← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 7491–7530 · переход к 7496.

стр. 7491

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وهذا على الرِّوايَةِ التي نقولُ فيها: إن مُوجَبَ العَمْدِ القِصَاصُ عَينًا. وإن قُلْنا: مُوجَبُه أحَذ شَيئين. وَجَبَتِ الشُّفْعَة في الجَمِيعِ. وقال أبو حنيفةَ: لا شفْعَةَ في الجَمِيعِ، لأنَّ الأخْذَ بها تَبْعِيضٌ للصَّفْقَةِ على المُشْتَرِي. ولَنا، أنَّ ما قابَلَ الخَطَأ عِوَضٌ عن مالٍ، فوَجَبَتْ فيه الشُّفْعَةُ، كما لو انْفَرَدَ، ولأنَّ الصَّفْقَةَ جَمَعَتْ ما يَجِبُ فيه وما لا يَجِبُ، فوَجَبَتْ فيما يَجِبُ دُونَ الآخَرِ، كما لو اشْتَرَى شِقْصًا وسَيفًا. وبهذا الأصْلِ يَبْطُلُ ما ذَكَرَه. قال شيخُنا (١): وقولُ أبي حنيفةَ أقْيَسُ؛ لأنَّ في الشُّفْعَةِ تَبْعِيضَ الشِّقْصِ على المُشْتَرِي، ورُبَّما لا يَبْقَى منه إلَّا ما لا نَفْعَ فيه، فأشْبَهَ ما لو أرادَ أخْذَ بعضِه مع عَفْو صاحِبِه، بخِلافِ مسألَةِ الشِّقْصِ والسَّيفِ. وأمّا إذا قُلْنا: إنَّ الواجبَ أحَدُ شَيئَين. فباخْتِيارِه الصُّلْحَ سَقَط القِصاصُ وتعيَّنَتِ الدِّيَة، فكان الجَمِيعُ عِوَضًا عن مالٍ.

стр. 7492

فَصْلٌ: الثَّانِي، أَنْ يَكُونَ شِقْصًا مُشَاعًا مِنْ عَقَارٍ يَنْقَسِمُ، فَأَما الْمَقْسُومُ الْمُحَادُ فَلَا شُفْعَةَ لِجَارِهِ فِيهِ. ــ ٢٣٨٨ - مسألة: (الثاني، أنَّ يَكُونَ شِقْصًا مُشَاعًا مِن عَقارٍ يَنْقَسِمُ، فأمّا المَقْسُومُ المَحْدُودُ فلا شُفْعَةَ لجارِه فيه) وبه قال عمرُ، وعُثمانُ، وعُمَرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ، وابنُ المُسَيَّبِ، وسُلَيمانُ بنُ يَسَارٍ،

стр. 7493

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والزُّهْرِيُّ، ويحيى الأنْصارِيُّ، وأبو الزِّنَادِ، ورَبِيعَةُ، ومالكٌ، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ. وقال ابنُ شُبْرُمَةَ، والثَّوْرِيُّ، وابنُ أبي لَيلَى، وأصحابُ الرَّأْي: الشُّفْعَةُ بالشَّركَةِ، ثم بالشَّرِكَةِ في الطَّرِيقِ، ثم بالجِوارِ. قال أبو حنيفةَ: يُقَدَّمُ الشَّرِيكُ، فإن لم يَكُن، وكان الطَّرِيقُ مُشْتَرَكًا، كالدَّرْبِ الذي لا يَنْفُذُ، تَثْبُتُ الشفْعَةُ لِجَمِيع أهْلِ الدَّرْبِ؛ الأقْرَبِ فالأقْرَبِ، فإن لم يَأْخُذُوا، ثَبَتَتْ للمُلاصِقِ مِن دَرْبٍ آخَرَ خاصَّة. وقال العَنبرِيُّ، وسَوَّارٌ: تَثْبُتُ بالشَّرِكَةِ في المِلْكِ، وبالشَّرِكَةِ في الطَّرِيق. واحْتَجُّوا بما روَى أبو رافعٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «الْجَارُ أَحَقُّ بصَقَبِهِ». رَواه البخاريُّ، وأبْو داودَ (١). وروَى الحسنُ عن سَمُرَةَ، أَنَّ النبيَّ ﷺ قال: «جَارُ الدَّارِ

стр. 7494

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أَحَقُّ بِالدَّارِ». رَواه التِّرْمِذِيُّ (١). وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وروَى التِّرْمِذِيُّ (٢) في حَدِيثِ جابر: «الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَتِه بِدَارِهِ يَنتظِرُ بهِ إذَا كَانَ غَائِبًا، إذَا كَانَ طَريقُهُما وَاحِدًا». وقال: حَدِيث حَسَنٌ. ولأنَّه اتِّصَالُ (٣) مِلْك يَدُومُ ويَتَأَيَّدُ، فثَبَتَتِ الشُّفْعَةُ به، كالشَّرِكَةِ. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : «الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ، وَصُرِّفَتِ الطرُقُ، فَلَا شُفْعَةَ». رواه البخاريُّ (٤). وروَى ابنُ جُرَيجٍ، عن الزهْرِيِّ، عن سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، أو عن أبي سَلَمَةَ، أو عنهما، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «إذَا قُسِمَتِ الأرْضُ وَحُدَّتْ، فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا». رَواه أبو داودَ (٥). ولأن الشُّفْعَةَ ثَبَتتْ في مَوْضِعِ الوفَاقِ على خِلاف

стр. 7495

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الأصْلِ لمَعْنًى مَعْدُوم في مَحَلِّ النِّزاعِ، فلا تَثْبُتُ فيه، وبَيانُ انْتِفاءِ المَعْنَى، هو أنَّ الشَّرِيكَ رُبَّما دَخَل عليه شَرِيكٌ، فيَتَأذَّى به، فتَدْعُوه الحاجَةُ إلى مُقاسَمَتِه، أو يَطْلُبُ الدَّاخِلُ المُقاسَمَةَ، فيَدْخُلُ الضَّرَرُ على الشَّرِيكِ بنَقْصِ قِيمَةِ مِلْكِه وما يَحْتاجُ إلى إحْداثِه مِن المَرافِقِ، وهذا لا يُوجَدُ في المَقْسُومِ. فأمّا حَدِيثُ أبي رافعٍ، فليس بصَرِيحٍ في الشُّفْعَةِ، فإنَّ الصَّقَبَ القُرْبُ. يقال بالسِّينِ والصّادِ. قال الشاعرُ (١): كُوفِيَّةٌ نازِحٌ مَحِلَّتُها ... لا أمَمٌ دارُها ولا صَقَبُ

стр. 7496

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فيَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ بإحْسانِ جارِه وصِلَتِه وعِيادَتِه ونحو ذلك. وخَبَرُنا صَحِيحٌ صَرِيحٌ، فيُقَدَّمُ، وبَقِيَّةُ الأحَادِيثِ في أسَانِيدِها مَقَالٌ، فحَدِيثُ سَمُرَةَ يَرْويه عنه (١) الحَسَنُ، ولم يَسْمَعْ منه إلَّا حَدِيثَ العَقِيقَةِ. قاله أصحابُ الحَدِيثِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: الثابِتُ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ حَدِيثُ جابرٍ الذي رَوَيناه، وما عَدَاه مِن الأحَادِيثِ فيها مَقَالٌ. على أنَّه يَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ بالجارِ الشَّرِيكَ؛ فإَّنه جارٌ أيضًا، وتُسَمَّى الضَّرَّتانِ جارَتَين؛ لاشْتِراكِهما في الزَّوْجِ. قال حَمَلُ بنُ مالكٍ: كُنْتُ بينَ جارَتَيْن لي، فضَرَبَتْ إحْداهُما الأُخْرَى بمِسْطَحٍ (٢) فقَتَلَتْها وجَنِينَها. وهذا يُمْكنُ في تَأْويلِ حَدِيثِ أبي رافِعٍ أيضًا. إذا ثَبَت هذا، فلا فَرْقَ بينَ كَوْنِ الطَّرِيقِ مُفْرَدَةً أو مُشْتَرَكَةً.

стр. 7497

وَلَا شُفْعَةَ فِيمَا لَا تَجِبُ قِسْمَتُهُ، كَالْحَمَّامِ الصَّغِيرِ، وَالْبِئْرِ، ــ قال أحمدُ، في رِوايَةِ ابنِ القاسِمِ، في رجلٍ له أرْضٌ تَشْرَبُ هي وأرْضُ غيرِه مِن نَهْرٍ واحدٍ: فلا شُفْعَةَ له مِن أجْلِ الشُّرْبِ، إذا وَقَعَتِ الحُدُودُ فلا شُفْعَةَ. وقال في رِوايَةِ أبي طالبٍ، وعبدِ اللهِ، ومُثَنَّى، في مَن لا يَرَى الشفْعَةَ بالجِوَارِ وقدِّمَ إلى الحاكِمِ فأنْكَرَ: لم يَحْلِفْ، إنَّما هو اخْتِيارٌ، وقد اخْتَلَفَ الناسُ فيه. قال القاضي: إنَّما قال هذا؛ لأنَّ يَمِينَ المُنْكِرِ ههُنا على القَطْعِ والبَتِّ، ومسائِلُ الاجْتِهادِ مَظْنُونَةٌ، فلا يُقْطَع ببُطْلانِ مَذْهَبِ المُخالِفِ. ويُمْكِن أنَّ يُحْمَلَ كَلامُ أحمدَ ههُنا على الوَرَعِ لا على التَّحْرِيمِ؛ لأنَّه لم (١) يَحْكُمْ ببُطْلانِ مَذْهَبِ المُخالِفِ. ويجوز للمُشْتَرِي الامْتِناعُ به مِن تَسْلِيمِ المَبِيعِ، فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى. فصل: (ولا) تَثْبُتُ (الشفْعَةُ فيما لا تَجِبُ قِسْمَتُه؛ كالحَمَّامِ

стр. 7498

وَالطُّرُقِ، وَالعِرَاصِ الضَّيِّقَةِ، ــ الصَّغِيرِ، والبِئْرِ، والطُّرُقِ) الضَّيِّقَةِ، والرَّحَى الصَّغِيرَةِ، والعِضَادَةِ (١) (والعِرَاصِ الضَّيِّقَةِ) في إحْدَى الرِّوايَتَينِ عن أحمدَ. وبه قال يحيى الأنْصارِيُّ، وسعيدٌ، ورَبِيعَةُ، والشافعيُّ. والثانيةُ، فيها الشُّفْعَةُ. وهو قولُ أبي حنيفةَ، والثَّوْرِيِّ، وابنِ سُرَيجٍ (٢). وعن مالكٍ كالرِّوَايَتَين؛ لقولِه ﷺ : «الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ». وسائِرِ النُّصُوصِ العامَّةِ، ولأنَّ الشُّفْعَةَ تَثْبُتُ لإزالةِ ضَرَرِ المُشارَكَةِ، والضَّرَرُ في هذا النَّوْعِ أكثرُ؛ لأنَّه يتَأَبَّدُ ضَرَرُه. والأوَّلُ ظاهِرُ المَذْهَبِ؛ لِما رُوِيَ عن النبيِّ

стр. 7499

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﷺ أنَّه قال: «لَا شُفْعَةَ فِي فِناءٍ وَلَا طَرِيقٍ وَلَا مَنْقَبَةٍ» (١). والمَنْقَبَةُ: الطَّرِيقُ الضَّيِّقُ. رَواه أبو الخَطّابِ في «رُءُوسِ المَسائِلِ». ورُوِيَ عن عثمانَ، ﵁، أنَّه قال: لا شُفْعَةَ في بِئْرٍ ولا فَحْل. ولأنَّ إثْباتَ الشُّفْعَةِ في هذا يَضُرُّ بالبائِعِ، لأنَّه لا يُمْكِنُه أنَّ يَتَخَلَّصَ مِن إثْباتِ الشُّفْعَةِ في نَصِيبِه بالقِسْمَةِ، وقد يَمْتَنِعُ المُشْتَرِي لأجْلِ الشَّفِيعِ، فيَتَضَرَّرُ البائِعُ، وقد يَمْتَنِعُ البَيعُ فتَسْقُطُ الشُّفْعَةُ، فيُؤَدِّي إثْباتُها إلى نَفْيِها. ويُمْكِنُ أنَّ يُقال: إنَّ الشُّفْعَةَ إنَّما تَثْبُتُ لدَفْعِ الضَّرَرِ الذي يَلْحَقُه بالمُقاسَمَةِ؛ لِما يَحْتاجُ إليه مِن إحْداثِ المَرافِقِ الخاصَّةِ، ولا يُوجَدُ هذا فيما لا يَنْقَسِمُ. قولُهم: إنَّ الضَّرَرَ ها هنا أكْثَرُ لتَأَبُّدِه. قُلْنا: إلَّا أنَّ الضَّرَرَ في مَحَلِّ الوفَاقِ

стр. 7500

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مِن غيرِ جِنْسِ هذا الضَّرَرِ، وهو ضَرَرُ الحاجَةِ إلى إحْداثِ المَرافِق الخاصَّةِ، فلا يُمْكِنُ التَّعْدِيَةُ، وفي الشُّفْعَةِ ههُنا ضَرَرٌ غيرُ مَوْجودٍ في مَحَلِّ الوفَاقِ، وهو ما ذَكَرْناه، فتَعَذَّرَ الإِلْحاقُ. فأمّا ما أمْكَنَ قِسْمَتُه مِمّا ذَكَرْنا، كالحَمَّامِ الكَبِيرِ الواسِعِ بحيثُ إذا قُسِمَ لا يُسْتَضَرُّ بالقِسْمَةِ وأمْكَنَ الانْتِفاعُ به حَمّامًا، فإنّ الشُّفْعَة تَجِبُ فيه. وكذلك البِئْرُ والدُّورُ والعَضائِدُ متى أمْكَنَ أنَّ يَحْصُلَ مِن ذلك شَيئانِ، كالبِئْرِ تُقْسَمُ بِئْرَينِ يَرْتَقِي الماءُ منهما (١) وَجَبَتِ الشُّفْعَةُ أيضًا، لأنَّه يُمْكِنُ القِسْمَةُ. وهكذا الرَّحَى إن كان لها حِصْنٌ يُمْكِنُ قِسْمَتُه، بحيثُ يَحْصُلُ الحَجَرانِ في أحَدِ القِسْمَين، أو كان فيها أرْبَعَةُ أحْجارٍ دائِرَة يُمْكِنُ أنَّ يُفْرَدَ كلُّ واحِدٍ منهما بحَجَرَين،

стр. 7501

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وَجَبَتِ الشُّفْعَةُ. وإن لم [يُمكنْ ذلك، بأن] (١) يَحْصُلَ لكلِّ واحِدٍ منهما ما لا يتَمَكَّنُ به مِن إبْقائِها رَحًى، لم تَجِبِ الشُّفْعَةُ. فأمّا الطَّرِيقُ، فإنّ الدّارَ إذا بيعَتْ ولها طَرِيقٌ في شارعٍ أو دَرْبٍ نافِذٍ، فلا شُفْعَةَ في الدّارِ ولا في الطَّرِيقِ؛ لأنَّه لا شَرِكَةَ لأحَدٍ في ذلك. وإن كان الطَّرِيقُ في دَرْبٍ غيرِ نافذٍ ولا طَرِيقَ للدّارِ سِوَى ذلك الطَّرِيقِ، فلا شُفْعَةَ أيضًا؛ لأنَّ إثْباتَ ذلك يَضُرُّ بالمُشْتَرِي؛ لأنَّ الدّارَ تَبْقَى بلا طَرِيقٍ. وإن كان للدَّرْبِ بابٌ آخَرُ يُسْتَطْرَقُ منه، أو كان لها مَوْضِعٌ يُفْتَحُ منه بابٌ لها إلى الطَّرِيقِ النّافِذِ، نَظَرْنا في الطَّرِيق المَبِيعِ مع الدَّارِ، فإن كان مَمَرًّا لا تُمْكِنُ قِسْمَتُه فلا شُفْعَةَ فيه، وإن كان يُمْكِنُ قِسْمَتُه وَجَبَتِ الشُّفْعَةُ فيه؛ لأنَّه أرضٌ مُشْتَرَكَة تَحْتَمِلُ القِسْمَةَ، فوَجَبَتْ فيها الشفْعَةُ، كغيرِ الطرِيقِ، ويَحْتَمِلُ أنَّ لا تَجِبَ الشُّفْعَةُ فيها بحالٍ؛ لأنَّ الضَّرَرَ يَلْحَقُ المُشْتَرِيَ بتَحْويلِ الطرِيقِ إلى مَكانٍ آخَرَ، مِع ما في الأخْذِ بالشفْعَةِ مِن تَفْرِيقِ صَفقَتِه وأخْذِ بعضِ المَبِيعِ مِن العَقَارِ دُون بعضٍ، فلم يَجُزْ، كما لو كان الشَّرِيكُ في الطَّرِيقِ شَرِيكًا في الدّارِ فأرادَ أخْذَ الطَّرِيقِ وَحْدَها. والقولُ في دِهْلِيزِ الدّارِ وصَحْنِه، كالقَوْلِ في الطَّرِيقِ المَمْلُوكِ. وإن كان نَصِيبُ المُشْتَرِي مِن الطرِيقِ أكْثَرَ مِن حاجَتِه، فذَكَرَ القاضِي أنَّ الشُّفْعَةَ تَجِبُ في الزَّائِدِ بكل حال؛ لوُجُودِ المُقْتَضِي وعَدَمِ المانِعِ. والصَّحِيحُ أنَّه لا شُفْعَةَ فيه؛ لأن في ثُبُوتِها تَبْعِيضَ صَفْقَةِ المُشْتَرِي، ولا يَخْلُو مِن الضَّرَرِ.

стр. 7502

وَمَا لَيسَ بِعَقَارٍ؛ كَالشَّجَرِ، وَالْحَيَوَانِ، وَالْبِنَاءِ الْمُفْرَدِ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَينِ. إلَّا أنَّ الْبِنَاءَ وَالْغِرَاسَ يُؤخَذُ تَبَعًا لِلْأرْضِ، وَلَا تُؤخَذُ الثَّمَرَةُ وَالزَّرْعُ تَبَعًا، فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ. ــ ٢٣٨٩ - مسألة: (و) لا تَجِبُ فيما (ليس بعَقَارٍ؛ كالشَّجَرِ، والحَيَوانِ، والبِنَاءِ المُفْرَدِ، في إحْدَى الرِّوايَتَين. إلَّا أنَّ الغِراسَ والبِنَاءَ يُؤْخَذُ تَبَعًا للأرْضِ، ولا يُؤْخَذُ الزَّرْعُ والثَّمَرَةُ تَبَعًا، في أحَدِ الوَجْهَين) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مِن شُرُوطِ وُجُوبِ الشُّفْعَةِ، أنَّ يكونَ المَبِيعُ أرْضًا؛ لأنَّها التي تَبْقَى على الدَّوامِ ويَدُومُ ضَرَرُها، وغيرُها يَنْقَسِمُ قِسْمَينِ؛ أحدُهما، تَثْبُتُ فيه الشُّفْعَةُ تَبَعًا للأرْضِ، وهو البِنَاءُ والغِراسُ يُباعُ مع الأرْضِ، فإنَّه يُؤْخَذُ بالشُّفْعَةِ تَبَعًا، بغيرِ خِلافٍ في المَذْهَب، ولا نعْرِفُ فيه بينَ مَن أثْبَتَ الشُّفْعَةَ خِلافًا. وقد دَلَّ عليه قولُ النبيِّ ﷺ ، وقَضاؤُه

стр. 7503

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بالشُّفْعَةِ في كلِّ شِرْكٍ لم يُقْسَمْ، رَبْعَةٍ أو حائِطٍ (١). وهذا يَدْخُلُ فيه البِنَاءُ والأشْجارُ. القسمُ الثاني، ما لا تَثْبُتُ فيه الشُّفْعَةُ تَبَعًا ولا مُفْرَدًا، وهو الزَّرْعُ والثَّمَرَةُ الظاهِرَةُ، ويُباعُ مع الأرْضِ، فلا يُؤْخَذُ بالشفْعَةِ مع الأصلِ. وهو قولُ الشافعيِّ. وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: يؤْخَذُ بالشفْعَةِ مع أُصُولِه. وقد ذَكَر أصحابُنا وَجْهًا مثلَ قَوْلِهما؛ لأنَّه مُتَّصِلٌ بما فيه الشُّفْعَةُ، فثَبَتَتْ فيه الشُّفْعَةُ تَبَعًا، كالبِنَاءِ والغِرَاسِ. ولَنا، أنَّه لا يَدْخُل في البَيعِ تَبَعًا، فلا يؤْخَذُ بالشُّفْعَةِ، كقُماشِ الدّارِ، وعَكْسُه البِنَاءُ والغِرَاسُ، يُحَقِّقُ ذلك أنَّ الشُّفْعَةَ بَيعٌ في الحَقِيقَةِ، لكنَّ الشّارِعَ جَعَل له سُلْطانَ الأخْذِ بغيرِ رِضَا المُشْتَرِي. فإنْ بِيعَ الشَّجَرُ وفيه ثَمَرةٌ غير ظاهِرَةٍ، كالطَّلْعِ غيرِ المُؤَبَّرِ، دَخَل في الشُّفْعَةِ؛ لأنَّها تَتْبَغ في البَيعِ، فأشْبَهَتِ الغِراسَ في الأرْضِ. فإن بِيعَ ذلك مُفْرَدًا، فلا شُفْعَةَ فيه، سَواءٌ

стр. 7504

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كان مِمّا يُنْقَلُ؛ كالحَيَوانِ، والثِّيابِ (١)، والسُّفُنِ، والحِجَارَةِ، والزَّرْعِ، والثِّمارِ، أو لا يُنْقَلُ؛ كالبِنَاءِ، والغِرَاسِ، إذا بِيعَ مُفْرَدًا. وبهذا قال الشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْى. ورُوِيَ عن الحَسَنِ، والثَّوْرِيِّ، والأوزاعِيِّ، والعَنْبَرِيِّ، وقَتادَةَ، ورَبِيعَةَ، وإسحاقَ: لا شُفْعَةَ في المَنْقُولاتِ. واخْتلِفَ فيه عن عَطَاء، ومالكٍ، فقالا مَرَّةً كذلك، ومَرَّة قالا: الشُّفْعَةُ في كلِّ شيءٍ حتى في الثَّوْبِ. قال ابن أبي مُوسَى: وقد رُوِيَ عن أبي عبدِ الله رِوايَة أُخْرَى، أنَّ الشُّفْعَةَ واجِبَةٌ فيما لا يَنْقَسِمُ؛ كالحَجَرِ، والسَّيفِ، والحَيَوانِ، وما في مَعْنَى ذلك. قال أبو الخَطّابِ: وعن أحمدَ، أنَّ الشُّفْعَةَ تَجِبُ في البِنَاءِ، والغِرَاسِ، وإنْ بِيعَ مُفْرَدًا. وهو قولُ مالكٍ؛ لعُمُومِ قولِه ﵇: «الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ». ولأنَّ الشُّفْعَةَ وَجَبَتْ لدَفْعِ الضَّرَرِ، والضرَرُ فيما لا يَنْقَسِمُ أبْلَغُ منه فيما يَنْقَسِمُ. وقد روَى ابنُ أبي مُلَيكَةَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «الشُّفْعَةُ فِي كلِّ شَيءٍ» (٢).

стр. 7505

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولَنا، أنَّ قولَ النبيِّ ﷺ : «الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ، وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ، فَلَا شُفْعَةَ». لا يتَنَاوَلُ إلَّا ما ذَكَرْناه، وإنَّما أرادَ ما لا يَنْقَسِمُ مِن الأرْضِ؛ لقَوْلِه: «فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ، وصُرِّفَتِ الطُّرُقُ». ولأنَّ هذا مِمّا لا يَتَباقَى ضَرَرُه على الدَّوَامِ، فلم تَجِبْ فيه الشُّفْعَةُ، كصُبْرَةِ الطَّعامِ. وحَدِيثُ ابنِ أبي مُلَيكَةَ مُرْسَلٌ، ولم يُرْوَ في الكُتُبِ المَوْثُوقِ بها. والحُكْمُ في الغِرَافِ (١) والدُّولابِ والنّاعُورَةِ، كالحُكْم في البِنَاءِ. فأمّا إن بيعَتِ الشَّجَرَةُ مع قَرَارِها مِن الأرْضِ، مُفْرَدَةً عمّا يتَخَلَّلُها مِن الأرْضِ، فحُكْمُها حُكْمُ ما لا يَنْقَسِمُ مِن العَقَارِ، فيه مِن الخِلافِ ما ذَكَرْناه؛ لأَنه مِمّا لا يَنْقَسِمُ. ويَحْتَمِلُ أنَّ لا تَجِبَ الشُّفْعَةُ فيها بحالٍ؛ لأنَّ القَرارَ تابعٌ لها، فإذا لم تَجِبِ الشُّفْعَةُ فيها مُفْرَدَةً لم تَجِبْ في تَبَعِها. وإن بِيعَتْ حِصّةٌ مِن عُلْو دَارٍ مُشْتَرَكٍ، وكان السَّقْفُ الذي تحتَه لصاحِبِ السُّفْلِ، فلا شُفْعَةَ في العُلْو؛ لأنَّه بِنَاءٌ مُفرَدٌ، وإن كان لصاحِبِ العُلْو، فكذلك؛ لأنَّه بِنَاء مُفْرَدٌ؛ لكَوْنِه لا أرْضَ له، فهو كما لو لم يَكُنِ السَّقْفُ له. ويَحْتَمِلُ ثُبُوتُ الشُّفْعَةِ فيه؛ لأنَّ له قَرَارًا، أشْبَهَ السُّفْلَ.

стр. 7506

فصلٌ: الثَّالِثُ، الْمُطَالبَةُ بِهَا عَلى الْفَوْرِ سَاعَةَ يَعْلَمُ. نَصَّ عَلَيهِ. وَقَال الْقَاضِي: لَهُ طَلبُهَا فِي الْمَجْلِسِ وَإنْ طَال فَإنْ أخَّرَهُ، سَقَطَتْ شُفعَتُهُ. ــ فصل: الشرْطُ (الثالِثُ، المُطالبَةُ بها على الفَورِ ساعَةَ يَعْلَمُ. نَصَّ عليه. وقال القاضي: له طَلَبُها في المَجْلِسِ وإن طال، فإن أخَّرَ الطَّلَبَ، سَقَطَتْ شُفْعَتُه) ظاهِرُ المَذْهَبِ، أنَّ حَقَّ الشفْعَةِ على الفَوْرِ إن طالبَ بها ساعَةَ يعْلَمُ بالبَيعِ، وإلَّا بَطَلَتْ. نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ أبي طالِبٍ،

стр. 7507

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فقال: الشُّفْعَةُ بالمُواثَبَةِ ساعَةَ يَعْلَمُ. وهو قولُ ابْنِ شُبْرُمَةَ، والبَتِّيِّ، والأوْزاعِيِّ، وأبي حنيفةَ، والعَنْبَرِيِّ، والشافعيِّ في جَدِيدِ قَوْلِه. وعن أحمدَ، روايَةٌ ثانيةٌ، أنَّ الشُّفْعَةَ على التَّرَاخِي، لا تَسْقُطُ ما لم يُوجَدْ منه ما يَدُلُّ على الرِّضا مِن عَفْوٍ أو مُطالبَةٍ بقِسْمَةٍ ونحوه. وهو قولُ مالكٍ، وقولُ الشافعيِّ، إلَّا أنَّ مالِكًا قال: تَنْقَطِعُ بمُضِيِّ سَنَةٍ. وعنه، بمُضِي مُدَّةٍ يُعْلَمُ أنَّه تارِكٌ لها؛ لأنَّ هذا الخِيارَ لا ضَرَرَ في تَرَاخِيه، فلم يَسْقُطْ بالتَّأخِيرِ، كحَقِّ القِصَاصِ. وبَيانُ عَدَمِ الضَّرَرِ، أنَّ النَّفْعَ للمُشْتَرِي باسْتِغْلالِ المَبِيعِ. فإن أحْدَثَ فيه عِمَارةً مِن بِنَاءٍ أو غِرَاس، فله قِيمَتُه. وحُكِيَ عن ابنِ أبي لَيلَى، والثَّوْرِيِّ، أنَّ الخِيارَ مُقَدَّرٌ بثَلاثَةِ أيام. وهو أحَدُ أقْوالِ الشافعيِّ؛ لأنَّ الثلاثَ حُدَّ بها خِيارُ الشَّرْطِ، فصَلَحَتْ حَدًّا لهذا الخِيَارِ. ولَنا، ما روَى ابنُ البَيلَمانِيٍّ (١) عن أبِيه عن عُمَرَ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «الشُّفْعَةُ كَحَلِّ العِقَالِ». رَواه ابنُ ماجه (٢). وفي لَفْظٍ: «الشُّفْعَةُ كَنَشْطَةِ العِقَالِ، إنَّ قُيِّدَتْ ثَبَتَتْ، وَإِنْ تُرِكَتْ فَاللَّوْمُ

стр. 7508

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عَلَى مَن تَرَكَهَا». ورُوِيَ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قال: «الشُّفْعَةُ لِمَنْ وَاثَبَها». رَواه الفُقَهاءُ في كُتُبِهم (١). ولأنَّه خِيَارٌ لدَفْع الضَّرَرِ عن المالِ، فكان على الفَوْرِ، كخِيارِ الرَّدِّ بالعَيبِ، [ولأنَّ] (٢). إثْباتَه على التَّراخِي يَضُرُّ المُشْتَرِيَ؛ لكَوْنِه لا يَسْتَقِرُّ مِلْكُه على المَبِيعِ، ويَمْنَعُه مِن التَّصرُّفِ بعِمارَةٍ خَشْيَةَ أخْذِه منه، ولا يَنْدَفِع عنه الضرَرُ بدَفْعِ قِيمَتِه؛ لأنَّ خَسارَتَها في الغالبِ أكْثرُ مِن قِيمَتِها مع تَعَبِ قَلْبِه وبَدَنِه فيها. والتَّحْدِيدُ بثَلاثةِ أيام تَحَكُّمٌ لا دَلِيلَ عليه، والأصْلُ المَقِيسُ عليه مَمْنُوعٌ، ثم هو باطِلٌ بخِيارِ الرَّدِّ بالعَيبِ. إذا تَقَرَّرَ هذا، فقال ابن حامِدٍ: يتَقَدَّرُ الخِيارُ بالمَجْلِسِ. وهو قولُ القاضِي. وبه قال أبو حنيفةَ. فمتَى طالبَ في مَجْلِسِ العِلْمِ، ثَبَتتِ الشُّفْعَة، وإن طال؛ لأنَّ المَجْلِسَ كلَّه

стр. 7509

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في حُكْمِ حالةِ العَقْدِ، بدَلِيلِ أنَّ القَبْضَ فيه لِما يُشْتَرَطُ فيه القَبْضُ، كالقَبْضِ حالةَ العَقْدِ. وظاهِرُ كَلامِ أحمدَ، أنَّه لا يَتَقَدَّرُ بالمَجْلِسِ، بل متى طالبَ عَقِيبَ عِلْمِه، وإلَّا بَطَلَتْ شُفْعَتُه. وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ، وقولُ الشافعيِّ في الجَدِيدِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الخَبَرِ والمَعْنَى. وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بخيارِ الرَّدِّ بالعَيبِ. فعلى هذا، متى أخَّرَ المُطالبَةَ عن وَقْتِ العِلْمِ لغيرِ عُذْرٍ، بَطَلَتْ شُفْعَتُه، وإن أخَّرَها لعُذْرٍ؛ مثلَ أن لا يَعْلَمْ، أو يَعْلَمَ لَيلًا فيُؤَخِّرَ إلى الصبْحِ، أو لشِدَّةِ جُوع أو عَطَش حتى يَأْكلَ ويَشْرَبَ، أو أخَّرَها لطَهارَةٍ أو إغْلاقِ بابٍ، أو ليَخْرُجَ مِن الحَمَّامِ، أو ليُؤَذِّنَ ويُقِيمَ ويَأتِيَ بالصلاةِ وسُنَّتِها، أو ليَشْهَدَها في جَماعَةٍ يَخافُ فَوْتَها، لم تَبْطُلْ شُفْعَتُه؛ لأنَّ العادَةَ تَقْدِيمُ هذه الحَوائِجِ على غيرِها، فلا يكونُ الاشتِغالُ بها رِضًا بتَرْكِ الشُّفْعَةِ، إلَّا أنَّ يكونَ المُشتَرِي حاضِرًا عندَه في هذه الأحْوالِ، فيُمْكِنَه مُطالبَتُه مِن غيرِ اشْتِغالِه عن أشْغَالِه، فإنَّ شُفعَتُه تَبْطُلُ بتَرْكِه المُطَالبَةَ؛ لأنَّ هذا لا يَشْغَلُه عنها، ولا تَشْغَلُه المُطالبَةُ عنه. فأمّا مع غَيبَتِه فلا؛ فإنَّ العادَةَ تَقْدِيمُ هذه الأشْياءِ، فلم يَلْزَمْه تَأْخِيرُها، كما

стр. 7510

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لو أمْكَنَه أنَّ يُسْرِعَ في مَشْيِه [أو يُحَرِّكَ] (١) دابَّتَه، فلم يَفْعَلْ ومَضَى على حَسَبِ عادَتِه، لم تَسْقُطْ شُفْعَتُه؛ لأنَّه طَلَبَ بحُكْمِ العادَةِ. وإذا فَرَغ مِن حَوائِجِه، مَضَى على حَسَبِ عادَتِه إلى المُشْتَرِي، فإذا لَقِيَه بَدَأه بالسَّلامِ؛ لأنَّ ذلك السُّنَّةُ؛ [وقد جاء] (٢) في الحَدِيثِ: «مَنْ بَدَأ بِالْكَلَامِ قَبْلَ السَّلَامِ، فَلَا تُجِيبُوهُ» (٣). ثم يُطالِبُ. فإن قال بعدَ السَّلامِ: باركَ الله لك في صَفْقَةِ يَمِينِكَ. أو دَعَا له بالمَغْفِرَةِ ونحو ذلك، لم تَبْطُلْ شُفْعَتُه؛ لأنَّ ذلك يَتَّصِلُ بالسَّلَامِ، فهو مِن جُمْلَتِه، والدُّعَاءُ له بالبَرَكَةِ في الصَّفْقَةِ دُعَاءٌ لنَفْسِه؛ لأنَّ الشِّقْصَ يَرْجِعُ إليه، فلا يكونُ ذلك رضًا، فإنِ اشْتَغلَ بكَلام آخَرَ، أو سَكَتَ لغيرِ حاجَةٍ، بَطَلَتْ شُفْعَتُه؛ لِما قَدَّمْنَا.

стр. 7511

إلا أَنْ يَعْلَمَ وَهُوَ غَائِبٌ، فَيُشْهِدَ عَلَى الطَّلَبِ بِهَا، ثُمَّ إِنْ أخَّرَ الطَّلَبَ بَعْدَ الْإِشْهَادِ عِنْدَ إِمْكَانِهِ، أَوْ لَمْ يُشْهِدْ وَلَكِنْ سَارَ فِي طَلَبِهَا، فَعَلَى وَجْهَينِ. ــ ٢٣٩٠ - مسألة: (إلَّا أن يَعْلَمَ وهو غائِبٌ، فيُشْهِدَ على الطَّلَبِ، ثم إن أخَّرَ الطَّلَبَ بعدَ الإِشْهادِ مع إمْكانِه) أو تَرَك الإِشْهَادَ (أو لم يُشْهِدْ

стр. 7512

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولكن سارَ في طَلَبِها، فعلى وَجْهَين) متى عَلِمَ الغائِبُ بالبَيعِ، وقدَرَ على الإِشْهادِ على المُطالبَةِ فلم يَفْعَلْ، بَطَلَتْ شُفْعَتُه، سَواءٌ قَدَر على التَّوْكِيلِ أو عَجَز عنه، أو سار عَقِيبَ العِلْمِ أو أقَامَ. هذا ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، في روايَةِ أبي طالبٍ، وهو ظاهِرُ قولِ الخِرَقِيِّ، وهو وَجْهٌ للشافعيِّ. والوَجْهُ الآخَرُ، لا يَحْتاجُ إلى الإشْهادِ؛ لأنَّه إذا ثَبَت عُذْرُه، فالظاهِرُ أنَّه تَرَك الشُّفْعَةَ لذلك، فقُبِلَ قولُه فيه. ولَنا، أنَّه قد يَتْرُكُ الطَّلَبَ للعُذْرِ

стр. 7513

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [وغيرِه] (١)، وقد يَسِيرُ لطَلَبِ الشُّفْعَةِ ويَسِيرُ لغيرِه، وقد قَدَر على أن يُبَيِّنَ ذلك بالإِشْهادِ، فإذا لم يَفْعَلْ سَقَطَتْ شُفْعَتُه، كتاركِ الطَّلَبِ مع الحُضُورِ. وقال القاضِي: إن سارَ عَقِيبَ عِلْمِه إلى البَلَدِ الذي فيه المُشْتَرِي مِن غيرِ إشْهادٍ، احْتَمَلَ أن لا تَبْطُلَ شُفْعَتُه؛ لأنَّ ظاهِرَ سَيرِه أنَّه للطَّلَبِ. وهو قولُ أصحابِ الرَّأْي، والعَنْبَرِيِّ، وقولٌ للشافعيِّ. وقال أصحابُ الرَّأْي: له مِن الأجَل بعدَ العِلْمِ قَدْرُ السَّيرِ، فإن مَضَى الأجَلُ قبلَ أن يَطْلُبَ أو يَبْعَثَ، بَطَلَتْ شُفْعَتُه. وقال العَنْبَرِيُّ: له مَسافَةُ الطَّرِيقِ ذاهِبًا وجائِيًا؛ لأنَّ عُذْرَه في تَرْكِ الطَّلَبِ ظاهِرٌ فلم يَحْتَجْ معه إلى الشَّهادَةِ. وقد ذَكَرْنا وَجْهَ القَوْلِ الأوَّلِ.

стр. 7514

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإن أخَّرَ الطَّلَبَ بعدَ الإِشْهادِ مع إمْكانِه، فظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ أنَّ الشُّفْعَةَ بحَالِها. وقال القاضِي: تَبْطُلُ إذا قَدَرَ على المَسِيرِ وأخَّرَه. وإن لم يَقْدِرْ على المَسِيرِ وقَدَر على التَّوْكِيلِ في طَلَبِها، فلم يَفْعَلْ، بَطَلَتْ أيضًا، لأنَّه تاركٌ للطَّلَبِ بها مع قُدْرَتِه عليه، فسَقَطَتْ، كالحاضِرِ، أو كما لو لم يُشْهِدْ. وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ، إلَّا أنَّ لهم فيما إذا قَدَر على التوكيلِ فلم يَفْعَلْ وَجْهَين؛ أحَدُهما، لا تَبْطُلُ شُفْعَتُه؛ لأنَّ له غَرَضًا في المُطالبَةِ بنَفْسِه؛ لكَوْنِه أقْوَمَ بذلك، أو يَخافُ الضررَ مِن جِهَةِ وَكِملِه، بأن يُقِرَّ

стр. 7515

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عليه برِشْوَةٍ أو غيرِ ذلك فيَلْزَمَه إقْرارُه، فكان مَعْذُورًا. ولَنا، أنَّ عليه في السَّفَرِ ضَرَرًا بالْتِزَامِه كُلْفَتَه، وقد يكونُ له حَوائِجُ وتِجارَةٌ يَنْقَطِعُ عنها وتضيعُ بغَيبَتِه، والتَّوْكِيلُ إن كان بجُعْلٍ لَزِمَه غُرْمٌ، وإن كان بغيرِ جُعْلٍ ففيه مِنَّةٌ، ويَخافُ الضَّرَرَ مِن جِهَتِه، فاكْتُفِيَ بالإِشْهادِ. فأمّا إن تَرَك السَّفَرَ؛ لعَجْزِه عنه، أو لضَرَرٍ يَلْحَقُه فيه، لم تبطُلْ شُفْعَتُه، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّه مَعْذُورٌ، فهو كمَن لم يَعْلَمْ.

стр. 7516

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: تَجِبُ الشُّفْعَةُ للغائِبِ في قولِ الأكْثَرِينَ؛ منهم مالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزَاعِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي. ورُوِيَ عن النَّخَعِيِّ، ليس للغائِبِ شُفْعَةٌ. وبه قال الحارِثُ العُكْلِيُّ، والبَتِّيُّ، إلَّا للغائِبِ القَرِيبِ؛ لأنَّ إثْباتَها يَضُرُّ بالمُشْتَرِي ويَمْنَعُ اسْتَقِرارَ مِلْكِه وتَصَرُّفَه على حَسَبِ اخْتِيارِه خَوْفًا مِن أخْذِه، فلم تَثْبُتْ كما لا تَثْبُتُ للحاضِرِ على

стр. 7517

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ التَّرَاخِي. ولَنا، عُمُومُ قولِه ﵇: «الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ» (١). وسائِرُ الأحادِيثِ. ولأنَّ الشُّفْعَةَ حَقٌّ مالِيٌّ وُجِدَ سَبَبُه بالنِّسْبةِ إلى الغائِبِ، فيَثْبُتُ له، كالإِرْثِ، ولأنَّه شَرِيكٌ لم يَعْلَمْ بالبَيعِ، فتَثْبُتُ له الشُّفْعَةُ عندَ عِلْمِه، كالحاضِرِ إذا كُتِمَ عنه البَيعُ، والغائِبِ غَيبَة قَرِيبَةً، وضَرَرُ المُشْتَرِي يَنْدَفِعُ بإيجاب الثَّمَنِ له، كما في الصُّوَرِ المَذْكُورَةِ. إذا ثَبَت هذا، ولم يَعْلَمْ بالبَيعِ إلَّا عندَ قُدُومِه، فله المُطالبَةُ وإن طالتْ غَيبَتُه؛ لأنَّه خِيارٌ ثَبَت

стр. 7518

وَإِنْ تَرَكَ الطَّلَبَ وَالْإِشْهَادَ لِعَجْزِهِ عَنْهُمَا؛ كَالْمَرِيضِ، وَالْمَحْبُوسِ، وَمَنْ لَا يَجِدُ مَنْ يُشْهِدُهُ، ــ لإِزالةِ الضَّرَرِ عن المالِ، فَتَراخِي الزَّمانِ قبلَ العِلْمِ به لا يُسْقِطُه، كالرَّدِّ بالعَيبِ، ومتى عَلِم فحُكْمُه في المُطالبَةِ حُكْمُ الحاضِرِ، في أنَّه إن طالبَ على الفَوْرِ اسْتَحَقَّ، وإلّا بَطَلَتْ شُفْعَتُه، وحُكْمُ المَرِيضِ والمَحْبُوسِ ومَن لم يَعْلَمْ بالبَيعِ حُكْمُ الغائِبِ؛ لِما ذَكَرْنا. ٢٣٩١ - مسألة: (فإن تَرَك الطَّلَبَ والإِشْهادَ لعَجْزِه عنهما؛ كالمَرِيضِ، والمَحْبُوسِ، ومَن لا يَجِدُ مَن يُشْهِدُه) لم تَبْطُلْ شُفْعَتُه. أمّا إذا كان مَرَضُه لا يَمْنَعُ المُطالبَةَ؛ كالصُّداعِ اليَسِيرِ والألَمِ القَلِيلِ، فهو كالصَّحِيحِ. وإن كان. المَرَضُ يَمْنَعُ المُطالبَةَ؛ كالحُمَّى وأشْباهِها، فهو كالغائِبِ في الإِشْهادِ والتَّوْكِيلِ. وأمّا المَحْبُوسُ، فإن كان حُبِسَ ظُلْمًا، أو بدَينٍ لا يُمْكِنُه أداؤُه، فهو كالمَرِيضِ، وإن كان مَحْبُوسًا بحَقٍّ يَلْزَمُه أداؤُه وهو قادِرٌ عليه، فهو كالمُطْلَقِ إن لم يُبادِرْ إلى المُطالبَةِ ولم يُوَكِّلْ، بَطَلَتْ شُفْعَتُه.

стр. 7519

أَوْ لإِظهَارِهِمْ زِيَادَةً فِي الثَّمَنِ، أُوْ نقصًا فِي المَبِيعِ، أَوْ أَنَّهُ مَوْهُوبٌ ــ فصل: فإن عَجَز عن الإِشْهادِ في سَفَرِه، لم تَبْطُلْ شُفْعَتُه بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّه مَعْذُورٌ في تَرْكِه، فأشْبَهَ ما لو تَرَك الطَّلَبَ لعُذْرٍ أو لعَدَمِ العِلْمِ. ومتى قَدَر على الإِشْهادِ فأخَّرَه، كان كتَأْخِيرِ الطَّلَبِ بالشُّفْعَةِ؛ إن كان لعُذْرٍ لم تَسْقُطِ الشُّفْعَةُ، وإن كان لغيرِ عُذْرٍ سَقَطَتْ؛ لأنَّ الإِشْهادَ قائِمٌ مَقامَ الطَّلَبِ ونائِبٌ عنه، فيُعْتَبَرُ له ما يُعْتَبَرُ للطَّلَبِ. ومَن لم يَقْدِرْ إلَّا على إشْهادِ مَن لا تُقْبَلُ شَهادَتُه؛ كالمَرْأةِ، والفاسِقِ، فتَرَكَ الإِشْهادَ، لم تَسْقُطْ شُفْعَتُه بتَرْكِه؛ لأنَّ قَوْلَهم غيرُ مَقْبُولٍ، فلم تَلْزَمْ شَهادَتُهم، كالأطْفالِ والمَجانِينِ. وإن لم يَجِدْ مَن يُشْهِدُه إلَّا مَن لا يَقْدَمُ معه إلى مَوْضِعِ المُطالبَةِ، فلم يُشْهِدْ، فالأوْلَى أنَّ شُفْعَتَه لا تَبْطُلُ؛ لأنَّ إشْهادَه لا يُفِيدُ، فأشْبَهَ إشْهادَ مَن لا تُقْبَلُ شَهادَتُه. وإن لم يَجِدْ إلَّا مَسْتُوري الحالِ، فلم يُشْهِدْهُما، احْتَمَلَ أن تَبْطُلَ؛ لأنَّ شَهادَتَهما يُمْكِنُ إثْباتُها بالتَّزْكِيَةِ، فأشْبَهَا العَدْلَينِ، ويَحْتَمِلُ أن لا تَبْطُلَ؛ لأنَّه يَحْتاجُ في إثباتِ شَهادَتِهِما إلى كُلْفَةٍ كَثِيرَةٍ، وقد لا يَقْدِرُ على ذلك، فلا تُقْبَلُ شَهادَتُهما، فإن أشْهَدَهُما، لم تَبْطُلْ شُفْعَتُه، سَواءٌ قُبِلَتْ شَهادَتُهما أو لم تُقْبَلْ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه أكثْرُ مِن ذلك؛ فأشْبَهَ العاجِزَ عن الإشْهادِ، وكذلك إن لم يَقْدِرْ إلَّا على إشْهادِ واحِدٍ فأشْهَدَه، أو تَرَك إشْهادَه. ٢٣٩٢ - مسألة: (أو لإظْهارِهِم زِيادَةً في الثَّمَنِ، أو نَقْصًا في

стр. 7520

لَهُ، أو أَنَّ الْمُشْتَرِىَ غَيرُهُ، أَوْ أَخْبَرَهُ مَن لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ فَلَمْ يُصَدِّقْهُ، فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ، وَإِنْ أَخْبَرَهُ مَنْ يُقْبَلُ خبَرُهُ، فَلَمْ يُصَدِّقْهُ، أَوْ قَال لِلْمُشْتَرِي: بِعْنِي مَا اشْتَرَيتَ. أَوْ: صَالِحْنِي. سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ. ــ المَبِيعِ، أو أنَّ المُشْتَرِيَ غَيرُه، أو أخْبَرَه مَن لا يُقْبَلُ خَبَرُه فلم يُصَدِّقْه، أو قال للمُشْتَرِي: بعْنِي ما اشْتَرَيتَ. أو: صالِحْني. سَقَطَتْ شُفْعَتُه) إذا أظْهَرَ المُشْتَرِي أنَّ الثَّمَنَ أكْثَرُ مِمّا وَقَع عليه العَقْدُ فتَرَكَ الشَّفِيعُ الشُّفْعَةَ، لم تَبْطُلْ بذلك. وبه قال الشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي، ومالكٌ، إلَّا أنَّه

стр. 7521

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ قال: بعدَ أن يَحْلِفَ: ما سَلَّمْتُ الشُّفْعَةَ إلَّا لمَكانِ الثَّمَنِ الكَثِيرِ. وقال ابنُ أبي لَيلَى: لا شُفْعَةَ له؛ لأنَّه سَلَّمَ ورَضِيَ. ولَنا، أَنه تَرَكَها للعُذْرِ، فإنَّه لا يَرْضاه بالثَّمَنِ الكَثِيرِ، ويَرْضاه بالقَلِيلِ، وقد يَعْجَزُ عن الكَثِيرِ، فلم تَسْقُطْ بذلك، كما لو تَرَكَها لعَدَمِ العِلْمِ. وكذلك إنْ أظْهَرَ (١) أنَّ المَبِيعَ سِهامٌ قَلِيلَةٌ فبانَتْ كَثِيرَةً؛ لأنَّه قد يَرْغَبُ في الكَثِيرِ دُونَ القَلِيلِ، وكذلك إن كان بالعَكْسِ؛ لأنَّه قد يَقْدِرُ على ثَمنِ القَلِيلِ دُونَ الكَثِيرِ، أو أنَّهما تَبايَعَا بدَنانِيرَ فبانَتْ بدَرَاهِمَ أو بالعَكْسِ. وبه قال الشافعيُّ وزُفَرُ. وقال أبو حنيفةَ، وصاحِبَاه: إن كان قِيمَتُهما سَواءً، سَقَطَتِ الشُّفْعَةُ؛ لأنَّهما كالجِنْسِ الواحِدِ. ولَنا، أنَّهما جِنْسان، أشْبَهَا الثِّيابَ والحَيَوانَ، ولأنَّه قد يَمْلِكُ النَّقْدَ الذي وَقَع به البَيعُ دُونَ ما أظْهَرَه، فيَتْرُكُه (٢) لعَدَمِ مِلْكِه له. وكذلك إن أظْهَرَ أنَّه اشْتَراه بنَقْدٍ فبانَ أنَّه

стр. 7522

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اشْتَراه بعَرْضٍ، أو بالعَكْسِ، أو بنَوْعٍ مِن العُرُوضِ، فبانَ أَنه بغيرِه، أو أظْهَرَ أنَّه اشْتَراه له فبانَ أنَّه اشْتَراه لغيرِه، أو بالعَكْسِ، أو أنَّه اشْتَراه لإِنْسانٍ فبانَ أنَّه اشْتَراه لغيرِه؛ لأنَّه قد يَرْضَى بشَرِكَةِ إنْسانٍ دُونَ غيرِه، وقد يُحابِى إنْسانًا أو يَخافُه فيَتْرُكُ لذلك. وكذلك إن أظْهَرَ أنَّه اشْتَرَى الْكُلَّ بِثَمَنٍ فبانَ أنّه اشتَرَى نِصْفَه بنِصْفِه أو أنّه اشتَرَى نِصْفَه بثَمَن فبانَ أنّه اشتَرَى جَمِيعَه بضِعْفِه، أو أنّه اشتَرَى الشِّقْصَ وحدَه فبانَ أَنه اشْتَراهُ هو وغيرُه، أو بالعَكْسِ، لم تَسْقُطِ الشُّفْعَةُ في جَمِيعِ ذلك؛ لأنَّه قد يكونُ له غَرَضٌ فيما أبْطَنَه دُونَ ما أظْهَرَه، فَيَتْرُكُ لذلك، فلم تَسْقُطْ شُفْعَتُه، كما لو أظْهَرَ أنَّه اشْتَراه بثَمَنٍ فبان أقَلَّ منه. فأمَّا إن أظْهَرَ أنَّه اشْتَراه بثَمَنٍ فبان أنَّه اشْتَراه بأكْثَرَ، أو أنَّه اشْتَرَى الكلَّ بثَمَنٍ فبانَ أنَّه اشْتَرَى به بعضَه سَقَطَتْ شُفْعَتُه؛ لأنَّ الضَّرَرَ فيما أبْطَنَه أكْثَرُ، فإذا لم يَرْضَ به (١) بالثَّمَنِ القَلِيلِ مع قِلَّةِ ضَرَرِه، فبالكَثِيرِ أوْلَى.

стр. 7523

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإن أخْبَرَه بالبَيعِ مُخْبِرٌ فصَدَّقَه، ولم يُطالِبْ بالشُّفْعَةِ، بَطَلَتْ شُفْعَتُه، سَواءٌ كان المُخْبِرُ مِمَّن يُقْبَلُ خَبَرُه أو لا؛ لأنَّ العِلْمَ قد يَحْصُلُ بخَبَرِ مَن لا يُقْبَلُ خَبَرُه؛ لقَرائِنَ دَالَّةٍ على صِدْقِه. وإن قال: لم أُصَدِّقْه. وكان المُخْبِرُ مِمَّن يُحْكَمُ بشَهادَتِه؛ كرَجُلَين عَدْلَين، بَطَلَتْ شُفْعَتُه؛ لأنَّ قولَهم حُجَّةٌ تَثْبُتُ بها الحُقُوقُ. وإن كان مِمَّن لا يُعْمَلُ بقَوْلِه، كالفاسِقِ، والصَّبِيِّ، لم تَبْطُلْ. وحُكِيَ عن أبي يُوسُفَ، أنَّها تَسْقُطُ؛ لأنَّه خَبَرٌ يُعْمَلُ به في الشَّرْعٍ في الإِذْنِ في دُخُولِ الدّارِ وشِبْهِه، فسَقَطَتْ، كخَبَرِ العَدْلِ. ولَنا، أنَّه خبَرٌ لا يُقْبَلُ في الشَّرْعِ، أشْبَهَ قَوْلَ الطِّفْلِ والمَجْنُونِ. وإن أخْبَرَه رجلٌ عَدْلٌ، أو مَسْتُورُ الحالِ، سَقَطَتْ شُفْعَتُه. ويَحْتَمِلُ أن لا تَسْقُطَ. ويُرْوَى هذا عن أبي حنيفةَ، وزُفَرَ؛ لأنَّ الواحِدَ لا تَقُومُ به البَيِّنَةُ. ولَنا، أنَّه خَبَرٌ لا تُعْتَبَرُ فيه الشَّهادَةُ، فقُبِلَ مِن العَدْلِ، كالرِّوايَةِ، والفُتْيَا، وسائِرِ الأخْبارِ الدِّينِيَّةِ، وفارَقَ الشَّهادَةَ، فإنَّه يُحْتاطُ لها باللَّفْظِ، والمَجْلِسِ، وحُضُورِ المُدَّعَى عليه، وإنْكارِه،

стр. 7524

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولأنَّ الشَّهادَةَ يُعارِضُها إنْكارُ المُنْكِرِ، وتُوجبُ الحَقَّ عليه، بخِلافِ هذا الخَبَرِ، والمَرْأةُ كالرَّجُلِ في ذلك، والعَبْدُ كالحُرِّ. وقال القاضي: هما كالفاسِق والصَّبِيِّ. وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ قَوْلَهما لا يَثْبُتُ به حَقٌّ. ولَنا، أنَّ هذا خَبَرٌ وليس بشَهَادَةٍ، فاسْتَوَى فيه الرجلُ والمَرْأةُ، والعَبْدُ والحرُّ، كالرِّوايَةِ، والأخْبارِ الدِّيِنيَّةِ. والعَبْدُ مِن أهْلِ الشَّهادَةِ فيما عَدَا الحُدُودَ والقِصَاصَ، وهذا مِمّا عَداهما، فأشْبَهَ الحُرَّ. ٢٣٩٣ - مسألة: وإن قال الشَّفِيعُ للمشْتَرِي: بِعْنِي ما اشْتَرْيَتَ. أو: قاسِمْني . بَطَلَتْ شُفْعَتُه؛ لأنَّه يَدُلُّ على رِضَاه بشِرائِه وتَرْكِه الشُّفْعَةَ. وإن قال: صالِحْنِي على مالٍ. سَقَطَتْ أيضًا. وهو قولُ أبي الخَطّابِ. وقال القاضِي: لا تَسْقُطُ؛ لأنَّه لم يَرْضَ بإسْقاطِها، وإنَّما رَضِيَ

стр. 7525

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بالمُعاوَضَةِ عنها (١)، ولم تَثْبُتِ المُعاوَضَةُ، فبَقِيَتِ الشُّفْعَةُ. ولَنا، أنَّه رَضِيَ بتَرْكِها وطَلَبَ عِوَضَها، فثَبَتَ التَّرْكُ المَرْضِيُّ به، ولم يَثْبُتِ العِوَضُ. كما لو قال: بِعْنِي. فلم يَبِعْه. ولأنَّ تَرْكَ المُطالبَةِ بها كافٍ في سُقُوطِها، فمع طَلَبِ عِوَضِها أوْلَى. ولأصحابِ الشافعيِّ وَجهان كهذَين. فإن صالحَه عنها بعِوَضٍ، لم يَصِحَّ. وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ. وقال مالكٌ: يَصِحُّ؛ لأنَّه عِوَضٌ عن إزالةِ مِلْكٍ، فجازَ، كأخْذِ العِوَضِ عن تَمْليكِ المَرْأةِ أمْرَها. ولَنا، أنَّه خِيارٌ لا يَسْقُطُ إلى مالٍ، فلم يَجُزْ أخْذُ العِوَضِ عنه، كخِيَارِ الشَّرْطِ، وبه يَبْطُلُ ما قاله. وأمّا الخُلْعُ، فهو مُعاوَضَةٌ عمّا مَلَكَه بعِوَضٍ، وههُنا بخِلافِه.

стр. 7526

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وإن لَقِيَه الشَّفِيعُ في غيرِ بَلَدِه فلم يُطَالِبْه، وقال: إنَّما تَرَكْتُ المُطالبَةَ لأُطالِبَه في البَلَدِ الذي فيه البَيعُ، أو المَبِيعُ. أو: لآخُذَ (١) الشِّقْصَ في مَوْضِعِ الشُّفْعَةِ. سَقَطَتْ شُفْعَتُه؛ لأنَّ ذلك ليس بعُذْرٍ في تَرْكِ المُطالبَةِ، فإنَّها لا تَقِفُ على تَسْلِيمِ الشِّقْصِ، ولا على حُضُورِ البَلَدِ الذي هو فيه. وإن قال: نَسِيتُ فلم أذْكُرِ المُطالبَةَ. أو: نَسِيتُ البَيعَ. سَقَطَتْ شُفْعَتُه؛ لأنَّه خِيارٌ على الفَوْرِ، فإذا أخَّرَه نِسْيانًا، بَطَلَ، كالرَّدِّ بالعَيبِ، وكما لو أمْكَنَتِ المُعْتَقَةُ زَوْجَها مِن وَطْئِها نِسْيانًا. ويَحْتَمِلُ أن لا تَسْقُطَ المُطالبَةُ؛ لأنَّه تَرَكَها لعُذْرٍ، فأشبَهَ ما لو تَرَكَها لعَدَمِ عِلْمِه بها. وإن تَرَكَها جَهْلًا لاسْتِحْقاقِه لها، إذا كان مِثْلُه يَجْهَلُ ذلك، بَطَلَتْ، كالرَّدِّ بالعَيبِ. ويَحْتَمِلُ أن لا تَبْطُلَ، كما إذا ادَّعَتِ المُعْتَقَةُ الجَهْلَ بمِلْكِ الفَسْخِ.

стр. 7527

المقنع دَلَّ فِي الْبَيعِ، أَوْ تَوَكَّلَ لأَحَدِ الْمُتَبَايِعَينِ، ــ ٢٣٩٤ - مسألة: (وإن دَلَّ في البَيعِ) لم تَبْطُلْ شُفْعَتُه؛ لأنَّ ذلك لا يَدُلُّ على الرِّضَا بإسْقاطِها، بل لعَلَّه أرادَ البَيعَ ليَأْخُذَ بالشُّفْعَةِ. ٢٣٩٥ - مسألة: وإن (تَوَكَّلَ) الشَّفِيعُ في البَيعِ، لم تَسْقُطْ شُفْعَتُه بذلك، سَواءٌ تَوَكَّلَ للبائِعِ أو للمُشْتَرِي. ذَكَرَه الشَّرِيفُ، وأبو الخَطَّابِ. وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ. وقال القاضي، وبعضُ الشافعيَّةِ: إن كان وَكِيلَ البائِعِ، فلا شُفْعَةَ له؛ لأنَّه تَلْحَقُه التُّهْمَةُ في البَيعِ؛ لكَوْنِه يَقْصِدُ تَقْلِيلَ الثَّمَنِ ليَأْخُذَ به، بخِلافِ المُشْتَرِي. وقال أصحابُ الرَّأْي: لا شُفْعَةَ لوَكِيلِ المُشْتَرِي. بِناءً على أصْلِهم أنَّ المِلْكَ يَنْتَقِلُ إلى الوَكِيلِ، فلا يَسْتَحِقُّ على نَفْسِه. ولَنا، أَنه وَكِيلٌ، فلا تَسْقُطُ شُفْعَتُه، كالآخَرِ (١)، ولا نُسَلِّمُ أنَّ المِلْكَ يَنْتَقِلُ إلى الوَكِيلِ، بل يَنْتَقِلُ إلى المُوَكِّلِ، ثم لو انْتَقَلَ إلى الوَكِيلِ، لَما ثَبَت في مِلْكِه، إنَّما يَنْتَقِلُ في الحالِ إلى المُوَكِّلِ، فلا يكونُ الأخْذُ مِن نَفْسِه، ولا الاسْتِحْقاقُ عليها. وأمّا التُّهْمَةُ فلا تُؤَثِّرُ؛ لأنَّ المُوَكِّلَ وَكَّلَه مع عِلْمِه بثُبُوتِ شُفْعَتِه راضِيًا بتَصَرُّفِه، فلم يُؤثِّرْ، كما لو وَكَّلَه في الشِّراءِ مِن نَفْسه. فعلى هذا، لو قال

стр. 7528

أَوْ جَعَلَ لَهُ الْخِيَارَ فَاخْتَارَ إِمْضَاءَ الْبَيعِ، فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ. ــ لشَريكِه: بعْ نِصْفَ نَصِيبي مع نِصْفِ نَصِيبِكَ. ففَعَلَ، ثَبَتَتِ الشُّفْعَةُ لكلِّ واحدٍ منهما في المَبِيعِ مِن نَصِيبِ صاحِبِه. وعندَ القاضي: تَثْبُت في نَصِيبِ الوَكِيلِ دُونَ نَصِيب المُوَكِّلِ. ٢٣٩٦ - مسألة: وإن (جَعَل له الخِيارَ فاخْتارَ إمْضاءَ البَيعِ، فهو على شُفْعَتِه) إذا شَرَط للشَّفِيعِ الخِيارَ فاخْتارَ إمْضاءَ العَقْدِ، أو ضَمِن العُهْدَةَ للمُشْتَرِي، فالشُّفْعَةُ بحَالِها. وبه قال الشافعيُّ. وقال

стр. 7529

وَإِنْ أَسْقَطَ شُفْعَتَهُ قَبْلَ الْبَيعِ، لَمْ تَسْقُطْ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَسْقُطَ. ــ أصحابُ الرَّأْي: تَسْقُطُ؛ لأنَّ العَقْدَ تَمَّ به، فأشْبَهَ البائِعَ إذا باعَ بعضَ نَصِيبِ نَفْسِه. ولَنا، أنَّ هذا سَبَبٌ سَبَقَ وُجُوبَ الشُّفْعَةِ، فلم تَسْقُطْ به الشُّفْعَةُ، كالإِذْنِ في البَيعِ، والعَفْو عن الشُّفْعَةِ قبلَ تَمامِ البَيعِ. وما ذَكَرُوه لا يَصِحُّ؛ فإنَّ البَيعَ لا يَقِفُ على الضَّمانِ، ويَبْطُلُ بما إذا كان المُشْتَرِي شَرِيكًا، فإنَّ البَيعَ تَمَّ به، وثَبَتَتْ له الشُّفْعَةُ بقَدْرِ نَصِيبِه. ٢٣٩٧ - مسألة: (وإن أسْقَطَ شُفْعَتَه قبلَ البَيعِ، لم تَسْقُطْ. ويَحْتَمِلُ أن تَسْقُطَ) إذا عَفَا الشَّفِيعُ عن الشُّفْعَةِ قبلَ البَيعِ، فقال: قد أذِنْتُ في البَيعِ. أو: أسْقَطْتُ شُفْعَتِي. أو ما أشْبَهَ ذلك، لم تَسْقُطْ، وله المُطالبَةُ بها، في ظاهِرِ المَذْهَبِ. وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ، والبَتِّيُّ، وأصحابُ الرَّأْي. وعن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّ الشُّفْعَةَ تَسْقُطُ بذلك؛ فإنَّ إسماعيلَ بنَ سعيدٍ قال: قُلْتُ لأحمدَ: ما مَعْنَى قولِ النبيِّ ﷺ : «مَنْ كَانَ بَينَهُ وَبَينَ أَخِيه رَبْعَةٌ فَأَرادَ بَيعَهَا، فَلْيَعْرِضْهَا عَلَيهِ» (١). وقد جاء في بعضٍ الحديثِ: «لَا يَحِلُّ لَهُ إلَّا أَنْ يَعْرِضَها عَلَيهِ». إذَا كَانتِ الشُّفْعَةُ ثابتة له (٢)؟ فقال: ما هو ببَعِيدٍ مِن أن يكونَ على ذلك، وأن لا تكونَ

стр. 7530

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ له شُفْعةٌ. وهذا قولُ الحَكَمِ، والثَّوْرِيِّ، وأبي خَيثَمةَ، وطائفةٍ مِن أهْلِ الحَدِيثِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: وقد اخْتُلِفَ فيه عن أحمدَ، فقال مَرَّةً: تَبْطُلُ شُفْعَتُه. وقال مَرَّةً: لا تَبْطُلُ. واحْتَجُّوا بقَوْل النبيِّ ﷺ : «مَنْ كَانَ لَهُ شَرِكَةٌ فِي أَرْض؛ رَبْعَةٍ أوْ حَائِطٍ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَبِيعَ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإنْ شَاءَ أخَذَ، وَإنْ شَاءَ تَرَكَ» (١). ومُحَالٌ أن يَقُولَ النبيُّ ﷺ : «وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ». فلا يَكُونُ لتَرْكِه مَعْنًى. ولأنَّ مَفْهُومَ قَوْلِه: «فَإِنْ بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْه فَهُوَ أحَقُّ بِهِ». أنَّه إذا باعَه بإذْنِه لا حَقَّ له. ولأنَّ الشُّفْعَةَ ثَبَتَتْ في مَوْضِعِ الاتِّفاقِ على خِلافِ الأصْلِ؛ لكَوْنِه يَأْخُذُ مِلْكَ المُشْتَرِي بغيرِ رِضَاه، ويُجْبِرُه على المُعاوَضَةِ به لدُخولِه مع البائِع [في العَقْدِ] (٢) الذي أساءَ فيه بإدْخالِه الضَّرَرَ على شَرِيكِه، وتَرْكِه الإِحْسانَ إليه في عَرْضِه (٣) عليه. وهذا المعنى مَعْدُومٌ ههُنا، فإنَّه قد عَرَضَه عليه، وامْتِناعُه مِن أخْذِه دَلِيلٌ على عَدَمِ الضَّرَرِ في حَقِّه ببَيعِه، فإن كان
следующие страницы →