وَإنْ أجَرَاهُمَا بِأعْيَانِهِمَا، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أُجْرَةُ دَابَّتِهِ
ــ
٢١١٢ - مسألة: (وإن أجَراهما بأعْيانِهِما، فلكُلِّ واحِدٍ منهما أُجْرَةُ دابَّتِه) أمّا إذا أجَرَا الدّابَّتينَ بأعْيانِهما على حَمْلِ شيءٍ بأجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ، واشْتَرَكا على ذلك، لم تَصِح الشَّرِكَةُ، ولكُلِّ واحِدٍ منهما أُجْرَةُ دابَّتِه؛ لأنَّه لم يَجِبْ ضَمانُ الحَمْلِ في ذِمَّتهما (١)، وإنما اسْتَحَقَّ المُكْتَرِي مَنْفَعَةَ البَهِيمَةِ التي اسْتَأجَرَها، ولهذا تَنْفَسِخُ الإجارَةُ بمَوْتِ الدّابَّةِ المُسْتأجَرَةِ، ولأنَّ الشَّرِكَةَ إمّا أن تَنْعَقِدَ علي الضَّمانِ في ذِمَمِهما، أو على عَمَلِهما. وليس هذا بواحِدٍ منهما، فإنه لم يَثْبُتْ في ذِمَمِهما ضَمان، ولا عَمِلا بأبْدانِهما ما تَجِبُ الأجْرَةُ في مُقابَلَتِه، ولأنَّ الشَّرِكَةَ تَتَضمَّنُ الوَكالةَ،
стр. 6792
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والوَكالةُ على هذا الوَجْهِ لا تَصِحُّ، ولهذا لو (١) قال: آجِرْ عَبْدَك وتَكُونُ أُجْرَتُه بَيني وبَينَك. لَم يَصِحَّ، كما لو قال: بع عَبْدَك وثَمَنُه بَينَنا. لم يَصِحَّ. قال شيخُنا (٢): ويَحْتَمِلُ أن تَصِحَّ الشَّرِكَةُ، كما لو اشْتَرَكا فيما يَكْتَسِبان بأبدانِهما مِن المُباحِ. فإن أعان أحَدُهما صاحِبَه في التحْمِيلِ والنَّقْلِ، كان له أجْرُ مِثْلِه؛ لأنَّها مَنافِعُ وَفّاها بشُبْهَةِ عَقْدٍ.
فصل: فإن كان لأحَدِهما أداةُ قِصارَةٍ، ولآخَرَ بَيتٌ، فاشْتَرَكا على أن يَعْمَلا بأداةِ هذا في بَيتِ هذا، والكَسْبُ بينَهما، جاز، والأجْرَةُ على ما شَرَطا؛ لأنَّ الشَّرِكَةَ وَقَعَتْ على عَمَلِهما، والعَمَلُ يُسْتَحَقُّ به الرِّبْحُ في الشَّرِكَةِ، والآلةُ والبَيتُ لا يُسْتَحَقُّ بهما شيءٌ؛ لأنَّهما يُسْتَعْمَلان في العَمَلِ المُشْتَركِ، فصارا كالدّابتَّين اللَّتَين أجَراهُما لحَمْلِ الشيء الذي تَقَبَّلا حَمْلَه. وإن فَسَدتِ الشَّرِكَةُ، قُسِم الحاصِلُ لهما على قَدر أَجْرِ عَمَلِهما وأجْرِ الدارِ والأداةِ. وإنِ كانت لأحَدِهما آلة وليس للآخرِ شيءٌ، أو لأحَدِهما بَيتٌ وليس للآخرِ شيءٌ، فاتَّفَقا على أن يَعْمَلا بالآلةِ أو في البَيتِ، والأجْرَةُ بينَهما، جاز؛ لِما ذَكَرْنا.
стр. 6793
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن دَفَع رَجُلٌ دابَّته إلى آخَرَ ليَعْمَلَا عليها، وما رَزَق الله بينَهما نِصْفَين، أو أثْلاثًا، أو ما شَرَطاه، صَحَّ. نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ الأثْرَمِ، ومحمدِ بنِ أبي حَرْب، وأحمدَ بنِ سعيدٍ. ونُقِل عن الأوزاعِيِّ ما يَدُلُّ على هذا. وكَرِه ذلك الحَسَنُ، والنّخَعِيُّ. وقال الشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصحابُ الرأي: لا يَصِحُّ، والرِّبْحُ كلُّه لرَبِّ الدّابَّةِ؛ لأنَّ الحِمْلَ الذي يُسْتَحَقُّ به العِوَضُ منها، وللعامِلِ أجْرُ مِثْلِه؛ لأنَّ هذا ليس مِن أقْسامِ الشَّرِكَةِ، إلَّا أن تَكُونَ المُضارَبَةُ، ولا تَصِحُّ المُضارَبَةُ بالعُرُوضِ، ولأنَّ المُضارَبَةَ تَكُونُ بالتِّجارَةِ في الأعْيانِ، وهذه لا يَجُوزُ بَيعُها ولا إخْراجُها عن مِلْكِ مالِكِها. وقال القاضي: يتَخَرَّجُ أن لا يَصِحَّ، بِناءً على أنَّ المُضارَبَةَ بالعُرُوضِ لا تَصِحُّ. فعلى هذا، إن كان أجَرَ الدّابَّةَ بعَينها، فالأجْرَةُ لمالِكِها، وإن تَقَبَّلَ حَمْلَ شيء فحَمَلَه عليها، أو حَمَل عليها شيئًا مُباحًا فباعَه، فالأجْرَةُ والثَّمَنُ له، وعليه أجْرُ مِثْلِها لمالِكِها. ولَنا، أنَّها عَينٌ تُنَمَّى بالعَمَلِ عليها، فصَحَّ العَقْدُ ببعض نَمائِها، كالدّراهِمِ والدَّنانِيرِ، وكالشَّجَرِ في المُساقاةِ، والأرْضِ في المُزارَعَةِ. [فإن رَجَح] (١) قَوْلُهم: إنَّه ليس مِن أقْسامِ الشَّرِكَةِ، ولا هو مُضارَبَةٌ.
стр. 6794
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قُلْنا: نَعَم، لكنَّه يُشْبِهُ المُساقاةَ والمُزارَعَةَ؛ فإنَّه دَفْعٌ لعَينِ المالِ إلى مَن يَعْمَلُ عليها ببَعْضِ نَمائِها مع بَقاءِ عَينها. وبهذا يَتَبَيَّنُ أنَّ تَخْرِيجَها على المُضارَبَةِ بالعُرُوضِ فَاسِدٌ؛ فإنَّ المُضارَبَةَ إنَّما تَكُونُ بالتِّجارةِ والتَّصَرُّفِ في رَقَبَةِ المالِ، وهذا بخِلافِه. وذَكَر القاضي في مَوْضِعٍ آخَرَ، في مَن اسْتَأجَرَ دابَّةً بنِصْفِ ما يَرْزُقُ الله تعالى أو ثُلُثِه، جاز. قال شيخُنا (١): ولا أرَى لهذا وَجْهًا، فإنَّ الإجارَةَ (٢) يُشْتَرَطُ لصِحَّتِها العِلْمُ بالعِوَضِ، وتَقْدِيرُ المُدَّةِ أو العَمَلِ، ولم يُوجَدْ، ولأن هذا عَقْدٌ غيرُ مَنْصُوصٍ عليه، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ، فهو كسائِرِ العُقُودِ الفاسِدَةِ، إلَّا أن يُرِيدَ بالإِجارَةِ المُعامَلَةَ على الوَجْهِ الذي تَقَدَّمَ. وقد أشار أحمدُ إلى ما يَدُلُّ على تَشْبيهِه لمِثْلِ هذا بالمُزارَعَةِ، فقال: لا بَأسَ بالثَّوْبِ يُدْفَعُ بالثُّلُثِ والرُّبْعِ؛ لحديث جابِر، أنَّ النبيَّ ﷺ أعْطَى خَيبَرَ على الشَّطْرِ (٣). وهذا يَدُلُّ على أنَّه صار في هذا ومِثْلِه إلى الجَوازِ؛ لشَبَهِه بالمُساقاةِ والمُزارَعةِ لا إلى المُضارَبَةِ ولا إلى الإجارَةِ.
فصل: نَقَل أبو داوُدَ عن أحمدَ، في مَن يُعْطِي فَرَسَه على النِّصْفِ مِن الغَنِيمَةِ: أرْجُو أن لا يَكُونَ به بَأسٌ. قال إسحاقُ بنُ إبراهيمَ: قال
стр. 6795
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أبو عبدِ اللهِ: إذا كان على النِّصْفِ والربْعِ، فهو جائِزٌ. وبه قال الأوْزاعِيُّ. ونَقَل أحمدُ بنُ سعيدٍ، عن أحمدَ، في مَن دَفَع عَبْدَه إلى رَجُل ليَكْتَسِبَ عليه ويَكُونَ له ثُلُثُ ذلك، أو رُبْعُه، فجائِز. والوَجْهُ فيه ما ذَكَرْناه في مَسْألَةِ الدّابَّةِ. وإن دَفَع ثَوْبَه إلى خَيّاطٍ ليُفَصِّلَه قُمُصًا ويَبِيعَها، وله نِصْفُ رِبْحِها (١) بحَقِّ عَمَلِه، جاز. نَصَّ عليه في رِوايَةِ حَرْبٍ. وكذلك إن دَفَع غَزْلًا إلى رَجُل يَنْسِجُه بثُلُثِ ثَمَنِه أو رُبْعِه، جازَ. نَصَّ عليه. وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ: لا يَجُوزُ شيءٌ مِن ذلك؛ لأنَّه عِوَضٌ مَجْهُولٌ وعَمَلٌ مَجْهُولٌ. وقد ذَكَرْنا وَجْهَ جَوازِه، فإن جَعَل له مع ذلك دَرَاهِمَ، لم يَجُزْ. نَصَّ عليه. وعنه، يَجُوزُ. والصَّحِيحُ الأوَّلُ. قال أبو بكر: هذا قول قَدِيم، وما رُوِيَ غيرُ هذا فعليه المُعْتَمَدُ. قال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللهِ يَقُولُ: لا بَأسَ بالثَّوْبِ يُدْفَعُ بالثُّلُثِ والرُّبْعِ. وسُئِلَ عن الرَّجُلِ يُعْطِي الثَّوْبَ بالثُّلُثِ ودِرْهَم أو دِرْهَمَين، قال: أكْرَهُه؛ لأنَّ هذا شيءٌ لا يُعْرَفُ، والثُّلُثُ إذا لم يَكُنْ معه شيءٌ، نَراه جائِزًا؛ لحديثِ جابِر، أنَّ النبيَّ ﷺ أعْطى خَيبَرَ على الشَّطْرِ. قِيلَ لأبِي عبدِ اللهِ: فإن كان النَّسَّاجُ لا يَرْضَى حتى يُزادَ على الثُّلُثِ دِرْهَمًا؟ قال: فلْيَجْعَلْ له ثُلُثًا [وعُشْرَى ثُلُثٍ] (٢)، ونِصْفَ عُشْر، وما أشْبَهَه. وروَى الأثْرَمُ عن ابنِ سِيرِينَ، والنَّخَعِيِّ، والزُّهْرِيِّ، وأيوبَ،
стр. 6796
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ويَعْلَى بنِ حَكِيمٍ (١)، أنَّهم أجازُوا ذلك. وقال ابنُ المُنْذِرِ: كَرِه هذا كلَّه الحَسَنُ. وقال أبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأي: هذا كلُّه فاسِدٌ. واختارَه ابنُ المُنْذِرِ، وابنُ عَقِيل، [وقالوا] (٢): لو دَفَع شَبَكَتَه إلى الصَّيادِ ليَصِيدَ بها السَّمَكَ بينَهما نِصْفَان، فالصَّيدُ كلُّه للصائِدِ، ولصاحِبِ الشَّبَكَةِ أجْرُ مِثْلِها. وقِياسُ ما نُقِل عن أحمدَ صِحَّةُ الشَّرِكَةِ وما رَزَق الله بينَهما على ما شَرَطاه؛ لأنَّها عَينٌ تُنَمَّى بالعَمَلِ فيها، فصَحَّ دَفْعُها ببعضِ نَمائِها، كالأرْضَ.
فصل: وقد ذَكَر ابنُ عَقِيلٍ أنَّ رسولَ الله ﷺ نَهَى عن قَفِيزِ الطَّحّانِ (٣)، وهو أن يُعْطِيَ الطَّحّانَ أقْفِزَةً مَعْلُومةً يَطْحَنُها بقَفِيزِ دَقِيقٍ منها. وعِلَّةُ المَنْعِ، أنَّه جَعَل له بعضَ مَعْمُولِه أجْرًا لعَمَلِه، فيَصِيرُ الطَّحْنُ مُسْتَحَقًا له وعليه. وهذا الحديثُ لا نعْرِفُه، ولم تَثْبُتْ صِحَّتُه، ولا ذَكَرَه أصحابُ السُّنَنِ. وقِياسُ قولِ أحمدَ جَوازُه؛ لِما ذَكَرْنا عنه مِن المَسائِلِ.
فصل: فإن كان لرجلٍ دابَّةٌ، ولآخَرَ إِكافٌ وجُوالِقَاتٌ، فاشْتَرَكا على أن يُؤجِرَاهُما والأجْرَةُ بينَهما نِصْفان، فهو فاسِدٌ؛ لأنَّ هذه أعيان لا يَصِحُّ الاشْتِراكُ فيها، كذلك في مَنافِعِها، إذ تَقْدِيرُه: آجِرْ دابَّتك لتَكُونَ
стр. 6797
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أُجْرَتُها بَينَنا، وأؤجرُ جُوَالِقاتِي لتَكُونَ أُجُرَتُها بَيننا. وتكونُ كلُّها لصاحِبِ البَهِيمَةِ؛ لَأنَّه مالِكُ الأصْلِ، وللآخَرِ أجْرُ مِثْلِه على صاحِبِ البَهِيمَةِ؛ لأنَّه اسْتَوْفَى مَنافِعَ مِلْكِه بعَقْدٍ فاسِدٍ، هذا إذا أجَرَ الدّابَّةَ بما عليها مِن الإكافِ والجُوالِقاتِ في عَقْدٍ واحِدٍ، فأمّا إن أجَرَ كلُّ واحدٍ منهما مِلْكَه مُنْفَرِدًا، فَلِكُلِّ واحدٍ منهما (١) أجْرُ مِلْكِه. وهكذا لو قال رجلٌ لصاحِبِه: آجِرْ عَبْدِي، والأجْرُ بَينَنا. كان الأجْرُ لصاحِبِه، وللآخَرِ أجْرُ مِثْلِه. وكذلك في جميعِ الأعْيانِ.
فصل: فإنِ اشْتَرَكَ ثَلاثَةٌ (٢)؛ مِن أحَدِهِم دابَّةٌ، ومِن آخَرَ راويَةٌ (٣)، ومِن آخَرَ العَمَلُ، على أنَّ ما رَزَق اللهُ تعالى فهو بينَهم، صَحَّ في قِياسِ قولِ أحمدَ، فإنَّه نصَّ في الدّابَّةِ يَدْفَعُها إلى آخَرَ يَعْمَلُ عليها على أنَّ لهما الأجْرَةَ على الصِّحَّةِ. وهذا مِثْلُه (١)؛ لأنَّه دَفَع دابَّتَهَ إلى آخَرَ يَعْمَلُ عليها، والرَّاويَةُ عَينٌ تُنَمَّى بالعَمَلِ عليها، فهي كالبَهِيمَةِ، فعلى هذا، يكونُ ما رَزَق اللهُ بينَهم على ما اتَّفَقُوا عليه. وهذا قولُ الشافعيِّ. ولأنَّهما وَكَّلَا العامِلَ في كَسْبٍ مُباحٍ بآلةٍ دَفَعاها إليه، فأشْبَهَ ما لو دَفَع إليه أرْضَه ليَزْرَعَها. وهكذا لو اشْتَرَكَ أرْبَعَةٌ؛ مِن أحَدِهِم دُكّان، ومِن آخَرَ رَحًى، ومِن آخَرَ بَغْلٌ، ومِن آخَرَ العَمَلُ، على أن يَطْحَنُوا بذلك، فما رَزَق اللهُ تعالى فهو بينَهم،
стр. 6798
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
صَحَّ، وكان بينَهم على ما شَرَطُوه. وقال القاضي: العَقْدُ فاسِدٌ في المَسْألتَين جميعًا. وهو ظاهِرُ قولِ الشافعيِّ؛ لأنَّ هذا لا يَجُوزُ أن يكونَ مُشارَكَةً ولا مُضارَبَة؛ لكَوْنِه لا يَجُوزُ أن يكونَ رَأسُ مالِهِما العُرُوضَ، ولأنَّ مِن شَرْطِهِما عَوْدَ رَأسِ المالِ سَلِيمًا، بمَعْنَى أنَّه لا يُسْتَحَقُّ شيء مِن الرِّبْحِ حتى يُسْتَوْفَى رَأسُ المالِ بكَمَالِه، والرّاويَةُ هاهُنا تَخْلُقُ (١) وتَنْقُصُ، ولا إجَارةً؛ لأنَّها تَفْتَقِرُ إلى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ وأجْرٍ مَعْلُوم، فتكونُ فاسِدَةً. فعلى هذا، يكونُ الأجْرُ كلُّه في المَسْألَةِ الأولَى للسَّقَّاءِ؛ لأنَّه لَمّا غَرَف الماءَ في الإِناءِ مَلَكَهُ، فإذا باعَه فثَمَنُه له؛ لأنَّه عِوَضُ مِلْكِه، وعليه لصاحِبَيه (٢) أجْرُ المِثْلِ؛ لأنَّه اسْتَعْمَلَ مِلْكَهُما بعِوَضٍ لم يُسَلَّمْ لهما، فكان لهما أجْرُ المِثْلِ، كسائِرِ الإِجاراتِ الفاسِدَةِ. وأمّا في المسْألَةِ الثَّانِيَةِ، فإنَّهم إذا طَحَنُوا لرَجُلٍ طَعامًا بأُجْرَةٍ، نَظَرْتَ في عَقْدِ الإجارَةِ؛ فإن كان مِن واحدٍ منهم، ولم يَذْكُرْ أصحابَه ولا نَوَاهُم، فالأجْرُ كلُّه له، وعليه لأصْحابِه أجْرُ المِثْلِ، وإن نوَى أصْحابَه أو ذَكَرَهُم، كان كما لو عَقَد مع كلِّ واحدٍ منهم مُنْفَرِدًا، أو اسْتَأجَرَ مِن جَمِيعِهم، فقال: اسْتَأجَرْتُكُم لتَطْحَنُوا لي هذا الطَّعامَ بكذا. فالأجْرُ بينَهم أرْباعًا؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم قد لَزِمَه طَحْنُ رُبْعِه، ويَرْجِعُ كلُّ واحدٍ منهم على أصْحابِه برُبْع
стр. 6799
وَإنْ جَمَعَا بَينَ شَرِكَةِ الْعِنَانِ وَالأبْدَانِ وَالْوُجُوهِ وَالْمُضَارَبَةِ، صَحَّ.
فَصْلٌ: الْخَامِسُ، شَرِكَةُ الْمُفَاوَضَةِ؛ وَهِيَ أنْ يُدْخِلَا فِي الشَّرِكَةِ الْأكْسَابَ النَّادِرَةَ، كَوجْدَانِ لُقَطَةٍ أوْ رِكَازٍ، أوْ مَا
ــ
أجْرِ مِثْلِه، وإن كان (١) قال: اسْتَأجَرْتُ هذا الدكَّانَ والبَغْلَ والرَّحَى وهذا الرجلَ بكذا وكذا مِن الطَّعامِ. صَحَّ، والأجْرُ بينَهم على قَدْرِ أجْرِ مِثْلِهِم، لكلِّ واحدٍ مِن المُسَمَّى بقَدْرِ حصَّتِه، في أحَدِ الوَجْهَين. وفي الآخَرِ يكونُ بينَهم أرْباعًا، بناءً على ما إذا تَزَوَّجَ أرْبَعًا بمَهْرٍ واحدٍ، أو كاتَبَ أرْبَعَةَ أعبُدٍ بعِوَضٍ واحدٍ، هل يكونُ العِوَضُ أرْباعًا أو على قَدْرِ قِيمَتِهم؟ على وَجْهَين.
٢١١٣ - مسألة: (وإن جَمَعا بينَ شَرِكَةِ العِنانِ والأبدانِ والوُجُوهِ والمُضارَبَةِ، صَحَّ) لأنَّ كل واحدٍ منهما يَصِحُّ مُنْفَرِدًا، فصَحَّ مع غيرِه، كَحَالةِ الانْفِرادِ.
فصل: قال، ﵁: (الخامِسُ، شَرِكَةُ المُفاوَضَةِ؛ وهو أن يُدْخِلَا في الشَّرِكَةِ الأكْسابَ النّادِرَةَ، كَوجْدانِ لُقَطَةٍ أو رِكَازٍ، أو
стр. 6800
يَحْصُلُ لَهُمَا مِنْ مِيرَاثٍ، وَمَا يَلْزَمُ أحَدَهُمَا مِنْ ضَمَانِ غَصْبٍ، أوْ أرشِ جِنَايَةٍ، وَنحْو ذَلِكَ، فَهَذِهِ شَرِكَةٌ فَاسِدَةٌ.
ــ
ما يَحْصُلُ لهما مِن مِيراثٍ، أو ما يَلْزَمُ أحَدَهُما مِن ضَمانِ غَصْبٍ، أو أرْشِ جِنَايَةٍ، أو نحو ذلك، فهذه شَرِكَةٌ فاسِدَةٌ) وبهذا قال الشافعيُّ. وأجازَه الثَّوْرِيُّ، والأوزاعِيُّ، وأبو حنيفةَ. وحُكِيَ ذلك عن مالكٍ. وشَرَط أبو حنيفةَ لها شرُوطًا؛ وهي أن يَكُونَا حُرَّين مُسْلِمَين، وأن يكونَ مالُهما في الشَّرِكَةِ سَواءٌ، وأن يُخْرِجَا جَمِيعَ ما يَمْلِكانِه مِن جنْسِ الشَّرِكَةِ، وهو الدَّراهِمُ والدَّنانِيرُ، واحْتَجُّوا بما رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «إذا تَفَاوَضْتُمْ فَأحْسِنُوا المُفَاوَضَةَ» (١). ولأنَّها نَوْعُ شَرِكَةٍ تَخْتَصُّ باسْمٍ، فكان منها صَحِيحٌ، كشَرِكَةِ العِنَانِ. ولَنا، أنَّه عَقْدٌ لا يَصِحُّ بينَ كافِرَين
стр. 6801
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا بينَ كافِرٍ ومُسْلِم، فلم يَصِحَّ بينَ المُسْلِمَينِ، كسائِرِ العُقُودِ الفاسِدَةِ، ولأنَّه عَقْدٌ لم يَرِدِ الشَّرْعُ بمِثْلِه، فلا يَصِحُّ، كما ذَكَرْنا، ولأنَّ فيه غَرَرًا، فلم يَصِحَّ، كَبَيعِ الغَرَرِ، بَيَانُ غَرَرِه أنَّه يَلْزَمُ كلَّ واحدٍ ما لَزِم الآخَرَ، وقد يَلْزَمُه شيءٌ لا يَقْدِرُ على القِيامِ به (١)، وقد أدْخَلَا فيه الأكسابَ النّادِرَةَ، فأمّا الخَبرُ فلا نَعْرِفُه، ولا رَواه أصحابُ السُّنَنِ، وليس فيه ما يَدُلُّ على أنَّه أراد هذا العَقْدَ، فيَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ المُفاوَضَةَ في الحدِيثِ، ولهذا رُوِيَ فيه: «ولا تَجَادَلُوا، فإنَّ المُجادَلَةَ مِنَ الشَّيطانِ».
بَابُ المُسَاقَاةِ
ــ
بابُ المُساقاةِ
وهي أن يَدْفَعَ إنْسانٌ شَجَرَه إلى آخَرَ، ليَقُومَ بسَقْيِه وعَمَلِ سائِرِ ما يَحْتاجُ إليه، بجُزْءٍ مَعْلُومٍ له مِن الثَّمَرَةِ. وسُمِّيَتْ مُساقاةً لأنَّها مُفاعَلَةٌ مِن السَّقْي؛ لأنَّ أهْلَ الحِجازِ أكثرُ [حاجَةِ شَجَرِهم] (١) إلى السَّقْي، لكَوْنِهم يَسْقُون مِن الآبارِ، فسُمِّيَتْ بذلك. والأصْلُ في جَوازِها السُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أما السُّنَّةُ، فما روَى عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ، قال: عامَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أهلَ خَيبَرَ بشَطْرِ مَا يَخْرُجُ منها، مِن ثَمَرٍ أو زَرْعٍ. مُتَّفَق عليه (٢). وأمّا الإِجْماعُ، فقال أبو جَعْفَرٍ [محمدُ بنُ] (٣) عَلِيِّ بنِ
стр. 6804
تَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي النَّخْلِ، وَفِي كُلِّ شَجَرٍ لَهُ ثَمَرٌ مَأكُولٌ بِبَعْضِ ثَمَرَتِهِ.
ــ
الحُسَينِ بنِ عَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ، ﵁ وعن آبائِه: عامَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أهْلَ خَيبَرَ بالشَّطرِ، ثم أبو بَكْرٍ، ثم عُمَرُ، ثم عُثْمانُ، ثم عَلِيٌّ، ثم أهلُوهُم إلى اليَوْمِ، يُعْطُون الثُّلُثَ والرُّبْعَ (١). وهذا عَمِلَ به الخُلَفاءُ الرَّاشِدُون مُدَّةَ خِلافَتِهم، واشْتَهَرَ ذلك، ولم يُنْكِرْهُ مُنْكِرٌ، فكان إجْماعًا.
٢١١٤ - مسألة: (تجوزُ المُساقاةُ في النَّخْلِ، وفي كُل شَجَرٍ له ثَمَرٌ مَأكُولٌ ببعضِ ثَمَرَتِه) هذا قولُ الخُلَفاءِ الراشِدِين، ﵃. وبه قال سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وسالِمٌ، ومالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ. وقال داودُ: لا تجوزُ إلَّا في ثَمَرِ النَّخْلِ؛ لأنَّ الخَبَرَ إنَّما وَرَدَ بها فيه. وقال الشافعيُّ: لا تجوزُ إلَّا في النَّخْلِ والكَرْمِ؛ لأنَّ الزَّكاةَ تجبُ في ثَمَرتِهما. وفي سائِرِ الشَّجَرِ قولان؛ أحَدُهما، لا تجوزُ فيه؛ لأنَّ الزَّكاةَ لا تَجِبُ في نَمائِه، فأشْبَهَ ما
стр. 6805
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لا ثَمَرَةَ له. وقال أبو حنيفةَ، وزُفَرُ: لا تجوزُ بحالٍ؛ لأنَّها إجَارَةٌ بثَمَرَةٍ لم تُخْلَقْ، أو إجَارَةٌ بثَمَرَةٍ مَجْهُولَةٍ، أشْبَهَ إجَارَتَه بثَمَرةِ غيرِ الشَّجَرِ الذي يَسْقِيه. ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ والإِجْماعِ، ولا يجوزُ التَّعْويلُ على ما خالفَهُما. فإن قِيلَ: راوي حَدِيثِ خَيبَرَ ابنُ عُمَرَ، وقد رَجَع عنه، فقال: كُنّا نُخابِرُ أرْبَعِين سَنَةً حتى حَدَّثَنا رافِعُ بنُ خَدِيجٍ، أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عن المُخابَرَةِ (١). ولا يَنْعَقِدُ الإِجْماعُ مع مُخالفَتِه، ويَدُلُّ أيضًا على نسْخِ حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ؛ لرُجُوعِه عن العَمَلِ به إلى حَدِيثِ رافِع. قلنا: لا يجوزُ حَمْلُ حَدِيثِ رافِع على ما يُخالِفُ الإِجْماع، ولا حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يَزَلْ يُعامِلُ أهْلَ خَيبَرَ حتى ماتَ، ثم عَمِلَ (٢) به الخُلفاءُ بعدَه، ثم مَن بعدَهم، فكيف يُتَصَوَّرُ نَهْيُ النبيِّ
стр. 6806
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ﷺ عن شيءٍ ثم يُخالِفه؟ أم كيف يُعْمَل ذلك في عَصْرِ الخلَفاءِ ولم يُخْبِرْهُم مَن سَمِعَ النَّهْيَ، وهو حاضِرٌ معهم وعالِمٌ بفِعْلِهم؟ فلو صَحَّ خبَر رافِعٍ لوجَبَ حَمْله على ما يُوافِق السُّنَّةَ والإِجْماعَ. على أنَّه قد رُوِيَ في تَفسِيرِ خبَرِ رافِعٍ عنه (١) ما يَدلُّ على صِحَّةِ قَوْلِنا، فرَوَى البُخارِيُّ (٢)، بإسْنادِه، قال: كُنَّا نُكْرِي الأرْضَ بالنّاحِيَةِ منها تُسَمَّى لِسَيِّدِ الأرْضِ، فَمِمّا (٣) يُصَابُ ذلك وتَسْلَمُ الأرْضُ، ومِمَّا (٣) تُصابُ الأرْضُ ويَسْلَمُ ذلك، فنُهِينَا، فأمّا الذَّهَبُ والوَرِقُ، فلم يَكُنْ يَوْمَئِذٍ. ورُوِيَ تَفسِيرُه أيضًا بشيءٍ غيرِ هذا مِن أنواعِ الفَسَادِ، وهو مُضْطَربٌ جِدًّا. قال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللهِ يُسْألُ عن حديثِ رافِع: نهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عن المُزارَعةِ. فقال: رافِعٌ يُرْوَى عنه في هذا ضُرُوبٌ. كأنَّه يُرِيدُ أنَّ اخْتِلافَ الرِّواياتِ عنه يُوهِنُ حَدِيثَه. وقال طاوُسٌ: إنَّ
стр. 6807
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أعلَمَهُم، يَعْنِي ابنَ عَبّاسٍ، أخْبَرني أنَّ النبيَّ ﷺ لم يَنْهَ عنه، ولكن قال: «لأنْ يَمْنَحَ أحدُكُمْ أخاهُ أرضَهُ، خَيرٌ مِنْ أن يَأخُذَ عَلَيهَا خَرَاجًا مَعْلُومًا». رَواه البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ (١). وأنْكَرَ زَيدُ بنُ ثابتٍ حَدِيثَ رافعٍ عليه (٢). فكَيف يجوزُ نَسْخُ [أمْرٍ فَعَلَه] (٣) رسولُ اللهِ ﷺ حتى ماتَ وهو يَفْعَلُه، ثم أجْمَعَ عليه خُلَفاؤه وأصحابُه بعدَه، بخَبَرٍ (٤) لا يجوزُ العَمَلُ به، ولو لم يُخالِفْه غيرُه! ورُجُوعُ ابنِ عُمَرَ إليه يَحْتَمِلُ أنَّه رَجَعَ عن شيءٍ مِن المُعامَلاتِ الفاسِدَةِ التي فسَّرَها رافِعٌ في حَدِيثه. وأمَّا غيرُ ابنِ عُمَرَ فقد أنْكَرَ على رافع ولم يَقْبَلْ حَدِيثَه، وحَمَلَه على أنَّه غَلِطَ في رِوايته. والمَعْنَى يَدُلُّ على ذلك؛ فإنَّ كثيرًا مِن أهْلِ النَّخِيلِ والشَّجَرِ يَعْجِزُونَ
стр. 6808
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عن عِمارَتِه وسَقْيِه، ولا يُمْكِنُهم الاسْتِئْجارُ عليه، وكَثِيرٌ مِن النّاسِ لا شَجَرَ لهم، ويَحْتاجُون إلى الثَّمرِ، ففي تَجْويزِ المُساقاةِ دَفعٌ للحاجَتَين، وتَحْصِيلٌ لِمَصْلحةِ الفِئَتَينِ، فجازَ، كالمُضارَبَةِ بالأثْمانِ. فأمَّا قياسُهم فيَبْطُلُ بالمُضارَبَةِ، فإنَّه يَعْمَلُ في المالِ بنَمائِه، وهو مَعْدُومٌ مَجْهُولٌ، وقد جازَ بالإجْماعِ، وهذا في مَعْناه. ثم إنَّ الشارِعَ قد جَوَّزَ العَقْدَ في الإجارةِ على المَنافِعِ المَعْدُومةِ للحاجَةِ، فلِمَ لا يجوزُ على الثَّمَرةِ المَعْدُومةِ للحاجَةِ، مع أنَّ القياسَ إنَّما يكونُ في إلْحاقِ المَسْكُوتِ عنه بالمَنْصُوصِ عليه، أو المُجْمَعِ عليه، فأمَّا في إبْطالِ نَصٍّ وخَرْقِ إجْماعٍ بقِياسِ نَصٍّ آخَرَ، فلا سَبِيلَ إليه. وأمَّا تَخْصِيصُ ذلك بالنَّخْلٍ، أو به وبالكَرْمِ، فيُخالِفُ عُمُومَ قولِه: عامَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أهْلَ خيبَرَ بِشَطْرِ ما يَخْرُجُ مِنها مِنْ زَرعٍ أو ثَمَرٍ. وهذا عامٌّ في كلِّ ثَمَرٍ، ولا تكادُ بَلْدةٌ ذاتُ أشْجارٍ تَخْلُو مِن شجَرٍ غيرٍ النَّخِيلِ، وقد جاءَ في لَفْظِ بعضِ الأخْبارِ، أنَّ النبيَّ ﷺ عَامَلَ أهْلَ خيبَرَ بِشَطْرِ ما يَخْرُجُ مِنَ النَّخْلِ والشَّجَرِ. [رَواه الدّارَقُطْنِيُّ] (١). ولأنَّه شَجَرٌ يُثْمِرُ كلَّ حَوْلٍ، فأشْبَهَ النَّخْلَ والكَرْمَ، ولأنَّ
стр. 6809
وَتَصِحُّ بِلَفْظِ الْمُسَاقَاةِ، وَالْمُعَامَلَةِ، وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا.
ــ
الحاجَةَ تَدْعُو إلى المُساقاةِ عليه كالنَّخْلِ وأكثرَ؛ لكَثْرَتِه، فأشْبَهَ النَّخْلَ، ووُجُوبُ الزَّكَاةِ ليس مِن العِلَّةِ (١) المُجَوِّزَةِ للمُساقاةِ، ولا أثَر له (٢) فيها، وإنَّما العِلَّةُ ما ذَكَرْناه.
فصل: فأمَّا ما لا ثَمَرَ له، كالصَّفْصافِ والجَوْزِ، أو له ثَمَرٌ غيرُ مَقْصُودٍ، كالصَّنَوْبَرِ والأَرْزِ، فلا تَجوزُ المُساقاةُ عليه. وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه غيرُ مَنْصُوصٍ عليه، ولا في مَعْنَى المَنْصُوصِ، ولأنَّ المُساقاةَ إنَّما تجوزُ بجُزْءٍ مِن الثَّمَرَةِ، وهذا لا ثَمَرَةَ له إلَّا أن يكونَ ممَّا يُقْصَدُ وَرَقُه أو زَهْرُه، كالتُّوتِ والوَرْدِ، فالقِياسُ يَقْتَضِي جَوازَ المُساقاةِ عليه؛ لأنَّه في مَعْنَى الثَّمَر، لكَوْنِه ممَّا يَتَكَرَّرُ كلَّ عام ويُمْكِنُ أخْذُه والمُساقاةُ عليه بجُزْءٍ منه، فيَثْبُتُ له حُكْمُه.
٢١١٥ - مسألة: (وتَصِحُّ بلَفْظِ المُساقَاةِ) لأنَّها مَوضُوعُها حَقِيقةً (و) بلَفْظِ (المُعامَلَةِ) لقَوْلِه في الحَدِيثِ: عامَلَ أهْلَ خيبَرَ على شَطْرِ ما يَخْرُجُ مِنْها. وتَصِحُّ بكُلِّ ما يُؤَدِّي مَعْناها مِن الألفاظِ، نحوَ: فالحْتُك. و: اعْمَلْ في بُسْتانِي هذا حتى تَكْمُلَ ثَمَرَتُه. وما أشْبَهَه؛ لأنَّ القَصْدَ المَعْنَى، فإذا أتَى به بأيِّ لَفْظٍ دَلَّ عليه، صَحَّ، كالبَيعِ.
стр. 6810
وَتَصِحُّ بِلفْظِ الْإجَارَةِ، فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ. وَقَدْ نَصَّ أحْمَدُ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ، فِي مَنْ قَال: أجَرْتُكَ هَذِهِ الْأرْضَ بثُلُثِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا. أنَّهُ يَصحُّ. وَهَذِهِ مُزَارَعَةٌ بِلَفْظِ الإجَارَةِ. ذَكَرَهُ أَبو الْخَطابِ. وَقَال أكْثَرُ أصْحَابِنَا: هِيَ إِجَارَة. وَالْأوَّلُ أقْيَسُ وَأصَحُّ.
ــ
٢١١٦ - مسألة: (وتَصِحُّ بلَفْظِ الإجارَةِ، في أحَدِ الوَجْهَينِ) لأنَّه مُؤَدٍّ للمَعْنَى، فصَحَّ به العَقْدُ، كسائِرِ الألْفاظِ المُتَّفَقِ عليها. والثاني، لا تَصِحُّ. وهو اخْتِيارُ أبي الخَطَّابِ؛ لأنَّ الإجَارةَ يُشْتَرَطُ لها كَوْنُ العِوَضِ مَعْلُومًا، [والعَملِ مَعْلُومًا] (١)، وتَكُونُ لازِمَةً، والمُساقاةُ بخِلافِه. والأوَّلُ أقْيَسُ؛ لِما ذَكَرْنا.
٢١١٧ - مسألة: (وقد نَصَّ أحمدُ في رِوايةِ جماعةٍ، في مَن قال:
стр. 6811
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أجرْتُكَ هذه الأرْضَ بثُلُثِ ما يَخْرُجُ منها. أنَّه يَصِحُّ. وهذه مُزارَعة بلَفْظِ الإِجَارَةِ. ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ) فمعنى قَوْلِه: أجَرْتُكَ هذه الأرْضَ بثُلُثٍ. أي، زارَعْتُكَ عليها بثُلُثٍ. عَبَّرَ عن المُزارَعَةِ بالإِجارَةِ على سَبِيلِ المَجازِ، كما يعَبَّرُ عن الشُّجَاعِ بالأسَدِ. فعلى هذا، يكونُ نَهْيُه ﵇[عن كِراءِ الأرضِ] (١) بثُلُثٍ أو رُبْعٍ، إنَّما يَنْصَرِفُ إلى الإِجارَةِ الحَقِيقِيَّةِ لا عن المُزارَعَةِ (وقال أكْثَرُ أصْحابِنا: هي إجارَة) لأنَّها مَذْكورَةٌ بلَفْظِها، فتكون إجارَةً حَقِيقِيّة، وتَصِحُّ ببَعْضِ الخارِجِ مِن الأرْضِ، كما تَصِحُّ بالدَّراهم. قال شيخُنا: (والأوَّلُ أقْيَسُ وأصَحُّ) لما سَبَقَ.
стр. 6812
وَهَلْ تَصِحُّ عَلَى ثَمَرَةٍ مَوْجُودَةٍ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
ــ
٢١١٨ - مسألة: (وهل تَصِحُّ على ثَمَرَةٍ مَوْجُودَةٍ؟ على رِوايَتَينِ) إحداهما، تجوزُ. اخْتارَها أبو بكرٍ. وهو قولُ مالكٍ، وأبي يُوسُف، ومحمدٍ، وأبي ثَوْرٍ، وأحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ؛ لأنَّها إذا جازَتْ [في المَعْدُومَةِ] (١) مع كَثْرةِ الغَرَرِ فيها، فمع وُجُودِها وقِلَّةِ الغَرَرِ فيها أوْلَى. وإنَّما تَصِحُّ إذا بَقِيَ مِن العَمَلِ ما تَزِيدُ به الثَّمَرَةُ؛ كالتَّأبِيرِ، والسَّقْي، وإصْلاحِ الثَّمَرةِ، فإن بَقِيَ ما لا تَزِيدُ به الثَّمَرةُ، كالجِذاذِ ونحوه، لم يَجُزْ، بغيرِ خِلافٍ. والثانيةُ، لا تجوزُ. وهو القولُ الثاني للشافعيِّ؛ لأنَّه
стр. 6813
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ليس بمَنْصُوص عليه، ولا في مَعْنَى المَنْصُوصِ، فإنَّ النبيَّ ﷺ عامَلَ أهْلَ خَيبَرَ عَلى الشّطْرِ مِمَّا يَخْرُجُ مِن زَرْعٍ أوْ ثَمَرٍ. ولأنَّ هذا يُفضِي إلى أن يَسْتَحِقَّ بالعَقْدِ عِوَضًا مَوْجُودًا يَنْتَقِلُ المِلْكُ فيه عن رَبِّ المالِ إلى المُسَاقِي، فلم يَصِحَّ، كما لو بدا صَلاحُ الثَّمرةِ، ولأنَّه عَقْدٌ على العَمَل في المالِ بِبَعْضِ نَمائِه، فلم يَجُزْ بعد ظُهُورِ النَّماءِ، كالمُضَارَبَةِ، ولأنَّ هذا يَجْعَلُ العقدَ (١) إجارَةً بمَعْلُومٍ ومَجْهُولٍ، فلم يَصِحَّ، كما لو اسْتَأْجَرَهُ على العَمَلِ بذلك. وقولُهم: إنَّها أَقلُّ غَرَرًا. قُلنا: قِلَّةُ الغَرَرِ ليست مِن المُقْتَضِي للجَوازِ، ولا كَثْرَتُه المَوْجُودَةُ في مَحَلِّ النَّصِّ مانِعَةً منه، فلا تُؤَثِّرُ قِلَّتُه شيئًا، والشَّرْعُ ورَدَ به على وَجْهٍ لا يَسْتَحِقُّ العامِلُ فيه عِوَضًا مَوْجُودًا، ولا يَنْتَقِلُ إليه مِن مِلْكِ رَبِّ المالِ شيءٌ، وإنَّما يَحْدُثُ النَّماءُ، الموجُودُ على مِلْكِهما، على ما شَرَطاه، فلم تَجُزْ مُخالفةُ هذا المَوْضُوعِ، ولا إثْباتُ عَقْدٍ ليس في مَعْناه إلْحاقًا به، كما لو بَدَا صَلاحُ الثَّمَرَةِ،
стр. 6814
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وكالمُضارَبَةِ بعد ظُهُورِ الرِّبْحِ. ومَن نَصَرَ الروايةَ الأُولَى قال: نَصُّ النبيِّ ﷺ على المُساقَاةِ على الثَّمَرةِ المَعْدُومَةِ بجُزْءٍ منها، تَنْبِيهٌ على جَوَازِها على المَوْجُودَةِ، لِما ذَكَرْنا، ولا يَصحُّ القِياسُ على المُضارَبةِ إذا ظَهَر الرِّبْحُ، لأنَّها لا تَحْتاجُ إلى عَمَل، وههُنا العَمَلُ (١) يُحْتاجُ إليه، فلا يَصحُّ القِياسُ، ونَظِيرُ ذلك المُساقاةُ على الثَّمَرَةِ بعد بُدُوِّ صَلاحِها، فإنَّه لا يَصحُّ، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه، لكَوْنِ العَمَلِ لا يَزِيدُ في الثَّمَرَة بخِلافِ الرِّوايةِ الأُولى، فإنَّ العَمَلَ يَزِيدُ فيها، فافتَرَقا.
فصل: وإذا ساقَاهُ على وَدِيِّ النَّخْلِ (٢)، أو صِغارِ الشَّجَرِ، إلى مُدَّةٍ يَحْمِلُ فيها غالِبًا بجُزْءٍ من الثَّمَرَةِ، صَحَّ، لأنَّه ليس فيه أكْثَرُ مِن أنَّ عَمَلَ العامِلِ يَكْثُرُ، وذلك لا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ، كما لو جُعِلَ له سَهْمٌ مِن ألْفٍ. وفيه الأقْسامُ التي نَذْكُرُها في كِبَارِ النَّخْلِ والشَّجَرِ، فإن قلنا: المُساقاةُ عَقْدٌ جائِزٌ. لم يُحْتَجْ إلى ذِكْرِ مُدَّةٍ. وإن قُلنا: هو لازِمٌ. اشْتُرِطَ ذِكْرُ المُدَّةِ، وسَنَذْكُرُه.
стр. 6815
وَإنْ سَاقَاهُ عَلَى شَجَرٍ يَغْرِسُهُ وَيَعْمَلُ عَلَيهِ حَتَّى يُثْمِرَ بِجُزْءٍ مِنَ الثَّمَرَةِ، صَحَّ.
ــ
٢١١٩ - مسألة: (وَإنْ سَاقَاهُ عَلَى شَجَرٍ يَغْرِسُهُ وَيَعْمَلُ عَلَيهِ حَتَّى يُثْمِرَ بِجُزْءٍ مِنَ الثَّمَرَةِ، صَحَّ) والحُكْمُ فيه كالحُكْمِ فيما إذا ساقاهُ على صِغَارِ الشَّجَرِ على ما بَيَّنْتُه. قال أحمدُ في رِوَايةِ المَرُّوذِيِّ، في مَن قال لرَجُلٍ: اغْرِسْ في أرْضِي هذه شَجَرًا أو نَخْلًا، فما كان من غَلَّةٍ، فلك بِعَمَلِكَ كذا وبهذا سَهْمًا، مِن كذا وكذا. فأجازَه، واحْتَجَّ بحَدِيثِ خَيبَرَ (١) في الزَّرْعِ والنَّخْلِ، لكنْ بشَرْطِ أن يكونَ الغَرْسُ (١) مِن رَبِّ الأرْضِ، كما يُشْتَرَطُ في المُزارَعةِ كَوْنُ البَذْرِ مِن رَبِّ الأرْضِ. فإن كان مِن العامِلِ، خُرِّجَ على الرِّوايَتَين في المُزارَعَةِ، إذا شُرِطَ
стр. 6816
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
البَذْرُ من العامِلِ. وقال القاضي: المُعَامَلَةُ باطِلةٌ، وصاحِبُ الأرْضِ بالخِيَارِ بينَ تَكْلِيفِه قَلْعَها، ويَضْمَنُ له نَقْصَها، وبين تَرْكِها في أَرْضِه، ويَدْفَعُ إليه قِيمَتَها، كالمُشْتَرِي إذا غَرَس في الأرضِ ثم جاء الشَّفِيعُ فأخَذها. وإنِ اخْتارَ العامِلُ قَلْعَ شَجَرِه، فله ذلك، سواءٌ بَذَلَ له القِيمَةَ أو لم يَبْذُلْها؛ لأنَّه مِلْكُه، فلم يُمْنَعْ تَحْويلَه. وإنِ اتَّفَقَا على إبْقاءِ الغَرْسِ ودَفْعَ أجْرِ الأرْضَ، جازَ.
فصل: ولو دَفَع أرْضَه إلى رَجُلٍ يَغْرِسُها، على أنَّ الشَّجَرَ بينَهما، لم يَجُزْ. ويَحْتَمِلُ الجَوَازُ، بِنَاءً على المُزارَعَةِ، فإنَّ المُزارِعَ يَبْذُرُ في (١) الأرْضِ، فيَكونُ بينَه وبينَ صاحِبِ الأرْضِ، وهذا نَظِيرُه. فأمَّا إن دَفَعَها على أنَّ الأرْضَ والشَّجَرَ بينهما، فذلك فاسِدٌ، وَجْهًا واحدًا. وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ. ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا؛ لأنَّه يُشْتَرَطُ اشْتِراكُهُما في الأَصْلِ، ففَسَد، كما لو دَفَع إليه الشَّجَرَ و (٢) النَّخِيلَ؛ ليكونَ الأصْلُ والثَّمَرَةُ بينهما، أو شَرَط في المُزَارَعةِ كَوْنَ الأرْضِ والزَّرْعَ بينهما.
стр. 6817
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ومِن شَرْطِ صِحَّةِ المُساقاةِ، تَقْدِيرُ نَصِيبِ العامِلِ بجُزْءٍ مَعْلُوم مِن الثَّمَرَةِ، كالثُّلُثِ والرُّبْعِ؛ لحديثِ ابنِ عُمَرَ في خَيبَرَ. وسواءٌ قَلَّ الجُزْءُ أو كَثُرَ، فلو جَعَل للعامِلِ جُزْءًا مِن مائةِ جُزْءٍ، أو جَعَل الجُزْءَ لنَفْسِه والباقِيَ للعامِلِ، جازَ، إذا لم يَفْعَلْ ذلك حِيلَةً. فإن عَقَد على جُزْءٍ مُبْهَمٍ، كالسَّهْمِ والجُزْءِ والنَّصِيبِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه إذا لم يكُنْ مَعْلومًا لا تُمْكِنُ القِسْمَةُ بينهما. ولو جَعَل له آصُعًا مَعْلُومَةً، أو جَعَل مع الجُزْءِ المَعْلُومِ آصُعًا، لم يَجُزْ؛ لأنَّه رُبَّما لم يَحْصُلْ ذلك، أو لم يَحْصُل غيرُه، فيَسْتَضِرُّ رَبُّ الشَّجَرِ، أو يَكْثُرُ الحاصِلُ، فيَتَضَرَّرُ العامِلُ. وكذلك إن شَرَط له ثَمَرَ شَجَرٍ بعَينِه؛ لأنَّه قد لا يَحْمِلُ، وقد لا يَحْمِلُ غيرُها، ولهذه العِلَّةِ نَهَى النبيُّ ﷺ عن المُزارَعةِ التي يَجْعَلُ فيها لرَبِّ الأرْضِ مكانًا مُعَيَّنًا وللعامِلِ مَكانًا مُعَيَّنًا. قال رافِعٌ: كُنَّا نُكْرِي الأرْضَ على أنَّ لَنا هذه ولَهُم هذه، فرُبَّما أخْرَجَتْ هذه ولم تُخْرِجْ هذه، فنَهانا عن ذلك، فأمّا الذَّهَبُ والوَرِقُ فلم يَنْهَنا. مُتَّفَقٌ عليه (١). فمَتَى شَرَط شَيئًا من هذه الشُّرُوطِ الفاسِدَةِ، فسَدَتِ المُساقاةُ، والثَّمَرَةُ كُلُّها لرَبِّ المالِ؛ لأنَّها نَماءُ مِلْكِه، وللعامِلِ أجْرُ مِثْلِه، كالمُضارَبةِ الْفاسِدَةِ.
стр. 6818
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ولا يُحْتاجُ أن يُشْرَطَ لرَبِّ المالِ؛ لأنَّه يَأْخُذُ بمالِه لا بالشَّرْطِ، فإذا قال: ساقَيتُكَ على أنَّ لك ثُلُثَ الثَّمَرَةِ. صَحَّ، والباقِي لرَبِّ المال. وإن قال: على أنَّ لِي ثُلُثَ الثَّمَرةِ. فقال ابنُ حامِدٍ: يَصِحُّ. وقيلَ: لا يَصِحُّ. وقد ذَكَرْنا تَعْلِيلَ ذلك في المُضارَبةِ. وإنِ اخْتَلَفا في الجُزْءِ المَشْرُوطِ، فهو للعامِلِ؛ لأنَّه إنَّما يَسْتَحِقُّ بالشَّرْطِ كما ذَكَرْنا. فإنِ اخْتَلفا في قَدْرِ الجُزْءِ (١) المَشْرُوطِ للعامِلِ، فقال ابنُ حامِدٍ: القولُ قولُ رَبِّ المالِ. وقال مالكٌ: القولُ قولُ العامِلِ إذا ادَّعَى ما يُشْبِهُ؛ لأنَّه أقْوَى سَبَبًا، لتَسَلُّمِه الحائِطَ والعَمَلَ. وقد ذَكَرْنا في المُضارِبِ رِوايةً، أنَّ القولَ قَوْلُه إذا ادَّعَى أجْرَ المِثْلِ، فيُخَرَّجُ ههُنا مثلُه. وقال الشَّافعيُّ: يَتَحالفان، وكذلك إنِ اخْتَلَفا فيما تَناوَلَتْه المُساقاةُ مِن الشَّجَرِ. ولَنا، أنَّ رَبَّ المالِ مُنْكِرٌ للزِّيادَةِ التي ادَّعاها العامِلُ، فكان القولُ قولَه. فإن كان مع أحَدِهما بَيِّنَةٌ حُكِمَ بها. وإن كان مع كلِّ واحدٍ منهما بَيِّنةٌ، انْبَنَى على بَيِّنةِ الدّاخِلِ والخارِجِ. فإن كان الشَّجَرُ لاثْنَينِ، فصَدَّقَ أحَدُهما العامِلَ وكَذَّبَه الآخَرُ، أخَذَ نَصِيبَه مما يَدَّعِيه مِن مالِ المُصَدِّقِ. وإن شَهِد على المُنْكِرِ، قُبِلَتْ شَهادَتُه إذا كان عَدْلًا؛ لأنَّه لا يَجُرُّ إلى نَفْسِه نَفْعًا ولا
стр. 6819
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَدْفَعُ عنها ضَرَرًا، ويَحْلِفُ العامِلُ (١) مع شَهادَتِه (٢)، وإن لم يكُنْ عَدْلًا كانت شَهادَتُه كعَدَمِها. ولو كانا عامِلَين، ورَبُّ المالِ واحِدًا، فشَهِدَ أحَدُهُما على صاحِبِه، قُبِلَتْ شَهادَتُه؛ لِما ذَكَرْنا.
فصل: وإذا كان في البُسْتانِ شَجَرٌ مِن أجْناسٍ؛ كالتِّينِ، والزَّيتُونِ، والكَرْمِ، فشَرَطَ للعامِلِ من كلِّ جِنْسٍ قَدْرًا؛ كنِصْفِ ثَمَرِ التِّينِ، وثُلُثِ الزَّيتُونِ، ورُبْعِ الكَرْمِ، أو كان فيه أنْواعٌ مِن جِنْسٍ، فشَرَطَ [مِن كلِّ نَوْعٍ] (٣) قَدْرًا، وهما يَعْرِفانِ قَدْرَ كلِّ نوْعٍ، صَحَّ؛ لأنَّ ذلك كثَلاثةِ بَساتِينَ، ساقاهُ على كُلِّ بُسْتانٍ بقَدْرٍ مُخالِفٍ للقَدْرِ المَشْرُوطِ مِن الآخَرِ. وإن لم يَعْلَما قَدْرَه، أو أحَدُهُما، لم يَجُزْ؛ للجَهالةِ. ولو قال: ساقَيتُكَ علي هَذَين البُسْتانَين بالنِّصْفِ مِن هذا والثُّلُثِ مِن هذا. صَحَّ؛ لأنَّها صَفقَةٌ واحِدَةٌ جَمَعَتْ عِوَضَين، فصار كقَوْلِه: بِعْتُكَ دارَيَّ هاتَين، هذه بألْفٍ وهذه بمائةٍ. وإن قال: بالنِّصْف من أحَدِهِما، والثُّلُثِ مِن الآخَرِ. ولم يُعَيِّنْه، لم يَصِحَّ؛ للجَهالةِ؛ لأنَّه لا يَعْلَمُ الَّذي يَسْتَحِقُّ نِصْفَه. ولو ساقاهُ على بُسْتانٍ واحِدٍ، نِصْفُه هذا بالنِّصْفِ، ونِصْفُه هذا بالثُّلُثِ، وهما مُتَمَيِّزان، صَحَّ؛ لأنَّهما كَبُسْتانَينِ.
стр. 6820
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن كان البُسْتانُ لاثْنَين، فساقَيَا عامِلًا واحدًا، على أنَّ له نِصْفَ نَصِيبِ أحَدِهما، وثُلُثَ نَصِيبِ الآخَرِ، والعامِلُ عالِمٌ ما لكلِّ واحدٍ منهما، جاز؛ لأنَّ عَقْدَ الواحِدِ مع الاثْنَين عَقْدانِ. ولو أفْرَدَ كلَّ واحدٍ منهما بعَقْدٍ، كان له أن يَشْرُطَ ما اتَّفَقَا عليه. وإن جَهِل نَصِيبَ كلِّ واحدٍ منهما، لم يَجُزْ؛ لأنَّه غَرَرٌ، فإنَّه قد يَقِلُّ نَصِيبُ مَن شَرَط له النِّصْفَ، فيَقِلُّ حَظُّه، وقد يَكْثُرُ فيَتَوَفَّرُ حَظَّه. فأمّا إن شَرَطا قَدْرًا واحِدًا مِنِ مالِهِما، جازَ، وإن لم يَعْلَمْ قَدْرَ ما لِكُلِّ واحدٍ منهما؛ لأنَّها جَهالةٌ لا غرَرَ فيها ولا ضَرَرَ، فهو كما لو قالا: بِعْناكَ دارَنا هذه بألْفٍ. ولم يَعْلَمْ نَصِيبَ كلِّ واحدٍ منهما، جازَ (١)؛ لأنَّه أيُّ نَصِيبٍ كان، فقد عَلِمَ عِوَضَه، وعَلِمَ جُمْلةَ المَبِيعِ، فَصَحَّ. كذلك ههُنا. ولو ساقَى واحِدٌ اثْنَين، جاز، ويجوزُ أن يَشْرُطَ لهما التَّساوِيَ في النَّصِيبِ، وأن يَشْرُطَ لأحَدِهما أَكْثَرَ مِن الآخَرِ.
فصل: ولو ساقاهُ ثَلاثَ سِنينَ على أنَّ له في الأولَى النِّصْفَ، وفي الثانِيَةِ الثُّلُثَ، وفي الثالِثَةِ الرُّبْعَ، جازَ؛ لأنَّ قَدْرَ ما لَه في كلِّ سَنَةٍ مَعْلُومٌ، فصَحَّ، كما لو شَرَط له من كلِّ نَوْعٍ قَدْرًا.
стр. 6821
وَالْمُسَاقَاةُ عَقْدٌ جَائِزٌ في ظَاهِرِ كَلَامِهِ.
ــ
فصل: ولا تَصِحُّ المُساقَاةُ إلا على شَجَرٍ مَعْلُومٍ بالرُّؤْيَةِ، أو بالصِّفَةِ التي لا يُخْتَلَف معها، كالبَيعِ. فإن ساقاهُ على بُسْتانٍ لم يَرَه ولم يُوصَفْ له، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه عَقْدٌ على مَجْهُولٍ، أشْبَهَ البَيعَ، وإن ساقاهُ على أحَدِ هذَينِ الحائِطَينِ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّها مُعاوَضةٌ يَخْتَلِفُ العِوَضُ فيها باخْتِلافِ الأعْيانِ، فلم يَجُزْ على غيرِ مُعَيَّنٍ، كالبَيعِ.
فصل: وتَصِحُّ على البَعْلِ، كما تَصِحُّ على السَّقْي. وبه قال مالكٌ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا عند من يُجَوِّزُ المُساقاةَ؛ لأنَّ الحاجةَ تَدْعُو إلى المُعامَلةِ في ذلك، كَدُعائِها إلى المُعامَيَةِ في غيرِه، فيُقاسُ عليه.
٢١٢٠ - مسألة: (والمُساقاةُ عَقْدٌ جائِزٌ في ظاهِرِ كَلامِهِ) وكذلك المُزارَعَةُ. أوْمأ إليه أحمدُ في رِوايةِ الأثْرَمِ، وقد سُئِلَ عن الأكَّارِ يَخْرُجُ من غيرِ أن يُخْرِجَه صاحِبُ الضَّيعَةِ، فلم يَمْنَعْه من ذلك. ذَكَرَه
стр. 6822
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[أبو عبدِ اللهِ] (١) ابنُ حامِدٍ. وهو قولُ بَعْضِ أصحاب الحَدِيثِ. وقال بَعْضُ أصْحابِنا: هو لازمٌ. وهو قولُ أكْثَرِ الفُقَهاءِ؛ لأَنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، فكان لازِمًا، كالإِجَارَةِ، ولأنَّه لو كان جائِزًا، جاز (٢) لِرَبِّ المالِ فَسْخُه إذا ظَهَرَتِ الثَّمَرَةُ، فيَسْقُطُ سَهْمُ العامِلِ، فيَتَضَرَّرُ. ولَنا، ما رَوَى مُسلمٌ (٣) عن ابنِ عُمَرَ، أنَّ اليَهُودَ سَأَلُوا رسولَ اللهِ ﷺ أن يُقِرَّهُم بخَيبَرَ، على أن يَعْمَلُوها، ويكونَ لرسولِ اللهِ ﷺ شَطْرُ ما يَخْرُجُ منها مِن زَرْع أو ثَمَر، فقال رسولُ الله ﷺ : «نُقِرُّكُمْ عَلَى ذلِكَ مَا شِئْنَا». ولو كان لازِمًا لم يَجُزْ بغيرِ تَقْدِيرِ مُدَّةٍ، ولا أن يَجْعَلَ الخِيَرَةَ إليه في مُدَّةِ إقْرارِهم، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ لو قَدَّرَ لهم مُدَّةً لنُقِلَ؛ لأنَّ هذا مما يُحْتاجُ إليه، فلا يَجُوزُ الإِخْلالُ بنَقْلِه، وعُمَرُ، ﵁، أجْلاهُم مِن أرْضِ الحِجازِ، وأَخْرَجَهُم مِن خَيبَرَ، ولو كانت لهم مُدَّةٌ مُقَدَّرَةٌ، لم يَجُزْ إخْراجُهم فيها، ولأنَّه عَقدٌ على جُزْءٍ من نَماءِ المالِ، فكان جائِزًا:
стр. 6823
لَا يَفْتَقِرُ إِلَى ذِكْرِ مُدَّةٍ. وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُهَا، فَمَتَى انْفَسَخَتْ بَعْدَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ، فَهِيَ بَينَهُمَا.
ــ
كالمُضارَبَةِ. وفارَقَ الإِجارَةَ؛ لأنَّها بَيع، فكانت لازِمَةً، كَبَيعِ الأعْيانِ، ولأنَّ عِوَضَها مَعْلُومٌ، أشْبَهَتِ البَيعَ. وقِياسُهُم يَنْتَقِضُ بالمُضارَبَةِ، وهي أشْبَهُ بالمُساقاةِ من الإِجارَةِ، فقِياسُها عليها أوْلَى. وقولُهم: إنَّه يُفْضِي إلى أنَّ رَبَّ المَالِ يَفْسَخُ بعدَ إدْراكِ الثَّمَرَةِ. قلنا: إذا ظَهَرَتِ الثَّمَرَةُ، ظَهَرَتْ على مِلْكَيهما، فلا يَسْقُطُ حَقُّ العامِلِ منها بفَسْخ ولا غيرِه؛ كما إذا فَسَخ المُضاربةَ (١) بعد ظُهُورِ الرِّبْحِ. فعلى هذا (لا يَفْتَقِرُ إلى ذِكْرِ مُدَّةٍ) لأنَّ النبيَّ ﷺ لم يَضْرِبْ لأهْلِ خَيبَرَ مُدَّةً مَعْلُومةً، ولا خُلَفاؤُه حين عامَلُوهُم، ولأنَّه عَقْدٌ جائِزٌ فلم يَفتَقِرْ إلى ضَرْبِ مُدَّةٍ، كالمُضارَبَةِ وسائِرِ العُقُودِ الجائِزَةِ. و (متى) فَسَخ أحَدُهما (بعدَ ظُهُورِ
стр. 6824
وَإنْ فَسَخَ الْعَامِلُ قَبْلَ ظُهُورِهَا، فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ فَسَخَ رَبُّ الْمَالِ، فَعَلَيهِ لِلْعَامِلِ أُجْرَةُ عَمَلِهِ.
ــ
الثَّمَرَةِ، فهي بينهما) على ما شَرَطاهُ، وعلى العامِلِ تَمامُ العَملِ (١)، كما يَلْزَمُ المُضارِبَ بَيعُ العُرُوضِ إذا فُسِخَتِ المُضارَبَةُ بعد ظُهُورِ الرِّبْحِ، (وإن فَسَخ العامِلُ قبلَ) ذلك (فلا شيءَ له) لأنَّه رَضِيَ بإسْقاطِ حَقِّه، فهو كعامِلِ المُضارَبَةِ إذا فسخ قبلَ ظُهُورِ الرِّبْحِ، وعامِلِ الجَعَالةِ إذا فَسَخ قبلَ إتْمامِ عَمَلِه (وإن فَسَخَ رَبُّ المالِ) قبل ظُهُورِ الثَّمَرَةِ (فعليه) أجْرُ المِثْلِ للعامِلِ؛ لأنَّه مَنَعَه إتْمامَ عَمَلِه الَّذي يَسْتَحِقُّ بِهِ العِوَضَ، فأشْبَهَ ما لو فَسَخ الجاعِلُ قبلَ إتْمامِ عَمَلِ الجَعَالةِ. وفارَقَ رَبَّ المالِ في المُضارَبَةِ إذا فَسَخَها قبلَ ظُهُورِ الرِّبْحِ؛ لأنَّ عَمَلَ هذا مُفْضٍ إلى ظُهُورِ الثَّمَرَةِ غالِبًا، فلَوْلا الفَسْخُ لَظَهَرتِ الثَمَرَةُ، فمَلَكَ نَصِيبَه منها، وقد قَطَع ذلك بِفَسْخِه، فأشْبَهَ فَسْخَ الجَعَالةِ، بخِلافِ المُضارَبَةِ، فإنَّه لا يُعْلَمُ إفْضاؤُها إلى الرِّبْحِ، ولأنَّ الثَّمَرَةَ إذا ظَهَرت في الشَّجَرِ، كان العَمَلُ عليها في الابْتِداءِ من أسْباب ظُهُورِها، والرِّبْحُ إذا ظَهَر في المُضارَبَةِ، قد لا يكونُ للعَمَلِ الأوَّلِ فيه أَثَرٌ أصْلًا.
стр. 6825
وَقِيلَ: هِيَ عَقْدٌ لَازِمٌ تَفْتَقِرُ إِلَى ضَرْبِ مُدَّةٍ تَكْمُلُ الثَّمَرَةُ فِيهَا.
ــ
٢١٢١ - مسألة: فإن قلنا: هي عَقْدٌ لازِمٌ. فلا يَصِحُّ إلا على مُدَّةٍ مَعْلُومةٍ . وهذا قولُ الشافعيِّ. وقال أبو ثَوْرٍ: يَصِحُّ، ويَقَعُ على سَنَةٍ واحدةٍ. وأجازَه بعضُ الكُوفِيِّين اسْتِحْسانًا؛ لأنَّه لمّا شَرَط له جُزْءًا مِن الثَّمَرَةِ، كان ذلك دَلِيلًا على إرادَةِ مُدَّةٍ تَحْصُلُ فيها الثَّمَرَةُ. ولَنا، أنَّه عَقْدٌ لازِمٌ، فوَجَبَ تَقْدِيرُه بمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، كالإِجارةِ، ولأنَّ المُساقاةَ أشْبَهُ بالإِجارَةِ؛ لأنَّها تَقْتَضِي العَمَلَ على العَينِ مع بَقائِها، ولأنَّها إذا وَقَعَتْ مُطْلَقةً، لم يُمْكِنْ حَمْلُها على إطْلاقِها مع لُزُومِها؛ لأنَّه يُفضِي إلى أنَّ العامِلَ يَسْتَبِدُّ بالشَّجَرِ كُلَّ مُدَّتِه؛ فيَصِيرُ كالمالِكِ، ولا يُمْكِنُ تَقْدِيرُه بالسَّنَةِ؛ لأنَّه تحكُّمٌ، وقد تَكْمُلُ الثَّمَرَةُ في أقَلَّ مِن السَّنَةِ. فعلى هذا، لا تَتَقَدَّرُ أكْثَرُ المُدَّةِ، بل يجوزُ ما يَتَّفِقان عليه من المُدَّةِ التي يَبْقَى الشَّجَرُ فيها، وإن طالتْ. وقيل: لا يجوزُ أكثرُ مِن ثَلاثِينَ سَنَةً. وهذا تَحَكُّمٌ وتَوْقِيتٌ لا يُصارُ إليه إلَّا بنَصٍّ أو إجْماعٍ. فأمّا أقَلُّ المُدَّةِ، فيَتَقَدَّرُ بمُدَّةٍ تَكْمُلُ فيها الثَّمَرَةُ، ولا يجوزُ على أقَلَّ منها؛ لأنَّ المَقْصُودَ اشْتِراكُهُما في الثَّمَرَةِ، ولا يُوجَدُ في أقَلَّ مِن هذه المُدَّةِ.
стр. 6826
فَإِنْ جَعَلَا مُدَّةً لَا تَكْمُلُ فِيهَا، لَمْ تَصِحَّ. وَهَلْ لِلْعَامِلِ أُجْرَةٌ؟ عَلَى وَجْهَينِ. وإنْ جَعَلَا مُدَّةً قَدْ تَكْمُلُ فِيهَا، وَقَدْ لَا تَكْمُلُ، فَهَلْ تَصِحُّ؟ عَلَى وَجْهَينِ. فَإن قُلْنَا: لَا تَصِحُّ. فَهَلْ لِلْعَامِلِ أُجْرَةٌ؟ عَلَى وَجْهَينَ.
ــ
٢١٢٢ - مسألة: فإن شَرَطا مُدَّةً لا تَكْمُلُ فيهِا، لَمْ تَصِحَّ ؛ لذلك، فإذا عَمِلَ فيها فَظَهَرِتِ الثَّمَرَةُ فيها ولم تَكْمُلْ، فله أُجْرَةُ مِثْلِه في أحَدِ الوَجْهَين. وفي الآخرِ لا شيءَ له؛ لأنَّه رَضِيَ بالعَمَلِ بغيرِ عِوَضٍ، فهو كالمُتَبرِّعِ. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ هذا لم يَرْضَ إلَّا بِعِوَضٍ، وهو جُزْءٌ مِن الثَّمَرَةِ، وذلك الجُزْءُ مَوْجُودٌ، لكنْ لا يُمْكِنُ تَسْلِيمُه إليه، فلَمَّا تَعَذَّرَ دَفْعُ العِوَضِ الَّذي اتَّفَقا عليه، كان له أجْرُ مِثْلِه كما في الإِجارَةِ الفاسِدَةِ، بخِلافِ المُتَبَرِّعِ، فإنه رَضِيَ بغيرِ شيءٍ. وإن لم تَظْهَرِ الثَّمَرَةُ، فلا شيءَ له، في أصَحِّ الوَجْهَين؛ لأنَّه رَضِيَ بالعَمَلِ بغيرِ عِوَضٍ.
فصل: وإن ساقاهُ إلى مُدَّةٍ تَكْمُلُ فيها الثَّمَرَةُ غالِبًا، فلم تَحْمِلْ تلك السنةَ، فلا شيءَ للعامِلِ، لأنَّه عَقْدٌ صَحِيحٌ لم يَظْهَرْ فيه النَّماءُ، أشْبَهَ المُضارَبَةَ إذا لم يَرْبَحْ فيها، وإن ظَهَرَت الثَّمَرَةُ ولم تَكْمُلْ، فله نَصِيبُه منها، وعليه إتْمامُ العَمَل فيها، كما انْفَسَخَتْ قبلَ كَمالِها.
٢١٢٣ - مسألة: وإن شَرَطَا مُدَّةً قد تَكْمُلُ فيها الثَّمَرَةُ وقد لا تَكْمُلُ ، فَفِي صِحَّةِ المُساقاةِ وَجْهانِ؛ أحَدُهُما، يَصِحُّ؛ لأنَّ الشَّجَرَ
стр. 6827
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَحْتَمِلُ أن يَحْمِلَ ويَحْتَمِلُ أن لا يَحْمِلَ، والمُساقاةُ جائِزَةٌ فيه. والثانِي، لا يَصِحُّ؛ لأنَّه عَقْدٌ على مَعْدُومٍ، ليس الغالِبُ وُجُودَه؛ فلم يَصِحَّ، كالسَّلَمِ في مِثْلِ ذلك، ولأنَّ ذلك غَرَرٌ أمْكَنَ التَّحَرُّزُ منه، فلم يَجُزِ العَقْدُ معه، كما لو شَرَط ثَمَرةَ نَخْلةٍ بعَينِها. وفارَقَ ما إذا شَرَط مُدَّة تَكْمُلُ فيها الثَّمَرَةُ، فإنّ الغالِبَ أنَّ الشَّجَرَ يَحْمِلُ، واحْتِمالُ أن لا يَحْمِلَ نادِرٌ لم يُمْكِنِ التَّحَرُّزُ عنه. فإن قُلْنا: العَقْدُ صَحِيح. فله حِصَّتُه مِن الثَّمَرِ. فإن لم يَحْمِلْ، فلا شيءَ له. وإن قُلْنا: هو فاسِدٌ. اسْتَحَقَّ أجْرَ المِثْلِ، سواءٌ حَمَل أو لَمْ يَحْمِلْ؛ لأنَّه لم يَرْضَ بغيرِ عِوَضٍ، ولم يُسَلَّمْ له العِوَضُ، فاسْتَحَقَّ أجْرَ المِثْلِ، بخِلافِ ما إذا شَرَطا مُدَّةً لا يَحْمِلُ في مِثْلِها. وفيه وجه آخرُ، أنَّه لا شيءَ له، كما لو اشْتَرَطا مُدَّةً لا يَحْمِلُ فيها الشَّجَرُ غالبًا. ومتى خرَجَتِ الثَّمَرَةُ قبلَ انْقِضاءِ المُدَّةِ، فله حَقُّه منها، إذا قُلْنا بصِحَّةِ العَقْدِ، وإن خَرَجَتْ بعدَها، فلا شيءَ له فيها. ومذهبُ الشافعيِّ في هذا قَرِيبٌ مِمَّا ذَكَرْنا.
стр. 6828
وَإنْ مَاتَ الْعَامِلُ، تَمَّمَ الْوَارِثُ، فَإنْ أَبَى، اسْتُؤْجِرَ عَلَى الْعَمَلِ
ــ
٢١٢٤ - مسألة: (وإن مات العامِلُ، تَمَّمَ الوارِثُ) فإن لم يَكُنْ له وارِثٌ، أقامَ الحاكِمُ مُقَامَه مِن تَرِكَتِه. وجُمْلَةُ ذلك، أنّا قد ذَكَرْنا أنَّ ظاهِرَ المذْهَبِ، أنَّ المُساقاةَ عَقْدٌ جائِزٌ لا يَفْتَقِرُ إلى ذِكْرِ مُدَّةٍ؛ لأنَّ إبْقاءَها إليهما، وفَسْخَها جائِزٌ لكلِّ واحدٍ منهما، فلم تَحْتَجْ إلى مُدَّةٍ، فإن قَدَّرَها بمُدَّةٍ، جاز؛ لأنَّه لا ضَرَرَ في ذلك، وقد بَيَّنَّاه في المُضارَبَةِ، والمُساقاةُ مثلُها. فعلى هذا، تَنْفَسِخُ بمَوْتِ كُلِّ واحِدٍ منهما، وجُنُونِه، والحَجْرِ عليه للسَّفَهِ، كالمُضارَبَةِ، ويكونُ الحُكْمُ فَيها كما لو فَسَخَها أحَدُهما. فأمَّا إن قلنا بلُزُومِها، لم يَنْفَسِخِ العَقْدُ، ويَقُومُ الوارِثُ مَقامَ المَيِّتِ منهما؛ لأنَّه عَقْدٌ لازِمٌ، أشْبَهَ الإِجَارةَ. فإن كان المَيِّتُ العامِلَ، فأبَى وارِثُه القِيامَ مَقَامَه، لم يُجْبَرْ؛ لأنَّ الوارِثَ لا يَلْزَمُه مِن الحُقُوقِ التي على مَوْرُوثِه إلَّا ما أمْكَنَ دَفْعُه مِن تَرِكَتِه، والعَمَلُ ليس مما يُمْكِنُ ذلك فيه. فعلى هذا،
стр. 6829
مِنْ تَرِكَتِهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَتْ، فَلِرَبِّ الْمَالِ الْفَسْخُ. فَإِنْ فَسَخَ بَعْدَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ، فَهِيَ بَينَهُمَا. وَإنْ فَسَخَ قَبْلَهُ، فَهَلْ لِلْعَامِلِ أُجْرَةٌ؟ عَلَى وَجْهَينَ.
ــ
يَسْتَأْجِرُ الحاكِمُ مِن التَّرِكَةِ مَن يَعْمَل العَمَلَ، فإن لم يَكُنْ له تَرِكَةٌ، أو تَعَذَّرَ الاسْتِئْجارُ (فَلِرَبِّ المالِ الفَسْخُ) لأنَّه تَعَذَّرَ اسْتِيفاءُ المَعْقُودِ عليه، فَثَبَتَ الفَسْخُ، كما لو تَعَذَّرَ ثَمَنُ المَبِيعِ قبلَ قَبْضِه.
٢١٢٥ - مسألة: (فَإِنْ فَسَخَ بَعْدَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ، فَهِيَ بَينَهُمَا، وَإنْ فَسَخَ قَبْلَهُ، فَهَلْ لِلْعَامِلِ أُجْرَةٌ؟ عَلَى وَجْهَينَ) أمّا إذا فَسَخ بعدَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ، فهي بينَهما، كما إذا انْفَسَخَتِ المُضارَبَةُ بعدَ ظُهُورِ الرِّبْحِ. فعلى هذا، يُباعُ مِن نَصِيبِ العامِلِ ما يُحْتاجُ إليه لأجْرِ ما بَقِيَ مِن العَمَلِ، واسْتؤْجِرَ مَن يَعْمَلُ ذلك. وإنِ احْتِيجُ إلى بَيعِ الجميعِ،
стр. 6830
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بِيعَ. ثم لا يَخْلُو؛ إمّا (١) أن يكونَ قد بَدا صَلاحُ الثَّمَرَةِ أوْ لا، فإن كان قد بَدا صَلاحُها، خُيِّرَ المالِكُ بين البَيعِ والشِّراءِ، فإنِ اشْتَرَى نَصِيبَ العامِلِ، جازَ، وإنِ اخْتارَ بَيعَ نَصِيبِه، باعَهُ، وباعَ الحاكِمُ نَصِيبَ العامِلِ، وإن أربى البَيعَ والشِّراءَ، باعَ الحاكِمُ نَصِيبَ العامِلِ وحدَه، وما بَقِيَ على العامِلِ، يَسْتأجِرُ مَن يَعْمَلُه، والباقِي لِوَرَثَتِه. وإن كانت لم يَبْدُ صَلاحُها، خُيِّرَ المالِكُ أيضًا، فإن بِيعَ لأجْنَبِيٍّ، لم يجُزْ إلَّا بشَرْطِ القَطعِ. ولا يجوزُ بَيعُ نَصِيبِ العامِلِ وحدَه؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ قَطْعُه إلَّا بِقَطْعِ نصِيبِ المالِكِ، ولا يجوزُ ذلك إلَّا بإذْنِه. وهل يجوزُ شِرَاءُ المالِكِ لها؛ على وَجْهَين؛ أحدُهما، لا يَجُوزُ، كالأجْنَبِيِّ والثاني، يجوزُ، كما إذا باع نَخْلًا مُؤَبَّرًا، جاز للمُشْتَرِي أن يَبْتاعَ الثَّمَرَةَ التي للبائِعِ مِن غيرِ شَرْطِ القَطْعِ (٢). وهكذا الحُكْمُ إذا انْفَسخَتِ المُساقاةُ بمَوْتِ العامِلِ، إذا قلنا بجَوازها، وأربى الوارِثُ العَمَلَ. فأمّا إن فَسَخ قبلَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ، فللعامِلِ الأجْرَةُ في أحَدِ الوَجهَين؛ لأنَّه عَمَل بعِوَض لم يَصِحَّ له، فكانَتْ له الأجْرَةُ، كما لو فَسَخ بغيرِ عُذْرٍ. والثاني، لا شيءَ له؛ لأنَّ الفَسْخَ مُسْتَنِدٌ إلى مَوْتِه، ولا صُنْعَ لِرَبِّ المالِ فيه، أشْبَهَ إذا فَسَخ العامِلُ قبلَ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ.