← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذِكْرُها، إن شاء اللهُ تعالى. وهو أحَدُ أرْكان الإِسْلامِ الخَمْسَةِ، والدَّلِيلُ على وُجُوبِه الكِتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمّا الكِتابُ، فقولُه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (١). رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ: ومَن كَفَر باعْتِقادِه أنَّه غيرُ واجِبٍ (٢). وقال اللهُ تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٣). وأمّا السُّنَّةُ، فَقَوْلُ النبىِّ ﷺ : «بُنِىَ الْإسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ، شَهَادَةِ أن لا إِلهَ إِلَّا اللهُ» (٤): وذَكَر فيها الحَجَّ. فصل: وإنَّما يَجِب مَرَّةً واحِدَةً في العُمُرِ؛ لِما روَى مسلمٌ (٥) بإسْنادِه، عنِ أبي هُرَيْرَةَ، قال: خَطَبَنَا رسولُ اللهِ ﷺ ، فقال: «يَا أيُّهَا النَّاسُ، قَدْ فرَضَ اللهُ (٦) عَلَيْكُمُ الْحَجَّ، فَحُجُّوا». فقال رجلٌ: أكُلَّ عامٍ يا رسولَ اللهِ؟ فسَكَتَ رسولُ اللهِ ﷺ ، حتَّى قالها ثلاثًا، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَما اسْتَطَعْتُمْ». ثم قال: «ذَرُونِى مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ، وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أنْبِيَائِهِمْ، إِذَا أمَرْتُكُمْ بِشَئٍ (٧) فَائْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ،

стр. 3642

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَئٍ فَدَعُوه». في أخْبارٍ سِوَى هذَيْن كَثِيرَةٍ، وأجْمَعَتِ الأُمُّةُ على وُجُوبِ الحَجِّ على المسْتَطِيعِ في العُمُرِ مَرَّةً واحِدَةً. فصل: وتَجِبُ العُمْرَةُ على مَن يَجِبُ عليه الحَجُّ في إحْدَى الرَّوايَتَيْن. يُرْوَى ذلك عن عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، وزَيْدِ بنِ ثابِتٍ، وابنِ عُمَرَ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وعَطاءٍ، وطاوُسٍ، ومُجاهِدٍ، والحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، والشَّعْبِىِّ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ في أحَدِ قَوْلَيْه. والرِّوايَةُ الثّانِيَةُ، ليست واجِبَةً. رُوِىَ ذلك عن ابنِ مسعودٍ، وبه قال مالكٍ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ؛ لِما رَوَى جابرٌ، أنَّ النبىَّ ﷺ سُئِلَ عن العُمْرَةِ، أواجِبَةٌ هي؟ قال: «لَا، وَأنْ تَعْتَمِرُوا فَهُوَ أَفْضَلُ». أخْرَجَهُ التِّرْمِذِىُّ (١)، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وعن طَلْحَةَ، أنَّه سَمِع رسولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «الْحَجُّ جِهَادٌ، وَالْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ». رَواه ابنُ ماجه (٢). ولأنَّه نُسُكٌ غيرُ مُؤَقَّتٍ، فلم يَكُنْ واجبًا، كالطَّوافِ المُجَرَّدِ. ووَجْهُ الأُولى قولُ الله تِعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾. ومُقْتَضَى الأمْرِ الوُجُوبُ، ثم إنَّه عَطَفَها على الحَجِّ، والأصْلُ التَّساوِى بينَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عليه، قال ابنُ عباسٍ: إنَّها لَقَرِينَةُ الحَجِّ في

стр. 3643

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كتابِ اللهِ. وعن الصُّبَىِّ (١) بن مَعْبَدٍ، قال: أتَيْتُ عُمَرَ، فقُلْتُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنين، إنِّى أسْلَمْتُ، وإنِّى وَجَدْتُ الحَجَّ والعُمْرَةَ مَكْتُوبَيْن علىَّ فأهْلَلْتُ بهما. فقالَ عُمَرُ: هُدِيتَ لسُنَّةِ نَبِيِّك محمَّدٍ ﷺ . رَواه أبو داودَ، والنَّسائيُّ (٢). وعن أبي (٣) رَزِينٍ، أَنَّه أتَى النبىَّ ﷺ ، فقال: يا رسولَ اللهِ: إنَّ أبي شَيْخٌ كَبِيرٌ، ولا يَسْتَطِيعُ الحَجَّ، ولا العُمْرَةَ، ولا الظَّعْنَ. فقالَ: «حُجَّ عَنْ أبِيكَ وَاعْتَمِرْ». رَواه أبو داودَ، والنَّسائىُّ، والتِّرْمِذيُّ (٤)، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وذَكَرَه أحمدُ، ثم قال: وحديثٌ يَرْوِيه سعيدُ بنُ عبدِ الرحمنِ الجُمَحِيُّ، عن عُبَيْدِ اللهِ (٥)، عن

стр. 3644

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ، قال: جاء رجلٌ إلى النبيَّ ﷺ ، فقال: أوْصِنِى. قال: «تُقِيمُ الصَّلَاةَ، وتُؤْتِى الزَّكَاةَ، وَتَحُجُّ، وَتَعْتَمِرُ». وروَى الأثْرَمُ بإسْنادِه عن أبي بَكْرِ بنِ محمدِ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كَتَبَ إلى أهْلِ اليَمَنِ، وكان في الكِتابِ: «إنَّ العُمْرَةَ هِىَ الْحَجُّ الأصْغَرُ» (١). ولأنَّه قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصحابَةِ، لم نَعْلَمْ لهم مُخالِفًا، إلَّا ابنَ مسعودٍ، وقد اخْتُلِفَ عنه. وأمّا حديثُ جابِرٍ، فقالَ التِّرْمِذىُّ: قال الشافعيُّ: هو ضَعِيفٌ لا تَقُومُ بمِثْلِه الحُجَّةُ، وليس في العُمْرَةِ شئٌ ثابِتٌ بأنَّها تَطَوُّعٌ. وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: رُوِىَ ذلك بأسانِيدَ لا تَصِحُّ، ولا تَقُومُ بمِثلِها الحُجَّةُ. ثم نَحْمِلُه على المَعْهُودِ، وهو العُمْرَةُ التى قَضَوْها حينَ أُحْصِرُوا في الحُدَيْبيَّةِ، أو على العُمْرَةِ التى اعْتَمَرُوها مع حَجَّتِهم مع النبيَّ ﷺ ، فإنَّها لم تَكُنْ واجبَةً على مَن اعْتَمَر، أو على ما زادَ على العُمْرَةِ الواحِدَةِ. وتُفارِقُ العُمْرَةُ الطَّوافَ؛ لأنَّ مِن شَرْطِها الإِحْرامَ، بخِلافِ الطَّوافِ.

стр. 3645

الْإِسْلَامِ، وَالْعَقْلِ، فَلَا يَجِبُ عَلَى كَافِرٍ وَلَا مَجْنُونٍ، وَلَا يَصِحُّ مِنْهُمَا. وَالْبُلُوغِ، وَالْحُرَّيَّةِ، فَلَا يَجِبُ عَلَى صَبِىٍّ وَلَا عَبْدٍ، وَيَصِحُّ مِنْهُمَا، [٦١ و] وَلَا يُجْزِئُهُمَا إِنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ أَوْ عَتَقَ الْعَبْدُ، ــ فصل (١): وليس على أهْلِ مَكَّةَ عُمْرَةٌ. نَصّ عليه أحمدُ، وقال: كان ابنُ عباسٍ يَرَى العُمْرَةَ واجبَةً، ويَقُولُ: يا أهْلَ مَكَّةَ، ليس عليكم عُمْرَةٌ، وإنَّما عُمْرَتُكُمْ طَوافُكمَ بالبَيْتِ. وبهذا قال عَطاءٌ، وطاوُسٌ. قال عَطاءٌ: ليس أحَدٌ مِن خَلْقِ اللهِ إلّا عليه حَجٌّ وعُمْرَةٌ واجِبان، لا بُدَّ منهما لمَن اسْتَطاعَ إليهما سَبِيلًا، إلَّا أهلَ مَكَّةَ، فإنَّ عليهم حَجَّةً، وليس عليهم عُمْرَةٌ، مِن أجْلِ طَوافِهم بالبَيْتِ. ووَجْهُ ذلك أنَّ رُكْنَ العُمْرَةِ ومُعْظَمَها الطَّوافُ بالبَيْتِ، وهم يَفْعَلُونَه، فأجْزَأ عنهم. وحَمَل القاضِى كَلامَ الإِمامِ أحمدَ على أنَّه لا عُمْرَةَ عليهم مع الحَجّةِ؛ لأنَّه يَتَقَدَّمُ منهم فِعْلُها في غيرِ وَقْتِ الحَجِّ. قال الشَّيخُ (٢)، ﵀: والأمْرُ على ما قُلْنا. ١١٣٢ - مسألة: (وإنَّما يَجِبُ الحَجُّ والعُمْرَةُ بخَمْسَةِ شُرُوطٍ؛ الإِسْلامِ، والعَقْلِ، والبُلُوغِ، والحُرِّيَّةِ، والاسْتِطاعَةِ) لا نَعْلَمُ في هذا

стр. 3646

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كلِّه خِلافًا. أمّا الصَّبِىُّ والمَجْنُونُ فلأنَّهُما غيرُ مُكَلَّفَيْن؛ لِما روَى علىُّ ابنُ أبي طالبٍ، رَضِىَ اللهُ عَنه، عن رسولِ اللهِ ﷺ ، أنَّه قال: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاَثةٍ؛ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِىِّ حَتَّى يَشِبَّ، وَعَنِ الْمَعْتُوهِ حَتَّى يَعْقِلَ». رواه أبو داودَ، وابنُ ماجه، والتِّرْمذِىُّ (١)، وقال: حديثٌ حسنٌ. وأمّا العَبْدُ فلا تَجِبُ عليه؛ لأنَّها عِبادَةٌ تَطُولُ مُدَّتُها، وتَتَعَلَّقُ بقَطْعِ مَسافَةٍ، ويُشْتَرَطُ لها الاسْتِطاعَةُ بالزّادِ والرّاحِلَةِ، وتَضِيعُ حُقُوقُ السَّيِّدِ المُتَعَلِّقَةُ به، فلم تَجِبْ عليه، كالجِهادِ. وغيرُ المُسْتَطِيعِ لا يَجِبُ عليه؛ لأنَّ اللهَ تعالى خَصَّ المُسْتَطِيعَ بالإِيجابِ عليه، وقال اللهُ تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٢). وأمّا الكافِرُ فلأنَّه ليس مِن أهلِ العِباداتِ.

стр. 3647

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وهذه الشُّرُوطُ تَنْقَسِمُ ثَلَاثةَ أقْسامٍ؛ منها ما هو شَرْطٌ للوُجُوبِ والصِّحَّةِ، وهما الإِسْلامُ والعَقْلُ، فلا يَجِبُ على كافِرٍ ولا مَجْنُونٍ، ولا يَصِحُّ منهما لكَوْنِهما ليسا مِن أهْلِ العِباداتِ. ومنها ما هو شَرْطٌ للوُجُوبِ والإِجْزاءِ، وهو البُلُوغُ والحُرِّيَّةُ، وليس شَرْطًا للصِّحَّةِ، فلو حَجَّ الصَّبِىُّ والعَبْدُ صَحَّ حَجُّهُما، ولم يُجْزِئْهما عن حَجَّةِ الإِسلامِ إن بَلَغ الصَّبِيُّ أو عَتَق العَبْدُ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ، إلَّا مَن شَذَّ عنهم، ممَّن لا يُعْتَدُّ بخِلافِه، على أنَّ الصَّبِىَّ إذا حَجَّ في حالِ صِغَرِه، والعَبْدَ إذا حَجَّ في حالِ رِقِّه، ثم بَلَغ الصَّبِىُّ، وعَتَق العَبْدُ، أنَّ عليهِما حَجَّةَ الإِسْلامِ إذا وَجَدا إليها سَبيلًا. كذلك قال ابنُ عباسٍ، وعَطاءٌ، والحسنُ، والنَّخَعِىُّ، والثَّورِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ.

стр. 3648

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال التِّرْمذِيُّ: وقد أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ عليه. وقال الإِمام أحمدُ، ﵀، عن محمدِ بنِ كَعْبٍ القُرَظِىِّ، قال رسولُ الله ﷺ : «إنِّى أُرِيدُ أن أُجَدِّدَ فِى صُدُورِ المُؤْمِنِينَ عَهْدًا؛ أيُّمَا صَبِىٍّ حَجَّ بِهِ أهْلُهُ فَمَاتَ، أجْزَأتْ عَنْهُ، فَإنْ أدْرَكَ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ». رَواه سعيدٌ في سُنَنِه (١)، والشافعىُّ في «مُسْنَدِه» عن ابنِ عباسٍ مِن قَوْلِه (٢). ولأنَّ الحَجَّ عِبادَةٌ بَدَنِيَّةٌ فَعَلَهَا قبلَ وَقْتِ وُجُوبِها، فلم يَمْنَعْ ذلك وُجُوبَها عليه في وَقْتِها، كما لو صَلَّى قبلَ الوَقْتِ، أو كما لو صَلَّى ثم بَلَغ في الوَقْتِ. ومنها [ما هو] (٣) شَرْطٌ للوُجُوبِ، وذلك الاسْتِطاعَةُ.

стр. 3649

إِلَّا أن يَبْلُغَ وَيَعْتِقَ فِى الْحَجِّ قَبْلَ الْخُرُوجِ مِنْ عَرَفَةَ، وَفِى الْعُمْرَةِ قَبْلَ طَوَافِهَا، فَيُجْزِئُهُمَا، ــ ١١٣٣ - مسألة: (إلَّا أن يَبْلُغَ ويَعْتِقَ في الحَجِّ قبلَ الخرُوجِ مِن عَرَفَةَ، وفى [العُمْرَةِ قبلَ] (١) طوافِها، فيُجْزِئُهما) إذا بَلَغِ الصَّبِىُّ، أو عَتَق العَبْدُ بعَرَفَةَ أو قبلَها، غيرَ مُحْرِمَيْن، فأحْرَما ووَقَفا بعَرَفةَ فأتَمَّا المَناسِكَ، أجْزَأهما عن حَجَّةِ الإسْلامِ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه؛ لأنَّهما لم يَفُتْهما شيءٌ مِن أرْكانِ الحَجِّ، ولا فَعَلا منها شيئًا قبلَ وُجُوبِه. وإن كان البُلُوغُ والعِتْقُ وهما مُحْرِمان، أجْزَأهما أيضًا عن حَجَّةِ الإِسْلامِ. كذلك قال ابنُ عباسٍ. وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ، وإسحاقَ. وهو قولُ الحسنِ في العَبْدِ. وقال مالكٌ: لا يُجْزِئُهُما. اخْتارَه ابنُ المُنْذِرِ. وقال أصحابُ الرَّأْىِ: لا يُجْزِئُ العَبْدَ، فأمّا الصَّبِىُّ، فإن جَدَّدَ إحْرامًا بعدَ أنِ احْتَلَمَ قبلَ الوُقُوفِ، أجْزَأه، وإلَّا فلا؛ لأنَّ إحْرامَهما لم يَنْعَقِدْ واجِبًا، فلا يُجْزِئُ عن الواجِبِ، كما لو بَقِيا على حالِهِما. ولَنا، أنَّه أدْرَكَ الوُقُوفَ حُرًّا بالِغًا، فأجْزَأه، كما لو أحْرمَ تلك الساعَةَ. قال أحمدُ: قال (٢) طاوسٌ،

стр. 3650

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عن ابنِ عباسٍ: إذا أُعْتِقَ العَبْدُ بعَرَفَةَ، أجْزَأتْ عنه حَجَّتُه، فإن أُعْتِقَ بِجَمْعٍ (١)، لم تُجْزِئْ عنه. وهؤلاء يَقُولُون: لا تُجْزِئُ. ومالكٌ يَقُولُه أيضًا. وكيف لا يُجْزِئُه، وهو لو أحْرَمَ تلك السّاعَةَ كان حَجُّه تَامًّا، وما أعْلَمُ أحَدًا قال لا يُجْزِئُه إلَّا هؤلاء. فصل: والحُكْمُ فيما إذا أُعْتِقَ العَبْدُ (٢) وبَلَغ الصَّبِيُّ بعدَ خُرُوجِهما مِن عَرَفَةَ، فعادا إليها قبلَ طُلُوعِ الفَجْرِ لَيْلَةَ النَّحْرِ، كالحُكْمِ فيما إذا كانا فيها؛ لأنَّهما قد أدْرَكا مِن الوَقْتِ ما يُجْزِئُ، ولو كان لَحْظَةً. وإن لم يَعُودا، أو كان ذلك بعدَ طُلُوعِ الفَجْرِ مِن يومِ النَّحْرِ، لم يُجْزِئْهما عن حَجَّةِ الإِسْلامِ، ويُتِمّان حَجَّتَهما تَطَوُّعًا؛ لفَواتِ الوُقُوفِ المَفْرُوضِ، ولا دَمَ عليهما؛ لأنَّهما حَجَّا تَطَوُّعًا بإحْرامٍ صَحِيحٍ مِن المِيقاتِ، فأشْبَها البالِغَ الذي يَحُجُّ تَطَوُّعًا. فإن قِيلَ: فلِمَ لا قُلْتُم: إنَّ الوُقوفَ الذي (٣) فَعَلَاه يَصِيرُ فَرْضًا، كما قُلْتُم في الإِحْرامِ الذي أحْرَمَ به قبلَ البُلُوغِ: إنَّه يَصِيرُ بعدَ بُلُوغِه فَرْضًا؟ قُلْنا: إنَّما اعْتَدَدْنا له بإحْرامِه المَوْجُودِ بعدَ

стр. 3651

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بُلُوغِه، وما قبلَه تَطَوُّعٌ لم يَنْقَلِبْ فَرْضًا، ولا اعْتُدَّ له به، فالوُقُوفُ مثلُه، فنَظِيرُه (١) أن يَبْلُغَ (٢) وهو واقِفٌ بعَرَفَةَ، فإنَّهُ يُعْتَدُّ له بما أدْرَكَ مِن الوُقُوفِ، ويَصِيرُ فَرْضًا دُونَ ما مَضَى. فصل: إذا بَلَغ الصَّبِىُّ، أو عَتَق العَبْدُ قبلَ الوُقُوفِ، أو في وَقْتِه، وأمْكَنَهما الإِتْيانُ بالحَجِّ، لَزِمَهما ذلك؛ لأنَّ الحَجَّ واجِبٌ على الفَوْرِ، فلا يَجُوزُ تَأْخِيرُه مع إمْكانِه، كالبالِغِ الحُرِّ. وإن فاتَهما الحَجُّ لَزِمَتْهما العُمْرَة عندَ مَن أوْجَبَها (٣)؛ لأنَّها واجِبَةٌ أمْكَنَ فِعْلُها، فأشْبَهَتِ الحَجَّ. ومتى أمْكَنَهما ذلك فلم يَفْعلا، اسْتَقَرَّ الوُجُوبُ عليهما، سَواءٌ كانا [مُوسِرَيْن أو مُعْسِرَيْن] (٤)؛ لأنَّ ذلك وَجَب عليهما بإمْكانِه في مَوْضِعِه، فلم

стр. 3652

وَيُحْرِمُ الصَّبِىُّ الْمُمَيِّزُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ، وَغَيْرُ الْمُمَيِّزِ يُحْرِمُ عَنْهُ وَلِيُّهُ، وَيَفْعَلُ عَنْهُ مَا يَعْجِزُ عَنْهُ مِنْ عَمَلِهِ، ــ يَسْقُطْ بفَواتِ القُدْرَةِ بعدَه. فصل: والحُكْمُ في الكافِرِ يُسْلِمُ، والمَجْنُونِ يُفِيقُ، حُكْمُ الصَّبِىَّ يبلُغُ في جَمِيعِ ما ذَكَرْنا، إلَّا أنَّ هَذَيْن لا يَصِحُّ منهما إحْرامٌ، ولو أحْرَما لم يَنْعَقِدْ إحْرامُهما؛ لأنَّهُما مِن غيرِ أهلِ العِباداتِ، وحُكْمُهما حُكْمُ مَن لم يُحْرِمْ. ١١٣٤ - مسألة: (ويُحْرِمُ الصَّبِىُّ المُمَيِّزُ بإذْنِ وَلِيِّه، وغيرُ المُمَيِّزِ يُحْرِمُ عنه وَلِيُّه، ويَفْعَلُ عنه (١) ما يَعْجزُ عنه مِن عَمَلِه) حَجُّ الصَّبِيِّ صَحِيحٌ، فإن كان مُمَيِّزًا أحْرَمَ بإذْنِ وَلِيِّه، وإن لم يَكُنْ مُمَيِّزًا أحْرَمَ عنه وَلِيُّه، فَيَصِيرُ مُحْرِمًا بذلك. وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، ورُوِىَ عن عَطاءٍ، والنَّخَعِىِّ. وقال أبو حنيفةَ: لا يَنْعَقِدُ إحْرامُ الصَّبِيِّ، ولا يَصِيرُ مُحْرِمًا بإحْرامِ وَلِيِّه؛ لأنَّ الإِحْرامَ سَبَبٌ يلْزَمُ به حُكْمٌ، فلم يَصِحَّ مِن الصَّبِىِّ، كالنَّذْرِ. ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، قال: رَفَعَتِ امرأةٌ صَبِيًّا،

стр. 3653

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فقالَتْ: يا رسولَ اللهِ، ألِهذا حَجٌّ؟ قال: «نَعَمْ، وَلَكِ أجْرٌ». رَواه مسلمٌ وغيرُه مِن الأَئِمَّةِ (١). وروَى البخارىُّ (٢) عن السّائِبِ بنِ يَزِيدَ، قال: حُجَّ بي مع النبىِّ ﷺ وأنا ابنُ سَبْعِ سِنِين. ولأنَّ أبا حنيفةَ قال: يَجْتَنِبُ ما يَجْتَنِبُه المُحْرِمُ. ومَن اجْتَنَبَ ما يَجْتَنِبُه المُحْرِمُ كان إحْرامُه صَحِيحًا. والنَّذْرُ لا يَجِبُ به شئٌ، بخِلافِ مَسْألتِنا. والكَلامُ في حَجِّ الصّبِىِّ في فُصولٍ أرْبَعَةٍ؛ في الإِحْرامِ عنه أو منه، وفيما يَفْعَلُه بنَفْسِه أو بغيرِه، وفى حُكْمِ جِناياتِه على إحْرامِه، وفيما يَلْزَمُه مِن القَضاءِ والكَفّارَةِ. الفَصْلُ الأوَّلُ في إحْرامِه: فإن كان مُمَيِّزًا أحْرَمَ بإذْنِ وَلِيِّه، ولا يَصِحُّ

стр. 3654

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بغيرِ إذْنِه؛ لأنَّه عَقْدٌ يُؤَدِّى إلى لُزُومِ مالٍ، فلم يَنْعَقِدْ مِن الصَّبِىِّ بنَفْسِه، كالبَيْعِ. وإن كان غيرَ مُمَيِّزٍ، فأحْرَمَ عنه مَن له وِلايَةٌ على مالِه، كالأبِ والوَصِىِّ وأمِينِ الحاكِمِ، صَحَّ. ومَعْنَى إحْرامِه عنه، أنَّه يَعْقِدُ له الإِحْرامَ، فيَصِحُّ للصَّبِىِّ دُونَ الوَلِىِّ، كما يَعْقِدُ له النِّكاحَ. فعلى هذا يَصِحُّ عَقْدُ الإِحْرامِ عنه، سَواءٌ كان الوَلِىُّ مُحْرِمًا أو حَلالًا، ممَّن عليه حَجَّةُ الإِسْلامِ أو غيرِه. فإن أحْرَمَتْ عنه أُمُّه، صَحَّ؛ لقولِ النبىِّ ﷺ : «وَلَكِ أجْرٌ». ولا يُضافُ الأجْرُ إليها إلَّا لكَوْنِه تَبَعًا لها في الإِحْرامِ. قال الإمامُ أحمدُ، في رِوايَةِ حَنْبَلٍ: يُحْرِمُ عنه أبواه (١) أو وَلِيُّه. واخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ، وقال: المالُ الذي يَلْزَمُ بالإِحْرامِ لا يَلْزَمُ الصَّبِىَّ، وإنَّما يَلْزَمُ مَن أدْخَلَه

стр. 3655

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في الإِحْرامِ، في أحَدِ الوَجْهَيْن. وقال القاضي: ظاهِرُ كَلام أحمدَ أنَّه لا يُحْرِمُ عنه إلَّا وَلِيُّه؛ لأنَّه لا وِلايةَ للأُمِّ على مالِه، والإِحْرامُ يَتَعَلَّقُ به إلْزامُ مالٍ، فلا يَصِحُّ مِن غيرِ ذِى وِلايَةٍ، كشِراءِ شَئٍ له. فأمّا غيرُ الأُمِّ والوَلِىَّ مِن الأقارِبِ؛ كالأخِ والعَمِّ وابْنِه، فيُخَرَّجُ فيهم وَجْهان، بِناءً على القولِ في الأُمِّ. أمّا الأجانِبُ فلا يَصِحُّ إحْرامُهم عنه، وَجْهًا واحِدًا. الفَصْلُ الثَّانِي: أنَّ كلَّ ما أمْكَنَه فِعْلُه بنَفْسِه، لَزِمَه فِعْلُه، ولا يَنُوبُ عنه غيرُه فيه، كالوُقُوفِ، والمَبِيتِ بمُزْدَلِفَةَ، ونحْوِهما، وما عَجَز عنه عَمِلَه الوَلِيُّ عنه. قال جابِرٌ: خَرَجْنا مع رسولِ اللهِ ﷺ حُجّاجًا، ومعنا النِّساءُ والصِّبْيانُ، فأحْرَمْنا عن الصِّبْيانِ. رَواه سعيدٌ، في «سُنَنِه». ورَواه ابنُ ماجه (١)، وفيه: فَلبَّيْنا عن الصِّبْيانِ، ورَمَيْنا عنهم. ورَواه التِّرْمِذيُّ (٢)، قال: فَكُنَّا نُلَبِّى عن النِّساءِ، ونَرْمِى عن

стр. 3656

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الصِّبْيانِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ يَرَى الرَّمْىَ عن الصَّبِىِّ الذي لا يَقْدِرُ على الرَّمْىِ، كان ابنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذلك. وبه قال عَطاءٌ، والزُّهْرِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ. وعن ابنِ عُمَرَ، أنَّه كان يُحَجِّجُ (١) صِبْيانَه وهم صِغارٌ، فمَن اسْتَطاعَ منهم أن يَرْمِىَ رَمَى، ومَن لم يَسْتَطِعْ أن يَرْمِىَ رَمَى عنه. وعن أبي إسْحاقَ، أنَّ أبا بَكْرٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، طاف بابْنِه في خِرْقَةٍ. رَواهما الأثْرَمُ (٢). قال الإِمامُ أحمدُ: يَرْمِى عن الصُّبِىِّ أبُوه أو وَلِيُّه. قال القاضي: إنْ أمْكَنَه أن يُناوِلَ (٣) النّائِبَ الحَصَا ناوَلَه، وإن لم يُمْكِنْه اسْتُحِبَّ أن تُوضَعَ الحَصَاةُ في يَدِه، ثم تُؤْخَذَ منه فتُرْمى عنه. وإن وَضَعَها في يَدِ الصَّغِيرِ ورَمَى بها، فجَعَلَ يَدَه كالآلَةِ فحسنٌ. ولا يَجُوزُ أن يَرْمِىَ عنه (٤) إلَّا مَن قد رَمَى عن نَفْسِه؛

стр. 3657

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لأنَّه لا يَجُوزُ أن يَنُوبَ عن الغيرِ وعليه فَرْضُ نَفْسِه، كالحَجِّ. وأمّا الطَّوافُ، فإنَّه إن أمْكَنَه المَشْىُ مَشَى، وإلَّا طِيفَ به مَحْمُولًا، أو راكِبًا؛ لِما ذَكَرْنا مِن فِعْلِ أبي بكرٍ، ولأنَّ الطَّوافَ بالكَبِيرِ مَحْمُولًا لعُذْرٍ يَجُوزُ، فالصَّغِيرُ أوْلَى. ولا فَرْقَ بينَ أن يَكُونَ الحامِلُ له حَلالًا أو حَرامًا، ممَّن أسْقَطَ الفَرْضَ عن نَفْسِه أو لم يُسْقِطْه؛ لأنَّ الطَّوافَ للمَحْمُولِ لا للحامِلِ، ولذلك صَحَّ أن يَطُوفَ راكِبًا على بَعِيرٍ. وإن طِيفَ به مَحْمُولًا أو راكِبًا، وهو يَقْدِرُ على الطَّوافِ بنَفْسِه، ففيه رِوايَتان، نَذْكُرُهما فيما بعدُ، إن شاء اللهُ تعالى (١). ومتى طاف بالصَّبِىِّ اعْتُبِرَتِ النِّيَّةُ مِن الطّائِفِ. فإن لم يَنْوِ الطَّوافَ عن الصَّبِىِّ، لم يُجْزِئْه؛ لأنَّه لمّا لم تُعْتَبَرِ النِّيَّةُ مِن الصَّبِىِّ اعْتُبِرَت مِن غيرِه، كما في الإِحْرامِ. فإن نَوَى الطَّوافَ عنه وعن الصَّبِىِّ، احْتَمَلَ وُقُوعُه عن نَفْسِه، كالحَجِّ إذا نَوَى عنه وعن غيرِه، واحْتَمَلَ أن يَقَعَ عن الصَّبِىِّ، كما لو طاف بكَبِيرٍ، ونَوَى كلُّ واحِدٍ عن نَفْسِه؛ لكَوْنِ المَحْمُولِ

стр. 3658

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أوْلَى، واحْتَمَلَ أن يَلْغُوَ لعَدَمِ التَّعْيِينِ؛ لكَوْنِ الطَّوافِ لا يَقَعُ عن غيرِ مُعَيَّنٍ. وأمّا الإِحْرامُ فإنَّ الصَّبِىَّ يُجَرَّدُ كما يُجَرَّدُ الكَبِيرُ. وقد رُوىَ عن عائشةَ رَضِىَ اللهُ عنها، أنَّها كانت تُجَرِّدُ الصِّبْيانَ إذا دَنَوْا مِن الحَرَمِ (١). قال عَطاءٌ: يَفْعَلُ بالصَّغِيرِ كما يَفْعَلُ بالكَبِيرِ (٢)، ويَشْهَدُ به المَناسِكَ كلَّها إلَّا (٣) أنَّه لا يُصَلَّى عنه. الفَصْلُ الثَّالِثُ في مَحْظُوراتِ الإِحْرامِ: وهي قِسْمان؛ ما يَخْتَلِفُ عَمْدُه وسَهْوُه، كاللِّباسِ والطِّيبِ، وما لا يَخْتَلِفُ، كالصَّيْدِ وحَلْقِ الشَّعَرِ. فالأوَّلُ، لا فِدْيَةَ على الصَّبِىِّ فيه؛ لأنَّ عَمْدَه خَطَأٌ. والثاني، عليه فيه الفِدْيَةُ، وإن وَطِئَ أفْسَدَ حَجَّه، ويَمْضِى في فاسِدِه. وفى وجُوبِ القَضاءِ عليه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَجِبُ؛ لِئَلَّا تَجبَ عِبادَةٌ بَدَنِيَّةٌ على غيرِ مُكَلَّفٍ. والثاني، يَجِبُ؛ لأنَّه إفْسادٌ مُوجِبٌ للبَدَنَةِ، فأوْجَبَ القَضاءَ، كَوَطْءِ البالِغِ. فإن قَضَى بعدَ البُلُوغِ بَدَأ بحَجَّةِ الإِسْلامِ. فإن أحْرَمَ بالقَضاءِ قبلَها، انْصَرَفَ إلى حَجَّةِ الإِسْلامِ. وهل تُجْزِئُه عن القَضاءِ؟ يُنْظرُ، فإن كانَتِ الفاسِدَةُ قد أدْرَكَ فيها شَيْئًا مِن الوُقُوفِ بعدَ بُلُوغِه، أجْزَأ عنهما جميعًا، وإلَّا لم يُجْزِئْه، وكذلك حُكْمُ العَبْدِ، واللهُ أعْلَمُ.

стр. 3659

وَنَفَقَةُ الْحَجِّ وَكَفَّارَاتُهُ فِى مَالِ وَلِيِّهِ. وَعَنْهُ، فِى مَالِ الصَّبِيِّ. ــ ١١٣٥ - مسألة: (ونَفَقَةُ الحَجِّ وكفّاراتُه في مالِ وَلِيِّهِ. وعنه، في مالِ الصَّبِىِّ) أمّا نَفَقَةُ الحَجِّ، فقالَ القاضي: ما زاد على نَفَقَةِ الحَضَرِ، فهو (١) في مالِ الوَلِىِّ؛ لأنَّه كَلَّفَه ذلك عن غيرِ حاجَةٍ بالصَّبِىِّ إليه. اخْتاره أبو الخَطّابِ. وحُكِىَ عن (٢) القاضي، أنَّه ذَكَر في «الخِلافِ» أنَّ جَميعَ النَّفَقَةِ على الصَّبِىِّ؛ لأنَّ الحَجَّ له، فنَفَقَتُه عليه، كالبالِغِ، ولأنَّ

стр. 3660

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ له فيه مَصْلَحَةً بتَحْصِيلِ الثَّوابِ له، ويَتَمَرَّنُ عليه، فصارَ كأجْرِ المُعَلِّمِ والطَّبِيبِ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ هذا لا يَجِبُ في العُمُرِ إلَّا مَرَّةً، فلا حاجَةَ إلى التَّمَرُّنِ عليه، ولأنَّه قد لا يَجِبُ، فلا يَجُوزُ تَكْلِيفُه بَذْلَ مالِه مِن غيرِ حاجَةٍ إليه.

стр. 3661

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإن أُغْمِىَ على البالِغِ، فأحْرَمَ عنه رَفِيقُه، لم يَصِحَّ. وهذا قولُ الشافعىِّ، وأبي يوسفَ، ومحمدٍ. وقال أبو حَنِيفةَ: يَصِيرُ مُحْرِمًا بإحْرامِ رَفِيقِه عنه، اسْتِحْسَانًا. ولَنا، أنَّه بالِغٌ، فلم يَصِرْ مُحْرِمًا بإحْرامِ رَفِيقِه، كالنّائِمِ، ولأنَّه لو أذِنَ في ذلك وأجازَه لم يَصِحَّ، فمع عَدَمِه أوْلَى.

стр. 3662

وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ الْإِحْرَامُ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَلَا لِلْمَرْأَةِ الْإِحْرَامُ نَفْلًا إِلَّا بِإِذْنِ زَوجِهَا، فَإِنْ فَعَلَا، فَلَهُمَا تَحْلِيلُهُمَا وَيَكُونَانِ كَالْمُحْصَرِ، وَإِنْ أَحْرَمَا بِإِذْنٍ، لَمْ يَجُزْ تَحْلِيلُهُمَا. ــ ١١٣٦ - مسألة: (وليس للعَبْدِ الإِحْرامُ إلَّا بإذْنِ سَيِّدِه، ولا للمَرْأةِ الإِحْرامُ نَفْلًا إلَّا بإذْنِ زَوْجِها) فإن شَرَعا فيه بغيرِ إذْنٍ (فلهما تَحْلِيلُهما، ويَكُونان كالمُحْصَرِ) وإن كان بإذْنٍ (لم يَجُزْ تَحْلِيلُهما) وجُمْلَتُه أنَّه ليس للعَبْدِ الإِحْرامُ [بدُونِ إذْنِ] (١) سَيِّدِه؛ لأنَّه تَفُوتُ به حُقُوقُ سَيِّدِه الواجِبَةُ عليه بالْتِزامِ ما ليس بواجِبٍ، فإن فَعَل، انْعَقَدَ إحْرامُه صَحِيحًا؛ لأنَّها عِبادَة بَدَنِيَّةٌ، فأشْبَهَتِ الصلاةَ والصومَ. ولسَيِّدِه تَحْلِيلُه، في أظْهَرِ الرِّوايَتَيْن. اخْتارَها ابنُ حامِدٍ؛ لأنَّ في بَقائِه عليه تَفْوِيتًا لحَقِّهِ بغيرِ إذْنِه، فلم يَلْزَمْ ذلك لسَيِّدِه، كالصومِ المُضِرِّ ببَدَنِه. والثانيةُ، ليس له تَحْلِيلُه. اخْتارَها أبو بَكْرٍ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ (٢) التَّحَلُّلَ مِن تَطَوُّعِ نَفْسِه، فلم يَمْلِكْ تَحْلِيلَ عَبْدِه. والأوَّلُ أصَحُّ. وإنَّما لم يَمْلِكْ تَحْلِيلَ نَفْسِه؛ لأنَّه الْتَزَمَ التَّطَوُّعَ باخْتِيارِه، فنَظِيرُه أن يُحْرِمَ عبدُه بإذْنِه، وفى مَسْألتنا يَفُوتُ حَقُّه الواجِبُ بغيرِ اخْتِيارِه. فأمّا إن أحْرَمَ بإذْنِ سَيِّدِه،

стр. 3663

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لم يَكُنْ له تَحْلِيلُه. وهذا قولُ الشافعىِّ. وقال أبو حنيفةَ: له ذلك؛ لأنَّه مَلَّكَه مَنافِعَ نَفْسِه، فكانَ له الرُّجُوعُ فيها، كالمُعِيرِ يَرْجِعُ في العارِيَّةِ. ولَنا، أنَّه عَقْدٌ لازِمٌ عَقَده (١) بإذْنِ سَيِّدِه، فلم يَكُنْ لسَيِّدِه فَسخُه، كالنِّكاحِ، ولا يَلْزَمُ عليه العارِيَّةُ، لأنَّها ليست لازِمَةً. ولو أعارَه شَيْئًا ليَرْهَنَه، فرَهَنَه، لم يَكُنْ له الرُّجُوعُ فيه. فإن باعَه سَيِّدُه بعدَ ما أحْرَمَ، فحُكْمُ مُشْتَرِيه في تَحْلِيلِه حُكْمُ بائِعِه؛ لأنَّه اشتراه مَسْلُوبَ المَنْفَعَةِ، أشْبَهَ الأمَةَ المُزَوَّجَةَ والمُسْتَأْجَرَةَ. فإن عَلِم المُشْتَرِى بذلك، فلا خِيارَ له، كما لو اشترَى مَعِيبًا يَعْلَمُ عَيْبَه، وإن لم يَعْلمْ فله الفَسْخُ، لأنَّه يَتَضَرَّرُ بمُضِىِّ العَبْدِ في حَجِّه لفَوَاتِ منافِعِه، إلَّا أن يَكُونَ إحْرامُه بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، ونَقُولُ: له تَحْلِيلُه. فلا فَسْخَ له؛ لأنَّه يُمْكِنُه دَفْعُ الضَّرَرِ عنه. ولو أذِنَ له سَيِّدُه في الإِحْرامِ، وعَلِم العَبْدُ برُجُوعِه قبلَ إحْرامِه، فهو كمَن لم يُؤْذَنْ له، وإن لم يَعْلَمْ ففيه وَجْهان، بِناءً على الوَكِيلِ؛ هل يَنْعَزِلُ بالعَزْلِ قبلَ العِلمِ؟ على رِوايَتَيْن.

стр. 3664

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: إذا نَذَر العَبْدُ الحَجَّ، صَحَّ نَذْرُه؛ لأنَّه مُكَلَّفٌ، فصَحَّ نَذْرُه، كالحُرِّ. ولسَيِّدِه مَنْعُه مِن المُضِىِّ فيه؛ لأنَّه يُفَوِّتُ حَقَّ سَيِّدِه الواجِبَ، فمُنِعَ منه، كما لو لم يَنْذُرْ. ذَكَرَه القاضي، وابنُ حامِدٍ. ورُوِىَ عن أَحمدَ، أَنَّه قال: لا يُعْجِبُنى مَنْعُه مِن الوَفاءِ به. وذلك لِما فيه مِن أداءِ الواجِبِ، فيَحْتَمِلُ أن ذلك على الكَراهَةِ، لا على التَّحْرِيمِ؛ لِما ذَكَرْنا. ويَحْتَمِلُ التَّحْرِيمَ؛ لأنَّه واجِبٌ، فلا يَمْلِكُ مَنْعَه منه، كسائِرِ الواجباتَ. والأوَّلُ أوْلَى. فإن أُعْتِقَ، لَزِمَه الوفاءُ به بعدَ حَجَّةِ الإِسْلامِ. فإن أحْرَمَ به أوَّلًا انْصَرَفَ إلى حَجَّةِ الإِسْلامِ، في الصَّحِيحِ مِن المَذْهَبِ، كالحُرِّ إذا نَذَر حَجًّا. فصلٌ في جِناياتِه: وما جَنَى على إحْرامِه لَزِمَه حُكْمُه. وحُكْمُه فيما يَلْزَمُه حُكْمُ الحُرِّ المُعْسِرِ، فَرْضُه الصيامُ. وإن تَحَلَّلَ بحَصْرِ عَدُوٍّ، أو حَلَّلَه سَيِّدُه، فعليه الصيامُ، لا يَتَحَلَّلُ قبلَ فِعْلِه، كالحُرِّ، وليس لسَيِّدِه أن يَحُولَ بينَه وبينَ الصومِ. نَصَّ عليه, لأنَّه صومٌ واجِبٌ، أشْبَهَ صومَ رمضانَ. فإن مَلَّكَهُ السَّيِّدُ هَدْيًا، وأذِنَ له في إهْدائِه، وقُلْنا: إنَّه يَمْلِكُه.

стр. 3665

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فهو كالواجِدِ (١) للهَدْىِ، لا يَتَحَلَّلُ إلَّا به. وإن قُلْنا: لا يَمْلِكُه. ففَرْضُه الصيامُ. وإن أذِنَ له سَيِّدُه في تَمَتُّعٍ أو قِرانٍ، فعليه الصيامُ بَدَلًا عن الهَدْىِ الواجِبِ بهما. وذَكَر القاضي، أنَّ على سَيِّدِه تَحَمُّلَ ذلك عنه؛ لأنَّه بإذْنِه، فكانَ على مَن أذِنَ فيه، كما لو فَعَلَه النّائِبُ بإذْنِ المُسْتَنِيبِ. قال شيخُنا (٢): وليس بجَيِّدٍ؛ لأنَّ الحَجَّ للعَبْدِ، وهذا مِن مُوجِباتِه، فيَكُونُ عليه، كالمَرْأةِ إذا حَجَّت بإذْنِ زَوْجِها، ويُفارِقُ مَن يَحُجُّ عن غيرِه؛ فإنَّ الحَجَّ للمُسْتَنِيبِ، فمُوجِبُه عليه. وإن تَمَتَّعَ أو قَرَن (٣) بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، فالصيامُ عليه بغيرِ خِلافٍ، وإن أفْسَدَ حَجَّهُ، فعليه أن يَصُومَ لذلك؛ لأنَّه لا مالَ له، فهو كالمُعْسِرِ الحُرِّ.

стр. 3666

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وإن وَطِئَ قبلَ التَّحَلُّلِ الأوَّلِ، فَسَد نُسُكُه، ويَلْزَمُه المُضِىُّ في فاسِدِه، كالحُرِّ، لكن إن كان الإِحْرامُ مأَذُونًا فيه، فليس لسَيِّدِه إخْراجُه منه؛ لأنَّه ليس له مَنْعُه مِن صَحِيحِه، فلم يَمْلِكْ مَنْعَه مِن فاسِدِه، وإن كان بغيرِ إذْنِه، فله تَحْلِيلُه منه؛ لأنَّ له تَحْلِيلَه مِن صَحِيحِه،

стр. 3667

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فالفاسِدُ أوْلَى، وعليه القَضاءُ؛ سَواءٌ كان الإحْرامُ مَأْذُونًا فيه، أو غيرَ مَأْذُونٍ. ويصِحُّ القَضاءُ في حالِ رِقِّه؛ لأنَّه وَجَب فيه، فصَحَّ، كالصلاةِ والصيامِ. ثم إن كان الإِحْرامُ الذي أفْسَدَه مَأْذُونًا فيه، فليس له مَنْعُه مِن قَضائِه؛ لأنَّ إذْنَه في الحَجِّ الأوَّلِ إذْنٌ في مُوجِبِه ومُقْتَضاه، ومِن مُوجِبِه القَضاءُ لِما أفْسَدَه. فإن كان الأوَّلُ غيرَ مَأذُونٍ فيه، احْتَمَلَ أن لا يَمْلِكَ مَنْعَه مِن قَضائِه؛ لأنَّه واجِبٌ، وليس للسَّيِّدِ مَنْعُه مِن الواجِباتِ، واحْتَمَلَ أنَّ له مَنْعَه منه؛ لأنَّه يَمْلِكُ مَنْعَه مِن الحَجِّ الذي شَرَع فيه بغيرِ إذْنِه، فكذلك هذا. فإن أُعْتِقَ قبلَ القَضاءِ، فليس له فِعْلُه قبلَ حَجَّةِ الإِسْلامِ؛ لأنَّها آكَدُ. فإن أحْرَمَ بالقَضاءِ، انْصَرَفَ إلى حَجَّةِ الإِسْلامِ، في الصَّحِيحِ مِنَ المَذْهَبِ، وبَقِىَ القَضاءُ في ذِمَّتهِ، وإن عَتَق في أثناءِ الحَجَّةِ الفاسِدَةِ،

стр. 3668

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فأدْرَكَ مِن الوُقُوفِ ما يُجْزِئُه، أجْزَأه القَضاءُ عن حَجَّةِ الإسْلامِ؛ لأنَّ المَقْضِىَّ لو كان صَحِيحًا أجْزَأه، فكذلك قَضاؤه. [فإن أُعْتِقَ بعدَ ذلك] (١) لم يُجْزِئْه؛ لأنَّ المَقْضِىَّ لم (٢) يُجْزِئْه، فكذلك القَضاءُ. والمُدَبَّرُ والمُعَلَّقُ عِتْقُه بِصِفَةٍ وأُمُّ الوَلَدِ والمُعْتَقُ بَعْضُه، حُكْمُه حُكْمُ القِنِّ فيما ذَكَرْناه.

стр. 3669

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وإن أحْرَمَتِ المَرْأةُ بحَجًّ أو عُمْرَةٍ تَطَوُّعًا، فلِزَوْجِها تَحْلِيلُها ومَنْعُها منه، في ظاهِرِ المَذْهَب. وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ. وقال القاضي: ليس له تَحْلِيلُها؛ لأنَّ الحَجَّ يَلْزَمُ بالشُّرُوعِ فيه، فلم يَمْلِكْ تَحْلِيلَها منه، كالمَنْذُورِ. قال: وحُكِىَ من أحمدَ، في امْرَأةٍ تَحْلِفُ بالصومِ أو بالحَجِّ: لها أن تَصومَ بغيرِ إذْنِ زَوْجِها، قد ابْتُلِيَتْ، وابْتُلِىَ زَوْجُها. ولَنا، أنَّه تَطَوُّعٌ يُفَوِّتُ حَقَّ غَيرِها منها (١)، أحْرَمَت به (٢) بغيرِ إذْنِه، فمَلَكَ تَحْلِيلَها، كالأمَةِ إذا أحْرَمَتْ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِها، والمَدِينَةِ تُحْرِمُ بغيرِ إذْنِ غَرِيمِها على وَجْهٍ يَمْنَعه إيفاءَ دَيْنِه الحالِّ عليها. ولأنَّ العِدَّةَ تَمْنَعُ المُضِىَّ في الإِحْرامِ لحَقَّ اللهِ ، فحَقُّ الآدَمِىَّ أوْلَى؛ لأنَّ حَقَّه أضْيَق؛ لشُحِّه وحاجَتِه، وكَرَمِ اللهِ وغِناه. وكَلام أحمدَ لا يَتَناوَلُ مَحَلَّ النِّزاعِ، بل قد خالَفَه مِن وَجْهَيْن؛ أحَدُهما، أَنَّه في الصومِ، وتَأْثِيرُ الصومِ في مَنْعِ حَقِّ الزَّوْجِ يَسِيرٌ؛ لكَوْنِه في النَّهارِ دونَ اللَّيْلِ. الثّانى، أنَّ الصومَ إذا وَجَب صار كالمَنْذورِ، والشُّرُوغ هَهُنا على وَجْهٍ غيرِ مَشْرُوعٍ، فلم يَكُنْ له حرْمَةٌ بالنِّسْبَةِ إلى صاحِبِ الحَقِّ.

стр. 3670

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإن كانَتْ حَجَّةَ الإِسْلامِ، لكن إن (١) لم تَكْمُلْ شُرُوطُها لعَدَمِ الاسْتِطاعَةِ، فله مَنْعُها مِن الخُرُوجِ إليها والتَّلَبُّس بها؛ لأنَّها غيرُ واجِبَةٍ عليها. فإن أحْرَمَت بها بغيرِ إذْنٍ، لم يَمْلِكْ تَحْلِيلَها؛ لأنَّ ما أحْرَمَت

стр. 3671

وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ مَنْعُ امْرأَتِهِ مِنْ حَجِّ الْفَرْضِ، وَلَا تَحْلِيلُهَا إنْ أحرَمَتْ بِهِ. ــ به يَقَعُ عن حَجَّةِ الإِسْلامِ الواجِبَةِ بأصْلِ الشَّرْعِ، كالمَرِيضِ إذا تَكَلَّفَ حُضُورَ الجُمُعَةِ. ويَحْتَمِلُ أنَّ له تَحْلِيلَها؛ لفُقْدانِ شَرْطِها، فأشْبَهَتِ الأمَةَ والصَّغِيرَةَ، فإنَّه لَمَّا فَقَدَتِ الحُرِّيَّةَ والبُلُوغَ مَلَك مَنْعَها، [ولأنَّها] (١) ليست واجِبَةً عليها، أشْبَهَت سائِرَ التَّطَوُّعِ. فأمّا الخُرُوجُ إلى حَجِّ التَّطَوُّعِ والإِحْرامُ به، فله مَنْعُها منه. ١١٣٧ - مسألة: (وليس للرجلِ مَنْعُ امرأتِه مِن حَجِّ الفَرْضِ، ولا تَحْلِيلُها إن أحْرَمَت به) بغيرِ خِلافٍ، حَكاه ابنُ المُنْذِرِ. فإن أذِنَ لها، فله الرُّجُوعُ ما لم تَتَلبَّسْ بالإِحْرامِ. ومتى قُلْنا: له تَحْلِيلُها.

стр. 3672

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فحَلَّلهَا، فحُكْمُها حُكْمُ المُحْصَرِ، يَلْزَمُها الهَدْىُ، أو الصومُ إن لم تَجِدْه، كسائِرِ المُحْصَرِين. ليس للرجلِ (١) منْعُ امرأتِه مِن المُضِىِّ إلى الحَجِّ الواجِبِ عليها، إذا كَمَلَت شُرُوطُه، وكان لها مَحْرَمٌ يَخْرُجُ معها؛ لأنَّه واجِبٌ، وليس له مَنْعُها مِن الواجِباتِ، كالصومِ والصلاةِ. وهذا قولُ النَّخَعِىِّ، وإسْحاقَ، وأصحابِ الرَّأْىِ. وهو الصَّحِيحُ مِن قَوْلَى الشافعيِّ. وله قولٌ آخَرُ: أنَّ له مَنْعَها؛ بِناءً على أنَّ الحَجَّ على التَّراخِى. ووَجْهُ ذلك ما تَقَدَّمَ. ويُسْتَحَبُّ لها اسْتِئْذانُه. نَصَّ عليه. فإن أذِنَ لها، وإلَّا خَرَجَت بغيرِ إذْنِه. فصل: ولا تَخْرُجُ إلى الحَجَّ في عِدَّةِ الوَفاةِ. نَصَّ عليه. ولها الخُرُوجُ إذا كانَتْ مَبْتُوتَةً؛ لأنَّ المَبِيتَ ولُزُومَ مَنْزِلِها واجِبٌ في عِدَّةِ الوَفاةِ دُون المَبْتُوتَةِ، فإنَّه لا يَجبُ عليها ذلك، وقُدِّمَ على الحَجَّ؛ لأنَّه يَفُوتُ. وأمّا الرَّجْعيَّةُ فحُكْمُها حُكْمُ الزَّوْجَةِ، فإن خَرَجَتْ للحَجِّ فَتُوُفِّىَ زَوْجُها في الطَّرِيقِ، فسَنَذْكُر ذلك في العِدَدِ، إن شاء اللهُ تعالى، واللهُ أعْلَمُ. وإن لم (٢) تَكْمُل شُرُوطُه، فله مَنْعُها مِن المُضِىِّ إليه والشُّرُوعِ فيه؛ لأنَّه يُفوِّتُ حَقِّه بما ليس بواجِبٍ عليها، فمَلَكَ مَنْعَها منه، كصومِ التَّطَوُّعِ. فصل: فإن أَحْرَمَتْ بالحَجِّ الواجِبِ عليها، لم يَكُنْ له مَنْعُها، وكذلك

стр. 3673

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إن أحْرَمَتْ بالعُمْرَةِ الواجِبَةِ، ولا تَحْلِيلُها إذا أحْرَمَتْ بها (١) في قولِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ؛ منهم النَّخَعِيُّ، وإسْحاقُ، وأصْحاب الرَّأْىِ. وبه قال الشافعىُّ أصَحِّ قوْلَيْه، وقال في الآخَرِ: له مَنْعُها. لأنَّ الحَجَّ عندَه على التَّراخِى، فلا يَتَعَيَّنُ في هذا العام. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ الحَجَّ الواجِبَ يَتَعَيَّن بالشُّرُوعِ فيه، فصارَ كالصلاةِ إذا أحْرَمَتْ بها في أوَّلِ وَقتِها، وقَضاءِ رَمضانَ إذا شَرَعَتْ فيه، ولأنَّ حَقَّ الزَّوْجِ مُسْتَمِرٌّ على الدَّوَامِ، فلو مَلَك مَنْعَها في هذا العامِ، مَلَكَه في كلِّ عامٍ، فيُفْضِى إلى إسْقاطِ أحَدِ أرْكانِ الإِسْلامِ. فصل: فإن أحْرَمَتْ بواجِبٍ، فحَلَفَ عليها زَوْجُها بالطَّلاقِ الثَّلاثِ أن لا تَحُجَّ العامَ، فليس لها أن تَحِلَّ؛ لأنَّ الطَّلاقَ مُباحٌ، وليس لها تَرْكُ الفَضِيلَةِ لأجْلِه. ونَقَل مُهَنّا، من أحمدَ، أنَّه سُئِل عن هذه المَسْألةِ، فقالَ: قال عَطاءٌ: الطَّلاقُ هَلاكٌ، وهي بمَنْزِلَةِ المُحْصَرِ. فاحْتَجَّ بقولِ

стр. 3674

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عَطاءٍ، فلَعَلَّه ذَهَب إليه؛ لأنَّ ضَرَرَ الطَّلاقِ عَظيمٌ؛ لِما فيه مِن خُرُوجِها مِن بَيْتِها، ومُفارَقَةِ زَوْجِها ووَلَدِها، وقد يَكُونُ ذلك أعْظَمَ مِن ذَهابِ مالِها، ولذلك سَمّاه عَطاءٌ هَلاكًا. ولأنَّه لو مَنَعَها عَدُوٌّ مِن الحَجِّ إلَّا أن تَدْفَعَ إليه مالَها، كان ذلك حَصْرًا، فهذا أوْلَى. فصل: وليس للوالِدِ مَنْعُ وَلَدِه مِن حَجِّ الفَرْضِ والنَّذْرِ، ولا تَحْلِيلُه مِن إحْرامِه، وليس للوَلَدِ طاعَتُه في تَرْكِه؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ تَعَالَى» (١). فأمّا التَّطَوُّعُ فله مَنْعُه مِن الخُرُوجِ إليه (٢)؛ لأنَّ له مَنْعَه مِن الغزْوِ، وهو مِن فرُوضِ الكِفاياتِ، فالتَّطَوُّعُ

стр. 3675

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أوْلَى. فإن أحْرَمَ بغيرِ إذْنِه، لم يَمْلِكْ تَحْلِيلَه؛ لأنَّه وَجَب بالدُّخُولِ فيه، فصارَ كالواجِبِ ابْتِداءً، أو كالنَّذْرِ. فصل: فإن أحْرَمَتِ المرأةُ بحَجَّةِ النَّذْرِ بغيرِ إذْنٍ، فهل لزَوْجِها مَنْعُها؟ على رِوايَتَيْن، حَكاهما القاضي أبو (١) الحسينِ؛ إحْداهما، ليس له مَنْعُها، كحَجَّةِ الإِسْلامِ. والثّانِيَة، له مَنْعُها؛ لأنَّه وَجَب عليها بإيجابِها، أشْبَهَ حَجَّ التَّطَوُّعِ إذْا أحْرَمَتْ به.

стр. 3676

فَصْلٌ: الشَّرْطُ الْخَامِسُ، الِاسْتِطَاعَةُ؛ وَهُوَ أن يَمْلِكَ زَادًا وَرَاحِلَةً صَالِحَةً لِمِثْلِهِ بِآلَتِهَا الصَّالِحَةِ لِمِثْلِهِ، أَوْ مَا يَقْدِرُ بِهِ عَلَى تَحْصِيلِ ذَلِكَ، فَاضِلًا عَمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ مَسْكَنٍ، وَخَادِمٍ، وَقَضَاءِ دَيْنِهِ، وَمُؤْنَتِهِ وَمُؤْنَةِ عِيَالِهِ عَلَى الدَّوَامِ. ــ فصل: (الشَّرْطُ الخامِسُ، الاسْتِطاعَةُ؛ وهي أن يَمْلِكَ زادًا وراحِلَةً صَالِحَةً لِمثْلِه بآلَتِها الصّالِحَةِ لمِثْلِه، أو ما يَقْدِرُ به على تَحْصِيلِ ذلك، فاضِلًا عَمّا يَحْتاجُ إليه مِن مَسْكَنٍ، وخادِمٍ، وقَضاءِ دَيْنِه، ومُؤْنَتِه ومُؤْنَةِ عِيالِه على الدَّوامِ) الاسْتِطاعَةُ المُشْتَرَطَةُ لوُجُوبِ الحَجِّ والعُمْرَةِ مِلْكُ الزادِ والراحِلَةِ. وبه قال الحسنُ، ومجاهِدٌ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والشافعيُّ،

стр. 3677

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وإسْحاقُ. قال التِّرْمِذِىُّ (١): والعَمَلُ عليه عندَ أهْلِ العِلْمِ. وقال عِكْرِمَةُ: هي الصِّحَّةُ. وقال الضَّحَّاكُ: إن كان شابًّا فلْيُؤاجِرْ نفْسَه بأكْلِه وعَقِبِه، حتَّى يَقْضِىَ نُسُكَه. وعن مالكٍ، إن كان يُمْكِنُه المَشْىُ، وعادَتُه سُؤالُ النّاسِ، لَزِمَه الحَجُّ؛ لأنَّ هذه الاسْتِطاعَةَ في حَقِّه، فهو كواجِدِ الزادِ والراحِلَةِ. ولَنا، أنَّ النَّبيَّ ﷺ فَسَّرَ الاسْتِطاعَةَ بالزّادِ والراحِلَةِ، فوَجَبَ الرُّجُوعُ إلى تَفْسِيرِه، فرَوَى الدَّارَقُطْنِىُّ (٢)، بإسْنادِه عن جابِرٍ،

стр. 3678

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وعبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، وعبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو، وأنَسٍ، وعائِشَةَ، رَضِىَ اللهُ عنهم، أنَّ النَّبيَّ ﷺ سُئِلَ: ما السَّبِيلُ؟ قال: «الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ». وروَى ابنُ عُمَرَ، قال: جاء رجلٌ إلى النبىِّ ﷺ ، فقال: يا رسولَ اللهِ، ما يُوجِبُ الحَجَّ؟ قال: «الزَّاد وَالرَّاحِلَةُ». رَواه التِّرْمِذِىُّ (١)، وقال: حديثٌ حسنٌ. وروَى الإِمامُ أحمد (٢)، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن يُونُسَ، عن الحسنِ، قال: لَمّا نَزَلَتْ هذه الآيَةُ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (٣). قال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، ما السَّبِيلُ؟ قال: «الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ». ولأنَّها عِبادَةٌ تَتَعَلَّقُ بقَطْعِ مسافَةٍ بَعِيدَةٍ،

стр. 3679

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فاشْتُرِطَ لوُجُوبِها الزَّادُ والرَّاحِلَةُ، كالجِهادِ. وما ذَكَرُوه ليس باسْتِطاعَةٍ، فإنَّه شاقٌّ وإن كان عادَةً. والاعْتِبارُ بعُمُومِ الأحْوالِ دُونَ خُصُوصِها، كما أنَّ رُخَصَ السَّفَرِ تَعُمُّ مَن يَشُقُّ عليه ومَن لا يَشُقُّ عليه. وكذلك مَن كان له ما يَقْدِرُ به على تَحْصِيلِ الزَّادِ والرَّاحِلَةِ بالشُّرُوطِ المَذْكُورَةِ؛ لأنَّه في مَعْنَى مِلْك الزَّادِ والرَّاحِلَةِ. ولأنَّ القُدْرَةَ على ما تَحْصُلُ به الرَّقَبَةُ في الكَفّارَةِ كمِلْكِ الرَّقَبَةِ، فكذلك هَهُنا. فصل: ويَخْتَصُّ اشْتِراطُ الرَّاحِلَةِ بالبَعِيدِ الذي بينَه وبينَ البَيْتِ مَسافَةُ القَصْرِ، فأمّا القَرِيبُ الذي يُمْكِنُه المَشْىُ، فلا يُعْتَبَرُ وُجُودُ الراحِلَةِ في حَقِّه؛ لأنَّها مَسافَةٌ قرِيبَةٌ، يُمْكِنُه السَّعْىُ إليها، فلزِمَة، كالسَّعْىِ إلى الجُمُعَةِ، وإن كان مِمَّنْ لا يُمْكِنُه المَشْىُ، كالشَّيْخِ الكَبِيرِ، اعْتُبِرَ وُجُودُ الحُمُولَةِ في حَقِّه، لأنَّه عاجِزٌ عن المَشْىِ إليه (١)، أشْبَهَ البَعِيدَ. وأمّا الزّادُ، فلا بُدَّ منه، فإن لم يَجِدْ زَادًا، ولا قَدَر على كَسْبِه، لم يَلْزَمْه الحَجُّ.

стр. 3680

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: والزّادُ الذي تُشْتَرَطُ القُدْرَةُ عليه، هو ما يَحْتاجُ إليه في ذَهابِه ورُجُوعِه، مِن مَأْكُولٍ ومَشْرُوبٍ وكُسْوَةٍ، فإن كان يَمْلِكُه، أو وَجَدَه يُباعُ بثَمَنِ المثْلِ في الغَلاءِ والرُّخْصِ، أو بزِيادَةٍ يَسِيرَةٍ لا تُجْحِفُ بمالِه، لَزِمَه شِراؤه، وإن كانَتْ تُجْحِفُ به (١) لم يَلْزَمْه، كما قُلْنا في شِراءِ الماءِ للوُضُوءِ. وإذا كان يَجِدُ الزّادَ في كلِّ مَنْزِلٍ، لم يَلْزَمْه حَمْلُه، وإن لم يَجِدْه كذلك، لَزِمَه حَمْلُه، وأمّا الماءُ وعَلَفُ البَهائِمِ فسَنَذْكُرُه، إن شاء اللهُ تعالى. فصل: ويُشْتَرَطُ أن يَجِدَ راحِلَةً تَصْلُحُ لمِثْلِه؛ إمّا بشِراءٍ أو كِراءٍ، لذَهابِه ورُجُوعِه، ويَجِدَ ما يَحْتاجُ إليه مِن آلتِها التى تَصْلُحُ لِمثْلِه، فإن كان مِمَّن يَكْفِيه الرَّحْلُ والقَتَبُ، ولا يَخْشَى السُّقُوطَ، اكْتَفَى بذلك.
следующие страницы →