. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
لوَجْهَين؛ أحَدُهما، أنَّه لو أرادَ الحَيضَ لكان أمْرًا باعْتِزالِ النِّساء في مدَّةِ الحَيْضِ بالكُلِّيَّةِ، ولا قائِلَ به. الثاني، أنَّ سَبَبَ نزولِ الآية، أنَّ اليَهُودَ كانوا إذا حاضَتِ المرأةُ اعْتَزَلُوها، فلم يُؤاكِلُوها ولم يُشارِبُوها، ولم يَجْتَمِعوا معها في البَيتِ، فسأل أصحابُ النبيِّ ﷺ النبيَّ ﷺ عن ذلك، فنَزَلَتْ هذه الآيَةُ، فقال النبيُّ ﷺ : «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ غَيرَ النِّكَاحِ». رَواه مسلمٌ (١). وهذا تَفْسِير لمُرادِ اللهِ تعالى؛ لأنَّه لا تَتَحَقَّق مُخالفَةُ اليهودِ بإرادَةِ الحَيضِ؛ لأنَّه يكُونُ مُوافِقًا لهم، ومِن السُّنَّةِ هذا الحديثُ. وعن عِكْرِمَةَ، عن بعْضِ أزواجِ رسولِ اللهِ ﷺ ، أنه كان إذا أرادَ مِن الحائِضِ شَيئًا أَلْقَى على فرْجِها خِرقَةً. رَواه أبو داودَ (٢). ولأنَّه وَطْءٌ مُنِع للأذَى، فاخْتَصَّ بمَحَلِّه كالدُّبُرِ، وحديثُ عائِشَةَ ليس فيه دَلِيلٌ على تَحْرِيمِ ما تحتَ الإِزارِ، فإنَّ النبيَّ ﷺ قد يَتْرُكُ بعضَ المُباحِ تَقَذُّرًا، كتَرْكِه أكْلَ الضَّبِّ، والحديثُ الآخَر يَدُلُّ بالمَفْهُومِ، والمَنْطُوقُ راجِحٌ عليه.
стр. 772
فَإِنْ وَطِئَهَا في الْفَرْجِ فَعَلَيهِ نِصْف دِينَارٍ كَفَّارَةً. وعَنْهُ، لَيسَ عَلَيهِ إلا التَّوْبَةُ.
ــ
٢١٨ - مسألة: (فإن وَطِئَها في الفَرْجِ، فعليه نِصْفُ دِينارٍ كَفّارَةً. وعنه، ليس عليه إلَّا التَّوْبَةُ) اخْتَلَفَتِ الروايَةُ في وُجُوبِ الكَفَّارَةِ بوَطْءِ الحائِضِ في الفَرْجِ؛ فرُويَ عنه، أنّ عليه الكَفّارَةَ. وهو المَشْهُورُ في المذهبِ؛ لِما روَى ابنُ عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ في الذي يَأْتِي امْرَاتُه وهي حائِضٌ، قال: «يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ أوْ نِصْفِ دِينَارٍ». رَواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ والنّسائِيُّ (١). والثانيةُ، لا كَفّارَةَ عليه. وهو قولُ مالكٍ، وأبي حنيفة، وأكْثَرِ أهلِ العلمِ. وللشافعيِّ قَوْلان
стр. 773
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كالمَذْهَبَين؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «مَنْ أَتى حَائِضًا أو امْرَأَةً في دُبُرِهَا، أو كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ ». رَواه ابنُ ماجَه (١). ولم يَذْكُرْ كَفّارَةً، إلَّا أنَّ البُخارِي ضَعَّفَ هذا الحديثَ. حَكاه التِّرْمِذِيُّ (٢). ولأنَّه وَطْءٌ نُهِيَ عنه لأجْلِ الأذَى، أشْبَهَ الوَطْءَ في الدُّبُرِ. وحديثُ الكَفّارَةِ مَدارُه على عبدِ الحميدِ بنِ زَيدِ بنِ الخَطّابِ، وقد قِيلَ لأحمدَ: في نَفْسِك منه شيءٌ؟ قال: نعم. وقال: لو صَحَّ ذلك الحديثُ كُنّا نَرَى عليه الكَفّارَةَ. وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه قال: إن كانت له مَقْدِرَةٌ تَصَدَّقَ بما رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ . وكَلامُه هذا يَدُلُّ على أنَّ المُعْسِرَ لا شيءَ عليه. قال أبو عبدِ اللهِ بنُ حامِدٍ: كَفّارَةُ وَطْءِ الحائِضِ تَسْقُطُ بالعَجْزِ عنها، أو عن بَعْضِها، ككَفَّارَةِ الوَطْءِ في رمضانَ.
стр. 774
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وظاهِرُ المذهبِ في الكَفَّارَةِ، أنَّها دِينارٌ، أو نِصْفُ دينارٍ، على وَجْهِ التَّخْيِيرِ. يُرْوَى ذلك عن ابنِ عباسٍ؛ لظاهِرِ الحديثِ. قال أبو داودَ: هكذا الرِّوايَةُ الصَّحِيحَةُ. قال: دِينارٌ أو نصفُ (١) دينارٍ. ولأنَّه مَعْنًى تَجِبُ الكَفّارَةُ بالوَطْءِ فيه، فاسْتَوَى الحالُ فيه بينَ إقْبالِه وإدْبارِه، كالإِحْرامِ. وعنه: إن كان الدَّمُ أحْمَرَ فدِينارُ، وإنْ كان أصفرَ فنِصْفُ دينارٍ. وهو قولُ إسحاقَ؛ لِما روَى ابنُ عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: «إنْ كَانَ دَمًا أحْمَرَ فَدِينَارٌ، وَإنْ كَانَ دَمًا أصْفَرَ فَنِصْفُ دِينَارٍ». رواه أبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ (٢). إلَّا أنَّ أبا داودَ قال: هو مَوْقُوف مِن قولِ ابنِ عباسٍ (٣). والأوَّلُ أوْلَى؛ لِما ذَكَرْنا، فإن قِيل: فكيفَ يُخَيَّرُ بينَ شيءٍ ونِصْفِه؟ قُلْنا: كما خُير المُسافِرُ بينَ القَصْرِ والإتْمامِ.
стр. 775
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: فإن وَطِئَها بعدَ الطُّهْرِ، قبلَ الغُسْلِ، فلا كَفّارَةَ عليه. وقال قَتادَةُ، والأوْزاعِيُّ: عليه نِصْفُ دِينارٍ؛ لأنَّه حُكْمٌ تَعَلَّقَ بالوَطْء في الحَيضِ، فلم يَزُلْ إلا بالغُسْلِ، كالتَّحْرِيمِ. ولَنا، أنَّ وُجوبَ الكَفَّارَةِ مِن الشِّرْعِ، ولم يَرِدْ بذلك إلَّا في الحائِضِ، وقِياسُهم يَبْطُل بما لو حَلَف لا يَطَأُ حائِضًا، فإنَّه يَحْنَثُ بالوَطْءِ في الحَيضِ، ولا يَحْنَثُ بالوَطْءِ قبلَ الغُسْلِ.
стр. 776
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وهل تَجِبُ الكَفّارَةُ على الجاهِلِ والنّاسِي؟ على وَجْهَين؛ أحَدُهما، تَجِبُ؛ لعُمُومِ الخَبَرِ، وقِياسًا على الوَطْء في الإحْرامِ. والثاني، لا تَجِبُ؛ لقَوْلِه ﵇: «عُفِيَ لأُمَّتِي عَنِ الخَطَأ والنِّسْيانِ» (١). ولأنَّها وَجَبَتْ لمَحْو الإِثْمِ، فأشْبَهَتْ كَفّارَةَ اليَمِينِ. فإن وَطِئ طاهِرًا، فحاضَتْ في أثْناءِ وَطْئِه، لم تَجِبْ عليه الكَفَّارَةُ على الوَجْهِ الثاني، وتَجِبُ على الأوَّلِ، وهو قولُ ابنِ حامِدٍ. وإن وَطِئ الصَّبِيُّ لَزِمَتْه الكَفّارَةُ عندَ ابنِ حامِدٍ؛ لعُمُومِ الخَبَرِ، وكالوَطْءِ في الإحْرامِ.
قال شَيخُنا (٢): ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَه؛ لأنَّها مِن فُرُوعِ التَّكْلِيفِ، وهو غيرُه مُكَلَّفٍ.
стр. 777
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وتَجِبُ الكَفّارَةُ على المرأةِ في المَنْصُوصِ؛ لأنَّه وَطْءٌ يُوجِبُ الكَفّارَةَ، فأوْجَبَها على المرأةِ، كالوَطْءِ في الإِحْرامِ. وقال القاضي: فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا تَجِبُ؛ لأنَّ الوُجُوبَ مِن الشَّرْعِ، ولم يَرِدْ. فإن كانت مُكْرَهَةً أو غيرَ عالِمَةٍ، فلا كَفّارَةَ عليها، لقَوْلِه ﷺ : «عُفِيَ لأمَّتِي عَنِ الخَطَأ والنِّسْيَانِ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ». وحُكْمُ النُّفَساءِ حُكْمُ الحائِضِ في ذلك؛ لأنَّها في مَعْناها. ويُجْزِيء نِصْفُ دِينارٍ مِن أيِّ ذَهَبٍ كان، إذا كان صافِيًا، ويَسْتَوى التِّبْرُ والمَضْرُوبُ؛ لوُقُوعِ الاسْمِ عليه.
وَأَقَلُّ سِنٍّ تَحِيضُ لَهُ الْمَرْأَةُ تِسْعُ سِنِينَ،
ــ
٢١٩ - مسألة: (وأقَلُّ سِنٍّ تَحِيضُ له المرأةُ تِسْعُ سِنِينَ) هذه المسألةُ تَشْتَمِلُ على أمْرَين؛ أحَدُهما، أنَّ الصَّغِيرَةَ إذا رَأَتْ دَمًا لدُونِ تِسْعِ سِنِينَ،
стр. 780
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فليس بحَيضٍ. لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا في المذهبِ؛ لأنَّ الصغيرةَ لا تَحِيضُ، لقَوْلِه سبحانه: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾. ولأنَّ المَرْجِعَ فيه إلى الوُجُودِ، ولم يُوجَدْ مِن النِّساءِ مَن تَحِيضُ عادَةً فيما دُونَ هذه السِّنِّ، ولأنَّ الله سبحانَه خَلَق دَمَ الحَيضِ لحِكْمَةِ تَرْبِيَةِ الوَلَدِ، وهذه لا تَصْلُحُ للحَمْلِ، فلا تُوجَدُ فيها حِكْمَتُه، فيَنْتَفِيَ لانْتِفاءِ حِكْمَتِه. الأمْرُ الثاني، أنَّها إذا رَأتْ دَمًا يَصْلُحُ أن يكُونَ حَيضًا، ولها تِسْعُ سِنِينَ، حُكِمَ بكَوْنِه حَيضًا، وحُكِم ببُلُوغِها، وثَبَت في حَقِّها أحْكامُ الحَيضِ كلُّها؛ لأنَّه رُوِيَ عن عائشةَ، أنَّها قالت: إذا بَلَغَتِ الجارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ فهي امرأةٌ (١). ورُوي ذلك مَرْفُوعًا مِن رِوايَةِ ابنِ عُمَرَ. والمُرادُ به؛ حُكْمُها حُكْمُ المرأةِ. وذَكَر ابنُ عَقِيلٍ، أنَّ نِساءَ تِهامَةَ يَحِضْنَ لتِسْعِ سِنِينَ. وهذا قولُ الشافعيِّ. وقد حُكِي عنه،
стр. 781
وَأَكْثَرُهُ خَمْسُونَ سَنَةً. وَعَنْهُ، سِتُّونَ في نِسَاءِ الْعَرَبِ.
ــ
أنَّه قال: رَأَيتُ جَدَّةً بنْتَ إحْدَى وعشْرينَ سَنَةً. وهذا يَدُلُّ على أنَّها حَمَلَتْ لدُونِ عَشْرِ سنينَ، وكذلك بنتُها. وحكَى المَيمُونِيُّ، عن أحمدَ، في بنتِ عَشْرٍ رَأَت الدَّمَ، قال ليس بحَيضٍ. قال القاضي: فيَجِبُ على هذا أن يُقال: أوَّل زَمَنٍ يَصِحُّ فيه وُجُودُ الحَيضِ عَشْرَةَ سنةً، لأنَّه الزَّمانُ الذي يَصِحُّ فيه بُلُوغُ الغُلامِ. والأوَّلُ أصَحُّ.
٢٢٠ - مسألة؛ قال: (وأكثَرُه خَمْسُونَ سَنَةً. وعنه: سِتُّونَ في نِساءِ العَرَبِ) اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في حَدِّ السِّنِّ الذي تَيأسُ فيه المرأةُ مِن الحَيضِ؛ فرُوِي عنه أنَّه خَمْسُونَ سَنَةً. وهذا قولُ إسحاقَ. ويكُونُ حُكْمُها فيما تَراه مِن الدَّمِ بعدَ الخَمْسِينَ حُكْمَ المُسْتَحاضَةِ، لأنَّ
стр. 782
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عائِشَةَ، ﵂، قالت: إذا بَلَغَتْ خَمْسِينَ سَنَةً خَرَجَتْ مِن حَدِّ الحَيضِ. ورُوي عنها أنَّها قالت: لن تَرَى المرأةُ في بَطْنِها ولدًا بعدَ الخَمْسِين. ورُوي عنه (١)، أنَّها لا تَيأسُ مِن الحَيضِ يَقِينًا إلى سِتِّينَ سَنَةً، وما تَراه فيما بينَ الخَمْسِين والستِّيِّن حَيضٌ مَشْكُوكٌ فيه، لا تَتْرُكُ الصلاةَ ولا الصومَ؛ لأنَّ وُجُوبَهما مُتَيَقَّنٌ، فلا يَسْقُطُ بالشَّكِّ. وتَقْضِي الصومَ المَفْرُوض احْتِياطًا؛ لأنَّه واجبٌ في ذِمَّتِها بيَقِينٍ، فلا يَسْقُطُ بأمْرٍ مَشْكُوكٍ فيه. هكذا رَواه الخِرَقِيُّ. ورُوي عنه، أنَّ نِساءَ العَجَمِ تَيأسُ في خَمْسِين، ونساءَ قُرَيشٍ وغيرِهم مِن العَرَبِ إلى سِتِّين. وهذا قولُ أهلِ المَدِينَةِ؛ لأنَّهُنَّ أقْوَى جبلَّةً. وروَى الزُّبَيرُ بنُ بَكّارٍ (٢)، في كتابِ «النَّسَبِ» عن بعضِهم، أَنَّه قال: لا تَلِدُ لخَمْسِين سَنَةً إلَّا عَرَبِيَّةٌ، ولا تَلِدُ لسِتِّين إلَّا قُرَشِيَّةٌ. وقال: إنَّ هِنْدَ بِنْتَ أبي عُبَيدَةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ زَمْعَةَ،
стр. 783
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَلَدَتْ موسى بنَ عبدِ اللهِ بنِ حسنِ بنِ عليِّ بنِ أبي طالِبٍ، ولها سِتُّونَ. قال أحمدُ، في امرأةٍ مِن العَرَبِ رَأتِ الدَّمَ بعدَ الخَمْسِين: إن عاوَدَها مَرَّتَين أو ثلاثًا فهو حَيضٌ. وذلك لأنَّ المَرْجِعَ في ذلك إلى الوُجُودِ، وقد وُجِدَ حَيضٌ مِن نِساءٍ ثِقاتٍ أخْبَرْنَ عن أنْفُسِهِنَّ بعدَ الخَمْسِين، فأشْبَهَ ما قبلَ الخَمْسين؛ لأنَّ الكَلامَ فيما إذا وُجِدَ مِن المرأةِ دَمٌ في زَمَنِ عادَتِها بعدَ الخَمْسِين، كما كانت تَراه قبْلَها. قال شيخُنا (١): والصَّحِيحُ أنَّه لا فَرْقَ بينَ نِساءِ العَرَبِ وغيرِهِنَّ؛ لأنَّهُنَّ سَواء في سائِرِ أحْكامِ الحَيضِ، كذلك هذا، وما ذُكِر عن عائشةَ لا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّ الحَيضَ أمْرٌ حَقِيقِيٌّ، المَرْجِعُ فيه إلى الوُجُودِ، وقد وُجِدَ بخِلافِ ما قالت، على ما حَكاه الزُّبَيرُ بنُ بَكّارٍ. وإن قِيلَ: هذا الدَّمُ ليس بحَيضٍ. مع كَوْنِه على صِفَته وفي وَقْتِه وعادَتِه، بغيرِ نَصٍّ، فهو تَحَكُّمٌ. فأمّا بعدَ السِّتِّين، فلا خِلافَ في المذهبِ أنَّه ليس بحَيضٍ؛ لأنَّه لم يُوجَدْ، وقد عُلِم أنَّ للمرأةِ حالًا تَيأسُ فيه مِن الحَيضِ؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾. قال أحمدُ في المرأةِ
стр. 784
وَالحَامِلُ لَا تَحِيضُ.
ــ
الكبيرةِ تَرَى الدَّمَ: هو بمَنْزِلَةِ الجُرْحِ. وقال عَطاءٌ: هي بمَنْزِلَةِ المُسْتَحاضَةِ. وذلك لأنَّ هذا الدَّمَ إذا لم يَكُنْ حَيضًا، فهو دَمُ فَسادٍ، حُكْمُه حُكْمُ دَمِ الاسْتِحاضَةِ ومَن به سَلَسُ البَوْلِ، وسنَذْكُرُه فيما بعدُ، إن شاء اللهُ تعالى.
٢٢١ - مسألة: (والحامِلُ لا تَحِيضُ) فإن رَأتْ دَمًا، فهو دَمُ فَسادٍ. وهذا قولُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعَطاءٍ، والحسنِ، وعِكْرِمَةَ، والشَّعْبِيِّ، وحَمّادٍ، والثَّوْرِي، والأوْزاعِي، وأبي حنيفةَ، وابنِ المُنْذِرِ،
стр. 785
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأبي عُبَيدٍ. ورُوي عن عائِشةَ. والصحيحُ عنها، أنَّها إذا رَأتِ الدَّمَ لا تُصَلِّي. وقال مالكٌ، والشافعيُّ، واللَّيثُ: ما تَراه مِن الدَّمِ حَيضٌ إذا أمْكَن. ورُوي ذلك عن الزُّهْرِيِّ، وقَتادَةَ، وإسحاقَ؛ لأنَّه دَمٌ صادَفَ العادَةَ فكان حَيضًا كغيرِ الحامِلِ. ولَنا قولُه ﷺ : «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا حَائِلٌ (١) حَتَّى تُسْتَبْرَأَ بِحَيضَةٍ» (٢). جَعَل وُجُودَ الحَيضِ عَلَمًا على بَراءَةِ الرَّحِمِ، فدَلَّ على أنَّه لا يَجْتَمِعُ معه. ولأنَّ ابنَ عُمَرَ لَمّا طَلَّقَ امْرَأتَه وهي حائِضٌ؛ قال النبيُّ ﷺ لعُمَرَ: «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا، ثُمَّ يُطَلِّقْهَا
стр. 786
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
طَاهِرًا أوْ حَامِلًا» (١). فَجَعَلَ الحَمْلَ عَلَمًا على عَدَمِ الخيضِ، كالطُّهْرِ. احْتَجَّ بذلك أحمدُ. ولأنَّه زَمَنٌ لا تَرَى الدَّمَ فيه غالِبًا، فلم يَكُنْ ما تَراه حَيضًا، كالآيسَةِ. قال أحمدُ: إنَّما يَعْرِفُ النِّساءُ الحَمْلَ بانْقِطاعِ الدَّمِ. وقولُ عاثشةَ يُحْمَلُ على التي قارَبَتِ الوَضْعَ، جَمْعًا بينَ قَوْلَيها.
فصل: فإن رَأتْه قبلَ ولادَتِها قَرِيبًا مِنها فهو نِفاسٌ، تَدَعُ الصلاةَ والصومَ. قال يعقوبُ بنُ بختانَ (٢): سألتُ أحمدَ، عن المرأةِ إذا ضَرَبَها المَخَاضُ قبلَ الولادَةِ بيَوْم أوْ يَوْمَينِ، تُعِيدُ الصلاةَ؟ قال: لا. وهذا قولُ إسحاقَ. وقال الحسنُ: إذا رَأتِ الدَّمَ على الوَلَدِ، أمْسَكَتْ عن
стр. 787
وَأَقلُّ الْحَيضٍ يَوْمٌ وليلَةٌ. وَعَنْه، يَوْمٌ وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وَعَنْهُ، سَبْعَة عَشَرَ.
ــ
الصلاةِ. وقال النَّخَعِيُّ: إذا ضَرَبَها المَخاضُ فَرَأت الدَّمَ. قال: هو حَيضٌ. وهذا قولُ أهلِ المدينةِ، والشافعيِّ. وقال عَطاءٌ: تُصَلِّي، ولا تَعُدُّه حَيضًا ولا نِفاسًا. ولَنا، أنَّه دَمٌ خَرَج بسَبَبِ الولادَةِ، فكان نِفاسًا، كالخارجَ بعدَه.
فصل: وإنَّما يُعْلَمُ أنَّه بسَبَبِ الولادَةِ إذا كان قَرِيبًا منها، ويُعْلَمُ ذلك برُؤْيَةِ أمارَتِها في وَقْتِه، فأمّا إن رَأتِ الدَّمَ مِن غيرِ عَلامَةٍ على قُرْبِ الوَضْع، لم تَتْرُكْ له العِبادَةَ؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّه دَمُ فَسادٍ، فإن تَبَيَّنَ كَوْنُه قَرِيبًا مِن الوَضْع؛ لوَضْعِها بعدَه بيوم أو يَوْمَين، أعادَتِ الصومَ المَفْرُوضَ الذي صامَتْه فيه، وإن رَأتْه عندَ العَلامَةِ، تَرَكَتِ العِبادَةَ، فإن تَبَيَّنَ بُعْدُه غنها، أعادَتْ ما تَرَكَتْه مِن العِباداتِ الواجِبَةِ؛ لأنَّه تَبَيَّنَ أنَّه ليس بحَيضٍ ولا نِفاسٍ. واللهُ أعلمُ.
٢٢٢ - مسألة: (وَأقَلُّ الحَيضِ يَوْم وَلَيلَةٌ. وعنه: يَوْمٌ. وأكْثَرُه خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وعنه: سَبْعَةَ عَشَرَ) المَشْهُورُ في المذهبِ، أنَّ أقلَّ الحَيضِ يَوْمٌ ولَيلَة، وأكْثَرَه خَمْسَةَ عَشَرَ يومًا. هذا قولُ
стр. 788
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عَطاءِ بنِ أبي رَباحٍ، وأبي ثَوْرٍ. ورُوي عن أحمدَ، أنَّ أقَلَّه يومٌ، وأنَّ أكْثَرَه سَبْعَةَ عَشَرَ. قال ابنُ المُنْذِرِ: بَلَغَنِي أنَّ نِساءَ آلِ الماجِشُون كُنَّ يَحِضْنَ سَبْعَةَ عَشَرَ يومًا. قال الخَلّالُ: مذهبُ أبي عبدِ اللهِ، لا اخْتِلافَ فيه أنَّ أقَلَّ الحَيضِ يومٌ، وأكْثَرَه خَمْسَةَ عَشَرَ. ومذهبُ الشافعيِّ نَحْوُ هذا في أقَلِّه وأكْثَرِه. وقال الثَّوْرِيُّ، والنُّعْمانُ، وصاحِباه: أقَله ثلاثةُ أيَّامٍ، وأكثَرُه عَشَرَةٌ؛ لِما روَى واثِلَةُ بن الأسْقَعِ، أنَّ النبيُّ ﷺ قال: «أَقَلُّ الحَيضِ ثَلَاثَةُ أيَّامٍ وَأكْثَرُهُ عَشَرَةٌ» (١). وقال أنَسٌ: قُرْءُ المرأةِ ثَلاثٌ، أرْبَعٌ، خَمْسٌ، سِتٌّ، سَبْغ، ثَمانٍ، تِسْعٌ، عَشْرٌ. ولا يَقُولُ ذلك إلَّا تَوْقِيفًا. وقال مالكٌ: ليس لأقَلِّه حَدٌّ، ولو كان لأقَلِّه حَدٌّ، لكانَتِ المرأةُ لا تَدَعُ الصلاةَ حتى يَمْضِي ذلك، الحَدُّ. ولَنا، أنَّ ذِكْرَ الحَيضِ وَرَد في الشَّرْعِ مُطْلَقًا مِن غيرِ تَحْدِيدٍ، ولا حَدَّ له في اللُّغَةِ، فَرُجِعَ فيه إلى العُرْفِ والعادَةِ، كالقَبْضِ والإِحْرازِ والتَّفَرُّقِ، وقد وُجِدَ حَيضٌ مُعْتاد أقَلُّ مِن ثَلاثَةٍ وأَكْثَرُ مِن عَشَرَةٍ. قال عَطاءٌ: رَأيتُ مِن النِّساء مَن تَحِيضُ يَوْمًا، وتَحيضُ خَمْسَةَ عَشَرَ. وقال شَرِيكٌ (٢): عِنْدَنا امرأةٌ تَحِيضُ كلَّ شَهْرٍ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا حَيضًا مُسْتَقِيمًا. وقال أبو عبدِ اللهِ الزُّبَيرِيُّ: كان في نِسائِنا مَن تَحِيضُ يَوْمًا، وتَحِيضُ خَمْسَةَ عَشَرَ يومًا. وقال الشافعيُّ: رَأْيتُ امرأةً
стр. 789
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أُثْبِتَ لي عنها أنَّها لم تَزَلْ تَحِيضُ يَوْمًا، لا تَزِيدُ عليه، وأثْبِتَ لي عن نِساءٍ، أَنَّهُنَّ لم يَزَلْنَ يَحِضْنَ أقَلَّ مِن ثلاثةِ أيَّامٍ. وقَوْلُهُنَّ يَجِبُ الرُّجُوعُ إليه، لقَوْلِه تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ (١). فلولا أنَّه مَقْبُولٌ. ما حَرَّمَ عليهِنَّ الكِتْمانَ، وجَرَى ذلك مَجْرَى الشَّهادَةِ. ولم يُوجَدْ حَيضٌ مُعْتادٌ أقَلّ مِن ذلك في عَصْرٍ مِن الأعْصارِ، فلا يكُونُ حَيضًا بحالٍ. وحديثُ واثِلَةَ بنِ الأسْقَعِ يَرْويه محمدُ بنُ أحمدَ الشّامِيُّ، وهو ضَعِيفٌ، عن حَمّادِ بنِ المِنْهالِ، وهو مَجْهُولٌ، وحديثُ أنَسٍ رَواه الجَلْدُ بنُ أيُّوبَ، وهو ضَعِيفٌ. قال ابنُ عُيَينَةَ: هو مُحَدِّثٌ لا أصْلَ له. وقال يَزِيدُ بنُ زُرَيع: ذاك أبو حنيفةَ، لم يَحْتَجَّ إلَّا بالجَلْدِ بنِ أيُّوبَ. وحديثُ الجَلْدِ، ولو صَحَّ، فقد رُوِيَ عن عليٍّ، ﵁، ما يُعارِضُه، فإنَّه قال: ما زادَ على خَمْسَ عَشْرَةَ اسْتِحاضَةٌ، وأقَلُّ الحَيضِ يَوْمٌ ولَيلَةٌ.
стр. 790
وَغَالِبُهُ سِتٌّ أوْ سَبْعٌ. وأقَلُّ الطُّهْرِ بَينَ الْحَيضَتَينِ ثَلَاثَةَ عَشرً يَوْمًا.
ــ
٢٢٣ - مسألة: (وغالِبُه سِتٌّ أو سَبْعٌ) لقَوْلِ النبيِّ ﷺ لحَمْنَةَ: «تَحَيَّضِي في عِلْمِ اللهِ سِتَّةَ أيَّامٍ، أوْ سَبْعَةَ، ثُمَّ اغْتَسِلِي وصَلِّي أرْبَعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، أوْ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، كَمَا تَحِيضُ النِّساءُ وَكَمَا يَطْهُرْنَ، لِمِيقَاتِ حَيضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ» (١). حديثٌ حسنٌ.
٢٢٤ - مسألة: (وأَقَلُّ الطُّهْرِ بينَ الحَيضَتَينِ ثَلاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا) لأنَّ كَلامَ أحمدَ لا يَخْتَلِفُ أنَّ العِدَّةَ يَصِحُّ أن تَنْقَضِيَ في شَهْرٍ إذا قامَتْ به البَيِّنةُ. قال إسحاقُ: تَوْقِيتُ هؤلاء بالخَمْسَةَ عَشَرَ باطِلٌ. وقال أبو بَكْرٍ: أقَلُّ
стр. 791
وَقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ، وَلَا حَدَّ لأكْثَرِهِ.
ــ
الطُّهْرِ مَبْنِيٌّ على أكْثَرِ الحَيضِ، فإن قُلْنا: أكْثَرُه خَمْسَةَ عَشَرَ. فأقَلُّ الطُّهْرِ خَمْسَةَ عَشَرَ. وإن قُلْنا: أكْثَرُه سَبْعَةَ عَشَرَ. فأقَلُّ، الطّهْرِ ثلاثةَ عَشَرَ. وهذا بَناه على أنَّ شَهْرَ المرأةِ لا يَزِيدُ على ثَلاثِين يَوْمًا، يَجتَمِعُ فيه حَيضٌ وطُهْرٌ، وأمّا إذا زاد شَهْرُها على ذلك، فلا يَلْزَمُ ما قال. وقال مالكٌ، والثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ: أقَلّه خَمْسَةَ عَشَرَ (١). وعن أحمدَ نَحْوُ ذلك، لقَوْلِ النبيِّ ﷺ : «تَمْكُثُ إحْدَاكُنَّ شَطر عُمْرِهَا لَا تُصَلِّي» (٢). ولَنا، ما روَى الإِمامُ أحمدُ، عن عليٍّ، ﵁، أنَّ امرأةً جاءَتْه، وقد طَلَّقَها زَوْجُها، فزَعَمَتْ أنَّها حاضَتْ في شَهْرٍ ثلاثَ حِيَضٍ، طَهُرَتْ عندَ كلِّ قُرْءٍ وصَلَّتْ، فقال عليٌّ لشُرَيحٍ: قُلْ فيها. فقال شُرَيحٌ: إن جاءت ببَيِّنةٍ مِن بِطانَةِ أهْلِها مِمَّن يرضَى دِينُه وأمانَتُه، فشَهِدَتْ بذلك، وإلَّا فهي كاذِبَةٌ. فقال عليٌّ: قَالُون. يَعْنِي: جَيِّدٌ، بالرُّومِيَّةِ. ولا يقُولُ مِثْلَ هذا إلَّا تَوْقِيفًا، ولأنَّه قولُ صَحابِيٍّ انْتَشَرَ، ولم يُعْلَمْ خِلافُه،
стр. 792
فَصْلٌ: وَالْمُبْتَدَأَةُ تَجْلِسُ يَوْمًا وَلَيلَةً، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي، فَإنِ انْقَطَعَ دَمُهَا لأكْثَرِهِ فَمَا دُونَ، اغْتَسَلَتْ عِنْدَ انْقِطَاعِهِ، وَتَفْعَل ذَلِكَ ثَلَاثًا، فَإنْ كَانَ في الثَّلَاثِ عَلَى قَدْرٍ وَاحِدٍ صَارَ عَادَةً، وَانْتَقَلَتْ إِلَيهِ، وَأَعَادَتْ مَا صَامَتْهُ مِنَ الْفَرْضِ فِيهِ. وَعَنْهُ، يَصِيرُ عَادَةً بِمَرَّتَينِ.
ــ
ولا يُتَصَوَّرُ إلَّا على قَوْلِنا: أقَلُّه ثَلَاثَةَ عَشَرَ، وأقَلُّ الحَيضِ يومٌ. وهذا في الطُّهْرِ بينَ الحَيضَتَين، فأَمَّا الطُّهْرُ بينَ الحَيضَةِ فسيَأْتِي حُكْمُه. وغالبُ الطُّهْرِ أربعةٌ وعِشْرُون، أو ثلاثةٌ وعِشْرُون، لقَوْلِ النبيِّ ﷺ لحَمْنَةَ: «ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي أرْبَعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، أوْ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، كَمَا يَحِيضُ النِّساءُ، وَكَمَا يَطْهُرْنَ». ولا حَدَّ لأَكْثَرِه، لأنَّ التَّحْدِيدَ مِن الشَّرْعِ ولم يَرِدْ به، ولا نَعْلَمُ له دَلِيلًا. واللهُ أعلمُ.
٢٢٥ - مسألة: (والمُبْتَدَأَةُ تَجْلِسُ يَوْمًا ولَيَلَةً ثم تَغْتَسِلُ وتُصَلِّي، فإنِ انْقَطَعَ دَمُها لأكْثَرِه فما دُونَ، اغْتَسَلَتْ عندَ انْقِطاعِه، وتَفْعَلُ ذلك ثلاثًا. فإن كان في الثَّلاثِ على قَدْرٍ واحِدٍ، صار عادَةً وانتقَلَتْ إليه، وأعادَتْ ما صامَتْه مِن الفَرضِ فيه. وعنه: يَصِيرُ عادَةً بمَرَّتَين) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ المُبْتَدَأةَ أوَّلَ ما تَرَى الحَيضَ ولم تَكُنْ
стр. 793
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حاضَتْ قبلَه، إذا كان في وَقْتٍ يُمْكِنُ حَيضُها وهي التي لها تِسْعُ سِنِينَ فصاعِدًا، إذا انْقَطَعَ لأقَلَّ مِن يَوْم ولَيلَةٍ، فهو دَمُ فَسادٍ، وإن كان يَوْمًا ولَيلَةً فما زادَ، فإنَّها تَدَعُ الصومَ والصلاةَ، لأنَّ دَمَ الحَيضِ جِبِلَّةٌ وعادَةٌ، ودَمُ الاسْتِحاضَةِ لعارِضٍ، الأصْلُ عَدَمُه. وظاهِرُ المذهبِ أنَّها تَجْلِسُ يَوْمًا ولَيلَةً، ثم تَغْتَسِلُ وتَتَوَضَّأُ لوَقْتِ كلِّ صلاةٍ، وتُصَلِّي، وتَصُومُ. فإذا انْقَطعَ دَمُها لأكْثَرِ الحَيضِ فما دُونَ، اغْتَسَلَتْ غُسْلًا ثانِيًا عندَ انْقِطاعِه، ثم تَفْعَلُ ذلك في الشَّهْرِ الثاني والثالثِ، فإن كان في الأشْهُرِ الثَّلاثَةِ مُتَساويًا، صارَ ذلك عادَةً، وعَلِمْنا أنَّها كانت حَيضًا، فيَجِبُ عليها قَضاءُ ما صامَتْه مِن الفَرْضِ فيه، لأنَّنا تَبَيَّنَا أنَّها صامَتْهْ في زَمَنِ الحَيضِ. وهذا اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ. قال القاضي: المذهبُ عِنْدِي في هذا رِوايَةٌ واحِدَةٌ. وذلك لأنَّ العِبادَةَ واجِبَةٌ في ذِمَّتِها بيَقِينٍ، فلا تَسْقُط بأمْرٍ مَشْكُوكٍ فيه أوَّلَ مَرَّةٍ، كالمُعْتَدَّةِ لا نَحْكُمُ ببَراءَةِ ذِمُّتِها مِن العِدَّةِ بأوَّلِ حَيضَةٍ، ولا يَلْزَمُ عليه اليَوْمُ واللَّيلَةُ، لأنَّها اليَقِينُ، فلو لم نُجْلِسْها ذلك أدَّى إلى أنْ لا نُجْلِسَها أصْلًا، وقد نُقِل عن أحمدَ فيها ثَلاثُ رِواياتٍ أُخَرُ، إحْداها، أنَّها تَجْلِسُ سِتًّا أو سَبْعًا: نَقَلَها عنه صالِحٌ على حديثِ حَمْنَةَ، لأنَّه أكثَرُ ما تَجْلِسُه النِّساءُ.
стр. 794
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والثانيةُ، تَجْلِسُ عادَةَ نِسائِها، كأَنَّها وأُخْتِها وعَمَّتِها وخالتِها. وهذا قول عَطاءٍ، والثَّوْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ؛ لأنَّ الغالِبَ أنَّها تُشْبِهُهُنَّ في ذلك. وهو قولُ إسحاقَ. غيرَ أنَّه قال: فإِن لم تَعْرِفِ الأُمَّ والخالةَ أو العَمَّةَ، فإنَّها تَجْلِسُ سِتَّةَ أَيَّامٍ، أو سَبْعَةً، كما في حديثِ حَمْنَةَ. والثالثةُ، أنَّها تَجْلِسُ ما تَراه مِن الدَّم، ما لم يُجَاوزْ أكْثَرَ الحَيضِ. وهذا مذهبُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ، والشافعيِّ. اخْتارها شَيخُنا (١). فإنِ انْقَطَعَ لأكْثَرِه [فما دُونَ] (٢)، فالجمِيعُ حَيضٌ، لأنَّنا حَكَمْنا بأنَّ ابْتِداءَ الدَّمِ حَيضٌ، مع جَوازِ أن يكُونَ اسْتِحاضَةً، فكذلك باقِيه. ولأنَّ دَمَ الحَيضِ دَمُ جِبِلَّةٍ، والاسْتِحاضَةُ دَمٌ عارِضٌ، والأصْلُ فيها الصِّحَّةُ والسَّلامَةُ.
стр. 795
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: لا يَخْتَلِفُ المذهبُ أنَّ العادَةَ لا تَثْبُتُ بمَرَّةٍ، وظاهِرُ مذهب الشافعي أنها تَثْبُتُ بمَرَّةٍ؛ لأنَّ المرأةَ التي اسْتَفْتَتْ لها أمُّ سَلَمَةَ رسولَ اللهِ ﷺ رَدَّها إلى الشَّهْرِ الَّذي يَلي شهرَ الاسْتِحاضَةِ؛ لأنَّ ذلك أقْرَبُ إليها، فوَجَبَ رَدُّها إليه. ولَنا، أنَّ العادَةَ مأخُوذَةٌ مِن المُعاوَدَةِ، ولا تَحْصُلُ بمَرَّةٍ، والحديثُ حُجَّةٌ لَنا؛ لأنَّه قال: «لِتَنْظر عِدَّةَ اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ قَبْلَ أنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أصَابَهَا» (١). و «كان» يُخْبَرُ بها عن دَوامِ الفِعْلِ وتَكْرارِه، ولا يُقالُ لمَن فَعَل شيئًا مَرَّةً: كان يَفْعَلُ. واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ؛ هل تَثْبُتُ العادَةُ بمَرَّتَين، أو ثلاثٍ؟ فعنه، أنَّها تَثْبُتُ بمَرَّتَين؛ لأنَّها مَأْخُوذَةٌ مِن المُعاوَدَةِ، وقد عاوَدَتْها في المَرَّةِ الثانيةِ. وعنه، لا تَثْبُتُ إلَّا بثَلاثٍ. وهو
стр. 796
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المَشْهُورُ في المذهبِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «تَدَعُ الصَّلَاةَ أيَّامَ أقْرَائِهَا» (١). والأقْراءُ جَمْعٌ، وأقَلُّه ثلاثةٌ، ولأنَّ العادَةَ إنَّما تُطْلَقُ على ما كَثُرَ، ولأنَّ ما اعْتُبِرَ له التَّكْرارُ اعْتُبِرَ ثَلاثًا، كخِيارِ المُصرِّاةِ. فإن قُلْنا بهذه الرِّواية، لم تَنْتَقِلْ عن اليَقِينِ في الشَّهْرِ الثالثِ. وإن قُلْنا بالرِّوايَةِ الأُولَى، انْتَقَلَتْ إليه في الشَّهْرِ الثالثِ. وعلى قَوْلِنا: إنَّها تَجْلِسُ أقَلَّ الحَيضِ أو غالِبَه أو عادَةَ نِسائِها، إذا انْقطَعَ الدَّمُ لأكْثَرِ الحَيضِ فما دُونَ، وكان في الأشْهُرِ الثَّلاثَةِ. على قَدْرٍ واحِدٍ، أو في شَهْرَين، على اخْتِلافِ الرِّوايَتَين. انتقَلَتْ إليه وعَمِلَتْ عليه، وأعادَتْ ما صامَتْه مِن الفَرْضِ فيه؛ لأنَّنا (٢) تَبَيَّنَا أنَّها صامَتْه في حَيضِها.
وَإنْ جَاوَزَ أَكْثَرَ الْحَيضِ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ، فَإِنْ كَانَ دَمُهَا مُتَمَيِّزًا؛ بَعْضُهُ ثَخِينٌ أسْوَدُ مُنْتِنٌ، وَبَعْضُهُ رَقِيقٌ أَحمَرُ، فَحَيضُهَا زَمَنَ الدَّمِ الأسْوَدِ، وَمَا عَدَاهُ اسْتِحَاضَةٌ،
ــ
٢٢٦ - مسألة: (فإن جاوَزَ أكْثَرَ الحَيضِ، فهي مُسْتَحاضَةٌ) لأنَّ الدَّمَ كلَّه لا يَصْلُحُ أن يكُونَ حَيضًا.
٢٢٧ - مسألة: (فإن كان دَمُها مُتَمَيِّزًا؛ بعضُه أسْوَدُ ثَخِينٌ مُنْتِنٌ، وبعضُه رَقِيقٌ أَحْمَرُ، فحَيضُها زَمَنَ الدَّمِ الأسْوَدِ، وما عَداه اسْتِحاضَةٌ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ المُبْتَدَأةَ إذا جاوَزَ دَمُها أكْثَرَ الحَيضِ، لم تَخْلُ مِنْ
стр. 799
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حالَيْن؛ أحَدُهما، أن تكُونَ مُمَيِّزةً، وهي أن يكُونَ بَعْضُ دَمِها أسْوَدَ ثَخِينًا مُنْتِنًا، وبَعْضُه أحْمَرَ رَقِيقًا، أو أصْفَرَ لا رائِحةَ له، ويكُونَ الدَّمُ الأسْوَدُ أو الثَّخِينُ لا يَزِيدُ على أكثَرِ الحَيضِ، ولا يَنْقُصُ عن أقَلِّه، فحُكْمُ هذه أنَّ حَيضَها زَمَنَ الدَّمِ الأسْوَدِ والثَّخِينِ، فإذا انْقَطعَ فهي مُسْتَحاضَةٌ وتَغْتَسِلُ للحَيضِ، وتَتَوَضَّأْ لكلِّ صلاةٍ، وتُصَلِّي. وبهذا قال مالكٌ والشافعيُّ؛ لِما رَوَتْ عائِشةُ، قالت: جاءت فاطمةُ بنتُ أبي حُبَيشٍ إلى رسولِ اللهِ ﷺ ؛ فقالت: يا رسولَ اللهِ، إنِّي اسْتَحاضُ. فلا أطْهُرُ، أفأدَعُ الصلاةَ؟ فقال النبيُّ ﷺ : «إنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيسَ بِالْحَيضَةِ، فَإذَا أقْبَلَتِ الْحَيضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ، فَإذَا أدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي». مُتَّفَقٌ عليه (١). وللنَّسائِيِّ وأبي داودَ (٢): «إذَا كَانَ دَمُ الحَيضِ فَإنَّه أسْوَدُ يُعْرَفُ، فَأمْسِكِي عَنِ الصَّلَاةِ، فَإذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَوَضَّئِي فَإنَّمَا هُوَ عِرْقٌ». وقال ابنُ عباسٍ:
стр. 800
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أمّا ما رَأتِ الدَّمَ البَحْرانِيَّ (١) فإنَّها تَدَعُ الصلاةَ، إنَّها واللهِ لن تَرَى الدَّمَ بعدَ أيَّامِ مَحِيضِها إلَّا كغُسالَةِ ماءِ اللَّحْمِ. ولأنَّه خارِجٌ مِن الفَرْجِ يُوجِبُ الغُسْلَ؛ فرُجِعَ إلى صِفَتِه عندَ الاشْتِباهِ، كالمَنِيِّ والمَذْي.
فصل: وظاهِرُ كلامِ شَيخِنا (٢)، ﵀، ها هنا، أنَّ المُمَيِّزةَ إذا عَرَفَتِ التَّمْيِيزَ جَلَسَتْه مِن غيرِ تَكْرارٍ. وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، والخِرَقِيِّ، واخْتِيارُ ابنِ عَقِيلٍ؛ لأنَّ مَعْنَى التَّمْيِيزِ أن يَتَمَيَّزَ أحَدُ الدَّمَين عن الآخَرِ في الصِّفَةِ، وهذا يُوجَدُ بأوَّلِ مَرَّةٍ. وهذا قولُ الشافعيِّ. وقال القاضي، وأبو الحسنِ الآمِدِيُّ: إنَّما تَجْلِسُ المُمَيِّزَةُ مِن التَّمْيِيزِ ما تَكَرَّرَ مَرَّتَين أو ثلاثًا، بِناءً على الرِّوايَتَين، فيما تَثْبُتُ به العادَةُ. ولَنا، قولُ النبيِّ: ﷺ : «إذَا أقْبَلَتِ الْحَيضَةُ فَاتْركِي الصَّلَاةَ، فَإذَا أدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي». أمَرَها بتَرْكِ الصلاةِ إذا أقْبَلَتِ الحَيضَةُ، مِن غيرِ اعْتِبارِ أمْرٍ آخَرَ، ثم مَدَّه إلى حينِ إدْبارِه؛ ولأنَّ (٣) التَّمْيِيزَ أمارَةٌ بمُجَرَّدِه، فلم يَحْتَجْ إلى
стр. 801
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ضَمِّ غيرِه إليه، كالعادَةِ. وعندَ القاضي: لا تَجْلِسُ مِن التَّمْيِيزِ إلّا ما تَكَرَّرَ. فعلى هذا، إذا رَأتْ في كلِّ شَهْرٍ خَمْسَةً أحْمَرَ، ثم خَمْسَةً أسْوَدَ، ثم أحْمَرَ، واتَّصَلَ، جَلَسَت زَمانَ الأسْوَدِ، فكان حَيضَها، والباقي اسْتِحاضَةً. وهل تَجْلِسُ الأسْوَدَ في الشَّهْرِ الثاني أو الثالثِ أو الرابعِ؟ يُخَرَّجُ ذلك على الرِّواياتِ الثَّلاثِ. وكذلك لو رَأتْ عَشَرَةً أحْمَرَ، ثم خَمْسَةً أسْوَدَ، ثم أحْمَرَ، فإنِ اتَّصَلَ الأسْوَدُ وعَبَر أكْثَرَ الحَيضِ، فليس لها تَمْيِيزٌ وحَيضُها (١) مِن الأسْوَدِ؛ لأنَّه أشْبَهُ بدَمِ الحَيضِ. ولو رَأتْ أقَلَّ مِن يَوْمٍ ولَيلَةٍ أشودَ، فلا تَمْييزَ لها؛ لأنَّه لا يَصْلُحُ حَيضًا. وإن رَأتْ في الشَّهْرِ الأولِ أحْمَرَ كلَّه، وفي الثاني والثالثِ والرابع خَمْسَةً أسْوَدَ، وفي الخامِسِ كلِّه أحْمَرَ، فإنّها تَجْلِسُ في الأشْهُرِ الثَّلَاثَةِ اليَقِينَ، على قَوْلِنا: يُعْتَبَرُ التَّكْرارُ في المُمَيِّزَةِ. وفي الرابعِ أيَّامَ الدَّمِ الأسودِ في قَوْلِ شَيخِنا (٢)، وفي الخامِسِ تَجْلِسُ خَمْسَةً أيضًا. وقال القاضي: لا تَجْلِسُ
стр. 802
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مِن الرابع إلَّا اليَقِينَ، إلَّا أن نقُولَ: تَثْبُتُ العادَةُ بمَرَّتَين. قال شيخُنا: وفيه نَظرٌ، فإنَّ أكْثَرَ ما يُقَدَّرُ فيها أنَّها لا عادةَ لها ولا تَمْيِيزَ، ولو كانت كذلك لجَلَسَتْ سِتًّا أوْ سَبْعًا، في أصَحِّ الرِّواياتِ. فكذا ههُنا. قُلتُ: فيَنْبَغِي على هذا أن لا تَجْلِسَ بالتَّمْيِيزِ، وإنَّما تَجْلِسُ غالِبَ الحَيضِ؛ لِما ذَكَرَه. ومَن لم يَعْتَبِرِ التَّكْرارَ في التَّمْيِيزِ فهذه مُمَيِّزَةٌ، ومَن قال: إنها تَجْلِسُ بالتَّمْيِيزِ في الشَّهْرِ الثاني، قال: إنَّها تَجْلِسُ الدَّمَ الأسْوَدَ في الشَّهْرِ الثالثِ؛
стр. 803
وَإنْ لَمْ يَكُنْ مُتَمَيِّزًا قَعَدَتْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ غَالِبَ الْحَيضِ، وَعَنْهُ، أَقَلَّهُ. وَعَنْهُ، أكْثَرَهُ.
ــ
لأنَّها لا تَعْلَمُ أنَّها مُمَيِّزَةٌ قَبْلَه. الحالُ الثاني، أن لا يكونَ دَمُها مُتَمَيِّزًا على ما مَضى، ففيها أربعُ رِواياتٍ، إحْداها، أنَّها تَجْلِسُ غالِبَ الحَيضِ مِن كلِّ شَهْرٍ، وذلك سِتَّةُ أَيَّام أو سَبْعَةٌ. وهذا اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه غالِبُ عَاداتِ النِّساءِ، فيَجِبُ رَدُّها إليه، كرَدِّها في الوَقْتِ إلى حَيضِها في كلِّ شَهْرٍ. والرِّوايَةُ الثانيةُ، أنَّها تَجْلِسُ أقَلَّ الحَيضِ لأنَّه اليَقِينُ. وللشافعيِّ قَوْلان كهاتَين الرِّوايَتَين. والثالثةُ، أنَّها تَجْلِسُ أكْثَرَ الحَيضِ. وهو قَوْلُ أبي
стр. 804
وَعَنْهُ، عَادَةَ نِسَائِهَا؛ كَأُمِّهَا، وَأُخْتِهَا، وَعَمَّتِهَا، وَخَالتِهَا.
ــ
حنيفةَ؛ لأنَّه زَمَانُ الحَيضِ، فإذا رَأتِ الدَّمَ فيه جَلَسَتْه كالمُعْتادَةِ. والرابعةُ أنَّها تَجْلِسُ عادَةَ نِسائِها كَأُمِّهَا، وَأُخْتِهَا، وَعَمَّتِهَا وخالتِها. وهو قولُ عَطاء، والثَّوْرِي، والأوْزاعِي؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أسنَها تُشْبِهُهُنَّ في ذلك. والأوَّلى أصَحُّ؛ لقَوْلِ النبيِّ ﷺ لِحَمْنَةَ: «تَحَيَّضِي في عِلْمِ اللهِ سِتَّةَ أَيَّامٍ أوْ سَبْعَةً، ثُمَّ اغْتَسِلِي، وَصَلِّي أرْبَعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا أوْ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ، كما يَحِيضُ النِّسَاءُ وَكَمَا يَطْهُرْن، لِمِيقَاتِ حَيضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ» (١).
حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. رَدَّها النبيُّ ﷺ إلى ذلك، ولم يَرُدَّها إلى غيرِه مِمّا ذَكَرُوا (٢)، ولأنَّ هذه تُرَدُّ إلى غالِبِ عاداتِ النِّساءِ في وَقْتِها، بمَعْنَى أنَّها تَجْلِسُ في كلِّ شَهْرٍ مَرَّةً، فكذلك في عَدَدِ أيَّامِها، وبهذا يَبطُلُ ما ذُكِر؛ لليَقِينِ، ولعادَةِ نِسائِها.
стр. 805
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وهل تُرَدُّ إلى ذلك إذا اسْتَمَرَّ بها الدَّمُ في الشَّهْرِ الرابعِ أو الثاني؟ المَنْصُوصُ أنَّها لا تُرَدُّ إلى سِتٍّ أو سَبْعٍ إلَّا في الشَّهْرِ الرابعِ؛ لأنّا لا نُحَيِّضُها أكْثَرَ مِن ذلك إذا لم تَكُنْ مُسْتَحاضَةً، فأوْلَى أن نَفْعَلَ ذلك إذا كانت مُسْتَحاضَةً. وقال القاضي: يَحْتَمِلُ أن تَنْتَقِلَ إليها في أيَّامِ الشَّهْرِ الثاني بغيرِ تَكْرارٍ؛ لأنّا قد عَلِمْنا اسْتِحاضَتَها، فلا مَعْنَى للتَّكْرارِ في حَقِّها. وهو أصَحُّ إن شاء اللهُ؛ لظاهِرِ حديثِ حَمْنَةَ.
стр. 806
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ، في الْمُبْتَدَأة أَوَّلَ مَا تَرَى الدَّمَ الرِّوَايَاتِ الْأَرْبَعَ.
ــ
٢٢٨ - مسألة: (وذَكَر أبو الخَطَّابِ في المُبْتَدَأةِ أوَّلَ ما تَرَى الدَّمَ الرِّواياتِ الأربعَ) إحْداها، تَجْلِسُ أقَلَّ الحَيضِ؛ لأنَّه اليَقِينُ. والثانيةُ، تَجْلِسُ [سِتًّا أو سَبْعًا] (١)؛ لأنَّه الغالِبُ. والثالثةُ، تَجْلِسُ عادَةَ نِسائِها؛ لأنَّ الظَّاهِرَ شِبْهُها بِهِنَّ. والرابعةُ، تَجْلِسُ ما تَراه مِن الدَّمِ، ما لم يُجاوزْ أكْثَرَ الحَيضِ، قِياسًا على اليَوْمِ واللَّيلَةِ، وقد ذَكَرْنا ذلك.
стр. 807
وَإنِ اسْتُحِيضَتِ الْمُعْتَادَةُ رَجَعَتْ إِلَى عَادَتِهَا، وَإنْ كَانَتْ مُمَيِّزَةً. وَعَنْهُ، يُقَدَّمُ التَّمْيِيزُ. وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ.
ــ
٢٢٩ - مسألة: (وإنِ اسْتُحِيضَتِ المُعْتادَةُ، رَجَعَتْ إلى عادَتِها وإن كانت مُمَيِّزَةً. وعنه: يُقَدَّمُ التَّمْيِيزُ. وهو اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ) وإن نَسِيَتِ العادَةَ عَمِلَتْ بالتَّمْيِيزِ، فإن لم يَكُنْ لها تَمْيِيزٌ جَلَسَتْ غالِبَ الحَيضِ مِن كلِّ شَهْرٍ. وعنه، أقَلَّه. وقِيلَ فيها الرِّواياتُ الأرْبَعُ وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ المُعْتادَةَ إذا اسْتُحِيضَتْ لم تَخْلُ مِن أربعةِ أقْسام؛ أحَدُها، أن تكُونَ مُعْتادَةً ولا تَمْيِيزَ لها؛ لكَوْنِ دَمِها على صِفَةٍ لا يَخْتَلِفُ ولا يَتَمَيَّزُ بَعْضُه مِن
стр. 808
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بعضٍ، أو بأن يكُونَ الدَّمُ الَّذي يَصْفحُ للحَيضِ يَنْقُصُ عن أقَلِّ الحَيضِ أو يَزِيدُ على أكْثَرِه، فهذه تَجْلِسُ أيَّامَ عادَتِها، ثم تَغْتَسِلُ عندَ انْقِضائِها، وتَتَوَضَّأُ بعدَ ذلك لوَقْتِ كلِّ صلاةٍ وتُصَلِّي. وهذا قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ. وقال مالكٌ: لا اعْتِبارَ بالعادَةِ، إنَّما الاعْتِبارُ بالتَّمْيِيزِ، فإن لم تَكُنْ مُمَيِّزَةً اسْتَطْهَرَتْ بعدَ زَمانِ عادَتِها بثلاثَةِ أيَّام، إن لم تُجاوزْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، ثم هي بعدَ ذلك مُسْتَحاضَةٌ. واحْتَجَّ بحديثِ فاطمةَ الَّذي ذَكَرْناه. ولَنا، ما رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، أنَّ امرأةً كانت تُهَرَاقُ الدِّماءَ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فقال: «لِتَنْظر عَدَدَ اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ قَبْلَ أنْ يُصِيِبَهَا الَّذِي أصَابَها، فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهْرِ، فَإذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ، ثُمَّ لْتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ، ثُمَّ لْتُصَلِّ» (١). رواه أبو داودَ، والنَّسائِيُّ. وقد روى في حديث فاطمةَ، أنَّ النبيَّ ﷺ قال لها: «ودَعِي الصَّلَاةَ قَدْرَ الأيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي
стр. 809
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَصَلِّي». مُتَّفَق عليه (١). ورَوَتْ أُمُّ حَبيبَةَ، أَنَّها سألَتْ رسولَ اللهِ ﷺ عن الدَّمِ، فقال لها رسولُ اللهِ ﷺ : «امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيضَتُكِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي». رَواه مسلمٌ (٢). ولا حُجَّةَ له في الحديثِ على تَرْكِ العادَةِ في حَقِّ مَن لا تَمْيِيزَ لها.
فصل: لا يَخْتَلِفُ المذهبُ أنَّ العادَةَ لا تَثْبُتُ بمَرَّةٍ؛ لأنَّها مَأْخُوذَةٌ مِن المُعاوَدَة. وهل تَثْبُتُ بمَرَّتَين أو بثَلاثٍ؟ على رِوايَتَين، وقد ذَكَرْناه. وتَثْبُتُ العادَةُ بالتَّمْيِيزِ، فإذا رَأتْ دَمًا أسْوَدَ خَمْسَةَ أيَّام في ثلاثةِ أشْهُرٍ أو شَهْرَين، على إحْدَى الرِّوايَتَين، ثم صار أحْمَرَ، واتَّصَلَ، ثم صار في سائِرِ الأشْهُرِ دَمًا مُبْهَمًا، كانت على عادَتِها زَمَنَ الدَّمِ الأسْوَدِ.
فصل: والعادَةُ على ضَرْبَين؛ مُتَّفِقَةٍ، ومُخْتَلِفَةٍ، فالمُتَّفِقَةُ أن تكُونَ أيَّامًا مُتَساويةً، كخَمْسَةٍ في كلِّ شَهْرٍ، فإذا اسْتُحِيضَتْ جَلَسَتْها فقط. وأمّا المُخْتَلِفَةُ فإن كانت على تَرتِيبٍ، مثلَ أن تَرَى في شَهْرٍ ثلاثةً، وفي الثاني أربعةً، وفي الثالثِ خَمْسَةً، ثم تَعُودَ إلى ثلاثةٍ، ثم إلى أربعةٍ، ثم إلى خمسةٍ على ما كانت، فهذه إذا اسْتُحِيضَتْ في شَهْرٍ، فعَرَفَتْ نَوْبَتَه عَمِلَتْ
стр. 810
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عليه، ثم علي الَّذي بعدَه، [وعلى الَّذي] (١) بعدَه على العادَةِ. وإن نَسِيَتْ نَوْبَتَه حَيَّضْناها على اليَقِينِ، وهو ثلاثةُ أيَّام، ثم تَغْتَسِلُ، وتُصَلِّي بَقِيَّةَ الشَّهْرِ. وإن عَلِمَتْ أنَّه غيرُ الأوَّلِ، وشَكَّتْ؛ هل هو الثاني أو الثالثُ؟ جَلَسَتْ أربعةً؛ لأنَّها اليَقِينُ، ثم تَجْلِسُ مِن الشَّهْرَين الآخَرَين ثلاثَةً ثلاثةً، وتَجْلِسُ في الرابعِ أربعةً، ثم تَعْودُ إلى الثلاثةِ كذلك أبدًا، ويُجْزِئُها غُسْلٌ واحِدٌ عندَ انْقِضاءِ المُدَّةِ التي جَلَسَتْها، كالنّاسِيَةِ إذا جَلَسَتْ أقَلَّ الحَيضِ؛ لأنَّ ما زاد على اليَقِينِ مَشْكُوكٌ فيه، فلا يَجبٌ عليها الغسْلُ بالشَّكِّ. قال شيخُنا (٢): ويَحْتَمِلُ وُجوبَ الغُسْلِ عليها أَيضًا عندَ مُضِيِّ أكْثَرَ عادَتِها؛ لأنَّ يَقينَ الحَيضِ ثابِتٌ، وحُصولَ الطهارةِ بالغسْلِ مَشْكُوكٌ فيه، فلا يَزُولُ عن اليَقِينِ بالشَّكِّ، ولأنَّ هذه مُتَيَقِّنَةٌ وُجوبَ الغُسْلِ عليسا في أحَدِ الأيَّامِ الثلاثةِ في اليومِ الخامِسِ، وقد اشْتَبَه عليها، وصِحَّة صَلا تها تَقِفُ على الغسْلِ، فيَجِبُ عليها؛ لتَخْرُجَ عن العُهْدَةِ بيَقِين. وهذا الوَجْهُ أصَحُّ لذلك. وتُفارِقُ هذه النَّاسِيَةَ؛ لأنَّها لا تَعْلَمُ لها حَيضًا زائِدًا على ما جَلَسَتْه، وهذه تَعْلَم لها حَيضًا زائِدًا تَقِفُ صِحَّةُ صَلاتها على غُسْلِها منه، فوَجَبَ ذلك، فعلى هذا يَلْزَمُها غُسْلٌ ثانٍ، عَقِيبَ اليَوْمِ الخامِسِ في كلِّ شَهْرٍ. وإن جَلَسَتْ في رمضانَ ثلاثَةَ أيَّام، قَضَتْ خَمْسَةَ أيَّام؛ لأنَّ الصومَ كان ذِمَّتِها، ولا تَعْلَم أنَّ اليَوْمَين اللَّذَين صامَتْهما أسْقَطا الفَرْضَ مِن ذِمَّتِها، ويَحْتَمِلُ أنَّه يَلْزَمُها في كلِّ شَهْرٍ ثلالةُ أغْسالٍ؛ غسْلٌ عَقِيبَ