← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 6266–6305 · переход к 6271.

стр. 6266

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَتَضَرَّران في تَرْكِ بنائِه. والرِّوايَةُ الثانيةُ، لا يُجْبَرُ. نُقِل عن أحمدَ ما يَدُلُّ على ذلك. وهو أقوَى في النَّظرَ، ومَذْهَبُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه مِلْكٌ لا حُرْمَةَ له في نَفْسِه، فلم يُجْبَرْ مالِكُه على الإِنْفاقِ عليه، كما لو انْفَرَدَ به، ولأنَّه بِناءُ حائِطٍ، فلم يُجْبَرْ عليه، كالابتِداءِ، ولأنَّه لا يَخْلُو؛ إمّا أن يُجْبَرَ على بِنائِه لحَقِّ نَفْسِه، أو لحَقِّ جارِه، أو لهما جميعًا، لا يَجُوزُ أن يُجْبَرَ لحَقِّ نَفْسِه، بدَلِيلِ ما لو انْفَرَدَ به، ولا لحَقِّ غيرِه، كما لو انْفَرَدَ به جارُه، وإذا لم يَكُنْ واحِدٌ منهما مُوجَبًا عليه، فكذلك إذا اجْتَمَعَا. وفارَقَ القِسْمَةَ، فإنَّها دَفْع للضَّرَرِ عنهما بما لا ضَرَرَ فيه، والبِناءُ فيه ضَرَرٌ؛ لِما فيه مِن الغَرامَةِ وإنْفاقِ مالِه، ولا يَلْزَمُ مِن إجْبارِه على إزالةِ الضَّرَرِ بما لا ضَرَرَ فيه، إجْبارُه على إزالتِه بما فيه ضَرَرٌ، بدَلِيلِ قِسْمةِ ما في قِسْمَتِه ضَرَرٌ. ويُفارِقُ هَدْمَ الحائِطِ إذا خِيفَ سُقُوطُه؛ لأنَّه يَخافُ سُقُوطَه على ما يُتْلِفُه،

стр. 6267

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فيُجْبَر على ما يُزِيل ذلك، ولذلك (١) يُجْبَر عليه وإنِ انْفَرَدَ بالحائِطِ، بخِلافِ مَسْألَتِنا. ولا نسَلِّمُ أنَّ في تَرْكِه إضْرارًا، فإنَّ الضَّرَرَ إنَّما حَصَل بانْهِدامِه، وإنَّما تَرْكُ البِناءِ تَرْكٌ لِما يَحْصُل النَّفْع به، وهذا لا يُمْنَغ الإِنْسان منه، بدَلِيلِ حالةِ الابتِداءِ. وإن سَلَّمْنا أنَّه إضْرارًا، لكنْ في الإِجْبارِ إضْرارٌ، ولا يُزالُ الضَّرَرُ بالضَّرَرِ، ولأنَّه قد يكونُ المُمْتَنِعُ لا نَفْعَ له في الحائِطِ، أو يكونُ الضَّرَرُ عليه أكثَرَ مِن النَّفْعِ، أو يكون مُعْسِرًا ليس معه شيءٌ، فيُكَلَّفُ الغرَامَةَ مع عَجْزِه عنها.

стр. 6268

لَكِنْ لَيسَ لَهُ مَنْعُهُ مِنْ بِنَائِهِ. فَإِنْ بَنَاهُ بِآلَتِهِ، فَهُوَ بَينَهُمَا، وَإنْ بَنَاهُ بِآلَةٍ مِنْ عِنْدِهِ، فَهُوَ لَهُ، وَلَيسَ لِلْآخَرِ الانْتِفَاع بِهِ. فَإِنْ طَلَبَ ذَلِكَ، خُيِّرَ الْبَانِي بَينَ أَخذِ نِضفِ قِيمَتِهِ مِنْهُ وَبَينَ أَخْذِ آلَتِهِ. ــ ١٨٩٩ - مسألة: (وليس له مَنْعُه مِن بِنائِه) يَعْنِي على الرِّوايَةِ التي تَقُولُ: لا يُجْبَرُ المُمْتَنِعُ إذا أراد شَرِيكُه البِناءَ. فليس له مَنْعُه، لأنَّ له حَقًّا في الحَمْلِ وَرَسْمًا، فلا يَجُوزُ مَنْعُه منه. ١٩٠٠ - مسألة: (فإن بَناه بآلَتِه، فهو بينَهما، وإن بَناهُ بآلَةٍ مِن عندِه، فهو له، وليس للآخَرِ الانْتِفاعُ به. فإن طَلَبَ الانْتِفاعَ به، خُيِّرَ البانِي بينَ أخْذِ نِصْفِ قِيمَتِه وبينَ أخْذِ آلَتِه) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ

стр. 6269

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ للشَّرِيكِ بِناءَ الحائِطِ بأنْقاضِه، وله بِناؤُه بآلَةٍ مِن عندِه، فإن بَناهُ بآلَتِه وأنْقاضِه، فهو بينَهما (١) على الشَّرِكَةِ، كما كان؛ لأنَّ المُنْفَقَ إنَّما أُنْفِقَ على التّالفِ، وذلك أثَرٌ لا عَين يَمْلِكُها. وإن بَناه بآلَةٍ [مِن عندِه] (٢)، فالحائِطُ مِلْكُه خاصَّةً، وله مَنْعُ شَرِيكِه مِن الانْتِفاعِ به، ومِن وَضْعِ خَشَبِه ورُسُومِه عليه؛ لأنَّ الحائِطَ له. فإن أراد نَقْضَه وكان بَناه بآلَتِه، فليس له نَقْضُه؛ لأنَّه مِلْكُهما، فلم يكن له التَّصَرُّفُ فيه بما فيه مَضَرّةٌ عليهما. وإن كان بَناه بآلَةٍ مِن عندِه، فله نقْضُه؛ لأنَّه يَخْتَصُّ بمِلْكِه. فإن قال شَرِيكُه: أنا أدْفَعُ إليك نِصْفَ قِيمةِ البِناءِ ولا تَنْقُضْهُ. لم يُجْبَرْ؛ لأنَّه لَمّا لم يُجْبَرْ على البِناءِ، لم يُجْبَرْ على الإِبقاءِ. وإن أراد غيرُ البانِي نَقْضَه، وإجْبارَ بانِيه على نَقْضِه، لم يكنْ له ذلك على كِلْتا الرِّوايَتَينِ؛ لأنَّه إذا لم يَمْلِكْ مَنْعَه مِن بِنائِه، [فلَأنْ لا] (٣) يَمْلِكَ إجْبارَه على نَقْضِه أوْلَى. فإن كان له

стр. 6270

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على الحائِطِ رَسْمُ انْتِفاعٍ، أو وَضْع خِشَبٍ، قال له: إمّا أن تَأْخُذَ مِنِّي نِصْفَ قِيمَتِه، وتُمَكِّنَنِي مِن انْتِفاعِي، وإمّا أن تَقْلَعَ حائِطَك، لنُعِيدَ البِناءَ بينَنا (١). فيَلْزَمُ الآخَرَ إجابَتُه؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ إبْطال رُسُومِه وانْتِفاعِه ببِنائِه، وإن لم يُرِدْ الانْتِفاعَ به، فطالبَه الثانِي بالغَرامَةِ أو القِيمَةِ، لم يَلْزَمْه ذلك؛ لأنَّه إذا لم يُجْبَرْ على البِناءِ، فأوْلَى أن لا يُجْبَرَ على الغَرامَةِ، إلَّا أن يَكُونَ قد أذنَ في البِناءِ والإنْفاقِ، فيَلْزَمُه ما أَذنَ فيه. فأمّا على الرِّوايَةِ الأولَى، فمتى امْتَنَعَ، أجْبَرَه الحاكِمُ على ذلك، فإن لم يَفْعَلْ، أخَذَ الحاكِمُ مِن مالِه وأنْفَقَ عليه، وإن لم يكنْ له مالٌ، فأنْفَقَ عليه الشَّرِيكُ بإذْنِ الحاكِمِ، أو إذْنِ الشرِيكِ، رَجَع عليه متى قَدَر. وإذا أراد بِناءَه، لم يَمْلِكِ الشَّرِيكُ مَنْعَه. وما أَنْفَقَ؛ إن تَبَرَّعَ به، لم يَكُنْ له الرُّجُوعُ به، وإن نَوَى الرُّجُوعَ به، فهل له الرُّجُوعُ بذلك؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَينِ، بناءً على ما إذا قَضَى دَينَه بغيرِ إذْنِه. وإن بَناه لنَفْسِه بآلَتِه، فهو بينَهما، وإن بَناه بآلَةٍ مِن عندِه فهو له خاصَّة. فإن أراد نَقْضَه فله ذلك، إلَّا أن يَدْفَعَ إليه شَرِيكُه نِصْفَ قِيمَتِه، فلا يَكُونُ له نَقْضُه؛ لأنَّه إذا أُجْبِرَ على بِنائِه، فأوْلَى أن يُجْبَرَ على إبْقائِه.

стр. 6271

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإن لم يَكُنْ بينَ مِلْكَيهما حائِطٌ، فطَلَبَ أحَدُهما مِن الآخَرِ أن يَبْنِيا حائِطًا يَحْجِزُ بينَ مِلْكَيهما، لم يُجْبَرِ الآخَرُ عليه. رِوايَةً واحِدَةً. فإن أراد البِناءَ وَحْدَه، فليس له إلَّا في مِلْكِه، لأنَّه لا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ في مِلْكِ جارِه المُخْتَصِّ به، ولا في المِلْكِ المُشْتَرَكِ بغيرِ ما له فيه رَسْمٌ، وهذا لا رَسْمَ له فيه.

стр. 6272

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإن كان السُّفْلُ لرجلٍ، والعُلْوُ لآخَرَ، فانْهَدَمَ السَّقْفُ الذي بينَهما، فطَلَبَ أحَدُهما المُباناةَ مِن الآخَرِ، فامْتَنَعَ، فهل يُجْبَرُ؟ على رِوايَتَين، كالحائِطِ بينَ البَيتَينِ. وللشافعيِّ فيه قَوْلان. فإنِ انْهَدَمَتْ حِيطانُ السُّفْلِ، فطالبَه صاحِبُ العُلْو بإعادَتِها، ففيه رِوايَتان؛ إحْداهما، يُجْبَرُ. وهو قولُ مالِكٍ، وأبي ثَوْرٍ، وأحَدُ قَوْلَىٍ الشافعيِّ. فعلى هذه الرِّوايَةِ، يُجْبَرُ على البِناءِ وَحْدَه؛ لأنَّه مِلْكُه خاصَّة. والثانيةُ، لا يُجْبَرُ. وهو قولُ أبي حنيفةَ. وإن أراد صاحِبُ العُلْو بناءَه، لم يُمْنَعْ مِن ذلك، على الرِّوايَتَين جَمِيعًا. فإن بَناه بآلَتِه، فهو على ما كان، وإن بَناه بآلَةٍ مِن عندِه، فقد رُوِيَ عن أحمدَ، لا يَنْتَفِعُ به صاحِبُ السُّفْلِ. يَعْنِي حتى يُودِّيَ القِيمَةَ. فيَحْتَمِلُ أنَّه لا يَسْكُنُ. وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ البَيتَ إنَّما يُبْنَى للسُّكْنَى، فلم يَمْلِكْه كغيرِه. ويحْتَمِلُ أنَّه أراد الانْتِفاعَ

стр. 6273

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بالحِيطانِ خاصَّةً؛ مِن طَرْحِ الخَشَبِ، وسَمْرِ الوَتِدِ، وفَتْحِ الطّاقِ، وتَكُونُ له السُّكْنَى مِن غيرِ تصَرُّفٍ في مِلْكِ غيرِه. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ السُّكْنَى إنَّما هي إقامَتُه في فِناءِ الحِيطانِ مِن غيرِ تَصَرُّفٍ فيها، أشْبَهَ الاسْتِظْلال بها مِن خارجٍ. فأمّا إن طالبَ صاحِبُ السُّفْلِ بالبِناءِ، وأبَى صاحِبُ العُلْو، ففيه رِوايَتان؛ إحْداهُما، لا يُجْبَرُ على بِنائِه، ولا مُساعَدَتِه. وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّ الحائِطَ مِلْكُ صاحِبِ السُّفْلِ، فلم يُجْبَرْ غيرُه على بِنائِه، ولا المُساعَدَةِ فيه، كما لو لم يَكُنْ عليه عُلْوٌ. والثانيةُ، يُجْبَرُ على مُساعَدَتِه والبِناءِ معه. وهو قولُ أبي الدَّرْداءِ؛ لأنَّه حائِطٌ يَشتَرِكان في الانْتِفاعِ به، أشْبَهَ الحائِطَ بينَ الدّارَين. فصل: فإن كان بينَ البَيتَين حائِطٌ لأحَدِهما، فانْهَدَمَ، فطَلَبَ أحَدُهما مِن الآخَرِ بِناءَه، أو المُساعَدَةَ في بِنائِه، لم يُجْبَرْ؛ لأنَّه إن كان المُمْتَنِعُ مالِكَه، لم يُجْبَرْ على بِناءِ مِلْكِه المُخْتَصِّ به، كحائِطِ الآخَرِ، وإن كان المُمْتَنِعُ الآخَرَ، لم يُجْبَرْ على بِناءِ مِلْكِ غيرِه، ولا المُساعَدَةِ فيه. ولا

стр. 6274

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَلْزَمُ على هذا حائِطُ السُّفْلِ، حيث يُجْبَرُ صاحِبُه على بِنائِه، مع اخْتِصاصِه بمِلْكِه؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّ صاحِبَ العُلْو مَلَكَه مُسْتَحِقًّا لإِبقائِه على حِيطانِ السُّفْلِ دائِمًا، فلَزِمَ صاحِبَ السُّفْلِ تَمْكِينُه ممّا يَسْتَحِقُّه، وطَرِيقُه البِناءُ، فلذلك وَجَب، بخِلافِ مَسْألتِنا. وإن أراد صاحِبُ الحائِطِ بناءَه، أو نَقْضَه بعدَ بِنائِه، لم يكُنْ لجارِه مَنْعُه؛ لأنَّه مِلْكُه خاصَّةً. وإن أَراد جارُه بِناءَه، أو نَقْضَه، أو التَّصَرُّفَ فيه، لم يَمْلِكْ ذلك؛ لأنَّه لا حَقَّ له فيه.

стр. 6275

وَإنْ كَانَ بَينَهُمَا نَهْرٌ، أوْ بِئْرٌ، أوْ دُولَابٌ، أو نَاعُورَةٌ، أَوْ قَنَاةٌ، وَاحْتَاجَ إلَى عِمَارَةٍ، فَفِي إِجْبَارِ الْمُمْتَنِعِ رِوَايَتَانِ. ــ فصل: ومتى هَدَم أحَدُ الشَّرِيكين الحائِطَ المُشْتَرَكَ، أو السَّقْفَ الذي بينَهما، نَظرتَ، فإن خِيفَ سُقُوطُه، ووَجَبَ هَدْمُه، فلا شيءَ على هادِمِه، ويكونُ كما لو انْهَدَمَ بنَفْسِه؛ لأنَّه فَعَل الواجِبَ، وأزال الضَّرَرَ الحاصِلَ بسُقُوطِه. وإن هَدَمَه لغيرِ ذلك، فعليه إعادَتُه، سَواءٌ (١) هَدَمَه لحاجَةٍ أو غيرِها، وسَواء الْتَزَمَ إعادَتَه أو لم يَلْتَزِمْ؛ لأنَّ الضَّرَرَ حَصَل بفِعْلِه، فلَزِمَه إزالتُه (٢). فصل: فإنِ اتَّفَقا على بِناءِ الحائِطِ المُشْتَرَكِ بينَهما نِصْفَين، ومِلْكُه بينَهما الثُّلُثُ والثُّلُثان، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه يُصالِحُ عن بعضِ مِلْكِه ببعض، فلم يَصِح، كما لو أقَرَّ له بدارٍ فصالحَه على سُكْناها. ولو اتَّفَقا على أن يُحَملَه كلُّ واحِدٍ منهما ما شاء، لم يَجُزْ؛ لجَهالةِ الحِمْلِ، فإنَّه يُحَمِّلُه مِن الأثْقالِ ما لا طاقَةَ له بحَمْلِه. وإنِ اتَّفَقا على أن يكونَ بينَهما نِصْفَين، جاز. ١٩٠١ - مسألة: (وإن كان بينَهما نَهْرٌ، أو بِئْرٌ، أو دُولابٌ (٣)، أو ناعُورَةٌ، أو قَناةٌ، فاحْتاجَ إلى عِمارةٍ، ففي إجْبارِ المُمْتَنِعِ رِوايَتان)

стр. 6276

وَلَيسَ لأحَدِهِمَا مَنْعُ صَاحِبِهِ مِنْ عِمَارَتِهِ، فَإِذَا عَمَرَهُ، فَالْمَاءُ بَينَهُمَا عَلَى الشَّرِكَةِ. ــ بِناءً على الحائطِ المُشْتَرَكِ إذا انْهَدَمَ. وحُكِيَ عن أبي حنيفةَ، أنَّه يُجْبَرُ ههُنا على الإِنْفاقِ؛ لأنَّه لا يَتَمَكَّنُ شَرِيكُه مِن مُقاسَمَتِه، فيَتَضَرَّرُ، بخِلافِ الحائطِ، فإنَّه يُمْكِنُهما قِسْمَةُ العَرْصةِ. قال شيخُنا (١): والأوْلَى التَّسْويةُ؛ لأنَّ في قِسْمةِ العَرْصةِ إضْرارًا بهما، والإِنْفاقُ أرْفَقُ بهما، فكانا سَواءً. ١٩٠٢ - مسألة: (وليس لأحَدِهما مَنْعُ صاحِبِه مِن عِمارَتِه كالحائِطِ، فإن عَمَرَه، فالماءُ بينَهما على الشَّرِكَةِ) أمّا الدُّولابُ

стр. 6277

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والنّاعُورةُ، فالحُكْمُ فيه كالحُكْمِ في الحائِطِ، على ما ذَكَرْناه. وأمّا النَّهْرُ والبئْرُ، فلكلِّ واحِدٍ منهما الإِنْفاقُ عليه، وإذا أنْفَقَ عليه، لم يَكُنْ له مَنْعُ الآخَرِ مِن نَصِيبِه مِن الماءِ؛ لأنَّه يَنْبُعُ مِن مِلْكِهما، وإنَّما أثَّرَ أحَدُهما في نَقْلِ الطِّينِ منه، وليس له فيه عَينُ مالٍ، فأشْبَهَ الحائِطَ إذا بَناه بآلَتِه، والحُكْمُ في الرُّجُوجِ بالنَّفَقةِ، حُكْمُ الرُّجُوعِ في النَّفَقةِ على الحائطِ، على ما مَضَى.

стр. 6278

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وليس للرجلِ التَّصرُّفُ في مِلْكِه بما يَضُرُّ [به جارَه] (١)، نحوَ أن يَبْنِيَ حَمّامًا بينَ الدُّورٍ، أو يَفْتَحَ خَبّازًا بينَ العَطّارِين، أو يَجْعَلَه دُكّانَ قِصارَةٍ يَهُزُّ الحِيطانَ ويُخرِّبُها، أو يَحْفِرَ بِئْرًا إلى جانِب بِئْرِ جارِه يَجْتَذِبُ ماءَها. وبهذا قال بعضُ الحَنَفِيَّةِ. وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى: لا يُمْنَعُ. وبه قال الشافعيُّ، وبعضُ الحَنَفِيَّةِ؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ في مِلْكِه المُخْتَصِّ به، ولم يَتَعَلَّقْ به حَقُّ غيرِه، فلم يُمْنَعْ منه، كما لو طَبَخ في دارِه أو خَبَز فيها. وسَلَّمُوا أنَّه يُمْنَعُ مِن الدَّقِّ الذي يَهْدِمُ الحِيطانَ ويَنْثِرُها. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : «لَا ضَرَرَ وَلَا إضْرَارَ» (٢). ولأنَّ هذا إضْرارٌ بجِيرانِه، فمُنِعَ منه، كالذي سَلَّمُوه، وكسَقْي الأرْضِ الذي يَتَعَدَّى إلى هَدْمِ حائِطِ جارِه، أو إشْعالِ نارٍ يتَعَدَّى إلى إحْراقِه. قالُوا: ها هنا تَعَدَّتِ النّارُ التي أضْرَمَها، والماءُ الذي أرْسَلَه، فكان مُرْسِلًا لذلك في مِلْكِ غيرِه، أشْبَهَ ما لو أرْسَلَه إليها قَصْدًا. قُلْنا: والدُّخَانُ (٣) هو أجْزاءُ الحَرِيقِ الذي أحْرَقَه، فكان مُرْسِلًا له في مِلْكِ جارِه، فهو كالمارِ والماءِ، وأمّا دُخَانُ الخَبْزِ والطَّبِيخِ، فإنَّ ضَرَرَه يَسِيرٌ، ولا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه، وتَدْخُلُه المُسامَحَة.

стр. 6279

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإن كانَ سَطْحُ أحَدِهما أعْلَى مِن سَطْحِ الآخَرِ، فليس لصاحِبِ الأعْلَى الصُّعودُ على سَطْحِه على وَجْهٍ يُشْرِفُ على سَطْحِ جارِه، إلَّا أن يَبْنِيَ سُتْرَة تَسْتُرُه. وقال الشافعيُّ: لا يَلْزَمُه سَتْرُه؛ لأنَّ هذا حاجِزٌ بينَ مِلْكَيهما، فلم يُجْبرْ أحَدُهما عليه، كالأسْفَلِ. ولَنا، أنَّه إضْرارٌ بجارِه، فمُنِعَ منه، كدَقٍّ يَهُزُّ الحِيطانَ، وذلك أنَّه يَكْشِفُ جارَه، ويَطَّلِعُ

стр. 6280

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ على حُرَمِه، فأشْبَهَ ما لو اطَّلَعَ إليه (١) من صِيرِ بابِه أو خَصاصِه (٢)، وقد دَلَّ على المَنْعِ مِن ذلك قولُ النبيِّ ﷺ : «لَوْ أنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ إلَيكَ، فحَذَفْتَه بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْتَ عَينَه، لَمْ يَكُنْ عَلَيكَ جُنَاحٌ» (٣). ويُفارِقُ الأسْفَلَ؛ فإنَّ تَصَرُّفَه لا يَضُرُّ بالأعْلَى، ولا يَكْشِفُ دارَه.

стр. 6281

كِتَابُ الْحَجْر وَهُوَ عَلَى ضَرْبَينِ؛ حَجْرٌ لِحَقِّ الْغَيرِ، نَذْكُرُ. مِنْهُ ــ كِتَابُ (١) الحَجْر الحَجْرُ في اللُّغَةِ: المَنْعُ والتَّضْيِيقُ. ومنه سُمِّيَ الحَرامُ حِجْرًا، قال اللهُ تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا﴾ (٢). أي حَرامًا مُحَرَّمًا. ويُسَمَّى العَقْلُ حِجْرًا، قال اللهُ تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ (٣). أي عَقْلٍ، سُمِّيَ حِجْرًا؛ لأنَّه يَمْنَعُ صاحِبَه مِن ارْتكابِ ما يَقْبُحُ. وهو في الشَّرْعِ: مَنْعُ الإِنْسانِ مِن التَّصَرُّفِ في مالِه. ١٩٠٣ - مسألة: (وهو على ضَرْبَين) حَجْرٌ على الإنْسَانِ لحَظِّ نَفْسِه، و (حَجْرٌ لحَقِّ غيرِه) كالحَجْرِ على المَرِيضِ في التبَّرُّعِ بما زاد على الثُّلُثِ لحَقِّ الوَرَثَةِ، وعلى العَبْدِ والمُكاتَبِ لحَقِّ السَّيِّدِ، والرَّاهِنُ يُحْجَرُ عليه في الرَّهْنِ لحَقِّ المُرْتَهِنِ. ولهؤلاءِ أبْوابٌ يُذْكَرُون فيها. ومِن

стр. 6282

هَهُنَا الْحَجْرَ عَلَى الْمُفْلِسِ. ــ ذلك (الحَجْرُ على المُفْلِسِ) لحَقِّ الغُرَماءِ، وهو المَذْكُورُ ههُنا. والمُفْلِسُ: هو الذي لا مال له، ولا ما يَدْفَعُ به حاجَتَه؛ ولهذا لَمّا قال النبيُّ ﷺ لأصْحابِه: «أتَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ؟». قالُوا: يا رسولَ اللهِ، المُفْلِسُ فينَا مَن لا دِرْهَمَ له ولا مَتاعَ. قال: «لَيسَ ذَلِكَ الْمُفْلِسَ، وَلَكِنَّ الْمُفْلِسَ مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بحَسَناتٍ أمْثَالِ الجِبالِ، ويَأْتِي وَقَدْ ضَرَبَ هَذا، وَلَطَمَ هذَا، [وأكلَ مال هذا] (١)، وأخَذَ مِنْ عِرْضِ هَذَا، فَيَأخُذُ هَذَا مِنْ حَسَناتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإنْ بَقِيَ عَلَيهِ شَيْءٌ أخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ فَرُدَّ عَلَيهِ، ثُمَّ صُكَّ لَهُ صَكٌّ إلى النَّارِ». أخْرَجَه مسلمٌ بمعْناه (٢). فقَوْلُهم

стр. 6283

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذلك إخْبارٌ عن حَقِيقَةِ المُفْلِسِ، وقولُ النبيِّ ﷺ : «لَيسَ ذَلِكَ (١) المُفْلِسَ». تَجَوُّزٌ لم يُرِدْ به نَفْيَ الحَقِيقَةِ، بل أراد أن فَلَسَ الآخِرَةِ أشَدُّ وأعْظَمُ؛ بحيث يَصِيرُ مُفْلِسُ الدُّنْيا بالنِّسْبَةِ إليه كالغَنيِّ. ونَحْوُ هذا قَوْلُه ﵊: «لَيسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَغْلِبُ نَفْسَهُ عِنْدَ ألْغَضَبِ» (٢). وقَوْلُه: «لَيسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، إنَّمَا الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ» (٣). ومنه قولُ الشّاعِرِ (٤): لَيسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَاحَ بِمَيْتٍ ... إنَّمَا المَيتُ مَيِّتُ الأحْيَاء قِيلَ: إنَّما سُمِّيَ هذا مُفْلِسًا؛ لأنَّه لا مال له إلَّا الفُلُوسَ، وهي أَدْنَى أنْواعِ المالِ. والمُفْلِسُ في عُرْفِ الفُقَهاءِ: مَن دَينُه أكْثَرُ مِن مالِه. وسَمَّوْه مُفْلِسًا وإن كان ذا مالٍ؛ لأنَّ ماله مُسْتَحَقُّ الصَّرْفِ في جِهَةِ دَينِه، فكأنَّه مَعْدُومٌ. وقد دَلَّ عليه تَفْسِيرُ النبيِّ ﷺ مُفْلِسَ الآخِرَةِ، فإنَّه أخْبَرَ أنَّ له حَسَناتٍ أمثال الجِبالِ، لكنَّها لا تَفِي بما عليه، فقُسِمَتْ بينَ الغُرَماءِ،

стр. 6284

وَمَنْ لَزِمَهُ دَينٌ مُؤجَّلٌ، لَمْ يُطَالبْ بِهِ قَبْلَ أجَلِهِ، وَلَمْ يُحْجَرْ عَلَيهِ مِنْ أجْلِهِ. فَإِنْ أرَادَ سَفَرًا يَحِلُّ الدَّينُ قَبْلَ مُدَّتِهِ، فَلِغَرِيمِهِ مَنْعُهُ، إلا أَنْ يُوَثِّقَهُ بِرَهْنٍ أوْ كَفِيلٍ. ــ وبَقِيَ لا شيءَ له. ويَجُوزُ أن يَكونَ سُمِّيَ بذلك؛ لِما يَئُولُ إليه مِن عَدَمِ مالِه بعدَ وَفاءِ دَينِه. ويَجُوزُ أن يكُونَ سُمِّيَ بذلك؛ لأنَّه يُمْنَعُ مِن التَّصَرُّفِ في مالِه، إلا الشئَ التّافِهَ الذي لا يَعِيشُ إلَّا به، كالفُلُوسِ. ١٩٠٤ - مسألة: (ومَنْ لَزِمَه دَينٌ مُوجَّلٌ، لم يُطالبْ به قبلَ أجَلِه) لأنَّه لا يَلْزَمُه أداؤُه (ولم يُحْجَرْ عليه مِن أجْلِه) لأنَّه لا يَسْتَحِقُّ المُطالبَةَ به، فلم يَجُزْ مَنْعُه مِن التَّصَرُّفِ في مالِه بسَبَبِه. فإن كان بعضُ دَينِه مُؤَجَّلًا، وبعضُه حالًّا، وكان مالُه يَفِي بالحالِّ، لم يُحْجَرْ عليه أيضًا. وقال بعضُ أصْحابِ الشافعيِّ: إن ظَهَرَتْ أماراتُ الفَلَسِ؛ لكَوْنِ مالِه بإزاء دَينِه، ولا نَفَقَةَ له إلَّا مِن مالِه، حُجِر عليه في أحَدِ الوَجْهَينِ؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّ ماله يَعْجِزُ عن دُيُونِه، فهو؛ لو كان مالُه ناقِصًا. ولَنا، أنَّ ماله وافٍ بما يَلْزَمُه أداؤُه، فلم يُحْجَرْ عليه، كما لو لم تَظْهَرْ أماراتُ الفَلَسِ، ولأنَّ الغُرَماءَ لا يُمكِنُهم طَلَبُ حُقُوقِهم في الحالِ، فلا حاجَةَ إلى الحَجْرِ. ١٩٠٥ - مسألة: (فإن أراد سَفَرًا يَحِل الدَّينُ قبلَ مُدَّتِه، فلِغَرِيمِه مَنْعُه، إلَّا أن يُوَثِّقَهُ برَهْنٍ أو كَفِيلٍ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ المَدِينَ إذا أراد

стр. 6285

وَإِنْ كَانَ لَا يَحِلُّ قَبْلَهُ، فَفِي مَنْعِهِ رِوَايَتَانِ. ــ السَّفَرَ، وأراد غَرِيمُه مَنْعَه، نَظَرْنا؛ فإن كان مَحِلُّ الدَّينِ قبلَ مَحِلِّ قُدُومِه مِن السَّفَرِ، كمَن يُسافِرُ إلى الحَجِّ لا يَقْدَمُ إلا في صَفَر، ودَينُه يَحِلُّ في المُحَرَّمِ، فله مَنْعُه مِن السَّفَرِ؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا في تَأْخِيرِ حَقِّه عن مَحِلِّه. فإن أقام ضَمِينًا مَلِيئًا، أو دَفَع رَهْنًا يَفِي بالدَّينِ عندَ المَحِلِّ، فله السَّفَرُ؛ لزَوالِ الضَّرَرِ بذلك. ١٩٠٦ - مسألة: (فإن كان لا يَحِلُّ) الدَّينُ (قبلَه، ففي مَنْعِه رِوايَتانِ) أمّا إذا كان الدَّينُ لا يَحِلُّ إلَّا بعدَ مَحِلِّ السَّفَرِ، مثلَ أن يَكُونَ مَحِلُّه في رَبِيعٍ، وقُدُومُه في صَفَر، فإن كان سَفَرُه إلى الجِهادِ، فلغَرِيمِه مَنْعُه إلَّا بضَمِينٍ أو رَهْنٍ؛ لأنَّه سَفَرٌ يَتَعَرضُ فيه لذَهَابِ النَّفْسِ، فلا يَأْمَنُ فواتَ الحَقِّ. وإن كان لغيرِ الجِهادِ، فليس له مَنْعُه، في إحْدَى الرِّوايَتَينِ. وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ؛ لأن هذا السَّفَرَ ليس بأمارةٍ على مَنْعِ الحَقِّ في مَحِلِّه، فلم يَمْلِكْ مَنْعَه منه، كالسَّفَرِ القَصِيرِ، وكالسَّعْي إلى الجُمُعَةِ. والثانيةُ، له مَنْعُه؛ لأنَّ قُدُومَه عندَ المَحِلِّ غيرُ

стр. 6286

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مُتَيَقَّنٍ ولا ظاهِرٍ، فمَلَكَ مَنْعَه منه، كالأوَّلِ. وقال الشافعيُّ: ليس له مَنْعُه مِن السَّفَرِ ولا المُطالبَةُ بكَفِيلٍ، إذا كان الدَّينُ مُؤَجَّلًا، بحالٍ، سَواءٌ كان الدَّينُ يَحِلُّ قبلَ مَحِلِّ سَفَرِه أو لا، إلى الجِهادِ أو إلى غيرِه؛ لأنَّه لا

стр. 6287

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَمْلِكُ المُطالبَةَ بالدَّينِ، فلم يَمْلِكْ مَنْعَه مِن السَّفَرِ ولا المُطالبَةَ بكَفيلٍ، كالسَّفَرِ الآمِنِ القَصِيرِ. ولَنا، أنَّه سَفَرٌ يَمْنَعُ اسْتِيفاءَ الدَّينِ في مَحِلِّه، فمَلَكَ مَنْعَه منه إذا لم يُوَثِّقْه برَهْنٍ أو كَفِيلٍ، كالسَّفَرِ بعدَ حُلُولِ الحَقِّ، ولأنَّه لا يَمْلِكُ تَأْخِيرَ الدَّينِ عن مَحِله، وفي السَّفَرِ المُخْتَلَفِ فيه تَأْخِيرُه عن مَحِلِّه، فلم يَمْلِكْ، كجَحْدِه (١).

стр. 6288

وَإنْ كَانَ حَالًّا، وَلَهُ مَالٌ يَفِي بِهِ، لَمْ يُحْجَرْ عَلَيهِ، وَيَأْمُرُهُ الْحَاكِمُ بِوَفَائِهِ، فَإِنْ أَبَى حَبَسَهُ. ــ ١٩٠٧ - مسألة: (وإن كان حالًّا، وله مالٌ يَفِي به، لم يُحْجَرْ عليه) لعَدَمِ الحاجَةِ إلى ذلك (ويَأْمُرُه الحَاكِمُ بوَفائِه، فإن أبَى حَبَسَه) لقَوْلِ رسولِ اللهِ ﷺ : «لَيُّ الْوَاجِدِ، يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَه». رَواهُ [الإِمامُ أحمدُ في «المُسْنَدِ»] (١) فعُقُوبَتُه حَبْسُه، وعِرْضُه أن يُغْلِظَ له، فيَقُولُ له: يا ظالِمُ، يا مُتَعَدِّي. ونحوَ ذلك.

стр. 6289

فَإِنْ أَصَرَّ، بَاعَ مَالهُ، وَقَضَى دَينَهُ. ــ ١٩٠٨ - مسألة: (فإن أصَرَّ باعَه الحاكِمُ وقَضَى دَينَه) وجُمْلته، أنَّ الغَرِيمَ إذا حُبِس فصَبَرَ على الحَبْسِ، ولم يَقْضِ الدَّينَ، قَضَى الحاكِمُ دَينَه مِن مالِه. وإنِ احْتاجَ إلى بَيعِ مالِه قى قَضاءِ دَينِه، باعَه وقَضَى دَينَه. وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ، وأبي يُوسُفَ، ومحمدٍ. وقال أبو حنيفةَ: ليس

стр. 6290

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ للحاكِمِ بَيعُ مالِه، لكنَّه يُجْبِرُه على البَيعِ إذا لم يُمْكِنِ الإِيفاءُ بدُونِه، فإنِ امْتَنَعَ لم يَبِعْه الحاكِمُ، وإنَّما يَحْبِسُه ليَبِيعَ بنَفْسِه، إلَّا أن يكُونَ عليه أحِدُ النَّقْدَينِ، ومالُه مِن النَّقْدِ الآخَرِ، فيَدْفَعُ أحَدَ النَّقْدَين عن الآخَرِ؛ لأنَّه رَشِيدٌ لا ولايةَ عليه، فلم يَجُزْ بَيعُ مالِه بغيرِ إذْنِه، كالذي لا دَينَ عليه. ولَنا، [ما روَى كَعْبُ بنُ مالِكٍ] (١)، أنَّ النبيَّ ﷺ حَجَر على مُعاذٍ، وباع ماله في دَينِه. رَواه الخَلَّالُ بإسْنادِه (٢). ورُوِيَ عن عُمَرَ، ﵁، أنَّه خَطَبَ النّاسَ، وقال: ألا إنّ أُسَيفِعَ جُهَينَةَ قد رَضِيَ مِن دِينِه

стр. 6291

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وأمانَتِه بأن يُقال: سَبَقَ الحاجَّ. فادّانَ مُعْرِضًا، فأصْبَحَ وقد رِينَ به (١)، فمَن كان له عليه مالٌ فليَحْضُرْ غَدًا، فإنّا بائِعو مالِه وقاسِمُوه بينَ غُرَمائِه (٢). ولأنَّه مَحْجُورٌ عليه، مُحْتاجٌ إلى قَضاءِ دَينِه، فجازَ بَيعُ مالِه بغيرِ رِضاه، كالصَّغِيرِ والسَّفِيهِ، ولأنَّه نَوْعُ مالٍ، فجاز بَيعُه في قَضاءِ دَينِه، كالأثْمانِ، وقِياسُهم يَبْطُلُ ببَيعِ الدَّراهِمِ بالدَّنانِيرِ.

стр. 6292

وَإنِ ادَّعَى الإِعْسَارَ، وَكَانَ دَينهُ عَنْ عِوَضٍ، كَالْبَيعِ وَالْقَرْضِ، أَوْ عُرِفَ لَهُ مَالٌ سَابِقٌ، حُبِسَ، إلا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى نَفَادِ مَالِهِ وَإِعْسارِهِ. وَهَلْ يَحْلِفُ مَعَهَا؟ عَلَى وَجْهَينِ. وَإنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، حَلَفَ وَخُلِّيَ سَبِيلُهُ. ــ ١٩٠٩ - مسألة: (وإنِ ادَّعَى الإِعْسارَ، وكان دَينُه عن عِوَضٍ، كالبَيعِ والقَرْضِ، أو عُرِفَ له مالٌ سابقٌ، حُبِس، إلَّا أن يُقِيمَ البَيِّنَةَ على نَفادِ مالِه وإعْسارِه. وهل يَحْلِفُ معها؟ على وَجْهَين. وإن لم يكنْ كذلك، حَلَف وخُلِّيَ سَبيلُه) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن وَجب عليه دَينٌ حالٌّ، فطُولِبَ به، فلم يُؤَدِّه، فإن كان في يَدِه مالٌ ظاهِرٌ، أمَرَه الحاكِمُ بالقَضاءِ. وإن لم يَظْهَرْ له مالٌ، فادَّعَى الإِعْسارَ، فصَدَّقَه غَرِيمُه، لم

стр. 6293

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يُحْبَسْ، ووَجَب إنْظارُه، ولم يَجُزْ مُلازَمَتُه؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيسَرَةٍ﴾ (١). ولقَوْلِ النبيِّ ﷺ لغُرَماءِ الذي كَثُر دَينُه: «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، لَيسَ لَكُمْ إلَّا ذَلِكَ» (٢). ولأنَّ الحَبْسَ إمّا أن يَكُونَ لإثْباتِ عُسْرَتِه أو لقضاءِ دَينِه، وعُسْرَتُه ثابِتَةٌ والقَضاءُ مُتَعَذِّرٌ، فلا فائِدَةَ في الحَبْسِ. فإن كَذَّبَه غَرِيمُه، فلا يَخْلُو؛ إمّا أن يَكُونَ عُرِف له مالٌ أو لم يُعْرَفْ، فإن عُرِف له مالٌ؛ لكَوْنِ الدَّينِ ثَبَتَ عن مُعاوَضَةٍ، كالقَرْضِ والبَيعِ، أو عُرِف له أصْلُ مالٌ سِوَى هذا، فالقَوْلُ قولُ غَرِيمِه مع يَمِينِه. فإذا حَلَفَ أنَّه ذو مالٍ، حُبِس حتى تَشْهَدَ البَيِّنَةُ بإعْسَارِه. قال ابنُ المُنْذِرِ: أكْثَرُ مَن نَحْفَظُ عنه مِن عُلَماءِ الأمْصارِ وقُضاتِهِم يَرَوْن الحَبْسَ في الدَّينِ؛ منهم مالِكٌ، والشافعيُّ، وأبو عُبَيدٍ، والنُّعْمانُ، وسَوّارٌ، وعُبَيدُ اللهِ بنُ الحَسَنِ. ورُوِيَ عن شُرَيحٍ، والشَّعْبِيِّ. وكان

стр. 6294

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عُمَرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ يَقُولُ: يُقْسَمُ مالُه بينَ الغُرَماءِ، ولا يُحْبَسُ. وبه قال عبيدُ الله (١) بنُ أبي جَعْفَرٍ، واللَّيثُ بنُ سعدٍ. ولَنا، أنَّ الظّاهِرَ قولُ الغَرِيمِ، فكان القَوْلُ قَوْلَه، كسائِرِ الدَّعاوَى. فإن شَهِدَتِ البَيِّنَةُ بتَلَفِ مالِه، قُبِلَتْ شَهادَتُهُم، سَواءٌ كانت مِن أهلِ الخِبْرَةِ الباطِنَةِ، أو لم تَكُنْ؛ لأنَّ التَّلَفَ يَطَّلِعُ عليه أهْلُ الخِبْرَةِ وغيرُهم. وإن طَلَب الغَرِيمُ إحْلافَه على ذلك، لم يُجَبْ إليه؛ لأنَّه تَكْذِيبٌ للبَيِّنَةِ، وإن شَهِدَتْ مع ذلك بالإِعْسارِ، اكْتُفِيَ بشَهادَتِها (٢)، وثَبَتَتْ عُسْرَتُه، وإن لم تَشْهَدْ إلَّا بالتَّلَفِ، وطَلَبَ الغَرِيمُ يَمِينَه على عُسْرَتِه، وأنَّه ليس له مالٌ آخَرُ، اسْتُحْلِفَ على ذلك؛ لأنَّه غيرُ ما شَهِدَتْ به البَيِّنَةُ. وإن لم تَشْهَدْ بالتَّلَفِ، وإنَّما شَهدَتْ بالإِعْسارِ، لم تُقْبَلِ الشَّهادَةُ إلَّا مِن ذي خِبْرَةٍ باطِنَةٍ؛ لأنَّ هذا في الأمُورِ الباطِنَةِ، لا يَطَّلِعُ عليه في الغَالِب إلَّا أهْلُ الخِبْرَةِ والمُخالطَةِ. وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ. وحُكِيَ عن مالِكٍ أَنَّه قال: لا تُسْمَعُ البَيِّنَةُ على

стр. 6295

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الإعْسارِ؛ لأنَّها شَهادَة على النَّفْي، فلم تُسْمَعْ، كما لو شَهِدَتْ على (١) أَنه لا دَينَ عليه. ولَنا، ما روَى قَبِيصَةُ بنُ المُخارِقِ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «يَا قَبِيصَةُ، إنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إلَّا لِأحَدِ ثَلَاثَةٍ؛ رَجُلٌ تَحَمَّلَ حَمَالةً، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حتَّى يُصِيبَها (٢) ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٌ أصَابَتْهُ جَائِحَةٌ فاجْتَاحَتْ مَاله، فحَلَّتْ له المَسْأَلَةُ حتى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيشٍ أو قال -سِدَادًا مِنْ عَيش، ورَجُلٌ أصَابَتْه فَاقَةٌ حَتَّى يَقُولَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوي (٣) الْحِجَا مِنْ قَوْمِه: لَقَدْ أصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ. فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيشٍ -أو قال- سِدَادًا مِنْ عَيشٍ». رَواه

стр. 6296

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مسلمٌ، وأبو دَاودَ (١). وقَوْلُهم: إنَّ الشَّهادَةَ على النَّفْي لا تُقْبَلُ. قُلْنا: لا تُرَدُّ مُطْلَقًا، فإنَّه لو شَهِدَتِ بَيِّنَة أنَّ هذا وارِثُ هذا المَيِّتِ، لا وارِثَ له سِواه، قُبِلَتْ، ولأنَّ هذه وإن كانت تَتَضَمَّنُ النَّفْيَ، فهي تُثْبِتُ حالةً تَظْهَرُ، ويُوقَفُ عليها بالمُشاهَدَةِ، بخِلافِ ما إذا شَهِدَتْ أنَّه لا حَقَّ له، فإنَّ هذا ممّا لا يُوقَفُ علية (٢)، ولا يَشهَدُ به حالٌ يُتَوَصَّلُ بها إلى مَعْرِفَتِه به (٣)، بخِلافِ مَسْألِتنا. وتُسْمَعُ البَيِّنَةُ في الحالِ. وبهذا قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا تُسْمَعُ في الحالِ، ويُحْبَسُ شَهْرًا. وقِيلَ: ثَلاثَةَ أشْهُرٍ. ورُوِيَ أرْبَعَةً، حتى يَغْلِبَ على ظَنِّ الحاكِمِ أنّه لو كان له مالٌ لأظْهَرَه. ولَنا، أنَّ كلَّ بَيِّنةٍ جازَ سَماعُها بعدَ مُدَّةٍ، جاز سَماعُها في الحالِ، كسائِرِ

стр. 6297

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ البَيِّناتِ، وما ذَكَرُوه لو كان صَحِيحًا لأغْنَى عن البَيِّنَةِ. فإن قال الغَريمُ: أحْلِفُوه لي مع بَيِّنَتِه أنَّه لا مال له. لم يُسْتَحْلَفْ، في ظاهِرِ كَلامِ أحمدَ؛ لأنَّه قال، في رِوايَةِ ابنَ (١) إبراهيمَ، في رجلٍ جاء بشُهُودٍ على حَقٍّ، فقال الغَرِيمُ: اسْتَحْلِفُوه. لا يُسْتَحْلَفُ؛ لأنَّ ظاهِرَ الحَدِيثِ: «البَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَاليَمِينُ عَلَى مَنْ أنْكَرَ» (٢). قال القاضي: سَواءٌ شَهِدَتِ البَيِّنَةُ بتَلَفِ المالِ أو بالإِعْسارِ. وهذا أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ؛ لأنَّها بَيِّنَةٌ مَقْبُولَةٌ، فلم يُسْتَحْلَفْ معها، كما لو شَهِدَتْ بأنَّ هذا عَبْدُه. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه يُسْتَحْلَفُ. وهو القَوْلُ الثانِي للشافعيِّ؛ لأَنه يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ

стр. 6298

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ له مالٌ خَفِيَ عن البَيِّنَةِ. قال شيخُنا (١): ويَصِحُّ عندِي إلْزامُه اليَمِينَ على الإِعْسارِ إذا شَهِدَتِ البَيِّنَةُ بتَلَفِ المالِ، وسُقُوطُها عنه فيما إذا شَهِدَتْ بالإِعْسارِ، لأنَّها إذا شَهِدَتْ بالتَّلَفِ، صار كمَن لم يَثْبُتْ له أصْلُ مالٍ، أو بمَنْزِلَةِ مَن أقَرَّ له غَرِيمُه بتَلَفِ ذلك المالِ، وادَّعَى أنَّ (٢) له مالًا سِواه أو أنَّه اسْتَحْدَثَ مالًا بعدَ تَلَفِه، ولو لم تَقُمِ البَيِّنَةُ، وأقَرَّ له غَرِيمُه بتَلَفِ مالِه، وادَّعَى أنَّ له مالًا سِواه، لَزِمَتْه اليَمِينُ، فكذلك إذا قامَتْ به البَيِّنَةُ، فإنَّها لا تَزيدُ على الإِقْرارِ. فإنْ كان الحَقُّ ثَبَت عليه في غيرِ مُقابَلَةِ مالٍ أخَذَه، كأَرشِ جِنايَةٍ، وقِيمَةِ مُتْلَفٍ، ومَهْرٍ، أو ضَمانٍ، أو كَفالةٍ، أو عِوَضِ خُلْعٍ إن كانْتِ امْرَأَةً، [ولم] (٣) يُعْرَفْ له مالٌ، حَلَف أنَّه لا مال له، وخُلِّيَ سَبِيلُه. وهذا قولُ الشافعيِّ، وابنِ المُنْذِرِ. وإنَّما اكْتَفَينا بيمينِه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ المالِ، وقد رُوِيَ أنَّ النبيَّ ﷺ قال

стр. 6299

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لِحَبَّةَ وسَوَاءٍ ابْنَيْ خالِدِ بنِ سَوَاء: «لَا تَيأسَا مِن الرِّزْقِ مَا اهْتَزَّتْ رُءُوسُكُمَا، فَإنَّ ابْنَ آدَمَ يُخْلَقُ [وَلَيسَ لَهُ إلَّا قِشْرَتَاه] (١)، ثُمَّ يَرْزُقُهُ اللهُ تَعَالى» (٢). قال ابنُ المُنْذِرِ: [الحَبْسُ عقوبةٌ] (٣)، ولا نَعْلَمُ له ذَنْبًا يُعَاقَبُ به. والأصْلُ عَدَمُ مالِه، بخِلافِ مَن عُلِم له مالٌ، فإنَّ الأصْلَ بقاءُ مالِه، فيُحْبَسُ حتى يُعْلَمَ ذَهابُه. ومُطلَقُ كلامِ الخِرَقِيِّ يَدُلُّ على أنَّه يُحْبَسُ في الحالتَين، لكنَّه يَنْبَغِي أن يُحْمَلَ كَلامُه على هذا؛ لقِيامِ الدَّلِيلِ على الفَرْقِ.

стр. 6300

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ومتى ثَبَت إعْسارُه عندَ الحاكِمِ، لم يَجُزْ مُطالبَتُه ولا مُلازَمَتُه. وبه قال الشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: لغُرَمائِه مُلازَمَتُه مِن غيرِ أن يَمْنَعُوه مِن الكَسْبِ، فإذا رَجَع إلى بَيتِه فأذِنَ لهم في الدُّخُولِ معه، وإلَّا مَنَعُوه مِن الدُّخُولِ؛ لقَوْلِ النبيِّ ﷺ : «لِصَاحِبِ الْحَقِّ اليَدُ وَاللِّسَانُ» (١). ولَنا، أنَّ مَن ليسَ لصاحِب الحَقِّ مُطالبَتُه لم يَكُنْ له مُلازَمَتُه، كصاحِبِ الدَّينِ المُؤَجَّلِ، وقولُ اللهِ تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيسَرَةٍ﴾. ومَن وَجَب إنظارُه حَرُمَتْ مُلازَمَتُه، كمَن دَينُه مُؤَجَّلٌ، والحديثُ فيه مقالٌ. قاله ابنُ المُنْذِرِ. ثم نَحْمِلُه على المُوسِرِ؛ بدَلِيلِ ما ذَكَرْنا. وقد ثَبَت أنَّ النبيَّ ﷺ قال لغُرَماءِ الذي أُصِيبَ في ثمارٍ ابْتاعَهَا، فكَثُرَ دَينُه: «خُذُوا مَا وَجَدْتُم، وَلَيسَ لَكُمْ إلَّا ذَلِكَ». رَواه مسلمٌ، والتِّرْمِذِيُّ (٢).

стр. 6301

وَإنْ كَانَ لَهُ مَالٌ لَا يَفِي بِدَينِهِ، فَسَألَ غُرَمَاؤُهُ الْحَاكِمَ الْحَجْرَ عَلَيهِ، لَزِمَتْهُ إِجَابَتُهُمْ. ــ ١٩١٠ - مسألة: (وإن كان) حالًا و (له مالٌ لا يَفِي بدَينِه، فَسَألَ غُرَماؤُه الحاكِمَ الحَجْرَ عليه، لَزِمَتْه إجابَتُهم) إذا اتَّفَقَ الغُرَماءُ على طَلَبِ الحَجْرِ عليه في هذه الحالِ، لَزِم الحاكِمَ إجابَتُهْم. ولا يَجُوزُ الحَجْرُ عليه بغيرِ سُؤالِ غُرَمائِه؛ لأنَّه لا ولايَةَ له في ذلك، إنَّما يَفْعَلُه لحَقِّ الغُرَماءِ، فاعْتُبِرَ رِضاهم. وكذلك إن سَألَه بعضهم. وبهذا قال مالِكٌ، والشافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ: ليس للحاكِمِ الحَجْرُ عَلَيه، فإذا أدَّى اجْتِهادُه إلى الحَجْرِ عليه ثَبَت؛ لأنَّه فِعْلٌ (١) مُجْتَهَدٌ فيه. ولَنا، أنَّ النبيَّ ﷺ حَجَر على مُعاذٍ، وباع ماله في دَينِه. رَواه الخَلَّالُ بإسْنادِه (٢).

стр. 6302

وَيُسْتَحَبُّ إِظْهَارُهُ وَالإِشْهَادُ عَلَيهِ. ــ فصل: وتَصَرُّفُه قبلَ حَجْرِ الحاكِمِ في مالِه نافِذٌ، مِن البَيعِ، والهِبَةِ، والإِقْرارِ، وقَضاءِ بعضِ الغُرَماءِ، وغيرِ ذلك. وبه قال أبو حنيفةَ، ومالِكٌ، والشافعيُّ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، لأنَّه رَشِيدٌ غيرُ مَحْجُورٍ عليه، فنَفَذَ تَصَرُّفُه، كغَيرِه، ولأنَّ سَبَبَ المَنْعِ الحَجْرُ، فلا يَتَقَدَّمُ سَبَبَه، ولأنَّه مِن أهْلِ التَّصَرُّفِ ولم يُحْجَرْ عليه، أشْبَهَ المَلِئَ. وإن أَكْرَى جَمَلًا بعَينِه، أو دارًا لم تَنْفَسِخْ إجارَتُه بالفَلَسِ، وكان المُكْتَرِي أحَقَّ به حتى تَنْقَضِيَ مُدَّته. ١٩١١ - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ) إظْهارُ الحَجْرِ عليه (والإشْهادُ عليه) لتُجْتَنَبَ مُعامَلَته، لِئَلَّا يَسْتَضِرَّ النّاسُ بضَياعِ أمْوالِهم. ويُشْهَدُ عليه؛ ليَنْتَشِرَ ذلك، ورُبَّما عُزِل الحاكِمُ أو مات، فيَثْبُتُ الحَجْرُ عندَ الآخَرِ، فلا يَحْتَاجُ إلى ابْتِداءِ حَجْرٍ ثانٍ.

стр. 6303

فَصْل: وَيَتَعَلَّقُ بِالْحَجْرِ عَلَيهِ أرْبَعَةُ أَحْكَامٍ، أَحَدُهَا، تَعَلُّقُ حَقِّ الْغُرَمَاءِ بِمَالِهِ، فَلَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ عَلَيهِ، وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ، إلا الْعِتْقَ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ. ــ فصل: قال الشَّيخُ، ﵁: (ويَتَعَلَّقُ بالحَجْرِ عليه أرْبَعَةُ أحْكامٍ؛ أحَدُها، تَعَلُّقُ حَقِّ الغُرَماءِ بمالِه، فلا يَصِحُّ تَصَرُّفُه فيه، ولا يُقْبَلُ إقْرارُه عليه، إلَّا العِتْقَ على إحْدَى الرِّوايَتَين) متى حُجر على المُفْلِسِ، لم يَنْفُذْ تَصَرُّفُه في شيءٍ مِن مالِه، فإن تَصَرَّفَ فيه ببَيع، أَو هِبَةٍ، أو وَقْفٍ، أو أصْدَقَ امرأةً مالًا له، أو نحو ذلك، لم يَصِحَّ. وبه قال مالِكٌ، والشافعيُّ في قولٍ، وقال في آخَرَ: يَقِفُ تَصَرُّفُه، فإن كان فيما بَقِيَ مِن مالِه وفاءُ الغُرَماءِ نَفَذ (١)، وإلَّا بَطَل. ولَنا، أنَّ حُقُوقَ الغُرَماء تَعَلَّقَتْ بأعْيانِ مالِه، فلم يَصِحَّ تَصَرُّفُه فيها، كالعَينِ المَرْهُونَةِ، ولأنَّه مَحْجُورٌ عليه بحُكْمِ حاكِمٍ، فأشْبَهَ السَّفِيهَ. فإن أقَرَّ بدَينٍ، لم يُقْبَلْ في الحالِ، ويُتْبَعُ به بعدَ فَكِّ الحَجْرِ عنه. نَصَّ عليه. وهو قوْلُ مالِكٍ، ومحمدِ بن

стр. 6304

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الحَسَنِ، والثوْرِيِّ، والشافعيِّ في قولٍ، وقال في الآخَرِ: يُشارِكُهم. اخْتارَه ابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّه دَينٌ ثابتٌ مُضافٌ إلى ما قبلَ الحَجْرِ، فشارَكَ صاحِبُه الغُرَماءَ، كما لو ثَبَت ببَيِّنَةٍ. ولَنا، أنَّه مَحْجُورٌ عليه، فلم يَصِحَّ إقْرارُه فيما حُجِر عليه فيه، كالسَّفِيهِ، ولأنَّه إقْرارٌ يُبْطِلُ ثُبُوتُه (١) حَقَّ غيرِ المُقِرِّ، فلم يُقْبَلْ، أو إقْرار على الغُرَماءِ، فلم يُقْبَلْ، كإقْرارِ الرّاهِنِ، ولأنَّه مُتَّهَمٌ في إقْرارِه، وفارَقَ البَيِّنَةَ، فإنَّه لا تُهْمَةَ في حَقِّها. فإن كان

стр. 6305

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المُفْلِسُ صانِعًا، كالقَصَّارِ (١)، والحائِكِ، في يَدِه مَتاعٌ، فأقَرَّ به لأرْبابِه، لم يُقْبَلْ، والقَوْلُ فيها كالتي قبلَها. وتُباعُ العَينُ التي في يَدِه، وتُقْسَمُ بينَ الغُرَماءِ، وتَكُونُ قِيمَتُها واجِبَةً على المُفْلِسِ إذا قَدَر عليها؛ لأنَّها انْصَرَفَتْ في وَفاءِ دَينِه بسَبَبٍ مِن جِهَتِه، فكانت قِيمَتُها عليه، كما لو أذِنَ في ذلك. وإن تَوَجَّهَتْ على المُفْلِسِ يَمِين، فنَكَلَ عنها، فَقُضِيَ عليه، فحُكْمُه حُكْمُ إقْرارِه، يَلْزَمُ في حَقِّه دُونَ الغُرَماءِ. فإن أعْتَقَ بعضَ
следующие страницы →