← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 7841–7880 · переход к 7846.

стр. 7841

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولا يُخْشَى عليه التَّلَفُ كالخَشْيَةِ على الحَيَوانِ؛ فإنَّ الحَيَوانَ يَمُوتُ إذا لم يُطْعَمْ ويُسْقَى، وتَأكلُه السِّباعُ، والمَتَاعُ يَبْقَى حتى يَرْجعَ إليه صاحِبُه. وإن كان المَتْرُوكُ عَبْدًا، لم يَأخُذْه؛ لأنَّ العَبْدَ في العادَةِ يُمْكِنُه التَّخَلُّصُ إلى الأماكِنِ التي يَعِيشُ بها، بخِلافِ البَهِيمَةِ. وله أخْذُ العَبْدِ والمَتَاعِ ليُخَلِّصَه لِصاحِبِه، وله أجْرُ مِثْلِه في تَخْلِيصِ المَتَاعِ. نَصَّ عليه، وكذلك العَبْدُ على قِيَاسِه. قال القاضِي: يَجِبُ أن يُحْمَلَ قولُه في وُجُوبِ الأجْرِ، على أنَّه جَعَل له ذلك أو أمَرَه به، فأمّا إن لم يَجْعَلْ له شيئًا، فلا شيءَ له؛ لأنَّه عَمِلَ في مال غيرِه بغيرِ جُعْل، فلم يَسْتَحِقَّ شيئًا، كالمُلْتَقِطِ، وهذا خِلاف ظاهِرِ كلامِ أحمدَ؛ فإنَّه لو جَعَل له جُعْلًا لَاسْتَحَقَّه، ولم يَجْعَلْ له أجْرَ المِثْلِ. ويُفارِقُ هذا المُلْتَقِطَ، فإنه لم يُخَلِّصِ اللُّقَطَةَ مِن الهَلاكِ، ولو تَرَكَها أمكنَ أن يَرْجِعَ صاحِبُها فيَطْلُبَها في مَكانِها فيَجِدَها، وههُنا إن لم يُخْرِجْه هذا ضاع وهَلَك، ولم يَرْجِعْ إليه صاحِبُه، فَفِي جَعْلِ الأجْرِ فيه حِفْظُ الأمْوالِ مِن الهَلاكِ مِن غيرِ مَضَرَّةٍ، فجازَ، كالجُعْلِ في الآبِقِ. ولأنَّ اللُّقَطَةَ جَعَل فيها الشارِع ما يَحُثُّ على أخْذِها، وهو مِلْكها إن لم يَجيء صاحِبُها، فاكْتَفَى به عن الأجْرِ، فَيَنْبَغِي أن يُشْرَحَ في هذا ما يَحُثُّ على تَخْلِيصِه بطَرِيقِ الأوْلَى، وليس إلَّا الأجْرُ، كَرَدِّ لآبِقِ. فصل: فأمّا ما ألقاه رُكّابُ البَحْرِ فيه خَوْفًا مِن الغَرَقِ، فلم أعْلَمْ لأصْحابِنا فيه قَوْلًا، سِوَى عُمُومِ قَوْلِهم الذي ذَكَرْناه. ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَ

стр. 7842

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ هذا مَنْ أخَذَه. وهو قولُ اللَّيثِ. وبه قال الحَسَنُ، فيما أخْرَجه، قال: وما نَضَبَ عنه الماءُ فهو لأهْلِه. وقال ابنُ المُنْذِرِ: يَرُدُّه على أصْحابِه، ولا شيءَ له. ويَقْتَضِيه قولُ الشافعيِّ، والقاضِي؛ لِما تَقَدَّمَ في الفَصْلِ قَبلَه. ويَقْتَضِي قولُ الإِمامِ أبي عبدِ اللهِ، أنَّ لمَن أنْقَذَه أجْرَ مِثْلِه؛ لِما ذَكَرْنا. قال شَيخُنا (١): ووَجْهُ ما ذَكَرْنا مِن الاحْتِمالِ أنَّ هذا مال ألْقَاهُ أصْحابُه فيما يتلَفُ ببَقائِه فيه اخْتِيارًا منهم، فمَلَكَه مَن أخَذَه، كالذي ألْقَوْه رَغْبَةً عنه، ولأنَّ فيما ذَكَرُوه تَحْقِيقًا لإتْلافِه، فلم يَجُزْ، كمُباشَرَتِه بالاتْلافِ. فأمّا إن انْكَسَرتِ السَّفِينَة، فأخرَجَه قوم. فقال مالِك: يَأخُذُ أصحابُ المَتاعِ مَتاعَهُم، ولا شيءَ للذين أصابُوه. وهذا قولُ الشافعيِّ، وابنِ المُنْذِرِ، والقاضِي. وعلى قِياسِ نَصِّ أحمدَ يكونُ لمُسْتَخْرِجِه ههُنا أجْرُ المِثْلِ؛ لأنَّ ذلك وَسيلة إلى تَخْلِيصِه وحِفْظِه لصاحِبه وصِيانَتِه عن الغَرَقِ، فإنَّ الغَوّاصَ إذا عَلِمَ أنَّه يُدْفَعُ إليه الأَجْرُ، بادَرَ إلى التَّخْلِيصِ ليُخَلِّصَه، وإن عَلِمَ أنَّه يُؤْخَذُ منه بغيرِ شيءٍ، لم يُخاطِرْ بنَفسِه في اسْتِخْراجِه، فيَنْبَغِي أن يُقْضَى له بالأجْرِ، كجُعْلِ رَدِّ الآبِقِ. فصل: ذَكَرَ القاضِي فيما إذا الْتَقَطَ عَبْدًا صَغِيرًا، أو جارِيَةً، أنَّ قِياسَ المَذْهَبِ أَنه لا يُمْلَكُ بالتَّعْرِيفِ. وقال الشافعيّ: يُمْلَكُ العَبْدُ دونَ الجارِيَةِ؛ ولأن التَّمَلكَ بالتَّعْرِيفِ عندَه اقْتِراض، والجاريَةُ عندَه لا تُمْلَكُ بالقرْضِ. قال شيخُنا (١): وهذه المسألةُ فيها نَظَر؛ فإنَّ اللَّقِيطَ مَحْكُوم

стр. 7843

الثَّالِثُ، سَائِرُ الْأمْوَالِ؛ كَالْأثْمَانِ، وَالْمَتَاعِ وَالْغَنَم وَالفصْلَانِ، وَالْعَجَاجِيلِ، وَالأفْلَاءِ. ــ بحُرِّيته، وإن كان مِمّن يُعَبِّرُ (١) عن نَفْسِه، فأقَرَّ بأنه مَمْلُوك، لم يُقْبَلْ إقْرارُه؛ لأنَّ الطِّفْلَ لا قَوْلَ له، ولو اعْتُبِرَ قَوْلُه في ذلك، لاعْتُبِرَ في تعْرِيفِه لسَيِّدِه. (الثالثُ، سائِرُ الأمْوالِ؛ كالأثْمانِ، والمَتاعِ، والغَنَمِ، والفُصْلان، والعَجاجِيلِ، والأفْلاءِ) (٢) فيجوزُ الْتِقاطُها لمَن يَقْصِدُ تَعْرِيفَها وتَمَلُّكَها بعدَه؛ لحَدِيثِ زَيدِ بنِ خالِدٍ في لُقَطَةِ الذَّهَبِ والوَرِقِ، وقولِه في الشّاةِ: «خُذْهَا فَإنَّما هِيَ لَكَ أوْ لأخِيكَ أو للذِّئْبِ» (٣). ثَبَت في الذّهَبِ والفِضَّةِ، وقِسْنَا عليه المَتاعَ، وقِسْنا على الشّاةِ كلَّ حَيَوانٍ

стр. 7844

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لا يَمْتَنِعُ بنَفْسِه مِن صِغارِ السباعِ، وهي الثَّعْلَبُ، وابنُ آوَى، والذِّئْبُ، وَوَلَدُ الأسَدِ، ونحوُها، ومنه الدَّجَاجُ، والإوَزُّ، ونحوُها، يجوزُ الْتِقاطُها. ورُوِيَ عن أحمدَ رِواية أخْرَى، ليس لغيرِ الإِمامِ الْتِقاطُها، يَعْنِي الشّاةَ ونحوَها مِن الحَيَوانِ. وقال اللَّيثُ بنُ سعدٍ: لا أخْتارُ أن يَقْرَبَها، إلَّا أن يُحْرِزَها لصاحِبِها؛ لقولِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : «لَا يُؤْوي الضَّالَّةَ إلَّا ضَالٌّ» (١). ولأنَّه حيَوان، أشْبَهَ الإبِلَ. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ في الشّاةِ: «خُذْهَا، فَإنَّمَا هِيَ لَكَ أوْ لأخِيك أوْ للذِّئْبِ». مُتَّفق عليه. ولأنَّه يُخْشَى عليه التَّلَفُ والضَّياعُ، أشْبَهَ لُقَطَةَ غيرِ الحَيوانِ، وحَدِيثُنا

стр. 7845

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أخَصُّ مِن حَدِيثهم، فنَخُصُّه به، ولو قُدِّرَ التَّعارضُ قُدِّم حَدِيثُنا؛ لأنَّه أصَحُّ، ولا يَصِحُّ قِياسُه على الإبِلِ، فإنَّ النبيَّ ﷺ عَلَّلَ مَنْعَ الْتِقاطِها بأنَّ مَعَها حِذاءَها وسِقاءَها، وهذا مَعْدُوم في الغَنم، ثم قد فَرقَ النبي ﷺ بينَهما في خَبَر واحدٍ، فلا يجوزُ الجَمْعُ بين ما فرَّقَ الشّارِعُ بينَهما، ولا قِياسُ ما أمَر بالْتِقاطِه على ما مَنَع منه. فصل: ولا فَرْقَ بين أن يَجِدَها بمِصْرٍ أو مَهْلكةٍ وقال مالك، وأبو عبَيدٍ، وابنُ المُنْذِرِ، في الشّاةِ تُوجَدُ في الصَّحْراء: اذْبَحْها وكُلْها. وفي المِصْرِ: ضُمَّها حتى يَجِدَها صاحِبُها؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «هِيَ لَكَ أوْ لأخِيكَ أوْ للذِّئْبِ» (١). ولا يكونُ الذِّئْبُ في المِصْرِ. ولَنا، أنَّ النبيَّ ﷺ أمَر بأخْذِها، ولم يفَرِّقْ ولم يَسْتَفْصِلْ، ولو افْتَرَقَ الحالُ لاسْتَفْصَلَ، ولأنَّها لُقَطَة، فاسْتَوَى فيها المِصْرُ وغيرُه، كسائِرِ اللُّقَطاتِ. وقَوْلُهم: لا يكونُ الذِّئْبُ في المِصْرِ. قُلْنا: كونُها للذِّئْبِ في الصَّحْرَاءِ، لا يَمْنَعُ كَوْنَها لغيرِه في المِصْرِ. ومَتى عَرَّفَها حَوْلًا مَلَكَها. وذَكَر القاضِي، وأبو الخَطّابِ، عن أحمدَ رِوَايَةً: أنَّه لا يَمْلِكُها. ولَعَلَّها الرِّوايَةُ التي مَنَع مِن الْتِقاطِها فيها. ولَنا، قولُه ﵇: «هِيَ لَكَ». أضافَها إليه بلامِ التَّمْلِيكِ، ولأنَّ الْتِقاطَها مُباحٌ، فمُلِكَتْ بالتَّعْرِيفِ، كالأثْمانِ. وقد حكَاهُ ابنُ المُنْذِرِ إجْماعًا.

стр. 7846

فَمَنْ لَا يَأمَنُ نَفْسَهُ عَلَيهَا، لَيس لَهُ أخْذُهَا، فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَهَا وَلَمْ يَمْلِكْهَا وَإنْ عَرَّفَهَا. وَمَنْ أمِنَ نفْسَهُ عَلَيهَا. وَقَوىَ عَلَى تَعْرِيفِهَا، فَلَهُ أخدهَا، وَالْأفْضَلُ تَرْكُهَا. ــ ٢٥٠٢ - مسألة: (فمَن لا يَأمَنُ نَفْسَه عليها، ليس له أخْذُها) فإن أخَذُها، لَزِمَه ضَمانُها (ولا يَمْلِكُها وإن عَرَّفَها) إذا الْتَقَطَ لُقَطَةً، عازِمًا على تَمَلُّكِها بغيرِ تَعْرِيفٍ، فقد فَعَل مُحَرَّمًا، ولا يَحِلُّ له أخْذُها بهذه النِّيةِ، فإن أخَذَها، لَزِمَه ضَمانُها، سواءٌ تَلِفَتْ بتَفْرِيطٍ، أو بغيرِ تَفْرِيطٍ، ولا يَملِكُها وإن عَرَّفَها؛ لأنَّه أخَذَ مال غيرِه على وَجْه ليس له أخْذُه، فهو كالغاصِبِ. نَصَّ عليه أحمدُ. ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَها؛ لأنَّ مِلْكَها بالتَّعْرِيف والالْتِقاطِ، وقد وُجدا، فيَمْلِكُها بذلك، كالاصْطِيادِ، والاحْتِشاشِ، إذا دَخَل مِلْكَ غيرِه بغيرِ إذْنِه فاصْطَادَ أو احْتَشَّ منه، مَلَك الصَّيدَ والحَشِيشَ، وإن كان دُخُولُه مُحَرَّمًا، كذا ههُنا. ولأنَّ عمُومَ النَّصِّ يَتَناوَلُ هذا المُلْتَقَطَ، فيَثْبُتُ حُكْمُه فيه، ولأنَّنا لو اعْتَبَرْنا نِيَّةَ التَّعْرِيف وَقْتَ الالْتِقاطِ، لافْتَرَقَ الحالُ بينَ العَدْلِ والفاسِقِ، والصَّبِيِّ والسَّفِيهِ؛ لأنَّ الغالِبَ على هَؤُلاءِ الالْتِقاطُ للتَّمْلِيكِ لا للتَّعْرِيفِ. ٢٥٠٣ - مسألة: (ومَن أمِن نَفْسَه عليها، وقَوىَ على تَعْرِيفِها، فله أخْذُها) لِما ذَكَرْنا (والأفْضَلُ تَرْكُها) قاله أحمدُ. رُوِيَ مَعْنَى ذلك عن ابنِ عَبّاس، وابنِ عُمَرَ. وبه قال جابرُ بنُ زَيدٍ، والرَّبِيعُ بنُ خثَيم،

стр. 7847

وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: إن وَجَدَهَا بمَضْيَعَةٍ فَالْأفْضَلُ أخْذُهَا. ــ وعَطَاء. وقال أبو الخَطّابِ: إذا وَجَدَها بمَضْيَعَةٍ وأمِنَ نَفْسَه عليها (فالأفْضَلُ أخْذُها). وهذا قولٌ للشافعيِّ (١) وعنه، أنَّه يَجِبُ أخْذُها، لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (٢). وإذا كان وَلِيَّه، وَجَب عليه حِفْظُ مالِه، كوَلِيِّ اليَتيمِ. ومِمَّن رأى أخْذَها سَعِيد بنُ المُسَيَّبِ، والحَسَنُ بنُ صالح، وأبو حنيفةَ. وأخَذَها أبيُّ بنُ كَعْبٍ، وسُوَيدُ بنُ غَفَلَةَ. وقال مالك: إن كان شيئًا له بال، يأخذُه أحَبُّ إلَيَّ ويُعَرِّفُه، لأن (٣) فيه حِفْظَ مالِ المُسْلِمِ عليه، فكان أوْلَى مِن تَضْيِيعِه، كتَخْلِيصِه مِن الغَرَقِ. ولَنا، قولُ ابنِ عُمَرَ، وابنِ عبّاس، ولا يُعْرَفُ لهما مُخالِفٌ في الصَّحابةِ، ولأنَّه يُعَرِّضُ نَفْسَه لأكْلِ

стр. 7848

وَمَتَى أخَذَهَا ثُمَّ رَدَّهَا إلَى مَوْضِعِهَا، أوْ فَرَّطَ فِيهَا، ضَمِنَهَا. ــ الحَرامِ، وتَضْيِيعِ الواجِبِ مِن تَعْرِيفِها وأداءِ الأمَانةِ فيها، فكان تَركُه أوْلَى وأسْلَمَ، كولايةِ مالِ اليَتيمِ، وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بالضَّوالِّ، فإنه لا يجوزُ أخْذُها مع ما ذَكَرُوه، وكذلك ولايةُ مالِ الأيتامَ. ٢٥٠٤ - مسألة: (ومتى أخَذَها ثم رَدَّها إلى مَوضِعِها، [أو فَرَّطَ فيها، ضَمِنَها) إذا أخَذَ اللُّقَطَةَ، ثم رَدَّها إلى مَوْضِعِها] (١)، ضَمِنَها. رُوِيَ

стр. 7849

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذلك عن طَاوُس، وبه قال الشافعيُّ. وقال مالكٌ: لا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه رُوِيَ عن عُمَرَ، أنَّه قال لرجل وَجَد بَعِيرًا: أرْسِلْه حيث وَجَدْتَه. رَواه الأثْرَمُ (١). ولِما رُوِيَ عن جَرِيرِ بنِ عبدِ اللهِ، أنَّه رَأى في بَقَرِه بَقَرة قد لَحِقَتْ بها، فأمَرَ بها فَطُرِدَتْ حتى تَوارَتْ (٢). ولَنا، أنَّها أمانَة حَصَلَتْ في يَدِه، لَزِمَه حِفْظُها، وتَرْكُها تَضْيِيعُها. فأمّا حَدِيثُ عُمَرَ، فهو في الضّالَّةِ التي لا يَحِلُّ أخْذُها. فإذا أخَذَه احْتَمَلَ أنَّ له رَدَّه إلى مكانِه، ولا ضَمانَ عليه؛ لهذه الآثارِ، ولأنَّه كان واجِبًا عليه تَرْكُه في مكانِه ابْتِداءً، فكان له ذلك بعد أخْذِه. ويَحْتَمِلُ أن لا يَبْرَأ مِن ضَمانِه برَدِّه؛ لأنَّه دَخَل في ضَمانِه، فلم يَبْرَأ برَدِّه إلى مكِانِه، كالمَسْرُوقِ، وما يَجُوزُ الْتِقاطُه. فعلى هذا، لا يَبْرأ إلَّا برَدِّه إلى الإِمامِ أو نائِبِه. وأمّا عُمَرُ فهو كان الإِمامَ، فإذا أمَر برَدِّه. فهو كأخْذِه منه. وحَدِيثُ جَرِير لا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّه لم يَأخُذِ البَقَرَةَ، ولا أخَذَها غُلامُه، إنَّما لَحِقَتْ بالبَقَرِ مِن غيرِ فِعْلِه ولا اخْتِيارِه. كذلك (٣) يَلْزَمُه ضَمانُها إذا فَرَّط فيها؛ لأنَّها أمانَة، فهي كالوَدِيعةِ.

стр. 7850

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: فإن ضاعَتِ اللّقَطَةُ مِن مُلْتَقِطِها في حَوْلِ التَّعْرِيفِ بغيرِ تَفْرِيطٍ، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّها أمانة في يَدِه، فهي كالوَدِيعةِ. فإن الْتَقَطَها آخَرُ، فعَلِمَ أنَّها ضاعتْ مِن الأوَّلِ فعليه رَدُّها إليه؛ لأنَّه قد ثَبَت له حَقُّ التَّمَوُّلِ وَولايةُ التَّعْرِيفِ والحِفْظِ، فلا يَزُولُ بالضياعِ. فإن لم يَعْلَمِ الثّاني بالحالِ حتى عَرَّفَها حَوْلًا، مَلَكَها؛ لأنَّ سَبَبَ المِلكِ وُجِدَ منه مِن غيرِ عُدْوانٍ، فَثَبَتَ المِلْكُ به، كالأوَّلِ، ولا يَمْلِكُ الأوَّلُ انْتِزاعَها منه؛ لأنَّ المِلْكَ مُقَدَّمٌ على حَقِّ التَّملُّكِ. فإذا جاء صاحبُها أخَذَها مِن الثاني، وليس له مُطَالبةُ الأوَّلِ؛ لأنَّه لم يُفَرِّطْ. وإن عَلِمَ الثاني بالأوَّلِ، فرَدَّها إليه، فأبَى أخْذَها، وقالْ: عَرِّفْها أنت. فعرَّفَها، مَلَكَها أيضًا؛ لأنَّ الأوَّلَ تَرَك حَقَّه، فسَقَطَ. وإن قال: عَرِّفْها، ويكونُ مِلْكُها لي. ففَعَلَ، فهو نائِبُه في التَّعْرِيفِ، ويَمْلِكُها الأولُ؛ لأنَّه وَكَّلَه في التَّعْرِيفِ، فصَحَّ، كما لو كانتْ في يَدِ الأوَّلِ. وإن قال: عَرِّفْها، وتكونُ بَينَنا. ففَعَلَ، صَحَّ أيضًا، وكانتْ بينهما؛ لأنَّه أسْقَطَ حَقَّه مِن نِصْفِها، ووَكَّلَه في الباقِي. وإن قَصَد الثّاني بالتَّعْرِيفِ تَمَلُّكَها لنَفْسِه دُونَ الأوَّل، احْتَمَلَ وَجْهَين؛ أحدُهما، يَمْلِكُها الثّاني، لأنَّ سَبَبَ المِلْكِ وُجِدَ منه، فمَلَكَها، كما لو أذِنَ له الأوَّلُ في تَعْرِيفِها لنَفْسِه. والثّانِي، لا يَمْلِكُها؛ لأنَّ ولايةَ

стр. 7851

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ التَّعْرِيفِ للأوَّلِ، أشْبَهَ ما لو غَصَبَها مِن المُلْتَقِطِ غاصِبٌ فعَرفَها. وكذلك الحُكْمُ إذا عَلِمَ الثّانِي بالأوَّلِ فعَرَّفها، ولم يُعْلِمْه بها. ويُشْبِهُ هذا مَن تحَجَّرَ مَواتًا إذا سَبَقَه غيرُه (١) إلى ما حَجَّرَه، فأحْياهُ بغيرِ إذْنِه. فأمّا إن غَصَبَها غاصِبٌ مِن المُلْتَقِطِ فعَرَّفَها، لم يَمْلِكْها، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّه تَعَدَّى بأخْذِها ولم يُوجَدْ منه سَبَبُ تَملّكِها، فإنَّ الالْتِقاطَ مِن جُمْلَةِ السَّبَبِ، ولم يُوجَدْ منه. ويُفارِقُ هذا إذا الْتَقَطَها ثانٍ، فإنَّه وُجِدَ منه سببُ (٢) الالتِقاطِ والتَّعْرِيفِ. فصل: ومَن اصْطادَ سَمَكةً مِن البَحْرِ، فوَجَدَ فيها دُرَّةً أو عَنْبَرَةً، أو شيئًا مِمّا يكونُ في البَحْرِ، فهو للصَّيّادِ؛ لأنَّ ذلك يكون في البَحْرِ. قال اللهُ تعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ (٣). ولأنَّ الأصْلَ عَدَمُ مِلْكِها لغَيرِه. فإن باعَها الصَّيّادُ ولم يَعْلَمْ، فوَجَدَها المُشْتَرِي في بَطْنِها، فهي للصَّيادِ. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه إذا لم يَعْلَمْ به، فما باعهُ ولا رَضِيَ بزَوالِ مِلْكِه عنه، فأشْبَهَ مَن باع دارًا له مال مَدْفُونٌ فيها. فإن وَجَدَ دَراهِمَ أو دَنانِيرَ، فهي لُقَطَةٌ، لأنَّ ذلك لا يُخْلَقُ في البَحْرِ، ولا يكونُ إلَّا للآدَمِيِّ، فكان لُقَطَةً، كما لو وَجَدَه في البَرِّ (٤). وكذلك الحُكْمُ في الدُّرَّةِ والعَنْبَرَةِ إذا كان فيها أثَرٌ لآدَمِيٍّ، كالمَثْقُوبَةِ، والمُتَّصِلَةِ

стр. 7852

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بذَهَبٍ أو فِضَّةٍ أو غيرِهما. أو كانتِ العَنْبَرَةُ تُفّاحَةً ونحوَ ذلك، مِمَّا لا يُخْلَقُ عليه في البَحْرِ تكونُ لُقَطَةً، لأنَّها لم تَقَعْ في البَحْرِ، حتى تَثْبُتَ اليَدُ عليها، فهي كالدِّينارِ، فمتى وَجَدَها الصَّيّادُ فعليه تَعْرِيفُها، لأنَّه مُلْتَقِطُها، وإن وَجَدَها المُشْتَرِي، فالتَّعْرِيف عليه؛ لأنَّه واجِدُها، ولا حاجَةَ إلى البِدايَةِ بالبائِعِ، فإنَّه لا يَحْتَمِلُ أن تكونَ السَّمَكَةُ ابْتَلَعَتْ ذلك بعدَ اصْطِيادِها ومِلْكِ الصَّيّادِ لها، فاسْتَوَى هو وغيرُه. فأمّا إن اشْتَرَى شاةً ووَجَدَ في بَطْنِها دُرَّةً أو عَنْبَرَةً أو دَنانِيرَ أو دَراهِمَ، فهي لُقَطَةٌ يُعَرِّفُها، ويَبْدَا بالبائِعِ، لأنَّه يَحْتَمِلُ أن تكونَ ابْتَلَعَتْها مِن مِلْكِه، فيَبْدَا به، كقَوْلِنا في مَن اشْتَرَى في دارًا فوَجدَ فيها مالًا مَدْفُونًا. وإن اصْطادَ السَّمَكَةَ مِن غيرِ البَحْرِ، كالنَّهْرِ والعَينِ، فحُكْمُها حُكْمُ الشّاةِ، في أنَّ ما وُجِدَ في بَطْنِها مِن ذلك فهو لُقَطَةٌ، لأنَّ ذلك لا يكونُ إلَّا في البَحْرِ عادَةً. ويَحْتَمِلُ أنَّ النَّهْرَ إذا كان مُتَّصِلًا بالبَحْرِ، فهو كما لو صادَها منه؛ لأنَّها قد تَبتَلِعُ ذلك في البَحْرِ، ثم تَخْرُجُ إلى النَّهْرِ، وإن لم يَكُنْ مُتَّصِلا به، فهو لُقَطَةٌ. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ للصَّيّادِ، لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾. فصل: وإن وَجَدَ عَنْبَرَةً على السّاحِلِ، فهي له، لأنَّه يُمْكنُ أنَّ البَحْرَ ألْقاها، والأصْلُ عَدَمُ المِلْكِ فيها، فكانت مُباحَةً لآخِذِها، كالصَّيدِ. وقد روَى سَعِيدٌ، عن إسماعيلَ بنِ عَيّاش، عن مُعاويَةَ بنِ عَمْرِو

стр. 7853

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ العَبْدَرِيِّ (١)، قال: ألْقَى بَحْرُ عَدَنَ عَنْبَرَةً مِثلَ البَعِيرِ، فأخَذَها ناسٌ بعَدَنَ، فكَتَبَ إلى عُمَرَ بنِ عبدِ العَزِيزِ، فكَتَبَ إلينا، أن خُذُوا منها الخُمْسَ، وادْفَعُوا إليهم سائِرَها، وإن باعوكُمُوها فاشْتَرُوها. فأرَدْنا أن نَزِنَها، فلم نَجِدْ مِيزانًا يُخْرِجُها، فقَطَعْناها ثِنْتَينِ ووَزَنّاها، فوَجَدْناها (٢) سِتَّمائةَ رَطْل، فأخَذْنا خُمْسَها، ودَفَعْنا سائِرَها إليهم، ثم اشْتَرَيناها بخَمْسَةِ الآفِ دِينارٍ، وبَعَثْنا بها إلى عُمَرَ، فلم يَلْبَثْ إلَّا قَلِيلًا حتى باعَها بثَلاثةٍ وثَلاثِين ألْفَ دِينارٍ. فصل: وإن صاد غَزالًا فوَجَدَه مَخْضُوبًا، أو في عُنُقِه خَرَزٌ، أو في أذُنِه قُرْط، ونحوَ ذلك ممّا يَدُلُّ على ثُبُوتِ اليَدِ عليه، فهو لُقَطَة؛ لأنَّ ذلك يَدُلُّ على أنَّه كان مَمْلُوكًا. قال أحمدُ، في مَن ألْقَى شَبَكَةً في البَحْرِ فوَقَعَتْ فيها سَمَكَةٌ، فجَذَبَتِ الشَّبَكَةَ، فمَرَّت بها في البَحْرِ، فصادَها رَجُلٌ: فإنَّ السَّمَكَةَ له، والشَّبَبهَةُ يُعَرِّفُها ويَدْفَعُها إلى صاحِبِها. فجَعَلَ الشَّبَكَةَ لُقَطَةً؛ لأنَّها كانت (٣) مَمْلُوكَةً لآدَمِي، والسَّمَكَةُ لمَن صادَها؛ لأنَّها كانت مُباحَةً، ولم يَمْلِكْها صاحِبُ الشَّبَكَةِ؛ لكَوْنِ شَبَكَتِه لم تُثْبِتْها، فبَقِيَتْ على الإِباحةِ. وهكذا لو نَصَب فَخًّا أو شرَكًا، فوَقَعَ فيه صَيدٌ مِن صُيُودِ البَرِّ فأخَذَه وذَهَب به، فصادَه آخَرُ، فهو لمن صادَه، ويَرُدُّ الآلةَ إلى صاحِبِها، فإن لم يَعْرِفْ صاحِبَها

стр. 7854

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فهي لُقَطَةٌ. وقال أحمدُ، في رَجُل انْتَهَى إلى شَرَكٍ فيه حِمارُ وَحْش أو ظَبي قد شارَفَ المَوْتَ، فخَلَّصَه وذَبَحه: فهو لصاحِبِ الحِبَالةِ (١)، وما كان من الصَّيدِ في الحِبَالةِ (١) فهو لمَن نَصَبَها، وإن كان بازِيًّا أو صَقْرًا أو عُقَابًا. وسُئِلَ عن بازِي أو صَقْر أو كَلْبٍ مُعَلَّم أو فَهْدٍ، ذَهَب عن صاحِبِه، فدَعَاهُ فلم يُجِبْه، ومَرَّ في الأرضَ حتى أتَى لذلك أيام، فأتَى قَرْيَةً، فسَقَطَ على حائِطٍ، فدَعَاهُ رَجُل فأجابَهُ. قال: يَرُدُّه على صاحِبِه. قيلَ له: فإن دَعَاهُ فلم يُجِبْه، فنَصَبَ له شَرَكًا فصادَه به. قال: يَرُدُّه على صاحِبِه. فجَعَلَه لصاحِبِه؛ لأنَّه قد مَلَكَه، فلم يزُلْ مِلْكُه عنه بذَهَابِه، والسَّمَكَةُ في الشَّبَكَةِ لم يَكُنْ مَلَكَها ولا حازَها، وكذلك جَعَل ما وَقَع في الحِبَالةِ مِن الصَّقْرِ والعُقابِ لصاحِبِ الحِبَالةِ (١)، ولم يَجْعَلْه ههُنا لمَن وَقَع في شَرَكِة؛ لأنَّ هذا فيما عُلِمَ أنَّه قد كان مَمْلُوكًا لإِنْسانٍ فذَهَبَ، وإنَّما يُعْلَمُ هذا بالخَبَرِ، أو بوُجُودِ ما يَدُلّ على المِلْكِ فيه، كوُجُودِ السَّيرِ في رِجْلِه أو آثار التَّعْلِيمِ، مثلَ اسْتِجابَتِه للذي يَدْعُوه، ونحو ذلك، فإن لم يُوجَدْ ما يَدُلّ على أنَّه مَمْلُوك، فهو لمَن صادَه؛ لأنَّ الأصْلَ إباحَتُه وعَدَمُ الملْك فيه. فصل: ومَن أخِذَتْ ثِيابُه في الحَمّامِ ووَجَد بَدَلَها، أو أخِذَ مَداسُه وتُرِكَ له بَدَلُه، لم يَمْلِكْه بذلك. قال أحمدُ، في مَن سُرِقَتْ ثيابُه ووَجَدَ غيرَها: لم يَأخُذْها، فإن أخَذَها عَرَّفَها سَنَةً، ثم تَصدَّقَ بها. إنَّما قال

стр. 7855

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ذلك؛ لأنَّ آخِذَ الثِّيابِ لم تَقَع بينَه وبينَ مالِكِها مُعاوَضَة تَقْتَضِي زَوال مِلْكِه عن ثِيابِه، فإذا أخَذَها فقد أخَذ مال غيرِه، ولا يَعرِفُ صاحِبَه، فيُعَرفُه، ويَتَصَدَّقُ به، كالصَّدَقَةِ باللُّقَطَةِ. قال شيخُنا (١): ويحتَمِلُ أن يُنْظَرَ في هذا، فإن كانت ثَمَّ قَرِينةٌ تَدُلُّ على السَّرِقَةِ، بأن تكونَ ثِيابُه أو مَداسُه خَيرًا مِن المتْرُوكِ له، وكانت مما لا يَشْتَبهُ على الآخِذِ بثِيابِه ومَداسِه، فلا حاجَةَ إلى التَّعرِيفِ؛ لأنَّ التَّعرِيفَ إنَّما جُعِلَ على المالِ الضّائِعِ مِن رَبِّه، ليَعلَمَ به ويَأخُذَه. وتارِكُ هذا عالِمٌ به راض بِبَدَلِه عِوَضًا عما أخَذَه، ولا يَعتَرِفُ أنَّه له، فلا يحصُلُ مِن تَعرِيفِه فائِدَةٌ، فإذًا ليس بمَنْصُوص عليه، ولا هو في مَعنَى المَنْصُوصِ. وفيما يَصنَعُ به ثَلاثة أوْجُهٍ؛ أحدُها، يتَصَدَّقُ بها، على ما ذَكَرنا. والثاني، أنه يُباحُ له أخْذُها؛ لأنَّ صاحِبَها في الظّاهِرِ تَرَكَها له باذِلًا إيّاها عِوَضًا عمّا أخَذَه، قصارَ كالمُبِيحِ له أخْذَها بلِسانِه، فصارَ كمَن قَهر إنْسانًا على أخْذِ ثَوْبِه ودَفَع إليه دِرهمًا. والثالثُ، يَرفَعُها إلى الحاكِمِ ليَبِيعَها ويَدفَعَ إليه ثَمَنَها عِوَضًا عن مالِه. والوَجْهُ الثاني أقْرَبُ إلى الرِّفْقِ بالنّاسِ؛ لأنَّ فيه نَفْعًا لمَن سُرِقَتْ ثِيابُه بحُصُولِ عِوَض عنها، ونَفْعًا للسّارِقِ بالتَّخْفِيفِ عنه مِن الإِثمِ، وحِفْظًا لهذه الثِّيابِ المَتْرُوكَةِ مِن الضَّياعِ، وقد أباحَ بعضُ أهْلِ العِلْم في من له على إنْسانٍ حَقٌّ مِن دَين أو غَصبٍ، أن يَأخُذ مِن مالِه بقدرِ حَقِّه إذا عَجَز عن اسْتِيفائِه بغيرِ ذَلك، فههُنا مع رِضَاءِ مَن عليه الحَقُّ بأخْذِه

стр. 7856

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أوْلَى. وإن كانت ثَمَّ قَرِينةٌ دالَّةٌ على أنَّ الآخِذَ للثِّيابِ إنَّما أخَذَها ظَنًّا منه أنّها ثِيابُه، مثلَ أن تكون المَتْروكَةُ مثلَ الأخُوذَةِ أو خيرًا منها، وهي مما تَشْتَبِهُ بها، فيَنْبَغِي أن يُعَرِّفَها ههُنا؛ لأنَّ صاحِبَها لم يَتْرُكْها عَمدًا، فهي بمَنْزِلَةِ الضّائِعَةِ. والظاهِرُ أنَّه إذا عَلِمَ بها أخَذها ورَدَّ ما كان أخَذَه، فتَصِيرُ كاللُّقَطَةِ في المعنَى، وبعدَ التَّعرِيفِ إذا لم تُعرَفْ، فَفِيها الأوْجُهُ الثلاثةُ المَذْكُورَةُ، إلَّا أنَّنا إذا قُلْنا: يأخُذُها أو يَبِيعُها الحاكِمُ ويَدفَعُ إليه ثَمَنَها. فإنَّما يأخُذُ بقَدرِ قِيمَةِ ثِيابِه مِن غيرِ زِيادَةٍ؛ لأنَّ الزّائِدَ فاضِلٌ عَمّا يَسْتَحِقُّه، ولم يَرضَ صاحِبُها بتَركِها عِوَضًا عَمّا أخَذَه، فإنَّه لم يأخُذْ غيرَها اخْتِيارًا منه لتَركِها، ولا رضِىَ بالمُعاوَضَةِ بها. وإذا قُلْنا: إنَّه يَنفَعُها إلى الحاكِمِ ليَبِيعَها ويَدفَعَ إليه ثَمَنَها. فله أن يَشْتَرِيَها عمَّا (١) في ذمَّتِه، في يسْقِطَ عنه مِن ثَمَنِها ما قابَلَ ثِيابَه، ويَتَصَدَقَ بالباقِي. فصل: نَقَلَ الفَضْلُ بنُ زِيادٍ، عن أحمدَ، إذا تتازَعَ صاحِبُ الدّارِ والسّاكِنُ في دِفْنِ في الدّارِ، فقال كلٌّ مِنْهُما: أنا دَفَنْتُه. يُبَين كلُّ واحدٍ منهما ما الذي دَفنَ، فكُلُّ مَن أصابَ الوَصفَ فهو له، وذلك لأنَّ ما يوجدُ من الدَّفْنِ في الأرضِ ممّا عليه علامةُ السلمين، فهو لُقَطَة، واللُّقَطَةُ تُسْتَحَقُّ بوصفِها، ولأنَّ المُصِيبَ للْوَصفِ في الظّاهِرِ هو مَن كان ذلك في يَدِه، فكان أحَقَّ به، كما لو تَنازَعَهُ أجْنَبِيّان، فوَصَفَه أحَدُهما. فصل: ومَنْ وَجَد لُقَطَةً في دارِ الحربِ، فكان في جَيشٍ، فقال

стр. 7857

وَهِيَ عَلَى ثَلًاثَةِ أضْرُبٍ؛ حَيَوان، فَيُخَيَّرُ بَينَ أكْلِهِ وَعَلَيهِ قِيمَتُهُ، وَبَينَ بَيعِهِ وَحِفْظِ ثَمَنِهِ، وَبَينَ حِفْظِهِ والإنْفَاقِ عَلَيهِ مِنْ مَالِهِ. ــ أحمدُ: يُعَرِّفُها سَنَةً في دارِ الإِسْلامِ، ثم يَطْرَحُها في المَقْسِمِ. إنَّما عَرَّفَها في دارِ الإِسْلامِ، لأنَّ أموال أهْلِ الحَربِ مُباحَةٌ، ويجوزُ أن تكونَ لمُسْلِم، وقد لا يُمكِنه المُقَامُ في دارِ الحَرب لتَعرِيفِها. ومَعناه، واللهُ أعلمُ، أنَّه يُتِمُّ التَّعرِيفَ في دارِ الإِسْلامِ، فأَمّا ابْتِداءُ التّعرِيفِ فيكونُ في (١) الجَيشِ الذي هو فيه، لأنَّه يَحتَمِلُ أن تكونَ لأحَدِهِم، فإذا قَفَل أتَمَّ التَّعرِيفَ في دارِ الإِسْلامِ. فأمّا إن دَخَل دارَهُم بأمَانٍ، فيَنْبَغِي أن يُعَرِّفَها في دارِهِم، لأن أموالهُم مُحَرّمةٌ عليه، فإذا لم تُعرَفْ مَلَكَها، كما يَملِكُها في دارِ الإِسْلامِ. وإن كان في الجَيشِ، طَرَحَها في المَقسِمِ بعدِ التَّعرِيفِ؛ لأنَّه وَصَل إليها بقُوَّةِ الجَيشِ، فأشْبَهتْ مُباحاتِ دارِ الحربِ إذا أخَذَ منها شيئًا. فإن دَخَل إليهم مُتَلَصِّصًا فوَجَدَ لُقَطَةً، عَرَّفَها في دارِ الإِسْلامِ، لأنَّ أموالهُمٍ مُباحَةٌ له، ثم يكونُ حُكْمُها حُكْمَ غَنِيمَتِه. ويَحتَمِلُ أن تكونَ غَنِيمة له لا تَحتاجُ إلى تَعرِيفٍ، لأنَّ الظاهِرَ أنَّها مِن (١) أموالِهِم، وأمْوالُهُم غَنِيمَةٌ، واللهُ أعلَمُ. ٢٥٠٥ - مسألة: (وهي على ثَلاثَةِ أضْرُبٍ؛ حيوانٌ، فيُخَيَّرُ بين أكلِه) في الحالِ (وعليه قِيمَتُه، وبينَ بَيعِه وحِفْظِ ثَمَنِه، وبينَ تَركِه

стр. 7858

وهل يَرجِعُ بِذَلِكَ؛ عَلَى وَجْهينِ. ــ والإنْفاقِ عليه مِن مالِه. وهل يَرجِعُ) به؟ (على وَجْهين) وجُملَةُ ذلك، أنَّ مُلْتَقِطَ الشّاةِ وما كان مِثْلَها ممَّا يُبَاحُ أكْلُه، يتَخَيَّرُ مُلْتَقِطُها بين ثلاثةِ أشياءَ؛ أحدُها، أكْلُها في الحالِ. وبه قال مالكٍ، وأبو حنيفةَ، والشافعي، وغيرُهم. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أجْمَعُوا على أنَّ ضالَّةَ الغَنَمِ في المَوْضِعِ المَخُوفِ عليها، له أكْلُها؛ لقَوْلِ النبيِّ ﷺ : «هِيَ لَكَ أوْ لِأخِيكَ أوْ لِلذِّئْب». جَعَلَها له في الحالِ، وسَوَّى بينَه وبينَ الذِّئْبِ، والذِّئْبُ لا يُؤَخِّرُ أكلَها، ولأنَّ في أكْلِها في الحالِ إغْناءً غن الإِنْفاقِ عليها، وحِراسَةً لمالِيَّتها على صاحِبِها إذا جاء، فإنَّه يأخُذُ قِيمَتَها بكَمالِها، وفي إبْقائِها تَضْييعٌ للمالِ بالإنْفاقِ عليها والغَرَامَةِ في عَلْفِها، فكان أكْلُها أوْلَى. وإذا أرادَ أكلَها حَفِظَ صِفَتَها، فمتى جاء صاحِبُها غَرِمَها له، في قولِ عامّةِ أهْلِ العِلْمِ، وقال مالكٌ: كُلْها ولا غُرمَ عليك لصاحبِها ولا تَعرِيفَ لها؛ لقولِ رسولِ اللهِ ﷺ : «هِيَ لَكَ». ولم يُوجِبْ فيها تَعرِيفًا ولا غرمًا، ولأنَّه سَوَّى بينَه وبينَ الذِّئْبِ، والذِّئْبُ لا يُعَرِّفُ ولا يَغْرَمُ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: لم يُوافِقْ مالِكًا أحَدٌ مِن العُلَماءِ على قولِه. وقولُ النبيِّ

стр. 7859

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ﷺ في حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عَمرو: «رُدَّ عَلَى أخِيكَ ضَالَّتَهُ» (١). دَلِيلٌ على أنَّ الشّاةَ على مِلك صاحبِها. ولأنَّها لُقَطَة لها قِيمَةٌ، وتَتْبَعُها النَّفْسُ، فتَجِبُ غَرامَتُها لصاحِبِها إذا جاء، كغيرها، ولأنَّها مِلْك لصاحِبِها، فلم يَجُزْ تَمَلُّكُها عليه بغيرِ عِوَض مِن غيرِ رِضاه، كما لو كانت بينَ البُنْيانِ، ولأنَّها عَين يَجِبُ رَدُّها مع بَقائِها،. فوَجَبَ غُرمُها إذا أتْلَفَها، كَلُقَطَةِ الذَّهبِ. وكونُ النبيِّ ﷺ قال: «هِيَ لَكَ» لا يَمنَعُ وُجُوبَ غَرامَتِها، فإنَّه قد أذِنَ في لُقَطَةِ الذّهبِ والوَرِقِ بعدَ تَعرِيفِها، في أكْلِها وإنْفاقِها، وقال: «هِيَ كَسَائِرِ مَالِكَ» (٢). ثم أجْمَعنا على وُجُوبِ غَرَامَتِها، كذلك الشّاةُ. ولا فرقَ في إباحةِ أكْلِها بينَ وجْدانِها في الصَّحراءِ أو في المِصرِ. وقال مالكٍ، وأبو عُبَيدٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصحابُ الشافعيِّ: ليس له أكلُها في المِصرِ؛ لأنَّه يُمكِنُ بَيعُها، بخِلافِ الصَّحراءِ. ولَنا، أنَّ ما جازَ أكْلُه في الصَّحراءِ جازَ في المِصرِ، كسائِرِ المَأكُولاتِ، ولأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «هِيَ لَكَ». ولم يَسْتَفْصِلْ، ولأنَّ أكْلَها معلَّلٌ بما ذَكرنا

стр. 7860

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مِن الاسْتِغْناءِ عن الإنْفاقِ عليها، وهذا في المِصرِ أشَدُّ منه في الصَّحراءِ. الثاني، تركُها والإنْفاقُ عليها مِن مالِه، ولا يَتَمَلَّكُها، فإن تَرَكَها ولم يُنْفِقْ عليها، ضَمِنَها؛ لأنَّه فَرَّطَ فيها. كان أنْفَقَ عليها مُتَبَرِّعًا، لم يَرجع على صاحِبِها، فإن أنْفَقَ بِنيَّةِ الرُّجُوعِ على صاحِبِها، وأشْهدَ على ذلك، رَجَع عليه بما أنْفَقَ، في إحدَى الرِّوايَتَين. نصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ المَرُّوذِيِّ،

стр. 7861

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ في طيرَةٍ أفْرَخَتْ عندَ قَوْم، فقَضَى أنَّ الفِراخَ لصاحِبِ الطيرَةِ، ويَرجِعُ بالعَلَفِ إذا لم يَكُنْ مُتَطَوِّعًا. وقَضَى عمرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ في مَن وَجَد ضالَّةً فأنْفَقَ عليها، فجاء رَبُّها، فإنَّه يَغْرَمُ له ما أنْفَقَ؛ وذلك أنَّه أنْفَقَ على اللُّقَطةِ لحِفْظِها، فكان مِن مالِ صاحِبِها، كمُؤْنَةِ تَجْفِيفِ الرُّطَبِ والعِنَبِ. والثّانِيةُ، لا يَرجِعُ بشيءٍ. وهو قولُ الشَّعبِيِّ، والشافعيِّ، ولم يُعجِبِ الشَّعبِيَّ قَضَاءُ عُمَرَ بنِ عبدِ العَزِيزِ؛ لأنَّه أنْفَقَ على مالِ غيرٍ بغيرِ إذْنِه، فلم يَرجِع به، كما لو بَنَى دارَه، ويُفارِقُ العِنَبَ والرُّطَبَ، فإنه قد يَكونُ تَجْفِيفُه والإِنْفاقُ عليه أحَظَّ لصاحِبِه؛ لأنَّ النَّفَقَةَ عليه لا تَتَكَرَّرُ، والحَيَوانُ يَتَكَرَّرُ الإِنْفاقُ عليه، فرُبَّما اسْتَغْرَقَ ثَمَنَه، فكان بَيعُه وأكْلُه أحَظَّ، فلذلك لم يَرجِعِ المُنْفِقُ عليها بما أنْفَقَ. الثالثُ، بَيعها وحِفْظُ ثَمَنِها لصاحِبِها، وله أن يَتَوَلَّى ذلك بنَفْسِه. وقال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ:

стр. 7862

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَبِيعُها بإذْنِ الإِمامِ. ولَنا، أنَّه إذا جاز له أكلُها مِن غيرِ إذْنٍ فبَيعُها أوْلَى. ولم يَذْكر أصحابُنا لها تَعرِيفًا في هذه المواضِعِ. وهو قولُ مالكٍ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «خُذْها، فَإنمَا هِيَ لَكَ أوْ لِأخِيكَ أوْ لِلذِّئبِ». ولم يَأمر بتَعرِيفِها، كما أمَرَ في لُقَطَةِ الذَّهبِ والوَرِقِ. ولَنا، أنَّها لُقَطَةٌ لها خَطَرٌ، فوَجَبَ تعرِيفُها، كالمَطْعُومِ الكَثِيرِ، وإنَّما تَرَك ذِكْرَ تَعرِيفِها؛ لأنَّه ذَكَرَها بعدَ بَيانِ التَّعرِيفِ فيما سِواها، فَاسْتَغْنَى بذلك عن ذِكْرِه فيها، ولا يَلْزَمُ مِن جَوازِ التَّصَرُّفِ فيها في الحَوْلِ سُقُوطُ تَعرِيفِها، كالمَطْعُومِ، وإذا أرادَ بَيعَها أو أكْلَها، لَزِمَه حِفْظُ صِفَتِها؛ لحَدِيثِ زَيدِ بنِ خالدٍ، وسَنَذْكُرُه إن شاء اللهُ. فصل: وإذا أكَلَها ثَبَتَتْ قِيمَتُها في ذِمَّتِه، ولا يَلْزَمُه عَزْلُها؛ لعَدَمِ الفائِدَةِ فيه، فإنَّها لا تُنْقَلُ مِن الذِّمَّةِ إلى المالِ المَغزُولِ. ولو عَزَل شَيئًا ثم أفْلَسَ، كان صاحِبُ اللُّقَطَة أسْوَةَ الغُرَماءِ، ولم يَخْتَصَّ بالمالِ المَعزُولِ. فأمَّا إن باعَها وحَفِظَ ثَمَنَها، وجاء صاحِبُها، أخَذَه، ولم يُشارِكْه فيه أحَدٌ مِن الغُرَماءِ؛ لأنَّه عَينُ مالِه، ولا شيءَ للمُفْلِسِ فيه، فهو كالوَدِيعَةِ.

стр. 7863

الثَّانِي، مَا يُخْشَى فَسادُهُ، فَيَتَخَيَّرُ بَينَ بَيعِهِ وَأكْلِهِ إلا أنْ يمكِنَ ــ ٢٥٠٦ - مسألة: (الثاني، ما يُخْشَى فَسادُه، فيُخَيَّرُ بين بَيعِه وأكلِه) إن كان ممّا لا يُمكِنُ تَجْفِيفُه، كالفاكِهةِ التي لا تُجَفَّفُ، والطَّبِيخِ، والبِطِّيخِ، والخَضْراواتِ، فهو مُخَيَّر بينَ أكْلِه، وبَيعِه وحِفْظِ ثَمَنِه، ولا يجوزُ إبْقاؤه؛ لأنَّه يَتْلَفُ. فإن تَركَه حتى تَلِفَ، ضَمِنَه؛ لأنَّه فَرَّطَ في حِفْظِه، فهو كالوَدِيعَةِ. فإن أكلَه ثَبَتتِ القِيمَةُ في ذِمَّتِه، على ما ذَكَرنا في الشّاةِ. وهذا ظاهِرُ مَذْهبِ الشافعيِّ. وله أن يَتَوَلَّى بَيعَه بنَفْسِه. وقال أصحابُ الشافعيِّ: ليس له بَيعُه إلَّا بإذْنِ الحاكِمِ، فإن عَجَز عنه، جاز البَيعُ بنَفْسِه، لأنَّه حالُ ضَرُورَةٍ، فأمّا مع القُدرَةِ على اسْتِئْذائِه فلا يجوزُ مِن غيرِ إذنْه، لأنَّه مالٌ معصُوم لا ولايةَ عليه، فلم يَجُزْ لغيرِ الحاكِمِ بَيعُه، كغيرِ المُلْتَقَطِ. ولَنا، أنَّه مال أبِيحَ للمُلْتَقِطِ أكلُه، فأبيحَ له بَيعُه، كمالِه. ومتى أرادَ بَيعَه أو أكْلَه، حَفِظَ صِفاتِه، ثم

стр. 7864

تَجْفِيفُهُ؛ كَالْعِنَبِ، فَيَفْعَلَ مَا يَرَى الْحَظَّ فِيهِ لِمَالِكِهِ. ــ عَرَّفَه عامًا، على ما نَذْكُرُه. فإن تَلِفَ الثَّمَنُ قبلَ تَمَلُّكِه مِن غيرِ تَفْرِيطٍ أو نَقْصٍ، أو تَلِفَتِ العَينُ أو نَقَصَتْ مِن غيرِ تَفرِيطٍ، فلا ضَمانَ عليه. وإن تَلِفَ أو نقَصَ بتَفْرِيطِه، أو تَلِفَتِ اللُّقَطَةُ بتَفْرِيطِه، فعليه ضَمانُه، وكذلك إن تَلِفَ بعد تَمَلكِه أو نقَصَ. وإن كان ممّا (يمكِنُ تَجْفِيفُه؛

стр. 7865

وغَرَامَةُ التَّجْفِيفِ مِنْهُ. وَعَنْهُ، يَبِيعُ الْيَسِيرَ، وَيَدفَعُ الْكَثِيرَ إِلَى الْحَاكِمِ. ــ كالعِنَبِ) والرُّطَبِ، فيَنْظُرُ ما فيه الحَظُّ لمالِكِه، فإن كان في التَّجْفِيفِ فعَلَه، ولم يَكُنْ له إلَّا ذلك؛ لأنَّه مالُ غيرِه، فلَزِمَه فعلُ (١) ما فيه الحَظُّ لصاحِبِه، كوَلِيِّ اليَتيمِ. ٢٥٠٧ - مسألة: (وغَرامَةُ التَّجْفِيفِ منه) وله بَيعُ بعضِه في ذلك؛ لأنَّه مَوْضِعُ حاجَةٍ. فإن أنْفَقَ مِن مالِه رَجَع به؛ لأنَّ النَّفَقَةَ ههُنا لا تُكَرَّرُ، بخِلافِ نَفَقةِ الحَيَوانِ، فإنَّها تُكَرَّرُ، فرُبَّما اسْتَوْعَبَتْ قِيمَتَه، فلا يكونُ لصاحِبِها حَظٌّ في إمساكِها إلَّا بإسْقاطِ النَّفَقَةِ. وإن كان الحَظُّ في بَيعِه باعَهُ وحَفِظَ ثَمَنَه، كالطَّعامِ الرَّطْبِ. فإن تَعَذَّرَ بَيعُه، ولم يُمكِنْ تَجْفِيفُه، تَعَيَّنَ أكلُه، كالبِطِّيخِ (٢). وإن كان أكلُه أنْفَعَ لصاحِبِه، فله أكلُه أيضًا.

стр. 7866

الثَّالِثُ، سَائِرُ الْمَالِ، فَيَلْزَمُهُ حِفْظُهُ، وَيُعَرِّف الْجَمِيعَ بِالنِّدَاءِ عَلَيهِ فِي مَجَامِعِ النَّاسِ؛ كَالْأَسْوَاقِ وَأبْوَابِ الْمَسَاجِدِ فِي أوْقَاتِ ــ قال شيخُنا (١): ويَقْتَضِي قولُ أصحابِنا: إنَّ العُرُوضَ لا تُملَكُ بالتّعرِيفِ. وأنَّ (٢) هذا كُلّه لا يجوزُ له أكلُه، لكن يُخَيَّرُ بين الصَّدَقَةِ به وبينَ بَيعِه، وقد قال أحمدُ في مَن وَجَد في مَنْزِلِه طَعامًا لا يَعرِفُه: يُعَرِّفُه ما لم يَخشَ فَسادَه، فإن خَشِيَ فَسادَه، تَصَدَّقَ به، فإن جاء صاحِبُه غَرِمَه. وكذلك قال مالكٍ، وأصحابُ الرَّأي، في لُقَطَةِ ما لا يَبْقَى سنةً: يَتَصَدَّق به. وقال الثَّوْرِي: يَبِيعُه ويَتَصَدَّقُ بثَمَنِه. ولَنا على جَوازِ أكْلِه، قَوْلُ النبيِّ ﷺ في ضَالَّةِ الغَنَمِ: «خُذْها، فإنَّما هِيَ لَكَ أوْ لِأخِيكَ أوْ لِلذِّئبِ». وهذا تَجْويزٌ للأكْلِ. فإذا جاز أكْلُ ما هو مَحفُوظٌ بنَفْسِه، ففيما (٣) يَفْسُدُ بِبَقائِه أوْلَى. وعن أحمدَ، أنَّه (يَبِيعُ اليَسِيرَ، ويَنفَعُ الكَثِيرَ إلى الحاكِمِ) لأنَّ الكَثِيرَ مالٌ لغيرِه، لم يَأذَنْ له في بَيعِه، فيكونُ أمرُه إلى الحاكِمِ. وأمّا اليَسِيرُ فتدخُلُه المُسامَحَةُ، ويَشُقُّ رَفْعُه إلى السُّلْطانِ، ورُبَّما تَضِيعُ عندَ السُّلْطانِ. ٢٥٠٨ - مسألة: (الثّالثُ، سائِرُ المالِ، فيَلْزَمُه حِفْظُه، ويُعَرِّفُ الجَمِيعَ بالنداءِ عليه في مَجامِعِ النّاسِ؛ كالأسْواقِ، وأبوابِ المَسَاجِدِ

стр. 7867

الصَّلَوَاتِ، حَوْلًا كَامِلا: مَنْ ضَاعَ مِنْهُ شَيء أوْ نَفَقَةٌ. وَأجْرَةُ الْمُنَادِي عَلَيهِ. وَقَال أبو الْخَطَّابِ: مَا لَا يملَكُ بِالتّعرِيفِ، وَمَا يُقْصَدُ حِفْظُهُ لِمَالِكِهِ، يَرجِعُ بِالأجْرَةِ عَلَيهِ. ــ في أوْقاتِ الصَّلَواتِ، حَوْلًا كامِلًا، مَن ضاع منه شيءٌ أو نَفَقَةٌ. وأجْرَةُ المُنادِي عليه. وقال أبو الخَطَّابِ: ما لا يُملَكُ بالتّعرِيفِ، وما يُقْصَدُ حِفْظُه لمالِكِه، رَجَع بالأجْرِ عليه) وجُملةُ ذلك، أنَّ في التعْرِيفِ فُصُولًا سِتّةً: في وُجُوبِه، وقَدرِه، وزَمانِه، ومَكَانِه، ومَن يَتَوَلَّاه، وكَيفِيّته. أمّا وُجُوبُه، فهو واجِبٌ على كُلِّ مُلْتَقِطٍ، سواءٌ أرادَ تَملُّكَها أو حِفْظَها لصاحِبِها، إلَّا في اليَسِيرِ الذي لا تَتْبَعُه النَّفْسُ، وقد ذَكَرناه. وقال الشافعيُّ: لا يَجِبُ على مَن أرادَ حِفْظَها لصاحِبِها. ولَنا، أنَّ النبي ﷺ أمَر به زَيدَ بنَ خالِدٍ، وأبيَّ بنَ كَعبٍ (١)، ولم يُفَرِّقْ، ولأنَّ حِفْظَها

стр. 7868

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لصاحِبِها إنَّما فائِدَتُه إيصالُها إليه، وطَرِيقُه التَّعريفُ، أنها بقَاؤها في يَدِ المُلْتَقِطِ مِن غيرِ وُصُولِها إلى صاحِبِها، فهو وَهلَاكُها سِيّانِ، ولأنَّ إمساكَها مِن غيرِ تعرِيفٍ تَضْيِيعٌ لها عن صاحِبِها، فلم يَجُزْ، كَرَدِّها إلى مَوْضِعِها، أو إلْقائِها في غيرِه، ولأنَّه لو لم يَجِبِ التّعرِيفُ، لَمَا جازَ الالْتِقاطُ، لأنَّ بَقاءَها في مَكانِها إذًا أقْرَبُ إلى وُصُولِها إلى صاحِبِها؛ إمّا بأن يَطْلُبَها في المَوْضِعِ الذي ضاعَتْ منه فيَجِدَها، وإمّا بأنْ يَأخُذَها مَن يَعرِفُها، وأخْذُ هذا لها يُفَوِّتُ الأمرَين، فيَحرُمُ، فلمّا جاز الالْتِقاطُ لَزِمَ وُجُوبُ التعريفِ، كَيلَا يحصُلَ هذا الضَّرَرُ، ولأنَّ التعْرِيفَ واجب على مَن أرادَ تَمَلُّكَها، وكذلك على (١) مَن أرادَ حِفْظَها، فإنَّ التَّمَلُّكَ غيرُ واجِبٍ، فلا تجِبُ الوَسِيلَةُ إليه، فَيَلْزَمُ أن يكونَ الوُجُوبُ في المَحَلِّ المُتَّفَقِ عليه؛ لصيَانَتِها عن الضيَاعِ عن صاحِبِها، وهذا مَوْجُودٌ في مَحَلِّ النِّزَاعِ. الفصل الثاني، في قَدرِ التَّعرِيفِ، وذلك سَنَةً. رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ، وعليّ، وابنِ عَباس. وبه قال سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والشَّعبِيُّ، ومالك، والشافعيُّ، وأصحابُ الرأي. ورُويَ عن عُمَرَ رِوايَة أُخْرى: يُعَرِّفُها ثَلاثةَ أشْهُرٍ. وعنه ثلاثةَ أعوام؛ لأنَّ أبَي بنَ كَعبٍ روَى أنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَه

стр. 7869

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بتَعرِيفِ مائةِ الدينارِ ثلاثةَ أعوام. وقال أبو أيوبَ الهاشِمِيُّ (١): ما دُونَ الخَمسِين دِرهمًا يُعَرِّفُها ثلاثةَ أيام إلى سَبْعةِ أيامٍ. وقال الحَسَنُ بنُ صالح: ما دُونَ عَشَرَةِ دَراهِمَ يُعَرِّفُها ثَلاثةَ أيام. وقال الثَّوْرِيُّ في الدِّرهمِ: يُعَرِّفُه أربعةَ أيامٍ. وقال إسحقُ: ما دُونَ الدِّينارِ يُعَرِّفُه جُمُعةً أو نحوَها. وروى أبو إسحقَ الجُوزجانِيُّ، بإسْنادِه، عن يَعلَى بنِ أمَيَّةَ قال: قال رسولُ الله ﷺ : «مَنِ الْتَقَطَ دِرهمًا أو حَبْلًا، أو شِبْه ذَلِكَ، فَلْيُعَرِّفْهُ ثَلاثةَ أيام، فَإنْ كَانَ فَوْقَ ذَلِكَ، فَلْيُعَرِّفْه سَبْعةَ أيامٍ» (٢). ولَنا، حَدِيثُ زَيدِ بنِ خالدٍ الصَّحِيحُ، فإنَّ النبيَّ ﷺ أمَرَه بعَام واحدٍ، ولأنَّ السَّنَةَ لا تَتَأخَّرُ عنها القَوافِلُ، ويَمضِي فيها الزَّمانُ الذي تُقْصَدُ فيه البِلادُ مِن للحَرِّ والبردِ والاعتِدالِ، فصَلُحَتْ قَدرًا، كُمدَّةِ أجَلِ العِنِّينِ (٣). فأمّا حدِيثُ أبَيّ، فقد قال الرّاوي: لا أدرِي ثَلاثةَ أعوام، أو عامًا واحِدًا. قال أبو داوُدَ: شَكَّ الرّاوي في ذلك. وحَدِيثُ يَعلَى لم يَقُلْ به قائِلٌ على وَجْهِه، وحَدِيثُ زَيدِ بن خالدٍ وأبَيٍّ أصَحُّ منه وأوْلَى. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يَجِبُ أن تكونَ هذه السَّنَةُ تلِي الالْتِقاطَ، وتكونُ مُتَوالِيةً؛

стр. 7870

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لأنَّ النبيَّ ﷺ أمَر بتَعرِيفِها حين سُئِلَ عنها، والأمرُ يَقْتَضِي الفَوْرَ، ولأنَّ القصدَ بالتَّعرِيفِ وُصُولُ الخَبَرِ إلى صاحِبِها، وذلك يَحصُلُ بالتَّعرِيفِ عَقِيبَ ضَياعِها مُتَوالِيًا؛ لأنَّ صاحِبَها في الغالِبِ إنَّما يَطْلُبُها عَقِيبَ ضَياعِها، فيَجِبُ تَخْصِيصُ التّعرِيفِ به. الفصل الثالث، في زَمانِه، وهو النَّهارُ دُونَ اللَّيلِ؛ لأنَّ النَّهارَ مَجْمَعُ الناسِ ومُلْتَقاهُم، بخِلافِ اللَّيلِ، ويكونُ ذلك في اليَوْمِ الذي وَجَدها والأسْبُوعِ؛ لأنَّ الطَّلَبَ فيه أكثَرُ، ولا يَجِبُ فيما بعدَ ذلك متَواليًا. وقد روى الجُوزْجانِيُّ بإسْنادِه، عن مُعاويَةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ بَدرٍ الجُهني، قال: نَزَلْنا مُنَاخَ رَكْب فوَجَدتُ خِرقة فيها قَرِيب مِن مائةِ دِينار، فجِئْتُ بها إلى عُمَرَ، فقال: عَرِّفْها ثلاثةَ أيام على بابِ المَسْجِدِ، ثم أمسِكْها حتى قَرنِ السَّنَةِ، ولا يَفِدُ مِن رَكْبٍ إلا أنْشَدتَها، وقلتَ: الذَّهبُ بطَرِيقِ الشّامِ. ثم شَأنَكَ بها (١).

стр. 7871

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الفصل الرابع، في مكانِه، وهو الأسْواقُ، وأبوابُ المَساجِدِ والجَوامِعِ، في الوَقْتِ الذي يَجْتَمِعُون فيه، كأدبارِ الصَّلَواتِ في المَساجِدِ، وكذلك في مَجامِعِ النّاسِ؛ لأنَّ المَقْصُودَ إشَاعَةُ ذِكْرِها وإظْهارُها؛ ليَظْهرَ عليها صاحِبُها، فيَجِبُ تَحَرِّي مَجامِعِ الناسِ، ولا يُنْشِدُها في المَسْجدِ لأنَّ المَسْجِدَ لم يُبْنَ لهذا. ورَوَى أبو هُرَيرَةَ عن النبيِّ ﷺ قال: «مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّتَهُ فِي المَسْجِدِ، فَلْيَقُلْ: لا رَدَّها اللهُ إِليكَ. فَإِنَّ المَساجِدَ لَمْ تُبْنَ لهذَا» (١). وأمَرَ عُمَرُ واجِدَ اللُّقَطَةِ بتَعرِيفِها على بابِ المَسْجِدِ. الفصل الخامس، في كَيفِيّةِ تعرِيفِها، فيَذْكُرُ جِنْسَها لا غيرُ، فيقولُ: مَنْ ضاعَ منه ذَهبٌ، أو فِضَّة، أو دَرَاهِمُ، أو دَنانِيرُ، أو ثِيَابٌ. ونحوُ ذلك؛ لقولِ عُمَرَ، ﵁، لِوَاجِدِ الذَّهبِ: قُل: الذَّهبُ بطَريقِ الشّامِ. ولا يَصِفُها؛ لأنَّه لو وَصَفَها لعَلِمَ صِفَتَها مَن يَسْمَعُها، فلا تَبْقَى صِفَتُها دَلِيلًا على مِلْكِها؛ لمُشارَكَةِ مَن يَسْمَعُه للمالِكُ في ذلك، ولأنَّه لا يَأمَنُ أن يَدَّعِيَها مَن سَمِع صِفَتَها، ويَذْكُرَ صِفَتَها التي يَجِبُ دَفْعُها بها،

стр. 7872

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فيَأخُذَها، فتَفُوتَ على مالِكِها. الفصل السادس، في مَن يَتَوَلَّى تَعرِيفَها، وللمُلْتَقِطِ تَوَلِّي ذلك بنَفْسِه، وأن يَسَتنيبَ فيه، فإن وَجَد مُتَبَرِّعًا بذلك. وإلَّا اسْتَأجَرَ، والأجْرَةُ على المُلْتَقِطِ. وبهذا قال الشافعي، وأصحابُ الرَّأي. واخْتارَ أبو الخَطّابِ، أنَّه إن قَصَد حِفْظَها لمالِكِها دُونَ تَمَلُّكِها رَجَع بالأجْرَةِ عليه. وكذلك قال ابنُ عَقِيلٍ فيما لا يُمْلَكُ بالتَّعرِيفِ؛ لأنَّه مِن مُؤْنَةِ إيصالِها إلى مالِكِها، فكان على مالكِها، كمُؤْنَةِ تَجْفِيفِها، وأجْرةِ مَخْزَنِها. ولَنا، أنَّ هذا أجْر واجِبٌ على المُعَرِّفِ، [فكان عليه، كما لو قَصَد تمَلُّكَها] (١)، ولأنَّه لو وَلِيَه بنَفْسِه، لم يَكُنْ له أجْر على صاحِبِها، فكذلك إذا اسْتَأَجرَ عليه، ولأنَّه سَبَبٌ لمِلْكِها، فكان على المُلْتَقِطِ، كما لو قَصَد تَمَلُّكَها. وقال مالك: إن أعطَى منها شيئًا لمَن عَرَّفَها، فلا غرمَ عليه، كما لو دَفَع منها شيئًا لمَن حَفِظَها. وقد ذَكَرنَا الدَّلِيلَ على ذلك. فصل: إذا أخَّرَ التَّعرِيفَ عن الحَوْلِ الأوَّلِ مع إمكانِه، أثِمَ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ أمَر به فيه، والأمرُ يَقْتضِي الوُجوبَ. وقال في حَدِيثِ عِياضِ بنِ

стр. 7873

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ حِمار: «لا يَكْتُمُ وَلَا يُغَيِّبُ» (١). ولأنَّ ذلك وَسِيلةٌ إلى أن لا يَعرِفَها صاحِبُها؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّه بعدَ الحَوْلِ يَسْلُو عنها ويَيأسُ، فيَتْرُكُ طَلَبَها. ويَسْقُطُ التَّعرِيفُ بتأخِيرِه عن الحَوْلِ الأوَّلِ في المَنْصوصِ عن أحمدَ؛ لأنَّ حِكْمَةَ التَّعرِيفِ لا تَحصُلُ بعدَه. فإن تَرَكَه في بعضِ الحَوْلِ، عَرَّفَ بَقِيَّتَه، ويَتَخرَّجُ أن لا يَسْقُطَ التَّعرِيفُ بتَأخِيرِه؛ لأنهَّ واجب، فلا يَسْقُطُ بتَأخِيرِه عن وَقْتِه، كالعِباداتِ وسائِرِ الواجِباتِ، ولأَنَّ التعرِيفَ في الحوْل الثاني يحصُلُ به المَقْصودُ على نعتٍ مِن القُصُورِ، فيَجِبُ الإتْيانُ به؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «إِذَا أمرتُكُم بِأمر فَائتوا مِنْهُ مَا اسْتَطعتُم» (٢). فعلى هذا، إذا أخَّر التَّعرِيف بعضَ الحَوْلِ، أتى بالتعرِيفِ في بَقِيته، وأتَمَّهُ مِن الحَوْلِ الثّاني. وعلى كلا القَوْلَينِ، لا يملِكُها بالتّعرِيفِ فيما عدا الحَوْلِ الأولِ؛ لأنَّ شَرطَ المِلْكِ التعرِيفُ فيه، ولم يُوجد، ولذلك لو تَرَك التّعرِيفَ في بعضِ الحَوْلِ الأوّلِ، لا يَملِكُها بالتعْرِيفِ بعده؛ لأنَّ الشَّرطَ لم يَكْمُلْ، وعَدَمُ بعضِ الشَّرطِ كعَدَمِ جَمِيعِه، كما لو اخْتَل بعضُ الطهارَةِ في الصَّلاةِ. فأمّا إن تَرَك التعرِيفَ في

стр. 7874

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الحَوْلِ الأوَّلِ لعَجْزِه عنه؛ كالمَرِيضِ والمحبُوسِ، أو لنِسْيانٍ ونحوه، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، حُكْمُه حُكْمُ مَن تَرَكَه لغيرِ عُذْرٍ؛ لأنَّ تَعرِيفَه في الحَوْلِ الأوَّلِ سَبَبُ المِلْكِ، والحُكْمُ يَنْتَفِي لانْتِفاءِ سَبَبِه، سواء انْتَفَى لعُذْرٍ أو لغيرِه. والثاني، يَملِكُها بالتَّعرِيفِ في الحَوْلِ الثاني، لأنَّه لم يُؤَخره عن وَقْتِ إمكانِه، أشْبَه تَعرِيفَها في الحَوْلِ الأوّلِ. فصل: ومَتَى عَرَّفَ اللُّقَطَةَ حَوْلا فلم تُعرَفْ، مَلَكَها، غَنِيًّا كان أو فَقِيرًا، رُوِيَ نحوُ (١) ذلك عن عُمَرَ، وابنِ مَسْعُودٍ، وعائِشَةَ، ﵃. وبه قال عَطاءٌ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ. ورُوِيَ عن

стр. 7875

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ علي، وابنِ عَبّاس، والشعبيِّ، والنَّخَعِيِّ، وطَاوُسٍ، وعِكْرِمَةَ نحوُ ذلك. وقال مالكٌ، والحَسنُ بنُ صالح، والثَّوْرِيّ، وأصحابُ الرَّأي: يَتَصَدَّقُ بها، فإذا جاء صاحِبُها خُيِّرَ بينَ الأجْرِ والغُرمِ؛ لِما روَى أبو هُرَيرَةَ، عن النبيِّ ﷺ أنَّه سُئِلَ عن اللّقَطَةِ، فقال: «عَرِّفْها حَوْلًا». ورُوِيَ: «ثَلاثَةَ أحوَال، فإنْ جَاءَ رَبها، وَإلَّا تَصَدَّقْ بِها، فإذَا جَاءَ رَبُّها، فَرَضِيَ بالأجْرِ، وَإلَّا غَرِمَها» (١). ولأنَّها مال المعصُوم لم يَرضَ بزَوالِ مِلْكِه عنها، ولا يُوجَدُ منه سَبَبٌ يَقْتَضِي ذلك، فلم يَزُلْ مِلْكُه عنه، كغيرِها. قالوا: وليس له أن يتَمَلَّكَها. إلَّا أنَّ أبا حنيفةَ قال: له ذلك إن كان فَقِيرًا مِن غيرِ ذَوى القُربَى؛ لِما روَى عِياضُ بنُ حِمارٍ المُجاشِعِي، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «منْ وَجَدَ لُقَطَةً فَلْيُشهِد عَلَيها ذَا عدلٍ -أوْ ذوَيْ عَدلٍ- وَلَا يَكْتُمُ وَلَا يُغَيِّبُ، فَإنْ وَجَدَ صَاحِبَها فَلْيَرُدَّها عَلَيهِ، وَإلا فَهِيَ مَالُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ». رَواه النَّسَائِيُّ (٢). قالوا: وما يُضافُ إلى اللهِ

стр. 7876

فَإِنْ لَم يُعرَفْ، دَخَلَ فِي مِلْكِهِ بَعدَ الْحَوْلِ حُكْمًا، كَالْمِيرَاثِ. وَعِنْدَ أبِي الْخَطَّابِ، لَا يملِكُهُ حَتَّى يَخْتَارَ ذَلِكَ. ــ تعالى، إنَّما يَتَمَلَّكُه مَنْ يَسْتَحِقُّ الصَّدَقَةَ. ونقلَ حَنْبَل عن أحمدَ مثلَ هذا القَوْل، فأنْكَرَه الخَلَّالُ، وقال: ليس هذا مَذْهبًا لأحمدَ. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ في حَدِيثِ زَيدِ بنِ خالدٍ (١): «فَإن لَم تُعرَفْ فَاستَنْفِقها». وفي لَفْظٍ: «وَإلَّا فَهِيَ كَسَائِرِ مَالِكَ». وفي لَفْظٍ: «ثُمَّ كُلها». وفي لَفْظٍ: «فَانْتَفع بِها». وفي لَفْظٍ: «فَشأنكَ بِها». في حَدِيثِ أبي بن كَعبٍ (٢) وفي لَفْظٍ: «فاسْتَمتع بِها». وهو حَدِيث صحيح (٣)، ولأنَّ مَن مَلَك بالقَرضِ مَلَك اللَقَطَةَ، كالفَقِيرِ، ومَن جازَ له الالْتِقاطُ مَلَك به بعدَ التّعرِيفِ، كالفَقِيرِ، وحَدِيثُهم عن أبي هُرَيرَةَ لم يَثْبُتْ، ولا نُقِلَ في كتابٍ يُعتَمَدُ عليه، ولا يوثَقُ به. ودَعواهُم في حَدِيثِ عِياض أنَّ ما يُضَافُ إلى اللهِ تعالى لا يَتَمَلَّكُة إلَّا مَن يَسْتَحِقُّ الصَّدَقَةَ، لا بُرهانَ لها، وبُطْلانُها ظاهِر، فإنَّ الأشْياءَ كُلَّها تضافُ إلى اللهِ تعالى خَلْقًا ومِلْكًا، قال اللهُ تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (٤). ٢٥٠٩ - مسألة: (فإن لم تُعرَفْ، دَخَلَتْ في مِلْكِه بعد الحَوْلِ حُكْمًا كالمِيراثِ. وعندَ أبي الخَطَّابِ، لا يَملِكُه حتى يَخْتارَ ذلك) نَصَّ

стр. 7877

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عليه أحمدُ، في رِوايةِ الجَماعةِ. وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ؛ لقولِه: «وإلَّا كَانَتْ كَسَائِرِ مَالِهِ». وعندَ أبي الخَطَّابِ: لا تدخُلُ في (١) مِلْكِه حتى يَخْتارَ. واخْتَلَفَ أصحابُ الشافعيِّ؛ فقال بعضُهم كقَوْلِنا. وقال قَوْمٌ: يَملِكُها بالنيةِ. ومنهم مَن قال: يَملِكُها بقَوْلِه: اخْتَرتُ مِلْكَها. ومنهم من قال: لا يملِكُها إلَّا بقَوْلِه والتَّصَرُّفِ فيها؛ لأنَّ هذا تَملّكٌ بعِوَض، فلم يَحصُلْ إلَّا باخْتِيار المُتَمَلِّكِ، كالقَرضِ. ولَنا، قولُ النبي ﷺ : «فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُها وَإلَّا فَهِيَ كَسَائِرِ مالِكَ». وقولُه: «فَاسْتَنْفِقها». ولو وَقَف مِلْكُها على تَمَلُّكِها لبَيَّنهَ له، ولم يُجَوِّزْ له التَّصَرُّفَ قبلَه. وفي لَفْظٍ: «كُلْها». وهذه الألْفاظُ كلّها تَدُلُّ على ما قُلْنا، ولأنَّ الالْتِقاطَ والتعريف سَبَب للتَّمَلُّكِ، فإذا تَمَّ، وَجَب أن يَثْبُتَ به المِلْكُ حُكْمًا،

стр. 7878

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كالإِحياءِ والاصطِيادِ. ولأنَّه سَببٌ يُملَكُ به، فلم يَقِفِ المِلْكُ بعدَه على قَوْلِه ولا اخْتِيارِه، كسائِرِ الأسْباب، وذلك لأنَّ المُكَلَّفَ ليس إليه إلَّا مُباشَرَةُ الأسْبابِ، فإذا أَتَى بها، ثَبَت الحُكْمُ قَهْرًا وجَبْرًا مِن الله ، غيرَ مَوْقُوفٍ على اخْتِيارِ المُكَلَّفِ. فأمّا الاقْتِراضُ فهو السببُ في نَفْسِه، فلم يَثْبُتِ المِلْكُ بدُونِه. فعلى هذا، لو الْتَقَطَها اثْنان فعَرَّفاها حَوْلًا، مَلَكاها جَمِيعًا. فإن قُلْنا: يَقِف المِلْكُ على الاخْتِيارِ. فاخْتارَ أحَدُهُما دُونَ الآَخَرِ، مَلَك المُخْتارُ نِصفَها وحدَه. فصل: فإن رَأياها مَعًا، فأخَذَها أحَدُهما وحدَه، أو رآها أحَدُهما، فأعلمَ بها صاحِبَه، فأخَذَها، فهي لآخِذِها، لأنَّ اسْتِخقاقَها بالأخْذِ لا بالرؤيَةِ، كالاصطِيادِ. وإن قال أحَدُهما لصاحِبِه: هاتِها. فأخَذَها لنَفْسِه، فهي له دُونَ الآمِرِ، وإن أخَذَها الآمِرُ فهي له، كما لو وَكَّلَه في الاصطِيادِ له.

стр. 7879

وَعَنْ أحمَدَ، لَا تُملَكُ إلا الْأثْمَانُ. وَهِيَ ظَاهِرُ الْمَذهبِ. وَهل لَهُ الصَّدَقَةُ بِغَيرها؟ عَلَى رِوَايَتَينِ. ــ ٢٥١٠ - مسألة: (وعن أحمدَ، لا تُملَكُ إلَّا الأثْمانُ. وهو ظاهِرُ المَذْهبِ. وهل له الصَّدَقَةُ بغيرِها؟ على رِوايَتَين) كُل ما جازَ الْتِقاطُه، مُلِكَ بالتَّعرِيف عندَ تَمامِه، أثْمانًا كان أو غيرَها. وهو ظاهِرُ كلامِ الخرَقِيِّ. ونُقِلَ ذلك عن أحمدَ، فرَوَى عنه محمدُ بنُ الحَكَمِ، في الصَّيّادِ يَقَعُ في شَبَكَتِه الكِيسُ أو النُّحاسُ، يُعَرِّفُه سَنَةً، فإن جاء صاحِبُها، وإلا فهو كسائِرِ مالِه. وهذا نَصّ في النُّحاس. وقال ابنُ أبي مُوسى: هل حُكْمُ العُرُوضِ في التعرِيفِ وجَوازِ التَّصَرُّفِ بعدَ ذلك حُكْمُ الأثْمانِ؟ على

стр. 7880

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ رِوايَتَين؛ أظْهرُهما، أنَّها كالأثْمانِ. قال شَيخُنا (١): ولا أعلَمُ بينَ أكْثَرِ أهْلِ العلْمِ فرقًا بينَ الأثْمانِ والعُرُوضِ في ذلك. وقال أكْثَرُ أصحابِنا: لا تملَكُ العُرُوضُ بالتعرِيفِ. قال القاضِي: نص عليه أحمدُ في رِوايةِ الجَماعةِ. واخْتَلَفُوا فيما يصنَعُ بها، فقال أبو بكر، وابنُ عَقِيل: يُعَرِّفُها أبدًا. وقال القاضي: هو بالخِيارِ بينَ أن يُقِيمَ على تَعرِيفِها حتى يَجِئَ صاحِبُها، وبينَ دَفْعِها إلى الحاكِمِ ليَرَى رَأيَه فيها. وهل له بَيعُها بعدَ الحَوْلِ والصَّدَقَةُ. بها؟ على روايَتَين؛ إحداهُما، يَجُوزُ، كما تجوزُ الصدَقَة بالغُصُوبِ التي لا يُعرَفُ أربابُها. والثّانيةُ، لا يجوزُ؛ لأنّه يَحتَمِلُ أن يَظْهرَ صاحِبُها فيَأخُذَها. وقال الخَلَّالُ: كُل مَن روَى عن أحمدَ، روَى عنه أنَّه يُعَرِّفُه سَنَةً ويَتَصَدَّقُ به، والذي روَى عنه أنّه يُعَرِّفُها أبدًا، قول قَدِيم
следующие страницы →