وَيَجِبُ تَعْيِينُ النيةِ لِمَا يَتَيَمَّمُ لَهُ مِنْ حَدَثٍ أوْ غَيرِهِ.
ــ
١٧٩ - مسألة: (ويَجِبُ تَعْيِينُ النيةِ لِما يَتَيَمَّمُ له، مِن حَدَثٍ أو غيرِه) وجُمْلته أنَّ النيةَ شَرْطٌ للتَّيَمُّمِ، وهو قولُ أكثَر أهلِ العلمِ؛ منهم اللَّيثُ، ورَبِيعَةُ، ومالكٌ، والشافعيّ، وأصحابُ الرَّأي، وابنُ المُنْذِرِ. ولا نَعْلَمُ عن غيرِهم خِلافَهم، إلَّا ما حُكِي عن الأوْزاعِيِّ والحسنِ بنِ صالحٍ، أنه يَصِحُّ بغيرِ نِيَّةٍ. وقد ذَكَرْنا قولَ القاضي في التَّيَمُّمِ للنَّجاسَةِ. وسائِرُ أهلِ العلمِ على خِلافِهم؛ لقَوْلِه ﵇: «وَإنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى». ويَنْوى به اسْتِباحَةَ الصلاةِ. فإن نَوَى رَفْعَ الحَدَثِ لم يَصِحَّ تَيَمُّمُه؛ لأنَّه لا يَرْفَعُ الحَدَثَ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ (١): أجْمَعَ العلماءُ على أنَّ طهارةَ التَّيَمُّمِ لا تَرْفَعُ الحَدَثَ إذا وَجَد الماءَ. بل إذا وَجَدَه أعادَ الطهارةَ، جُنُبًا كان أو مُحْدِثًا. وهذا مذهبُ مالكٍ والشافعي، وغيرِهما. وحُكِي
стр. 632
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عن أبي حنيفةَ أنَّه يَرْفَعُ الحَدَثَ. وعن أحمدَ ما يَدُلُّ على ذلك؛ لأنَّها طهارةٌ عن حَدَثٍ تُبِيحُ الصلاةَ، فرَفَعَتِ الحَدَثَ، كطَهارَةِ الماءِ. ولنا، أنه لو وَجَد الماءَ لَزِمَه اسْتِعْمالُه لرَفْعِ، الحَدَثِ الذي كان قبلَ التَّيَمُّمِ، إن (١) كان جُنُبًا، أو (٢) مُحْدِثًا، أو امرأةً حائِضًا، ولو رَفَع الحَدَثَ لَاسْتَوَى الجَمِيعُ، لاسْتِوائِهم في الوجْدانِ، ولأنَّها طهارةُ ضَرُورَةٍ، فلم تَرْفَعِ الحَدَث، كطَهارَةِ المُسْتَحاضَةِ، وبهذا فارَقَ الماءَ.
فصل: ويَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ لِما يَتَيَمَّمُ له مِن الحَدَثِ الأصْغَرِ، والجَنابَةِ، والحَيضِ، والنَّجاسَةِ، وإن كان التَّيَمُّم عن جُرْحٍ في عُضْوٍ مِن أعْضائِه، نَوَى التَّيَمُّمَ عن غَسْلِ ذلك العضْو، لقَوْلِ النبي ﷺ : «إنَّمَا الأعْمَالُ بِالنياتِ، وَإنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى».
стр. 633
فَإنْ نَوَى جَمِيعَهَا جازَ، وَإنْ نَوَى أحدَهَا لَمْ يُجْزِئْهُ عَنِ الآخَرِ.
ــ
١٨٠ - مسألة: (فإن نَوى جَمِيعَها، جاز) لقَوْلِه ﵇: «وَإنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى». ولأنَّ فِعْلَه واحِدٌ، أشْبَهَ ما لو كانت عليه أحْداثٌ تُوجِبُ الوُضُوءَ أو الغُسْلَ، فنَواها. وقال ابنُ عَقِيلٍ: إذا كان عليه حَدَثٌ ونَجاسَةٌ، هل يَكْتَفِي بتَيَمُّمٍ واحِدٍ؟ يُبْنَى على تَداخُلِ الطَّهارَتَين في الغُسْلِ، فإن قُلنا: لا يَتَداخَلان ثَمَّ. فأوْلَى أن لا يَتَداخَلا ههُنا؛ لكَوْنِهما مِن جِنْسَين، وإن قُلْنا: يَتَداخَلان. فقال القاضي ههُنا كذلك قِياسًا عليه. فعلى هذا يَتَيَمَّمُ لهما تَيَمُّمًا واحِدًا. قال: والأشْبَهُ عِنْدِي أنهما لا يَتَداخَلان، كالكَفّاراتِ، والحُدُودِ، إذا (١) كانت مِن جِنْسَين. والأوَّلُ أصَحُّ.
١٨١ - مسألة؛ قال: (وإن نَوَى أحَدَها، لم يُجْزِئْه عن الآخَرِ) وبهذا قال مالكٌ وأبو ثَوْرٍ. وقال أبو حَنيفَةَ والشافعي: يُجْزِئه، لأنَّ
стр. 634
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
طَهارَتَهما واحِدَةٌ، فسَقَطَتْ إحْداهما بفِعْلِ الأخْرَى، كالبَوْلِ والغائِطِ. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : «وَإنَّما لِامْرِئٍ مَا نَوَى». فيَدُلُّ على أنه لا يَحْصُلُ له ما لم يَنْوه، ولأنَّها أسْبابٌ مُخْتَلِفَةٌ، فلم تُجْزِيء نِيَّةُ بَعْضِها عن الآخَرِ، كالحجِّ والعُمْرَةِ. وهذا يُفارِقُ ما قاسُوا عليه؛ فإنَّ حُكْمَهما واحِدٌ وهو الحَدَثُ الأصْغَرُ، ولهذا تُجْزِيء نِيَّةُ أحَدِهما عن نِيَّةِ الآخَرِ في طهارةِ الماءِ.
فصل: إذا تَيَمَّمَ للجَنابَةِ دُونَ الحَدَثِ الأصْغَرِ، أبِيحَ له ما يُباحُ للمُحْدِثِ، مِن قِراءةِ القرآنِ، واللُّبْثِ في المسجدِ، ولم تُبَحْ له الصلاةُ، والطَّوافُ، ومَس المُصْحَفِ. فإن أحْدَثَ لم يُؤثِّرْ ذلك في تَيَمُّمِه، كما لا يُؤثر في الغُسْلِ. وإن تَيَمَّمَ للْجَنابَةِ والحَدَثِ، ثم أحْدَثَ، بَطَل تَيَمُّمُه للْحَدَثِ، وبقِيَ تَيَمُّمُ الجَنابَةِ بحالِه. ولو تَيَمَّمَتِ المرأةُ بعدَ طُهْرِها مِن حَيضِها للحَيضِ، ثم أجْنَبَتْ، لم يَحْرُمْ وَطْؤها، لأنَّ حُكْمَ تَيَمُّمِ الحَيضِ باقٍ، ولا يَبْطُلُ بالوطْءِ، لأنَّه إنَّما يُوجِبُ حَدَثَ الجَنابَةِ. وقال ابنُ عَقِيل: إن قُلْنا: كلُّ صلاةٍ تَحْتاجُ إلى تَيَمُّمٍ. احْتاجَ كلُّ وَطْء إلى تَيَمُّمٍ يَخُصُّه. والأوَّلُ أصَحُّ.
стр. 635
وَإِن نَوَى نَفْلًا، أوْ أطْلَقَ النِّيَّةَ لِلصَّلَاةِ لَمْ يُصَل إلا نَفْلًا.
ــ
١٨٢ - مسألة: (وإن نَوَى نَفْلًا، أو أطْلَقَ النيةَ للصلاةِ، لم يُصَلِّ إلَّا نَفْلًا) وهو قولُ الشافعيِّ. وقال أبو حَنِيفةَ: له أن يُصَلِّيَ بها ما شاء. ويَتَخَرَّجُ لنا مِثْلُ ذلك إذا قُلْنا: إنَّ التَّيَمُّمَ لا يَبْطُلُ بخُرُوجِ الوَقْتِ. فيَكُونُ
стр. 636
وَإنْ نَوَى فَرْضًا فَلَهُ فِعْلُهُ، وَالْجَمْعُ بَينَ الصَّلَاتَينِ، وَقَضَاءُ الْفَوَائِتِ، وَالتَّنفُّلُ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ.
ــ
حُكْمُه حُكْمَ طهارةِ الماءِ؛ لأنَّها طهارةٌ يَصِحُّ بها النَّفْلُ، فأشْبَهَتْ طهارةَ الماءِ. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : «إنَّمَا الأعْمَالُ بِالنياتِ، وإنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى». وهذا ما نَوَى الفَرْضَ، فلا يَحْصُلُ له، وفارَقَ طهارةَ الماءِ؛ لأنَّها تَرْفَعُ الحَدَثَ المانِعَ مِن فِعْلِ الصلاةِ، فيُباحُ له جَمِيعُ ما يَمْنَعُه الحَدَثُ، ولا يَلْزَمُه اسْتِباحَةُ النَّفْلِ بنِيَّةِ الفَرْض؛ لأنَّ الفَرْضَ أعْلَى ما في البابِ، فنِيَّتُه تَضَمَّنَتْ نِيَّةَ ما دُونَه، فإذا استباحَه استباحَ ما دُونَه تَبَعًا.
١٨٣ - مسألة؛ قال: (وإن نَوَى فَرْضًا فله فِعْلُه، والجَمْعُ بينَ الصَّلاتين، وقَضاءُ الفَوائِتِ، والتَّنَفُّلُ إلى آخِرِ الوَقْتِ) وجُمْلَةُ ذلك، أنه متى نَوَى بتيَمُّمه فَريضةً، سَواء كانت مُعَيَّنَّةَ أو مُطْلَقَةً، فله أن يُصَلِّيَ
стр. 637
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ما شاء مِن الصَّلَواتِ؛ فيُصَلِّيَ الحاضِرَةَ، ويَجْمَعَ بينَ الصلاتَين، ويَقْضِيَ فَوائِتَ إن كانت عليه، ويَتَطَوَّعَ قبلَ الصلاةِ وبعدَها، إلى آخِرِ الوَقْتِ. هذا قولُ أبي ثَوْرٍ. وقال مالكٌ والشافعي: لا يُصَلِّي به فَرْضَين. وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنه قال: لا يُصَلِّي بالتَّيَمُّم إلَّا صلاةً واحِدَةً، ثم يَتَيَمَّمُ للأخْرَى. وهذا يَحْتَمِلُ أن يكُونَ مِثْلَ قَوْلِهما؛ لِما رُوِيَ عن (١) ابنِ عباس، أنه قال: مِن السنةِ أن لا يُصَلِّيَ بالتَّيَمُّم إلَّا صَلاةً واحِدَةً، ثم يَتَيَمَّمُ للأخْرَى. وهذا مُقْتَضَى سُنَّةِ محمدٍ ﷺ ؛ ولأنَّها طهارةُ ضَرُورَةٍ فلا يَجْمَعُ فيها بينَ فَرِيضتين، كما لو كانا في وَقْتَين. ولنا، أنها طهارة
стр. 638
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
صَحِيحَةٌ أباحَتْ فَرْضًا، فأباحَتْ فَرْضَين، كطَهارَةِ الماءِ، ولأنَّه بعدَ الفَرْضِ الأوَّلِ تَيَمُّمٌ صحيحٌ مُبِيحٌ للتَّطَوُّعِ نَوَى به المَكْتُوبَةَ، فكانَ له أن يُصَلِّيَ به فَرْضًا، كحالةِ ابْتِدائِه. ولأنَّ الطهارةَ في الأصُولِ إنَّما تَتَقَيَّدُ بالوَقْتِ دُونَ الفِعْلِ، كطَهارَةِ الماسِحِ على الخُفِّ، وهذه في النَّوافِلِ، وطهارةِ المُسْتَحاضَةِ. ولأنَّ كلَّ تَيَمُّم أباحَ صلاةً أباحَ ما هو مِن نَوْعِها، بدَلِيلِ النَّوافِلِ. وأمّا حديثُ ابنِ عباس، فيَرْويه الحسنُ بنُ عُمارَةَ (١)، وهو ضَعِيفٌ، ثم يَحْتَمِلُ أنه أرادَ أن لا يُصَلِّيَ به صَلاتَين في وَقْتَين؛ بدَلِيلِ أنَّه يَجُوزُ أن يُصلِّيَ به صلواتٍ (٢) مِن التَّطَوُّعِ، وإنَّما امْتَنَعَ أن يُصَلِّيَ به فَرْضَين في وَقْتَين؛ لبُطْلانِ التَّيَمُّمِ بخُرُوجِ الوَقْتِ، ولذلك لا تَصِحُّ به نافِلة، بخِلافِ هذا.
стр. 639
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإذا تَيَمَّمَتِ الحائِضُ عندَ انْقِطاعِ دَمِها، وقُلْنا: إنَّ التَّيَمُّمَ لا يَبْطُلُ إلَّا بالحَدَثِ. جاز له وَطْؤها ما لم تَحِضْ، وإن قُلنا: يَبْطُلُ بخُرُوجٍ الوقتِ. فمتى خَرَج احْتاجَتْ إلى تَيَمُّمٍ للوَطْءِ، وإن قلنا: يَتَيَمَّمُ لكلِّ فرِيضَةٍ. احْتاجَ كلُّ وَطْءٍ إلى تَيَمُّم. ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ.
فصل: إذا نَوَى الفَرْضَ اسْتَباحَ كلَّ ما يُباحُ بالتَّيَمُّمِ؛ مِن النَّفْلِ قبلَ الفَرْضِ وبعدَه، وقِراءَةِ القرآنِ، ومَسِّ المُصْحَفِ، واللُّبْثِ في المَسْجِدِ. وهذا قولُ الشافعي، وأصحابِ الرَّأي. وقال مالكٌ: لا يَتطَوَّعُ قبلَ الفَرِيضَةِ بصلاةٍ غيرِ راتِبَةٍ. ورُوي ذلك عن أحمدَ؛ لأنَّ النَّفْلَ تَبَع للفَرْضِ، فلا يَتَقَدَّمُ المَتْبُوعَ. ولَنا، أنه تَطَوُّعٌ، فأبِيحَ له فِعْلُه إذا نَوَى الفَرْضَ، كالسننِ الرّاتِبَةِ وكما بعدَ الفَرْض. وقَوْلُه: إنَّه تَبَع. قُلْنا: إنَّما هو تَبَع في
стр. 640
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الاسْتِباحَةِ، لا في الفِعْلِ، كالسُّنَنَ الرّاتِبَةِ، وقِراءَةِ القُرْآنِ، وغيرِهما. وإن نَوَى نافِلَةً، أُبِيحَ له قِراءَةُ القرآنِ، ومَسُّ المُصْحَفِ، والطَّوافُ؛ لأنَّ النّافِلَةَ آكَدُ مِن ذلك كلِّه؛ لكَوْنِ الطهارةِ مُشْتَرَطَةً لها بالإِجْماعِ، وفيما سِواها خِلافٌ، فدَخَلَ في نِيَّتها كدُخُولِ النّافِلَةِ في الفَرِيضَةِ، ولأنَّ النّافِلَةَ تَشْتَمِلُ على قِراءَةِ القُرْآنِ. وإن نَوَى شَيئًا مِن ذلك، لم تُبَحْ له النّافِلَةُ؛ لأنَّها أعْلَى منه؛ لِما بَيَّنا. وإن نَوَى الطَّوافَ، أبِيحَ له قِراءَةُ القرآنِ، واللُّبْثُ في المَسْجِدِ؛ لأنَّه أعْلَى منهما؛ فإنَّه صلاة، وله نَفْل وفَرْضٌ، ويَدْخُلُ في ضِمْنِه اللُّبْثُ في المسجدِ؛ لأنَّه إنَّما يكُونُ في المسجدِ. وإن نَوَى أحَدَهما لم يَسْتَبِحِ الطَّوافَ؛ لأنَّه أعْلَى منهما. وإن نَوَى فَرْضَ الطَّوافِ، اسْتَباحَ نَفْلَه، ولا يَسْتَبِيحُ الفَرْضَ منه بنيَّةِ النَّفْلِ كالصلاةِ. وإن نَوَى قِراءَةَ القرآنِ لكَوْنِهِ جُنُبًا، أو مَسَّ المُصْحَفِ، أو اللُّبْثَ في المَسْجِدِ، لم يَسْتَبِحْ غيرَ ما نَواه، لقَوْلِه ﵇: «وَإنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نَوَى».
стр. 641
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإن تَيَمَّمَ الصَّبِيُّ لإِحْدَى الصَّلَواتِ الخَمْسِ، ثم بَلَغ، لم يَسْتَبِحْ بتَيَمُّمِه فَرْضًا؛ لأنَّ ما نَواه كان نَفْلًا، ويُباحُ له أن يتَنَفَّلَ به، كما لو (١) نَوَى به البالِغُ النَّفْلَ. فأمّا إن تَوَضَّأ قبلَ البُلُوغِ، ثم بلَغ، فله أن يُصَلِّيَ به فَرْضًا ونَفْلًا؛ لأنَّ الوُضُوءَ للنَّفْلِ يُبِيحُ فِعْل الفَرْضِ.
стр. 642
وَيَبْطُلُ التَّيَمُّم بِخُرُوجِ الْوَقْتِ، وَوُجُودِ الْمَاءِ، وَمُبْطِلَاتِ الْوُضُوءِ.
ــ
فصل: وإذا قُلْنا: يَجُوزُ أن يُصَلِّيَ بالتَّيَمُّمِ فَرائِضَ إلى آخِرِ الوَقْتِ. جاز أن يَطُوفَ طَوافَيْ فَرْض، وطَوافَيْ فَرْض ونَذْرٍ، وأن يُصَلِّيَ على جَنائِزَ إذا تَعَيَنَّتْ عليه. وإن فاتَته صلاةٌ لا يَعْلَمُ عَينَها، كَفاه تَيَمُّمٌ واحِدٌ، يُصَلِّي به خَمْسَ صَلَواتٍ، وإن قُلْنا: لا يُصَلِّي به إلَّا فَرْضًا واحِدًا. فيَنْبَغِي أن يَحْتاجَ كلُّ واحِدٍ مِمّا ذَكَرْنا إلى تَيَمُّمٍ، قِياسًا عليه.
١٨٤ - مسألة: (ويَبْطُلُ التَّيَمُّم بخُرُوجِ الوَقْتِ، ووُجُودِ الماءِ، ومُبْطِلاتِ الوُضُوءِ) مُبْطِلاتُ التَّيَمُّمِ ثَلاثَةٌ، كما ذَكَر، وزاد بَعْض أصحابِنا ظَنَّ وُجُودِ الماءِ، على ما يَأتِي ذِكْرُه. وخُرُوجُ الوقتِ مُبْطل للتَّيَمُّمِ في ظاهِرِ المَذْهَبِ، فلا يَجوزُ أن يُصَلِّيَ بالتَّيَمُّمِ صَلاتَين في وَقتَين. رُوِيَ ذلك عن عليٍّ، وابنِ عُمَرَ، وابنِ عباس، ﵃. وهو قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، وقَتادَةَ، ومالكٍ، والشافعي، وإسحاقَ. وروَى المَيمُونِي عن أحمدَ، أنه قال في المُتَيَمِّمِ: إنَّه ليُعْجِبُنِي أن يَتَيَمَّمَ لكلِّ
стр. 643
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
صلاةٍ، ولكنَّ القِياسَ أنَّه بمَنْزِلَةِ الطهارةِ حتى يَجدَ الماءَ أو يُحْدِثَ؛ لحَدِيثِ النبيِّ ﷺ في الجُنُبِ، يَعْنِي قَوْلَ النبي ﷺ : «يا أبا ذَرٍّ، الصَّعِيد الطيبُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ، وَإنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، وَإذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأمِسَّهُ بَشَرَتَكَ» (١). وهذا مذهبُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والحسنِ، والزُّهْرِى، والثَّوْرِي، وأصحابِ الرَّأي. ورُوي عن ابنِ عباس؛ لِما (٢) ذَكرنا، ولأنَّها طهارة تُبِيحُ الصلاةَ، فلم تَتَقَدَّرْ بالوَقتِ، كطَهارةِ الماء. ولَنا أنه رُوِيَ عن علي وابنِ عُمَرَ أنه قال: يَتَيَمَّمُ لكلِّ صلاةٍ ولأنَّها طهارةُ ضرُورَةٍ، لتَقَيَّدَتْ بالوَقْتِ، كطَهارَةِ المُسْتَحاضةِ، وطهارةُ الماءِ لَيسَتْ للضرورَةِ، بخِلافِ مَسْألَتِنا. والحديثُ أرادَ به أنه يُشبِهُ الوُضُوءَ
стр. 644
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في إباحَةِ الصلاةِ، ولا يَلْزَمُ التَّساوي في سائِرِ الأحكامِ. الثاني، وُجُود الماءِ المَقْدُورِ على اسْتِعْمالِه مِن غيرِ ضَرَرٍ، على ما مَرَّ في مَوْضِعِه، وهو مُبْطل للتَّيَمُّمِ خارجَ الصلاةِ إجْماعًا، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، لِما ذَكَرْنا مِن الأحادِيثِ، وإن وَجَدَه في الصلاةِ، ففيه اخْتِلافٌ نَذْكُرُه في مَوْضِعِه،
قال الشيخ ﵀: فَإِنْ تَيَمَّمَ وَعَلَيهِ مَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيهِ، ثُمَّ خَلَعَهُ، لَمْ يَبْطُلْ تَيَمُّمُهُ. وَقَال أصْحَابُنَا: يَبْطُلُ.
ــ
١٨٥ - مسألة: (فإن تَيَمَّمَ وعليه ما يَجُوزُ المَسْحُ عليه، ثم خَلَعَه، لم يَبْطُلْ تَيَمُّمُه. وقال أصحابُنا: يَبْطُلُ) إذا تَيَمَّمَ وعليه خُفٌّ أو عِمامَةٌ يَجُوزُ المَسْحُ عليها، ثم خَلَعَها، أو خَلَع الخُفَّ، لم يَبْطُلْ تَيَمُّمُه في اخْتِيارِ شيخِنا (١). وقال أصحابُنا: يَبْطُلُ. قال بَعْضُهم: نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه مُبْطِل للوُضُوءِ، فأبطَلَ التَّيَمُّمَ كسائِرِ مُبْطِلاتِه، وهذا يَخْتَص التَّيَمُّمَ عن الحَدَثِ الأصْغَرِ على ما ذَكَرْنا. والصحيحُ ما اخْتارَه شيخُنا،
стр. 648
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
﵀. وهو قولُ سائِرِ الفُقَهاءِ؛ لأنَّ التَّيَمُّمَ طهارةٌ لم يَمْسَحْ فيها عليه، فلا يَبْطُل بنَزْعِه، كطَهارَةِ الماءِ، وكما لو كان المَلْبُوسُ مِمّا لا يَجُوزُ المَسْحُ عليه، ولا يَصِحُّ قَوْلُهم: إنَّه مُبْطِل للوُضُوءِ. لأنَّ مُبْطِل الوُضوءِ نَزْعُ ما هو مَمْسُوحٌ عليه فيه، ولم يُوجَدْ ها هنا، ولأنَّ إباحَةَ المَسْحِ لا يَصِيرُ بها ماسِحًا، ولا بمَنْزِلَةِ الماسِحِ، كما لو لَبِس عِمامَةً يجُوزُ المَسْحُ عليها، ومَسَح على رَاسِه مِن تَحْتِها، فإنَّ الطهارةَ لا تَبْطُلُ بنَزْعِها، كذلك هذا.
فصل: ويَجُوزُ التَّيَمُّمُ لكلِّ ما يُتَطَهَّرُ له مِن نافِلةٍ، أو مَسِّ مُصْحَفٍ، أو قِراءَةِ قُرْآن، أو سُجُودِ تِلاوَةٍ أو شُكْرٍ، أو لُبْثٍ في مَسْجد. قال أحمدُ: يَتَيَمَّمُ ويَقْرأ جزْأه. يَعْنِي الجُنُبَ. وبذلك قال عطاءٌ، ومَكْحُول، والزُّهْرِي، ومالكٌ، والشافعي، والثَّوْرِيُّ، وأصحابُ الرَّأي. وقال أبو مِجْلَزٍ: لا يَتَيَمَّمُ إلَّا لمَكْتُوبَةٍ. وكَرِه الأوْزاعِي أن يَمَسَّ المتَيمِّمُ المُصْحَفَ. ولَنا، حديثُ أبي ذَرٍّ، وقولُه ﵇: «جُعِلَتْ لِيَ الأرضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (١). ولأنَّه يُسْتَباحُ بطهارَةِ الماءِ، فيُسْتَباحُ بالتَّيَمُّمِ، كالمَكْتُوبَة.
فصل: فإن تَيَمَّمَ، ثم رَأى رَكْبًا يَظنُّ أنَّ معه ماءً، أو خُضْرَةً، أو ما يَدُل على الماءِ، وقُلْنا بوُجُوبِ الطَّلَب، بَطَل تَيَمُّمُه. وكذلك إن رَأى سَرابًا ظَنَّه ماءً. وهو قَوْلُ الشافعي؛ لأَنَّه لَمّا وَجَب الطَّلَبُ بَطَل التَّيَمُّم.
стр. 649
وإنْ وَجَدَ الْمَاءَ بَعْدَ الصَّلَاةِ لَمْ تَجِبْ إِعَادَتُهَا،
ــ
وسَواءٌ تَبَيَّنَ له خِلافُ ظنِّه أوْ لا، قال شَيخُنا (١): ويَحْتَمِلُ أن لا يَبْطُلَ تَيَمُّمُه؛ لأنَّ الطهارةَ المُتَيَقَّنَةَ لا تَبْطُلُ بالشَّكِّ، كطَهارَةِ الماءِ، ووُجوبُ الطَّلَبِ لا يُبْطِلُ التَّيَمُّمَ؛ لأنَّ كَوْنَه مُبْطِلًا إنَّما ثَبَت بدَلِيل شَرْعِي، وليس ها هنا نَصٌّ، ولا مَعْنَى نَصٍّ، فَيَنْتَفِىَ الدَّلِيلُ.
١٨٦ - مسألة: (وإن وَجَد الماءَ بعدَ الصلاةِ، لم تَجِبْ إعادتُها) وجُمْلَتُه أنَّ العادِمَ للماءِ في السَّفَرِ إذا وَجَد الماءَ بعدَ خُروجِ الوَقْتِ، وكان قد صَلَّى بالتَّيَمُّمِ، لم تَجِبْ عليه إعادَةُ الصلاةِ إجْماعًا. حَكاه ابنُ المُنْذِرِ. وإن وَجَد في الوَقْتِ لم يَلْزَمْه أيضًا إعادَةٌ، سَواءٌ يئس مِن وُجُودِ الماءِ في الوقتِ، أو ظَنَّ وُجودَه فيه. وهذا قوْلُ أبي سَلَمَةَ (٢)، والشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، والثَّوْرِيِّ، ومالكٍ، والشافعي، وإسْحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ، وأصحابِ الرَّأي. وقال عَطاءٌ، وطاوُسٌ، والقاسِمُ بنُ محمدٍ، وابنُ
стр. 650
وَإنْ وَجَدَهُ فِيهَا بَطَلَتْ. وَعَنْهُ، لَا تَبْطُلُ.
ــ
سِيرِينَ، والزُّهْرِيُّ: يُعِيدُ الصلاةَ. ولَنا، ما روَى أبو داودَ، عن أبي سعيدٍ، أنَّ رَجُلَين خَرَجا في سَفرٍ، فحَضَرَتِ الصلاةُ وليس معهما ماءٌ، فتَيَمَّما صَعِيدًا، فصَلَّيا، ثم وَجَدا الماءَ في الوَقْتِ، فأعادَ أحَدُهما الوُضُوءَ والصلاةَ، ولم يُعِدِ الآخَرُ، ثم أتيا رسولَ اللهِ ﷺ ، فذَكَرا له ذلك، فقال للذي لم يُعِدْ: «أصبْتَ السُّنَّةَ (١)، وَأجْزأتكَ صَلَاتُكَ». وقال للذي أعادَ: «لَكَ الْأجْرُ مَرَّتَين» (٢). واحْتَجَّ أحمدُ بأنَّ ابنَ عُمَرَ تَيَمَّمَ وهو يَرَى بُيُوتَ المَدينَةِ، فصَلَّى العَصْرَ، ثم دَخَل المدينةَ والشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ، فلم يُعِدْ. ولأنَّه أدَّى فَرْضَه؛ كما أمِرَ، فلم تَلْزَمْه الإِعادَةُ، كما لو وَجَدَه بعدَ الوَقْتِ، ولأنَّ عَدَمَ الماءِ عُذْرٌ مُعْتادٌ، فإذا تَيَمَّمَ معه يَجِبُ أنْ يُسْقِطَ فَرْضَ الصلاة كالمَرَيض، وكما لو وَجَدَه بعدَ الوَقْتِ.
١٨٧ - مسألة: (وإن وَجَدَه فيها، بَطَلَتْ. وعنه، لا تَبْطُل) ظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّ المُتَيَمِّمَ إذا قَدَر على اسْتِعْمالِ الماءِ وهو في الصلاةِ، بَطَل
стр. 651
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تَيَمُّمُه وبَطَلَتْ صَلاتُه، لبُطْلانِ طَهارَتِه، فيَتَوَضَّأُ إن كان مُحْدِثًا، ويَغْتَسِلُ إن كان جُنُبًا، ويَسْتَقْبِلُ الصلاةَ. ويَتَخَرَّجُ أن يَبْنِىَ على ما مَضَى مِن صَلاتِه، كمَن سَبَقَه الحَدَثُ، وفيه رِوايَتان؛ أصَحُّهما أنَّه يَسْتَقْبِلُ الصلاةَ. وههُنا أوْلَى؛ لأنَّ ما مَضَى مِن صَلاتِه انْبَنَى على طهارةٍ ضَعِيفَةٍ، فلم يَكُنْ له البِناءُ عليه، كطهارةِ المُسْتَحاضَةِ، بخِلافِ مَن سَبَقَه الحَدَثُ. والقَوْلُ ببُطْلانِ الصلاةِ قولُ الثَّوْرِيِّ وأبي حَنِيفَةَ. وقال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: لا تَبْطُلُ الصلاةُ. ورُوِيَ عن أحمدَ نَحْوُ ذلك. ورُوِيَ عنه أنَّه قال: كنتُ أقول يَمْضِي، تم تَدَبَّرْتُ فإذا أكْثَرُ الأحادِيثِ على أنَّه يَخْرُجُ. وهذا يَدُلُّ على رُجُوعِه عن هذه الرِّوايَةِ. واحْتَجُّوا بأنَّه وَجَد المُبْدَلَ بعدَ تَلبُّسِه بمَقْصُودِ البَدَلِ، فلم يَلْزَمْه الخُرُوجُ، لو وَجَد الرَّقَبَةَ بعدَ التَّلَبُّسِ بالصيامِ، ولأنَّه غيرُ قادِرٍ على اسْتِعْمالِ الماءِ؛ لأنَّ قُدْرَتَه تَتَوَقَّفُ على إبْطالِ الصلاةِ، وهو مَنْهِيٌّ عن إبْطالِها
стр. 652
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بقَوْلِه تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالكُمْ﴾ (١). ولَنا، قَوْلُه ﵇: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ، وَإنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ». أخْرَجَه أبو داودَ والنَّسائِيُّ (٢). دَلَّ بمَفْهُومِه على أنَّه لا يَكُونُ طَهُورًا عندَ وُجُودِ الماءِ، وبمَنْطُوقِه على وُجوبِ اسْتِعْمالِه عندَ وُجودِه. ولأنَّه قَدَر على اسْتِعْمالِ الماءِ فبَطَلَ تَيَمُّمُه، كالخارِجِ مِن الصلاةِ، ولأنَّ التَّيَمَّمَ طهارةُ ضَرُورَةٍ، فبَطَلَتْ بزَوالِ الضَّرُورَةِ كطَهارَةِ المُسْتَحاضَةِ إذا انْقَطعَ دَمُها. وقِياسُهم لا يَصِحُّ، فإنَّ الصومَ هو البَدَلُ نَفْسُه، فنَظِيرُه إذا قَدَر على الماءِ بعدَ تَيَمُّمِه، ولا خِلافَ في بُطْلانِه. ثم الفَرْقُ بَينَهما أنَّ مُدَّةَ الصيامِ تَطُولُ، فيَشُقُّ الخُرُوجُ منه؛ لِما فيه مِن الجَمْعِ بينَ فَرْضَين شَاقَّين، بخِلافِ مَسْألَتِنا. وقَوْله: هو غيرُ قادِرٍ. غيرُ صَحِيحٍ، فإنَّ الماءَ قَرِيبٌ، وآلتَهُ (٣) صَحِيحَةٌ، والمَوانِعَ مُنْتَفِيَةٌ. قَوْلُهم: إنَّه مَنْهِيٌّ عن إبْطالِ الصلاةِ. قُلْنا: لم يُبْطِلْها، وإنَّما هي بَطَلَتْ بزَوالِ الطهارةِ، كما في نَظائِرِها.
стр. 653
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن وَجَد ماءً قد وَلَغ فيه بَغْلٌ أو حِمارٌ، أو شيءٌ مِن سِباعِ البَهائِمِ، وقُلْنا: إنَّه مَشْكُوكٌ فيه. لم يَلْزَمْه الخُرُوجُ؛ لأنَّه دَخَل في الصلاةِ بطهارةٍ مُتَيَقَّنَةٍ، فلم يَخْرُجْ بأمْرٍ مَشْكُوكٍ فيه. ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ، قال: ويَحْتَمِلُ أن يَخْرُجَ, كما لو وَجَد ماءً طاهِرًا. والأوَّلُ أوْلَى. وكذلك إن رَأى رَكْبًا، أو خُضْرةً، أو ما يَدُلُّ على الماءِ في الصلاةِ، لم تَبْطُلْ صَلاتُه ولا تَيَمُّمُه؛ لأنَّه دَخَل فيها بطَهارَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ، فلا تَزُولُ بالشَّكِّ.
فصل: والمُصَلِّي على حَسَبِ حالِه بغيرِ وُضُوءٍ، ولا تَيَمُّمٍ، إذا وَجَد ماءً في الصلاةِ أو تُرابًا، خَرَج مِنها بكلِّ حالٍ، لأنَّها صلاةٌ بغيرِ طهارةٌ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَخْرُجَ مِنها إذا قُلْنا: لا تَلْزَمُه الإِعادَةُ. كما في المُتَيَمِّمِ إذا وَجَد الماءَ في الصلاةِ، ولأنَّ الطهارةَ شَرْطٌ سَقَط اعْتِبارُه، فأشْبَهَتِ السُّتْرَةَ إذا عَجَز عنها، فصَلَّى عُرْيانًا، ثم وَجَد السُّتْرَةَ في أثْناءِ الصلاةِ قَرِيبًا منه. وكلُّ صلاةٍ تَلْزَمُه إعادَتُها، فإنَّه يَلْزَمُه الخُرُوجُ منها إذا زال العُذْرُ فيها، ويَلْزَمُه اسْتِقْبالُها.
стр. 654
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ولو يَمَّمَ المَيِّتَ، ثم قَدَر على الماءِ في أثْناءِ الصلاةِ عليه، لَزِمَه الخُرُوجُ؛ لأنَّ غُسْلَ المَيِّتِ مُمْكِنٌ غيرُ مُتَوَقِّفٍ على إبْطالِ المُصَلِّي صَلاته، بخِلافِ مَسْألَتِنا. ويَحْتَمِلُ أن يكُونَ كمَسْألَتِنا؛ لأنَّ الماءَ وُجِد بعدَ الدُّخُولِ في الصلاةِ.
فصل: وإذا قُلْنا: لا يَلْزَمُ المُصَلِّيَ الخُرُوجُ لرُؤْيَةِ الماءِ، فهل يَجُوزُ له الخُرُوجُ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، له ذلك؛ لأنَّه شَرَع في مَقْصُودِ البَدَلِ، فجازَ له الُّرجُوعُ إلى المُبْدَلِ، كمَن شَرَع في صَوْمِ الكَفّارَةِ، يَجُوزُ له الانْتِقالُ إلى العِتْقِ. والثاني، لا يجُوزُ له الخُرُوجُ. وهو أوْلَى؛ لأنَّ ما لا يُوجِبُ الخُرُوجَ مِن الصلاةِ لا يُبِيحُه، كسائِرِ الأشياءِ، ولأنَّ فيه إبْطالًا للعَمَلِ (١)، فلم يَجُزْ؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالكُمْ﴾. ولأصحابِ الشافعيَّ وَجْهان كهذَين.
فصل: إذا رَأى ماءً في الصلاةِ، ثم انْدَفَقَ (٢) قبلَ اسْتِعْمالِه، بَطَل تَيَمُّمُه وصَلاتُه إن قُلْنا: يَلْزَمُه الخُرُوجُ منها. ويَلْزَمُه اسْتِئْنافُ التَّيَمُّمِ والصلاةِ. وإن قُلْنا: لا يَبْطُلُ. وانْدَفقَ وهو في الصلاةِ، فقال ابْنُ عَقِيلٍ: ليس له أن يُصَلِّيَ بذلك التَّيَمُّمِ صلاةً أُخْرَى. وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ
стр. 655
وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ التَّيَمُّمِ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ، لِمَنْ يَرْجُو وُجُودَ الْمَاءِ.
ــ
رُؤْيَةَ الماءِ حَرَّمَتْ عليه افْتِتاحَ صلاةٍ أُخْرَى. ولو تَلَبَّسَ بنافِلَةٍ ثم رأى ماءً، فإن كان نَوَى عَدَدًا، أتَى به، وإن لم يَكُنْ نَوَى عَدَدًا، لم يكنْ له أن يَزِيدَ على رَكْعتَين؛ لأنَّه أقَلُّ الصلاةِ على ظاهِرِ المذهبِ، قال شيخُنا (١): ويَقْوَى عِنْدِي أنَّنا إذا قُلْنا: لا تَبْطُل الصلاةُ برُؤْيَةِ الماءِ. فله افْتِتاحُ صلاةٍ أُخْرَى؛ لأنَّ رُؤْيَةَ الماءِ لم تُبْطِلِ التَّيَمُّمَ في الصلاةِ، ولا وُجِد بعدَها ما يُبْطِلُه، فأشْبَهَ ما لو رَآه وبينَه وبينَه سَبُعٌ، ثم انْدَفَقَ قبلَ زَوالِ المانِعِ، فعلى هذا له أن يُصَلِّيَ ما يَشاءُ, لو لم يَرَ (٢) الماءَ. واللهُ أعْلَمُ.
فصل: وإن خَرَج الوَقْتُ وهو في الصلاةِ، بَطَل تَيَمُّمُه وصَلاتُه؛ لأنَّ طَهارَتَه انْتَهَتْ بانْتِهاءِ وَقْتِها، فبَطَلَتْ, كما لو انْقَضَتْ مُدَّةُ المَسْحِ وهو في الصلاةِ.
١٨٨ - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ التَّيَمُّمِ إلى آخِرِ الوَقْتِ، لمَن يَرْجُو وُجُودَ الماءِ) ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ. وإن يَئس مِن وُجودِه، اسْتُحِبَّ تَقدِيمُه. وهذا مذهبُ مالكٍ. وقال الشافعيُّ في أحدِ قَوْلَيه: التَّقْدِيمُ أفْضَلُ، إلَّا أن يكُونَ واثِقًا بوُجودِ الماءِ في الوَقْتِ؛ لأنَّ أوَّلَ الوَقْتِ فَضِيلَةٌ
وَإنْ تَيَمَّمَ وصَلَّى في أَوَّلِ الْوَقْتِ أَجْزأَةُ.
ــ
١٨٩ - مسألة: (فإن تَيَمَّمَ في أوَّلِ الوَقْتِ وصَلَّى أجْزأه) ولا تَجِبُ عليه الإعادَةُ، سَواءٌ وَجَد الماءَ في الوَقْتِ، أو لم يَجِدْ، وقد ذَكَرْنا ذلك. ولأنَّه أتَى بما أُمِرَ به (١) في حالِ العُذْرِ، فلم تَجِبْ عليه الإِعادَةُ بزَوالِ العُذْرِ، كمَن صَلَّى عُرْيانًا، ثم قَدَر على السُّتْرَةِ، وكمَن صَلَّى جالِسًا لمَرَضٍ، ثم بَرَأ في الوَقْتِ. واللهُ أعلم.
стр. 658
وَالسُّنَّةُ فِي التَّيَمُّمِ أَن يَنْويَ، وَيُسَمِّيَ، وَيَضْرِبَ بِيَدَيهِ مُفَرَّجَتَيِ الأَصَابعِ عَلَى التُّرَابِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، فَيَمْسَحَ وَجْهَهُ بِبَاطِنِ أَصَابِعِهِ، وَكَفَّيهِ بِرَاحَتَيهِ.
ــ
١٩٠ - مسألة: (والسُّنَّةُ في التَّيَمُّمِ أن يَنْويَ ويُسَمِّيَ ويَضْرِبَ بيَدَيه مُفَرَّجَتَيِ الأصابعِ على التُّرابِ ضَرْبَةً واحِدَةً، فيَمْسَحَ وَجْهَه بباطِنِ أصابِعِه وكَفَّيْه براحَتَيه) المَسْنُونُ عن أحمدَ، ﵀، التَّيَمُّمُ بضَرْبَةٍ واحِدَةٍ، قال الأثْرَمُ: قلتُ لأبي عبدِ اللهِ: التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ واحِدَةٌ؟ فقال: نعم، للوَجْهِ والكَفَّين، ومَن قال: ضَرْبَتَين. فإنَّما هو شيءٌ زادَه. قال التِّرمِذِيُّ (١): وهو قَوْلُ غيرِ واحِدٍ مِن أهلِ العِلمِ مِن أصْحابِ رسولِ اللهِ ﷺ وغيرِهم؛ منهم عليٌّ، وعَمّارٌ، وابنُ عباسٍ، وعَطاءٌ، والشَّعْبِيُّ، والأوْزاعِيُّ، ومالكٌ، وإسحاقُ. وقال الشافعيُّ: لا يُجْزِيء التَّيَمُّمُ إلَّا بضَرْبَتَين؛ للوَجْهِ واليَدَين إلى المِرْفَقَين. ورُوي ذلك عن ابنِ عُمَرَ، وابنِه سالمٍ، والحسنِ،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فأَجْنَبْتُ، فلم أجِدِ الماءَ، فتَمَرَّغْتُ في الصَّعِيدِ كما تَمَرَّغُ الدّابَّةُ، ثم أتَيتُ النبيَّ ﷺ فذَكَرْتُ ذلك له، فقال.: «إنَّمَا يَكْفِيكَ أنْ تَقولَ بِيَدَيكَ هَكَذَا». ثم ضَرَب بيَدَيه الأرْضَ ضَرْبَةً واحِدَةً، ثم مَسَح الشِّمال على اليَمِينِ، وظاهِرَ كَفَّيه ووَجْهَه. مُتِّفَقٌ عليه (١). ولأنَّه حُكْمٌ عُلِّقَ على مُطْلَقِ اليَدَين، فلم يَدْخُلْ فيه الذِّراعُ، كقَطْعِ السّارِقِ، ومَسِّ الفَرْجِ، وقد احْتَجَّ ابنُ عباسٍ بهذا. وأمّا أحادِيثُهم فضَعِيفَةٌ، قال الخَلّالُ: الأحادِيثُ في ذلك ضِعافٌ جِدًّا، ولم يَرْو أصحابُ السُّنَنِ منها إلَّا حديثَ ابنِ عُمَرَ. وقال أحمدُ: ليس بصَحِيحٍ عن النبيِّ ﷺ ، وهو عندَهم حديثٌ
стр. 661
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مُنْكَرٌ. قال الخَطَّابِيُّ (١): يَرْويه محمدُ بنُ ثابتٍ، وهو ضَعِيفٌ (٢). وحديثُ ابنِ الصِّمَّةِ صَحِيحٌ، لكنْ إنَّما جاء في المُتَّفَقِ عليه: فمَسَحَ وَجْهَه ويَدَيه. فيَكُونُ حُجَّةً لَنا؛ لأنَّ ما عَلِق على مُطْلَقِ اليَدَين لا يَتَناوَلُ الذِّراعَين. ثم أحادِيثُهم لا تُعارِضُ حَدِيثنا؛ لأنَّها تَدُلُّ على جَوازِ التَّيَمُّمِ بضَرْبَتَين، ولا يَنْفِي ذلك جَوازَ التَّيَمُّمِ بضَرْبَةٍ، كما أنَّ وُضُوءَ النبيِّ ﷺ ثلاثًا لا يَنْفِي الإِجْزاءَ بمَرَّةٍ. فإن قِيل: فقد رُوِيَ في حديثِ عَمّارٍ: «إلى المِرْفَقَينِ». فيَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ بالكَفَّين اليَدَين إلى المِرْفَقَين. قُلْنا: حديثُ: «إلى المِرْفَقَينِ»، لا يُعَوَّلُ عليه، إنَّما رَواه سَلَمَةُ (٣)، وشَكَّ فيه. ذَكَر ذلك النَّسائِيُّ (٤). فلا يَثْبُتُ مع الشَّكِّ، مع أنَّه قد أُنْكِر عليه،
стр. 662
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وخالفَ به سائِرَ الرُّواةِ الثِّقاتِ، فكيف يُلْتَفَتُ إلى مِثْلِ هذا؟ وأمّا التَّأْويلُ فباطِلٌ، لأمُورٍ: أحَدُها، أنَّ عَمَّارًا الرّاويَ له الحاكِيَ فِعْلَ النبيِّ ﷺ ، أفْتَى بعدَ النبيِّ ﷺ في التَّيَمُّمِ للوَجْهِ والكَفَّين، عَمَلًا بالحديثِ. وقد شاهَدَ فِعْلَ النبيِّ ﷺ ، والفِعْلُ لا احْتِمال فيه. الثاني, أنَّه قال: ضَرْبَةً واحِدَةً. وهم يقولون: ضَرْبَتان. الثالثُ، أنّا لا نَعْرِفُ في اللُّغَةِ التَّعْبِيرَ بالكَفَّين عن الذِّراعَين. الرابعُ، أنَّ الجَمْعَ بينَ الخَبَرَين بما ذَكَرْناه، مِن أنَّ كلَّ واحِدٍ من الفِعْلَين جائِزٌ، أقْرَبُ مِن تَأْويلِهم وأسْهَلُ. وقِياسُهم يَنْتَقِضُ بالتَّيَمُّم عن الغُسْلِ الواجِبِ، فإنَّه يَنْقُضُ عن المُبْدَلِ، وكذلك في الوُضُوءِ، فإنَّه في عُضْوَين، وكذا في الوَجْهِ، فإنَّه [لا يَجِبُ] (١) مَسْحُ ما تحتَ الشُّعُورِ الخَفِيفَةِ. واللهُ أعلمُ.
فصل: ولا يَخْتَلِفُ المَذْهَبُ أنَّه يُجْزِئُ التَّيَمُّمُ بضَرْبَةٍ واحِدَةٍ وبضَرْبَتَين، وإن تَيَمَّمَ بأكْثَرَ مِن ضَرْبَتَين جاز؛ لأنَّ المَقْصُودَ إيصالُ التُّرابِ إلى مَحَلِّ الفَرْضِ، فكَيفَما حَصَل جاز، كالوُضُوءِ. فإن تَيَمَّمَ
стр. 663
وَقَال الْقَاضِي: الْمَسْنُونُ ضَرْبَتَانِ، يَمْسَحُ بإِحْدَاهُمَا وَجْهَهُ، وَبِالأُخْرَى يَدَيهِ إِلَى الْمِرْفَقَينِ، فَيَضَعُ بُطُونَ أصَابِعِ الْيُسْرَى عَلَى ظَهْرِ أصَابِعِ الْيُمْنَى، وَيُمِرُّهَا إِلَى مِرْفَقِهِ، ثُمَّ يُدِيرُ بَطْنَ كَفِّهِ إلَى بَطنِ الذِّرَاعِ ويُمِرُّهَا عَلَيهِ،
ــ
بضَرْبَةٍ، فإنَّه يَمْسَحُ وَجْهَه بباطِنِ أصابِعِه، وظاهِرَ كَفَّيهِ إلى الكُوعَين بباطِنِ راحَتَيه، ويُسْتَحَبُّ أنْ يَمْسَحَ إحْدَى الرّاحَتَين بالأُخْرَى، ولا يَجبُ ذلك؛ لأنَّ فَرْضَ الرَّاحَتَين قد سَقَط بإمْرارِ كلِّ واحدَةٍ على ظَهْرِ الكَفِّ. ويُفَرِّقُ أصابِعَه عندَ الضَّربِ؛ ليَدْخُلَ الغُبارُ فيما بَينَها. وإن كان التُّرابُ ناعِمًا، فوَضَعَ اليَدَين عليه وَضْعًا، أجْزأَة. وإن مَسَح بضَرْبَتَين، مَسَح بإحْداهما وَجْهَه، وبالأُخْرَى يَدَيه. قال ابنُ عَقِيلٍ: رَأيتُ التَّيَمُّمَ بضَرْبَةٍ واحِدَةٍ قد أسْقَطَ تَرْتِيبًا مُسْتَحَقًّا في الوُضُوءِ، وهو أنَّه يَعْتَدُّ بمَسْحِ باطِنِ أَصابِعِه مع مَسْحِ وَجْهِه، وكَيفَما مَسَح بعدَ أن يَسْتَوْعِبَ مَحَلَّ الفَرْضِ أَجْزأه.
فصل: والمَسْنُونُ عن أحمدَ، ﵀، التَّيَمُّمُ بضَرْبَةٍ كما وَصَفْنا. نَصَّ عليه. (وقال القاضِي): التَّيَمُّمُ بضَرْبَةٍ إلى الكُوعَين صِفَةُ الإِجْزاءِ و (المَسْنُونُ ضَرْبَتان؛ يَمْسَحُ بأُولاهُما وَجْهَه، وبالأُخْرَى يَدَيه إلى المِرْفَقَين، فيَضَعُ بُطُونَ أَصابعِ اليُسْرَى على ظَهْرِ أصابِعِ اليُمْنَى ثم يُمِرُّها إلى مِرْفَقِه، ثم يُدِيرُ بَطنَ كَفِّه إلى بَطنِ الذِّراعِ، ويمِرُّها عليه،
стр. 664
ويُمِرُّ إِبْهَامَ الْيُسْرَى عَلَى ظَهْرِ إِبْهَامِ الْيُمْنَى، وَيَمْسَحُ الْيُسْرَى بالْيُمْنَى كَذَلِكَ، وَيَمْسَحُ إِحْدَى الرَّاحَتَينِ بِالأخْرَى، وَيُخَلِّلُ الأصَابِعَ.
ــ
ويُمِرُّ إبْهامَ اليُسْرَى على ظَهْرِ إبهامِ اليُمْنَى، ثم يَمْسَحُ يَدَه اليُسْرَى بيَدِه اليُمْنَى كذلك، ويَمْسَحُ إحْدَى الرّاحَتَين بالأُخْرَى) ويُسْتَحَبُّ تَخْلِيلُ الأصابِعِ قِياسًا على الوُضُوء، وإنَّما اسْتُحِبَّ ذلك لوَجْهَين؛ أحَدُهما، أَنَّه قد رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه تَيَمَّمَ بضَرْبَتَين إلى المرْفقَين، وأقلُّ أحْوالِ فِعْلِه إذا يَدُلَّ على الإِيجابِ الاسْتِحْبابُ. الثاني، أنَّ فيه خُرُوجًا مِن الخِلافِ. وإنَّما اخْتارَ الإِمامُ أحمدُ الأوَّلَ؛ لأنَّ الأحادِيثَ الصَّحِيحةَ إنَّما جاء فيها المَسْحُ إلى الكُوعَين.
فصل: وإذا وَصَل التُّرابُ إلى وَجْهِه ويَدَيه بغيرِ ضَرْبٍ، نَحْوَ أنْ نَسَفَتِ الرِّيحُ عليه غُبارًا، فإن لم يَكُنْ قَصَد الرِّيحَ ولا صَمَد لها، فمَسَحَ وَجْهَه بما عليه لم يُجْزِه؛ لأنَّ اللهَ تعالى أمَر بقَصْدِ الصَّعِيدِ، ولم يُوجَدْ، وإن مَسَح وَجْهَه بغيرِ ما عليه أجْزأه؛ لأنَّه قد أخَذَ التُّرابَ لوَجْهِه، فلا فرْقَ بينَ أن يَأْخُذَه مِن ثِيابِه، أو مِن الأرْضِ، وإن كان صَمَد للرِّيحِ، وأحْضَرَ النِّيَّةَ، فقال القاضي والشَّرِيفُ أبُو جَعْفَرٍ: يُجْزِئُه كما لو صَمَد للمَطرَ حتى جَرَى على أعْضائِه. قال شيخُنا (١): والصَّحِيحُ أنَّه لا يُجْزِئُه. وهو اخْتِيارُ ابنِ عَقِيل؛ لأنَّه لم يَمْسَحْ، وقد أمَرَ اللهُ تعالى بالمَسْحِ. فعلى هذا، إن مَسَح وَجْهَه بما عليه أجْزأه؛ لحُصُولِ المَسْحِ،
стр. 665
وَمَنْ حُبِسَ فِي الْمِصْرِ صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ، وَلَا إِعَادَةَ عَلَيهِ.
ــ
ويَحْتَمِلُ أن لا يُجْزِئَه؛ لأنَّ اللهَ تعالى أمَرَ بقَصْدِ الصَّعِيدِ والمَسْحِ به. واللهُ أعلمُ.
فصل: وإذا عَلا على يَدَيه تُرابٌ كَثِيرٌ، لم يُكرَهْ نَفْخُه؛ لأنَّ في حَدِيثِ عَمّارٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ ضَرَب بيَدَيه الأرْضَ، ونَفَخ فيهما. قال أحمدُ: لا يَضُرُّه، فَعَل أو لم يَفْعَلْ. وهذا قولُ ابنِ المُنْذِرِ. ومِمَّن لم يَكْرَهْ نَفْخَ اليَدَين ونَفْضَهما الشَّعْبِيُّ. وقال مالكٌ: نَفْضًا خَفِيفًا. وقال الشافيُّ: لا بَأْس به إذا بَقِي على يَدَيه غُبارٌ. وهو قولُ إسحاقَ. وقال أصحابُ الرَّأْي: يَنْفُضُهما. وكان ابنُ عُمَرَ لا يَنْفُضُ يَدَيه. وذَكَر القاضي وابنُ عَقِيلٍ رِوايَةً، أنَّه يُكْرَهُ, كما يُكْرَهُ نَفْضُ الماءِ عن اليَدَين في الوُضوءِ. فإن كان التُّرابُ خَفِيفًا، فقال أصحابُنا: يُكْرَهُ نَفْخُه، روايةً واحِدَةً. فإن ذَهَب ما عليهما بالنَّفْخِ، أعاد الضَّرْبَ؛ لأنَّه مَأْمُورٌ بالمَسْحِ بشيءٍ مِن الصَّعِيدِ.
١٩١ - مسألة: (ومَن حُبِس في المِصْرِ صَلَّى بالتَّيَمُّمِ، ولا إعادَةَ عليه) قد ذَكَرْنا أنَّ مَن صَلَّى بالتَّيَمُّمِ في الحَضَرِ لعَدَمِ الماءِ،
стр. 666
وَلَا يَجُوزُ لِوَاجِدِ الْمَاءِ التَّيَمُّمُ خَوْفًا مِنْ فَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ وَلَا الْجِنَازَةِ. وَعَنْهُ، يَجُوزُ لِلْجِنَازَةِ.
ــ
هل تَجِبُ عليه الإِعادَةُ؟ فيه رِوايَتان على الإِطْلاقِ؛ إحْداهما، لا تَجِبُ عليه الإِعادَةُ. وهو مذهبُ مالكٍ، قِياسًا على السَّفَرِ. والثانيةُ، تَجِبُ عليه. وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه عُذْرٌ نادِرٌ، فلا يُلْحَقُ بالغالِبِ. وعنه، لا يُصَلِّي حتى يَجِدَ الماءَ، أو يُسافِرَ. ذَكَره في «المُحَرَّرِ» (١). وقال أبو الخَطّابِ: لا تَجِبُ عليه الإِعادَةُ في هذه المَسْألَةِ. وهو الصحيحُ، إن شاء اللهُ تعالى، وذَكَر في غيرِها رِوايَتَين. ووَجْهُ قولِ أبي الخَطّابِ أنَّ هذا عادِمٌ للماءِ بعُذْرٍ مُتَطاولٍ مُعْتادٍ، أشْبَهَ المُسافِرَ.
١٩٢ - مسألة: (ولا يَجُوزُ لواجِدِ الماءِ التَّيَمُّمُ خَوْفًا مِن فَواتِ المَكْتُوبَةِ، ولا الجِنازَةِ. وعنه، يَجُوزُ للجِنازَةِ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّه إذا كان الماءُ مَوْجُودًا، إلَّا أنَّه إن اشْتَغَلَ بتَحْصِيلِه واسْتِعْمالِه فات الوَقْتُ، لم يُبَحْ له التَّيَمُّمُ، سَواءٌ كان حاضِرًا أو مُسافِرًا، في قولِ أكْثَرِ أهلِ العلمِ؛ منهم الشافيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصحابُ الرَّأْي. وعن الأوزْاعِيِّ،
стр. 667
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والثَّوْرِيِّ: له التَّيَمُّمُ. ورُوي عن مالكٍ، وسعيدِ بنِ عبدِ العزيزِ، نَحْوُ القَوْلِ الأوَّلِ؛ لقَوْلِ الله تِعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾. وحَدِيثِ أبي ذَرٍّ، وهذا واجِدٌ للماءِ، ولأنَّه قادِرٌ على الماءِ، فلم يَجُزْ له التَّيَمُّمُ, لو لم يَخَفْ فوْتَ الوَقْتِ. ولأنَّ الطهارةَ شَرْطٌ، فلم يُبَحْ تَرْكُها خِيفةَ فَوْتِ وَقْتِها، كسائِرِ شَرْائِطِها. وإن خاف فَوْتَ العِيدِ فكذلك. وقال الأوْزاعِيُّ، وأصحابُ الرَّأْي: له التَّيَمُّمُ؛ لأنَّه يَخافُ فَوْتَها بالكُلِّيَّةِ، فأشْبَهَ العادِمَ. ووَجْهُ الأوَّلَ، ما ذَكَرْنا مِن الآيَة، والمَعْنَى. فأمّا إن خاف فَوْتَ الجِنازَةِ، ففيه رِوايَتان؛ أظْهَرُهما، لا يَجُوزُ له التَّيَمُّمُ؛ لِما ذَكَرْنا. وهو قولُ الشافعيِّ، وابنِ المُنْذِرِ. والثانيةُ، يَجُوزُ. يُرْوَى ذلك عن ابنِ عُمَرَ،
стр. 668
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وابنِ عباسٍ. وبه قال النَّخَعِيُّ، والزُّهْرِيُّ، والحسنُ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْي؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ اسْتِدْراكُها بالوُضُوءِ، أشْبَهَ العادِمَ. وقال الشَّعْبِيُّ: يُصَلِّي عليها مِن غيرِ وُضُوءٍ ولا تَيَمُّمٍ؛ لأنَّه لا رُكُوعَ فيها ولا سُجُودَ، أشْبَهَتِ الدُّعاءَ في غيرِ الصلاةِ. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةً بِغَيرِ طَهُورٍ» (١). ولأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾. الآيةُ، ثم أباحَ تَرْكَ الغَسْلِ مَشْرُوطًا بعَدَمِ الماءِ، بقولِه: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾. ليَبْقَى فيما عَداه على قَضِيَّةِ العُمُومِ.
стр. 669
وَإنِ اجْتَمَعَ جُنُبٌ، وَمَيِّتٌ، وَمِنْ عَلَيهَا غُسْلُ حَيضٍ، فَبُذِلَ مَاءٌ يَكْفِي أَحَدَهُمْ لأَوْلَاهُمْ بِهِ، فهُوَ لِلْمَيِّتِ. وَعَنْهُ، أَنَّهُ لِلْحَيِّ. وَأَيُّهُمَا يُقَدَّمُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
ــ
١٩٣ - مسألة: (وإنِ اجْتَمَعَ جُنُبٌ ومَيِّتٌ ومَن عليها غُسْلُ حَيضٍ، فبُذِلَ ماءٌ يَكْفِي أحَدَهم، لأوْلاهُم به، فهو للمَيِّتِ. وعنه، أنَّه للحَيِّ. وأيُّهما يُقدّمُ؟ فيه وَجْهان) وجُمْلَتُه، أنَّه إذا اجْتَمَعَ جُنُبٌ ومَيِّت ومَن عليها غُسْلُ حَيضٍ، ومعهم ماءٌ لا يَكْفِي إلَّا أحَدَهم؛ فإن كان مِلْكًا لأحَدِهم، فهو أحَقُّ به؛ لأنَّه مُحْتاج إليه لنَفْسِه، ولا يَجُوزُ له بَذْلُه لغيرِه. وإن كان الماءُ لغيرِهم، فأرادَ أن يَجُودَ به على أوْلاهُم به، ففيه رِوايَتان؛ أُولاهُما، أنَّ المَيِّتَ أحَقُّ به؛ لأنَّ غُسْلَه خاتِمَة طَهارَتِه،
стр. 670
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وصاحِباه يَرْجِعان إلى الماءِ فيَغْتَسِلان، ولأنَّ القَصْدَ بغُسْلِ المَيِّتِ تَنْظِيفُه، ولا يَحْصُلُ بالتَّيَمُّمِ، والحَيُّ يُقْصَدُ بغُسْلِه إباحَةُ الصلاةِ، وذلك يَحْصُلُ بالتُّرابِ. والثانيةُ، الحَيُّ أوْلَى؛ لأنَّه مُتَعَبِّدٌ بالغُسْلِ مع وُجُودِ الماءِ، والمَيِّتُ قد سَقَط الفَرْضُ عنه بالمَوْتِ، ولأنَّ الحَيَّ يَسْتَفِيدُ ما لا يَستَفِيدُ المَيِّتُ؛ مِن قِراءَةِ القرآنِ، ومَسِّ المُصْحَفِ، والوَطْءِ. اخْتارَها الخَلّالُ. وهل يُقَدَّمُ الجُنُبُ أو الحائِضُ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، الحائِضُ، لأنَّها تَقْضِي حَقَّ اللهِ تعالى، وحَقَّ زَوْجِها في إباحَةِ وَطْئِها. والثاني، الجُنُبُ أحَقُّ إذا كان رجلًا؛ لأنَّه يَصْلُحُ إمامًا لها، ولا تَصْلُحُ لإِمامَتِه. وإن كان على أحَدِهم نَجاسَةٌ فهو أوْلَى؛ لأنَّ طهارةَ الحَدَثِ لها