← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 7071–7110 · переход к 7076.

стр. 7071

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بَقاءَ غيرِ المَعْقُودِ عليه لا يَمْنَعُ انْفِساخَ العَقْدِ بتَلَفِ المَعْقُودِ عليه، كالأعْيانِ في البَيعِ. ولو كان النَّفْعُ الباقِي في العَينِ ممّا لا يُباحُ اسْتِيفاؤُه بالعَقْدِ، كدابَّةٍ اسْتأْجَرَها للرُّكُوبِ فصارَتْ لا تَصْلُحُ إلَّا لِلْحَمْلِ أو بالعَكْسِ، انْفَسَخَ العَقْدُ، وَجْهًا واحدًا؛ لأنَّ المَنْفَعَةَ الباقِيَةَ لا يَمْلِكُ اسْتِيفاءَها مع سَلامَتِها، فلا يَمْلِكُها مع تَعَيُّبِها، كبَيعِها، فأمّا إن أمْكَنَ الانْتِفاعُ بالعَينِ فيما (١) اكتَراها له على نَعْتٍ مِن القُصُورِ (٢)، مثلَ أن يُمْكِنَه زَرْعُ الأرْضِ

стр. 7072

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بغيرِ ماءٍ، أو كان الماءُ مُنْحَسِرًا عن الأرْضِ التي غَرِقَتْ على وَجْهٍ يَمْنَعُ بعضَ الزِّراعةِ، أو يَسُوءُ (١) الزَّرْعَ، أو كان يُمْكِنُه سُكْنَى ساحَةِ الدّارِ، إمّا في خَيمَةٍ أو غيرِها، لم تَنْفَسِخِ الإِجارَةُ؛ لأنَّ المَنْفَعَةَ المَعْقُودَ عليها لم تَزُلْ بالكُلِّيَّةِ، فأشْبَهَ ما لو تَعَيَّبَتْ، وللمُسْتَأْجِرِ خِيارُ الفَسْخِ، على ما ذَكَرْنا، إلَّا في الدّارِ إذا انْهَدَمَتْ، ففيها وَجْهانِ؛ أحدُهما، لا تَنْفَسِخُ الإِجارَةُ. والثّاني، تَنْفَسِخُ؛ لأنَّه زال اسْمُها بِهَدْمِها، وذَهَبَت المَنْفَعَةُ التي تُقْصَدُ منها، ولذلك لا يَسْتَأْجِرُ أحَدٌ عَرْصَةَ دارٍ لِيَسْكُنَها. فأمّا إن كان الحادِثُ في العَينِ لا يَضُرُّها، كغَرَقِ الأرْضِ بماءٍ يَنْحَسِرُ عن قَرِيبٍ، بحيثُ لا يَمْنَعُ الزَّرْعَ ولا يَضُرُّه، وانْقِطاعِ الماءِ عنها إذا ساقَ المُؤْجِرُ إليها ماءً مِن مكانٍ آخَرَ، أو كان انْقِطاعُه في زَمَن لا يَحْتاجُ إليه فيه، فليس للمُسْتَأْجِرِ الفَسْخُ؛ لأنَّ هذا ليس بِعَيبٍ. وَإن حَدَث الغَرَقُ المُضِرُّ أو انْقِطاعُ الماءِ أو الهَدْمُ بِبَعْضِ العَينِ المُسْتَأْجَرَةِ، فلذلك البعضِ حُكْمُ نَفْسِه في الفَسْخِ أو ثُبوتِ الخِيارِ، وللمُكْتَرِي الخِيارُ في بَقِيَّةِ العَينِ؛ لأنَّ الصَّفْقَةَ تَبعَّضَتْ عليه. فإنِ اخْتارَ الإِمْساكَ أمْسَكَ بالحِصَّةِ مِن الأجْرِ، كما إذا تَلِفَ أحَدُ القَفِيزَينِ مِن الطَّعامِ في يَدِ البائِعِ.

стр. 7073

وَلَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ المُكْرِي وَالْمُكْتَرِي، ــ ٢٢٠٦ - مسألة: (ولا تَنْفَسِخُ بمَوْتِ المُكْتَرِي أو المُكْرِي) وهذا قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، والْبَتِّيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ. وقال الثَّوْريُّ، وأصْحابُ الرَّأي، واللَّيثُ: تَنْفَسِخُ الإجارَةُ بمَوْتِ أحَدِهما؛ لأنَّ اسْتِيفاءَ المَنْفَعَةِ يتَعَذَّرُ بالمَوْتِ؛ لأنَّه اسْتَحَق بالعَقْدِ اسْتِيفاءَها على مِلْكِ المُؤْجِرِ، فإذا ماتَ زال مِلْكُه عن العَينِ، فانْتَقَلَتْ إلى وَرَثَتِه، فالمنافِعُ تَحْدُثُ على مِلْكِ الوارِثِ، فلا يَسْتَحِقُّ المُسْتَأْجِرُ اسْتِيفاءَها؛ لأنَّه ما عَقَد مع الوارِثِ، وإذا ماتَ المُسْتَأْجِرُ لم

стр. 7074

ولَا بِعُذْرٍ لأحَدِهمَا؛ مِثْلَ أَنْ يَكْتَرِيَ لِلحَجِّ فَتَضِيعَ نَفَقَتُهُ، أَوْ دُكَّانًا فيَحْتَرِقَ مَتَاعُهُ. ــ يُمْكِنْ إيجابُ الأجْرِ في تَرِكَتِه. ولَنا، أنَّه عَقْدٌ لازِمٌ، فلم يَنْفَسِخْ بمَوْتِ العاقِدِ مع سَلامةِ المَعْقُودِ عليه، كما لو زَوَّجَ أمَتَه ثم مات. وما ذَكَرُوه لا يَصِحُّ؛ لأنَّا قد بَيَّنَّا أنَّ المُسْتَأْجِرَ قد مَلَك المَنافِعَ، وأنَّ الأُجْرَةَ قد مُلِكَتْ عليه كامِلَةً في وَقْتِ العَقْدِ، على ما نَذْكُرُه، ويَلْزَمُهم ما لو زَوَّجَ أمَتَه ثم ماتَ. ولو صَحَّ ما ذَكَرُوه؛ لكن (١) وُجُوبُ الأجْرِ ها هنا بِسَبَبٍ مِن المُسْتَأجِرِ، فوَجَبَ في تَرِكَتِه بعدَ مَوْتِه، كما لو حَفَر بِئْرًا فوَقَعَ فيها شيءٌ بعدَ مَوْتِه، ضَمِنَه في مالِه؛ لأنَّ سَبَبَ ذلك كان منه في حَياتِه، كذا ههُنا. ٢٢٠٧ - مسألة: (ولا) تَنْفَسِخُ (بعُذْرٍ لأحَدِهما؛ مثلَ أن يَكْتَرِيَ للحَجِّ فتَضِيعَ نَفَقَتُه، أو دُكّانًا فيَحْتَرِقَ مَتاعُه) وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ. وقال أبو حنيفةَ، وأصحابُه: يجُوزُ للمُكْتَرِي

стр. 7075

وَإنْ غُصِبَتِ الْعَينُ، خُيِّرَ الْمُسْتَأْجِرُ بَينَ الفَسْخِ وَمُطَالبَةِ الْغَاصِبِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ، فَإِنْ فَسَخَ، فَعَلَيهِ أُجْرَةُ مَا مَضَى. ــ فَسْخُها لِعُذْرٍ في نَفْسِه، مثلَ أن يَكْتَرِيَ جَمَلًا لِيَحُجَّ عليه فيَمْرَضَ فلا يَتَمَكَّنُ مِن الخُرُوجِ، أو تَضِيعَ نَفَقَتُه، أو يَكْتَرِيَ دُكّانًا للبَزِّ فيَحْتَرِقُ مَتاعُه، وما أشْبَهَ هذا؛ لأنَّ هذا العُذْرَ يتَعَذَّرُ معه اسْتِيفاءُ المَنْفَعَةِ المَعْقُودِ عليها، فمَلَكَ به الفَسْخَ، كما لو اسْتَأْجَر عَبْدًا فأبَقَ. ولَنا، أنَّه عَقْدٌ لا يجوزُ فَسْخُه لغيرِ عُذْرٍ، فلم يَجُزْ لِعُذْرٍ في غيرِ المَعْقُودِ عليه، كالبَيعِ؛ ولأنَّه لو جازَ فَسْخُه لِعُذْرِ المُكْتَرِي، لجازَ لعُذْرِ المُكْرِي، تَسْويةً بينَ المُتعاقِدَينِ ودَفْعًا للضَّرَرِ عن كلِّ واحدٍ منهما، ولم يَجُزْ ثَمَّ، فلا يجوزُ ههُنا. ويُفارِقُ الإِباقَ؛ فإنَّه عُذْر في المَعْقُودِ عليه. ٢٢٠٨ - مسألة: (وإن غُصِبَتِ العَينُ، خُيِّرَ المُسْتَأْجِرُ بينَ الفَسْخِ) والإِمْضاءِ (ومُطالبَةِ الغاصِب بأُجْرَةِ المِثْلِ) إذا غُصِبَتِ العَينُ المُسْتَأْجَرةُ، فللمُسْتَأْجِرِ الفَسْخُ؛ لأَنَّ فيه تَأْخِيرَ حَقِّه، فإن فَسَخ،

стр. 7076

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فالحُكْمُ فيه كما لو انْفَسَخَ العَقْدُ بِتَلَفِ العَينِ، وإن لم يَفْسَخْ حتى انْقَضَتْ مُدَّةُ الإجارَةِ، فله الخِيارُ بينَ الفَسْخِ والرُّجُوعِ بالمُسَمَّى، وبينَ البَقاءِ على العَقْدِ ومُطالبةِ الغاصِبِ بأجْرِ المِثْلِ؛ لأنَّ المَعْقُودَ عليه لم يَفُتْ مُطلقًا، بل إلى بَدَلٍ، وهو القِيمَةُ، فأشْبَهَ ما لو أتْلَفَ الثَّمَرةَ المَبِيعَةَ آدَمِيٌّ قبلَ قَطْعِها، ويَتَخَرَّجُ انْفِساخُ العَقْدِ بكلِّ حالٍ على الرِّوايةِ التي تقولُ: إنَّ مَنافِعَ الغَصْبِ لا تُضْمَنُ. وهو قولُ أصحاب الرَّأْي. ولأصْحابِ الشافعيِّ في ذلك اخْتِلافٌ. فإن رُدَّتِ العَينُ في أثناءِ المُدَّةِ، ولم يَكُنْ فَسَخ، اسْتَوْفَى ما بَقِيَ منها، ويكونُ فيما مَضَى مِن المُدَّةِ مُخَيَّرًا، كما ذَكَرْنا. وإن كانتِ الإجارَةُ على عَمَل، كخِياطَةِ ثَوْبٍ، أو حَمْلِ شَيءٍ إلى مَوْضِع مُعَيَّنٍ، فغُصِبَ جَمَلُه الذي يَحْمِلُ عليه، أو عَبْدُه الذي يَخِيطُ له، لم يَنْفَسِخِ العَقْدُ، وللمُسْتَأْجِرِ مُطالبَةُ الأجِيرِ بعِوَضِ

стр. 7077

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ المَغْصُوبِ وإقامَةِ مَن يَعْمَلُ العَمَلَ؛ لأنَّ العَقْدَ على ما في الذِّمَّةِ، كما لو وَجَد بالمُسْلَمِ فيه عَيبًا فرَدَّه، فإن تَعَذَّرَ البَدَلُ، ثَبَتَ للمُسْتَأجِرِ الخِيارُ بينَ الفَسْخِ والصَّبْرِ إلى أن يَقْدِرَ على العَينِ المَغْصوبةِ، فيَسْتَوْفِيَ منها. فصل: فإن حَدَث خَوْفٌ عامٌّ يَمْنَعُ مِن سُكْنَى المَسْكَنِ الذي فيه العَينُ المُسْتَأْجَرَةُ، أو يُحْصَرُ البَلَدُ، فيَمْتَنِعُ خُرُوجُ المُسْتَأْجِرِ إلى الأرضٍ المُسْتَأْجَرَةِ للزَّرْعِ، ونحو ذلك، ثبتَ للمُسْتَأْجرِ خِيارَ الفَسْخِ؛ لأنَّه أمْرٌ غالِبٌ [مَنَع المُسْتَأْجِرَ] (١) اسْتِيفاءَ المَنْفَعَةِ، فأَثْبَتَ الخِيارَ، كغَصْبِ العَينِ. ولو اكْتَرَى دابّةً لِيَرْكَبَها، أو يَحْمِلَ عليها إلى مَوْضِع مُعَيَّن، فانْقَطَعَتِ الطَّرِيقُ إليها لِخَوْفٍ حادِثٍ، أو اكْتَرَى إلى مَكَّةَ فلم يَحُجَّ الناسُ ذلك العامَ مِن تلك الطرَّيقِ، مَلَك كلُّ واحدٍ منهما فَسْخَ الإِجارَةِ. وإنِ اخْتارَا (٢) إبْقاءَها إلى حينِ إمْكانِ اسْتِيفاءِ المَنْفَعَةِ، جازَ؛ لأنَّ الحَقَّ لهما. فأمّا إن كان الخَوْفُ خاصًّا بالمُسْتَأْجِرِ، كمَن خافَ وحدَه؛ لِقُرْبِ أعْدائِه مِن المَوْضِعِ المُسْتَأْجَرِ، أو حُلُولِهم في طَرِيقِه، لم يَمْلِكِ الفَسْخَ، لأنَّه عُذْرٌ يَخْتَصُّ به، لا يَمْنَعُ اسْتِيفاءَ المَنْفَعَةِ بالكُلِّيَّةِ، أشْبَهَ مَرَضَه.

стр. 7078

قَال الْخِرَقِيُّ: فَإِنْ جَاءَ أَمْرٌ غَالِبٌ يَحْجُزُ الْمُسْتَأْجِرَ فَي مَنْفَعَةِ مَا وَقَعَ عَلَيهِ الْعَقْدُ، فَعَلَيهِ مِنَ الأُجْرَةِ بِقَدْرِ مُدَّةِ انْتِفَاعِهِ. وَمَنِ اسْتُؤْجِرَ لِعَمَلِ شَيْءٍ فَمَرِضَ، أُقِيمَ مُقَامَهُ مَنْ يَعْمَلُهُ، وَالأُجْرَةُ عَلَيهِ. ــ وكذلك لو حُبِسَ، أو مَرِضَ؛ لأنَّه تَرَكَ اسْتِيفاءَ المَنْفَعةِ لِمَعْنًىَ مِن جِهَتِه، فلم يَمْنَعْ ذلك وُجُوبَ أجْرِها عليه، كما لو تَرَكَها اخْتِيارًا (قال الخِرَقِيُّ: فإن جاء أمْرٌ غالِبٌ يَحْجُزُ المُسْتَأْجِرَ عن مَنْفَعةِ ما وَقَع عليه العَقْدُ) لَزِمَه (مِن الأُجْرَةِ بقَدْرِ مُدَّةِ انْتِفاعِه) وقد شَرَحْناه. ٢٢٠٩ - مسألة: (ومَن اسْتُؤْجِرَ لِعَمَلِ شيءٍ فمَرِضَ، أُقِيمَ مُقامَه

стр. 7079

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مَن يَعْمَلُه، والأجْرَةُ عليه) لا خِلافَ بينَ أهلِ العِلْمِ في جَوازِ اسْتِئْجارِ الآدَمِيِّ، وقد أجَرَ مُوسَى، ﵇، نَفْسَه لِرَعْي الغَنَمِ (١)، واسْتَأْجَرَ النبيُّ ﷺ وأبو بَكْر رجلًا ليَدُلَّهُما على الطَّرِيقِ (٢). ولأنَّه يجوزُ الانْتِفاعُ به مع بَقَاءِ عَينِه، فجازَتْ إجارَتُه، كالدُّورِ. ثم إجَارَتُه تَنْقَسِمُ قِسْمَينِ؛ أحدُهما، استِئْجارُه مُدَّةً بعَينِها لِعَمَل مُعَيَّن، كإجارَةِ مُوسَى، ﵇، نَفْسَه ثَمانِيَ حِجَج لِرَعْي الغَنَمِ. والثاني، اسْتِئْجارُه على عَمَل (٣) مُعَيَّنٍ في الذِّمَّةِ، كاسْتِئْجارِ النبيِّ ﷺ وأبي بكرٍ رَجُلًا لِيَدُلَّهُما على الطرَّيقِ، واسْتِئْجارِ رجل لخِياطَةِ قَمِيص أو بِناءِ حائِطٍ. ويَتَنوَّعُ ذلك نَوْعَينَ؛ أحَدُهما، أن تَقَعَ الإِجارَةُ على عَينٍ، كإجارَةِ عَبْدِه لرِعايةِ غَنَمٍ، أو وَلَدِه لِعَمَل مُعَيَّن. والثاني، أن تَقَعَ على عَمَلٍ (٤) في الذِّمَّةِ، كخِياطَةِ قَمِيصٍ، وبِناءِ حائِطٍ، فمتى كانت على عَمَل في ذِمَّتِه، فمَرِضَ، وَجَب عليه أن يُقِيمَ مُقامَه مَن يَعْمَلُه؛ لأنَّه حَقٌّ

стр. 7080

وَإنْ وَجَدَ الْعَيْنَ مَعِيبَةً، أوْ حَدَثَ بِهَا عَيبٌ، فَلَهُ الْفَسْخُ، وَعَليهِ ــ وَجَب في ذِمَّتِه، فوَجَبَ عليه إيفاؤُه، كالمُسْلَمِ فيه، ولا يَلْزَمُ المُسْتَأْجرَ إنْظارُه؛ لأنَّ العَقْدَ بإطْلاقِه يَقْتَضِي التَّعْجِيلَ، وفي التَّأْخِيرِ إضْرارٌ به. فأَمّا إن كانتِ الإِجارَةُ على عَينِه في مُدَّةٍ أو غيرِها، فمَرِضَ، لم يَقُمْ غيرُه مَقامَه؛ لأنَّ الإجارَةَ وَقَعَتْ على عَمَلِه بِعَينِه لا على شيءٍ في ذِمَّتِه، وعَمَلُ غيرِه ليس بمَعْقُودٍ عليه، فأشْبَهَ ما لو اشْتَرَى مُعَيَّنًا، لم يَجُزْ أن يَدْفَعَ إليه غيرَه ولا يُبْدِلَه له، بخِلافِ ما لو وَقَع في الذِّمَّةِ، فإنَّه يجوزُ إبْدالُ المَعِيبِ، ولا يَنْفَسِخُ العَقْدُ بِتَلَفِ ما تَسَلَّمَه، والمَبِيعُ المُعَيَّنُ (١) بخِلافِه، فكذلك الإِجارَةُ. فإن كانتِ الإِجارَةُ على عَمَل في الذِّمَّةِ لكنْ لا يَقومُ غيرُ الأجيرِ مَقامَه، كالنَّسْخِ، فإنَّه يَخْتَلِفُ القَصْدُ فيه باخْتِلافِ الخُطُوطِ، لم يُكَلَّفْ إقامَةَ غيرِه مُقَامَه، ولا يَلْزَمُ المُسْتَاجِرَ قَبُولُ ذلكَ إن بَذَلَه الأجِيرُ، لأنَّ العِوَضَ لا يَحْصُلُ مِن غيرِ النّاسِخِ كَحُصُولِه منه، فأشْبَهَ ما لو أسْلَمَ إليه في نوْعٍ، فسَلَّمَ إليه غيرَه، وكذلك كلّ ما يَخْتَلِفُ باخْتِلافِ الأعْيانِ. ٢٢١٠ - مسألة: (وإن وَجَد العَينَ مَعِيبةً) فله الفَسْخُ كما لو وَجَد

стр. 7081

أُجْرَةُ مَا مَضَى. ــ المَبِيعَ مَعِيبًا، وقد ذَكَرْناه وإن (حَدَث بها عَيبٌ، فله الفَسْخُ، وعليه أُجْرَةُ ما مَضَى) لأنَّ المنافِعَ لا يَحْصُلُ قَبْضُها إلَّا بالاسْتِيفاءِ، فهي كالمَكِيلِ يَتَعَيَّبُ قبلَ قَبْضِه. فإن بادرَ المُكْرِي إلى إزالةِ العَيبِ مِن غيرِ ضَرَرٍ يَلْحَقُ المُسْتَأْجِرَ، كَدارٍ تَشَعَّثَتْ فأصْلَحَها، فلا (١) خِيارَ للمُسْتَأْجرِ، لِعَدَمِ الضَّرَرِ، وإلَّا فله الفَسْخُ. وإن سَكَنَها مع عَيبِها، فَعَلَيهِ الأَجْرَةُ، عَلِمَ أو لم يَعْلَمْ؛ لأنَّه اسْتَوْفَى جَمِيعَ المَعْقُودِ عليه مَعِيبًا، فلَزِمَه البَدَلُ، كالمَبِيعِ المَعِيبِ إذا رَضِيَهُ.

стр. 7082

وَيَجُوزُ بَيعُ الْعَينِ الْمُسْتَأْجَرَةِ، وَلَا تَنْفَسِخُ الإجَارَةُ، إلَّا أَنْ ــ ٢٢١١ - مسألة: (ويجوزُ بَيعُ العَينِ المُسْتَأْجَرةِ، ولا تَنْفَسِخُ

стр. 7083

يَشْتَرِيَهَا الْمُسْتَأْجِرُ، فَتُفْسَخُ، عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ. ــ الإجارَةُ، إلَّا أن يَشْتَرِيَها المُسْتَأْجرُ، فتَنْفَسخُ، في إحْدَى الرِّوايَتَينِ) يَصِحُّ بَيعُ العَينِ المُسْتَأْجَرَةِ. نَصَّ عليه أحمدُ. سواءٌ باعَها للمُسْتَأْجِرِ أو لغيرِه. وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ. وقال في الآخَرِ: إن باعَها لغيرِ المُسْتَأْجِرِ لم يَصِحَّ؛ لأنَّ يَدَ المُسْتَأْجِرِ تَمْنَعُ التَّسْلِيمَ إلى المُشْتَرِي، فمَنَعَتِ الصِّحَّةَ، كما في بَيعِ المَغْصُوبِ. ولَنا، أنَّ الإِجارَةَ عَقْدٌ على المَنافِعِ، فلم تَمْنعِ الصِّحَّةَ، كَبَيعِ الأمَةِ إذا زَوَّجَها. وقولُهم: يَدُ المُسْتأْجِرِ تَمْنَعُ التَّسْلِيمَ. لا يَصِحُّ؛ لأنَّ يَدَ المُسْتَأْجرِ إنَّما هي على المَنافِعِ، والبَيعُ على الرَّقَبَةِ، فلا يَمْنَعُ ثُبُوتُ اليَدِ على أَحَدِهما

стр. 7084

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ تَسْلِيمَ الآخَرِ، كما لو باعَ الأمَةَ المُزَوَّجَةَ، ولأنَّها مَنَعَتِ التَّسْلِيمَ في الحالِ، فلا تَمْنَعُ في الوَقْتِ الذي يَجِبُ التَّسْلِيمُ فيه، وهو عندَ انْقِضاء الإِجارَةِ، ويَكْفِي القُدْرَةُ على التَّسْلِيمِ حينئذٍ، كالمُسْلَمِ فيه. وقال أَبو حنيفةَ: البَيعُ (١) مَوْقوفٌ على إجازَةِ المُسْتَأْجِرِ، فإن أجازَه، جازَ، وبَطَلَتِ الإِجارَةُ، وإن رَدَّه، بَطَل. ولَنا، أنَّ البَيعَ على غيرِ المَعْقُودِ عليه في الإِجارَةِ، فلم تُعْتَبرْ إجازَتُه، كَبَيعِ الأمَةِ المُزَوَّجةِ. إذا ثَبَت هذا، فإنَّ المُشْتَرِيَ يَمْلِكُ المَبِيعَ مَسْلُوبَ المَنْفَعَةِ إلى حينِ انْقِضاءِ الإِجارَةِ، ولا يَسْتَحِقُّ تَسْلِيمَ العَينِ إلَّا حِينئذٍ؛ لأنَّ تَسْلِيمَ العَينِ إنَّما يُرادُ لاسْتِيفاءِ نَفْعِها، وإنَّما يَسْتَحِقُّ نَفْعَها إذا انْقَضَتِ الإِجارَةُ، فهو كمَن اشْتَرَى عَينًا في مكانٍ بَعِيدٍ، لا يَسْتَحِقُّ تَسْلِيمَها إلَّا بعدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ يُمْكِنُ إحْضارُها فيه. وكالمُسْلَمِ إلى وَقْتٍ لا يَسْتَحِقُّ تَسْليِمَ المُسْلَمِ فيه إلَّا في وَقْتِه، فإن لم يَعْلَمِ المُشْتَرِي بالإِجارَةِ، فله الخِيارُ بينَ الفَسْخِ وإمْضاءِ البَيعِ بكلِّ الثَّمَنِ؛ لأنَّ ذلك عَيبٌ و (٢) نَقْصٌ.

стр. 7085

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: ويَصِحُّ بَيعُها للمُسْتَأْجِرِ؛ لأنَّه إذا صَحَّ بَيعُها لغيرِه، فله أوْلَى؛ لأنَّ العَينَ في يَدِه. وهل تَبْطُلُ الإِجارَةُ؟ فيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، لا تَبْطُلُ؛ لأنَّه مَلَك المَنْفَعَةَ، ثم مَلَك الرَّقَبَةَ المَسْلُوبَةَ بعَقْدٍ آخَرَ، فلم يَتَنافَيا، كما يَمْلِكُ الثَّمَرةَ بعَقْدٍ ثم يَمْلِكُ الأصْلَ بعَقْدٍ آخَرَ. ولو أجَرَ المُوصَى له بالمَنْفَعَةِ مالِكَ الرَّقَبةِ، صَحَّتِ الإِجارَةُ، فدَلَّ على أنَّ مِلْكَ المَنْفَعةِ لا يُنافِي العَقْدَ على الرَّقَبةِ. وكذلك (١) لو اسْتَأْجَرَ المالِكُ العَينَ المُسْتَأْجَرَةَ مِن مُسْتَأْجِرِها، جازَ. فعلى هذا، يكونُ الأجْرُ باقِيًا على المُشْتَرِي، وعليه

стр. 7086

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الثَّمَنُ، ويَجْتَمِعانِ للبائِعِ، كما لو كان المُشْتَرِي غيرَه. والثاني، تَبْطُلُ الإجارَةُ فيما بَقِيَ مِن المُدَّةِ؛ لأنَّه عَقَدَ على مَنْفَعَةِ العَينِ، فبَطَلَ بمِلْكِ العاقِدِ الرَّقَبَةَ، كما لو تَزَوَّجَ أمَةً ثم اشْتَراها، بَطَل نِكاحُه، ولأنَّ مِلكَ الرَّقَبةِ يَمْنَعُ ابْتِداءَ الإِجارَةِ، فمَنَعَ اسْتِدامَتَها، كالنِّكاحِ. فعلى هذا، يَسْقُطُ عن المُشْتَرِي الأجْرُ فيما بَقِيَ مِن مُدَّةِ الإِجارَةِ، كما لو بَطَلَتِ الإِجارَةُ بتَلَفِ العَينِ. وإن كان المُؤْجِرُ قد قَبَض الأجْرَ كُلَّه، حَسَبَه عليه مِن الثَّمَنِ إن كان مِن جِنْسِ الثَّمَنِ. فصل: [وإن وَرِثَ] (١) المُسْتَأْجِرُ العَينَ المُسْتَأْجَرَةَ، فالحُكْمُ فيه كما لو اشْتَراها، في بُطْلانِ الإِجارَةِ وبَقائِها. فلو اسْتَأْجَرَ إنْسانٌ مِن أبِيه دارًا، ثم مات الأبُ وخَلَفَ ابْنَينِ، أحَدُهما المُسْتَأْجِرُ، فالدّارُ بينهما نِصْفَينِ، والمُسْتَأْجِرُ أحَقُّ بمَنْفَعَتِها؛ لأنَّ النِّصْفَ الذي لأخِيه الإِجارَةُ باقِيَةٌ فيه، والنِّصْفَ الذي وَرِثَه يَسْتَحِقُّه، إمّا بحُكْمِ المِلْكِ أو بحُكْمِ الإِجارَةِ، وما عليه مِن الأُجْرةِ بينهما نِصْفَينِ. فإن كان أبُوه قد

стр. 7087

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قَبَض الأجْرَ، لم يَرْجِعْ على أخِيه بشيء منه، ولا على تَرِكَةِ أبِيه، ويكونُ ما خَلَفَه أبُوه بينهما نِصْفَينِ؛ لأنَّه لو رَجَع بشيءٍ أفْضَى إلى أن يكونَ قد وَرِثَ النِّصْفَ بمَنْفَعَتِه، وَوَرِثَ أخُوه نِصْفًا مَسْلُوبَ المَنْفَعَةِ، واللهُ سُبْحانَه قد سَوَّى بينَهُما في المِيراثِ. ولأنَّه لو رَجَع بنِصْفِ أجْرِ النِّصْفِ الذي انْتَقَضتِ الإِجارَةُ فيه، لوَجَبَ أن يَرْجِعَ أخُوه بنِصْفِ المَنْفَعَةِ التي بَطَلَتِ الإِجارَةُ فيها، إذ لا يُمْكِنُ أن يُجْمَعَ له بينَ المَنْفَعَةِ وأخْذِ عِوَضِها مِن غيرِه. فصل: فإنِ اشْتَرَى المُسْتَأْجِرُ العَينَ، فوَجَدَها مَعِيبةً، فرَدَّها، فإن قُلْنا: لا تَنْفَسِخُ الإِجارَةُ بالبَيعِ. فهي باقيةٌ بعدَ رَدِّ العَينِ كما كانتْ قبلَ البَيعِ. وإن قُلْنا: قد انْفَسَخَتْ. فالحُكْمُ فيها كما لو انْفَسَخَتْ بتَلَفِ العَينِ. فإن كان المُشْتَرَى أجْنَبيًّا، فرَدَّ المُسْتَأْجِرُ الإِجارَةَ لِعَيبٍ، فيَنْبَغِي أن تَعُودَ المَنْفَعَةُ إلى البائِعِ؛ لأَنَّه يَسْتَحِقُّ عِوَضَها على المُسْتَأجِرِ، وإذا سَقَط العِوَضُ، عاد إليه المُعَوَّضُ. ولأنَّ المُشْتَرِيَ مَلَك العَينَ مَسْلُوبةَ المَنْفَعةِ مُدَّةَ الإجارَةِ، فلا يَرْجِعُ إليه، ما لم يَمْلِكْهُ. وقال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ: يَرْجِعُ إلى المُشْتَرِي؛ لأنَّ المَنْفَعَةَ تابِعَةٌ للرَّقَبةِ، وإنَّما اسْتُحِقَّتْ بعَقْدِ الإِجارَةِ، فإذا زالتْ، عادَتْ إليه، كما لو اشْتَرَى أمَةً مُزَوَّجةً فطَلَّقَها

стр. 7088

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الزَّوْجُ. قال شيخُنا (١): ولا يَصِحُّ هذا القِياسُ؛ لأنَّ مَنْفَعَةَ البُضْعِ قد اسْتَقَرَّ عِوَضُها للبائِعِ بمُجَرَّدِ دُخُولِ الزَّوْجِ بها، ولا يَنْقَسِمُ العِوَضُ على المُدَّةِ، ولهذا لا يَرْجِعُ الزَّوجُ بشيءٍ مِن الصَّداقِ فيما إذا انْفَسَخَ النِّكاحُ أو وَقَع الطلاقُ، بخِلافِ الأجْرِ في الإِجارَةِ، فإنَّ المُؤْجِرَ يَسْتَحِقُّ الأجْرَ في مُقابَلَةِ المَنْفَعَةِ مَقْسُومًا على مُدَّتِها، فإذا كان له عِوَضُ المَنْفَعَةِ المُسْتَقْبَلَةِ. فزال بالفَسْخِ، رَجَع إليه مُعَوِّضُها، وهو المَنْفَعَةُ. ولأنَّ مَنْفَعةَ البُضْعِ لا يجوزُ أن تُمْلَكَ بغيرِ مِلْكِ الرَّقَبةِ أو النِّكاحِ، فلو رَجَعَتْ إلى البائعِ، لمُلِكَتْ بغيرِهما. ولأنَّها ممّا لا يجوزُ للزَّوْجِ نَقْلُها إلى غيرِه ولا المُعاوَضَةُ عنها، ومَنْفَعةُ البَدَنِ بخِلافِها. فصل: وإذا وقَعَتِ الإِجارَةُ على عَين، كمَن اسْتَأْجَرَ عَبْدًا للخِدْمَةِ، أو للرَّعْي، فتَلِفَ، انْفَسَخَ العَقْدُ، وقد ذَكَرْناه. وإن خَرجَتِ العَينُ مُسْتَحَقَّةً، تَبَينا أنَّ العَقْدَ باطِلٌ. وإن وَجَد بها عَيبًا فرَدَّها، انْفَسَخَ العَقْدُ أيضًا، ولم يَمْلِكْ إبْدالها؛ لأنَّ العَقْدَ على مُعَيَّن، فتَثْبُتُ هذه الأحكامُ، [كما لو] (٢) اشْتَرَى عَينًا. وإن وَقَعَتْ على عَين مَوْصُوفةٍ في

стр. 7089

فَصْلٌ: وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْأجِيرِ الْخَاصِّ، وَهُوَ الَّذِي يُسَلِّمُ ــ الذِّمَّةِ، انْعَكَسَتْ هذه الأحْكامُ، فمتى (١) سَلَّمَ إليه عَينًا فتَلِفَتْ، أو خَرَجَتْ مَغْصُوبةً، أو وَجَد بها عَيبًا، فرَدَّها، لم تَنْفَسِخِ الإِجارَةُ، ولَزِمَ المُؤْجِرَ إبْدالُها، لأنَّ المَعْقُودَ عليه غيرُ هذه العَينِ، وهذه بَدَلٌ عنه، فلم يُؤَثِّرْ ذلك في إبْطالِ العَقْدِ، كما لو اشْتَرَى بثَمَنٍ في الذِّمَّةِ، على ما قُرِّرَ في مَوْضِعِه. فإن قِيلَ: فقد قُلْتُمْ في مَن اكْتَرَى جَمَلًا لِيَرْكَبَه، جازَ أن يَرْكَبَه مَن هو مِثْلُه. ولو اكْتَرَى أرْضًا لِزَرْعِ شيءٍ بعَينِه، جازَ له زَرْعُ ما هو مِثْلُه أو دُونَه في الضَّرَرِ. فِلم قُلْتُم: إذا اكْتَرَى جَمَلًا بعَينه لا يجوزُ أن يُبْدِلَه؟ قلنا: المَعْقُودُ عليه مَنْفَعَةُ العَينِ، فلم يَجُزْ أن يَدْفَعَ إليه غيزَ المَعْقُودِ عليه، كما لو اشْتَرَى عينًا، لا يَجُوزُ أن يَأْخُذَ غيرَها، والراكِبُ غيرُ مَعْقُودٍ عليه، إنَّما هو مُسْتَوْفٍ لِلْمَنْفَعةِ، وإنَّما يُشْتَرَطُ مَعْرِفَتُه لِتُقَدَّرَ به المَنْفَعَةُ، لا لِكَوْنِه مَعْقُودًا عليه. وكذلك الزَّرْعُ في الأرْضِ، فإنَّما يُعَيَّنُ لِيُعْرَفَ به قَدْرُ المَنْفَعَةِ المُسْتَوْفاةِ، فيَجُوزُ الاسْتِيفاءُ بغَيرِها، كما لو وَكَّلَ المُشْتَرِي غيرَه في اسْتِيفاءِ المَبيعِ، ألا تَرَى أنَّه لو تَلِفَ البَعِيرُ أو الأرْضُ انْفَسَخَتِ الإِجارَةُ، ولو ماتَ الرّاكِبُ أو تَلِفَ البَذْرُ لم تَنْفَسِخْ، وجازَ أن يَقُومَ غيرُه مَقامَه، فافتَرَقا. فصل: قال الشيخُ، ﵁: (ولا ضَمانَ على الأجيرِ

стр. 7090

نَفْسَهُ إِلَى الْمُسْتَأْجِرِ فِيمَا يَتْلَفُ فِي يَدِهِ، إلَّا أنْ يَتَعَدَّى. ــ الخاصِّ، وهو الذي يُسَلِّمُ نَفْسَه إلى المُسْتَأْجِرِ فيما تَلِفَ في يَدِه) [بغيرِ تَفْرِيطٍ] (١) (إلَّا أن يَتَعَدَّى) وجُملةُ ذلك، أنَّ الأجِيرَ على ضَرْبَينِ؛ خاصٌّ، ومُشْتَرَكٌ. فالخاصُّ: الذي يَقَعُ العَقْدُ عليه في مُدَّةٍ مَعْلُومةٍ، يَسْتَحِقُّ المُسْتَأْجِرُ نَفْعَه في جَمِيعِها، كمَن اسْتُؤْجِرَ لخِدْمةٍ، أو خِياطَةٍ، أو رِعايةٍ، شَهْرًا أو سَنَةً، سُمِّيَ خاصًّا؛ لأنَّ المُسْتَأْجِرَ يَخْتَصُّ بنَفْعِه في تلك المُدَّةِ دُونَ سائِرِ الناسِ. والمُشْتَرَكُ: الذي يَقَعُ العَقْدُ معه على عَمَل مُعَيَّنٍ، كخِياطةِ ثَوْبٍ، أو بِناءِ حائِطٍ، وحَمْلِ شيءٍ إلى مكانٍ مُعَيَّنٍ، أو على عَمَلٍ في مُدَّةٍ لا يَسْتَحِق جَمِيعَ نَفْعِه فيها، كالكَحّالِ والطَّبِيبِ، سُمِّيَ مُشْتَرَكًا؛ لأنَّه يَتَقَبَّلُ أعمالًا لاثْنَينِ وأكْثَرَ في وَقْتٍ واحدٍ، ويَعْمَلُ لهم، فيَشْتَرِكونَ في مَنْفَعَتِه، فسُمِّى مُشْتَرَكًا؛ لاشْتراكِهم في مَنْفَعَتِه. فأمّا الأجِيرُ الخاصُّ، فلا ضَمانَ عليه ما لم يَتَعَدَّ. قال أحمدُ في رِوايةِ مُهَنّا

стр. 7091

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في رَجُلٍ أمَرَ غُلامَه يَكِيلُ لرَجُلٍ بَزْرًا، فسَقَطَ الرَّطْلُ مِن يَدِه فانْكَسَرَ: لا ضَمان عليه. فَقِيلَ: ألَيسَ هو بمَنزِلَةِ القَصّارِ؟ قال: لا، القَصّارُ مُشْتَرَكٌ. قيلَ: فرَجُلٌ اكْتَرَى رَجُلًا يَسْتَقِي ماءً فكَسَرَ الجَرَّةَ؛ فقال: لا ضَمانَ عليه. قيلَ له: فإنِ اكْتَرَى رَجُلًا يَحْرُثُ له على بَقَرةٍ، فكَسَرَ الذي يَحْرُثُ به؟ قال: فلا ضَمانَ عليه. وهذا مَذْهَبُ مالكٍ، وأبي حنيفةَ، وأصحابِه، وظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ. وله قولٌ آخَرُ، أنَّ جَمِيعَ الأجَراءِ يَضْمَنُونَ، ورَوَى في مُسْنَدِه (١) أنَّ عَلِيًّا كان يُضَمِّنُ الأُجَراءَ، ويقولُ: لا يُصْلِحُ الناسَ إلَّا هذا. ولَنا، أنَّ عَمَلَه غيرُ مَضْمُونٍ عليه، فلم يَضْمَنْ ما تَلِفَ به، كالقِصاصِ، وقَطْعِ يَدِ السّارِقِ. وخَبَرُ

стр. 7092

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عَلِيٍّ مُرْسَلٌ، والصَّحِيحُ فيه أنَّه كان يُضَمِّنُ الصَّبّاغَ والصَّوَاغَ، وإن رُوِيَ مُطْلَقًا حُمِلَ على هذا، فإنَّ المُطْلَقَ يُحْمَلُ على المُقَيَّدِ. ولأنَّ الأجِيرَ الخاصَّ نائِبٌ عن المالِكِ في صَرْفِ مَنافِعِه إلى ما أمَرَه به، فلم يَضْمَنْ مِن غيرِ تَعَدٍّ، كالوَكِيلِ والمُضارِبِ. فأمّا ما تَلِفَ بتَعَدِّيه، فعليه ضَمانه، مثلَ الخَبّازِ الذي يُسْرِفُ في الوَقُودِ، أو يَلْزَقُه قبلَ وَقْتِه، أو يَتْرُكُه بعدَ وَقتِه حتى يَحْتَرِقَ؛ لأَنه تَلِفَ بتَعَدِّيه، فضَمِنَ، كغيرِ الأجِيرِ. فصل: وإنِ اسْتَأْجَرَ الأجِيرُ المُشْتَرَكُ أجِيرًا خاصًّا، كالخَيّاطِ في دُكّانٍ

стр. 7093

وَيَضْمَنُ الأَجِيرُ الْمُشْتَرَكُ مَا جَنَتْ يَدُهُ؛ مِنْ تَخْرِيقِ الثَّوْبِ، وَغَلَطِهِ فِي تَفْصِيلِهِ. ــ يَسْتَأْجِرُ أجيرًا مُدَّةً يَسْتَعْمِلُه فيها، فتَقَبَّلَ صاحِبُ الدُّكّانِ خِياطَةَ ثَوْبٍ، ودَفَعَه إلى أَجيرِه فخَرَقَه أو أفْسَدَه، لم يَضْمَنْه، لأنَّه أجِيرٌ خاصٌّ، ويَضْمَنُه صاحِبُ الدُّكّانِ، لأنَّه أجِيرٌ مُشْتَرَكٌ. ٢٢١٢ - مسألة: (ويَضْمَنُ الأجِيرُ المُشْتَرَكُ ما جَنَتْ يَدُه، مِن تَخْرِيقِ الثَّوْبِ، وغَلَطِه في تَفْصِيلِه) قد ذَكَرْنا أنَّ الأجِيرَ المُشْتَرَكَ هو الصّانِعُ الذي لا يَخْتَصُّ المُسْتَأْجِرُ بنَفْعِه، فيَضْمَنُ ما جَنَتْ يَدُه، فالحائِكُ إذا أفْسَدَ حِياكَتَه ضامِنٌ لِما أفْسَدَ. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايةِ ابنِ مَنْصُورٍ. والقَصّارُ ضامِنٌ لِما يَتَخَرَّقُ مِن دَقِّه أو مَدِّه أو عَصْرِه أو بَسْطِه. والطّبّاخُ ضامِنٌ لِما أفْسَدَ مِن طَبِيخِه. والخَبّازُ ضامِن لِما أفْسَدَ مِن خُبْزِه. والحَمّال يَضْمَنُ ما سَقَطَ مِن حِمْلِه عن دابَّتِه، أو تَلِفَ مِن عَثْرَتِه. والجَمّالُ يَضْمَنُ ما تَلِفَ بقَوْدِه وسَوْقِهِ، وانْقِطاعِ حَبْلِه الذي يَشُدُّ به حِمْلَه. والمَلَّاحُ يَضْمَنُ ما تَلِفَ مِن مَاه، أو جَذْفِه، أو ما يُعالِجُ به السَّفِينَةَ. رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ، وعَلِيٍّ، و [عبدِ الله] (١) بنِ عُتْبةَ، وشرَيحٍ، والحَسَنِ،

стр. 7094

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والحَكَمَ. وهو قولُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ، وأحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ. وقال في الآخَرِ: لا يَضْمَنُ ما لم يَتَعَدَّ. قال الرَّبِيعُ: هذا مَذْهَبُ الشافعيِّ، وإن لم يَبُحْ به. رُوِيَ ذلك عن عَطاءٍ، وطَاوُسٍ، وزُفَرَ؛ لأنَّها عَين مَقْبُوضةٌ بعَقْدِ الإجارَةِ، فلم تَصِرْ مَضْمُونةً، كالعَينِ المُسْتَأجَرَةِ. ولَنا، ما روَى جَعْفَرُ بنُ محمدٍ، عن أبيه، عن عَلِيٍّ، أنَّه كان يُضَمِّنُ الصّبّاغَ والصَّوّاغَ، وقال: لا يَصْلُحُ الناسُ إلَّا على ذلك (١). ورَوَى الشافعيُّ بإسْنادِه عن عَلِيٍّ، أنَّه كان يُضَمِّنُ الأُجَراءَ ويَقُولُ: لا يُصْلِحُ النّاسَ إلَّا هذا (١). ولأنَّ عَمَلَ الأجِيرِ المُشْتَرَكِ مَضْمُون عليه، فما تَوَلَّدَ منه يَجِبُ أن يكونَ مَضْمُونًا، كالعُدْوانِ بقَطْعِ عُضْوٍ، بخِلافِ الأجِيرِ الخاصِّ. والدَّلِيلُ على أنَّ عَمَلَه مَضْمُونٌ عليه، أنَّه لا يَسْتَحِقُّ العِوَضَ إلَّا بالعَمَلِ، وأنَّ الثَّوْبَ لو تَلِفَ في حِرْزِه بعدَ عَمَلِه، لم يَكُنْ له أجْر فيما عَمِلَ فيه، وكان ذَهَابُ عَمَلِه مِن ضَمانِه، بخِلافِ الخاصِّ، فإنَّه إذا أمْكَنَ المُسْتَأْجِرَ مِن اسْتِعمالِه، اسْتَحَقَّ العِوَضَ بمُضِيِّ المُدَّةِ وإن لم يَعْمَل، وما عَمِلَ فيه مِن شيءٍ فتَلِفَ مِن حِرْزِه، لم يَسْقُطْ أجْرُه بِتَلَفِه.

стр. 7095

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصلِ: ذَكَر القاضِي أنَّ الأجِيرَ المُشْتَرَكَ إنَّما يَضْمَنُ إذا كان يَعْمَلُ في مِلْكِ نفْسِه، [مثلَ الخَبّازِ] (١) يَخْبِزُ في تَنُّورِه، والقَصّارِ والخَيّاطِ في دُكَّانَيهِما، قال: ولو دَعَا الرجلُ خَبّازًا فخَبَزَ له في دارِه، أو خَيّاطًا أو قَصّارًا لِيَقْصِرَ ويَخِيطَ عندَه، لا ضَمانَ عليه فيما أتْلَفَ، ما لم يُفَرِّطْ؛ لأنَّه سَلَّمَ نَفْسَه إلى المُسْتَأْجِرِ، فصار كالأجِيرِ الخاصِّ. قال (٢): ولو كان صاحِبُ المتاعِ مع المَلَّاحِ في السَّفِينَةِ، أو راكِبًا على الدّابّةِ فوقَ حِمْلِه، فعَطِبَ الحِمْلُ، لا ضَمانَ على المَلَّاحِ والمُكارِي؛ لأنَّ يَدَ صاحِبِ المَتَاعِ لم تَزُلْ. ولو كان رَبُّ المَتاعِ والحَمّالُ راكِبَينِ على الحِمْلِ، فتَلِفَ حِمْلُه، لم يَضْمَنِ الحَمّالُ؛ لأنَّ رَبَّ المَتاعِ لم يُسَلِّمْه إليه. ومَذْهَبُ مالكٍ والشافعيِّ نحوُ هذا. قال أصحابُ الشافعيِّ: لو كان العَمَلُ في دُكّانِ الأجِيرِ، والمُسْتَأْجِرُ حاضِرٌ، أو اكْتَراهُ لِيَعْمَلَ له شيئًا وهو معه، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّ يَدَه عليه، فلم يَضمَنْ مِن غيرِ جِنايَةٍ، ويَجِبُ له أجْرُ عَمَلِه؛ لأنَّ يَدَه عليه، فكُلَّما عَمِلَ شيئًا صار مُسَلَّمًا إليه. وظاهِرُ كلامَ الخِرَقِيِّ أنَّه لا فَرْقَ بينَ كَوْنِه في مِلْكِ نَفْسِه أو مِلْكِ مُسْتَأْجِرِه،

стр. 7096

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أو كان صاحِبُ العَمَلِ حاضِرًا عنده أو غائِبًا، أو كَوْنِه مع المَلَّاحِ أو الحَمّالِ أوْ لا، وكذلك (١) قال ابنُ عَقِيل: ما تَلِفَ بجِنايَةِ المَلَّاحِ بجَذْفِه، أو بجِنايةِ المُكارِي بِشَدِّه المَتاعَ، ونحوه، فهو مَضمُونٌ عليه، سواءٌ كان صاحِبُ المَتاعِ معه أو لم يَكُنْ؛ لأنَّ وُجُوبَ الضَّمانِ عليه لِجنايَةِ يَدِه، فلا فَرْقَ بينَ حُضُورِ المالِكِ وغَيبَتِه، كالعُدْوانِ، ولأنَّ جِنايَةَ الحَمّالِ والمَلَّاحِ إذا كان صاحِبُ المَتاعِ راكِبًا معه تَعُمُّ المتاعَ وصاحِبَه، وتَفْرِيطَه يَعُمُّهُما، فلم يُسْقِطْ ذلك الضَّمَانَ، كما لو رَمَى إنسانًا مُتَتَرِّسًا فكَسَرَ تُرْسَه وقَتَلَه، ولأنَّ الطَّبِيبَ والخَتّانَ إذا جَنَتْ يَداهُما، ضَمِنا مع حُضُورِ المُطَبَّبِ والمَخْتُونِ. وقد ذَكَرَ القاضِي، أنَّه لو كان حَمّالٌ يَحْمِلُ على رَأْسِه ورَبُّ المتاعِ معه، فعَثَرَ، فسَقَطَ المَتاعُ فتَلِفَ، ضَمِنَ، وإن سُرِق، لم يَضْمَنْ، لأنَّه في العِثارِ تَلِف بجِنايَتِه، والسَّرِقَةُ ليست مِن جِنايَتِه، ورَبُّ المالِ لم يَحُلْ بينه وبينه. وهذا يَقْتَضِي أنَّ تَلَفَه بجِنايَتِه مَضْمُونٌ عليه، سواء حَضَر رَبُّ المالِ أو غاب، بل وُجُوبُ الضَّمانِ في محَلِّ النزاع أوْلَى؛ لأنَّ الفِعْلَ في ذلك المَوْضِعِ مَقْصُودٌ لِفاعِلِه، والسَّقْطَةُ مِن الحَمّالِ غيرُ مَقْصودةٍ له، فإذا وَجَب الضَّمانُ ههُنا، فثَمَّ أوْلَى.

стр. 7097

وَلَا ضَمَانَ عَلَيهِ فِيمَا تَلِفَ مِنْ حِرْزِهِ، أوْ بِغَيرِ فِعْلِهِ، وَلَا أُجْرَةَ لَهُ فِيمَا عَمِلَ فِيهِ. وَعَنْهُ، يَضْمَنُ. ــ فصل: وذَكَر القاضِي أنَّه إذا كان المُسْتَأْجَرُ على حَمْلِه عَبِيدًا، صِغارًا أو كِبارًا، فلا ضَمانَ على المُكارِي فيما تَلِفَ مِن سَوْقِه وقَوْدِه، إذ لا يَضْمَنُ بَنِي آدَمَ مِن جهَةِ الإِجارَةِ؛ لأنَّه عَقْدٌ على مَنْفَعةٍ. والأوْلَى وُجُوبُ الضَّمانِ؛ لأنَّ الضَّمانَ ههُنا مِن جِهَةِ الجِنايَةِ، فوَجَبَ أن يَعُمَّ بَنِي آدَمَ وغيرَهم، كسائِرِ الحَيواناتِ، وما ذَكَرَه يَنْتَقِضُ بجِنايَةِ الطَّبِيبِ والخاتِنَ. ٢٢١٣ - مسألة: (ولا ضَمانَ عليه فيما تَلِفَ مِن حِرزِه، أو بغيرِ فِعْلِه، ولا أُجْرَةَ له فيما عَمِلَ فيه. وعنه، يَضْمَنُ) اختَلَفتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ في الأجِيرِ المُشْتَرَكِ إذا تَلِفَتِ العَينُ مِن حِرْزِه مِن غيرِ تَعَدٍّ منه ولا تَفْرِيطٍ، فرُويَ عنه، لا يَضْمَنُ. في رِوايةِ ابنِ مَنْصُورٍ. وهو قولُ طَاوُس، وعَطاءٍ، وأبي حنيفةَ، وزُفَرَ، وقولٌ للشافعيِّ. ورُوِيَ عن أحمدَ، إن كان هَلاكُه بما يُسْتَطاعُ، ضَمِنَه، وإن كان غَرَقًا أو عَدُوًّا غالِبًا،

стр. 7098

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فلا ضَمانَ عليه. قال أحمدُ، في رِوايَةِ أبي طالبٍ: إذا جَنَتْ يَدُه، أو ضاعَ مِن بينِ مَتاعِه، ضَمِنَه، وإن كان عَدُوًّا أو غَرَقًا فلا ضَمانَ. ونحوَ هذا قال أبو يُوسُفَ. والصَّحِيحُ في المَذْهَبِ الأوَّلُ. وهذه الرَّوايةُ تَحْتَمِلُ أنَّه إنَّما أوْجَبَ عليه الضَّمانَ إذا تَلِفَ مِن بينِ مَتاعِه خاصَّةً؛ لأنَّه يُتَّهَمُ. ولهذا قال في الوَدِيعةِ، في رِوايةٍ: إنَّه يَضْمَنُ إذا ذَهَبَتْ مِن بينِ مالِه، فأمّا في غيرِ ذلك، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ تَخْصِيصَه التَّضْمِينَ بما إذا تَلِفَ (١) مِل، بينِ مالِه، يَدُلُّ على أنَّه لا يَضْمَنُ إذا تَلِفَ مع (٢) مَتاعِه، ولأنَّه إذا لم يَكُنْ منه تَفْرِيطٌ ولا عُدْوانٌ، لم يَجِبْ عليه الضَّمانُ، كما لو تَلِفَ

стр. 7099

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بأمْرٍ غالِبٍ. وقال مالكٌ، وابنُ أبي لَيلَى: يَضْمَنُ بكلِّ حالٍ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «عَلَى اليَدِ مَا أَخذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» (١). ولأنَّه قَبَضَ العَينَ لِمَنْفَعةِ نَفْسِه مِن غيرِ اسْتِحْقاقٍ، فلَزِمَه ضَمانُها، كالمُسْتَعِيرِ. ولَنا، أنَّها عَينٌ مَقْبُوضةٌ بِعَقْدِ الإِجارَةِ، لم يُتْلِفْها بفِعْلِه، فلم يَضْمَنْها، كالعَينِ المُسْتَأْجَرَةِ، ولأنَّه قَبَضَها بإذْنِ مالِكِها لِنَفْعٍ يَعُودُ إليهما، فلم يَضْمَنْهِا؛ كالمُضارِبِ، والشَّرِيكِ، والمُسْتَأْجِرِ. ويُخالِفُ العارِيَّةَ، فإنَّه يَنْفرِدُ بِنَفْعِها. والخَبَرُ مَخْصُوصٌ بِما ذَكَرْنا مِن الأصُولِ، فنَخُصُّ مَحَلَّ النِّزاعِ بالقِياسِ عليها. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه لا أجْرَ له فيما عَمِلَ فيها؛ لأنَّه لم يُسَلِّمْ عَمَلَه إلى المُسْتَأْجِرِ، فلم يَسْتَحِقَّ عِوَضَه، كالمَبِيعِ مِن الطَّعامِ إذا تَلِفَ في يَدِ البائِعِ قبلَ تَسْلِيمِه.

стр. 7100

وَلَا ضَمَانَ عَلَى حَجَّام، وَلَا خَتَّانٍ، وَلَا بَزَّاغٍ، وَلَا طَبِيبٍ، إِذَا عُرِفَ مِنْهُمْ حِذْقُ الصَّنْعَةِ وَلَمْ تَجْنِ أيدِيِهِمْ. ــ ٢٢١٤ - مسألة: (ولا ضَمانَ على حَجّامٍ، ولا خَتّانٍ، ولا بَزّاغٍ (١)، ولا طَبِيبٍ، إذا عُلِم منهم حِذْقُ الصَّنْعَةِ، ولم تَجْنِ أيدِيهِم) وجملةُ ذلك، أنَّ هؤلاءِ إذا فَعَلُوا ما أُمِرُوا به لم يَضْمَنُوا بِشَرْطَينِ؛ أحَدُهما، أن يَكُونُوا ذَوي حِذْقٍ في صِناعَتِهم؛ لأنَّه إذا لم يَكُنْ كذلك، لم يَحِلَّ

стр. 7101

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ له مُباشَرَةُ القَطْعِ، فإذا قَطَع مع هذا، كان فِعْلًا مُحَرَّمًا، فيَضْمَنُ سِرَايَتَه، كالقَطْعِ ابْتداءً. وقد قال النبي ﷺ : «مَنْ تَطَبَّبَ بِغَير عِلْمٍ، فَهُوَ ضَامِنٌ»، رَوَاه أبو داودَ (١). والثاني، أن لا تَجْنِيَ أيدِيهُم، فيَتَجاوَزَوا ما يَنْبَغِي أن يُقْطَعَ. فإذا وُجِدَ هذان الشَّرْطان لم يَضْمَنُوا؛ لأَنهم قَطَعُوا قَطْعًا مَأْذُونًا فيه، فلم يَضْمَنُوا سِرايَتَه، كقَطْعِ الإمامِ يَدَ السّارِقِ. فأمّا إن كان حاذِقًا وجَنَتْ يَدُه، مثلَ أن يُجاوزَ قَطْعَ الخِتانِ إلى الحَشَفَةِ، أو إلى بعضِها، أو يَقْطَعَ في غيرِ مَحَلِّ القَطْعِ، أو قَطَع سَلْعَة (٢) مِن إنْسانٍ،

стр. 7102

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فتَجاوَزَ بها مَوْضِعَ القَطْعِ، أو يَقْطَعَ بآلةٍ كالَّةٍ يَكْثُرُ أَلَمُها، أو في وَقْتٍ لا يَصْلُحُ القَطْعُ فيه، وأشْباهُ هذا، ضَمِنَ فيه كلِّه؛ لأنَّه إتْلافٌ لا يَخْتَلِفُ ضَمانُه بالعَمْدِ والخَطَأ، فأشْبَهَ إتْلافَ المالِ، ولأنَّه فِعْل مُحَرَّمٌ، فيَضْمَنُ سِرايَتَه، كالقَطْعِ ابْتِداءً. وكذلك الحُكْمُ في البزّاغِ (١)، والقاطِعِ في القِصَاصِ، وقاطِعِ يَدِ السّارِقِ. وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأي. ولا نَعْلَمُ فيه مخالفًا.

стр. 7103

وَلَا ضَمَانَ عَلَى الرَّاعِي إِذَا لَمْ يَتَعَدَّ. ــ فصل: وإن خَتَنَ صَبِيًّا بغيرِ إذْنِ وَلِيِّه، أو قَطَع سَلْعَةً مِن إنْسانٍ بغيرِ إذْنِه، أو مِن صَبِيٍّ بغيرِ إذْنِ وَلِيِّه، فَسَرَتْ جِنايَتُه، ضَمِنَ؛ لأنَّه قَطْعٌ غيرُ مَأْذُونٍ فيه، وإن فَعَل ذلك الحاكِمُ، أو وَلِيُّه، أو فَعَلَه مَن أذِنَا له، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّه مَأْذُونٌ فيه شَرْاعًا. ٢٢١٥ - مسألة: (ولا ضَمانَ على الرّاعِي إذا لم يَتَعَدَّ) يَصِحُّ اسْتِئْجارُ الرّاعِي، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه. وقد أجَرَ مُوسَى، ﵇، نَفْسَه لرِعايةِ الغَنِمِ (١). إذا ثَبَت ذلك، فإنَّه لا يَضْمَنُ ما تَلِفَ مِن الماشِيةِ إذا لم يَتَعَدَّ أو يُفرِّطْ في حِفْظِها. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، إلَّا ما رُوِيَ عن الشَّعْبِيِّ أنَّه كان يُضَمِّنُ الرّاعِيَ. ولَنا، أنَّه مُؤْتَمَن على حِفْظِها، فلم يَضْمَنْ منِ غيرِ تَعَدٍّ ولا تَفْرِيطٍ، كالمُودَعِ، ولأنَّه قَبَضَ العَينَ بحُكْمِ الإِجارَةِ، فلم يَضْمَنْها مِن غيرِ تَعَدٍّ كالعَينِ المُسْتَأْجَرَةِ. فأمّا ما تَلِفَ بتَعَدِّيه، فيَضْمَنُه بغيرِ خِلافٍ، مثلَ أن يَنامَ عن الماشِيةِ، أو يَغْفُلَ عنها، أو يَتْرُكَها تَتَباعَدُ عنه أو تَغِيبُ عن نَظَرِه وحِفْظِه، أو يُسْرِفَ في ضَرْبِها،

стр. 7104

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أو يَضْرِبَها في غيرِ مَوْضِعِ الضَّرْبِ، أو مِن غيرِ حاجَةٍ إليه، أو يَسْلُكَ بها مَوْضِعًا تَتَعَرَّضُ فيه للتَّلَفِ، وأشْباهُ هذا ممّا يُعَدُّ تَفْرِيطًا وتَعَدِّيًا، فتَتْلَفُ به، فيَضْمَنُها؛ لأنَّها تَلِفَتْ بعُدْوانِه، فضَمِنَها، كالمُودَعِ إذا تَعَدَّى. فإنِ اخْتَلَفا في التَّعَدِّي وعَدَمِه، فالقولُ قولُ الرَّاعِي؛ لأنَّه أمِينٌ. وإن فَعَل فِعْلًا اخْتَلفا في كَوْنِه تَعَدِّيًا، رُجِعَ إلى أهلِ الخِبْرةِ. ولو جاء بجِلْدِ شاةٍ وقال: ماتَتْ. قُبِلَ قَوْلُه، ولم يَضْمَنْ. وعن أحمدَ، أنَّه لا يُقْبَلُ قولُه، ويَضْمَنُ. والصَّحِيحُ الأوّلُ؛ لأنَّ الأُمَناءَ يُقْبَلُ قولُهم، كالمُودَعِ، ولأنَّه يَتَعَذَّرُ عليه إقامَةُ البَيِّنةِ في الغالِبِ، أشْبَهَ المُودَعَ. وكذلك إذا ادَّعَى مَوْتَها ولم يَأْتِ بجِلْدِها. فصل: ولا يَصِحُّ العَقْدُ في الرَّعْي إلَّا على مُدَّةٍ مَعْلُومةٍ؛ لأنَّ العَمَلَ لا يَنْحَصِرُ. ويجوزُ العَقْدُ على رَعْي ماشِيةٍ مُعَيَّنةٍ، وعلى جِنْسٍ في الذمَّةِ، فإن عَقَد على مُعَيَّنةٍ، كمائةِ شاةٍ مُعَيَّنةٍ، فذَكَرَ أصحابُنا، أنَّه يَتَعَلَّقُ بأعْيانِها، كما لو اسْتأْجَرَ (١) لخِياطَةِ ثَوْبٍ بعَينه، فلا يَجُوزُ إبْدالُها (٢)، ويبْطُلُ العَقْدُ بتَلَفِها. وإن تَلِفَ بعضُها، بَطَلَ العَقْدُ فيه، وله أجْرُ ما بَقِيَ

стр. 7105

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بالحِصَّةِ. وإن وَلَدَتْ، لم يَكُنْ عليه رَعْيُ سِخالِها (١)؛ لأنَّها زِيادَةٌ لم يَتناوَلْها العَقْدُ. ويَحْتَمِلُ أن لا يتَعَلَّقَ بأعْيانِها؛ لأنَّها ليستِ المَعْقُودَ عليها، إنَّما يَسْتَوْفِي المَنْفَعَةَ بها، فأشْبَهَ ما لو اسْتَأْجَرَ ظَهْرًا لِيَرْكَبَه فله أن يُرْكِبَ غيرَه مكانَه، ولو اسْتَأْجَرَ دارًا لِيَسْكُنَها جاز (٢) أن يُسْكِنَها مثلَه، وإنَّما المَعْقُودُ عليه مَنْفَعةُ الرَّاعِي، ولهذا تَجبُ له الأجْرَةُ إذا سَلَّمَ نَفْسَه وإن لم يَرْعَ. ويُفارِقُ الثَّوْبَ في الخياطةِ، لأنَّ الثِّيابَ في مَظنَّةِ الاخْتِلافِ في سُهُولَةِ خِياطَتِها ومَشَقَّتِها، بخِلافِ الرَّعْي. فعلى هذا، له إبْدالُها بمِثْلِها، وإن تَلِفَ بعضُها لم يَنْفَسِخِ العَقْدُ فيه، وكان له إبْداله.

стр. 7106

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإن وَقَع العَقْدُ على مَوْصُوفٍ في الذِّمَّةِ، فلا بُدَّ مِن ذِكْرِ جِنْسِ الحَيوانِ ونَوْعِه، إبلًا، أو بَقَرًا، أو غَنَمًا، أو ضَأْنًا، أو مَعْزًا. وإن أطْلَقَ ذِكْرَ البَقَرِ والابِلِ، لم يَتَناوَلِ الجَوامِيسَ والبَخاتِيَّ؛ لأنَّ إطلاقَ الاسْمِ لا يَتناوَلُها عُرْفًا، إلَّا أن يَقَعَ العَقْدُ في مكانٍ يَتَناوَلُها إطلاقُ (١) الاسْمِ، فيَحْتاجُ إلى ذِكْرِ نَوْعِ ما يَرْعاهُ منها، كالغَنَمِ؛ لأنَّ كلَّ نَوْع له أثَرٌ في إتْعابِ الرَّاعِي. ويَذْكُرُ الكِبَرَ والصِّغَرَ، فيقولُ: كِبارًا. أو: صِغارًا. أو: عَجاجِيلَ. أو: فُصْلانًا. إلَّا أن يكونَ ثَمَّ قَرِينَةٌ أو عُرْفٌ صارِفٌ إلى بعضِها، فيُكْتَفَى بذلك. ومتى عَقَد على عَدَدٍ مَوْصوفٍ، كالمائةِ، لم يَجِبْ عليه رَعْيُ زِيادةٍ عليها (٢)، من سِخالِها ولا مِن غيرِها. وإن أطْلَقَ ولم يَذْكُرْ عَدَدًا، لم يَجُزْ. وهذا ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ. وقال القاضِي: يَصِحُّ، ويُحْمَلُ على ما جَرَتْ به العادَةُ، كالمائةِ مِن الغَنَمِ ونحوها. وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشافعيِّ. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ العادَةَ في ذلك تَختَلِفُ وتَتَباينُ كثيرًا، والعَمَلُ يَخْتَلِفُ باخْتِلافِه.

стр. 7107

وَإذَا حَبَسَ الصَّانِعُ الثَّوْبَ عَلَى أُجْرَتِهِ، فَتَلِفَ، ضمِنَهُ. وَإنْ أَتْلَفَ الثَّوْبَ بَعْدَ عَمَلِهِ، خُيِّرَ مَالِكُهُ، بَينَ تَضْمِينِهِ إِيَّاهُ غَيرَ مَعْمُولٍ وَلَا أُجْرَةَ لَهُ، وَبَينَ تَضْمِينِهِ إِيَّاهُ مَعْمُولًا وَيَدْفَعُ إِلَيهِ أُجْرَتَهُ. ــ ٢٢١٦ - مسألة: (وإذا حَبَس الصانِعُ الثَّوْبَ على أُجْرَتِه، فتَلِفَ، ضَمِنَه) لأنَّه لم يَرْهَنْه عنده، ولا أذِنَ له في إمْساكِه، فلَزِمَه الضَّمانُ، كالغاصِبِ. ٢٢١٧ - مسألة: (وإن أتْلَفَ الثَّوْبَ بعد عَمَلِه خُيِّرَ) المالِكُ (بينَ تَضْمِنِه إيّاه غيرَ مَعْمُولٍ ولا أُجْرَةَ له، وبينَ تَضْمِينِه إيّاه مَعْمُولًا ويَدْفَعُ إليه) الأُجْرةَ. وكذلك لو وَجَب عليه ضَمانُ المَتاعِ المَحْمُولِ، فصاحِبُه مُخَيَّر بينَ تَضْمِينِه قِيمَتَه في المَوْضِعِ الذي سَلَّمَه إليه ولا أجْرَ له،

стр. 7108

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وبينَ تَضْمِينِه إيّاه في المَوْضِعِ الذي أفْسَدَه ويُعطِيه الأجْرَ إلى ذلك المكانِ. وإنَّما كان كذلك؛ لأنَّه إذا أحَبَّ تَضْمِينَه مَعْمُولًا، أو في المكانِ الذي أفسَدَه فيه، فله ذلك؛ لأنَّه مَلَكَه في ذلك المَوْضِعِ على تلك الصِّفَةِ، فمَلَكَ المُطالبَةَ بعِوَضِه حينئذٍ، وإن أحَبَّ تَضْمِينَه قبل ذلك، فلأنَّ أجْرَ العَمَلِ لا يَلْزمُه قبلَ تَسْلِيمِه، وما سُلِّمَ إليه فلا يَلْزَمُه. فصل: إذا أخْطَأَ القَصّارُ فدَفَعَ الثَّوْبَ إلى غيرِ مالِكِه، فعليه ضَمانُه؛ لأنَّه فَوَّتَه على مالِكِه. قال أحمدُ: يَغْرَمُ القَصّارُ، ولا يَسعُ المَدْفُوعَ إليه لُبْسُه إذا عَلِمَ أنَّه ليس بثَوْبِه. ويَرُدُّه إلى القَصّارِ ويُطالِبُه بثَوْبِه. فإن لم يَعْلَم القابِضُ حتى قَطَعَه ولَبِسَه، ثم عَلِمَ، رَدَّه مَقْطُوعًا، وضَمِنَ أرْشَ القَطْعِ، وله مُطالبتُه بثَوْبِه إن كان مَوْجُودًا. وإن هَلَك عند القَصّارِ، ضَمِنَه، في إحدى الرِّوايتين؛ لأنَّه أمْسَكه بغيرِ إذْنِ صاحِبه بعد طَلَبِه، فضَمِنَه، كما لو عَلِمَ. والثانيةُ، لا يَضْمَنُهُ؛ لأنَّه لم يُمْكِنْه رَدُّه، فأشْبَهَ ما لو عَجَز عن دَفْعِه لِمَرَضٍ.

стр. 7109

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: والعَينُ المُسْتَأْجَرَةُ أمانةٌ في يَدِ المُسْتَأْجِرِ، إن تَلِفَتْ بغيرِ تَفْرِيطٍ لم يَضْمَنْها. قال الأثْرمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ الله يُسْألُ عن الذين يُكْرُونَ الخَيمَةَ إلى مَكَّةَ، فَتَذْهَبُ مِن المُكْتَرِي بِسَرَقٍ، هل يَضْمَنُ؟ قال: أرْجُو أن لا يَضْمَنَ، وكيف يَضْمَنُ؟ إذا ذَهَب لا يَضْمَنُ. ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا؛ لأنَّه قَبَض العَينَ لاسْتِيفاءِ مَنْفَعةٍ يَسْتَحِقُّها منها، فكانت أمَانَةً، كما لو قَبَض العَبْدَ المُوصَى له بخِدْمَتِه سَنَةً، أو قَبَض الزَّوْجُ امْرَأتَه الأمَةَ. ويُخالِفُ العارِيَّةَ؛ فإنَّه لا يَسْتَحِقُّ مَنْفَعَتَها، وإذا انْقَضَتِ المُدَّةُ فعليه رَفْعُ يَدِه عنها، وليس عليه الرَّدُّ. أومَأَ إليه في رِوايةِ ابنِ مَنْصُورٍ. قِيلَ له: إذا اكْتَرَى دابَّةً، أو اسْتعارَ، أو اسْتُودِعَ، فليس عليه أن يَحْمِلَها؟ فقال أحمدُ: مَن اسْتَعارَ شيئًا، فعليه رَدُّه مِن حيث أخَذَه. فأوْجَبَ الرَّدَّ في العارِيَّةِ، ولم يُوجِبْه في الإِجارَةِ والوَدِيعَةِ. وَوَجْهُ ذلك، أنَّه عَقْدٌ لا يَقْتَضِي الضَّمانَ، فلا يَقْتَضِي رَدَّه ومُؤْنَتَه، كالوَدِيعةِ، بخِلافِ العارِيَّةِ، فإنَّ ضَمانَها يَجِبُ، فكذلك رَدُّها. وعلى هذا متى انْقَضَتِ المُدَّةُ، كانتِ العَينُ في يَدِه أمانةً، كالوَدِيعةِ إن تَلِفَتْ مِن غيرِ تَفرِيطٍ، فلا ضَمانَ عليه.

стр. 7110

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهو قولُ بعضِ الشافعيَّةِ. وقال بعضُهم: يَضْمَنُ؛ لأَنه بعد انْقِضاءِ الإجارَةِ غيرُ مَأذُونٍ له في إمساكِه، أشْبَه العارِيَّةَ المُؤَقَّتَةَ بعدَ وَقْتِها. ولَنا، أنَّها أمانة، أشْبَهتِ الوديعَةَ، ولأنَّه لو وَجَب ضَمانُها لوَجَبَ رَدُّها. أمّا العارِيَّةُ فإنَّها مَضْمُونةٌ بكلِّ حالٍ، بخِلافِ مَسْألَتِنا، ولأنَّه يَجِبُ رَدُّها. ومتى طَلَبها صاحِبُها، وَجَب تَسْلِيمُها إليه، فإنِ امتَنَعَ مِن ذلك لغيرِ عُذْرٍ، صارَتْ مَضْمُونةً، كالمَغْصُوبةِ. فصل: فإن شَرَط المُؤْجِرُ على المُسْتَأجِرِ ضَمانَ العَينِ، فالشّرطُ فاسِدٌ؛ لأنَّه يُنافِي مُقْتَضَى العَقْدِ، وتَفسُدُ به الإِجارَةُ، في أحدِ الوَجْهينِ، بِناءً على الشرُوطِ الفاسِدَةِ في البَيعِ. قال أحمدُ، فيما إذا شَرَط ضَمانَ العَينِ: الكِراءُ والضَّمانُ مَكْرُوهٌ. ورَوَى الأثْرمُ بإسْنادِه عن ابنِ عُمَرَ، قال: لا يَصلُحُ الكِراءُ بالضَّمانِ. وعن فُقَهاءِ المَدِينةِ أنَّهم كانوا يقولون: لا نُكْرِي بضَمانٍ، إلَّا أنَّه مَن شَرَط على كَرِيٍّ ألا يَنْزِلَ بمَتاعِه بَطْنَ وادٍ، أو لا يَسِيرَ به لَيلًا، مع أشْباهِ هذه الشرُوطِ، فتَعَدَّى ذلك، فتَلِف شيءٌ ممّا حَمَل في ذلك التَّعَدِّي، فهو ضامِنٌ. فأمّا غيرُ ذلك، فلا يَصِحُّ شَرطُ الضَّمانِ فيه، كان شَرَطَه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ ما لا يَجِبُ ضَمانه لا يَصِيرُ مَضْمُونًا بالشَّزطِ. وعن أحمدَ أنَّه سُئِلَ عن ذلك، فقال:
следующие страницы →