كقَوْلِه فِي مَسْحِ الرَّأْسِ. والقولُ الأوَّلُ هو المشهورُ في المذهبِ. وما رُوِيَ عن أحمدَ، يحْتَمِلُ أنَّه أرادَ ما خَرَج عن الوَجْهِ منها، كما ذَكَرْنا عن الشافعيِّ، وأبي حنيفةَ، فعلى هذا يَصِيرُ فيه رِوايَتان. ويحْتَمِلُ أنَّه أرادَ غَسْلَ باطِنِها، فيَكُونُ مُوافِقًا للقولِ الأوَّلِ، وهو الصحيحُ، إن شاءَ اللهُ. وقِياسُهم على النّازلِ مِن شَعَرِ الرَّأسِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لا يَدخُلُ. في اسْمِ الرّأْس، وهذا يَدْخُلُ في اسمِ الوَجْهِ؛ لِما ذَكَرنا مِن الحديثِ، [ولحُصولِ المُواجَهَةِ به. واللهُ أعلمُ] (١).
стр. 318
فَإِنْ كَانَ فِيهِ شَعَرٌ خَفِيفٌ يَصِفُ الْبَشَرةَ وَجَبَ غَسْلُهَا مَعَهُ، وَإنْ كَانَ يَسْتُرُهَا أَجْزأَهُ غَسْلُ ظَاهِرِهِ. وَيُسْتَحَبُّ تَخْلِيلُهُ.
ــ
٩٧ - مسألة: (فإن كان فيه شَعَرٌ خَفِيفٌ يَصِفُ البَشَرَةَ، وَجَبَ غَسْلُها معه. وإن كان يَسْتُرُها، أَجزأَه غَسْلُ ظاهِرِه. ويُسْتَحَبُّ تَخْلِيلُه) أمّا إذا كانت الشُّعُورُ التي (١) في الوَجْهِ تَصِفُ البَشَرَةَ، وَجَب غَسْلُ البَشَرَةِ والشَّعَرِ؛ لأنَّ البَشَرَةَ ظاهِرَةٌ تَحْصُلُ بها المُواجَهَةُ، فوَجَبَ غَسْلُها كالتي لا شَعَرَ عليها، ويَجِبُ غَسْلُ الشَّعَرِ؛ لأنَّه نابِتٌ في مَحَلَ الفَرْضِ، تَبَعٌ له. وإن كان كثِيفًا يَسْتُرُ البَشَرَةَ، أجْزأَه غَسْلُ ظاهِرِه،
стр. 319
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لحُصولِ المُواجَهةِ به، ولم يَجِبْ غَسْلُ ما تحتَه؛ لأنَّه مَسْتور، أَشْبَه باطِنَ الأنْفِ. ويُسْتَحَبُّ تَخْلِيلُه، وقد ذَكَرْنا ذلك في سُنَّةِ الوُضُوء، ولا يَجِبُ التَّخْلِيلُ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا في المذهبِ، وهو مذهبُ أكْثَرِ أَهلِ العلمِ؛ لأنّ الله تعالى أَمر بالغَسْلِ ولم يَذْكُرِ التَّخْلِيلَ. ولأنَّ أَكثرَ مَن حَكَى وُضُوءَ رسولِ الله ﷺ لم يَحْكِه، ولو كان واجبًا لَما أخَلَّ به، ولو فَعَلَه لنَقَلَه الذين نَقَلُوا وُضوءَه أو أكْثَرُهم. وتركُه لذلك يَدُلُّ على أنَّ غَسْلَ ما تحتَ الشَّعَرِ الكَثِيفِ ليس بواجِبٍ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ كان كَثِيفَ اللِّحْيَةِ، فلا يَبْلُغُ الماءُ إلى ما تحتَ شَعَرِها إلا بالتَّخْلِيلِ، وفعْلُه للتَّخْلِيلِ في بعض أَحْيانِه يَدُلُّ على اسْتِحبابِه. وقال إسحاقُ: إذا تَرَك تَخلِيلَ لِحْيَتِه عامِدًا، أعادَ الوُضوءَ؛ لِما رَوَى أنَسٌ، أنَّ النبي ﷺ كان إذا تَوَضَّأ أَخذ كَفَّا مِن ماء، فأدْخَلَه تحتَ حَنَكِه، وخَلَّلَ به لِحْيَتَه، وقال: «هكَذَا أَمرَنِي رَبِّي ». رَواه أبو داودَ (١). ولِما ذَكرْنا مِن حديثِ ابنِ عُمَرَ. وقال عَطاءٌ، وأبو ثَوْرٍ: يَجِبُ غَسْلُ ما تحتَ الشُّعورِ الكَثِيفَةِ في الوُضوءِ، قِياسًا على الجَنابَةِ. ونَحوه قولُ سعيدِ بنِ جُبَيرٍ. وقولُ الجمهورِ أوْلَى. والفَرْقُ بينَ الوُضوءِ والغُسْلِ، أنَّ غَسْلَ باطِنِ الشَّعَرِ الكَثِيفِ، يَشُقُّ في الوُضُوءِ؛ لتَكَرُّرِه، بخِلافِ الغُسْلِ. فإن كان بعضُ الشَّعَرِ كَثِيفًا، وبَعْضُه خَفِيفًا، وَجَب غَسْلُ بَشَرَةِ الخَفِيفِ معه، وظاهِرِ الكَثِيفِ. وجميعُ شُعُورِ الوَجْه
стр. 320
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في ذلك سَواءٌ، وذَكَر بعضُ أصحابِنا في الشّارِبِ، والعَنْفَقَةِ، والحاجِبَين، وأهْدابِ العَينَين، ولِحْيَةِ المرأةِ إذا كانت كَثِيفَةً، وَجْهَين؛ أحدُهما، يَجِبُ غَسْلُ باطِنِها؛ لأنها لا تَسْتُرُ عادَةً، وإن وُجِدَ ذلك فهو نادِرٌ، يَنْبَغِي أن لا يَتَعَلَّقَ به حُكْمٌ، وهو مذهبُ الشافعيِّ. والثاني، لا يَجِبُ، قِياسًا على لِحْيَةِ الرجلِ، ودَعْوَى النُّدْرَةِ في غيرِ الأهْداب مَمْنُوعٌ. واللهُ أعلمُ.
فصل: ولا يَجبُ غَسْلُ داخِلِ العَينَين، لا يُسَتَحَبُّ في وُضُوءٍ، ولا غُسْل؛ لأنَّ النبيّ ﷺ لم يَفْعَلْه. ولا أَمَر به، وفيه ضَرَرٌ. وذَكَر القاضي في «المُجَرَّدِ» في وُجُوبِه، رِوايَتَين عن بعضِ الأصحابِ. قال ابنُ عَقِيل: إنَّما الرِّوايتان في وُجُوبِه في الغُسْلِ؛ فأمَّا في الوُضوءِ فلا يَجِبُ، رِوايَةً واحدة، وذَكَر أنَّ أحمدَ نَصَّ على اسْتحْبابِه في الغُسْلِ؛ لأنَّه يَعُمُّ جميعَ البَدَنِ، ويجبُ فيه غَسْلُ ما تحتَ الشُّعُورِ الكثِيفَةِ. وذَكَره القاضي وأبو الخَطّاب مِن سُنَنِ الوُضوءِ؛ لأنَّه رُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه عَمِيَ مِن كَثْرَةِ إدخالِ الماءِ في عَينَيه. ولأنَّهما مِن جُمْلَةِ الوَجْهِ. والأوَّلُ أوْلَى، وهو اختيارُ شيخِنا (١)، وما ذُكِرَ عن ابنِ عُمَرَ فهو دَلِيلٌ على كراهتِه؛ لكَوْنِه ذَهَب ببَصَرِه، وفَعَل ما يُخافُ مِنه ذَهابُ البَصَر، إذ لم يَردْ به الشَّرْعُ ولم يَكُنْ مُحَرَّمًا، فلا أقَلَّ مِن الكَراهَةِ. واللهُ أعلمُ.
стр. 321
ثُمَّ يَغسِلُ يَدَيهِ إِلَى الْمِرْفَقَينِ ثَلَاثًا، وَيدْخِلُ الْمرْفَقَينِ فِي الْغَسْلِ،
ــ
فصل: ويُسْتَحَبُّ التَّكْثِيرُ في ماءِ الوَجْهِ؛ لأنَّ فيه غُضُونًا وشُعُورًا ودَواخِلَ وخَوارِاجَ، ليَصِلَ الماءُ إلى جَمِيعِه، وقد روَى عليٌّ، ﵁، في صِفَةِ وُضُوءِ رسولِ اللهِ ﷺ ، قال: ثم أدْخَلَ يَدَيه في الإِناءِ جَمِيعًا، فأخَذَ بهما حَفْنَةً مِن ماءٍ، فضَرَبَ بهما على وَجْهِه، ثم الثانيةَ، ثم الثالثةَ مثلَ ذلك، ثم أَخَذ بكَفِّه اليُمْنَى قَبْضَةً مِن ماءٍ، فتَركَها تَسْتَنُّ (١) على وَجْهِه. رَواه أبو داودَ (٢). يعني: تَسِيلُ وتَنْصَبُّ. قال محمدُ بنُ الحَكَمِ: كَرِه أبو عبدِ اللهِ أن يأُخُذَ الماءَ، ثم يَصُبَّه، ثم يَغْسِلَ وجهه، وقال: هذا مَسْحٌ، ولَكِنَّه يَغْسِلُ غَسْلًا. واللهُ أعلمُ.
٩٨ - مسألة: (ثم يَغْسِلُ يَدَيه إلى المِرْفَقَين ثلاثًا، ويُدْخِلُ المرْفَقَين في الغَسْلِ) غَسْلُ اليَدَينِ واجِبٌ بالإِجماعِ؛ لقولِ الله تِعالى: ﴿وَأَيدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (٣). ويَجِبُ إدخالُ المِرْفَقَين في الغَسْلِ، في قَوْلِ أكثر
стр. 322
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أَهْلِ العلمِ، مِنهم عَطاءٌ، ومالكٌ (١)، والشافعيّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْيِ. وقال ابنُ داودَ (٢) وبَعْضُ المالِكِيَّةِ: لا يَجِبُ. وحُكِيَ ذلك عن زُفَرَ؛ لأنَّ الله تعالى أَمرَ بالغَسْلِ إلى [المَرافِقِ، وجَعَلَها] (٣) غايَةً بحرفِ ﴿إِلَى﴾، وهو لانْتِهاءِ الغاية، فلا يدخُلُ المَذْكورُ بعدَه فيه، كقولِ الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيلِ﴾ (٤). ولَنا، ما روَى جابرٌ قال: كان النبيُّ ﷺ إذا تَوَضَّأ أدارَ الماءَ على مِرْفَقَيه. أخرجَه الدّارَقُطْنِيُّ (٥). وهذا بَيان للغَسْلِ المَأمُورِ به في الآية. وقولُهما: إنَّ ﴿إِلَى﴾ لانْتِهاء الغاية. قُلنا: قد تُسْتعمَلُ بمَعْنَى «مع». كقولِه تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ (٦)، ﴿يَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ (٧) ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ (٨). أي: مع أموالِكم. وقال
стр. 323
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المُبَرِّدُ (١): إذا كان الحَدُّ مِن جِنْسِ المَحْدُودِ دَخَل فيه، كقوْلِهم: بِعْتُ الثَّوْبَ مِن هذا الطَّرَفِ إلى هذا الطَّرَفِ.
فصل: ويَجِبُ غَسْلُ أظْفارِه وإن طالتْ، والإِصْبَعِ، واليَدِ الزّائِدَةِ، والسِّلْعَةِ (٢)، لأنَّ ذلِك مِن يَدِه، كالثُّؤْلُولِ (٣). وإن كانت نابِتَةً في غيرِ مَحَلِّ الفرْضِ، كالعَضُدِ، لم يَجِبْ غَسْلُها، طويلةً كانت أو قصيرةً، لأنَّها في غيرِ مَحَلِّ الفرْضِ، فهي كالقَصِيرَةِ. وهذا قولُ ابنِ حامدٍ وابنِ عَقِيلٍ، وقال القاضي: يَجِبُ غَسْلُ ما حاذَى مَحَلَّ الفرضِ منهما. والصحيحُ الأوَّلُ. واخْتَلَفَ أصحابُ الشافعيِّ في ذلك، نَحْوَ ما ذَكَرْنا. وإن كانتا مُتَساويَتَينِ، ولم تُعْلَمِ الأصْلِيَّةُ منهما، غَسَلَهما جَمِيعًا، ليَخْرُجَ عن العُهْدَةِ بيَقِينٍ، كما لو تَنَجَّسَتْ إِحْدَى يَدَيه غيرَ مُعَيَنةٍ. وإن انْقَلَعَتْ (٤) جِلْدَةٌ مِن الذِّراعِ، فتَدَلَّتْ مِن العَضُدِ، لم يجبْ غَسْلُها؛
стр. 324
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لأنَّها صارتْ في غيرِ مَحَل الفَرْضِ. وإن كانت بالعَكْسِ وَجَب غسلُها؛ لأنَّها صارَتْ في مَحَلِّ الفَرْضِ، أشْبَهَتِ الإِصْبَعَ الزّائِدةَ. وإن انْقَلَعَتْ مِن أحَدِ المَحَلَّينِ، فالْتَحَم رأسُها في الآخَر، وبَقِيَ وَسَطُها مُتَجافِيًا، وَجَب غَسْلُ ما حاذَى مَحَلَّ الفَرْضِ مِن ظاهِرِها وباطِنِها، وما تحتَها.
فصل: إذا كان تحتَ أظفارِه وَسَخٌ يَمْنَعُ وُصُولَ الماءِ إلى ما تحتَه، فقال ابنُ عَقِيلِ: لا تَصِحُّ طهارتُه حتى يُزِيلَه؛ كما لو كان على يَدِه شَمْعٌ. قال شيخُنا: ويَحْتَمِلُ أن لا يَجِبَ ذلك، لأنَّ هذا يَسْتَتِرُ عادَةً، فلو كان غَسْلُه واجِبًا لبَيَّنه ﷺ ؛ لأنَّه لا يَجُوزُ تأْخِيرُ البَيانِ عن وقتِ الحاجَةِ، وقد عاب النَّبِي ﷺ عليهم كَوْنَهُم يدْخُلُون عليه قُلْحًا (١)، ورُفْغُ (٢) أحدِهِم بينَ أُنْمُلَتِه وظُفْرِه (٣). يعني أنَّ وَسَخَ أَرْفاغِهِم تحتَ أَظْفارِهِم، يَصِلُ إليه رائِحَةُ نَتْنِها، ولم يَعِبْ بُطْلانَ طهارَتِهِم، ولو كان مُبْطِلًا للطهارةِ، لكان ذلك أهَمَّ مِن نَتْنِ الرِّيحِ (٤).
стр. 325
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ومَن كان يَتَوَضَّأ مِن ماءٍ يَسِيرٍ يَغْتَرِفُ منه، فاغتَرَف (١) مِنه بيَدَيه عندَ غَسْلِ يَدَيه، لم يُؤثِّرْ ذلك في الماءِ. وقال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ: يَصِيرُ الماءُ مُسْتَعْمَلًا بغَرْفِه منه؛ لأنَّه مَوْضِعُ غَسْلِ اليَدِ، وهو ناوٍ للوُضُوءِ ولغَسْلِها، أَشْبَهَ ما لو غَمَسَها في الماء يَنْوى غَسْلَها فيه. ولَنا، أنَّ في حديثِ عثمانَ: ثم غَرَف بيَده اليُمْنَى على ذِراعِه اليُمْنَى، فغَسَلَها إِلى المِرْفَقَين ثلاثًا، ثم غَرَفَ بيَمِينه، فغَسَلَ يَده اليُسْرَى. رواه سعيدٌ (٢). وفي حديثِ عبدِ الله بنِ زيدٍ: ثم أدْخَلَ يَدَه في الإناءِ، فغَسَلَ يَدَيه إلى المِرْفَقَين
стр. 326
ثم يمسح رأْسَه،
ــ
مَرَّتَين. مُتَّفَقٌ عليه (١). ولو كان هذا يُفْسِدُ الوُضُوءَ، لكان النبيُّ ﷺ أحَقَّ بمَعْرِفَتِه، ولبَيَّنّه لكَوْنِ الحاجَةِ ماسَّةً إليه، إذْ كان لا يُعْرَفُ بدُونِ البَيانِ، ولا يَتَوَقّاه إلَّا مُتَحَذْلِقٌ، وما ذَكَرُوه لا يَصِحُّ؛ فإنَّ المُغْتَرِفَ لم يَقْصِدْ بغَرفِه إلَّا الاغْتِرافَ دُونَ الغَسْلِ، فأشْبَه مَن يَغُوصُ في البِئْرِ لترقِيَةِ الدّلْو، وهو جُنُبٌ لا يَنوى الغُسْلَ، ونِيَّةُ الاغْتِرافِ صَرَفَتْ نِيَّةَ الطهارةِ. والله أعلمُ.
٩٩ - مسألة: (ثم يَمْسَحُ رأْسَه) ومَسْحُ الرَّأْس فَرْضٌ بالإجماعِ؛ لقولِ الله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (٢). وهو ما يَنْبُتُ
стр. 327
فَيَبْدَأُ بِيَدَيهِ مِنْ مُقَدَّمِ رَأْسِهِ، ثُمَّ يُمِرُّهُمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ يَرُدُّهُمَا إِلَى مُقدَّمِهِ.
ــ
عليه الشَّعَرُ في حَقِّ الصَّبِيِّ، ويَنْبَغِي أن يُعْتَبَرَ غالِبُ الناس، فلا يُعْتَبَرُ الأفْرَعُ (١)، ولا الأجْلَحُ، كما قُلنا في حَدِّ الوَجْهِ. والنزَّعتان مِن الرأْس، وكذلك الصُّدْغان، وقد ذَكَرْنا ذلك في الوَجْهِ.
١٠٠ - مسألة: (فيَبْدأْ بيَدَيه مِن [مُقَدَّم رأْسِه] (٢)، ثم يُمِرُّهُما إلى قَفاه، ثم يَرُدُّهما إلى مُقَدَّمه) وجُمْلَتُه أنَّ المُسْتَحَبَّ في مَسْحِ الرَّأْس أن
стр. 328
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَبُلَّ يَدَيه، ثم يَضَعَ طَرَفَ إحدَى سَبَّابَتَيه على طَرَفِ الأخْرَى، ويَضَعَهما على مُقَدَّمِ رَأْسِه، ويَضَعَ الإِبهامَين على الصُّدْغَين، ثم يُمِرَّ يَدَيه إلى قَفاه، ثم يَرُدَّهُما إلى المَوْضِع الذي بَدَأ منه؛ لِما رَوَى عبدُ اللهِ بنُ زيدٍ في وَصْفِ وُضُوءِ النبِي ﷺ ، قال: فمَسَحَ رأْسَه بيَدَيه، فأقْبَلَ بِهِما وأدْبَرَ. وفي لفظٍ: بَدَأ بمُقَدَّمِ رَأْسِه حتى ذَهبَ بِهِما إلى قَفاه، ثم رَدَّهُما إلى المَكان
стр. 329
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الذي بَدَأ منه. مُتَّفَقٌ عليه (١). فإن كان ذا شَعَرٍ يَخافُ أن يَنْتَفِش بِرَدِّ يَدَيه، لم يَرُدَّهُما. نصَّ عليه الإمامُ أحمدُ؛ لَأنَّه قد رُوِيَ عن الرُّبِّيعِ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ تَوَضَّأ عندَها، فمَسَحَ الرَّأْسَ كُلَّه، مِن فرْقِ الشَّعَرِ، كُلَّ ناحِيةٍ لمَصَبِّ الشَّعَرِ، لا يُحَرِّكُ الشَّعَرَ عن هيئَتِه. رَواه أبو داود (٢).
وسُئِل أحمدُ: كيف تَمْسَحُ المرأة؟ فقال: هكذا. ووَضَع يَده على وَسَطِ رَأَسِه، ثم جَرَّها إلى مُقَدَّمِه، ثم رَفَعَها فوَضَعَها حيث منه بَدَأ، ثم جَرَّها إلى مُؤخَّرِه. وكيفَ مَسَح بعدَ اسْتِيعابِ قَدْرِ الواجبِ أَجْزَأه، ولا يَحْتاجُ إلى ماء جَدِيدٍ في رَدِّ يَدَيه على رَأْسِه. قال القاضي: وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه يَأْخُذُ للرَّدَّة ماءً جديدًا، وليس بصَحِيحٍ. قاله القاضي.
стр. 330
وَيَجِبُ مَسْحُ جَمِيعِهِ مَعَ الْأُذُنَينِ. وَعَنْهُ، يُجْزِئُ مَسْحُ أَكْثَرهِ،
ــ
١٠١ - مسألة: (ويَجِبُ مَسْحُ جَمِيعِه مع الأذُنَين، وعنه: يُجْزئُ مَسْحُ أكْثَرِه) اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عَن أحمدَ في قَدْرِ الواجِبِ؛ فرُوِيَ عنه أنَّه يجبُ (١) مَسْحُ جَمِيعِه في حَقِّ كلِّ أحَدٍ. وهو ظاهِرُ قولِ الخِرَقِيِّ، ومذهبُ مالكٍ؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ (٢). الباءُ للإلْصاقِ، فكأنَّه قال: وامْسَحُوا رُءُوسَكُمْ. وصار كقَوْلِه سبحانه في التَّيَمُّمِ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (٢). قال ابنُ بَرْهَانٍ (٣): مَن زَعَمَ أنَّ الباءَ للتَّبعِيضِ، فقد جاءَ أهلَ اللُّغَةِ بما لا يَعْرِفُونَه (٤). ولأنَّ الذين وَصَفُوا وُضُوءَ رسولِ اللهِ ﷺ ذَكَرُوا أنَّه مَسَح رَأسَه كلَّه، وقد ذَكَرْنا حديثَ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ، وحديثَ الرُّبَيِّع، وهذا
стр. 331
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يصْلُحَ أن يكون بيانًا للمَسْحِ المَأْمُورِ به. ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه يُجْزِئُ مَسْحُ بَعْضِه. نَقَلَها عنه أبو الحارِثِ. ونُقِلَ عن سَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ، أنّه كان يَمْسَحُ مُقَدَّمَ رأْسِه (١)، وابنُ عُمَرَ مَسَح اليافُوخَ (٢). ومِمَّن قال بمَسْحِ البَعْضِ الحسنُ، والثَّوْريُّ، والأوْزاعيُّ، والشافيُّ، وأصحابُ الرّأْيِ، وابنُ المُنْذِرِ. قال شيخُنا: إلَّا أنَّ الظّاهِرَ عن أحمدَ، ﵀، في الرجلِ وُجُوبُ الاسْتِيعابِ، وأنَّ المرأةَ يُجْزِئُها مَسْحُ مُقدَّمِ رَأْسِها (٣). قال الخَلّالُ: العَمَلُ في مذهبِ أبي عبدِ اللهِ، أنَّها إن مَسَحَتْ مُقدَّمَ رأسِها أَجْزَأها؛ لأنَّ عائشةَ، ﵂، كانت تمْسَحُ مُقَدَّم
стр. 332
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رَأْسِها (١). واحْتَجَّ مَن أجازَ مَسْحَ البعضِ، بما روَى المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ، قال: رَأَيتُ النبيَّ ﷺ تَوَضَّأَ فمَسَحَ بناصِيَتِه وعلى العِمامَةِ والخُفَّين. رَواه مسلمٌ (٢). وعن أنَسِ بنِ مالكٍ، قال: رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ وعليه عِمامَةٌ قِطريَّةٌ، فأدْخَلَ يَدَه مِن تحتِ العِمامَةِ، فمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِه، ولم ينْقُضِ العِمامَةَ. رَواه أبو داودَ (٣). واحْتجُّوا بأنَّ مَن مَسَح بعضَ الرأسِ، يُقالُ: مَسَح برَأْسِه. كما يقال: مَسَح برأْسِ اليَتِيمِ. وإذا قُلنا بجَوازِ مَسْحِ البعضِ، فأيَّ مَوْضِعٍ مَسَح أجْزَأه، إلَّا أنَّه لا يُجْزئُ مَسْحُ الأُذُنَين عن الرَّأْسِ، لأنَّهما تَبَعٌ، ولا يُجزئُ مَسْحُهما عن الأصلِ. وقال ابنُ عَقِيلٍ: يحْتَمِلُ أن لا يُجزِئَ إلَّا مَسْحُ النّاصِيَةِ؛ لأنّه ﷺ مَسَح
стр. 333
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بناصِيَتِه، فوَجَبَ الاقْتِداءُ به. واخْتَلَف العلماءُ في قدرِ البعضِ المُجْزِئَ، فقال القاضي: قدرُ النّاصِيَةِ؛ لحديثِ المُغِيرَةِ. وحَكَى أبو الخَطّابِ، وبعضُ الشافعيَّةِ: أنّه لا يُجْزِئُه إلَّا مَسْحُ الأكْثَرِ؛ لأنّه يَنْطَلِقُ عليه اسمُ الجَمِيع. وقال أبو حنيفةَ: يُجْزِئُه مَسْحُ رُبْعِه. ورُوِيَ عنه، أنَّه لا يُجْزِئُه أقلُّ مِن ثُلُثهِ. وهو قولُ زُفَرَ. وقال الشافعيُّ: يُجْزِئُ ما يَقَعُ عليه [اسمُ المَسْحِ] (١). حُكِيَ عنه: ثَلاثُ شَعَراتٍ. وحُكِى عنه: لو مَسَح شَعرَةً، أجْزَأه، لوُقُوع اسمِ البعضِ عليه.
стр. 334
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ويَجِبُ مَسْحُ الأذُنَين معه، لأنَّهما منه؛ بدليلِ قولِ النبيِّ ﷺ : «الأذُنَانِ مِنَ الرأسِ» (١). ورُوِيَ عن أحمدَ: أنَّه لا يَجِبُ مَسْحُهما. وهو ظاهِرُ المذهبِ. قال الخَلّالُ: كلهم حَكَوْا عن أبي عبد اللهِ في مَن تَرَكَ مَسْحَ أُذُنَيه عامِدًا، أو ساهِيًا، أنَّه يُجْزِئُه. وظاهرُ هذا أنه لا يَجِبُ، سَواءٌ قلنا بوُجُوبِ الاسْتِيعابِ أولًا؛ لأنّهما مِن الرّأْسٍ على وَجْهِ التَّبَعِ، ولا يُفْهمُ مِن إطْلاقِ اسمِ الرأسِ دُخُولُهما فيه، ولا يُشْبِهان أجْزاءَ الرَّأس، ولذلك لا يُجْزِئُ مَسْحُهما عنه عندَ مَن اجْتَزَأَ بمَسْحِ البعضِ، وهو اختيارُ شيخِنا (٢). والأوْلَى مَسْحُهما، [فرَوَى ابنُ عباسِ أنَّ] (٣) النبيّ ﷺ مَسَح برَأْسِه وأُذُنَيه ظاهِرِهما وباطِنِهما. رَواه الإِمامُ أحمدُ (٤). ورَوَت الرُّبَيِّعُ أنَّ النبيَّ ﷺ تَوَضَّأَ عندَها، فَرَأته مَسَح
стр. 335
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
على رأسِه مُحاذِيَ الشَّعَرِ ما أَقْبَلَ منه وما أَدبَرَ، ومَسَح صُدْغَيه وأُذُنَيه ظاهِرَهُما وباطِنَهُما. رَواهما التِّرْمِذِي وأبو داودَ (١). ويُسْتَحَبُّ أن يُدْخِلَ سَبّابَتَيه في صِماخَيْ أُذُنَيه، ويَمْسَحَ ظاهِرَهما بإبْهامَيه، لأنَّ في بعْضِ ألفاظِ حديثِ الرُّبَيِّعِ: فأدْخَلَ أُصبُعَيه في جُحرَى أُذُنَيه. رَواه أبو داودَ (٢). ولا يَجِبُ مَسْحُ ما اسْتَتَر بالغَضارِيفِ، لأنّ الرأْسَ الذي هو الأصلُ لا يجِبُ مَسْحُ ما اسْتَتَر منه بالشَّعَرِ، فالأذُنُ أوْلَى. والله أعلمُ.
فصل: ولا يَجِبُ مَسْحُ ما نَزَل عن الرَّأْسِ مِن الشَّعَرِ، ولا يُجْزئ مَسْحُه عن الرأْسِ، سَواءٌ رَدَّه فعَقَدَه فوقَ رَأْسِه، أو لم يَرُدَّه؛ لأنَّ الرأْسَ ما تَرَأَّس وعَلا. فإنَّ نَزَل الشَّعَرُ عن مَنْبِتِه، ولم يَنْزِلْ عن مَحَلِّ الفَرْضِ فمَسَحَ عليه، أجْزَأه، لأنَّه شَعَرٌ على مَحَلِّ الفَرْضِ، أشْبَه القائِمَ على مَحَلِّه. ولأنَّ هذا لا يُمكِنُ الاحتِرازُ منه، وإن خَضَب رَأْسَه بما يَسْتُرُه، لم يُجْزِئْه المَسْحُ عليه. نَصَّ عليه أحمدُ في الخِضابِ، لأنَّه لم يَمْسَحْ على مَحَلِّ الفَرْضِ، أَشْبَه ما لو مَسَح على خِرْقَةٍ فوقَ رَأْسِه. ولو أَدْخَلَ يَده تحتَ الشَّعَرِ، فمَسَحَ البَشَرَةَ دُونَ الظّاهِرِ، لم يُجْزِئْه، لأنَّ الحكْمَ تَعَلَّق بالشَّعَرِ،
стр. 336
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فلم يُجْزِئْه مَسْحُ غيرِه، كما لو أوْصَلَ الماءَ إلى باطِنِ اللِّحْيَةِ، ولم يَغْسِلْ ظاهِرَها. فأمّا إن مَسَح رَأْسَه ثم حَلَقَه، أو غَسَل عُضْوًا، ثم قَطَع منه جُزْءًا أو جِلْدَةً، لم يُؤَثِّرْ في طهارتِه؛ لأنَّه ليس بَدَلًا عَمّا تحتَه. وإن أحْدَث بعدَ ذلك، غَسَل ما ظَهَر؛ لأنَّه صار ظاهِرًا، فتَعَلَّق الحُكْمُ به، ولو حَصَل في بعضِ أعْضائِه شَقٌّ أو ثَقْبٌ، لَزِمَه غَسْلُه؛ لأنّه صار ظاهِرًا.
فصل: ويَمْسَحُ رَأْسَه بماءٍ جَدِيدٍ غيرِ ما فَضَل عن ذِراعَيه. وهو قولُ أبي حنيفةَ والشافعيِّ، والعَمَلُ عليه عندَ أكْثَرِ أهلِ العلمِ. قاله التِّرْمِذِيُّ (١). وجَوَّزَ الحسنُ، وعُرْوَةُ، والأوْزاعِيُّ، وابنُ المُنْذِرِ مَسْحَه بفَضْلِ ماءِ (٢) ذِراعَيه؛ لِمارُوىَ عن عثمانَ، أنّه مَسَح مُقَدَّمَ رَأْسِه بيَدِه مرَّةً واحدةً، ولم يَسْتَأْنِفْ له ماءً جديدًا، حين حَكَى وُضُوءَ النبيِّ ﷺ . رَواه سعيدٌ (٣). ويَتَخَرَّجُ لَنا مِثْلُ ذلك إذا قُلنا: إنَّ المُسْتَعْمَلَ طَهُورٌ، لا سِيّما الغَسْلَةُ الثّانيةُ والثالثةُ. ووَجْهُ الأوَّلِ، ما روَى عبدُ اللهِ
стр. 337
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ابنُ زيدٍ، قال: ومَسَح رَأْسَه بماءٍ غيرِ فَضْلِ يَدَيه. رَواه مسلمٌ (١). وفي حديثِه المُتَّفَقِ عليه: ثم أدْخَلَ يَدَه في الإناءِ، فمَسَح برَأْسِه. وكذلك حُكِيَ عن (٢) عليٍّ في روايةِ أبي داودَ (٣). ولأَنَّ البَلَلَ في يَدِه مُسْتَعْمَلٌ، فلا يُجْزِئُ به المَسْحُ، كما لو فَصَلَه في إناءٍ، ثم اسْتَعْمَلَه.
فصل: فإن غَسَل رَأْسَهْ بَدَلَ مَسْحِه، فعلى وَجْهَين؛ أحَدُهما، لا يُجْزِئُه؛ لأنَّ اللهَ تعالى أَمَر بالمَسْحِ، والنبيُّ ﷺ مَسَح. ولأنَّه أحَدُ نَوْعَيِ الطهارةِ، فلم يُجْزِئْ عن الآخَرِ، كالمَسْحِ عن الغَسْلِ. والثّاني، يُجْزِئُ، لأنَّه لو كان جُنُبًا فانْغَمَسَ في ماءٍ يَنْوى. الطّهارَتَين، أجْزأه، مع أنَّه لم يَمْسَحْ، فكذلك في الحَدَثِ الأصْغَرِ وَحْدَه. ولأنَّ في صِفَةِ غَسْلِ النبيِّ ﷺ ، أنَّه غَسَل يَدَيه ووَجْهَه، ثم أفْرَغَ على رَأْسِه، ولم يَذْكُرْ مَسْحًا. ولأنَّ الغَسْلَ أبْلَغُ مِن المَسْحِ، فإذا أتَى به يَنْبَغِي أن يُجْزِئَه، وهذا فيما إذا لم يُمِرَّ يَدَه عليه. فأمّا إن أمَرَّ يَدَه على رَأْسِه، مع الغَسْلِ أو بعدَه، أجْزأه، لأنَّه قد أتَى بالمَسْحِ، وذلك لِما رُويَ عن المُغِيرةِ (٤)، أنَّه تَوَضَّأ للنّاسِ كما رَأى النبيَّ ﷺ تَوَضَّأ، فلَمّا بَلَغ رَأْسَه غَرَف غُرْفَةً من
стр. 338
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ماءٍ، فتَلَقّاه بشِمالِه، حتى وَضَعَها على وَسَطِ رَأْسِه، حتى قَطرَ الماءُ أو كادَ يَقْطرٌ، ثم مَسَح مِن مُقَدَّمِه إلى مُؤخَّرِه، ومِن مُؤخَّرِه إلى مُقَدَّمِه. رَواه أبو داودَ (١). ولو حَصَل على رَأْسِه ماءُ المَطرَ، أو صَبَّ عليه إنْسانٌ، ثم مَسَح عليه، يَقْصِدُ بذلك الطهارةَ، أو كان قد صَمَد للمَطرَ، أجْزأه. وإن حَصَل الماءُ على رَأْسِه مِن غيرِ قَصْدٍ، أجْزأه أيضًا؛ لأنَّ حُصُولَ الماءِ على رَأْسِه بغيرِ قَصْدٍ، لم يُؤَثِّرْ في الماءِ، فمتى وَضَع يَدَه على ذلك البَلَلِ ومَسَح به، فقد مَسَح بماءٍ غيرِ مُسْتَعْمَلٍ، فصَحَّتْ طهارتُه، كما لو حَصَل بقَصْدِه. وقد نَقَل أبو داودَ عن أحمدَ: إذا أصابَ رَأْسَه (٢) ماءُ السَّماءِ، فمَسَحَه بيَدِه، لم يُجْزِه؛ وذلك لأنَّه لم يُوجَدْ مِنه نِيَّةٌ لذلك. ذَكَرَه القاضي في «المُجَرَّدِ». وهذا يَدُلُّ على أنَّه يَشْتَرِطُ أن يَقْصِدَ حُصُولَ الماءِ على رَأْسِه. قال ابنُ عَقِيلٍ في هذه المسألة: تَحْقِيقُ المذهبِ، أنَّه متى صَمَد للمَطرَ ومَسَح، أجْزأه، ومتى أصابَه المطرُ مِن غيرِ قَصدٍ ولا نِيَّةٍ، لم يُجْزِئْه. وكذلك إن كان يَتَوَضَّأ، فصَبَّ إنسانٌ على رَأْسِه ماءً وهو لا يَقْصِدُ، فمَسَحَ رَأْسَه به (٣)، فإنَّه لا يُجْزِئُه، فأمّا إن حَصَل الماءُ على رَأْسِه بغيرِ قَصْدٍ، ولن يَمْسَحْ بيَدِه، لم يُجْزِئْه، سَواءٌ قُلْنا: إنَّ الغَسْلَ يَقُومُ مَقامَ المَسْحِ، أو لا. وإن قَصَد وجَرَى الماءُ على رَأْسِه أجْزأه، إذا قُلْنا: يُجْزِئُ الغَسْل. وإلَّا فلا.
стр. 339
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن مَسَح رَأْسَه بخِرْقَةٍ مَبْلُولَةٍ أو خَشَبَةٍ، أجْزأه في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّه مَأْمُورٌ بالمَسْحِ، وقد مَسَح، أشْبَهَ ما لو مَسَح بيَدِه. ولأنَّ مَسْحَه بيدِه غيرُ مُشْتَرَطٍ، بدَلِيلِ ما لو مَسَح بيَدِ غيرِه. والثاني، لا يُجْزِئُه؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ مَسَح بيَدِه، وقال: «هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ» (١). وإن وَضَع على رَأْسِه خِرْقَةً مَبْلُولَةً، فابْتَلَّ رَأْسُه بها، أو وَضَع خِرْقةً، ثم بَلَّها حتى ابْتَلَّ شَعَرُه، لم يُجْزِئْه؛ لأنَّ ذلك ليس بمَسْحٍ، ولا غَسْلٍ. ويَحْتَمِلُ أن يُجْزئَه؛ لأنَّه بَلَّ شَعَرَه قاصِدًا للوُضُوءِ، فأجْزأه، كما لو غَسَلَه. وإن مَسَحَ بأُصْبُعٍ أو أُصْبُعَين، أجْزأه إذا مَسَح بهما ما يَجبُ مَسْحُه كلَّه. وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ.
ونَقَل بكرُ بنُ محمدٍ (٢)، عن أحمدَ: لا يُجْزِئُه المَسْحُ بأُصْبُعٍ. قال القاضي: هذا مَحْمُولٌ على الرِّوايَةِ التي تُوجِبُ الاسْتِيعابَ, لأنَّه لا يَحْصُلُ بأُصْبُعٍ واحِدَةٍ. وإن حَلَق بعضَ رَأْسِه، وقُلْنا بوُجُوبِ الاسْتِيعابِ، مَسَح المَحْلُوقَ والشَّعَرَ. وإن قُلْنا بإجْزاءِ مَسْحِ البعضِ، أجْزأه مَسْحُ أحَدِهِما.
فصل: وهل يُسْتَحَبُّ مَسْحُ العُنُقِ؟ فيه رِوايَتان؛ إحْداهما، يُسْتَحَبُّ، لِما رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه مَسَح رَأْسَه حتى بَلَغ
стр. 340
وَلَا يُستَحَبُّ تَكْرَارُهُ وَعَنْهُ، يُسْتَحَبُّ.
ــ
القَذَال (١)، وما يَلِيه مِن مُقَدَّمِ العُنُقِ. رَواه أحمدُ في «المُسْنَدِ» (٢)، من رِوايةِ لَيثِ بنِ أبي سُلَيمٍ، وهو مُتَكَلَّمٌ فيه (٣). ولِما رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: «امْسَحُوا أعْنَاقَكُمْ مَخَافَةَ الغُلِّ» (٤). ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ في «الفُصُولِ». والثانيةُ، لا يُسْتَحَبُّ؛ لأنَّ اللهَ تعالى لم يَأْمُرْ به. ولأنَّ الذين حَكَوْا وُضُوءَ رسولِ اللهِ ﷺ عثمانُ، وعليٌّ، وعبدُ اللهِ بنُ زيدٍ، وابنُ عباسٍ، لم يَذْكُرُوه، ولم يَثْبُتْ فيه حديثٌ.
١٠٢ - مسألة: (ولا يُسْتَحَبُّ تَكْرارُه، وعنه، يُسْتَحَبُّ) الصحيحُ مِن المذهبِ، أنَّه لا يُسْتَحَبُّ التَّكْرارُ في مَسْحِ الرَّأْسِ. وهو قولُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ. ويُرْوَى عن ابنِ عُمَرَ، وابْنِه سالِمٍ، والحَسَنِ،
стр. 341
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومُجاهِدٍ. قال التِّرمِذِيُّ (١): والعَمَلُ عليه عندَ أكثرِ أَهلِ العلمِ مِن أصحابِ رسولَ الله ﷺ ، ومَن بعدَهم. وعن أحمدَ، أنَّه يُسْتَحَبُّ. يُرْوَى ذلك عن أنَسٍ، وعطاءٍ، وسعيدِ بنِ جُبَيرٍ. وهو قولُ الشافعيِّ؛ لِما رَوَى أبو داودَ (٢)، عن شَقِيقِ بنِ سَلَمَةَ، قال: رَأَيتُ عثمانَ غَسَل ذِراعَيه ثلاثًا، ومَسَح برَأْسِه ثلاثًا، ثم قال: رَأْيتُ رسولَ اللهِ ﷺ فَعَل مِثْلَ هذا. ورُوِيَ مثلُ ذلك عن غيرِ واحِدٍ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ . ورَوَى عليٌّ، وابنُ عُمَرَ، وأبو هُرَيرَةَ، وأُبَيُّ بنُ كَعْبٍ، وغيرُهم، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ تَوَضَّأ ثلاثًا ثلاثًا (٣). وفي حديثِ أُبَيٍّ، قال: «هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ المُرْسَلِينَ قَبْلِي». رَواه ابنُ ماجه (٤) وقِياسًا على سائِرِ الأعْضاءَ. ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأولَى، أنَّ عبدَ الله بنِ زيدٍ وَصَف وُضوءَ رسولِ اللهِ ﷺ ، قال: مَسَح برَأْسِه مَرَّةً واحِدَةً. مُتَّفَقٌ عليه (٥). وكذلك رَوَى عليٌّ، وقال: هذا وُضوءُ رسولِ اللهِ ﷺ ، مَن أحَبَّ أن يَنْظرُ إلى طُهُورِ رسولِ اللهِ ﷺ فلْيَنْظُرْ إلى هذا. قال التِّرمِذِيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ (٦). وكذلك وَصَف عبدُ اللهِ بنُ أبي أَوْفَى، وابنُ عباسٍ،
стр. 342
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وسَلَمَةُ بنُ الأكْوَعِ، والرُّبَيِّعُ (١)، كلُّهم قالوا: ومَسَح برَأْسِه مَرَّةً واحِدَةً. وحِكايَتُهُم لوُضوءِ رسولِ اللهِ ﷺ إخْبارٌ عن الدَّوامِ، ولا يُداومُ إلَّا على الأفْضَلِ. وحِكايَةُ ابنِ عباسٍ وُضُوءَ رسولَ اللهِ ﷺ في اللَّيلِ حال خَلْوَتِه، ولا يَفْعَلُ في تلك الحالِ إلَّا الأفْضَلَ. ولأنَّه مَسْح في طهارةٍ، فلم يُسَنَّ تَكْرارُه، كالمَسْحِ على الجَبِيرَةِ والخُفَّين، وأحادِيثُهم لا يَصِحُّ مِنها شيءٌ صَرِيحٌ. قال أبو داودَ (٢): أحاديثُ عثمانَ الصِّحاحُ كلُّها، تَدُلُّ على أنَّ مَسْحَ الرَّأسِ مَرَّةٌ، فإنَّهُم ذَكَرُوا الوُضُوءَ ثلاثًا ثلاثًا، وقالُوا فيها: ومَسَح رَأْسَه. ولم يَذْكُرُوا عَدَدًا. والحديثُ الذي ذَكَر فيه: مَسَح رَأْسَه ثلاثًا. رَواه يَحْيَى بنُ آدَم (٣)، وخالفَه وَكيعٌ (٤)، فقال: تَوَضَّأ ثلاثًا فَقَطْ. والصحيحُ المُتَّفَقُ عليه عن عثمانَ، أنَّه لم يَذْكُرْ في مَسْحِ الرَّأْسِ عَدَدًا. ومَن رُوِيَ عنه ذلك سِوَى عثمانَ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّهم الذين رَوَوْا أحادِيثَنا، وهي صحيحةٌ، فيَلْزَمُ مِن ذلك ضَعْفُ ما خالفَها، والأحاديثُ التي ذَكَرُوا فيها أنَّ النبيَّ ﷺ تَوَضَّأ ثلاثًا ثلاثًا، أرادُوا بها سِوَى المَسْحِ؛ لأنَّهم حينَ فَصَّلُوا قالُوا: ومَسَح برَأْسِه مَرَّةً واحِدَةً (٥). والتَّفْصِيلُ يُحْكَمُ به على الإِجمالِ، ويَكُونُ تَفْسِيرًا له (٦)، ولا يُعارِضُه، كالخاصِّ
стр. 343
ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَيهِ ثَلَاثًا إِلَى الْكَعْبَينِ، وَيُدْخِلُهُمَا فِي الْغَسْلِ،
ــ
مع العامِّ، وقِياسُهم مَنْقُوضٌ بالتَّيَمُّمِ. فإن قِيل: يَجُوزُ أن يكونَ النبيُّ ﷺ مَسَح مَرَّةً ليُبَيِّنَ الجَوازَ، ومَسَح ثلاثًا ليُبَيِّنَ الأفْضَلَ، كما فَعَل في الغَسْلِ، فنُقِلَ الأمْران مِن غيرِ تَعارُضٍ. قُلْنا: قولُ الرّاوي: هذا طُهورُ رسولِ اللهِ ﷺ . يَدُلُّ على أنَّه كان يَفْعَلُه على الدَّوامِ، لأنَّ الصحابةَ، ﵃، إنَّما وَصَفُوا وُضوءَ رسولِ اللهِ ﷺ ، ليُعَرِّفُوا مَن سألَهُم وحَضَرَهُم صِفةَ وُضوئِه في دَوامِه، فلو شاهَدُوا وُضوءَه على صِفَةٍ أُخْرَى، لم يُطْلِقُوا هذا الإِطْلاقَ، الذي يُفْهَمُ مِنه أنَّهُم لم يُشاهِدُوا سِواه، لأنَّه يكونُ تَدْلِيسًا، وإيهامًا لغيرِ الصَّوابِ، فلا يُظنُّ ذلك بهم، ويُحْمَلُ حالُ الرّاوي لغيرِ الصَّحيحِ على الغَلَطِ لا غيرُ. ولأنَّ الحُفّاظَ إذا رَوَوْا حديثًا واحِدًا عن شَخْصٍ واحدٍ على صِفَةٍ، وخالفَهُم فيها واحدٌ، حَكَمُوا عليه بالغَلَطِ وإن كان ثِقَةً حافِظًا، فكيف إذا لم يَكُنْ مَعْرُوفًا بذلك. واللهُ أعلمُ.
١٠٣ - مسألة: (ثم يَغْسِلُ رِجْلَيه إلى الكَعْبَين ثلاثًا، ويُدْخِلُهُما في الغَسْلِ) وقد ذَكَرْنا اخْتِلافَ العلماءِ في غَسْلِ الرِّجْلَين، ويُسْتَحَبُّ غَسْلُهما ثلاثًا؛ لأنَّ في حديثِ عثمانَ: ثم غَسَل كِلْتا رِجْلَيه ثَلاثًا. مُتَّفَقٌ عليه (١). وعن عليٍّ، ﵁، أنَّ النبيَّ ﷺ تَوَضَّأ ثلاثًا ثلاثًا. رَواه التِّرْمِذِيُّ، وقال: هذا أحْسَنُ شيءٍ في البابِ وأصَحُّ (٢). ويُدْخِلُ
стр. 344
وَيُخَلِّلُ أَصَابِعَهُ,
ــ
الكَعْبَين في الغَسْلِ، قِياسًا على المِرْفَقَين. والكَعْبان هما العَظْمان النّاتِئان اللَّذان في أسْفَلِ السّاقِ مِن جانِبَيِ القَدَمِ، وحُكِيَ عن محمدِ بنِ الحسنِ (١)، أنَّه قال: هُما في مُشْطِ القَدَم، وهو مَعْقِدُ الشِّراكِ مِن الرِّجْلِ، بدَليلِ أنَّه قال: ﴿إِلَى الْكَعْبَينِ﴾ (٢). فدَلَّ على أنَّ في الرِّجْلِ كَعْبَين لا غيرُ، ولو أرادَ ما ذَكَرْتُمْ، كانت كِعابُ الرِّجْلَين أرْبَعَةً. ولَنا، أنَّ الكِعابَ المَشْهُورَةَ هي التي ذَكَرْنا، قال أبو عُبَيدٍ: الكَعْبُ هذا الذي في أصْلِ القَدمِ، مُنْتَهَى السّاقِ إليه، بمَنْزِلَةِ كِعابِ الْقَنا. ورُوِيَ عن النُّعْمانِ بنِ بَشِيرٍ، قالْ: كان أحَدُنا يُلْزِقُ كَعْبَه بكَعْبِ صاحِبِه في الصلاةِ. رَواء الخَلَّالُ (٣). وقوله: ﴿إِلَى الْكَعْبَينِ﴾. حُجَّةٌ لَنا، فإنَّه أرادَ كلَّ رِجْلٍ تُغْسَلُ إلى الكَعْبَين، ولو أرادَ كِعابَ جَمِيعِ الأرْجُلِ، لَذَكَرَه بلَفْظِ الجَمْعِ، قال: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾.
١٠٤ - مسألة (ويُخَلِّلُ أصابِعَهُما) (٤)؛ لِما ذَكَرْناه.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ضَاعَفَ اللهُ لَهُ الْأجْرَ مَرَّتَينِ». ثم تَحَدَّثَ ساعَةً، ثم دَعا بماءٍ، فتَوَضَّأَ ثَلاثًا ثَلاثًا، فقال: «هَذَا وُضُوئِي، وَوُضُوءُ النَّبِيِّينَ مِنْ قَبْلِي». رَواه سعيدٌ (١). وقد ذَكَرْنا حديثَ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ بنَحْو هذا. وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ، إلَّا أنَّ مالِكًا لم يُوَقِّتْ مَرَّةً ولا ثَلاثًا. قال: إنَّما قال الله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (٢). وقال الأوْزاعِيُّ، وسعيدُ بنُ عبدِ العزيزِ (٣): الوُضُوءُ ثلاثًا ثلاثًا، إلَّا غَسْلَ الرِّجْلَين، فإنَّه يُنَقِّيهِما. والأوَّلُ أوْلَى؛ لِما ذَكَرْنا مِن الأحاديثِ، وقد ذَكَرْنا اخْتِلافَهُم في تَكْرارِ مَسْحِ الرَّأْسِ. واللهُ أعلمُ. وإن غَسَل بعضَ أَعْضائِه أكْثَرَ مِن بعضٍ، فحَسَنٌ؛ لأنَّ في حديثِ عبدِ الله بنِ زيدٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ تَوَضَّأَ فغَسَلَ وَجْهَه ثَلاثًا، ثم غَسَل يَدَيه مَرَّتَين إلى المِرْفَقَين، ومَسَح برَأْسِه مَرَّةً. مُتَّفَقٌ عليه (٤).
فصل: وتُكرهُ الزِّيادَةُ على الثَّلاثِ، قال أحمدُ، ﵀: لا يَزِيدُ على الثَّلاثِ إلَّا رجلٌ مُبْتَلًى. وذلك لِما رُوِيَ أنَّ أعْرابِيًّا سَأَلَ النبيَّ ﷺ عن الوُضُوءِ، فأراه ثَلاثًا ثلاثًا، ثم قال: «هَذَا الْوُضُوءُ، فَمَنْ زَادَ (٥) عَلَى هَذَا فَقَدْ أسَاءَ وظَلَمَ» (٦). رَواه أبو داودَ، والنَّسائِيُّ، وابنُ
стр. 350
وَتَبَاحُ مَعُونَتُهُ في الوضوءِ
ــ
ماجه (١). ويُكْرَهُ الإِسْرافُ في الماءِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ مَرَّ بسَعْدٍ وهو يَتَوَضَّأُ، فقال: «لَا تُسْرِف». فقال: يا رسولَ اللهِ، في الماءِ إسْرافٌ؟ قال: «نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ». رَواه ابنُ ماجه (٢).
١٠٨ - مسألة: (وتُباحُ مَعُونَتُه) لِما روَى المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ، أنَّه أفْرَغَ على النبيِّ ﷺ في وُضُوئِه. رَواه مسلمٌ (٣). وعن صَفْوانَ بنِ عَسّالٍ، قال: صَبَبْتُ على النبيِّ ﷺ الماءَ في الحَضَرِ، والسَّفَرِ. رَواه ابنُ ماجه (٤). وروَى أنَسٌ، قال: كان النبيُّ ﷺ يَنْطَلِقُ لحاجَتِه،
стр. 351
وَتَنْشِيفُ أَعْضَائِهِ، وَلَا يُسْتَحَبُّ.
ــ
فأحْمِلُ أنا وغُلامٌ نَحْوي إداوَةً (١) مِن ماءٍ، وعَنَزَةً (٢)، فيَسْتَنْجِي بالماءِ. مُتَّفَقٌ عليه (٣). ولا يُسْتَحَبُّ؛ لِما روَى ابنُ عباسٍ، قال: كان رسوُل اللهِ ﷺ لا يَكِلُ طُهُورَه إلى أحَدٍ، ولا صَدَقَتَه التي يَتَصَدَّقُ بها، يَكُونُ هو الذي يَتَوَلّاها بنَفْسِه. رَواه ابنُ ماجَه (٤). ورُوي عن أحمدَ، أنَّه قال: ما أُحِبُّ ان يُعِينَنِي على وُضُوئِي أحَدٌ؛ لأنَّ عُمَرَ قال ذلك (٥).
١٠٩ - مسألة؛ قال: (ويُباحُ تَنشِيفُ أعْضائِه، ولا يُسْتَحَبُّ) قال الخَلَّالُ: المَنْقُولُ عن أحمدَ، أنَّه لا بَأْسَ بالتَّنشِيفِ بعدَ الوُضُوءِ.
стр. 352
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومِمَّن رُوِيَ عنه أخْذُ المِنْدِيلِ بعدَ الوُضُوءِ، عثمانُ، والحَسَنُ بنُ عليٍّ، وأنَسٌ، وكَثِيرٌ مِن أهلِ العلمِ. ومِمَّن رَخَّصَ فيه الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، ومالكٌ، والثَّوْرِيُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْي. وهو ظاهِرُ قولِ أحمدَ؛ لِما روَى سَلْمانُ، أنَّ النبيَّ ﷺ تَوَضَّأَ، ثم قَلَب جُبَّةً كانتْ عليه، فمَسَحَ بها وَجْهَه. رَواه ابنُ ماجَه، والطَّبَرانِيُّ في «المُعْجَمِ الصَّغِيرِ» (١). وذَكَر ابنُ حامِدٍ في كراهَتِه رِوايَتَين؛ إحْداهُما، لا يُكْرَهُ؛ لِما ذَكَرْنا. والثّانيةُ، يُكْرَهُ. رُوِيَ ذلك عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، وابنِ أبي لَيلَى، وسعيدِ بنِ
стр. 353
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المُسَيَّبِ، والنَّخَعِيِّ، ومُجاهِدٍ؛ وذلك لِما رَوَتْ مَيمُونَة، أنَّ النبيَّ ﷺ اغْتَسَلَ، قالت: فأتَيتُه بالمِنْدِيلِ، فلم يُرِدْها، وجَعَلَ يَنْفُضُ الماءَ بيَدَيه. مُتَّفَقٌ عليه (١). ورُوي عن ابنِ عباسٍ أَنَّه كَرِهَه في الوُضُوءِ، ولم يَكْرَهْه في الجَنابَةِ. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ الأصْلَ الإِباحَةُ، فتَرْكُ النبيِّ ﷺ لا يَدُلُّ على الكَراهَةِ، فإنَّه قد يَتْرُكُ المُباحَ. وهذه قَضِيَّةٌ في عَينٍ، يَحْتَمِلُ أنَّه تَرَك تلك المِنْدِيلَ لأمْرٍ يَخْتَصُّ بها. ولأنَّه إزالةٌ للماءِ عن بَدَنِه، أشْبَهَ نَفضَه بيَدَيه، ولا يُكْرَهُ نَفْضُ الماءِ عن بَدَنِه بيَدَيه؛ لحديثِ مَيمُونَةَ، ويُكْرَهُ نَفْضُ يَدَيه. ذَكَرَه أبو الخَطّابِ، وابنُ عَقِيلٍ.
стр. 354
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ويُسْتَحَبُّ تَجْدِيدُ الوُضُوءِ. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ موسى بنِ عيسى (١)، وذلك لِما روَى أنَسٌ، قال: كان النبيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ عندَ كلِّ صلاةٍ. قلتُ: وكيف كُنْتُم تَصْنَعُون؟ قال: يُجْزِئُ أحَدَنا الوُضُوءُ، ما لم يُحْدِثْ. رَواه البخارِيُّ (٢). وقد نَقَل عليُّ بنُ سعيدٍ (٣) عن أحمدَ، أنَّه لا فَضْلَ فيه. والأوَّل أصَحُّ. ولا بأْسَ أن يُصَلِّيَ الصَّلواتِ (٤)
стр. 355
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بالوُضوءِ الواحِدِ ما لم يُحْدِثْ، لا نَعَلْمُ فيه خِلافًا؛ لحديثِ أنَسٍ، ولِما روَى بُرَيدَةُ، قال: صَلَّى رسولُ اللهِ ﷺ يومَ الفَتْحِ خَمْسَ صَلَواتٍ بوُضُوءٍ واحِدٍ، ومَسَح على خُفَّيه، فقال له عُمَرُ: إنِّي رَأيتُك صَنَعْتَ شَيئًا لم تَكُنْ تَصْنَعُه. فقال: «عَمْدًا صَنَعْتُهُ». رَواه مسلمٌ (١).