. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ومالكٌ (١). وكَرِهَه الحسنُ. ولَنا، ما روَى أبو داودَ (٢)، بإسْنادِه عن البراءِ، قال: لَمّا صالَحَ رسولُ اللهِ ﷺ أهْلَ الحُدَيْبِيَةِ صالحَهم على أن لا يَدْخُلُوها إلَّا بجُلْبانِ السِّلاحِ -القِرَابُ بما فِيه-. وهذا ظاهِرٌ في إباحَةِ حَمْلِه عندَ الحاجَةِ، لأنَّهم لم يَكُونُوا يَأْمَنُون أهْلَ مَكَّةَ أن يَنْقضُوا العَهْدَ، فاشْتَرَطُوا حَمْلَ السِّلاحِ في قِرابِه. فأمّا مِن غيرِ خَوْفٍ، فقد قال أحمدُ: لا، إلَّا مِن ضَرُورَةٍ. وإنَّما مَنَع منه؛ لأنَّ ابنَ عُمَرَ قال: لا يَحْمِلُ المُحْرِمُ السِّلاحَ في الحَرَمِ. قال شيخُنا (٣): والقِياسُ إباحَتُه؛ لأنَّ ذلك
стр. 3887
فَصْلٌ: الْخَامِسُ، الطِّيبُ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ تطْيِيبُ بَدَنِهِ وَثِيَابِهِ، وَشَمُّ الْأَدْهَانِ الْمُطَيِّبةِ، وَالادِّهَانُ بِهَا،
ــ
ليس هو في مَعْنَى المَلْبُوسِ المَنْصُوصِ على تَحْرِيمِه، ولذلك لو حَمَل قِرْبَة في عُنُقِه لم يَحْرُمْ ذلك، ولم تَجِبْ به الفِدْيَةُ. وقد سُئِلَ أحمدُ عن المُحْرِمِ يُلْقِى جِرابَه في عُنُقِه، كهَيْئَةِ القِرْبَةِ، فقالَ: أرْجُو أن لا يَكُونَ به بَأسٌ.
فصل: قال الشيخُ، ﵀: (الخامِسُ، الطِّيبُ، فيَحْرُمُ عليه تَطيبُ بَدَنِه وثِيابِه، وشَمُّ الأدهانِ المُطَيِّبةِ والادِّهانُ بها) أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ المُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِن الطِّيبِ، وقد دَلَّ عليه قولُ النبىِّ ﷺ في المُحْرِمِ الذى وَقَصتْه راحِلَتُه: «لَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ». رواه مسلمٌ. وفى لَفْظٍ: «وَلَا تُحَنِّطُوهُ (١)». مُتَّفَقٌ عليه (٢). فلمّا مُنِعَ المَيِّتُ مِن الطِّيبِ لإِحْرامِه، فالحَيُّ أوْلَى. ومتى تَطَيَّبَ فعليه الفِدْيَةُ؛ لأنَّه فَعَل ما حَرَّمَه الإِحْرامُ، فلَزِمَتْه الفِدْيَةُ، كاللِّباسِ، فيَحْرُمُ عليه تَطْيِيبُ بَدَنِه؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحديثِ، وتَطيبُ ثِيابِه، فلا يَجُوزُ له لُبْسُ ثَوْبٍ مُطَيَّبٍ. وهذا قولُ
стр. 3888
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جابِر، وابنِ عُمَرَ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وأبِى ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لقولِ النبىِّ ﷺ : «لَا يُلْبَسُ مِنَ الثِّيابِ شَئٌ مَسَّهُ الزَّعْفَران، وَلَا الْوَرْسُ». مُتَّفَقٌ عليه (١). فكلُّ ما صُبغَ بزَعْفَرانَ أو وَرْسٍ، أو غُمِسَ في ماءِ وَرْدٍ، أو بُخِّرَ بعُودٍ، فليس للمُحْرِمِ لُبْسُه، ولا الجُلُوسُ عليه، ولا النَّوْمُ عليه. نَصَّ عليه أحمدُ. لأنَّه اسْتِعْمالٌ له، فأشْبَهَ لُبْسَه. ومتى لَبِسَه، أو اسْتَعْمَلَه، فعليه الفِدْيَة. وبه قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: إن كان رَطْبًا يَلى بَدَنَهْ، أو يابِسًا يُنْفَضُ، فعليه الفِدْيَة، وإلَّا فلا؛ لأنَّه ليس بمُطَيَّبٍ. ولَنا، أنَّه مَنْهِىٌّ عنه لأجْلِ الإِحْرام، فلَزِمَتْه الفِدْيَة به، كاسْتِعْمالِ الطَّيبِ في بَدَنِه، وقِياسًا على الثَّوْبِ المُطَيَّبِ. فإن غَسَلَه حتى ذَهَب ما فيه مِن ذلك، فلا بَأْسَ به عندَ جَميعِ العُلَماءِ. وإن فَرَش فوقَ المُطَيَّبِ ثَوْبًا صَفِيقًا يَمْنعُ الرّائِحَةَ والمُباشَرَةَ، فلا فِدْيَةَ بالنَّوْمِ عليه؛ لأنَّه لم يَسْتَعْمِلِ الطِّيبَ، ولم يُباشِرْه.
فصل: وليس له شَمُّ الأدْهانِ المُطَيِّبةِ، كدُهْنِ الوَرْدِ والبَنَفْسَجِ، والخِيريِّ (٢)، والزَّنْبَقِ (٣) ونحوِها، ولا الادِّهانُ بها، وليس في تَحْرِيمَ ذلك خِلافٌ في المَذْهَبِ. وكَرِه مالكٌ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ الادِّهانَ بدُهْنِ البَنَفْسَجِ. وقال الشافعىُّ: ليس بطِيبٍ. ولَنا، أنَّه
стр. 3889
وَشَمُّ الْمِسْكِ ؤِالْكَافُورِ وَالْعَنْبَرِ [٦٤ ظ] وَالزَّعْفَرَانِ وَالْوَرْسِ، وَالتَّبَخِّرُ بِالْعُودِ وَنَحْوِهِ، وَأَكْلُ مَا فِيهِ طِيبٌ يَظْهَرُ طَعْمُهُ أَو رِيحُهُ.
ــ
تُقْصَدُ رائِحَته، ويُتَّخَذُ للطِّيبِ، أشْبَهَ ماءَ الوَرْدِ.
١١٩٣ - مسألة: (وشَمُّ المِسْكِ والكافُورِ والعَنْبَرِ والزَّعْفَرانِ والوَرْسِ، والتَّبَخُّرُ (١) بالعودِ، وأكْلُ ما فيه الطِّيبُ، يَظْهَر طَعْمُه أو رِيحُه) يَحْرُمُ عليه شَمُّ كلِّ ما تَطِيبُ رائِحَته ويُتَّخَذُ للشَّمِّ، كالمِسْكِ والعَنْبَرِ والكافُورِ والغالِيَةِ (٢) والزَّعْفَرانِ والوَرْسِ وماءِ الوَرْدِ؛ لأنَّه اسْتِعْمالٌ للطِّيبِ، وكذلك التَّبَخُّرُ بالعُودِ؛ لأنَّه طِيبٌ.
فصل: ومتي جُعِلَ شئٌ مِن الطِّيبِ في مَأْكولٍ أو مَشْرُوبٍ، كالمِسْكِ والزَّعْفَرانِ، فلم تَذْهَبْ رائِحَتُه، لم يُبَحْ للمُحْرِم تَناوُلُه؛ نِيئًا كان أو قد مَسَّتْه النارُ. وبهذا قال الشافعىُّ. وكان مالكٌ، وَأصْحابُ الرأْى لا يَرَوْن بما مَسَّتِ النّارُ من الطَّعامِ بَأْسًا وإن بَقِيَتْ رَائِحَتُه وطَعْمُه ولَونَه؛ لأنَّه بالطَّبْخِ اسْتَحالَ عن كَوْنِه طِيبًا. ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، وعَطاءٍ، ومُجاهدٍ،
стр. 3890
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، أنَّهم لم يَكُونُوا يَرَوْن بأكْلِ الخُشْكَنانَجِ (١) الأصْفَرِ بَأْسًا. وكَرِهَه القاسِمُ بنُ محمدٍ. ولَنا، أنَّ الاسْتِمْتاعَ والتَّرَفُّهَ به حاصِلٌ، أشْبَهَ النِّئَ، ولأنَّ المَقْصُودَ مِن الطِّيبِ رائِحَتُه، وهى باقِيَةٌ. وقولُ مَن أباحَ الخُشْكَنانَجَ الأصْفَرَ مَحْمُولٌ على ما ذَهَبَتْ رائِحَتُه، فإنَّ ما ذَهَبَتْ راِئحَتُه وطَعْمُه، ولم يَيْقَ فيه إلَّا اللَّوْنُ ممّا مَسَّتْه النّارُ، لا بَأْسَ بأكْلِه. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، إلَّا ما رُوِىَ عن القاسِمِ، وجَعْفَرِ بنِ محمدٍ، أنَّهما كَرِهَا الخُشْكَنانَجَ الأصْفَرَ. ويُمْكِنُ حَمْلُه على ما بَقِيَتْ رائِحَتُه؛ ليَزُولَ الخِلافُ. فإن لم تَمَسَّه النّارُ، لكنْ ذَهَبَت رائِحَتُه وَطعْمُه، فلا بَأْسَ به. وهر قولُ الشافعىِّ. وكَرِه مالكٌ، والحَمَيْدِىُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأىِ المِلْحَ الأصْفَرَ، وفَرَّقُوا بينَ ما مَسَّتْه النّارُ، وما لم تَمَسَّه. ولَنا، أنَّ المَقْصُودَ الرائِحَةُ دُونَ اللَّوْنِ، فإنَّ الطِّيب إنَّما كان طِيبًا لراِئحَتِه، لا للَوْنِه، فوَجَبَ دَوَرانُ الحُكْمِ معها دُونَه.
فصل: فإن ذَهَبَتْ رائِحَتُه وبَقِىَ طَعْمُه، فظاهِرُ كَلامِ أحمدَ، في رِوايَةِ صالِحٍ، تَحْرِيمُه. وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ، لأنَّ الطَّعْمَ لا يَكادُ يَنْفَكُّ عن الرّائِحَةِ، فمتى وُجِدَ الطَّعْمُ دَلَّ على وُجُودِ بَقاءِ الرّائِحَةِ. وظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ إباحَتُه؛ لأن المَقْصُودَ الرّائِحَةُ، فيَزُولُ المَنْعُ بزَوالِها.
стр. 3891
وَإنْ مَسَّ مِنَ الطِّيب مَا لَا يَعْلَقُ بِيَدِهِ، فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ. الْعُودِ وَالْفَوَاكِهِ وَالشِّيحِ وَالْخُزَامَى.
ــ
فصل: ولا يَجُوزُ أن يَأْكُلَ طِيبًا، ولا يَكْتَحِلَ به، ولا يَسْتَعِطَ به، ولا يَحْتَقِنَ به؛ لأنَّه اسْتِعْمالٌ للطِّيبِ، أشْبَهَ شَمَّه.
١١٩٤ - مسألة: (وإن مَسَّ مِن الطِّيبِ ما لا يَعْلَقُ بيدِه، فلا فِدْيَةَ عليه) إذا مَسَّ مِن الطِّيبِ ما لا يَعْلَقُ بيَدِه، كالمِسْكِ غيرِ المَسْحُوقِ، وقِطَعِ الكافورِ والعَنْبَرِ، فلا فِدْيَةَ فيه؛ لأنَّه غيرُ مُسْتَعْمِلٍ للطِّيب، فإن شَمَّه فعليه الفِدْيَةُ، لأنَّه هكذا يُسْتَعْمَلُ. وإن شَمَّ العُودَ، فلا فِدْيَة عليه؛ لأنَّه لا يُتَطيَّبُ به هكذا. وإن كان الطَّيبُ يَعْلقُ بيَدِه، كالغالِيَةِ وماء الوَرْدِ والمِسْكِ المَسْحُوقِ الذى يَعْلَقُ بأصابِعِه، فعليه الفِدْيَة؛ لأنَّه مُسْتَعْمِلٌ للطِّيبِ.
١١٩٥ - مسألة: (وله شَمُّ العُودِ والفَواكِهِ والشِّيحِ والخُزامَى) (١)
стр. 3892
وَفِى شَمِّ الرَّيْحَانِ وَالنَّرْجِسِ وَالْوَرْدِ وَالْبَنَفْسَجِ وَالْبَرَمِ وَنَحْوِهَا،
ــ
للمُحْرِمِ شَمُّ العُودِ، ولا فِدْيَةَ عليه؛ لأنَّه لا يُتَطَيَّبُ به هكذا، إنَّما يُقصَدُ منه التَّبخِيرُ، وكذلك الفَواكِهُ كلُّها؛ مِن الأُتْرُجِّ والتُّفّاحِ والسَّفَرْجَلِ وغيرِها، وكذلك نَباتُ الصّحراءِ؛ كالشِّيحِ والقَيْصُومِ (١) والخُزامَى الذى تُسْتَطابُ رائِحَتُه، وما يَشَمُّه الآدَمِيُّون لغيرِ قَصْدِ الطِّيبِ؛ كالحِنّاءِ والعُصْفُرِ، فمُباحٌ شَمُّه، ولا فِدْيَةَ في شئٍ مِن ذلك. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، إلَّا ما رُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه كان يَكْرَهُ للمُحْرِمِ أن يَشَمَّ شَيْئًا مِن نَبْتِ الأرْضِ مِن الشِّيحِ والقَيْصُومِ وغيرِهما. ولا نَعْلَمُ أحَدًا أوْجَبَ في ذلك شَيْئًا؛ لأنَّه لا يُقْصَدُ للطِّيبِ، ولا يُتَّخَذُ منه الطِّيبُ، أشْبَهَ سائِرَ نَبْتِ الأرْضَ. وقد رُوِىَ أنَّ أزْواجَ النبىِّ ﷺ ، كُنَّ يُحْرِمْنَ في المُعَصْفَراتِ (٢).
١١٩٦ - مسألة: (وفى شَمِّ الريْحانِ والنَّرْجِسِ والوَرْدِ والبَنَفْسَجِ
стр. 3893
وَالِادِّهَانِ بِدُهْنٍ غَيْرِ مُطَيِّبٍ فِى رَأْسِهِ، رِوَايَتَانِ.
ــ
والبَرَمِ (١) ونحوِها، والادِّهانِ بدُهْنٍ غيرِ مُطِّيِّبٍ في رَأْسِه، روايَتان) المذكورُ في هذه المسألَةِ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْن؛ أحَدُهما، ما يُنْبِتُه الآدَمِيُّون للطِّيبِ، ولا يُتَّخَذُ منه طِيبٌ، كالرَّيْحانِ الفارِسِىِّ والمَرْدَشوشِ (٢) والنَّرْجِسِ والبَرمِ، ففيه رِوايَتان؛ إحْداهما، يُباحُ بغيرِ فِدْيَةٍ. وهو قولُ عثمانَ، وابنِ عباس، والحسنِ، ومُجاهِدٍ، وإسْحاقَ؛ لأنَّه إذا يَبِس ذَهَبَت رائِحَتُه، أشْبَهَ نَبْتَ البَرِّيَّةِ، ولأنَّه لا يُتَّخَذُ منه طِيبٌ، أشْبَهَ العُصْفُرَ. والثّانِيَةُ، يَحْرُمُ شَمُّه، فإن فَعَل، فعليه الفِدْيَةُ. وهو قولُ جابِرٍ، وابنِ عُمَرَ، والشافعىِّ، وأبِى ثَوْرٍ؛ لأنَّه يُتَّخَذُ للطِّبِ، أشْبَهَ الوَرْدَ. وكَرهَه مالكٌ وأصْحابُ الرَّأْىِ، ولم يُوجِبُوا فيه شيئًا. وكَلامُ
стр. 3894
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أحمدَ مُحْتَمِلٌ لهذا، فإنَّه قال في الرَّيْحانِ: ليس مِن آلةِ المُحْرِمِ. ولم يَذْكُرْ فيه فِدْيَةً. الثّانِى، ما يَنْبُتُ للطِّيبِ، ويُتَّخَذُ منه طِيبٌ، كالوَرْدِ والبَنَفْسَجِ والياسَمِينِ والخِيرِىِّ، فهذا إذا اسْتَعْمَلَه وشَمَّه، ففيه الفِدْيَةُ؛ لأنَّ الفِدْيَةَ
стр. 3895
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَجِبُ فيما يُتخَذُ منه، كماءِ الوَرْدِ، فكذلك أصْلُه. وعن أحمدَ رِ وايَةٌ أُخْرَى في الوَرْدِ، لا شَئَ في شَمِّه؛ لأنَّه زَهْرٌ، أشْبَهَ سائِرَ الشَّجَرِ. وقد ذَكَر شيخُنا فيه ههُنا رِوايَتَيْن. وكذلك ذَكَر أبو الخَطّابِ. والأوْلَى تَحْرِيمُه
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
نعم، يَدَّهِنُ به إذا احْتاجَ إليه، ويَتَداوَى المُحْرِمُ بما يأْكُلُ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ عَوامُّ أهْلِ العِلْمِ على أنَّ للمُحْرِمِ أن يَدْهُنَ بَدَنه بالشَّحْمِ والزَّيْتِ والسَّمْنِ. ونُقِلَ جوازُ ذلك عن ابنِ عباسٍ، وأبِى ذَرٍّ، والأسْوَدِ بنِ يَزِيدَ، وعَطاءٍ، والضَّحّاكِ. نَقَلَه الأثْرَمُ. ونَقَل أبو داودَ عن أحمدَ، أنَّه قال: الزَّيْتُ الذى يُؤْكَلُ لا يَدْهُنُ المُحْرِمُ به رَأْسَه. فظاهِرُ هذا أنَّه لا يَدْهُنُ رَأْسَه بشئٍ مِن الأدْهانِ. وهو قولُ عَطاء، ومالكٍ، والشافعىِّ، وأبِى ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْىِ؛ لأنَّه يُزِيلُ الشَّعَثَ، ويُسَكِّنُ الشَّعَرَ.
فصل: فأمّا دَهْنُ سائِرِ البَدَنِ، فلا نَعْلَمُ عن أحمدَ فيه مَنْعًا، وقد أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على إباحَتِه في اليَدَيْنِ، وإنَّما الكَراهَةُ في الرَّأْسِ خاصَّةً؛ فإنَّه مَحَلُّ الشَّعَرِ. وقال القاضى: في إباحَتِه في جَمِيعِ البَدَنِ رِوايَتان. فإن
стр. 3898
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فعلَه فلا فِدْيَةَ فيه، في ظاهِرِ كَلامِ أحمدَ، سَواءٌ دَهْنُ رَأْسِه وغيرِه، إلَّا أن يَكُونَ مُطَيِّبًا. وقد رُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه صُدِعَ وهو مُحْرِمٌ، فقالُوا: ألا نَدهُنُك بالسَّمْنِ؟ قال: لا. قالُوا: أليس تَأْكُلُه؟ قال: ليس أكْلُه كالادِّهانِ به. وعن مُجاهِدٍ، أنَّه إن تَداوَى به فعليه الكَفّارَةُ. وقال مَن مَنَع مِن دَهْنِ الرَّأْسِ: فيه الفِدْيَةُ؛ لأنَّه مُزِيلٌ للشَّعَثِ، أشْبَهَ ما لو كان مُطَيِّبًا. ولَنا، أنَّ وُجُوبَ الفِدْيَةِ يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ، ولا دَلِيلَ فيه مِن نَصٍّ ولا إجْماعٍ، ولا يَصِحُّ قِياسُه على الطِّيبِ، فإنَّ الطَّيبَ يُوجِبُ الفِدْيَةَ وإن لم يُزِلْ شَعَثًا، ويَسْتَوِى فيه الرَّأْسُ وغيرُه، والدُّهْنُ بخِلافِه، ولأنَّه مانِعٌ لا تجِبُ الفِدْيَة باسْتِعْمالِه في البَدَنِ، فلم تجِبْ باسْتِعْمالِه في الرَّأْسَ، كالماءِ.
стр. 3899
وَإِنْ جَلَسَ عِنْدَ الْعَطَّارِ، أَوْ فِى مَوْضِعٍ لِيَشَمَّ الطِّيبَ.، فَشَمَّهُ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، وَإِلَّا فَلَا.
ــ
١١٩٧ - مسألة: (وإن جَلَس عندَ العَطَّارِ، أو في مَوْضِعٍ ليَشَمَّ الطِّيبَ، فشَمَّه، فعليه الفِدْيَةُ، وإلَّا فلا) متى قَصَد شَمَّ الطِّيبِ مِن غيرِه بفِعْلٍ منه، نحوَ أن يَجْلِسَ عندَ العَطّارِين لذلك، أو يَدْخُلَ الكَعْبَةَ حالَ تَجْمِيرِها ليَشَمَّ طِيبَها، أو يَحْمِلَ معه عُقْدَةً فيها مِسْكٌ ليَجِدَ رِيحَها. قال أحمدُ: سُبْحَانَ اللهِ! كيف يَجُوزُ هذا؟ وأباحَ الشافعىُّ ذلك، إلَّا العُقْدَةَ تَكُونُ معه يَشَمُّها، فإن أصْحابَه اخْتَلَفُوا فيها. قال: لأنَّه شَمُّ الطِّيبَ مِن غيرِه، أشْبَهَ ما لو لم يَقْصِدْه. ولَنا، أنَّه قَصَد شَمَّ الطِّيبِ مُبْتَدِئًا به وهو مُحْرِمٌ، فحَرُمَ، كما لو باشَرَه، يُحَقِّقُ ذلك أنَّ القَصْدَ شَمُّ الطِّيبِ، لا مُباشَرَتُه، بدَلِيلِ أنَّه لو مَسَّ اليابِسَ الذى لا يَعْلَقُ بيَدِه، لم يَكُنْ عليه شئٌ، ولو رَفَعَه بخرْقَةٍ وشَمَّه، وجَبَتْ عليه الفِدْيَةُ، وإن لم يُباشِرْه.
стр. 3900
فَصْلٌ: السَّادِسُ، قَتْلُ صَيْدِ الْبَرِّ وَاصْطِيَادُهُ؛ وَهُوَ مَا كَانَ وَحْشِيًّا مَأْكُولَا، أوْ مُتَوِّلدًا مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ.
ــ
فأمّا إن لم يَقْصِدْ شَمَّه، كالجالِسِ عندَ العَطَّارِ لحاجَتِه، وداخِلِ السُّوقِ، أو داخِل الكَعْبَةِ للتبَّرُّكِ بها (١)، ومَن يَشْتَرِى طِيبًا لنَفْسِه، أو للتِّجارَةِ ولا يَمَسُّه، فغيرُ مَمْنُوعٍ منه؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، فعُفِىَ عنه. فإن حَمَل الطِّيبَ، فقالَ ابنُ عَقِيلٍ: إن كان رِيحُه ظاهِرًا لم يَجُزْ، وإن لم يكُنْ ظاهِرًا جازَ.
فصل: قال الشَّيخُ، ﵀: (السّادِسُ، قَتْلُ صَيْدِ البَرِّ واصْطِادُه؛ وهو ما كان وَحْشِيًّا مَأْكُولًا، أو مُتَوَلِّدًا منه ومِن غيرِه) لا
стр. 3901
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
خِلافَ بينَ أهْلِ العِلْمِ في تَحْرِيمِ قَتْل صَيْدِ البَرِّ واصْطِادِه على المُحْرِمِ. والأصْلُ فيه قولُ اللهِ سُبْحانَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (١). وقَوْلُه تَعالَى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (٢). والصَّيْدُ المُحَرَّمُ على المُحْرِمِ ما جَمَع ثَلَاثةَ أشْياءَ؛ أحَدُها، أن يَكُونَ وَحْشِيًّا، وما ليس بوَحْشِيٍّ لا يَحْرُمُ على المُحْرِمِ أكْلُه، ولا ذَبْحُه؛ كبَهِيمَةِ الأنعامِ والخَيْلِ والدَّجاجِ، ونحوها. لا نَعْلَمُ بينَ أهْلِ العِلْمِ فيه خِلافًا. والاعْتِبارُ في ذلك بالأصْلِ، لا بالحالِ، فلو اسْتَأْنَسَ الوَحْشِيُّ، وَجَب فيه الجَزاءُ، كالحَمامِ يَجِبُ الجَزاءُ في أهْلِيِّه وَوَحْشِيِّه اعْتِبارًا بالأصْلِ. ولو تَوَحَّشَ الأهْلِيُّ، لم يَجبْ فيه شَئٌ. قال أحمدُ في بَقَرَةٍ صارَتْ وَحْشِيَّةً: لا شَئَ فيها؛ لأنَّ الأَصْلَ فيها الإِنْسِيَّةُ. فإن تَوَلَّدَ بينَ الوَحْشِىِّ والأهْلِىِّ وَلَدٌ، ففيه الجَزاءُ؛ تَغْلِيبًا للتَّحْرِيمِ. واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في الدَّجاجِ السِّنْدِىِّ، هل فيه جَزاءٌ؟ على رِوايَتَيْن. وروَى مُهَنَّا، عن أحمدَ، في البَطِّ: يَذْبَحُه المُحْرِمُ إذا لم يَكُنْ صَيْدًا. والصَّحِيحُ أنَّه يَحْرُمُ عليه ذَبْحُه، وَفيه الجَزاءُ؛ لأنَّ الأصْلَ فيه الوَحْشِىُّ، فهو كالحَمامِ. الثّانِى، أن يَكُونَ مَأْكُولًا، فأمّا ما ليس بمَأْكُولٍ، كسِباعِ البَهائِم
стр. 3902
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والمُسْتَخْبَثِ مِن الحَشَراتِ والطَّيْرِ وسائِرِ المُحَرَّماتِ، فلا جَزاءَ فيه. قال أحمدُ، ﵀: إنَّما جُعِلَتِ الكَفَّارَة في الصَّيْدِ المُحَلَّلِ أكْلُه. وهذا قولُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، إلَّا أنَّهم أوْجَبُوا الجَزاءَ في المُتَوَلِّدِ بينَ المَأْكُولِ وغيرِه، كالسِّمْعِ المُتَوَلِّدِ بينَ الضَّبُعِ والذِّئْبِ؛ تَغْلِيبًا لتَحْرِيم قتلِه، كما غَلَّبُوا التَّحْريمَ في أكْلِه. وقال بعضُ أصْحابِنا: في أُمِّ حُبَيْنٍ جَدْيٌ. وهى دابَّةٌ مُنْتَفِخَةُ البَطْنِ. وهذا خِلافُ القِياس، فإنَّ أُمَّ حُبَيْنٍ مُسْتَخْبَثَة عندَ العَرَبِ لا تُؤْكَلُ. وقد حُكِىَ أنَّ رجلًا مِن البَدْوِ سُئِلَ: ما تَأْكُلُون؟ فقالَ: ما دَبَّ ودَرَج إلَّا أُمَّ حُبَيْنٍ. فقالَ السّائِل: ليَهْنِ أُمَّ حُبَيْنٍ العافِيَةُ. وإنَّما تَبِعُوا فيها قَضِيَّةَ عُثمانَ، فإنَّه قَضَى فيها بحُلَّان (١)، وهو الجَدْىُ. والصَّحِيحُ أنَّه لا شَئَ فيها. واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في الثَّعْلَبِ، فعنْه، فيه الجَزاءُ. وهو المَشْهُورُ. وبه قال طاوسٌ، وقتادَةُ، ومالكٌ، والشافعىُّ. وعن أحمدَ: لا شَئَ فيه. وهو قولُ الزُّهْرِىِّ، وعَمْرِو بنِ دِينارٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه سَبُعٌ. وقد نَهَى النبىُّ ﷺ عن أكْلِ كلِّ ذِى نابٍ مِن السِّباعِ (٢). واخْتَلَفَتِ الرِّوايَة في السِّنَّوْرِ الوَحْشِىِّ
стр. 3903
فَمَنْ أَتْلَفَهُ، أَوْ تَلِفَ فِى يَدِهِ، أَوْ أَتْلَفَ جُزْءًا مِنْهُ، فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ،
ــ
والأهْلِىِّ، والصَّحِيحُ أنَّه لا جَزاءَ في الأهْلِىِّ؛ لأنَّه ليس وَحْشِيًّا ولا مَأْكُولَا. وأمّا الوَحْشِيُّ، فاخْتارَ القاضى أنَّه لا شَئَ فيه؛ لأنَّه سَبُعٌ. وقال الثَّوْرِيُّ، وإسْحاقُ: في الوَحْشِىِّ حُكُومَةٌ. والاخْتِلافُ فيه مَبْنِيٌّ على الاخْتِلافِ في إباحَتِه. واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في الهُدْهُدِ والصُّرَدِ (١)؛ لاختِلافِ الرِّوايَتَيْن في إباحَتِهما. وكلُّ ما اخْتُلِفَ في إباحَتِه اخْتُلِفَ (٢) في جَزائِه. فأمّا ما يُحَرَّمُ، فالصَّحِيحُ أنَّه لا جَزاءَ فيه؛ لعَدَم النَّصِّ فيه، وهو مُخالِفٌ للقِياسِ. الثّالِثُ، أن يَكُونَ مِن صَيْدِ البَرِّ. فأمَّا صَيْدُ البَحْرِ فلا يَحْرُمُ على المُحْرِم بغيرِ خِلافٍ؛ لقَوْلِه سُبْحانَه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾. قال ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللهُ عنهما: طعامُه ما لَفَظَه (٣).
١١٩٨ - مسألة: (فمَن أتْلَفَه، أو تَلِف في يَدِه، أو أتْلَفَ جُزْءًا منه، فعليه جَزاؤه) مَن أتْلَف صَيْدًا وهو مُحْرِمٌ، فعليه جَزاؤه، بإجْماعِ أهْلِ العِلْمِ. وقد دَلَّ عليه قَوْلُه سُبْحانَه: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ
стр. 3904
وَيَضْمَنُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ، أَوْ أشَارَ إِلَيْهِ، أَوْ أَعَانَ عَلَى ذَبْحِهِ،
ــ
مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾. قال شيخُنا (١)، رَضِىَ الله عنه: ولا نَعْلَمُ أحَدًا خالَفَ في قَتْلِ الصَّيْدِ مُتَعَمِّدًا، أنَّ فيه الجَزاءَ، إلَّا الحسنَ، ومُجاهِدًا، قالا: يَجِبُ في الخَطإِ والنِّسْيانِ، ولا يَجِبُ في العَمْدِ. وهذا خِلافُ النَّصِّ، فلا يُلْتَفَتُ إليه.
وقَتْلُ الصَّيْدِ نَوْعان؛ مُباحٌ ومُحَرَّمٌ، فالمُحَرَّمُ أن يَقْتُلَه ابْتِداءً مِن غيرِ سَبَبٍ يُبِيحُ قَتْلَه، ففيه الجَزاءُ؛ لِما ذَكَرْنا. والمُباحُ ثَلَاثَةُ أنْواعٍ؛ أحَدُها، أن يُضْطَرَّ إليه. والثّانِى، أن يَصُولَ عليه الصَّيْدُ. والثّالِثُ، إذا أرادَ تَخْلِيصَه مِن سَبُعٍ أو شَبَكَةٍ أو نحوِه. وسَنَذْكُرُ ذلك إن شاء اللهُ تعالى.
فصل: ويَضْمَنُ ما تَلِف في يَدِه، وإن صادَه لم يَمْلِكْه؛ لأنَّ ما حَرُمَ لحقِّ غيرِه، لا يُمْلَكُ بالأخْذِ مِن غيرِ إذْنِه، كمالِ غيرِه، وعليه إرْسالُه في مَوْضِعٍ يَمْتَنِعُ فيه، فإنْ لم يَفْعَلْ، فَتَلِفَ، ضَمِنَه، كمالِ الآدَمِىِّ إذا أخَذَه بغيرِ حَقٍّ فَتَلِفَ في يَدِه، وإن كان مَمْلُوكًا لآدَمِىٍّ، فعليه رَدُّه إليه؛ لكَوْنِه غَصَبَه منه.
فصل: وإن أتْلَفَ جُزْءًا مِن الصَّيْدِ، فعليه ضَمانُه؛ لأنَّ جُمْلَتَه مَضْمُونَةٌ، فكان بعضُه مَضْمُونًا، كالآدَمِىِّ والأمْوالِ.
١١٩٩ - مسألة: (ويَضْمَنُ ما دَلَّ عليه، أو أشارَ إليه، أو أعانَ
стр. 3905
أَوْ كَانَ لَهُ أَثَرٌ فِى ذَبْحِهِ؛ مِثْلَ أَنْ يُعِيرَهُ سِكِّينًا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَاتِلُ مُحْرِمًا، فَيَكُونَ جَزَاؤُهُ بَيْنَهُمَا.
ــ
على ذَبْحِه، أو كان لة أثَرٌ في ذَبْحِه، مثلَ أن يُعِيرَه سِكِّينًا، إلَّا أن يَكُونَ القاتِلُ مُحْرِمًا، فيَكُونَ جَزاؤه بينَهما) يَحْرُمُ على المُحْرِمِ الدَّلالَة على الصَّيْدِ، والإِشارَةُ إليه، فإنَّ في حديثِ أبِى قَتَادَةَ (١)، لَمّا صادَ الحِمارَ الوَحْشِىَّ، وأصْحابُه مُحرِمُون، قال النبىُّ ﷺ : «هَلْ مِنْكم أحَدٌ أمَرَه أن يَحْمِلَ عَلَيْهَا، [٣ ل/٤٢ ظ] أوْ أشَارَ إلَيْها؟». وفي لَفْظٍ: فأبْصَروا حِمارًا وَحْشِيًّا، وأنا مَشْغولٌ أخْصِفُ (٢) نَعْلِى، فلم يُؤْذِنُونِي، وأحَبُّوا لو أنِّى أبْصَرْتُه. وهذا يَدُلُّ على تَعَلُّقِ (٣) التَّحْرِيمِ بذلك، لو وُجِدَ منهم. ولأنَّه سَبَبٌ إلى إتْلافِ صَيْدٍ مُحَرَّمٍ عليه، فحَرُمَ، كنَصْبِ الشَّرَكِ.
فصل: وليس له الإِعانَةُ على الصَّيْدِ بشئٍ، فإنَّ في حديثِ أبِى قَتادَةَ المُتَّفَقِ عليه: ثمَّ رَكِبْت ونَسِيتُ السَّوْطَ والرُّمْحَ، فقلت لهم: ناوِلُونِى السَّوْطَ والرُّمْحَ، قالُوا: واللهِ لا نُعِينُك عليه. وفى رِوايَةٍ: فاسْتَعَنتُهم،
стр. 3906
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فأبَوْا أن يُعِينُونِى. وهذا يَدُلُّ على أنَّهم اعْتَقَدُوا تَحْرِيمَ الإعانَةِ، والنبىُّ ﷺ أقَرَّهم علي كل ذلك. ولأنَّه، إعانَةٌ على مُحَرَّمٍ، فَحُرِّمَ، كالإِعانَةِ على قَتْلِ الآدَمِىِّ. ويَضْمَنُه بالدَّلالَةِ عليه، فإذا دَلَّ المُحْرِمُ حلالًا على الصَّيْدِ فأتْلَفَه، فالجزاءُ على المُحْرِمِ. رُوِىَ ذلك عن علىٍّ، وابنِ عباسٍ،
стр. 3907
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وبَكْرٍ المُزَنِىِّ، وإسْحاقَ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وقال مالكٌ، والشافعيُّ: لا شئَ على الدّالِّ؛ لأنَّه يُضْمَنُ بالجِنايَةِ، فلا يُضْمَنُ بالدَّلالَةِ، كالآدَمِيِّ. ولَنا، حديثُ أبِى قَتادَةَ، ولأنَّه سَبَبٌ يُتَوَصَّلُ به إلى إتْلافِ الصَّيْدِ، فتَعَلَّقَ به الضمانُ، كما لو نَصَب أُحْبُولَةً، ولأنَّه قولُ علىٍّ، وابنِ عباسٍ، رَضِىَ الله عنهما، ولا مُخالِفَ لهما في الصَّحابَةِ. وإن أشارَ اليه، فهو كما لو دَلَّ عليه؛ لأنَّه في مَعْناه.
فصل: فإن دَلَّ مُحْرِمًا على الصَّيْدِ، فقَتَلَه، فالجَزاءُ بينَهما. وبه قال عَطاءٌ، وحَمّادُ بنُ أبِى سُليْمانَ. وقال الشَّعْبِىُّ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ،
стр. 3908
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأصْحابُ الرَّأىِ: على كلِّ واحِدٍ جَزاءٌ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِن الفِعْلَيْن يَسْتَقِلُّ بالجَزاءِ إذا انْفَرَدَ، فكذلك إذا لم يَضْمَنْه غيرُه. وقال مالكٌ والشافعىُّ: لا شَئَ على الدّالِّ. ولَنا، أنَّ الواجِبَ جَزاءُ المُتْلَفِ، وهوِ واحِدٌ، فيَكُونُ الجَزاءُ واحِدًا، وعلى مالكٍ والشافعىِّ ما سَبَق. ولا فَرْقَ في جَمِيعِ [الصُّوَرِ بَيْنَ] (١) كَوْنِ المَدْلُولِ عليه ظاهِرًا، أو خَفِيًّا لا يَراه إلَّا بالدَّلَالَةِ عليه. ولو دَلَّ مُحْرِمٌ مُحْرِمًا على صَيْدٍ، ثم دَلَّ الآخَرُ آخَرَ، ثم كذلك إلى عَشَرَةٍ، فقَتَلَه العاشِرُ، كان الجَزاءُ على جَمِيعِهم. وِإن قَتَلَه الأوَّلُ فلا شئَ على غيرِه؛ لأنَّه لم يَدُلَّه عليه أحَدٌ، فلا يُشارِكُه في ضَمانِه أحَدٌ. ولو كان المَدْلُولُ رَأَى الصَّيْدَ قبلَ الدَّلالَه والإِشارَةِ، فلا شئَ على الدّالِّ والمُشِيرِ؛ لأنَّ ذلك لم يَكُنْ سَبَبًا في تَلَفِه، ولأنَّ هذه ليستْ دَلالَةً على الحَقِيقَةِ، وكذلك إن وُجِدَ مِن المُحْرِمِ حَدَثٌ عندَ رُؤْيَةِ الصَّيْدِ؛ مِن
стр. 3909
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ضَحِكٍ، أو اسْتِشْرافٍ، فَفَطِنَ له غيرُه فصاده، فلا شئَ على المُحْرِمِ؛ فإنَّ في حديثِ أبِى قَتادَةَ (١)، قال: خرَجْنا مع رسولِ اللهِ ﷺ حتى إذا كُنّا بالقاحَةِ (٢)، ومِنّا المُحْرِمُ، ومِنّا غيرُ المُحْرِمِ، إذ بَصُرْتُ بأصْحابِى يَتراءَون شيئًا، فنَظرتُ، فإذا حِمارُ وَحْشٍ. وفى لَفْظٍ: فبَيْنا أنا مع أصْحابِى، فضَحِكَ بعضُهم، إذ نَظَرْتُ، إذا أنا بحِمارِ وَحْشٍ. وفى لَفْظٍ: فلَمّا كُنّا بالصِّفاحٍ (٣)، إذا هم يَتَراءَون. فقُلْتُ: أىَّ شئٍ تَنْظُرُون؟ فلم يُخْبِرُونِي. مُتَّفَقٌ عليه.
فصل: فإن أعارَ قاتِلَ الصَّيْدِ سِلاحًا، فقَتَلَه به، فهو كما لو دَلَّهُ عليه؛ سَواءٌ كان المُسْتَعارُ ممّا لا يَتِمُّ قَتْلُه إلَّا به، أو أعارَه شَيْئًا هو مُسْتَغْنٍ عنه، مثلَ أن يُعِيرَه رُمْحًا ومعه رُمْحٌ، وكذلك لو أعانَه عليه بمُناوَلَتِه سِلاحَه أو سَوْطَه، أو أمَرَه باصْطِادِه؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ أبِى قَتادَةَ، وقولِ أصْحابِه: واللهِ لا نُعِينُكَ عليه بشئٍ. وقولِ النبىِّ ﷺ : «هَلْ مِنْكُمْ أحَدٌ أمَرَهُ أنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أوْ أشَارَ إلَيْهَا؟». وكذلك إن أعارَه سِكِّينًا فذَبَحَه بها. فأمّا إن أعارَه آلةً لِيَسْتَعْمِلَها في غيرِ الصَّيْدِ، فاسْتَعْمَلَها في
стр. 3910
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الصَّيْدِ، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّ ذلك غيرُ مُحَرَّمٍ عليه، أشْبَهَ ما لو ضَحِك عندَ رُؤيَةِ الصَّيْدِ، ففَطِنَ له إنْسانٌ، فصادَه.
فصل: فإن دَلَّ الحَلالُ مُحْرِمًا على صَيْدٍ، فقَتَلَه، فلا شئَ على الحَلالِ؛ لأنَّه لا يَضْمَنُ الصَّيدَ بالإِتْلافِ، فبالدَّلالَةِ عليه (١) أوْلَي، إلَّا أن يَكُونَ ذلك في الحَرَمِ، فيَشتَرِكان في الجَزاءِ، كالمُحْرِمَيْن، لأنَّ صَيْدَ الحَرَمِ حَرامٌ على الحَلالِ والمُحْرِمِ. فإنِ اشتَرَكَ في قَتْلِ الصَّيْدِ حَلالٌ ومُحْرِمٌ في الحِلِّ، فعلى المُحْرِمِ الجَزاءُ جَمِيعُه، على ظاهِرِ قولِ أحمدَ، ﵀. وقال أصْحابُ الشافعىِّ: عليه نِصْفُ الجَزاءِ، كما لو كانا مُحْرِمَيْن. ولَنا، أنَّه اشْتَرَك في قَتْلِه مَن يَجِبُ عليه الضَّمانُ، ومَن لا يَجِبُ، فاخْتَصَّ الجَزاءُ بمَن يَجِبُ عليه، كما لو دَلَّ الحَلالُ مُحْرِمًا على صَيْدٍ، فعليه. ولأنَّه اجْتَمَعَ مُوجِبٌ ومُسْقِطٌ، فغلَبَ الإِيجابُ، كما لو قَتَل صَيْدًا بعضُه في الحَرَمِ وبَعْضُه في الحِلِّ. ذَكَر هذه المسألةَ القاضى أبو الحُسَيْنَ.
стр. 3911
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وكذلك إن كان شَرِيكُه سَبُعًا، ثم إن كان جَرْحُ أحَدِهما قبلَ صاحِبِه، والسّابِقُ الحَلالُ أو السَّبُعُ، فعلى المُحْرِمِ جَزاؤه مَجْرُوحًا، وإن كان السّابِقُ المُحْرِمَ فعليه أرْشُ جَرْحِه، على ما ذَكَرْنا. وإن كان جَرْحُهما في حالٍ واحِدَةٍ، أو جَرَحاه ومات منهما، فالجَزاءُ كلُّه على المُحْرِمِ. وفيه وَجْهٌ لنا، كقولِ أصْحابِ الشافعىِّ: إنَّ على المُحْرِمِ نِصْفهَ، كالمُحْرِمَيْن.
стр. 3912
وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الأَكلُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَأَكلُ مَا صِيدَ لأَجْلِهِ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْأَكْلُ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ.
ــ
١٢٠٠ - مسألة: (ويَحْرُمُ عليه الأكْلُ مِن ذلك كلِّه، وأكْلُ ما صِيدَ لأجْلِه، ولا يَحْرُمُ عليه الأكْلُ مِن غيرِ ذلك) لا خِلافَ في تَحْرِيم الصَّيْدِ على المُحْرِمِ إذا صادَه أو ذبَحَه؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ (١). وإن صادَه حَلالٌ، أو ذَبحَه، وكان مِن المُحْرِمِ إعانَةٌ فيه، أو دَلالَةٌ، أو إشارَةٌ إليه، لم يُيَحْ أيْضًا؛ لأنَّه أعانَ عليه، أشْبَهَ ما لو ذَبَحَه. وإن صِيدَ مِن أجْلِه، حَرُمَ عليه أكْلُه. يُرْوَى ذلك عن عثمانَ بنِ عَفّانَ، رَضِىَ اللهُ عنه. وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: له أكْلُ ماصِيدَ لأجْلِه؛ لقولِ النبىِّ ﷺ في حديثِ أبِى قَتادَةَ: «هَلْ مِنْكُمْ أحَدٌ أمَرَهُ، أوْ أشَارَ إلَيْهِ بِشَئٍ؟». قالُوا: لا. قال: «كُلُوا مَا بَقِىَ مِنْ لَحْمِهَا». مُتَّفَقٌ عليه (٢). فدَلَّ على أنَّ التَّحْرِيمَ
стр. 3913
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إنَّما يَتَعَلَّقُ بالاشارَةِ والأمْرِ والإِعانَةِ، ولأنَّه صَيْدٌ مُذَكَّى، لم يَحْصُلْ فيه ولا في سَبَبِه مَنْعٌ منه، فلم يَحْرُمْ عليه أكْلُه، كما لولم يُصَدْ له. ولَنا، ما روَى ابنُ عباس، رَضِىَ اللهُ عنهما، أنَّ الصَّعْبَ بنَ جَثّامَةَ اللَّيْثِىَّ أهْدَى إلى النبىِّ ﷺ حِمارًا وَحْشِيُّا، وهو بِالأبْواءِ (١) أو بوَدَّانَ (٢)، فرَدَّه عليه رسولُ اللهِ ﷺ ، فلَمّا رَأى ما في وَجْهِه قال: «إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلَّا أنَّا حُرُمٌ». مُتَّفَقٌ عليه (٣). وروَى جابِرٌ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: سَمِعْت رسولَ اللهِ ﷺ يَقُول: «صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ، مَا لَمْ تَصِيدُوه، أوْ يُصَدْ لَكُم». رَواه أبو داودَ، والنَّسائِىُّ، والتِّرْمِذِيُّ (٤). وقال: هو أحسَنُ
стр. 3914
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حديثٍ في البابِ. وهذا فيه تَحْرِيمُ ما صِيدَ للمُحْرِمِ، وفيه إباحَةُ ما لم يَصِدْه ولم يُصَدْ له.
فصل: ولا يَحْرُمُ عليه الأكْلُ مِن غيرِ ذلك. وهذاْ مَذْهَبُ الشافعىِّ، وأبِى حنيفةَ، ومالكٍ. ويُرْوَى ذلك عن طَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ اللهِ. وحُكِىَ عن عليٍّ (١)، وابنِ عُمَرَ، وعائِشَةَ، وابنِ عباس، رَضِىَ اللهُ عنهم، أنَّ لَحْمَ الصَّيْدِ يَحْرُمُ على المُحْرِمِ بكلِّ حالٍ. وبه قال طاوسٌ وكَرِهَه الثَّوْرِيُّ، وإسْحاقُ؛ لعُمُومِ قَوْلِه سُبْحانَه: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾. ولِما ذَكَرْنا مِن حديثِ الصَّعْبِ بنِ جَثّامَةَ. وروَى أبو داودَ (٢)، بإسْنادِه، عن عبدِ اللهِ بنِ الحارثِ، عن أبِيه، قال: كان الحارِث خَلِيفَةَ عثمانَ على الطّائِفِ، فصَنَعَ له طَعامًا، وصَنَع فيه الحَجَلَ (٣) واليَعاقِيبَ (٤) ولَحْمَ الوَحْشِ، فبَعَثَ إلى علىِّ بنِ أبِى طالبٍ، فجاءَه، فقالَ: أطْعِمُوه قومًا حَلالًا، إنَّا حُرُمٌ. ثم قال عليٌّ: أنْشُدُ اللهَ مَن كان هَهُنا مِن أشْجَعَ، أتَعْلَمُون أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أهْدَى إليه رجلٌ حِمارَ وَحْشٍ، فأبَى أن يَأْكُلَه؟ قالُوا: نعم. ولأنَّه لَحْمُ صَيْدٍ فحَرُمَ على
стр. 3915
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المُحْرِمِ، كما لو دَلَّ عليه. ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن حديثِ أبِى قَتادَةَ، وجابِرٍ، فإنَّهما صَرِيحان في الحُكْمِ، وفى ذلك جَمْعٌ بينَ الأحاديثِ وبَيانُ المُخْتَلِفِ منها، بأن يُحْمَلَ تَرْكُ النبىِّ ﷺ الأكْلَ في حديثِ الصَّعْبِ بنِ جَثّامَةَ؛ لِعلْمِه، أو ظَنِّه أنَّه صِيدَ مِن أجْلِه، ويَتَعَيَّن حَمْلُه على ذلك؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحديثَيْن، فإنَّ الجَمْعَ بينَ الأحاديثِ أوْلَى مِن التَّعارُضِ والتَّناقضِ. وروَى مالكٌ في «الموَطَّإِ» (١) أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ خَرَج يُرِيدُ مَكَّةَ، وهو مُحْرِمٌ، حتى إذا كان بالرَّوْحاءِ، إذا حِمارٌ وَحْشِىٌّ عَقِيرٌ، فجاءَ البَهْزِيُّ، وهو صاحِبُه، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، شَأْنَكُم بهذا الحِمارِ. فأمَرَ رسولُ اللهِ ﷺ أبا بَكْرٍ فقَسَمَه بينَ الرِّفاقِ
فصل: وَما حَرمَ على المُحْرِم لكَوْنِه دَلَّ عليه أو أعانَ عليه أو صِيدَ مِن أجْلِه، لا يَحْرُمُ على الحَلال أكْلُهَ؛ لقَوْلِ عليٍّ رَضِىَ اللهُ عنه: أطْعِمُوه حَلالًا. وقد بَيَّنَا حَمْلَه على أنَّه صِيدَ مِن أجْلِهم، وحديثِ الصَّعْب بنِ جَثّامَةَ، حينَ رَدَّ [٣ لم ٤٤ و] النبىُّ ﷺ الصَّيْدَ عليه، لم يَنْهَه عن أكْلِه،
стр. 3916
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولأنَّه صَيْدٌ حَلالٌ، فأُبِيحَ لِلحَلالِ أكْلُه، كما لو صِيدَ لهم. وهل يُباحُ أكْلُه لمُحْرِمٍ آخَرَ؟ فيه احْتِمالان؛ أحَدُهما، يُباحُ؛ فإنَّ ظاهِرَ حديثِ جابِرٍ إباحَتُه. وهو قولُ عثمانَ، رَضِىَ اللهُ عنه؛ لأنَّه يُرْوَى: أنَّه أُهْدِىَ له صَيْدٌ، فقالَ لأصْحابِه: كُلُوا. ولم يَأْكُلْ، وقال: إنَّما صِيدَ مِن أجْلِى (١). ولأنَّه لم يُصَدْ مِن أجْلِه، فحَلَّ له، كما لو صادَه الحَلالُ لِنَفْسه. ويَحْتَمِلُ أن يَحْرُمَ. وهو قولُ علىٍّ، رَضِىَ الله عنه؛ لقَوْلِ النبيِّ ﷺ في حديثِ أبِى قَتادَةَ (٢): «هَلْ مِنكُمْ أحَدٌ أمَرَهُ أن (٣) يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أوْ أشَارَ إلَيْها؟» قالوا: لا. قال (٤): «فَكُلُوهُ». فمَفْهُومُه أنَّ إشارَةَ واحِدٍ منهم تُحَرِّمُه عليهم. والأوَّلُ أوْلَى.
فصل: واذا قَتَل المُحْرِمُ الصَّيْدَ، ثم أكَلَه، ضَمِنَه للقَتْلِ دُونَ الأكْلِ. وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ. وقال عَطاءٌ، وأبو حنيفةَ: يَضْمَنُه للأكْلِ أيضًا؛ لأنَّه أكَلَ مِن صَيْد مُحَرَّمٍ عليه، فضَمِنَه، كما لو صِيدَ
стр. 3917
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لأجْلِه. ولَنا، أنَّه صَيْدٌ مَضْمُونٌ بالجَزاءِ، فلم يُضْمَنْ ثانِيًا، كما لو أتْلَفَه بغيرِ الأكْلِ، وكَصَيْدِ الحَرَمِ (١) إذا قَتَلَه الحَلالُ وأكَلَه، وكذلك إن قَتَلَه مُحْرِمٌ آخَرُ، ثم أكَلَ هذا منه، لم يَجِبْ عليه الجَزاءُ؛ لِما ذَكَرْنا. ولأنَّ تَحْرِيمَه لكَوْنِه مَيْتَةً، والمَيْتَةُ لا تُضْمَنُ بالجَزاءِ، وكذلك إن حُرِّمَ عليه أكْلُه بالدَّلالَةِ عليه، أو (٢) الإِعانَةِ عليه، فأكَلَ منه، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّه صَيْدٌ مَضْمُونٌ بالجَزاءِ مَرَّةً، فلم يَجِبْ به جَزاءٌ ثانٍ، كما لو أتْلَفَه. فإن أكَلَ مِمّا صِيدَ لأجْلِه ضَمِنَه. وهو قولُ مالكٍ، والشافعىِّ في القَدِيمِ. وقال في الجَدِيدِ: لا جَزاءَ عليه؛ لأنَّه أكْلٌ للصَّيْدِ، فلم يَجِبْ به الجَزاءُ، كما لو قَتَلَه، ثم أكَلَه. ولَنا، أنَّه إتْلافٌ مَمْنُوعٌ منه لحُرْمَةِ الإحْرامِ، فتَعَلَّقَ به الضَّمانُ، كالقَتْلِ. أمّا إذا قَتَلَه، ثم أكَلَه، لا يُحَرَّمُ للإْتْلافِ، إنَّما حُرِّمَ لكَوْنِه مَيْتَةً. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يَضْمَنُه بمِثْلِه مِن اللَّحْمِ؛ لأنَّ أصْلَه مَضْمُونٌ بمِثْلِه مِن النَّعَمِ، فكذلك أبْعاضُه تُضْمَنُ بمِثْلِها، بخِلافِ حَيَوانِ الآدَمِىِّ، فإنَّه يُضْمَنُ جَمِيعُه بالقِيمَةِ، فكذلك أبْعاضُه.
فصل: وإذا ذَبَح المُحْرِمُ الصَّيْدَ، صار مَيْتَةً، يَحْرُمُ أكْلُه على جَمِيع النّاسِ. وهذا قولُ الحسنِ، والقاسِمِ، وسالِمٍ، ومالكٍ، والأوْزاعِىِّ،
стр. 3918
وَإنْ أَتلَفَ بَيْضَ صَيْدٍ، أَوْ نَقَلَهُ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ فَفَسَدَ، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ [٦٥ و] بِقِيمَتِهِ.
ــ
والشافعىِّ، وإسْحاقَ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. وقال الحَكَمُ، والثَّوْرِيُّ، وأبو ثَوْرٍ: لا بَأْسَ بأكْلِه. قال ابنُ المُنْذِرِ: هو بمَنْزِلَةِ ذَبِيحَةِ السّارِقِ. وقال عَمْرُو بنُ دِينارٍ، وأيُّوبُ السَّخْتِيانِيُّ: يَأْكُلُه الحَلالُ. وحُكِىَ عن الشافعىِّ قولٌ قَدِيمٌ، أَّنه يَحِلُّ لغيرِه الأكْلُ منه؛ لأنَّ مَن أباحَتْ ذَكاتُه غيرَ الصَّيْدِ أباحَتِ الصَّيْدَ، كالحَلالِ. ولَنا، أَّنه حَيَوان حُرمَ عليهِ ذَبْحُه لحَقِّ اللهِ تعالى، فلم يَحِلَّ بذَبْحِه، كالمَجوسِىٌ، وبهذا فارَقَ سائِرَ الحَيوانَاتِ، وفارَقَ غيرَ الصَّيْدِ، فإنَّه لا يُحَرَّمُ ذَبْحُه. وكذلك الحُكْمُ في صَيْدِ المُحْرِمِ إذا ذَبَحَه مُحْرِمٌ أو حَلالٌ. وبعضُ الحَنَفِيَّةِ يَقُولُ: هو مُباحٌ. ولَنا، ما ذَكَرْناه.
١٢٠١ - مسألة: (وإن أتْلَفَ بَيْضَ صَيْدٍ، أو نَقَلَه إلى مَوْضِع آخَرَ ففَسَدَ، فعليه ضَمانُه بقِيمَتِه) إذا أتْلَفَ بَيْضَ صَيْدٍ ضَمِنَه بقِيمَتِه، أىَّ صَيْدٍ كان. قال ابنُ عباسٍ: في بَيْضِ النَّعامِ قِيمَتُه. ورُوِىَ ذلك عن عُمَرَ،
стр. 3919
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وابن مَسْعُودٍ، رَضِىَ اللهُ عنهما. وبه قال النَّخَعِىُّ، والزُّهْرِيُّ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ؛ لأنَّه رُوِىَ عن النبىِّ ﷺ قال- في بَيْضِ النعامِ يُصِيبُه المُحْرِمُ-: «ثَمَنُهُ». رَواه ابنُ ماجه (١). وإذا وَجَب في بَيْضِ النَّعامِ قِيمَتُه، مع أنَّه مِن ذَواتِ الأمْثالِ، فغيرُه أوْلَى، ولأنَّ البَيْضَ لا مِثْلَ له، فيَجِبُ فيه قِيمَتُه، كصِغارِ الطَّيْرِ. فإن لم يَكُنْ له قِيمَة، لكَوْنِه مَذِرًا (٢)، أو لأنَّ فَرْخَه مَيِّتٌ، فلا شئَ فيه. قال أصْحابُنا: إلَّا بَيْضَ النَّعام، فإنَّ لقِشْرِه قِيمَةً. والصَّحِيحُ أنَّه لا شئَ فيه؛ لأنَّه إذا لم يَكُنْ فيه حَيَوانٌ، ولا مآله إلى أن يَصِيرَ فيه. حَيوانٌ، صار كالأحْجارٍ والخَشَبِ، وسائِرِ ما له قِيمَةٌ مِن غيرِ الصَّيْدِ، ألا تَرَى أنَّه لو نَقَبَ بَيْضَةً، فأخْرَجَ ما فيها، لَزِمَه جَزاءُ جَمِيعِها، ثم لو كَسَرَها هو أو غيرُه، لم يَلْزَمْه لذلك شئٌ؟ ومَن كَسَر بَيْضَةً، فخَرَجَ منها فَرْخٌ حَيٌّ، فعاشَ؛ فلا شئَ فيه. وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ أن يَضْمَنَه، إلَّا أن يَحْفَظَهُ مِن الجارِحِ إلى أن يَنْهَضَ، فيَطِيرَ؛ لأنَّه صار في يَده مَضْمُونًا، وتَخْلِيَتُه غيرَ مُمْتَنِعٍ ليس بردٍّ تامٍّ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَضْمَنَه؛ لأنَّه لم يَجْعَلْه غيرَ مُمْتَنِعٍ بعدَ أن كان مُمْتَنِعًا، بل تَرَكَه على صِفَتِه، فهو كما لو أمْسَكَ طائِرًا أعْرَجَ، ثم تَرَكَه. وإن مات، ففيه ما في صِغارِ أوْلادِ المُتْلَفِ بَيْضُهُ، ففى فَرخِ
стр. 3920
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحَمام صَغِيرُ أوْلادِ الغنَمِ. وفى فَرْخِ النَّعامَةِ حُوارٌ (١)، وفيما عَداهما قِيمَة، إلَّا ما كان أكْبَرَ مِن الحَمامِ، ففيه ما نَذكُرُه مِن الخِلافِ في أُمَّهاتِه إن شاء اللهُ تعالى. ولا يَحِلُّ لمُحْرِمٍ أكْلُ بَيْضِ الصَّيْدِ إذا كَسَرَه هو أو مُحْرِمٌ سِواه. وإن كَسَرَه حَلالٌ فهو كلَحْمِ الصَّيْدِ، إن كان أخَذَه لأجْلِ المُحْرِمِ لم يُبْحْ أكْلُه، وإلَّا أُبِيحَ. وإن كَسَر المُحْرِمُ بَيْضَ صَيْدٍ، لم يُحَرَّمْ على الحَلالِ؛ لأنَّ حِلَّهُ له لا يَقِفُ على كَسْرِه، ولا يُعْتَبَر له أهْلِيَّتُه، بل لو كَسَرَه مَجُوسِيٌّ أو وَثَنيُّ، أو بغيرِ تَسْمِيَةٍ، لم يحَرَّمْ، فأشْبَهَ قَطْعَ اللَّحْمِ وَطبْخَه. وقال القاضى: يُحَرَّمُ على الحَلالِ أكْلُه، كالصَّيْدِ؛ لأنَّ كَسْرَه جَرَى مَجْرَى الذَّبْحِ، بدَلِيلِ حِلِّه للمُحْرِمِ بكَسْرِ الحَلالِ له، وتَحْرِيمِه عليه بِكَسرِ المُحْرِمِ.
فصل: وإن نَقَل بَيْضَ صَيْدٍ، فجَعَلَه تَحْتَ آخَرَ، أو تَرَك مع بَيْضِ الصيْدِ بَيْضًا آخَرَ، أو شَيْئًا، فنَفَرَ عن بَيْضِه حتى فَسَد، فعليه ضَمانُه؛ لأنَّه تَلِف بسَبَبِه. وإن صَحَّ وفَرَّخَ، فلا ضَمانَ عليه. وإن باضَ الصَّيْدُ على فِراشِه، فنَقَلَه بِرفقٍ، ففسَدَ، ففيه وَجْهان؛ بناءً على الجَرادِ إذا انْفَرَشَ في طَرِيقهِ، وحُكْمُ بَيْضِ الجَرادِ حُكْمُ الجَرادِ، وكذلك بَيْضُ كلِّ حيَوانٍ حُكْمُه حُكْمُه؛ لأنَّه جُزءٌ منه أشْبَهَ الأصْلَ. وانِ احْتَلَبَ لَبَنَ صَيْدٍ ففيه قِيمَتُه، كما لو حَلَب لَبَنَ حَيَوانٍ مَغْصُوبٍ.
стр. 3921
وَلَا يَمْلِكُ الصَّيْدَ بِغَيْرِ الإِرْثِ. وَقِيلَ: لَا يَمْلِكُهُ بِهِ أيْضًا.
ــ
١٢٠٢ - مسألة: (ولا يَمْلِكُ الصَّيدَ بغَيرِ الإِرْثِ. وقِيلَ: لا يَمْلِكُه (١) به أيضًا) لا يَمْلِكُ المُحْرِمُ الصَّيدَ ابْتداءً بالبَيْع ولا بالهِبَةِ، ونحْوِهما مِن الأسْبابِ، فإنَّ الصَّعْبَ بنَ جَثّامَةَ أهْدَى إلى النبىِّ ﷺ حِمارًا وَحْشِيًّا، فرَدَّه عليه، وقال: «إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلَّا أنَّا حُرُمٌ» (٢). فإن أخَذَه بأحَدِ هذه الأسْبابِ، ثم تَلِف، فعليه جَزاؤه، وإن كان مَبِيعًا، فعليه القِيمَةُ لمالِكِه مع الجَزاءِ؛ لأنَّ مِلْكَه لم يَزُلْ عنه، وإن أخَذَه رَهْنًا، فلا شئَ عليه سِوَى الجَزاءِ؛ لأنَّه أمانَةٌ، فإن لم يَتْلَفْ فعليه رَدُّه إلى مالكِه،
стр. 3922
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فإن أرْسَلَه، فعليه ضَمانُه لمالِكِه، وليس عليه جَزاءٌ، وعليه رَدُّ المَبِيع أيْضًا. ويَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَه إرْسالُه، كما لو كان مَمْلُوكًا، ولأنَّه لا يَجُوزُ له إثْباتُ يَدِه المُشاهَدَةِ على الصَّيْدِ. وهذا قولُ الشافعىِّ، وأصْحابِ الرَّأْىِ. ولا يَسْتَرِدُّ المُحْرِمُ الصَّيْدَ الذى باعَهُ وهو حَلالٌ بخِيارٍ ولا عَيْبٍ في ثَمَنِه، ولا غيرِ ذلك؛ لأنَّه ابْتِداءُ مِلْكٍ على الصَّيْدِ، وهو مَمْنُوعٌ منه. وإن رَدَّه المُشْتَرِى عليه بِعَيْبٍ أو خِيارٍ، فله ذلك؛ لأنَّ سَبَبَ الرَّدِّ مُحَقَّقٌ، ثم لا يَدْخُلُ في مِلْكِ المُحْرِمِ، ويَلْزَمُه إرْسالُه.
فصل: وإن وَرِثه المُحْرِمُ مَلَكَه (١)؛ لأن المِلْكَ بالإِرْثِ ليس بفِعْلٍ مِن جِهتِه، وإنَّما يَدْخُلُ في مِلْكهِ حُكْمًا، اخْتارَ ذلك أو كَرِهَه، ولهذا يَدْخُلُ في مِلْكِ الصَّبِىِّ والمَجْنُونِ، ويَدْخُلُ به المُسْلِمُ في مِلْكِ الكافِرِ،
стр. 3923
وَإِنْ أَمْسَكَ صَيْدًا حَتّي تَحَلَّلَ، ثُمَّ تَلِفَ أَوْ ذَبَحَهُ، ضَمِنَهُ، وَكَانَ مَيْتَةً. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَهُ أَكْلُهُ.
ــ
فجَرَى مَجْرَى الاسْتِدامَةِ. وقِيلَ: لا يَمْلِكُ به أيضًا؛ لأنَّه جِهَةٌ مِن جِهاتِ التَّمْلِيكِ، أشْبَهَ البَيْعَ وغيرَه، فعلى هذا يَكُون أحَقَّ به مِن غيرِ ثُبُوتِ مِلْكِه عليه، فإذا حَلَّ مَلَكَه.
١٢٠٣ - مسألة: (وإن أمْسَكَ صَيْدًا حتى تَحَلَّل، ثم تَلِف أو ذَبَحَه، ضَمِنَه، وكان مَيْتَةً. وقال أبو الخَطّابِ: له أكْلُه) (١) إذا صادَ المُحْرِمُ صَيْدًا لم يَمْلِكْه، فإن أمْسَكَه حتى حَلَّ، لَزِمَه إرْسالُه، وليس له ذَبْحُه، فإن تَلِف فعليه ضَمانه؛ لأنَّه لا يَحِلُّ له إمْساكه، أشْبَهَ الغاصِبَ. وإن
стр. 3924
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ذَبَحَه ضَمِنَه لذلك، وحَرُمَ أكْلُه؛ لأنَّه صَيْدٌ ضَمِنَه بحُرْمَةِ الإحْرامِ، فلم يُبَحْ أكْلُه، كما لو ذَبَحَه حالَ إحْرامِه. ولأنَّها ذَكاةٌ مُنِعَ منها بسَبَبِ الإِحْرام، فأشْبَهَ ما لو كان الإحْرامُ باقِيًا. واخْتارَ أبو الخَطّاب، أنَّ له أكْلَه، وعَليه ضَمانُه؛ لأنَّه ذَبَحَه وهو مِن أهْلِ ذَبْحِ الصَّيدِ، فأشْبَهَ ما لو صادَه بعدَ (١) الحِلِّ. والفَرْقُ ظاهِرٌ؛ لأنَّ هذا يَلْزَمُه ضَمانُه، بخِلافِ الذى صادَه بعدَ الحِلِّ. روَى ابنُ أبِى موسى، عن أحمدَ: إذا اسْتَأْجَرَ بَيْتًا في الحَرَمِ، فوَجَدَ فيه صَيْدًا مَيْتًا، فَداه احْتِياطًا. والقِياسُ أنَّه لا يَجِبُ عليه فِداؤه؛ لأنَّ (٢) الأصْلَ بَراءَةُ الذِّمَّةِ.
стр. 3925
وَإنْ أَحْرَمَ وَفِى يَدِهِ صَيْدٌ، أَوْ دَخَلَ الْحَرَمَ بِصَيْدٍ، لَزِمَهُ إِزَالَةُ يَدِهِ الْمُشَاهَدَةِ دُونَ الْحُكْمِيَّةِ عَنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَل، فَتَلِفَ، ضَمِنَهُ، وَإنْ أرْسَلَهُ إِنْسَانٌ مِنْ يَدِهِ قَهْرًا، فَلَا ضَمَان عَلَى الْمُرْسِلِ.
ــ
١٢٠٤ - مسألة: (وإن أحْرَمَ وفى يَدِه صَيْدٌ، أو دَخَل الحَرَمَ بصَيْدٍ، لَزِمَه إزالَةُ يَدِه المُشاهَدَةِ دُونَ الحُكْمِيَّةِ عنه، فإن لم يَفْعَلْ، فتَلِفَ، ضَمِنَه، وإن أرْسَلَه إنْسانٌ مِن يَدِه قَهْرًا، فلا ضَمانَ على المُرْسِلِ) إذا أحْرَمَ وفى مِلْكِه صَيْدٌ، لم يَزُلْ مِلْكُه عنه، ولا يَدُه الحُكْمِيَّةُ، مِثْلَ أن يَكُونَ في بَلَدِه، أو في يَدِ نائِبٍ (١) له في غيرِ مَكانِه. ولا شئَ عليه إن مات، وله التَّصَرُّفُ فيه بالبَيْع والهِبَةِ وغيرِهما. وإن غَصَبَه غاصِبٌ لَزِمَه رَدُّه، ويَلْزَمُه إزالَةُ يَدِه المشاهَدَةِ عنه. ومَعْناه: إذا كان في قَبْضَتِه، أو خَيْمَتِه، أو رَحْلِه، أو قَفَصٍ معه، أو مَرْبُوطًا بحَبْلٍ معه، لَزِمَه إرْسالُه.