وَإِنْ تَلِفَ بَعْضُ الْمَبِيعِ، فَلَهُ أخْذُ الْبَاقِي بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ. وَقَال ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ كَانَ تَلَفُهُ بِفِعْلِ اللهِ تَعَالى، فَلَيسَ لَهُ أَخْذُهُ إلا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ.
ــ
٢٤٠٧ - مسألة: (وإن تَلِف بعضُ المَبِيعِ، فله أخْذُ الباقِي بحِصَّتِه مِن الثَّمَنِ. وقال ابن حامِدٍ: إن كان تَلَفُه بفِعْلِ اللهِ تِعالى، فليس له أخْذه إلَّا بجَمِيعِ الثَّمَن) إذا تَلِف الشِّقْصُ أو بعضُه في يَدِ المُشْتَرِي، فهو مِن ضَمانِه؛ لأنَّه مِلْكُه تَلِف في يَدِه، فإن أرادَ الشَّفِيعُ الأخْذَ إذا تَلِف بعضُه، أخَذَ المَوْجُودَ بحِصَّتِه مِن الثَّمنِ، سَواءٌ كان التَّلَفُ بفِعْلِ اللهِ تَعالى أو بفِعْلِ آدَمِيٍّ، وسَواءٌ تَلِفَ باخْتِيارِ المشْتَرِي؛ كنَقْضِه البِنَاءَ،
стр. 7562
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أو بغيرِ اخْتِيارِه، مثلَ أنِ انْهَدَمَ. ثم إن كانتِ الأنْقاضُ (١) مَوْجُودَةً، أخَذَها مع العَرْصَةِ بالحِصَّةِ، وإن كانت مَعْدُومَةً، أخَذَ العَرْصَةَ (٢) وما بَقِيَ مِن البِنَاءِ. هذا ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ في روايةِ ابنِ القاسِمِ. وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، والعَنْبرِيِّ، وأبي يُوسُفَ، وقولٌ للشافعيِّ. وقال ابنُ حامِدٍ: إن كان التَّلَفُ بفِعْلِ آدَمِيٍّ، كما ذَكَرْنا، وإن كان بفِعْلِ اللهِ تَعالى؛ كانْهِدامِ البِناءِ بنَفْسِه، أو حَرِيقٍ، أو غَرَقٍ، فليس للشَّفِيعِ أخْذُ الباقِي إلَّا بكلِّ الثَّمَنِ، أو يَتْرُكُ. وهو قولُ أبي حنيفةَ، وقولٌ للشافعيِّ؛ لأنَّه متى كان النَّقْصُ بفِعْلِ آدَمِيٍّ، رَجع بَدَلُه إلى المُشْتَرِي، فلا يَتَضرَّرُ، ومتى كان بغيرِ ذلك، لم يَرْجِعْ إليه شيءٌ، فيكونُ الأخْذُ منه إضْرارًا به، والضَّرَرُ لا يُزَالُ بالضَّرَرِ. ولَنا، أنَّه تَعَذَّرَ على الشَّفِيعِ أخْذُ الجميعِ، وقَدَر على أخْذِ البَعْضِ، فكان له بالحِصَّةِ، كما لو تَلِفَ بفعلِ آدَمِيٍّ سِوَاه، وكما لو كان له شَفِيعٌ آخَرُ، أو نقولُ: أخَذَ بعضَ ما دَخَل معه في العَقْدِ، فأخَذَه بالحِصَّةِ، كما لو كان معه سَيفٌ. وأمَّا الضَّرَرُ فإنَّما حَصَل بالتَّلَفِ، ولا صُنْعَ للشَّفِيعِ فيه، والذي يَأْخُذُه الشَّفِيعُ يُؤَدِّي ثَمَنَه، فلا يَتَضرَّرُ المُشْتَرِي بأخْذِه. وإنَّما قُلْنا: يَأْخُذُ الأنْقاضَ (١) وإن كانت مُنْفَصِلَةً؛ لأنَّ اسْتِحْقاقَه كان حال عَقْدِ البَيعِ، وفي تلك الحالِ كان مُتَّصِلًا اتِّصالًا ليس مَالُه إلى الانْفِصالِ، وانْفِصالُه بعدَ ذلك لا يُسْقِطُ حَقَّ الشفْعَةِ.
стр. 7563
فَصْلٌ: الْخَامِسُ، أَنْ يَكُونَ لِلشَّفِيعِ مِلْكٌ سَابِقٌ.
ــ
ويُفارِقُ الثَّمَرَةَ غيرَ المُؤَبَّرَةِ إذا أُبِّرَتْ، فإنَّ مَآلَها إلى الانْفِصالِ والظُّهُورِ، فإذا ظَهَرَتْ فقد انْفَصَلَتْ، فلم تَدْخُلْ في الشُّفْعَةِ. وإن نَقَصَتِ القِيمَةُ مع بَقاءِ صُورَةِ المَبِيعِ، مثلَ أنِ انْشَقَّ الحائِطُ، واسْتَهْدَمَ البِناءُ، وشَعِثَ الشَّجَرُ، وبارَتِ الأرْضُ، فليس له إلَّا أن يَأْخُذَ بجَمِيعِ الثَّمَنِ أو يَتْرُكَ؛ لأنَّ هذه المَعانِيَ لا يُقابِلُها الثَّمَنُ، بخِلافِ الأعْيانِ، ولهذا لو بَنَى المُشْتَرِي، أعْطاه الشَّفِيعُ قِيمَةَ بِنائِه، ولو زادَ المَبِيعُ زِيادَةً مُتَّصِلَةً، دَخَلَتْ في الشُّفْعَةِ.
فصل: الشرطُ (الخامسُ، أن يكونَ للشَّفِيعِ مِلْكٌ سابِقٌ) لأنَّ الشُّفْعَةَ إنَّما ثَبَتَتْ للشَّرِيكِ لدَفْعِ الضَّرَرِ عنه، وإذا لم يَكُنْ له مِلْكٌ سابقٌ فلا ضَرَرَ عليه، فلا تَثْبُتُ له الشُّفْعَةُ.
стр. 7564
فَإِنِ اشْتَرَى اثْنَانِ دَارًا صَفْقَةً وَاحِدَةً، فَلَا شُفْعَةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ. وَإِنِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ، مِنْهُمَا السَّبْقَ، فَتَحَالفَا، أَوْ تَعَارَضَتْ بَيِّنَتَاهُمَا، فَلَا شُفْعَةَ لَهُمَا.
ــ
٢٤٠٨ - مسألة: (فإنِ اشْتَرَى اثْنان دارًا صَفْقَةً واحِدَةً، فلا شُفْعَةَ لأحَدِهما على صاحِبِه) لأنَّه لا مَزِيَّةَ لأحَدِهما على صاحِبِه؛ لتَساويهِما.
٢٤٠٩ - مسألة: (فإنِ ادَّعَى كلُّ واحدٍ منهما السَّبْقَ، فتَحالفَا، أو تَعارَضَتْ بَيِّنَتاهُما، فلا شُفْعَةَ لهما) إذا كانت دارٌ بينَ رَجُلَين، فادَّعَى كلُّ واحِدٍ منهما على صاحِبِه أَنه يَسْتَحِقُّ ما في يَدِه بالشُّفْعَةِ، سُئِلَا: متى مَلَكْتُماهَا؟ فإن قالا: مَلَكْناها دَفْعَةً واحِدَةً. فلا شُفْعَةَ لأحَدِهما على الآخَرِ؛ لأنَّ الشُّفْعَةَ إنَّما ثَبَتَتْ بمِلْكٍ سابِقٍ في مِلْكٍ مُتَجَدِّدٍ بعدَه. وإن قال كلُّ واحِدٍ منهما: مِلْكِي سابِقٌ. ولأحَدِهما بَيِّنَةٌ بما ادَّعاهُ، قُضِيَ له. وإن كان لكلِّ واحِدٍ (١) منهما بَيِّنَةٌ، قُدِّمَ أسْبَقُهُما تارِيخًا، فإن شَهِدَتْ بَيِّنَةُ كلِّ واحِدٍ منهما بسَبْقِ مِلْكِه وتَجَدُّدِ مِلْكِ صاحِبِه، تَعارَضَتَا. وإن لم يَكُنْ لواحِدٍ منهما بَيِّنَةٌ، سَمِعْنا دَعْوَى السّابِقِ، وسَألْنا خَصْمَه، فإن أنْكَرَ، فالقَوْلُ قولُه مع يَمينِه، فإن حَلَف، سَقَطَتْ دَعْوَى الأوَّلِ، ثم نَسْمَعُ دَعْوَى الثاني على الأوَّلِ، فإن أنْكَرَ وحَلَف، سَقَطَتْ دَعْواهُما جَمِيعًا. وإنِ ادَّعَى الأوَّلُ فَنَكَل الثانِي عن اليَمِينِ، قَضَينَا عليه، ولم نسْمَعْ دَعْواه؛ لأنَّ خَصْمَه قد اسْتَحَقَّ مِلْكَه. وإن حَلَف الثاني ونَكَل
стр. 7565
وَلَا شُفْعَةَ بِشَرِكَةِ الْوَقْفِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ.
ــ
الأوَّلُ، قَضَينا عليه.
٢٤١٠ - مسألة: (ولا شُفْعَةَ بِشَرِكَةِ الوَقْفِ، في أحَدِ الوَجْهَين) ذَكَرَه القاضِيَان ابنُ أبي مُوسَى، وأبو يَعْلَى. وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ؛ لأنَّه لا يُؤْخَذُ بالشُّفْعَةِ، فلا تَجِبُ به، كالمُجاورِ وما لا يَنْقَسِمُ. ولأنَّنا إن قُلْنا: هو غيرُ مَمْلُوكٍ. فالمَوْقُوفُ عليه غيرُ مالكٍ. وإن قُلْنا: هو مَمْلُوكٌ. فمِلْكُه غيرُ تامٍّ؛ لأنَّه لا يُبيح (١) إباحَةَ التَّصَرُّفِ في الرَّقَبَةِ، فلا يَمْلِكُ به مِلْكًا تامًّا. وقال أبو الخَطّابِ: إن قُلْنا: هو مَمْلُوكٌ. وَجَبَتْ به الشُّفْعَةُ؟؛ لأنَّه مَمْلُوكٌ بِيعَ في شَرِكَتِه شِقْصٌ، فوَجَبَتْ به الشُّفْعَةُ، كالطِّلْقِ (٢)، ولأنَّ الضَّرَرَ يَنْدَفِعُ عنه بالشُّفْعَةِ، فوَجَبَتْ فيه، كوُجُوبِها في الطِّلْقِ، وإنَّما لم يَسْتَحِقَّ بالشُّفْعَةِ؛ لأنَّ الأخْذَ بها بَيعٌ، وهو مِمّا لا يَجُوزُ بيعُه.
стр. 7566
فَصْلٌ: وَإِنْ تَصَرَّفَ الْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ قَبْلَ الطَّلَبِ بِوَقْفٍ أَوْ هِبَةٍ، سَقَطَتِ الشُّفْعَةُ. نَصَّ عَلَيهَا. وَقَال أَبُو بَكْرٍ: لَا تَسْقُطُ.
ــ
فصل: (وإن تَصَرَّفَ المُشْتَرِي في المَبِيع قبلَ الطَّلَبِ بوَقْفٍ أو هِبَةٍ، سَقَطَتِ الشُّفْعَةُ. نَصَّ عليه) في رِوايَةِ عليِّ بنِ سعيدٍ، وبكرِ بنِ محمدٍ. وحُكِيَ ذلك عنِ الماسَرْجِسِيِّ (١) في الوَقْفِ؛ لأنَّ الشُّفْعَةَ إنَّما تَثْبُتُ في المَمْلُوكِ، وقد خرَج بهذا عن كَوْنِه مَمْلُوكًا. قال ابنُ أبي مُوسَى: مَن اشْتَرَى دارًا فجَعَلَها مَسْجِدًا، فقد اسْتَهْلَكَها، ولا شُفْعَةَ فيها. ولأنَّ في الشُّفْعَةِ ههُنا إضْرارًا بالمَوْهُوبِ له، والمَوْقُوفِ عليه؛ لأنَّ مِلْكَه يَزُولُ عنه بغيرِ عِوَضٍ، ولا يُزَالُ الضَّرَرُ بالضَّرَرِ، بخِلافِ البَيعِ، فإنَّه إذا فَسَخ
стр. 7567
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
البَيعَ الثانِيَ، رَجَع المُشْتَرِي الثاني بالثَّمَنِ الذي أُخِذَ منه، فلا يَلْحَقُه ضَرَرٌ، ولأنَّ ثُبُوتَ الشُّفْعَةِ ههُنا يُوجِبُ رَدَّ العِوَضِ إلى غيرِ المالِكِ وسَلْبَه عن المالِكِ، وفي ذلك ضَرَرٌ، فيكونُ مَنْفِيًّا. وقال أبو بكرٍ: للشَّفِيعِ فسْخُ ذلك وأخْذُه بالثَّمَنِ الذي وَقَع به البَيعُ. وهذا قولُ مالكٍ،
стр. 7568
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والشافعيِّ (١)، وأصحابِ الرَّأْي؛ لأن الشَّفِيعَ يَمْلِكُ فَسْخَ البَيعِ الثاني والثالِثِ مع إمْكانِ الأخْذِ بهما، فَلأنْ يَمْلِكَ فسْخَ عَقْدٍ لا يُمْكِنُه الأخْذُ به أوْلَى، ولأنَّ حَقَّ الشَّفِيعِ أسْبَقُ، وجَنَبَتُه أقْوَى، فلم يَمْلِكِ المُشْتَرِي تَصَرفًا يُبْطِلُ حَقَّه، ولا يَمْتَنِعُ أن يَبْطُلَ الوَقْفُ لأجْلِ حَقِّ الغَيرِ، كما لو وَقَف المَرِيضُ أمْلاكَه وعليه دَينٌ، فإنَّه إذا مات رُدَّ الوَقْفُ إلى الغُرَماءِ والوَرَثَةِ فيما زادَ على ثُلُثِه، بل لهم إبْطالُ العِتْقِ، والوَقْفُ أوْلَى. فإذا قُلْنا
وَإِنْ بَاعَ فَلِلشَّفِيعِ الأْخْذُ بأْيِّ الْبَيعَينِ شَاءَ، فَإِن أَخَذَ بِالأَوَّلِ، رَجَعَ الثَّانِي عَلَى الأَوَّلِ.
ــ
٢٤١١ - مسألة: (وَإِنْ بَاعَ فَلِلشَّفِيعِ الأْخْذُ بأْيِّ الْبَيعَينِ شَاءَ، فَإِن أَخَذَ بِالأَوَّلِ، رَجَعَ الثَّانِي عَلَى الأَوَّلِ) إذا تَصَرَّفَ المُشْتَرِي في المَبِيعِ قبلَ أخْذِ الشَّفِيعِ أو قبلَ عِلْمِه، صَحَّ تَصَرُّفُه؛ لأنَّه مَلَكَه، وصَحَّ قَبْضُه له، ولم يَبْقَ إلا أنَّ الشَّفِيعَ مَلَك أن يتَمَلَّكَه عليه، وذلك لا يَمْنَعُ مِن تَصَرُّفِه، كا لو كان أحَدُ العِوَضَين في البَيعِ مَعِيبًا (١)، لم يَمْنَعِ التَّصَرُّف في الآخرِ، والمَوْهُوبُ له يَجُوزُ له التَّصَرُّفُ فِي الهِبَةِ. وإن كان الواهِبُ مِمَّن له الرُّجُوعُ فيه، فمتى تَصَرَّفَ فيه تَصَرُّفًا تَجِبُ به الشُّفْعَةُ، كالبَيعِ، فللشَّفِيعِ الخِيارُ، إن شاء فَسَخ البَيعَ الثانيَ وأخَذَه بالبيعِ الأوَّل بثَمَنِه؛ لأنَّ الشُّفْعَةَ وَجَبَتْ له قبلَ تَصَرُّفِ المُشْتَرِي، وإن شاءَ أمْضَى تَصَرفَه وأخَذَ بالشُّفْعَةِ مِن المُشْتَرِي الثاني؛ لأنَّه شَفِيعٌ في العَقْدَين، فكان له الأخْذُ بأَيِّهما شاءَ. وإن تَبايَعَ ذلك ثلاثةٌ، فله أن يَأْخُذَ بالبَيعِ الأوَّلِ، ويَنْفَسِخُ العَقْدان الآخَران، وله أن يَأْخُذَه بالثاني، ويَنْفَسِخُ الثالِثُ وحدَه، وله أن يَأْخُذَه بالثالِثِ، ولا يَنْفَسِخُ شيءٌ مِن العُقُودِ، فإذا أخَذَه مِن الثالِثِ، دَفَع إليه
стр. 7571
وَإنْ فُسِخَ الْبَيعُ بِعَيبٍ أوْ إِقَالةٍ أَوْ تَحَالُفٍ، فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُهُ،
ــ
الثَّمَنَ الَّذي اشْتَرَى به، ورَجَع الثالِثُ عليه بما أعْطاه؛ لأنَّه قد انْفَسَخَ عَقْدُه وأُخِذَ الشِّقْصُ منه، فرَجَعَ بثَمَنِه على الثاني؛ لأنَّه أخَذَه منه، وإن أخَذَ بالبَيعِ الأوَّلِ، دَفَع إلى المُشْتَرِي الأوَّلِ الثَّمَنَ الَّذي اشْتَرَى به، وانْفَسخَ عَقْدُ الآخَرَين، ورَجَع الثالِثُ على الثاني بما أعْطاه، والثاني على الأوَّلِ بما أعْطاهُ، فإن كان الأوَّلُ اشْتَراه بعَشَرةٍ، ثم اشْتَراه الثاني بعِشْرِين، ثم اشْتَراه الثالِثُ بثَلاثِينَ، فأخَذَه بالبَيعِ الأوَّلِ، دَفَع إلى الأوَّلِ عَشَرَةً، وأخَذَ [الثّاني مِن الأوَّلِ] (١) عِشْرِينَ، وأخَذَ الثالِثُ مِن الثاني ثَلاثِينَ؛ لأْنَّ الشِّقْصَ إنَّما يُؤْخَذُ مِن الثالِثِ؛ لكَوْنِه في يَدِه، وقد انْفَسَخَ عَقْدُه، فيَرْجِعُ بثَمَنِه الَّذي وَرِثَه. ولا نَعْلَم في هذا خِلافًا. وبه يقولُ مالكٌ، والشافعيُّ، والعَنْبَرِي، وأصحابُ الرَّأْي. وما كان في مَعْنَى البَيعِ مِمّا تَجبُ به الشُّفْعَةُ، فهو كالبَيعِ، على ما ذَكَرْنا، وإن كان مِمّا لا تجِبُ به الشَفْعَةُ، فهو كالهِبَةِ والوَقْفِ، على ما ذَكَرْنا مِن الخِلافِ فيه. والله أعْلَمُ.
٢٤١٢ - مسألة: (وإن فُسِخَ البَيعُ بعَيبٍ أو إقالةٍ أو تَحالُفٍ ،
стр. 7572
وَيَأْخُذُهُ فِي التَّحَالفِ بِمَا حَلَفَ عَلَيهِ الْبَائِعُ.
ــ
فللشَّفِيعِ أخْذُه، وَيَأْخُذُهُ فِي التَّحَالفِ بِمَا حَلَفَ عَلَيهِ الْبَائِعُ) إذا رَدَّ المُشْتَري الشِّقْصَ بعَيبٍ أو قايَلَ البائِعَ، فللشَّفِيعِ فَسْخُ الإقالَةِ والرَّدِّ والأخْذ بالشُّفْعَةِ؛ لأنَّ حَقَّه سابِقٌ عليهما، ولا يُمْكِنُه الأَخْذ معهما. وإن تَحالفَا على الثَّمَنِ وفَسَخَا البَيعَ، فللشَّفِيعِ أن يَأْخذَ الشِّقْصَ بما حَلَف عليه البائِع؛ لأن البائِعَ مُقِرٌّ بالبَيعِ بالثَّمَنِ الَّذي حَلَف عليه، ومُقِرٌّ للشَّفِيعِ باسْتِحْقاقِ الشُّفْعَةِ بذلك، فإذا بَطَل حَقُّ المُشْتَرِي بإنْكارِه، لم يَبْطُلْ حَقُّ الشَّفِيعِ بذلك، وله أن يُبْطِلَ فَسْخَهُما ويَأْخُذَ؛ لأنَّ حَقَّه أسْبَق.
стр. 7573
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإنِ اشْتَرَى شِقْصًا بعَبْدٍ»، ثم وجَد بائِعُ الشِّقْصِ بالعَبْدِ عَيبًا، فله رَدُّ العَبْدِ واسْتِرْجاعُ الشِّقْصِ، ويُقَدَّمُ على حَقِّ الشَّفِيعِ؛ لأنَّ في تَقْدِيمِ حَقِّ الشَّفِيعِ إضْرارًا بالبائِع، بإسْقاطِ حَقِّه مِن الفَسْخِ الَّذي اسْتَحَقَّه، والشُّفْعَةُ تَثْبُتُ لإزايَةِ الضَّرَرِ، فلا تَثْبُتُ على وَجْهٍ يَحْصُلُ به الضَّرَرُ؛ فإن الضَّرَرَ لا يُزَالُ بالضَّرَر. وقال أصحابُ الشافعيِّ: يُقَدَّمُ حَقُّ الشَّفِيعِ في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأن حَقَّه أسْبَقُ، فوَجَبَ تَقْدِيمُه، كما لو وَجَد المُشْتَرِي بالشِّقْصِ عَيبًا فرَدَّه. ولَنا، أنَّ في الشُّفْعَةِ إبْطال
стр. 7574
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حَقِّ البائِعِ، وحَقُّه أسْبَقُ؛ لأنَّه اسْتَنَدَ إلى وُجُودِ العَيبِ، وهو مَوْجُودٌ حال البَيعِ، والشُّفْعَةُ ثَبَتَتْ بالبَيعِ، فكان حَقُّ البائِعِ سابقًا، وفي الشُّفْعَةِ إبْطالُه، فلم تَثْبُتْ، ويُفارِقُ ما إذا كان الشِّقْصُ مَعِيبًا، فإنَّ حَقَّ المُشْتَرِي إنَّما هو في اسْتِرْجاعِ الثَّمَنِ، وقد تَحَصَّلَ له مِن الشَّفِيعِ، فلا فائِدَةَ في الرَّدِّ، وفي مسألتِنا حَقُّ البائِعِ في اسْتِرْجاعِ الشِّقْصِ، ولا يَحْصُلُ ذلك مع الأَخْذِ بالشفْعَةِ، فافْتَرَقَا. فإن لم يَرُدَّ البائِعُ العَبْدَ المَعِيبَ حتَّى أخَذَ الشَّفِيعُ، كان له رَدُّ العَبْدِ، ولم يَمْلِكِ اسْتِرْجاعَ المَبِيعِ؛ لأنَّ الشَّفِيعَ مَلَكَه بالأخْذِ، فلم يَمْلِكِ البائِعُ إبْطال مِلْكِه، كما لو باعَه المُشْتَرِي لأجْنَبِيٍّ، فإن الشُّفْعَةَ بَيعٌ في الحَقِيقَةِ، ولكنْ يَرْجِعُ بقِيمَةِ الشِّقْصِ؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ التَّالِفِ، والمُشْتَرِي قد أخَذَ مِن الشَّفِيعِ قِيمَةَ العَبْدِ، فهل يَتَراجَعانِ؟ فيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، لا يَتَراجَعانِ؛ لأنَّ الشَّفِيعَ أخَذَ بالثَّمَنِ
стр. 7575
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الَّذي وَقَع عليه العَقْدُ، وهو قِيمَةُ العَبْدِ صَحِيحًا لا عَيبَ فيه، بدَلِيلِ أنَّ البائِعَ إذا عَلِمَ بالعَيبِ مَلَك رَدَّه. ويَحْتَمِلُ أن يَأخُذَه بقِيمَتِه مَعِيبًا؛ لأنَّه إنَّما أعْطَى عَبْدًا مَعِيبًا، فلا يَأْخُذُ قِيمَةَ غيرِ ما أعْطَى. والثاني، يَتَراجَعان؛ لأنَّ الشَّفِيعَ إنَّما يَأْخُذُ بالثَّمَنِ الَّذي اسْتَقَرَّ عليه العَقْدُ، والذي اسْتَقَرَّ عليه العَقْدُ قِيمَةُ الشِّقْصِ. فإذا قُلْنا: يَتراجعان. فأيُّهما كان ما دَفَعَه أكْثَرَ، رَجَع بالفَضْلِ على صاحِبِه، وإن لم يَرُدَّ البائِعُ العَبْدَ، ولكنْ أخَذَ أَرْشَه، لم يَرْجِعِ المُشْتَرِي على الشَّفِيعِ بشيءٍ؛ لأنَّه إنَّما دَفَع إليه قِيمَةَ العَبْدِ غيرَ مَعِيبٍ. وإن أدَّى قِيمَتَه مَعِيبًا، رَجَع المُشْتَرِي عليه بما أدَّى مِن أرْشِه. وإن عَفَا عنْه ولم يَأْخُذْ أرْشًا، لم يَرْجِعِ الشَّفِيعُ عليه بشيءٍ؛ لأنَّ البَيعَ لازِم مِن جِهَةِ المُشْتَرِي، لا يَمْلِكُ فسْخَه، فأشْبَهَ ما لو حَطَّ عنه بعضَ الثَّمَنِ بعدَ لُزُومِ العَقْدِ. وإن عادَ الشِّقْصُ إلى المُشْتَرِي ببَيع أو هِبَةٍ أو إرْثٍ أو غيرِه، فليس للشَّفِيعِ أخْذُه بالبَيعِ الأوَّلِ؛ لأنَّ مِلْكَ المُشْتَرِي زال عنه، وانْقَطَعَ حَقُّهِ منه، وانْتَقَلَ حَقُّه إلى القِيمَةِ، فإذا أخَذَها لم يَبْقَ له حَق، بخِلافِ ما لو غَصَب شيئًا لم يَقْدِرْ على رَدِّه فأدَّى قِيمَتَه ثم قَدَر عليه، فإَّنه يَرُدُّه؛ لأنَّ مِلْكَ المَغْصُوبِ منه لم يَزُلْ عنه.
стр. 7576
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ولو كان ثَمَنُ الشِّقْصِ مَكِيلًا أو مَوْزُونًا، فتَلِفَ قبلَ قَبْضِه، بَطَل البَيعُ، وبَطَلَتِ الشُّفْعَةُ؛ لأنَّه تَعَذَّرَ التَّسْلِيمُ، فتَعَذَّرَ إمْضاءُ العَقْدِ، فلم تَثْبُتِ الشُّفْعَةُ، كما لو فَسَخ البَيعَ في مُدَّةِ الخِيارِ، بخِلافِ الإِقالَةِ والرَّدِّ بالعَيبِ، وإن كان الشَّفِيعُ قد أخَذَ الشِّقْصَ، فهو كما لو أخَذَه في المسأْلَةِ التي قبلَها؛ لأنَّ لمُشْتَرِي الشِّقْصِ التَّصرُّفَ فيه قبلَ تَقْبِيضِ ثَمَنِه، فأشْبَهَ ما لو اشْتَراه منه أجْنَبِيٌّ.
стр. 7577
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإنِ اشْتَرَى شِقْصًا بعَبْدٍ أو ثَمَن مُعَيَّن، فخَرَجَ مُسْتَحَقًّا، فالبَيعُ باطِل، ولا شُفْعَةَ فيه؛ لأنَّها إنَّما تَثْبُتُ في عَقْدٍ يَنْقُلُ المِلْكَ إلى المُشْتَرِي، وهو العَقْدُ الصَّحِيحُ، فأمّا الباطِلُ فوُجُودُه كعَدَمِه. فإن كان الشَّفِيعُ قد أخَذَ بالشُّفْعَةِ، لَزِمَه رَدُّ ما أخَذَ على البائِعِ، ولا يَثْبُتُ ذلك إلَّا بِبَينةٍ أو إقْرارٍ مِن الشَّفِيعِ والمُتَبايعَين. وإن أقَرَّ المُتَبايعان وأنْكَرَ الشَّفِيعُ، لم يُقْبَلْ قَوْلُهما عليه، وله الأخْذُ بالشُّفْعَةِ، ويُرَدُّ العَبْدُ إلى صاحِبِه، ويَرْجِعُ البائِعُ على المُشْتَرِي بقِيمَةِ الشِّقْصِ. وإن أقَرَّ الشَّفِيعُ أو المُشْتَرِي دُونَ البائِعِ، لم تَثْبُتِ الشُّفْعَةُ، ويَجِبُ على المُشْتَرِي رَدُّ قِيمَةِ العَبْدِ على صَاحِبِه، ويَبْقَى الشِّقْصُ معه، يَزْعُمُ أنَّه للبائِعِ، والبائِعُ يُنْكِرُه، ويَدَّعِي عليه وُجُوبَ رَدِّ العَبْدِ، والمُشْتَرِى يُنْكِرُه، فيَشْتَرِي الشِّقْصَ منه، ويَتَبارءانِ. وإن أقَرَّ الشَّفِيعُ والبائِعُ وأنْكَرَ المُشْتَرِي، وَجَب على البائِعِ رَدُّ العَبْدِ على صاحِبِه، ولم تَثْبُتِ الشُّفْعَةُ، ولم يَمْلِكِ البائعُ مُطالبَةَ
стр. 7578
وَإنْ أَجَرَهُ، أخَذَهُ الشَّفِيعُ، وَلَهُ الأُجْرَةُ مِنْ يَوْمِ أَخْذِهِ،
ــ
المُشْتَرِي بشيءٍ؛ لأن البَيعَ صَحِيحٌ في الظاهِرِ، وقد أدَّى ثَمَنَه الَّذي هو مِلْكُه في الظاهِرِ. وإن أقَرَّ الشَّفِيعُ وحدَه، لم تَثْبُتِ الشُّفْعَةُ، ولا يَثْبُتُ شيء مِن أحْكامِ البُطْلانِ في حَقِّ المُتَبايعَين. فأمّا إنِ اشْتَرَى الشِّقْصَ بثَمَنٍ في الذِّمَّةِ ثم نَقَد الثَّمَنَ، فبانَ مُسْتَحَقًّا، كانتِ الشُّفْعَةُ واجِبَةً؛ لأن البَيعَ صَحِيحٌ، فإن تَعَذَّرَ قَبْضُ الثَّمَنِ مِن المُشْتَرِي لإعْسارٍ أو غيرِه، فللبائِعِ فَسْخُ البَيعِ، ويُقَدَّمُ حَقُّ الشَّفِيعِ؛ لأنَّ بالأَخْذِ بها يَحْصُلُ للمُشْتَرِي ما يُؤَدِّيه ثَمَنًا، فتَزُولُ عُسْرَتُه، ويَحْصُلُ الجَمْعُ بينَ الحَقَّينِ، فكان أوْلَى.
فصل: وإذا وَجَبَتِ الشُّفْعَةُ، وقَضَى القاضِي بها، والشِّقْصُ في يَدِ البائِعِ، ودَفَع الثَّمَنَ إلى المُشْتَرِي، فقال البائِعُ للشَّفِيعِ: أقِلْنِي. فأقالهُ، لم تَصِحَّ الإقالةُ؛ لأنَّها تَصِحُّ بينَ المُتَبايِعَين، وليس بينَ الشَّفِيعِ والبائِعِ بَيعٌ، وإنَّما هو مُشْتَرٍ مِن المُشْتَرِي، فإن باعَه إيّاهُ، صَحَّ؛ لأن العَقَارَ يَجُوزُ التَّصرُّفُ فيه قبلَ قَبْضِه.
٢٤١٣ - مسألة: (وإن أجَره) المُشْتَرِي (أخَذَه الشَّفِيعُ، وله الأُجْرَةُ مِن يومِ أخْذِه) لأنَّه صار مِلْكَه بأخْذِه.
أو ثَمَرٌ ظَاهِرٌ، فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي مُبَقًّى إلَى الْحَصَادِ وَالْجِذَاذِ.
ــ
فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي مُبَقَّاةٌ إلَى الْحَصَادِ وَالْجِذَاذِ) إذا زَرَع المُشْترِي الأرْضَ، فللشفِيعِ الأخْذُ بالشُّفْعَةِ، ويَبْقَى زَرْعُ المُشْتَرِي إلى الحَصَادِ؛ لأنَّ ضَرَرَهُ لا يَتَبَاقَى، ولا أُجْرَةَ عليه؛ لأنَّه زَرَعَه في مِلْكِه، ولأنَّ الشَّفِيعَ اشْتَرَى الأرْضَ وفيها زَرْع للبائِعِ، فكان له مُبَقًّى إلى الحَصَادِ بلا أُجْرَةٍ، كغيرِ المَشْفُوعِ. وإن كان في الشَّجَرِ ثَمَرٌ ظاهِرٌ أثْمَرَ في مِلْكِ المُشْتَرِي، فهو له مُبَقًّى إلى الجِذاذِ، كالزَّرْعَ.
стр. 7581
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإذا نَما المَبِيعُ في يَدِ المُشْتَرِي، لم يَخْلُ مِن حالين؛ أحَدُهما، أن يكونَ نَمَاءً مُتَّصِلًا، كالشَّجَرِ إذا كَبِرَ، أو ثَمَرَةٍ غيرِ ظاهِرَةٍ، فإنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُه بزِيادَتِه؛ لأنَّها زِيادَةٌ غيرُ مُتَمَيِّزَةٍ، فتَبِعَتِ الأصْلَ، كما لو رُدَّ بعَيبٍ أو خِيارٍ أو إقالةٍ. فإن قيل: فلِمَ لا يَرْجِعُ الزَّوْجُ في نِصْفِه زائِدًا إذا طَلَّقَ قبلَ الدُّخُولِ؟ قُلْنا: لأنَّ الزَّوْجَ يَقْدِرُ على الرُّجُوعِ بالقِيمَةِ إذا فاتَه الرُّجُوعُ في العَينِ، وفي مسألتِنا إذا لم يَرْجِعْ في الشِّقْصِ سَقَطَ حَقُّه مِن الشُّفْعَةِ، فلم يَسْقُطْ حَقُّه مِن الأصْلِ لأجْلِ ما حَدَث مِن البائِعِ، وَإذا أخَذَ الأصْلِ تَبِعَهُ نَماؤُه المُتَّصِلُ، كما ذَكَرْنا في الفُسُوخِ كلِّها. الحالُ الثاني، أن تكون الزِّيادَةُ مُنْفَصِلَةً، كالغَلَّةِ، والأُجْرَةِ، والطَّلْعِ المُؤَبَّرِ، والثَّمَرَةِ الظاهِرَةِ، فهي للمُشْتَرِي؛ لأنَّها حَدَثَتْ في مِلْكِه، وتكونُ مُبَقّاةً في رُءُوسِ النَّخْلِ إلى الجِذَاذِ؛ لأنَّ أخْذَ الشَّفِيعِ مِن المُشْتَرِي شِراءٌ ثانٍ، فيكونُ حُكْمُه حُكْمَ ما لو اشْتَرَى برِضَاه. وإنِ اشْتَراهُ وفيه طَلْعْ غيرُ مُؤَبَّرٍ، فأبَّدرَه ثم أخَذَه الشَّفِيعُ، أَخَذَ الأَصْلَ دُونَ الثَّمَرةِ، ويَأْخُذُ الأرضَ والنَّخِيلَ بحِصَّتِهما مِن الثَّمَنِ، كما لو كان المَبِيعُ شِقْصًا وسَيفًا (١).
стр. 7582
وَإنْا قَاسَمَ الْمُشْتَرِي وَكِيل الشَّفِيعِ، أو قَاسَم الشَّفِيعَ؛ لِكَوْنِهِ أظْهَرَ لَهُ زِيَادَةً في الثَّمَنِ أوْ نَحْوهِ، وَغرَسَ أَوْ بَنَى، فَلِلشَّفِيعِ أنْ يَدْفَعَ إِلَيهِ قِيمَةَ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ وَيَمْلِكَهُ، أوْ يَقْلَعَهُ وَيَضْمَنَ النَّقْصَ. فَان اخْتَارَ أخْذَهُ وَأرَادَ الْمُشْتَرِي قَلْعَهُ، فَلَهُ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ.
ــ
٢٤١٦ - مسألة: (وَإنْا قَاسَمَ الْمُشْتَرِي وَكِيل الشَّفِيعِ، أو قَاسَم الشَّفِيعَ؛ لِكَوْنِهِ أظْهَرَ لَهُ زِيَادَةً في الثَّمَنِ أوْ نَحْوهِ، وَغرَسَ أَوْ بَنَى، فَلِلشَّفِيعِ أنْ يَدْفَعَ إِلَيهِ قِيمَةَ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ وَيَمْلِكَهُ، أوْ يَقْلَعَهُ وَيَضْمَنَ النَّقْصَ. فَإن اخْتَارَ) الشَّفِيعُ (أخْذَهُ وَأرَادَ الْمُشْتَرِي قَلْعَهُ، فَلَهُ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ) بالقَلْعِ. وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه يُتَصَوَّرُ بِنَاءُ المُشْتَرِي وغَرْسُه في الشِّقْصِ المَشْفُوعِ على وَجْهٍ مُباحٍ في مَسائِلَ؛ منها، أن يُظْهِرَ المُشْتَرِي أنَّه اشْتَراه بأكثرَ مِن ثَمَنِه، أو أنَّه وُهِبَ له، أو غيرُ ذلك مِمّا
стр. 7583
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَمْنَعُ الشَّفِيعَ مِن الأخْذِ بها، فيَتْرُكَها ويُقَاسِمَه، ثم يَبْنِيَ المُشْتَرِي ويَغْرِسَ فيه. ومنها، أن يكونَ كائِبًا فيُقاسِمَه وَكِيلُه، أو صَغِيرًا فيُقاسِمَه وَلِيُّه، أو نحوَ ذلك، ثم يَقْدَمَ الغائِبُ، أو يَبْلُغ الصَّبِيُّ، فيَأْخُذَ بالشُّفْعَةِ. وكذلك إن كان غائِبًا أو صَغِيرًا، فطالبَ المُشْتَرِي الحاكِمَ بالقِسْمَةِ، فقاسَمَ، ثم قَدِم الغائِبُ، وبَلَغِ الصَّبِي، فأَخَذَ بالشُّفْعَةِ بعدَ غَرْسِ المُشْتَرِي وبنائِه، فإنَّ للمُشْتَرِي قَلْعَ غرْسِه وبِنَائِه، إِنِ اخْتَارَ ذلك؛ لأنَّه مِلْكُه، فإذا قَلَعَه، فليس عليه تَسْويَةُ الحَفْرِ ولا نَقْصُ الأرْضِ. ذَكَرَه القاضِي. وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنه غَرَس وبَنَى في مِلْكِه، وما حَدَث مِن النَّقْص إنَّما حَدَثَ في مِلْكِه، وذلك مِمّا لا يُقابِلُه ثَمَن. وظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِي أنَّ عليه ضَمانَ النَّقْصِ الحاصِلِ بالقَلْعِ؛ لأنَّه اشْتَرَطَ في قَلْعِ الغَرْسِ والبِنَاءِ عَدَمَ الضَّرَرِ، وذلك لأنَّه نَقْصٌ دَخَل على مِلْكِ غيرِه لأجْلِ تَخْلِيضِ مِلْكِه، فلَزِمَه ضَمانُه، كما لو كَسَر مِحْبَرَةَ غيرِه لإخْراجِ دِينارِه منها. قولُهم: إنَّ النَّقْصَ
стр. 7584
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حَصَل في مِلْكِه. ليس كذلك؛ فإنَّ النَّقْصَ الحاصِلَ بالقَلْعِ إنَّما حَصَل في مِلْكِ الشَّفِيعِ. فأمَّا نَقْصُ الأرْضِ الحاصِلُ بالغَرْسِ والبِنَاءِ، فلا يَضْمَنُه، لِما ذَكَرُوه. فإن لم يَخْتَرِ المُشْتَرِي القَلْعَ، فللشَّفِيعِ الخِيَارُ بينَ ثَلاثةِ أشْياءَ؛ تَرْكِ الشُّفْعَةِ، وبينَ دَفْعِ قِيمَةِ الغِرَاسِ والبِنَاءِ، فيَمْلِكُه مع الأرْضِ، وبينَ قَلْعِ الغَرْسِ والبِنَاءِ، ويَضْمَنُ له. ما نقَصَ بالقَلْعِ. وبهذا قال الشَّعْبِيُّ، والأوْزَاعِيُّ، وابنُ أبي لَيلَى، ومالكٌ، واللَّيث، والشافعيُّ، والبَتِّيُّ، وسَوَّارٌ، وإسْحاق. وقال حَمّادُ بنُ أبي سُلَيمانَ، والثَّوْرِي، وأصحابُ الرأي: يُكَلَّفُ المُشْتَرِي القَلْعَ، ولا شيءَ له؛ لأنَّه بَنَى فيما اسْتُحِقَّ عليه أَخْذُه، فأشْبَهَ الغاصِبَ، ولأنَّه بَنَى في حَقِّ غيرِه بغيرِ إذْنِه، فأشْبَهَ ما لو كانت مُسْتَحَقَّةً. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرارَ» (١). ولا يَزُولُ الضَّرَرُ عنهما إلَّا بذلك، ولأنَّه بَنَى في مِلْكِه الَّذي مَلَك بَيعَه، فلم يُكَلَّفْ قَلْعَه مع الإِضْرارِ، كما لو لم يَكُنْ مَشْفُوعًا. وفارَقَ ما قاسُوا عليه، فإنَّه بَنَى في غيرِ مِلْكِه، ولأنَّه
стр. 7585
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عِرْقٌ ظالِمٌ، وليس لعِرْقٍ ظالمٍ حَقٌّ. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه لا يُمْكِنُ إيجابُ قِيمَتِه مُسْتَحِقًّا للبَقَاءِ في الأرْضِ؛ لأَنه لا يَسْتَحِقُّ ذلك، ولا قِيمَتَه مَقْلُوعًا؛ لأَنه لو وَجَبَتْ قِيمَتُه مَقْلُوعًا لوَجَبَ قَلْعُه، ولم يَضْمَنْ شيئًا، ولأَنه قد يكونُ مِمّا لا قِيمَةَ له إذا قَلَعَه. ولم يَذْكُرْ أصحابُنا كَيفِيَّةَ وُجُوبِ القِيمَةِ، فالظاهِرُ أنَّ الأرْضَ تُقَوَّمُ مَغْرُوسَة مَبْنِيَّةً، ثم تُقَوَّمُ خالِيةً منها، فيكونُ ما بينَهما قِيمَةَ الغَرْسِ والبِنَاءِ، فيَدْفَعُه الشَّفِيعُ إلى المُشْتَرِي إن أحَبَّ، أو ما نَقَص منه إنِ اخْتارَ القَلْعَ؛ لأنَّ ذلك هو الَّذي زادَ بالغَرْسِ والبِنَاءِ. ويَحْتَمِلُ أن يُقَوَّمَ الغَرْسُ (١) والبِنَاءُ مُسْتَحِقًّا للتَّرْكِ بالأُجْرَةِ، أو لأخذِه بالقِيمَةِ إذا امْتَنَعا مِن
стр. 7586
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قَلْعِه، فإن كان للغَرْسِ وَقتٌ يُقْلَعُ فيه فيكون له قِيمةٌ، وإن قُلِعَ قبلَه لم يَكنْ له قِيمَةٌ، أو تكون قِيمَتُه قَلِيلَةً، فاخْتارَ الشَّفِيعُ قَلْعَه قبلَ وَقتِه، فله ذلك؛ لأنَّه يَضْمَنُ النَّقْصَ، فيَنْجبرُ به ضَرَرُ المُشْتَرِي، سَواءٌ كَثُرَ النَّقْصُ أو قَلَّ، ويَعُودُ ضَرَرُ كَثْرَة النَّقْصِ على الشَّفِيعِ، وقد رَضِيَ بتَحَمُّلِه. وإن غرَس أو بَنَى مع الشَّفِيعِ أو وَكِيلِه. في المُشاعِ، ثم أخَذَه الشَّفِيعُ، فالحُكْمُ في أخْذِ نصِيبِه مِن ذلك كالحُكْمِ في أخْذِ جَمِيعِه بعدَ المُقاسَمَةِ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحاصِلِ بالشَّرِكَةِ عنه (١)، وقد زال ذلك ببَيعِه. وإن باعَ بعضَه، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، تَسْقُطُ أيضًا؛ لأنَّها اسْتُحِقَّتْ بجَمِيعِه، وإذا باعَ بعضَه، سَقَط ما تَعَلَّقَ بذلك مِن الشُّفْعَةِ، فسَقَطَ باقِيها؛ لأنَّها لا تَتَبَعَّضُ، فيَسْقُطُ جَميعُها بسُقُوطِ بعضِها، كالرِّقِّ والنِّكَاحِ، وكما لو عَفَا عن بعْضِها. والثاني، لا تَسْقُطُ؛ لأنَّه قد بَقِيَ مِن نَصِيبِه ما يَسْتَحِقُّ به الشُّفْعَةَ في جَمِيعِ المَبِيعِ لو انْفَرَدَ، فكذلك إذا بَقِيَ. وللمُشْتَرِي الأوَّلِ الشُّفْعَةُ على الثانِي في المسألةِ الأُولَى، وفي الثانيةِ، إذا قُلْنا بسُقُوطِ شُفْعَةِ البائِعِ الأوَّلِ؛ لأنَّه شَرِيكٌ في المَبِيعِ. وإن قُلْنا: لا تَسْقُطُ شُفْعَةُ البائِعِ. فله أخْذُ الشِّقْصِ مِن المُشْتَرِي الأَوَّلِ. وهل للمُشْتَرِي الأوَّلِ شُفْعَةٌ علي المُشْتَرِي الثاني؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، له الشُّفْعَةُ؛ لأنَّه شَرِيكٌ، فإنَّ المِلْكَ ثابِتٌ له، يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فيه بجَمِيعِ التَّصرُّفاتِ، ويَسْتَحِقُّ نَماءَه وفوائِدَه، واسْتِحْقاقُ الشُّفْعَةِ به مِن فَوائِدِه. والثاني، لا شُفْعَةَ له؛ لأنَّ مِلْكَه يُؤْخَذُ بها، فلا تُؤخَذُ الشُّفْعَةُ به، ولأنَّ مِلْكَهُ مُتَزَلْزِلٌ ضَعِيفٌ، فلا
стр. 7589
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ به لضَعْفِه. قال شيخُنا (١): والأَوَّلُ أقْيَسُ؛ فإنَّ اسْتِحْقاقَ أخْذِه منه لا يَمْنَعُ أن يَسْتَحِقَّ به الشُّفْعَةَ، كالصَّداقِ قبلَ الدُّخُولِ، والشِّقْصِ المَوْهُوبِ للوَلَدِ (٢). فعلى هذا، للمُشْتَرِي الأوَّلِ الشُّفْعَةُ على المُشْتَرِي الثاني، سَواءٌ أُخِذَ منه المَبِيعُ بالشُّفْعَةِ أو لم يُؤْخَذ، وللبائِعِ الثاني إذا باعَ بعضَ الشِّقْصِ الأَخْذُ مِن المُشْتَرِي الأوَّلِ، في أحَدِ الوَجْهَينِ. فأمّا إن باعَ الشَّفِيعُ مِلْكَه قبلَ عِلْمِه بالبَيعِ الأوَّلِ، فقال القاضي: تَسْقُطُ شُفْعَتُه أيضًا؛ لِما ذَكَرْناه. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ. ولأنَّه زال السَّبَبُ الَّذي يَسْتَحِقُّ به الشُّفْعَةَ، وهو المِلْكُ الَّذي يَخافُ الضَّرَرَ بسَبَبِه، فصارَ كمَن اشْتَرَى مَعِيبًا لا يَعْلَمُ عَيبَه حتَّى زال أو حتَّى باعَه. فعلى هذا، حُكْمُه حُكْمُ ما لو باعَ مع (٣) عِلْمِه، سَواءٌ فيما إذا باعَ جَمِيعَه أو بعضَه. وقال أبو الخَطَّابِ: لا تَسْقُطُ شُفْعَتُه؛ لأنَّها ثَبَتَت له، ولم
стр. 7590
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يُوجَدْ منه رَضًا بتَرْكِها، ولا ما يَدُلُّ على إسْقاطِها، والأصْلُ بَقاؤُها؛ بخِلافِ ما إذا عَلِمَ، فإنَّ بَيعَه دَلِيلٌ على رِضَاه بتَرْكِها. فعلى هذا، للبائِع الثاني أخْذُ الشِّقْصِ مِن المشْتَرِي الأوَّلِ، فإن عَفَا عنه، فللمُشْتَرِي الأوَّلِ أخْذُ الشِّقْصِ مِن المُشْتَرِي الثاني. وإن أخَذَ منه، فهل للمُشْتَرِي الأوَّلِ (١) الأَخْذُ مِن الثاني؛ على وَجْهَين؛ أوْلَاهما، أنَّ له الأَخْذَ؛ لأنَّ مِلْكَه كان ثابِتًا حال البَيعِ ولم يُوجَدْ منه ما يَمْنَعُ ذلك.
стр. 7591
وَإنْ مَاتَ الشَّفِيعُ بَطَلَتِ الشُّفْعَةُ إلا أنْ يَمُوتَ بَعْدَ طَلَبِهَا، فَتَكُونَ لِوَارِثِهِ.
ــ
٢٤١٨ - مسألة: (وَإنْ مَاتَ الشَّفِيعُ بَطَلَتِ الشُّفْعَةُ إلا أنْ يَمُوتَ بَعْدَ طَلَبِهَا، فَتَكُونَ لِوَارِثِهِ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الشَّفِيعَ إذا ماتَ قبلَ الأخْذِ بالشُّفْعَةِ، فإن كان قبلَ الطَّلَبِ بها، سَقَطَتْ، ولا يَنْتَقِلُ إلى الوَرَثَةِ. قال أحمدُ: الموتُ يَبْطُلُ به ثلاثةُ أشْياءَ؛ الشُّفْعَةُ، والحَدُّ إذا ماتَ المَقْذُوفُ، والخِيارُ إذا ماتَ الَّذي اشْتَرَطَ الخِيَارَ، لم يَكُنْ للوَرَثَةِ هذه الثلاثةُ أشياء (١)، إنَّما هي بالطَّلَبِ، فإذا لم يَطْلُبْ، فليس تَجِبُ، إلَّا أن يُشْهِدَ أنِّي على حَقِّي مِن كذا وكذا، وأنِّي قد طَلَبْتُه. فإن ماتَ بعدَه، كان لوارِثِه الطَّلَبُ به. رُوِيَ سُقُوطُ الشُّفْعَةِ بالمَوْتِ عن الحَسَنِ، وابنِ
стр. 7592
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سِيرِينَ، والشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ. وبه قال الثَّوْرِيُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْي. وقال مالكٌ، والشافعيُّ، والعَنْبَرِيُّ: يُورَثُ. قال أبو الخَطَّابِ: ويَتَخَرَّجُ لنا مثلُ ذلك؛ لأنَّه خِيَارٌ ثابِتٌ لدَفْعِ الضَّرَرِ عن المالِ، فيُورَثُ، كخِيارِ الرَّدِّ بالعَيبِ. ولَنا، أنَّه حَقُّ فَسْخٍ ثَبَت لا لفواتِ جُزْءٍ، فلم يُورَثْ، كالرُّجُوعِ في الهِبَةِ، ولأنّه نوْعُ خِيَارٍ جُعِل للتَّمْلِيكِ، أشْبَهَ خِيارَ القَبُولِ، فأمّا خِيارُ الردِّ بالعَيبِ، فإنَّه لاسْتِدْراكِ جُزْءٍ فاتَ مِن المَبِيعِ.
فصل: فإن ماتَ بعدَ طَلَب الشُّفْعَةِ، انْتَقَلَ حَقُّ المُطالبَةِ بالشُّفْعَةِ إلى الوَرَثةِ، قَوْلًا واحِدًا. ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ. وقد ذَكَرْنا نَصَّ أحمدَ عليه؛ لأنَّ الحَقَّ يَتَقَررُ بالطَّلَبِ، ولذلك لا يَسْقُطُ بتَأْخِيرِ الأَخذِ (١) بعدَه، وقبلَه يَسْقُطُ. وقال القاضي: يَصِيرُ الشِّقْصُ مِلْكًا للشَّفِيعِ بنَفْسِ المُطالبَةِ. والأوَّلُ أصَحُّ، فإنَّه لو صارَ مِلْكًا للشَّفِيعِ، لم يَصِحَّ العَفْوُ عن الشُّفْعَةِ بعدَ طَلَبِها، كما لا يَصِحُّ العَفْوُ عنها بعدَ الأخذِ بها. فإذا ثَبَت هذا، فإنَّ الحَقَّ يَنْتَقِلُ إلى جَمِيعِ الوَرَثَةِ على قَدْرِ إرْثهم؛ لأنَّه حَقٌّ مالِيٌّ مَوْرُوثٌ،
стр. 7593
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فيَنْتَقِلُ إلى الجَمِيعِ، كسائِرِ الحقُوقِ الماليةِ، وسَواءٌ قُلْنا: الشُّفْعَةُ على قَدْرِ الأمْلاكِ. أو: على عَدَدِ الرُّءُوسِ. لأنَّ هذا يَنْتَقِلُ إليهم مِن مَوْرُوثِهم. فإن تَرَك بعضُ الوَرَثَةِ حَقَّه، تَوَفَّرَ الحَقُّ على باقِي الوَرَثَةِ، ولم يَكُنْ لهم إلَّا أن يَأْخُذُوا الكُلَّ، أو يَتْرُكُوا كالشُّفَعاءِ إذا عَفَا بعضُهم عن شُفْعَتِه، لأنَّا لو جَوَّزْنا أخْذَ بعضِ الشِّقْصِ، لتَشَقَّصَ المَبِيعُ وتَبَعَّضَت الصَّفْقَةُ على المُشْتَرِي، وهذا ضَرَرٌ في حَقِّه.
فصل: وإن أشْهَدَ الشَّفِيعُ على مُطالبَتِه بها للعُذْرِ، ثم ماتَ، لم تَبْطُلْ، وللوَرَثَةِ المُطالبَةُ بها. نَصَّ عليه أحمدُ، لأنَّ الإِشْهادَ على الطَّلَبِ عندَ العَجْزِ عنه يَقُومُ مَقامَه، فلم تَسْقُطِ الشُّفْعَةُ بالمَوْتِ بعدَه، كنَفْسِ الطَّلَبِ.
فصل: وإذا بِيعَ شِقْصٌ له شَفِيعان، فعَفَا عنها أحَدُهما وطالبَ بها الآخَرُ، ثم ماتَ الطالِبُ، فوَرِثَه العافِي، فله أخْذُ الشِّقْصِ بها؛ لأنَّه وارِثٌ لشَفِيعٍ مُطالِبٍ بالشُّفْعَةِ، فمَلَكَ الأخْذَ بها، كالأجْنَبِيِّ. وكذلك لو قَذَفَ رجلٌ أُمَّهُما وهي مَيِّتَةٌ، فعَفا أحَدُهما وطَلَب الآخَرُ، ثم ماتَ الطالِبُ، فوَرِثَه العافِي، ثَبَت له اسْتِيفاؤُه بالنِّيابَةِ عن أخِيه المَيِّتِ، إذا قُلْنا بوُجُوبِ الحَدِّ بقَذفِها.
стр. 7594
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ولو ماتَ مُفْلِسٌ وله شِقْصٌ، فباعَ شَرِيكُه، كان لوَرَثَتِه الشُّفْعَةُ. وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ. وقال أبو حنيفةَ: لا شُفْعَةَ لهم؛ لأنَّ الحَقَّ انْتَقَلَ إلى الغُرَماءِ. ولَنا، أنَّه بَيعٌ في شَرِكَةِ ما خَلَّفَه مَوْرُوثُهُم مِن (١) شِقْصٍ، فكان لهم المُطالبَةُ بشُفْعَتِه، كغيرِ المُفْلِسِ. ولا نُسَلِّمُ أنَّ التَّرِكَةَ انْتَقَلَتْ إلى الغُرماءِ، بل هي للوَرَثَةِ، بدَلِيلِ أنَّها لو نَمَتْ أو زادَ ثَمَنُها، لحُسِبَ على الغُرَماءِ في قَضَاءِ دُيُونِهم، وإنَّما تَعَلَّقَ حَقُّهُم به، فلم يَمْنَع ذلك مِن الشُّفْعَةِ، كما لو كان لرجل شِقْصٌ مَرْهُونٌ، فباعَ شَرِيكُه، فإنَّه يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ به. ولو كانت للمَيِّتِ دارٌ، فبِيعَ بعضُها في قَضاءِ دَينِه، لم يَكُنْ للوَرَثَةِ شُفْعَةٌ؛ لأنَّ البَيعَ يَقَعُ لهم، فلا يَسْتَحِقُّونَ الشُّفْعَةَ على أنْفُسِهم. ولو كان الوارِثُ شَرِيكًا للمَوْرُوثِ فباعَ نَصِيبَ المَوْرُوثِ في دَينِه، فلا شُفْعَةَ أيضًا؛ لأنَّ نَصِيبَ المَوْرُوثِ انْتَقَلَ بمَوْتِه إلى الوارِثِ، فإذا بِيعَ، فقد بِيعَ مِلْكُه، فلا يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ على نَفْسِه.
стр. 7595
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ولو اشْتَرَى شِقْصًا مَشْفُوعًا، ووَصَّى به، ثم ماتَ، فللشَّفِيعٍ أخْذُه بالشُّفْعَةِ؛ لأنَّ حَقَّه أسْبَقُ مِن حَقِّ المُوصَى له، فإذا أخَذَه، دَفع الثَّمَنَ إلى الوَرَثَةِ، وبَطَلَتِ الوَصِيَّةُ؛ لأنَّ المُوصَى به ذَهَب، فبَطَلَتِ الوَصِيَّةُ به، كما لو تَلِفَ، ولا يَسْتَحِقُّ المُوصَى له بَدَلَه؛ لأنَّه لم يُوصَ له إلَّا بالشِّقْصِ، وقد فاتَ بأَخْذِه. ولو وَصَّى رجلٌ لإِنسانٍ بشِقصٍ، ثم ماتَ، فبِيعَ في شَرِكَتِه شَقْصٌ قبلَ قَبُولِ المُوصَى له، فالشُّفْعَةُ للوَرَثَةِ في الصَّحِيح؛ لأنَّ المُوصَى به لا يَصيرُ للمُوصَى له إلَّا بعدَ القَبُولِ، ولمِ يُوجَدْ، فيكونُ باقِيًا على مِلْكِ الوَرَثَةِ ويَحْتَمِلُ أن يكون للمُوصَى له (١)، إذا قُلْنا: إنَّ المِلْكَ يَنْتَقِل إليه بمُجَرَّدِ المَوْتِ. فإذا قَبِلَ الوَصِيَّةَ اسْتَحَقَّ المُطالبَةَ؛ لأنَّا تَبَيَّنَا أنَّ المِلْكَ كان له، فكان المَبِيعُ في شَرِكَتِه. ولا يَسْتَحِقُّ المُطالبَةَ قبلَ القَبُولِ، لأنَّا لا نَعْلَمُ أنَّ المِلْكَ له قبلَ القَبُولِ، وإنَّما يَتَبَيَّنُ ذلك بقَبُولِه، فإن قَبِل تَبَيَّنَا أنَّه كان له، وإن رَدَّ تَبَيَّنَا أنَّه كان للوَرَثَةِ، ولا يَسْتَحِقُّ الوَرَثَةُ المُطالبَةَ أيضًا؛ لذلك. ويَحْتَمِلُ أنَّ لهم المُطالبَةَ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ القَبُولِ وبَقاءُ الحَقِّ لهم. ويُفارِقُ المُوصَى له مِن وَجْهَين؛ أحَدُهما، أنَّ الأصْلَ عَدَمُ القَبُولِ منه. والثاني، أنَّه يُمْكِنُه
стр. 7596
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أن يَقْبَلَ ثم يُطالِبَ، بخِلافِ الوارِثِ؛ فإنَّه لا سَبِيلَ له إلى فِعْلِ ما يَعْلَمُ به ثُبُوتَ المِلْكِ له أو لغيرِه. فإذَا طالبوا ثم قَبلَ الوَصِيُّ الوَصِيَّةَ، كانتِ الشُّفْعَةُ له، ويَفْتَقِرُ إلى الطَّلَبِ منه؛ لأنَّ الطَّلَبَ الأوَّلَ تَبَيَّنَ أنَّه مِن غيرِ، المُسْتَحِقِّ. وإن قُلْنا بالرِّوايَةِ الأُولَى، فطالبَ الوَرَثَةُ بالشُّفْعَةِ، فلهم الأَخْذُ بها، وإذا قَبِلَ (١) الوَصِيُّ أخْذَ الشِّقْصِ المُوصَى به دُونَ الشِّقْصِ المَشْفُوعِ؛ لأنَّ الشِّقْصَ المُوصَى به إنَّما انْتَقَلَ إليه بعدَ الأخْذِ بشُفْعَتِه، فأشْبَهَ ما لو أخَذَ بها المُوصِي في حَياتِه. وإن لم يُطالِبُوا بالشُّفْعَةِ حتَّى قَبِلَ المُوصَى له، فلا شُفْعَةَ له؛ لأنَّ البَيعَ وَقَع قبلَ ثُبُوتِ المِلْكِ له وحُصُولِ شَرِكَتِه. وفي ثُبُوتِها للوَرَثَةِ وَجْهانِ، بِنَاءً على ما لو باعَ الشَّفِيعُ نَصِيبَه قبلَ عِلْمِه بِبَيعِ شَرِيكِه.
فصل: ولو اشْترَى رجلٌ شِقْصًا ثم ارْتَدَّ، فقُتِلَ أَوْ ماتَ، فللشَّفِيعِ أخْذُه بالشُّفْعَةِ؛ لأنَّها وَجَبَتْ بالشِّراءِ، وانْتِقالُه إلى المُسْلِمِين بقَتْلِه أو مَوْتِه لا يَمْنَعُ الشُّفْعَةَ، كما لو ماتَ على الإسْلامِ فوَرِثَه وَرَثَتُه، أو صار مالُه لبَيتِ المَالِ لعَدَمِ وَرَثَتِه، والمُطالِبُ بالشُّفْعَةِ وَكِيلُ بَيتِ المالِ.
стр. 7597
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإذا اشْتَرَى المُرْتَدُّ شِقْصًا، فتَصَرُّفُه مَوْقُوفٌ، فإنْ قُتِلَ على رِدَّتِه أو ماتَ عليها، تَبَيَّنَا أنَّ شِراءَه باطِلٌ، ولا شُفْعَةَ فيه، وإن أسْلَمَ، تَبَيَّنَا صِحَّتَه وثُبُوتَ الشُّفْعَةِ فيه. وقال أبو بكرٍ: تَصَرُّفُه غيرُ صَحِيح في الحالين؛ لأنَّ مِلْكَه يَزُولُ برِدَّتِه، فإذا أسْلَمَ عادَ إليه تَمْلِيكًا مُسْتَأْنَفًا. وقال الشافعيُّ، وأبو يُوسُفَ: تَصَرُّفُه صَحِيحٌ في الحالينِ، وتَجِبُ الشُّفْعَةُ [فيه. ومَبْنَى الشُّفْعَةِ] (١) ههُنا على صِحَّةِ تصَرُّفِ المُرْتَدِّ، ويُذْكَرُ في غيرِ هذا المَوْضِعِ. وإن بِيعَ شِقْصٌ في شَرِكَةِ المُرْتَدِّ، وكان المُشْتَرِي كافِرًا، فأَخذَه بالشُّفْعَةِ، انْبَنَى على ذلك أيضًا؛ لأنَّ أخْذَه بالشُّفْعَةِ شِرَاءٌ للشِّقْصِ مِن المُشْتَرِي، فأشْبَهَ شِراءَه لغيرِه. وإن ارْتَدَّ الشَّفِيعُ المُسْلِمُ، وقُتِلَ، بالرِّدَّةِ أو ماتَ عليها، انْتَقَلَ مالُه إلى المسْلِمِينَ فإن كان طالبَ بالشُّفْعَةِ، انْتَقَلَتْ أيضًا إلى المسْلِمِين، يَنْظُرُ فيها الإِمامُ أو نَائِبُه. وإن قُتِلِ أو مات قَبْلَ طَلَبِها، بَطَلَتْ شُفْعَتُه، كما لو ماتَ على إسْلامِه. ولو مات، الشَّفِيعُ المُسْلِمُ ولم يُخَلِّفْ وارِثًا سِوَى بَيتِ المالِ، انْتَقَلَ نَصِيبُه إلى المُسْلِمِينَ إن ماتَ بعدَ الطَّلَبِ، وإلَّا فلا.
стр. 7598
فَصْلٌ: وَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ بِالثَّمَنِ الَّذِي وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَيهِ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ أوْ عَنْ بَعْضِهِ، سَقَطَتْ شُفعَتُهُ.
ــ
فصل: قال، ﵀: (ويَأْخُذُ الشَّفِيعُ بالثَّمَنِ الَّذي وَقَعَ عليه العَقْدُ، فإن عَجَز عنه أو عن بَعْضِه، سَقَطَتْ شُفْعَتُه) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُ الشِّقْصَ مِن المُشْتَرِي بالثَّمَنِ الَّذي اسْتَقَرَّ عليه العَقْدُ؛ لِما
стр. 7599
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
رُوِيَ في حَدِيثِ جابِرٍ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «هُوَ أحَقُّ بِهِ بالثَّمَنَ» (١). رَواه الجُوزْجَانِيُّ في «كِتابِه». ولأنَّ الشَّفِيعَ إنَّما اسْتَحَقَّ الشِّقْصَ بالبَيعِ، فكان مُسْتَحِقًّا له بالثَّمَنِ، كالمُشْتَرِي. فإن قِيلَ: إنَّ الشَّفِيعَ اسْتَحَقَّ أخْذَه بغيرِ رِضا مالِكِه، فيَنْبَغِي أن يَأْخُذَه بقِيمَتِه، كالمُضْطَرِّ يَأْخُذُ طَعامَ غيرِه. قُلْنا: المُضْطَرُّ اسْتَحَقَّ أخْذَه بسَبَبِ حاجَةٍ خاصَّةٍ، فكانَ المَرْجِعُ في بَدَلِه إلى قِيمَتِه، والشَّفِيعُ اسْتَحَقَّه لأجْلِ البَيعِ. ولهذا لو انْتَقَلَ بهِبَةٍ أو مِيراثٍ، لم يَسْتَحِقَّ الشُّفْعَةَ، وإذا اسْتَحَقَّ ذلك بالبَيعِ، وَجَب أن يكونَ بالعِوَضِ الثابِتِ بالبَيعِ. إذا ثَبَت هذا، فإنَّنا نَنْظُرُ في الثَّمَنِ، فإن كان دَرَاهِمَ أو دَنانِيرَ، أعْطاه الشَّفِيعُ مِثْلَه.
стр. 7600
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ولا يَأْخُذُ بالشُّفْعَةِ مَن لا يَقْدِرُ على الثَّمَنِ؛ لأنَّ في أَخْذِه بدُونِ دَفْعِ الثَّمَنِ إضْرارًا بالمُشْتَرِي، ولا يُزالُ الضَّرَرُ بالضَّرَرِ، فإن أحْضَرَ رَهْنًا أو ضَمِينًا، لم يَلْزَمِ المُشْتَرِيَ قَبُولُه؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا في تَأْخِيرِ الثَّمَنِ، فلم يَلْزَمِ المُشْتَرِيَ ذلك، كما لو أرادَ تَأْخِيرِ ثَمَنٍ حالٍّ. وإنْ بَذَل عِوَضًا عن الثَّمَنِ، لم يَلْزَمْه قَبُولُه؛ لأنَّها مُعاوَضَةٌ، فلم يُجْبَرْ عليها. وإذا أخَذَ بالشُّفْعَةِ، لم يَلْزَمِ المُشْتَرِيَ تَسْلِيمُ الشِّقْصِ حتَّى يَقْبِضَ الثَّمَنَ، فإن كان مَوْجُودًا سَلَّمَه، وإن تَعَذَّرَ في الحالِ، فقال أحمدُ، في رِوايَةِ حَرْبٍ: يُنْظَرُ الشَّفِيعُ يَوْمًا أو يَوْمَين، بقَدْرِ ما يَرَى الحاكِمُ، فإذا كان أكَثَر، فلا. وهذا قولُ مالكٍ. وقال، ابن شُبْرُمَةَ، وأصحابُ الشافعيِّ: يُنْظَرُ ثَلاثًا؛ لأنَّها آخِرُ حَدِّ القِلَّةِ، فإن أحْضَرَ الثَّمَنَ، وإلَّا فَسَخ عليه. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُه: لا يَأْخُذُ بالشُّفْعَةِ، ولا يَقْضي القاضِي بها حتَّى يُحْضِرَ الثَّمَنَ؛ لأنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُ الشِّقْصَ بغيرِ اخْتِيارِ المُشْتَرِي، فلا يَسْتَحِقُّ. ذلك إلَّا بإحْضارِ عِوَضِه، كتَسْلِيمِ المَبِيعِ. ولَنا، أنَّه تَمَلّكٌ للمَبِيعِ بعِوَضٍ،