← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.

стр. 4586

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ولا تُقْتَلُ امْرَأةٌ، ولا شَيْخٌ فانٍ. وبذلك قال مالكٌ، وأصحابُ الرَّأْى. ورُوِىَ ذلك عن أبى بكرٍ الصِّدِّيقِ، ومُجاهدٍ. ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، في قولِه تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾ (١). يقولُ: تَقْتُلوا النِّساءَ والصِّبْيان والشَّيْخَ الكَبِيرَ (٢). وقال الشافعىُّ، في أحدِ قَوْلَيْه، وابنُ المُنْذِرِ: يَجُوزُ قَتْلُ الشُّيُوخِ؛ لقولِ النبىِّ ﷺ : «اقْتُلُوا شُيُوخَ الْمُشْرِكِين، واسْتَحْيُوا شَرْخَهُمْ (٣)». رَواه أبو داودَ، والتِّرْمِذِىُّ (٤)، وقال: حديثٌ حسنٌ صَحيحٌ. ولأنَّه يَدْخُلُ في عُمُومِ قولِه تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ (٥). [قال ابنُ المُنْذِرِ: لا أعْرِفُ حُجَّةً في قولِ قَتْلِ الشُّيُوخِ، يُسْتَثْنَى بها مِن عُمُومِ قَوْلِه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾] (٦). ولأنَّه كافِرٌ لا نَفْعَ في حياتِه، فيُقْتَلُ، كالشَّابِّ. ولَنا، أنَّ النبىَّ ﷺ قال: «لَا تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًا، وَلَا طِفْلًا، وَلَا امْرَأةً». رَواه أبو داودَ (٧). ورُوِىَ عن أبى بكرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه أوْصَى يزيدَ حينَ وَجَّهَه

стр. 4587

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إلى الشامِ، فقال: لا تَقْتُلِ امْرأةً، ولا صَبِيًّا، ولا هَرِمًا. وعن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه أوْصَى سَلَمَةَ بنَ قَيْسٍ، فقال: لا تَقْتُلُوا (١) امْرَأَةً، ولا صَبِيًّا، ولا شَيْخًا هَرِمًا. رَواهما سعيدٌ (٢). ولأنَّه ليس مِن أهلِ القِتالِ، فلا يُقْتَلُ، كالمرْأةِ. وقد أوْمَأَ النبىُّ ﷺ إلى هذه العِلَّةِ في المرأةِ، فقال: «مَا بَالُهَا قُتِلَتْ وَهِىَ لَا تُقَاتِلُ؟» (٣). والآيةُ مَخصُوصَةٌ بما رَوَيْنا، ولأنَّه قد خَرَج عن عُمُومِها المرأةُ، والشَّيْخُ الهَرِمُ في معْناها. وحدِيثُهم أرادَ به الشُّيوخَ الذين فيهم قُوَّةٌ على القِتالِ، ومَعُونَةٌ عليه، برَأْيٍ أو تَدْبِيرٍ، جَمْعًا بينَ الأحاديثِ، ولأنَّ حدِيثَنا خاصٌّ في [الشَّيْخِ الهَرِمِ] (٤)، وحدِيثَهم عامٌّ في الشُّيُوخِ، والخاصُّ يُقَدَّمُ على العامِّ، وقِياسُهم يَنْتَقِضُ بالعَجُوزِ التى لا نَفْعَ فيها. ولا يُقْتَلُ خُنْثَى مُشْكِلٌ؛ لأنَّه لا يُعْلَمُ كوْنُه رَجُلًا. فصل: ولا يُقْتَلُ زَمِنٌ، ولا أعْمَى، ولا راهِبٌ، والخِلافُ فيهم كالخِلافِ في الشَّيْخِ و [حُجَّتُهم ههُنا] (٥) حُجَّتُهم فيه. ولَنا، أنَّ الزَّمِنَ

стр. 4588

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والأعْمَى، لَيْسَا مِن أهْلِ القِتالِ، أشْبَهَا المرأةَ، ولأنَّ في حديثِ أبى بكرٍ الصِّدِّيقِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: وسَتَمُرُّونَ على أقْوام في صَوَامِعَ لهم، احْتَسَبُوا أنْفُسَهم فيها، فدَعْهُم حتَّى يُمِيتَهم اللَّهُ عَلى ضَلَالَتِهم. ولأنَّهم لا يُقاتِلُون تَدَيُّنًا، فأَشبَهُوا مَن لا يَقدِرُ على القِتالِ. فصل: ولا يُقْتَلُ العَبيدُ. وبه قال الشافعىُّ؛ لقولِ النبىِّ ﷺ : «أدْرِكُوا خَالِدًا، فَمُرُوهُ أَنْ لَا يَقْتُلَ ذُرْيَّةً -وَلَا عَسِيفًا» (١). وهم العَبِيدُ، ولأنَّهم يصيرونَ رَقِيقًا للمسلمين بنَفْسِ السَّبْىِ، أشْبَهُوا النِّساءَ والصِّبْيانَ. فصل: ومَن قاتَلَ ممَّن (٢) ذَكَرْنا جَميعِهم، جازَ قَتْلُه. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ قَتَلَ يومَ قُرَيْظَةَ امرأةً ألْقَتْ رَحًا على محمودِ بنِ مَسْلَمَةَ (٣). ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عَنهما، قال: مَرَّ النبىُّ

стр. 4589

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﷺ بامرأةٍ مَقْتُولَةٍ يومَ الخَنْدَقِ، فقال: «مَنْ قَتَلَ هذِهِ؟». قال رَجُلٌ: أنا يا رَسُولَ اللَّهِ. قال: «وَلِمَ؟». قال: نازَعَتْنِى قائِمَ سَيْفِى. قال: فسَكَتَ (١). ولأنَّ النبىَّ ﷺ وقَفَ على امرأةٍ مَقْتُولَةٍ، فقال: «مَا بَالُهَا قُتِلَتْ، وَهِى لَا تُقَاتِلُ؟» (٢). وفيه دَلِيلٌ على أنَّه إنَّما نَهَى عن قَتْلِ المرأةِ إذا لم تُقاتِلْ، وكذلك مَن كان مِن هؤلاء الرِّجالِ المذْكُورِين ذا رَأْىٍ يُعينُ به في الحرْبِ، جازَ قَتْلُه؛ لأنَّ دُرَيْدَ بنَ الصِّمَّةِ قُتِلَ يومَ حُنَيْنٍ، وهو شَيْخٌ لا قِتالَ فيه، وكانوا خَرَجُوا به معهم يتَيَمَّنُون به، ويَسْتَعِينُون برأْيِه، فلم يُنْكِرِ النبىُّ ﷺ قَتْلَه (٣). ولأنَّ الرَّأْى مِن أعْظَمِ المَعُونَةِ في الحَرْبِ، ورُبَّما كان أَبلَغَ مِن القِتالِ كما قال المتنبى (٤): الرَّأْىُ قبلَ شجاعَةِ الشُّجْعَانِ ... هو أوَّلٌ وهْى المحلُّ الثّانِى فإذا هما اجْتَمَعا لنَفْس مُرَّةٍ ... بلَغَت مِن العَلْيَاءِ كلَّ مكانِ ولَرُبَّما طَعَنَ الفَتَى أقْرانَه ... بالرَّأْىِ قبلَ تَطاعُنِ الفُرْسانِ

стр. 4590

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقد جاء عن مُعاوِيَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال لمَرْوانَ والأسْوَدِ: أمْدَدْتُما عَلِيًّا بقَيْسِ بنِ سعدٍ (١)، وبرأْيِه ومُكايَدَتِه، فوَاللَّهِ لو أنَّكما أمْدَدْتُما بثمانِيَةِ آلافِ مُقاتلٍ، ما كان بأغْيَظَ لِى مِن ذلك (٢). فأمَّا المَرِيضُ فيُقْتَلُ إذا كان ممَّن لو كان صَحِيحًا قاتَلَ؛ لأنَّه كالإِجْهازِ على الجَرِيحِ، فإن كان مَأْيُوسًا مِن بُرْئهِ، فهو بمَنْزِلَةِ الزَّمِنِ، فلا يُقْتَلُ؛ لأنَّه لا يُخافُ منه أن يصيرَ إلى حالٍ يُقاتِلُ فيها. فصل: فأمّا الفَلَّاحُ الَّذى لا يُقاتِلُ، فيَنْبَغِى أن لا يُقْتَلَ؛ لِما رُوِى عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه قال: اتَّقُوا اللَّهَ في الفَلَّاحِين، الذين لا يَنْصِبُون لكم الحَرْبَ (٣). وقال الأوْزَاعِىُّ: لا يُقْتَلُ الحَرّاثُ، إذا عُلِمَ أنَّه ليس مِنَ المُقاتِلَةِ. وقال الشافعىُّ: يُقْتَلُ؛ إلَّا أن يُؤَدِّىَ الجِزْيَةَ؛ لدُخُولِه في عُمُومِ المُشْرِكين. ولَنا، قولُ عُمَرَ، ولأنَّ الصحابَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، لم

стр. 4591

فَإِنْ تَتَرَّسُوا بِهِمْ، جَازَ رَمْيُهُمْ، وَيَقْصِدُ الْمُقَاتِلَةَ. ــ يَقْتُلُوهم حينَ فَتَحُوا البِلادَ، ولأنَّهم لا يُقاتِلُون، أشْبَهُوا الشُّيُوخَ والرُّهْبانَ. ١٣٩٩ - مسألة: (فَإن تَتَرَّسُوا بهم، جازَ رَمْيُهم، ويَقْصِدُ المُقاتِلَةَ) إذا تَتَرَّسُوا في الحرب بالنِّساء والصِّبْيانِ ومَن لا يجوزُ قَتْلُه، جازَ رَمْيُهم، ويَقْصِدُ المُقاتِلَةَ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ رَماهُم بالمَنْجَنِيقِ ومعهم النِّساءُ والصِّبْيانُ، ولأنَّ كَفَّ المُسْلِمِين عنهم يُفْضِى إلى تَعْطِيلِ الجِهادِ؛ لأنَّهم متى عَلِمُوا ذلك تَتَرَّسُوا بهم عندَ خَوْفِهم، وسَواءٌ كانتِ الحربُ مُلْتَحِمَةَ أوْ لَا؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ لم يكن يتَحَيَّنُ بالرَّمْى حالَ الْتِحامِ الحَرْبِ. فصل: ولو وَقَفَتِ امرأةٌ في صَفِّ الكُفّارِ، أو على حِصْنِهم، فشَتَمَتِ المسلمين، أو تَكشَّفَتْ لهم، جازَ رَمْيُها قَصْدًا؛ لِما روَى سعيدٌ (١): حدَّثَنا حَمّادُ بنُ زيدٍ، عن أيُّوبَ، عن عِكْرِمَةَ، قال: لمّا حاصَرَ رسولُ اللَّهِ ﷺ الطّائِفَ، أشْرَفَتِ امرأةٌ، فكَشَفَتْ عن قُبُلِها، فقالتْ: هادُونَكُمْ فارْمُوا. فرَمَاها رَجُلٌ مِن المسلمين، فما أخْطأ ذاك منها. ويجوزُ النَّظَرُ إلى فَرْجِها للحاجَةِ إلى رَمْيِها؛ لأنَّه مِن ضَرُورَتِه. وكذلك يجوزُ رَمْيُها إذا كانت تَلْتَقِطُ لهم السِّهامَ، أو تَسْقِيهمُ الماءَ، أو تُحَرِّضُهم على القِتالِ؛ لأنَّها في مَعْنَى المُقاتِلِ. وكذلك الحُكْمُ في الصَّبِىِّ

стр. 4592

وَإِن تَتَرَّسُوا بِمُسْلِمِينَ، لَمْ يَجُزْ رَمْيُهُمْ، إِلَّا أَنْ يخافَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَيَرْمِيَهُمْ، وَيَقْصِدُ الْكُفَّارَ. ــ والشَّيْخِ وسائِرِ مَن مَنَعْنا قَتْلَه منهم. ١٤٠٠ - مسألة: (وَإِن تَتَرَّسُوا بِمُسْلِمِينَ، لَمْ يَجُزْ رَمْيُهُمْ، إِلَّا أَنْ يخافَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَيَرْمِيَهُمْ، وَيَقْصِدُ الْكُفَّارَ) إذا تَتَرَّسُوا بمسلمٍ، ولم تَدْعُ حاجَةٌ إلى رَمْيِهم؛ لكَوْنِ الحَرْبِ غيرَ قائِمَةٍ، أو لإِمْكانِ القُدْرَةِ عليهم بدُونِه، أو للأمْنِ مِن شَرِّهم، لم يَجُزْ رَمْيُهُم. فإن رَماهُم فأصابَ مُسْلِمًا، فعليه ضَمانُه. وإن دَعَتِ الحاجَةُ إلى رَمْيِهم للخَوْفِ على المسلمين، جازَ رَمْيُهم للضَّرُورَةِ، ويَقْصِدُ الكُفّارَ. فإن لم يَخَفْ على المسلمين، لكنْ لم يُقْدَرْ عليهم إلَّا بالرَّمْى، فقال الأوْزَاعِىُّ، واللَّيْثُ: لا يجوزُ رَمْيُهم. وهو ظاهِرُ كلامِه في هذا الكِتابِ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى:

стр. 4593

وَمَنْ أَسَرَ أَسِيرًا، لَمْ يَجُزْ لَهُ قَتْلُهُ حَتَّى يَأْتِىَ بِهِ الإمَامَ، إِلَّا أنْ يَمْتَنِعَ مِنَ السَّيْرِ مَعَهُ وَلَا يُمْكِنَهُ إكْرَاهُهُ. ــ ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾ (١) الآية. قال اللَّيْثُ: تَرْكُ فَتْحِ حِصْن يُقْدَرُ على فَتْحِهِ، أفْضَلُ مِن قَتْلِ مسلم بغيرِ حَقٍّ. وقال القاضى: يجوزُ رَمْيُهم حالَ قِيامِ الحَرْبِ؛ لأنَّ تَرْكَه يُفْضِى إلى تَعْطِيلِ الجِهادِ. فعلى هذا، إن قَتَلَ مسلمًا، فعليه الكَفّارَةُ، وفى وُجُوبِ الدِّيَةِ على العاقِلَةِ رِوايتان، ووَجْهُهما يُذْكَرُ في مَوْضِعِه. وقال أبو حنيفةَ: لا دِيَةَ له (٢)، ولا كَفَّارَةَ فيه؛ لأنَّه رَمْى أُبِيحَ مع العِلْمِ بحَقِيقَةِ الحالِ، فلم يُوجِبْ شَيْئًا، كرَمْى مَنْ أُبِيحَ رَمْيُه. ولَنا، قولُه تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (٣). ولأنَّه قَتَلَ مَعْصُومًا بالإِيمانِ، وهو مِن أهْلِ الضَّمانِ، أشْبَهَ ما لو لم يُتَتَرَّسْ به. ١٤٠١ - مسألة: (وَمَنْ أَسَرَ أَسِيرًا، لَمْ يَجُزْ لَهُ قَتْلُهُ حَتَّى يَأْتِىَ بِهِ الإمَامَ، إِلَّا أنْ يَمْتَنِعَ مِنَ السَّيْرِ مَعَهُ وَلَا يُمْكِنَهُ إكْرَاهُهُ) لا يجوزُ لمَن أسَرَ

стр. 4594

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أسِيرًا قَتْلُه حتَّى يَأْتِىَ بهِ الإِمامَ، فيرَى فيه رَأْيَه؛ لأنَّه إذا صارَ أَسِيرًا، فالْخِيَرَةُ فيه إلى الإِمامِ. وقد رُوِى عن أحمدَ كلامٌ يَدُلُّ على إباحَةِ قَتْلِه، فإنَّه قال: لا يَقْتُلُ أسِيرَ غيرِه إلَّا أن يشاءَ الوالِى. فمَفْهُومُه أنَّ له قَتْلَ أسِيرِه بغيرِ إذْنِ الوالِى؛ لأنَّ له أن يَقْتُلَه ابْتِداءً، فكان له قَتْلُه دَوامًا، كما لو هَرَب منه أو قاتَلَه. فإنِ امْتَنَعَ الأسِيرُ أن ينْقادَ معه، فله إكْراهُه بالضَّرْبِ وغيرِه، فإن لم يُمْكِنْ إكْراهُه، فله قَتْلُه. وكَذلك إن خافَه، أو خافَ هَرَبَه. وإنِ امْتَنَعَ مِن الانْقِيادِ معه بجُرْحٍ أو مرضٍ، فله قَتْلُه. وتَوَقَّفَ أحمدُ عن قَتْلِه. والصَّحِيحُ الأوَّلُ، كالتَّذْفِيفِ (١) على الجَرِيحِ، ولأنَّ تَرْكَه حَيًّا ضَرَرٌ على المسلمين، وتَقْوِيَةٌ للكُفَّارِ، فتَعَيَّنَ القَتْلُ، كحالَةِ الابتِداءِ، وكَجَرِيحِهم إذا لم يأْسِرْه. فأمَّا أسِيرُ غيرِه، فلا يجوزُ قَتْلُه إلَّا أن يَصِيرَ إلى حالٍ يجوزُ قَتْلُه لمَن أسَرَه. وقد روَى يحيى بنُ أبى كَثِيرٍ (٢)، أنَّ النبىَّ ﷺ قال: «لَا يَتَعَاطَيَنَّ أحَدُكُمْ أسِيرَ صَاحِبِه إذَا أخَذَه فَيَقْتُلَهُ». رَواه سعيدٌ (٣). فإن قَتَل أسِيرَه، أو أسِيرَ غيرِه قبلَ ذلك، أساءَ، ولا ضَمانَ

стр. 4595

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عليه. وبه قال الشافعىُّ. وقال الأوْزَاعِىُّ: إن قَتَلَه قبلَ أن يَأْتِىَ به الإِمامَ، لم يَضْمَنْه، وإن قَتَلَه بعدَ ذلك، ضَمِنَه؛ لأنَّه أتْلَفَ مِن الغَنِيمَةِ ما لَه قِيمِةٌ، فضَمِنَه بقِيمَتِه، كما لو قَتَلَ امرأةً. ولنَا، أنَّ عبدَ الرحمنِ بنَ عَوْفٍ أَسَرَ أُمَيَّةَ بنَ خَلَفٍ وابنَه عليًّا يومَ بَدْرٍ، فرآهما بلالٌ، فاسْتَصْرَخَ الأنْصارَ عليهما حتَّى قَتَلُوهما، ولم يَغْرَمُوا شيئًا (١). ولأنَّه أتْلَفَ ما ليس بمالٍ، فلم يَغْرَمْه، كما لو أتْلَفَه قبلَ أن يَأْتِىَ به الإِمامَ، ولأنَّه أتْلَفَ ما لا قِيمَةَ له قبلَ أن يَأْتِىَ به الإِمامَ، فلم يَغْرَمْه، كما لو أتْلَفَ كَلْبًا، فأمَّا إن قَتَل امرأةً أو صَبِيًّا، ضَمِنَه؛ لأنه صارَ رَقِيقًا بنَفْسِ السَّبْى. فصل: ومَن أمَرَ أسِيرًا، فادَّعى أنَّه كان مسلمًا، لم يُقْبَلْ قولُه إلَّا بِبَيِّنةٍ؛ لأنَّه يَدَّعِى أمْرًا الظَّاهِرُ خلافُه، يتَعَلَّقُ به إسْقاطُ حَقٍّ تَعَلَّقَ برَقَبَتِه. فإنْ شَهِدَ له واحدٌ، حَلَف معه، وخُلِّىَ سَبِيلُه. وقال الشافعىُّ: لا تُقْبَلُ إلَّا شَهَادَةُ عَدْلَيْن؛ لأنَّه ليس بمالٍ، ولا يُقْصَدُ منه المالُ. ولَنا، ما روَى

стр. 4596

وَيُخَيَّرُ الْأَميرُ في الْأَسْرَى؛ بَيْنَ الْقَتْلِ، وَالِاسْتِرْقَاقِ، وَالْمَنِّ، وَالْفِدَاءِ بِمُسْلِمٍ، أو بِمَالٍ. وَعَنْهُ، لَا يَجُوزُ بِمَالٍ، إلَّا غيْرَ الْكِتَابِىِّ، فَفِى اسْتِرْقَاقِهِ رِوَايَتَانِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْتَارَ إِلَّا الأصْلَحَ لِلْمُسْلِمِينَ. ــ عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّ النبىَّ ﷺ ، قال يومَ بَدْرٍ: «لَا يَبْقَى مِنْهُمْ أحَدٌ إلَّا أنْ يُفْدَى، أوْ يُضْرَبَ عُنُقُهُ». فقال عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ: إلَّا سُهَيْلَ بنَ بَيْضاءَ، فإنِّى سَمِعْتُه يذْكُرُ الإِسْلامَ. فقال النبىُّ ﷺ : «إلَّا سُهيْلَ بْنَ بَيْضَاءَ» (١). فقَبِلَ شَهادةَ عبدِ اللَّهِ وحدَه. ١٤٠٢ - مسألة: (وَيُخَيَّرُ الْأمِيرُ في الْأَسْرَى؛ بَيْنَ الْقَتْلِ، وَالِاسْتِرْقَاقِ، وَالْمَنِّ، وَالْفِدَاءِ بِمُسْلِمٍ، أو بِمَالٍ. وَعَنْهُ، لَا يَجُوزُ بِمَالٍ، إلَّا غيْرَ الْكِتَابِىِّ، فَفِى اسْتِرْقَاقِهِ رِوَايَتَانِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْتَارَ إِلَّا الأصْلَحَ لِلْمُسْلِمِينَ) وحملةُ ذلك، أنَّ مَن اسِرَ مِن دارِ الحَرْبِ على ثلاثةِ أضْرُبٍ؛

стр. 4597

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أحدُها، النِّساءُ والصِّبْيانُ، فلا يجوزُ قَتْلُهم، بغيرِ خِلافٍ، ويَصِيرُونَ رَقِيقًا للمسلمين بنَفْسِ السَّبْى، لأنَّ النبىَّ ﷺ نَهَى عن قَتْل النِّساءِ والوِلْدانِ. مُتَّفَقٌ عليه (١). وكان ﵊ يَسْتَرِقُّهم إذا سَباهم. الثانى، الرجالُ مِنْ أهْلِ الكِتابِ. والمَجُوسِ الذين يُقَرُّون بالجِزْيَةِ، فيتَخَيَّرُ الإِمامُ فيهم بينَ أربعةِ أشْياءَ، القتلُ، والمَنُّ بغيرِ عِوَضٍ، والمُفاداةُ بِهم، واسْتِرْقاقُهم. الثالثُ، الرِّجالُ ممَّن لا يُقَرُّ بالجِزْيَةِ، فيُخَيَّرُ الإِمامُ فيهم بينَ القَتْلِ والمَنِّ والفِداءِ، ولا يجوزُ اسْتِرْقاقُهم، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن. اخْتارَها الخِرَقِىُّ. وهو قولُ الشافعىِّ. والثانيةُ، يجوزُ اسْتِرْقاقُهم، لأنَّه كافِرٌ أصْلِىٌّ، أشْبَهَ أهْلَ الكِتابِ. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ جَوازُ اسْتِرْقاقِهم مَبْنِيًّا على أخْذِ الجِزْيَةِ منهم،

стр. 4598

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فإن قُلْنا بجوازِها، جازَ اسْتِرْقاقُهم، وإلَّا فلا. وقال أبو حنيفةَ: يجوزُ في العَجَمِ دُونَ العَرَبِ. بِناءً على قولِه في أخْذِ الجِزْيَةِ منهم. ولَنا، أنَّه كافِرٌ لا يُقَرُّ بالجِزْيَةِ، فلم يَجُزِ اسْتِرْقاقُه، كالمُرْتَدِّ، والدَّليلُ على أنَّه لا يُقَرُّ بالجِزْيَةِ يُذْكَرُ في بابِ عَقْدِ الذِّمَّةِ، إن شاء اللَّه تعالى. فصل: وبما ذَكَرْنا في أهْلِ الكتابِ قال الأوْزَاعِىُّ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ. وعن مالِكٍ كمَذْهَبِنا. وعنه، لا يجوزُ المَنُّ بغيرِ عِوَضٍ؛ لأنَّه لا مَصْلَحَةَ فيه، وإنَّما يجوزُ للإِمامِ فِعْلُ ما فيه المَصْلَحَةُ. وحُكِىَ عن الحَسنِ، وعَطَاءٍ، وسعيدِ بن جُبَيْرِ، كرَاهِيَةُ قَتْلِ الأسْرَى، وقالوا: لو مَنَّ عليه أو فاداه كما صُنِعَ بأُسارَى بَدْرٍ. ولأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ (١). فخَيَّرَه بعدَ الأسْرٍ بَينَ هَذَيْن لا غيرُ. وقال أصحابُ الرَّأْى: إن شاءَ قَتَلَهم، وإن شاءَ اسْتَرَقَّهم،

стр. 4599

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لا غير، ولا فِدَاءَ، لأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (١). بعدَ قوْلِه: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾. وكان عمرُ ابنُ عبدِ العزيزِ، وعِياضُ بنُ عُقْبَةَ يَقْتُلان الأُسارَى. ولَنا على جَوازِ المَنِّ والفِداءِ، الآيةُ المذْكُورةُ، وأنَّ النبىَّ ﷺ مَنَّ على ثُمامَةَ بنَ أُثالٍ (٢)، وأبى عَزَّةَ الشاعِرِ (٣)، وأبى العاصِ بنِ الرَّبِيعِ (٤)، وقال في أُسارَى بدرٍ: «لَوْ كَانَ مُطْعِمُ بنُ عَدِيٍّ حَيًّا، ثُمَّ سَأْلَنِى في (٥) هَؤُلَاءِ النَّتْنَى،

стр. 4600

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لأَطْلَقْتُهُمْ لَهُ» (١). وفادَى أُسارَى بَدْرٍ (٢)، وفادَى يومَ بَدْرٍ (٣) رَجُلًا برَجُلَيْن (٤)، وصاحِبَ العَضْباءِ برَجُلَيْن (٥). وأمَّا القَتْلُ، فإنَّ النبىَّ ﷺ قَتَل رجالَ بنى قُرَيْظَةَ (٦)، وقَتَل يومَ بَدْرٍ النَّضْرَ بنَ الحارِثِ، وعُقْبَةَ بنَ

стр. 4601

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أبى مُعَيْطٍ صَبْرًا (١)، وقَتَلَ أبا عَزَّةَ يومَ أُحُدٍ. وهذه قصصٌ اشْتُهِرَتْ وعُلِمَتْ، وفَعَلَها النبىُّ ﷺ مَرَّاتٍ، وهو دليل على جَوازِها. ولأنَّ كلَّ خَصْلَةٍ يِن هذه الخِصالِ قد تَكُونُ أصْلَحَ في بَعْضِ الأسْرَى؛ فإنَّ فيهم مَن له قُوَّة ونِكايَةٌ في المسلمين، فقَتْلُه أصْلَحُ، ومنهم الضَّعِيفُ الَّذى له مالٌ كثيرٌ، ففِداؤُه أصْلَحُ، ومنهم حَسَنُ الرَّأْى في المسلمين، يُرْجَى إسْلامُه بالمَنِّ عليه، أو مَعُونَتُه للمسلمين بتَخْلِيصِ أَسْراهم، أو الدَّفْعِ عنهم، فالمَنُّ عليه أصْلَحُ، ومنهم مَن يُنْتَفَعُ بخِدْمَتِه، ويُؤْمَنُ شَرُّه، فاسْتِرْقاقُه أصْلَحُ، كالنِّساءِ والصِّبْيانِ، والإِمامُ أعْلَمُ بالمَصْلَحَةِ، ففُوِّضَ ذلك إليه. إذا ثَبَت ذلك، فإنَّ هذا تَخْييرُ مَصْلَحَةٍ واجْتِهادٍ، لا تَخْييرُ شَهْوَةٍ، فمتى رَأى المَصْلَحَةَ في خَصْلَةٍ، لم يَجُزِ اخْتِيارُ غيرِها؛ لأنَّه يتَصَرَّف لهم على سَبِيلِ النَّظَرِ لهم، فلم يَجُزْ له تَرْكُ ما في الحَظُّ، كوَلِىِّ اليَتِيمِ. ومتى حَصَل عندَه تَرَدُّدٌ في هذه الخِصالِ، فالقَتْلُ أوْلَى. قال مُجاهِدٌ في أمِيرَيْن، أحَدُهما، يَقْتُلُ الأسْرَى: وهو أفْضَلُ. وكذلك قال مالِكٌ.

стр. 4602

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقال إسْحاقُ: الإِثْخانُ أُحَبُّ إلىَّ إلَّا أن يكونَ معروفًا يَطْمَعُ به في الكَثيرِ. فمتى رَأْى القَتْلَ، ضَرَب عُنُقَه بالسَّيْفِ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ (١). ولأنَّ النبىَّ ﷺ أمَرَ بِضَرْب أعْناقِ الذين قَتَلَهم. ولا يجوزُ التَّمْثِيلُ بهِ؛ لِما روَى بُرَيْدَةُ، أنَّ النبىَّ ﷺ كان إذا أمَّرَ رَجُلًا على جَيْشٍ أو سَرِيَّةٍ، قال: «اغْزُوا بِسْمِ اللَّهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، ولا تُعَذِّبُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا» (٢). وإنِ اخْتارَ الفِداءَ، جازَ أن يَفْدِىَ بهم أُسارَى المسلمين، وجازَ بالمالِ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ فَعَلَ الأمْرَيْنِ. وفيه رِواية أُخْرَى، أنَّه لا يجوزُ بمالٍ، كما لا يَجُوزُ بَيْعُ رَقِيقِ المسلمين للكُفّارِ، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن، ولأنَّه إذا لم يَجُزْ أن نَبِيعَهم السِّلاحَ؛ لِما

стр. 4603

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فيه مِن تَقْوِيَتهم على المسلمين، فبَيْعُ أنْفُسِهم أوْلَى. ومَنَع أحمدُ، ﵀، مِن فداءِ النِّساءِ بالمالِ؛ لأنَّ في بَقائِهنَّ تَعْرِيضًا لهُنَّ للإِسْلامِ، لبَقائِهِنَّ عندَ المسلمين، وجَوَّزَ أن يُفادَى بِهنَّ أُسارَى المُسْلِمِين؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ فادَى بالمرأةِ التى أخَذَها مِن سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ (١). ولأنَّ في ذلك اسْتِنْقاذَ مُسْلمٍ مُتَحَقِّقٍ إسْلامُه، فاحْتَمَلَ تَفْوِيتَ غَرَضِيَّةِ الإِسْلامِ مِن أجْلِه، ولا يَلْزَمُ مِن ذلك احْتِمالُ فِدائِها لتَحْصيلِ المالِ. فأمَّا الصِّبْيانُ، فقال أحمدُ: لا يُفادَى بهم؛ لأنَّ الصَّبِىَّ يَصِيرُ مُسْلِمًا بإسْلامِ سابِيه، فلا يَجُوزُ رَدُّه إلى المُشْرِكِين، وكذلك المرأةُ إذا أسْلَمَتْ، لا يَجُوزُ رَدُّها إلى الكُفَّارِ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ (٢). وإن كان الصَّبِىُّ غيرَ مَحْكُومٍ بإسْلامِه، كمَن سُبِىَ مع أبوَيْهِ، لم يَجُزْ فِدَاؤُه بمالٍ، كالمرأةِ، ويجوزُ فِداؤُه بمسلمٍ، في أحَدِ الوَجْهَيْن. فصل: ومَن اسْتُرِقَّ منهم أو (٣) فُودِىَ بمالٍ، كان الرَّقِيقُ والمالُ

стр. 4604

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ للغانِمينَ، حُكْمُه حُكْمُ الغنيمةِ، لا نعلمُ في هذا خِلافًا، فإنَّ النبىَّ ﷺ قَسَم فِداءَ أُسارَى بَدْرٍ بينَ الغانِمين (١). ولأنَّه مالٌ غَنِمَه المسلمون، أشْبَهَ الخيلَ والسِّلاحَ. فإن قِيلَ: فالأسِيرُ لم يكُنْ للغانِمين فيه حَقٌّ، فكيفَ تَعَلَّقَ حَقُّهم ببَدَلِه؟ قُلْنا: إنَّما يَفْعْلُ الإِمامُ في الأسيرِ ما يَرَى فيه المصْلَحَةَ؛ لأنَّه لم يَصِرْ مالًا، فإذا صارَ مالًا، تَعَلَّقَ حَقُّ الغانِمين به؛ لأنَّهم أسَرُوه وقَهَرُوه، وهذا غيرُ مُمْتَنِعٍ، ألا تَرَى أنَّ مَن عليه دَيْنٌ، إذ، قُتِلَ قَتْلًا يُوجِبُ القِصاصَ، كان لوَرَثَتِه الخيارُ بينَ القَتْلِ والعَفْوِ إلى الدِّيَةِ، فإذا اخْتارُوا الدِّيَةَ تَعَلَّقَ حَقُّ الغُرماءِ بها. فصل: فإن سأَلَ الأُسارَى مِن أهْلِ الكتابِ تخْلِيَتَهم على إعْطاءِ الجِزْيَةِ، لم يَجُزْ ذلك في صِبْيانِهم ونِسائِهم؛ لأنَّهم صارُوا غَنِيمَةً بالسَّبْى، ويَجُوزُ في الرِّجالِ، ولا يزولُ التَّخْيِيرُ الثابِتُ فيهم وقال أصحابُ الشافعىِّ: يَحْرُمُ قَتْلُهم، كما لو أسْلَمُوا. ولَنا، أنَّه بَدلٌ [لا تَلْزَمُ] (٢) الإِجابَةُ إليه، فلم يَحْرُمْ قَتْلُهم، كبَدَلِ عَبَدَةِ الأوْثَانِ.

стр. 4605

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وإذا أُسِرَ العَبْدُ، صارَ رَقِيقًا للمسلمين؛ لأنَّه مالٌ لهم اسْتُولِىَ عليه، فكان للغانِمين، كالبَهِيمَةِ، فإن رَأَى الإِمامُ قَتْلَه لضَرَرٍ في إبْقائِه، جازَ، لأنَّ مثلَ هذا لا قِيمَةَ له، فهو كالمُرْتَدِّ، وأمَّا مَن يَحْرُمُ قَتْلُهم غيرَ النِّساءِ والصِّبْيانِ، كالشَّيْخِ والزَّمِنِ والأعْمَى والرَّاهِبِ، فلا يَحِلُّ سَبْيُهم؛ لأنَّ قَتْلَهم حرامٌ، ولا نَفْعَ في اقْتِنائِهم.

стр. 4606

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ذكر أبو بكرٍ أنَّ الكافِرَ إذا كان مَوْلَى مُسْلمٍ، لم يَجُزِ اسْتِرْقاقُه؛ لأنَّ في اسْتِرْقاقِه تفوِيتَ ولاءِ المُسْلمِ المَعْصُومِ. وعلى قَوْلِه، لا يُسْتَرَقُّ ولَدُه أيضًا إذا كان عليه وَلاءٌ؛ لذلك. وإن كان مُعْتِقُه ذِمِّيًّا، جازَ اسْتِرْقاقُه؛ لأنَّ سَيِّدَه يَجُوزُ اسْتِرْقاقُه، فاسْتِرْقاقُ مَوْلاه أوْلَى. وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ. وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ جوازُ اسْتِرْقاقِه؛ لأنَّه لا يجوزُ قَتْلُه، وهو مِن أهْلِ الكتابِ، فجازَ اسْتِرْقاقُه، كغيرِه، ولأنَّ سَبَبَ جوازِ الاسْتِرْقاقِ قد تحقَّقَ فيه، وهو الاسْتِيلاءُ عليه، مع كونِ مَصْلَحَةِ المسلمين في اسْتِرْقاقِه، ولأنَّه إنْ كان المَسْبِىُّ امرأةً أو صَبِيًّا، لم يَجُزْ فيه سِوَى الاسْتِرْقاقِ، فيَتَعَيَّنُ ذلك فيه. وما ذكرُوه يَبْطُلُ بالقَتْلِ؛ فإنَّه يُفَوِّتُ الوَلاءَ، وهو جائِزٌ فيه، وكذلك يجوزُ اسْتِرْقاقُ مَن عليه وَلاء لذِمِّىٍّ.

стр. 4607

فَإنْ أسْلَمُوا رَقُّوا في الْحَالِ. ــ وقوْلُه: إنَّ سَيِّدَه الذِّمِّىَّ يَجُوزُ اسْتِرْقاقُه. غيرُ صَحِيحٍ؛ فإنَّ الذِّمِّىَّ لا يَجُوزُ اسْتِرْقاقُه، ولا تَفْوِيتُ حُقُوقِه، وقد قال علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: إِنَّما بذَلُوا الجِزْيَةَ لتكونَ دِماؤُهم كدِمائِنا، وأموالُهم كأمْوالِنا (١). ١٤٠٣ - مسألة: (فَإنْ أسْلَمُوا رَقُّوا في الْحَالِ) يَعْنِى إذا أسْلَمَ الأسِير صارَ رَقيقًا في الحالِ، وزالَ التَّخْيِير فيه، وصارَ حُكْمُهُ حُكْمُ النِّساءِ. وبه قال الشافعىُّ في أَحَدِ قَوْلَيْه؛ لأنَّه أسيرٌ مُحَرَّمٌ قَتْلُه، فصارَ رقيقًا، كالمرأةِ. وفيه قولٌ آخر، أنَّه يَحْرمُ قَتْلُه؛ لقولِ النبىِّ ﷺ : «لَا يَحِلُّ دَمْ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بإحْدَى ثلَاثٍ» (٢). ويَتَخَيَّرُ بينَ الخِصَالِ

стр. 4608

وَمَنْ سُبِىَ مِنْ أَطْفَالِهِمْ مُنْفَرِدًا أَوْ مَعَ أَحدِ أَبوَيْهِ، فَهُوَ مُسْلِمٌ. ــ الثَّلاثِ الباقيةِ؛ المَنِّ، والفِداءِ، والاسْتِرْقاقِ. وهو القولُ الثانى للشافعىِّ؛ لأنَّه إذا جازَ المَنُّ عليه في حالِ كُفْرِه، ففى حالِ إسْلامِه أوْلَى؛ لأنَّ الإِسْلامَ حَسَنَةٌ يقْتَضِى إكْرامَه، والإِنْعامَ عليه، لا مَنعَ ذلك في حَقِّه. وهذا هو الصَّحِيحُ إن شاءَ اللَّهُ تعالى. ولا يَجُوزُ رَدُّه إلى الكُفّارِ، إلَّا أن يكونَ له مَن يَمْنَعُه مِن المشركين، مِن عَشِيرَةٍ أو نحوِها، وإنَّما جازَ فِداؤُه؛ لأنَّه يتَخَلَّصُ به مِن الرِّقِّ. فأمَّا إن أسْلَمَ قبلَ أسْرِه، حَرُمَ قَتْلُه واسْتِرْقاقُه والمُفاداةُ به، سَواءٌ أسْلَمَ وهو في حِصْنٍ، أو جَوْفٍ، أو مَضِيقٍ، أو غيرِ ذلك؛ لأنَّه لم يحْصُلْ في أَيْدِى الغانِمين. ١٤٠٤ - مسألة: (وَمَنْ سُبِىَ مِنْ أَطْفَالِهِمْ مُنْفَرِدًا أَوْ مَعَ أَحدِ أَبَوَيْهِ ،

стр. 4609

وَإنْ سُبِىَ مَعَ أَبَوَيْهِ، فَهُوَ عَلَى دِينِهِمَا. ــ فهو مُسْلِمٌ. ومَن سُبِىَ معَ أَبَوَيْه، فهو على دِينِهما) المَسْبِىُّ مِن أطْفالِ المُشْرِكِين ينقَسِمُ ثلاثةَ أقْسامٍ؛ أحدُها، أنْ يُسْبَى مُنْفَرِدًا عن أَبَوَيْه، فيصيرَ مُسْلِمًا بالإِجْماعِ؛ لأنَّ الدِّينَ إنَّما يثْبُتُ له تَبَعًا، وقد انْقَطَعَتْ تَبَعِيَّتُه لأَبوَيْه؛ لانْقطاعِه عنهما، وإخْراجِه عن دارِهما، ومصيرِه إلى دارِ الإِسْلامِ تَبَعًا لسابِيه المُسْلمِ، فكان تابعًا له في دِينهِ. الثانى، أن يُسْبَى مع أَحَدِ أَبَوَيْه، فيُحْكَمَ بإسْلامِه أَيضًا. وبه قال الأوْزَاعِىُّ. وقال أبو الخطَّابِ: يَتْبَعُ أباه. وقال القاضى: في رِوايَتان؛ أشْهَرُهما، أنَّه يُحْكَمُ بإسْلامِه. والثانيةُ، يَتْبَعُ أباه. وقال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ: يكونُ تابِعًا لأبِيه في الكُفْرِ؛ لأنَّه لم يَنْفَرِدْ عن أَحَدِ أَبَوَيْه، فلم يُحْكَمْ بإسْلامِه، كما لو سُبِىَ معَهما. وقال مالكٌ: إن سُبِىَ مع أبِيه تَبِعَه؛ لأنَّ الوَلَدَ يَتْبَعُ أباه في الدِّينِ،

стр. 4610

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كما يَتْبَعُه في النَّسَبِ، وإن سُبِىَ مع أُمِّه فهو مُسْلِمٌ؛ لأنَّه لا يَتْبَعُها في النَّسَبِ، فكذلك في الدِّينِ. ولَنا، قولُ النبىِّ ﷺ : «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَودَانِه أوْ يُنَصِّرَانِه، أوْ يُمَجِّسَانِهِ». رَواه مالكٌ (١). فمَفْهُومُه أنَّه لا يَتْبَعُ أحَدَهما؛ لأنَّ الحُكْمَ متى عُلِّقَ بشَيْئَيْن لا يَثْبُتُ بأحَدِهما، ولأنَّه يَتْبَعُ سَابِيَه مُنْفَرِدًا، فيَتْبَعُه مع أحَدِ أَبَوَيْه، قياسًا على ما

стр. 4611

وَلَا يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ بِاسْتِرْقَاقِ الزَّوْجَيْنِ، وَإنْ سُبِيَتِ الْمَرْأَةُ وَحْدَهَا، انْفَسَخَ نِكَاحُهَا، وَحَلَّتْ لِسَابِيهَا. ــ لو أسْلَمَ أحَدُ الأبَوَيْن، تَحْقِيقُه أنَّ كلَّ شخْصٍ غُلِّبَ حُكْمُ إسْلامِهِ مُنْفَرِدًا غُلِّبَ مع أحَدِ الأبَوَيْن، كالمُسْلِمِ مِن الأبَوَيْن. الثالثُ، أن يُسْبَى مع (١) أَبَوَيْه، فيَكونُ على دِينِهما. وبه قال أبو حنيفة، ومالكٌ، والشافعىُّ. وقال الأوْزَاعِىُّ: يَكُونُ مُسْلِمًا؛ لأنَّ السابِىَ أحَقُّ به، لكَوْنِه مَلَكه بالسَّبْى، وزالت وِلايَةُ أبَوَيْه عنه، وانْقَطَعَ مِيراثُهما منه ومِيراثُه منهما، فكان أوْلَى به منهما. ولَنا، قولُه ﵊: «فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدانِه ويُنَصِّرَانِه ويُمَجِّسَانِه». وهما معه، ومِلْكُ السّابِى له لا يَمْنَعُ اتِّباعَه لأَبَوَيْه، بدلِيلِ ما لو وُلِدَ في مِلْكِه مِن عَبْدِه وأمَتِه الكافِرَيْن. ١٤٠٥ - مسألة: (ولا يَنْفَسِخُ النِّكاحُ بِاسْتِرْقاقِ الزَّوْجَيْنِ، وإن سُبِيَتِ المرأةُ وَحْدَها، انْفَسَخَ نِكاحُهَا، وحَلَّتْ لِسابِيها) إذا سُبِىَ المُتَزَوِّجُ مِن الكُفَّارِ، لم يَخْلُ مِن ثلاثَةِ أحْوالٍ؛ أحدُها، أن يُسْبَى الزَّوْجانِ معًا،

стр. 4612

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فلا يَنْفَسِخُ نِكاحُهما. وبهذا قال أبو حنيفةَ، والأوْزَاعِىُّ. ويَحْتَمِلُ أن يَنْفَسِخَ. وبه قال مالكٌ، والثَّوْرِىُّ، واللَّيْثُ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ؛ لقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١). والمُحْصَناتُ: المُتَزَوِّجاتُ ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ بالسَّبْى. قال أبو سَعِيدٍ الخُدْرِىُّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: نَزَلَتْ هذه الآية في سَبْىِ أوْطاسَ (٢). وقال ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما: إلَّا ذَواتِ الأزْواجِ مِن المَسْبِيّاتِ. ولأنَّه اسْتَوْلَى على محلِّ حَقِّ الكافِرِ، فزالَ مِلْكُه، كما لو سَباها وَحْدَها. ولَنا، أنَّ الرِّقَّ مَعْنًى لا يَمْنَعُ ابْتِداءَ النِّكاحِ، فلا يَقْطَعُ اسْتِدامَتَه، كالعِتْقِ، والآيةُ نزَلَتْ في سَبايا أوْطاسَ، وكانوا أخَذُوا النِّساءَ دُونَ أزْواجِهِنَّ، وعُمُومُ الآيةِ مخْصُوصٌ بالمَمْلُوكَةِ المُزَوَّجَةِ في دارِ الإِسْلامِ، فيُخَصُّ منه محلُّ النِّزاعِ بالقياسِ عليه. الحالُ الثَّانِى، أن تُسْبَى المرأةُ وحدَها، فينْفسِخُ النِّكاحُ، بلا خِلافٍ عَلِمْناه. والآيَةُ دَالَّةٌ عليه،

стр. 4613

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وقد روَى أبو سعيدٍ الخُدْرِىُّ، قال: أصَبْنا سَبايا يومَ أوْطاسَ، ولَهُنَّ أزْواجٌ في قَوْمِهِنَّ، فذَكَرُوا ذلك لرَسُولِ اللَّهَ ﷺ ، فنَزَلَت: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. رَواه التِّرْمِذِىُّ (١)، وقال: حديثٌ حَسَنٌ. إلَّا أنَّ أبا حنيفةَ قال: إذا سبِيَتِ المرأةُ وحدَها، ثم سُبِىَ زَوْجُهَا بعدَها بيَوْمٍ، لم يَنْفَسِخِ النِّكاحُ. ولَنا، أنَّ السَّبْىَ المُقْتَضِىَ للفَسْخِ وُجِدَ، فانْفَسَخَ النِّكاحُ، كما لو سُبِيَتْ قبلَه بشَهْرٍ. الحالُ الثالثُ، سُبِىَ الرَّجُلُ وحدَه، فلا يَنْفَسِخُ النِّكاحُ؛ لأنَّه لا نصَّ فيه، ولا القياسُ يَقْتَضِيه، وقد سَبَى النبىُّ ﷺ سَبْعِين رجلًا مِن الكُفّارِ يومَ بَدْرٍ، فمَنَّ على بعْضِهم، وفادَى بعْضًا، فلم يَحْكُمْ عليهم بفَسْخِ أنْكِحَتِهم. ولأنَّنا إذا لم نَحْكُمْ بفَسْخِ النِّكاحِ فيما إذا سُبِيَا معًا مع الاسْتِيلاءِ على مَحَلِّ حَقِّه، فلأن لا

стр. 4614

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَنْفَسِخَ نِكاحُه مع عَدَمِ الاسْتِيلاءِ عليه أوْلَى. وقال أبو الخَطّابِ: إذا سُبِىَ أحَدُ الزَّوْجَين، انْفَسَخَ النِّكاحُ. ولم يُفَرِّقْ. وبه قال أبو حنيفةَ؛ لأنَّ الزَّوْجَيْن افْتَرَقَتْ بهما الدَّارُ، وطَرَأَ المِلْكُ على أحَدِهما، فانْفَسَخَ النِّكاحُ، كما لو سُبِيَتِ المرأةُ وحدَها. وقال الشافعىُّ: إن سُبِىَ واسْتُرِقَّ، انْفَسَخَ نِكاحُه، وإن مُنَّ عليه أو فُودِىَ، لم يَنْفَسِخْ. ولَنا، ما ذَكَرْناه، وأنَّ السَّبْىَ لم يُزِلْ مِلْكَه عن مالِه في دارِ الحَرْبِ، فلم يَزُلْ عن زَوْجَتِه، كما لم (١) يَزُلْ عن أمَتِه. فصل: ولم يُفَرِّقْ أصْحابُنا في سَبْىِ الزَّوْجَيْنِ، بينَ أن يَسْبِيَهما رجلٌ واحدٌ أو رجلان. ويَنْبَغِى أنْ يُفَرَّقَ بينَهما، فإنَّهما إذا كانا مع رَجُلَيْن، كان مالِكُ المرأةِ مُنْفَرِدًا بها، ولا زوجَ معها، فتَحِلُّ له؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. وذَكَر الأوْزَاعِىُّ، أنَّ الزَّوْجَيْنِ إذا سُبِيا، فهما على النِّكاحِ في المَقاسِمِ، فإنِ اشْتَراهُما رجلٌ، فله أن يُفرِّقَ بينَهما إن شاءَ، أو يُقِرَّهما على النِّكاحِ. ولَنا، أنَّ تَجَدُّدَ المِلْكِ في الزَّوْجَيْن لرجلٍ لا يَقْتَضى جَوازَ الفَسْخِ، كما لو اشْتَرى زَوْجَيْن مُسْلِمَيْن. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه لا يَحْرُمُ التَّفْرِيقُ بينَهما في القِسْمَةِ والبَيْعِ؛ لأنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ بذلك.

стр. 4615

وَهَلْ يَجُوزُ بَيْعُ مَن اسْتُرِقَّ مِنْهُمْ لِلْمُشْرِكِينَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. ــ ١٤٠٦ - مسألة: (وهل يَجُوزُ بَيْعُ مَن اسْتُرِقَّ منهم للمُشْرِكِين؟ على رِوايَتَيْن) لا يجوزُ بَيْعُ شئٍ مِن رقيقِ المسلمين لكافِرٍ، سواءٌ كانُ مُسْلِمًا أو كافرًا. وهذا قولُ الحسنِ. وقال أحمدُ: ليس لأهْلِ الذِّمَّةِ أن يَشْتَرُوا ممَّا سَبَى المسلمون. قال: وكَتَب عُمَرُ بنُ الخَطّابِ يَنْهَى عنه أُمَراءَ الأمْصارِ. هكذا حَكَى أهْلُ الشامِ. وعنه، أنَّه يَجُوزُ ذلك. وهو قولُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ؛ لأنَّه لا يَمْنَعُ مِن إثْباتِ يَدِه عليه، فلا يَمْنَعُ مِن ابْتِدائِه، كالمُسْلمِ، ولأنَّه رَدَّ الكافِرَ إلى الكُفَّارِ، فجازَ، كالمُفاداةِ بهم قبلَ الاسْتِرْقاقِ. والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه قولُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، ولم

стр. 4616

وَلَا يُفَرَّقُ في الْبَيْعِ بَيْنَ ذَوِى رَحِمٍ مَحْرَمٍ، إِلَّا بَعْدَ الْبُلُوغِ، عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. ــ يُنْكِرْه مُنْكِرٌ، فكان إجْماعًا، ولأنَّ فيه تَفْوِيتًا للإِسْلامِ الَّذى يَظْهَرُ وُجُودُه، فإنَّه إذا بَقِىَ رَقِيقًا للمسلمين، الظَّاهِرُ أنَّه يُسْلِمُ، فيَفُوت ذلك ببَيْعِه لكافرِ، بخِلافِ ما إذا كان رَقِيقًا لكافرٍ في ابْتِدائِه، فإنَّه لم تَثْبُتْ له هذه الغَرَضِيَّةُ. ١٤٠٧ - مسألة: (ولا يُفَرَّقُ في البَيْعِ بينَ ذوى رَحِمٍ مَحْرَمٍ، إلَّا بعدَ الْبُلُوغِ، على إحْدَى الرِّوايَتَيْن) أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ التَّفْرِيقَ بينَ الأُمِّ ووَلَدِها الطِّفْلِ غيرُ جائِزٌ، منهم مالكٌ، والأوْزَاعِىُّ، واللَّيْثُ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْى، وغيرُهم، لِما روَى أبو أَيُّوبَ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ ، يقولُ: «مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا،

стр. 4617

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». قال التِّرْمِذِىُّ (١): هذا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وقال النبىُّ ﷺ : «لَا تُوَلَّهُ (٢) وَالِدَةٌ عَنْ وَلَدِهَا» (٣). قال أحمدُ: لا يُفَرَّقُ بينَ الأُمِّ ووَلَدِها وإن رَضِيَتْ. وذلك، واللَّهُ أَعلمُ، لِما فيه مِن الإِضْرَارِ بالوَلَدِ، ولأنَّ المرأةَ قد تَرْضَى بما فيه ضَرَرُها، ثم يَتَغَيَّرُ قَلْبُها فتَنْدَمُ. ولا يجوزُ التَّفْرِيقُ بينَ الأبِ ووَلدِه. هذا قولُ أصحابِ الرَّأْى، والشافعىِّ. وقال مالكٌ، واللَّيْثُ: يجوزُ. وِبه قال بعضُ الشافعيَّةِ، لأَنَّه ليس مِن أهْلِ الحَضَانَةِ بنَفْسِه، ولأنَّه لا نصَّ فيه، ولا هو في مَعْنَى المنْصُوصِ عليه، لأنَّ الأُمَّ أشْفَقُ منه. ولَنا، أنَّه أحَدُ الأبَوَيْن، أشْبَهَ الأُمَّ، ولا نُسَلِّمُ أنَّه ليس مِن أهْلِ الحضَانَةِ. ولا فَرْقَ بينَ أن يَكُونَ الوَلَدُ بالِغًا أو طِفْلًا، في ظاهِرِ كلامِ الخِرَقِىِّ، وإحْدَى الرِّوايَتَيْن عن أحمدَ، لعُمُومِ الخَبَرِ، ولأنَّ الوالِدَةَ تتضَرَّرُ بمُفَارَقَةِ وَلَدِها الكبيرِ، ولهذا حَرُمَ عليه

стр. 4618

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الجهادُ إلَّا بإذْنِها. والثانيةُ، يَخْتَصُّ تَحْرِيمُ التَّفْرِيقِ بالصَّغِيرِ. وهو قولُ الأكثَرِينَ؛ منهم مالكٌ، والأوْزَاعِىُّ، واللَّيْثُ، وأبو ثَوْرٍ. وهو قولُ الشافعىِّ، لأنَّ سَلَمَةَ بنَ الأكْوَعِ أتَى بامْرأةٍ وابْنَتِها، فنَفَّلَه أبو بكْرِ ابْنَتَها، فاسْتَوْهَبها منه النبىُّ ﷺ ، فوَهَبَها له، ولم يُنْكِرِ التَّفْرِيقَ بينَهما (١). ولأنَّ الأحْرارَ يتفرَّقُونَ بعدَ الكِبَرِ، فإنَّ المرأةَ تُزَوِّجُ ابْنَتَها وتُفارِقُها، فالعَبِيدُ أوْلَى. واخْتَلَفُوا في حَدِّ الكِبَرِ الَّذى يُجَوِّزُ التَّفْرِيقَ، فعن أحمدَ، ﵀: حَدُّه بُلُوغُ الوَلَدِ. وهو قولُ سعيدِ بنِ عبدِ العزِيزِ، وأصحابِ الرَّأْى، وقَوْلٌ للشافعىِّ. وقال مالكٌ: إذا أثْغَرَ. وقال الأوْزَاعِىُّ، واللَّيْثُ: إذا اسْتَغْنَى عن أُمِّه، ونَفَع نفْسَه. وللشافعىِّ قولٌ: إذا صارَ ابنَ سبعٍ أو ثمانٍ. وقال أبو ثَوْرٍ: إذا كان يَلْبَسُ وَحْدَه، ويَتَوَضَّأُ وحدَه؛ لأنَّه إذا كان كذلك، اسْتَغْنَى عن أُمِّه، ولذلك خُيِّرَ الغُلامُ بينَ أُمِّه وأبِيه إذا صار (٢) كذلك، ولأنَّه جازَ التَّفْرِيقُ بينَهما بتَخْييرِه، فجازَ ببَيْعِه وقِسْمَتِه. ولَنا، ما رُوِى عن عُبادَةَ بنِ الصَّامِتِ، أنَّ النبىَّ ﷺ

стр. 4619

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال: «لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا». فقيل: إلى مَتَى؟ قال: «حَتَّى يَبْلُغَ الغُلامُ، وتَحِيضَ الجَارِيَةُ» (١). ولأنَّ مَن دُونَ البُلُوغِ يُوَلَّى عليه، أشْبَهَ الطِّفْلَ. فصل: فإن فُرِّقَ بينَهما بالبَيْعِ، فالبَيْعُ فاسِدٌ. وبه قال الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: يَصِحُّ البَيْعُ؛ لأنَّ النَّهْىَ لِمَعْنًى في غيرِ المَعْقُودِ عليه، فأشْبَهَ البَيْعَ في وقتِ النِّداءِ. ولَنا، ما روَى أبو داودَ، في «سُنَنِه» (٢)، عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه فَرَّقَ بينَ الأُمِّ ووَلَدِها، فنَهاهُ رسولُ اللَّهِ ﷺ عن ذلك، ورَدَّ البَيْعَ. والأصْلُ ممنوعٌ، وما ذكَرُوه لا يَصِحُّ، فإنَّه نَهَى عنه لِما يَلْحَقُ المَبِيعَ مِن الضَّرَرِ، فهو لمعنًى فيه. فصل: والجَدُّ والجَدَّةُ، في تَحْرِيمِ التَّفْرِيقِ بينَهما وبينَ وَلَدِ ولدِهما، كالأبوَيْن؛ لأنَّ الجَدَّ أَبٌ، والجَدَّةَ أُمٌّ، ولذلك يقُومان مَقامَ الأَبَوَيْنِ في اسْتِحْقاقِ الحضانَةِ والمِيراثِ والنَّفَقَةِ، فقاما مَقامَهما في تحْرِيمِ التَّفْرِيقِ.

стр. 4620

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ويسْتَوِى في ذلك الجَدُّ والجَدَّةُ مِن قِبَلِ الأبِ والأمِّ، لأنَّ لهم وِلادَةً ومَحْرَمِيَّةً، فاسْتَوَوْا في ذلك، كاسْتِوائِهم في مَنْعِ شَهادَةِ بَعْضِهم لبَعْضٍ. فصل: ويَحْرُمُ التَّفْرِيقُ بينَ الإِخْوَةِ في القِسْمَةِ والبَيْعِ أيضًا، كما يَحْرُمُ بينَ الوَلَدِ ووالِدِه. وبهذا قال أصحابُ الرَّأْى. وقال مالكٌ، واللَّيْثُ، والشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ: لا يَحْرُمُ، لأنَّها قَرابَةٌ لا تَمْنَعُ قَبولَ شَهادَتِه، فلم يَحْرُمِ التَّفْرِيقُ، كابنِ العَمِّ. ولَنا، ما رُوىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: وَهَب لِى رسولُ اللَّهِ ﷺ غُلامَيْن أخَوَين، فبِعْتُ أحَدَهما، فقال لى رسولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا فَعَلَ غُلَامُكَ؟» فأخْبَرْتُه، فقال: «رُدَّهُ، رُدَّهُ». رَواه التِّرْمِذِىُّ (١)، وقال: حديثٌ حسَنٌ غَرِيبٌ. وروَى عبدُ الرحمنِ بنُ فَرُّوِخٍ، عن أبيه، قال: كتَب إلينا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: لا تُفرِّقُوا بينَ الأَخَوَيْن، ولا بينَ الأُمِّ ووَلدِها في البَيْعِ (٢). ولأنَّه ذو رَحِمٍ مَحْرَمٍ، فحَرُمَ التَّفْرِيقُ بينَهما، كالوالدِ والوَلَدِ. وإنَّما يَحْرُمُ التَّفْرِيقُ بينَهما في حال الصِّغَرِ، وما بعدَه فيه الرِّوايَتان كالأصْلِ. والأَوْلَى الجوازُ؛ لأنَّ النبىَّ ﷺ أُهْدِيَتْ له مارِيَةُ وأُخْتُها سِيرِينُ، فأمْسَكَ

стр. 4621

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مارِيَةَ، ووَهَب سِيرِينَ لحسّان بنِ ثابتٍ (١). فصل: فأمّا سائِرُ الأقارِبِ، فظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ، جَوازُ التَّفْرِيقِ بينَهم. وقال غيرُه مِن أصحابِنا: لا يجوزُ التَّفْرِيقُ بينَ ذَوِى رَحِمٍ مَحْرَمٍ، كالعَمَّةِ مع ابنِ أخِيها، والخالَةِ مع ابنِ أُخْتِها، لِما ذَكَرْنا مِن القِياسِ. والأَوْلَى جوازُ التَّفْرِيقِ؛ لأنَّ الأصْلَ حِلُّ البَيْعِ والتَّفْرِيقِ، ولَاِ يَصِحُّ القياسُ على الإِخْوَةِ، لأنَّهم أقْرَبُ، ولذلك يَحْجُبُونَ غيرَهم عن المِيرَاثِ، وهم أقْرَبُ، فيَبْقَى مَن عداهم على الأصْلِ. فأمَّا مَن ليس بينَهما رَحِمٌ مَحْرَمٌ، فلا يُمْنَعُ مِن التَّفْرِيقِ بينَهم (٢) عندَ أحَدٍ عَلِمْناه؛ لعَدَمِ النَّصِّ فيهم، وامْتِناعِ قِياسِهم على المنْصُوصِ. وكذلك يَجُوزُ التَّفْرِيقُ بينَ الأُمِّ مِن الرَّضاعِ ووَلَدِها، والأُخْتِ وِأخِيها، لمَا ذَكَرْنا، ولأنَّ قَرابَةَ الرَّضاعِ لا تُوجِبُ عِتْقَ أحَدِهما على الآخرِ، ولا نَفَقَةً، ولا مِيراثًا، فأشْبَهَتِ الصَّداقَةَ.

стр. 4622

وَإذَا حَصَرَ الإِمَامُ حِصْنًا، لَزِمَهُ مُصَابَرَتُهُ، إِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهَا. ــ ١٤٠٨ - مسألة: (وَإذَا حَصَرَ الإِمَامُ حِصْنًا، لَزِمَهُ مُصَابَرَتُهُ، إِذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِيهَا) إذا حَصَر الإِمامُ حِصْنًا، لزم مُصابَرَتُه، ولا يَنْصَرِفُ عنه إلَّا بخَصْلَةٍ مِن خِصَالٍ خَمْسٍ؛ أحدُها، أن يُسْلِمُوا، فيُحْرِزُوا بالإِسْلام دماءَهم وأمْوالَهم، لقولِ النبىِّ ﷺ : «أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُوَلُوَا: لَا إِلَهَ إلَّا اللَّه. فإذَا قَالُوها عَصَمُوا مِنِّى دِمَاءَهُمْ وأمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا» (١). الثَّانيةُ، أن يَبْذُلُوا مالًا على المُوادَعَةِ، فيَجُوزَ قَبُولُه منهم، سواءٌ أعْطَوْه جُمْلَةً، أو جَعَلُوه خَراجًا مُسْتَمِرًّا يُؤْخَذُ منهم كلَّ عامٍ. فإن كانوا ممَّن تُقْبَلُ منهم الجِزْيَةُ، فبَذَلُوها، لَزِمَ قَبُولُها منهم،

стр. 4623

فَإِنْ أَسْلَمُوا، أَوْ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ، أَحْرَزَ دَمَهُ وَمَالَهُ وَأَوْلَادَهُ الصِّغَارَ. ــ وحَرُمَ قِتالُهم؛ لقولِه تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (١). فإن بَذَلُوا مالًا على غيرِ وَجْهِ الجِزْيَةِ، فرَأَى المَصْلَحَةَ في قَبُولِه له، قَبِلَه، ولا يَلْزَمُه إذا لم يَرَ المَصْلَحَةَ. الثَّالثةُ، أن يَفْتَحَهُ. الرابعةُ، أن يَرَى المَصْلَحَةَ في الانْصِرافِ، إمّا لضَرَرٍ في الإِقامَةِ، وإمّا لليَأْس منه، أو لغيرِ ذلك، فيَنْصَرِفَ عنهم؛ لما رُوِى أنَّ النبىَّ ﷺ حَاصَرَ أهْلَ الطَّائِفِ، فلم يَنَلْ منهم شيئًا، فقال: «إنَّا قَافِلُونَ إنْ شَاءَ اللَّهُ غَدًا». فقال المُسْلِمُون: أنَرْجِعُ ولم نَفْتَحْه؟ فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ : «اغْدُوا عَلَى القِتَالِ». فَغَدَوْا عليه، فأصابَهم الجِراحُ، فقال لهم رسولُ اللَّهِ ﷺ : «إنَّا قَافِلُونَ غَدًا». فأعْجَبَهم، فقَفَلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ . مُتَّفَقٌ عليه (٢). الخامسةُ، أن يَنْزِلُوا على حُكْمِ حاكمٍ. وسَنذْكُرُه في مَوْضِعه إن شاءَ اللَّهُ. ١٤٠٩ - مسألة: ([فإن أسْلَمُوا، أو] (٣) مَن أسْلَمَ منهم، أَحْرَزَ

стр. 4624

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ دَمَهُ ومالَه وأوْلادَه الصِّغارَ) متى أسْلَمَ أهْلُ الحِصْنِ أو بعْضُهم، أحْرَزَ دَمَه ومالَه وأوْلادَه الصِّغارَ، كما ذَكَر؛ لقولِ النبىِّ ﷺ في الحديثِ المذْكُورِ: «فَقَدْ عَصَمُوا مِنِّى دِمَاءَهُمْ وأمْوَالَهُمْ إلَّا بحَقِّهَا». ويُحْرِزُ أولادَه الصِّغارَ مِن السَّبْى؛ لأنَّهم تَبَعٌ له، ولذلك يُحكَمُ بإسْلامِهم تَبَعًا لإِسْلامِه. وكذلك كلُّ مَن أسْلَمَ في دارِ الحرْبِ. وإن دَخَل دارَ الإِسْلامِ فأسْلَمَ، وله أوْلادٌ صِغارٌ في دارِ الحَرْبِ، صارُوا مُسْلِمِين، ولم يَجُزْ سَبْيُهم. وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، والأوْزَاعِىُّ. وقال أبو حنيفةَ: ما كان في يَدِه مِن مالِه ورَقِيقِه ومَتاعِه ووَلَدِه الصِّغارِ، تُرِكَ له، وما كان مِن أوْلادِه وأمْوالِه بدارِ الحَرْبِ، جازَ سَبْيُهم؛ لأنَّهم لم يَثْبُتْ إسْلامُهم بإسْلامِه، لاخْتِلافِ الدّارَيْن بينَهم، ولهذا إذا سُبِىَ الطِّفْلُ، وأبواه في دارِ الكُفْرِ، لم يَتْبَعْهُما وتَبعَ سابِيَه في الإِسْلامِ، وما كان مِن أرضٍ أو دارٍ، فهو فَىْءٌ، وكذلك زوْجَتُه إذا كانتْ كافِرَةَ، وما في (١) بَطْنِها فَىْءٌ. ولَنا، أنَّ أوْلادَه أوْلادُ مُسْلمٍ، فوَجَبَ أن يَتْبَعُوه في الإِسْلامِ، كما لو كانوا معه في الدَّارِ، ولأنَّ مالَه مالُ مُسْلمٍ، ولا يَجُوزُ اغْتِنامُه، كما لو كان في دارِ الإِسْلامِ، وبذلك يُفارِقُ مالَ الحَرْبِىِّ وأولادَه. وما ذَكَرَه أبو حنيفةَ لا يَلْزَمُ، فإنَّا نَجْعَلُه تَبَعًا للسَّابِى؛ لأنَّا لا نَعْلَمُ بقاءَ أَبَوَيْه. فأمّا أوْلادُه الكِبارُ، فلا يَعْصِمُهم؛ لأنَّهم لا يَتْبَعُونَه، ولا يَعْصِمُ زوْجتَه؛ لذلك، فإن سُبِيَتْ صارَتْ رَقِيقَةً، ولم ينْفَسِخْ نِكاحُه برِقِّها، ولكنْ يَكونُ حُكْمُها في النِّكاحِ وفَسْخِه

стр. 4625

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حُكْمَ ما لو لم تُسْبَ، على ما نَذْكُرُ في نكاحِ أهلِ الشِّرْكِ. فإن كانتْ حامِلًا مِن زَوْجِها، لم يَجُزِ اسْتِرْقاقُ الحَمْلِ، وكان حُرًّا مُسْلِمًا. وبه قال الشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: يُحْكَمُ بِرِقِّه مع أُمِّه؛ لأنَّ ما سَرَى إليه العِتْقُ سَرَى إليه الرِّقُّ، كسائِرِ أعْضائِها. ولَنا، أنَّه مَحْكُومٌ بحُرِّيَّتِه وإسْلامِه، فلم يَجُزِ اسْتِرْقاقُه، كالمُنْفَصلِ، بخِلافِ الأعْضاءِ؛ فإنَّها لا تَنْفَرِدُ عن حُكْمِ الأصْلِ. فصل: إذا أسْلَمَ الحَرْبِىُّ في دارِ الحَرْبِ وله مالٌ وعَقارٌ، أو دَخَل إليها مُسْلِمٌ فابْتاعَ عَقارًا ومالًا، فظهرَ المسْلِمُون على مالِه وعَقارِه، لم يَمْلِكُوه، وكان له. وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ. وقال أبو حنيفةَ: يُغْنَمُ العَقارُ، وأمّا غيرُه، فما كان في يَدِه أو يَدِ مُسْلِمٍ، لم يُغْنَمْ. واحْتَجَّ بأنَّهَا بُقْعَةٌ مِن دارِ الحَرْبِ، فجازَ اغْتِنامُها، كما لو كانتْ لحَرْبِىٍّ. ولَنا، أنَّه مالُ مُسْلِمٍ، فأشْبَهَ ما لو كانتْ في دارِ الإِسْلامِ. فصل: إذا اسْتَأْجَرَ المُسْلِمُ أرْضًا مِن حَرْبِىٍّ، ثم اسْتَوْلَى عليها المُسْلِمُون، فهى غَنِيمَةٌ، ومَنافِعُها للمُسْتَأْجِرِ؛ لأنَّ المنافِعَ مِلْكُ المُسْلِمِ. فإن قيلَ؛ فلِمَ أجَزْتُمُ اسْتِرْقاقَ الكافِرَةِ الحَرْبِيَّةِ إذا كان قد أسْلَمَ زَوْجُها. وفى اسْتِرْقاقِها إبْطالُ حَقِّ زَوْجِها؟ قُلْنا: يَجُوزُ اسْتِرْقاقُها؛ لأنَّها كافِرَةٌ، ولا أمانَ لها، فجازَ اسْتِرْقاقُها، كما لو لم تَكُنْ زَوْجَةَ مُسْلِمٍ، ولا يَبْطُلُ نِكاحُه، بل هو باقٍ، ولأنَّ منْفَعَةَ النِّكاحِ لا تَجْرِى مَجْرَى الأمْوالِ، بدَلِيلِ أنَّها لا تُضْمَنُ باليَدِ، فلا يَجُوزُ أخْذُ العِوَضِ عنها، بخِلافِ حَقِّ
следующие страницы →