← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 19188

الشرح الكبير على المقنع - ت التركي

ابن أبي عمر

Полный текст (15 006 стр.). Показаны 7911–7950 · переход к 7916.

стр. 7911

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والعَبْدُ ليس مِن أهْلِ الولاياتِ ولا التَّمَلُّكِ. ولَنا، عُمُومُ الخَبر، ولأنَّ الالْتِقاطَ سَببٌ يَمْلِكُ به الصَّبِيُّ ويَصِحُّ منه، فَصَحَّ مِن العَبْدِ، كالاصْطِيادِ والاحْتِطابِ، ولأنَّ مَن جاز له قَبولُ الوَدِيعَةِ، صَحَّ منه الالْتِقاطُ، كالحُرِّ. قولُهم: إنَّ العَبْدَ ليس مِن أهْلِ الولاياتِ والأماناتِ. يَبْطُلُ

стр. 7912

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بالصَّبِي والمَجْنُونِ، فإنَّهما أدْنَى حالًا منه في هذا. وقولُهم: إن العَبْدَ لا يَمْلِكُ. مَمْنوعٌ، وإن سَلَّمْنا، فإنَّه يَتَمَلَّكُ لسَيِّدِه، كما يَحْصُلُ بسائِرِ الاكْتِساباتِ، ولأنَّ الالْتِقاطَ تَخْلِيصُ مالٍ مِن الهَلاكِ، فجازَ مِن العَبْدِ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، كإنْقاذِ المالِ الغَرِيقِ والمَغْصُوبِ. إذا ثَبَت هذا، فإنَّ اللُّقَطَةَ تكونُ أمانةً في يَدِ العَبْدِ، إن تَلِفَتْ بغيرِ تَفْرِيطٍ في حَوْلِ التَّعْرِيفِ لم يَضْمَنْ، فإن عَرَّفَها، صَحَّ تَعْرِيفُه؛ لأنَّ له قَوْلًا صَحِيحًا، فصَحَّ تَعْرِيفُه، كالحرِّ، فإذا تَمَّ حَوْلُ التَّعْرِيفِ، مَلَكَها سَيِّدُه، لأنَّ الالْتِقاطَ

стр. 7913

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كَسْبُ العَبْدِ، وكَسْبُه لسَيِّدِه. فإن عَلِمَ السَّيِّدُ بلُقَطَةِ عَبْدِه، كان له انْتِزاعُها منه؛ لأنَّها مِن كَسْبِ العَبْدِ، وللسَّيِّدِ انْتِزاعُ كَسْبِه مِن يَدِه، فإنِ انْتَزَعَها بعدَ أن عَرَّفَها العَبْدُ، مَلَكَها، وإن كان لم يُعَرِّفْها، عَرَّفَها سَيِّدُه حَوْلًا، وإن كان العَبْدُ عَرَّفَها بعضَ الحَوْلِ، عَرَّفَها السَّيِّدُ تَمامَه. وللسَّيِّدِ إقْرارُها في يَدِ العَبْدِ إن كان أمِينًا، ويكونُ مُسْتَعِينًا بعَبْدِه في حِفْظِها، كما يَسْتَعِينُ به في حِفْظِ مالِه، فإن كان العَبْدُ غيرَ أمِينٍ، كان السَّيِّدُ مُفَرِّطًا بإقْرارِها في يَدِه، ولَزِمَه ضَمانُها، كما لو أخَذَها مِن يَدِه ورَدَّها؛ لأنَّ يَدَ العَبْدِ كيَدِه، وما يَسْتَحِقُّ بها لسَيِّدِه. وإن أُعْتِقَ العَبْدُ بعد الالْتِقاطِ، فله انْتِزاعُ اللُّقَطَةِ مِن يَدِه؛ لأنَّها مِن كَسْبِه، وأكْسابُه لسَيِّدِه. ومتى عَلِمَ العَبْدُ أن سَيِّدَه غيرُ مَأْمُونٍ عليها، لَزِمَه سَتْرُها عنه، ويُسَلِّمُها إلى الحاكِمِ ليُعَرِّفَها، ثم يَدْفَعُها إلى سَيِّدِه بشَرْطِ الضَّمانِ. فإن أتْلَفَها العَبْدُ في الحَوْلِ الأوّلِ فهي في رَقَبَتِه، كجِناياتِه، وكذلك إن تَلِفَتْ بتَفْرِيطِه، وإن أتْلَفَها بعدَه، فهي في ذِمَّتِه إن قُلْنا: إنَّ العَبْدَ يَمْلِكُها بعد التَّعْرِيفِ. وإن قُلْنا: لا يَمْلِكُها. فهو كما لو أتْلَفها في حَوْلِ التَّعْرِيفِ. ويَصْلُحُ أن يَنْبَنِيَ ذلك على اسْتِدانةِ العَبْدِ، هل تتَعَلَّقُ برَقَبتِه أو ذِمَّتِه؟ على رِوايَتينِ، وقد مَرَّ ذِكْرُه في الحَجْرِ.

стр. 7914

وَالْمُكَاتَبُ كَالْحُرِّ، وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ، فَهِيَ بَينَهُ وَبَينَ سَيِّدِهِ، إلا أَنْ يَكُونَ بَينَهُمَا مُهَايَأَةٌ فَهَلْ تَدْخُلُ فِي الْمُهَايَأةِ؟ عَلَى وَجْهَينِ. ــ ٢٥١٩ - مسألة: (والمُكاتَبُ كالحُرِّ) في اللُّقَطَةِ؛ لأنَّ المال له في الحالِ، وأكْسابُه له دُونَ سَيِّدِه، وهي مِن أكْسابِه، فإن عَجَز عاد عَبْدًا، وصار حُكْمُه في لُقَطَتِه حُكْمَ العَبْدِ. وأُمُّ الوَلَدِ والمُدَبَّرُ والمُعَلَّقُ عِتْقُه بصفَةٍ، كالقِنِّ (ومَنْ بعضه حُرٌّ) إذا الْتَقَطَ لُقَطةً (فهي بَينَه وبينَ سَيِّدِه) إذا لم يكُنْ بينَهما مُهايَأةٌ كالحُرَّين إذا الْتَقَطا لُقَطةً. (وإن كان بينَهما مُهايأةٌ، لم تَدْخل في المُهايأةِ) في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنها كسْبٌ

стр. 7915

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ نادِرٌ، لا يُعْلَمُ وُجُودُه، ولا يُظَنُّ، فلم يَدْخُلْ في المُهايَأة كالإرْثِ. فعلى هذا، يكونُ بينَهما. والثاني، يَدْخُلُ في المُهايَأةِ؛ لأنَّها مِن كَسْبه، أشْبَهتْ سائِرَ أكْسابِه، فيكونُ لمَن يُوجَدُ في يَوْمِه. وكذلك الحُكْمُ في الهَدِيَّةِ والوَصِيَّةِ وسائِرِ الأكْسابِ النادِرَةِ، فيها الوَجْهانِ. فإن كان العَبْدُ بين اثْنَين شَرِكَةً فلُقَطَتُه بينَهما، على ما ذَكَرْنا في مَن بعضُه حُرٌّ. واللهُ وأعلمُ.

стр. 7916

بَابُ اللَّقِيطِ وَهُوَ الطِّفْل الْمَنْبُوذُ. ــ بابُ اللَّقِيطِ (وهو الطِّفْلُ المَنْبُوذُ) واللَّقِيطُ بمَعْنَى المَلْقُوطِ، كالقَتِيلِ والجَرِيحِ. والْتِقاطُه واجِبٌ؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (١) ولأنَّ فيه إحْياءَ نَفْسِه، فكان واجِبًا، كإطْعامِه إذا اضْطُرَّ، وإنْجائِه مِن الغَرَقِ. وهو من فُرُوضِ الكِفاياتِ، إذا قام به مَن يَكْفِي سَقَط عن الباقِين، وإن تَرَكَه الجماعةُ، أثِمُوا كُلُّهُم إذا تَرَكُوه مع إمْكانِ أخْذِه. وقد رُوِيَ عن سُنَينٍ أبي جَمِيلَةَ، قال: وَجَدْتُ مَلْقُوطًا فأتَيتُ به عُمَرَ، ﵁، فقال عَرِيفِي: يا أميرَ المُؤْمِنينَ، إنَّه رَجُلٌ صالِحٌ. فقال عُمَرُ: أكَذِلكَ هُوَ؟ قال: نعم. قال: فَاذْهَبْ فَهُوَ حُرٌّ، ولَكَ وَلاؤُه، وعَلَينا نَفَقَتُه. رَواه سَعِيدٌ (٢) عن سُفْيانَ عن الزُّهْرِيِّ، سَمِعَ سُنَينًا أبا جَمِيلةَ بهذا، وقال: وعَلَينا رَضَاعُهُ.

стр. 7917

وَهُوَ حُرٌّ، ــ ٢٥٢٠ - مسألة: (وهو حُرٌّ) اللَّقِيط حُرٌّ، في قولِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ، إلَّا النَّخَعِيَّ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمعَ عوامُّ أهْلِ العِلْمِ على أنَّ اللَّقِيطَ حُرٌّ. رُوِيَ هذا القولُ عن عُمَرَ، وعَلِيٍّ، ﵄. وبه قال عُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ، والشَّعْبِيُّ، والحَكَمُ، وحَمّادٌ، ومالكٌ،

стр. 7918

يُنْفَقُ عَلَيهِ مِنْ بَيتِ الْمَالِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَا يُنْفَقُ عَلَيهِ. ــ والثَّورِيُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْي، ومَن تَبِعَهُم. وقال النَّخَعِيُّ: إنِ الْتَقَطَه للْحِسْبَةِ، فهو حُرٌّ، وإن كان أرادَ أن يَسْتَرِقَّه، فذلك له. وهذا قولٌ شَذَّ فيه عن الخُلَفاء والعُلَماءِ، ولا يَصِحُّ في النَّظرَ، فإنَّ الأصْلَ في الآدَمِيِّينَ الحُرِّيَّةُ، فإنَّ الله تعالى خَلَق آدمَ وذُرِّيَّتَهَ أحْرارًا، وإنَّما الرِّقُّ لعارِض، فإذا لم يُعْلَمْ ذلك العارِضُ، فله حُكْمُ الأصْلَ. ٢٥٢١ - مسألة: (يُنْفَقُ عليه مِن بَيتِ المالِ إن لم) يُوجَدْ (معه ما يُنْفَقُ عليه) إذا لم يُوجَدْ مع اللَّقِيطِ شيءٌ، لم يَلْزَمِ المُلْتَقِطَ الإِنْفاقُ عليه، في قولِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ. قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمعَ كلُّ مَنْ نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ على أنَّ نَفَقَةَ اللَّقِيطِ غيرُ واجبَةٍ على المُلْتَقِطِ كوُجُوبِ نَفَقةِ الوَلَدِ. وذلك لأن أسْبابَ وُجُوبِ النَّفَقَةِ مِن القَرابةِ، والزَّوْجِيَّة،

стр. 7919

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والمِلْكِ، والوَلاءِ، مُنْتَفِيَةٌ، فالالْتِقاطُ إنَّما هو تَخْلِيصٌ له مِن الهلاكِ، وتَبَرُّعٌ بحِفْظِه، فلا يُوجِبُ ذلك النَّفَقَةَ، كما لو فَعَلَه بغيرِ اللَّقِيطِ. وتَجِبُ نفقَتُه في بَيتِ المالِ، لقولِ عُمَرَ، ﵁، في حَدِيثِ أبي جَميلةَ: اذْهَبْ فهو حُرٌّ، ولك وَلاؤُه، وعلينا نَفَقَتُه. وفي روايةٍ: مِن بيتِ المالِ. ولأنَّ بيتَ المالِ وارِثُه، ومالُه مَصْرُوفٌ إليه، فكانت نَفَقَتُه عليه، كَقرابَتِه ومَولاه. فإن تَعَذَّرَ الإِنْفاقُ عليه مِن بَيتِ المالِ، لكَوْنِه لا مال فيه، أو كان في مكانٍ لا إمامَ فيه، أو لم يُعْطَ شيئًا، فعَلَى من عَلِمَ حاله مِن المُسْلِمِينَ الإِنْفاقُ عليه؛ لقَوْلِ الله تِعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾. ولأنَّ في تَركِ الإِنْفاقِ عليه هَلاكَه، وحِفْظُه مِن ذلك واجِبٌ، كإنقاذِه مِن الغَرَقِ. وهو فَرْضُ كِفايةٍ، ومن أنْفَقَ عليه مُتَبَرِّعًا، فلا شيءَ له، سواءٌ كان المُلْتَقِطَ أو غيرَه، وإن لم يَتَبرَّعْ أحَدٌ بالإنْفاقِ عليه، فأنْفَقَ عليه المُلْتَقِطُ أو غيرُه مُحْتَسِبًا بالرُّجُوعِ عليه إذا أيسَرَ، وكان ذلك بأمْرِ الحاكِمِ، لَزِم اللَّقِيطَ ذلك إذا كانتِ النَّفَقَةُ قَصْدًا بالمَعْرُوفِ. وبهذا قال الثَّوْرِيُّ، وأصحابُ الرَّأْي، والشافعيُّ. فإن أنْفَقَ بغيرِ أمْرِ الحاكِمِ مُحْتَسِبًا بالرُّجُوعِ عليه، فقال أحمدُ: تُؤَدَّى النَّفَقَةُ مِن بيتِ المالِ. وقال شُرَيحٌ، والنَّخَعِيُّ: يَرْجِعُ عليه بالنَّفَقَةِ إذا أشْهَدَ عليه، يحْلِفُ ما أنْفَقَ

стр. 7920

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ احْتِسابًا، فإن حَلَف اسْتُسْعِيَ (١). وقال الشَّعْبِيُّ، ومالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وأبو حنيفةَ، ومحمدُ بنُ الحَسَنِ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ: لا يَرْجِعُ بشيءٍ؛ لأنَّه أنْفَقَ عليه مِن غيرِ إذْنِه، ولا إذْنِ وَلِيِّه، ولا إذْنِ الحاكِمِ، فلم يَرْجِعْ بشيءٍ، كما لو تَبَرَّعَ به. ولَنا، أنَّه أدَّى مالًا وَجَب على غيرِه، فكان له الرُّجُوعُ على مَن كان الوُجُوبُ عليه، كالضّامِنِ إذا قَضَى عن المَضْمُونِ عنه.

стр. 7921

وَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ، إلا أنْ يُوجَدَ فِي بَلَدِ الْكُفَّارِ وَلَا مُسْلِمَ فِيهِ، فَيَكُونَ كَافِرًا. فَإِنْ كَانَ فِيهِ مُسْلِمٌ، فَعَلَى وَجْهَينِ. ــ ٢٥٢٢ - مسألة: (ويُحْكَمُ بإسْلامِه، إلَّا أن يُوجَدَ في بَلَدِ الكُفّارِ ولا مُسْلِمَ فيه، فيكونَ كافِرًا. فإن كان فيه مُسْلِمٌ، فعلى وَجْهَين) إذا وُجِدَ اللَّقِيطُ في دارِ الإِسْلامِ، فهو مَحْكُومٌ بإسْلامِه وإن كان فيها أَهْلُ الذِّمَّةِ؛ تغْلِيبًا للإِسْلام، ولظاهِرِ الدّارِ، ولأنَّ الإِسْلامَ يَعْلُو ولا يُعْلَى. ودارُ الإسْلام قِسْمان؛ أَحدُهما، ما اختَطَّهُ المُسْلِمونَ؛ كبَغْدادَ، والبَصْرَةِ، فلَقِيطُها محْكُومٌ بإسْلامِه، على ما ذَكَرْنا. الثاني، دارٌ فَتَحَها المُسْلِمونَ؛ كمَدائِنِ الشّامِ، فهذه إن كان فيها مُسْلِمٌ حُكِمَ بإسْلامِ لَقِيطِها؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ لذلك المُسْلِمِ، تَغْلِيبًا للإسْلامِ، وإن لم يَكُنْ فيها مُسْلِمٌ، بل كان أهْلُها أهْلَ ذِمَّةٍ، حُكِمَ بكُفْرِه؛ لأنَّ تَغْلِيبَ حُكْمِ

стр. 7922

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الإسْلامِ إنَّما يكونُ مع الاحْتِمالِ. فأمّا بَلَدُ الكُفّارِ فضَرْبانِ؛ أحَدُهما، بَلَدٌ كان للمسلمين فغَلَبَ الكُفّارُ عليه، كالسّاحِلِ، فهذا كالقِسْمِ الذي قبلَه: إن كان فيه مُسْلِمٌ حُكِمَ بإسْلامِ لَقِيطِه، وإن لم يَكُنْ فيه مُسْلِمٌ فهو كافِرٌ. وقال القاضِي: يُحْكَمُ بإسْلامِه أيضًا؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ فيه مُؤْمِن يَكْتُمُ إيمانَه، بخِلافِ الذي قبلَه، فإنَّه لا حاجَةَ به إلى كَتْمِ إيمانِه في دارِ الإسْلامِ. الثّاني، دارٌ لم تَكُنْ للمسلمين أصْلًا؛ كبِلادِ الهِنْدِ والرُّومِ، فإن لم يَكُنْ فيها مُسْلِمٌ، فلَقِيطُها كافِرٌ؛ لأنَّ الدّارَ لهم وأهْلَها منهم. وإن كان فيها مُسْلِمونَ؛ كالتُّجّارِ، وغيرِهم، ففيه وَجْهانِ؛

стр. 7923

وَمَا وُجِدَ مَعَهُ، مِنْ فِرَاشٍ تَحْتَهُ، أوْ ثِيَابٍ، أوْ مَالٍ فِي جَيبِهِ أوْ تَحْتَ فِرَاشِهِ، أوْ حَيَوَانٍ مَشْدُودٍ بِثِيَابِهِ، فَهُوَ لَهُ. وَإنْ كَانَ مَدْفُونًا ــ أحدُهما، يُحْكَمُ بإسْلامِه، تَغْلِيبًا للإِسْلامِ. والثّاني، يُحْكَمُ بكُفْرِه، تَغْلِيبًا للدّارِ والأكْثَرِ. وهذا التَّفْصِيلُ مَذْهَبُ الشافعيِّ. وقال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ عَوامُّ أهْلِ العِلْمِ على أنَّ الطِّفْلَ إذا وُجِدَ في بلادِ المسلمين مَيِّتًا في أيِّ مكانٍ وُجِدَ، أنَّه يَجِبُ غَسْلُه ودَفْنُه في مقابِرِ المسلمين، وقد مَنَعُوا أن يُدْفَنَ أطْفالُ المُشْرِكين في مقابِرِ المسلمين. قال: وإذا وُجِدَ لَقِيطٌ في قَرْيَةٍ ليس فيها إلَّا مُشْرِكٌ، فهو على ظاهِرِ ما حَكَمُوا به أنَّه كافِرٌ. هذا قولُ الشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي. ٢٥٢٣ - مسألة: (وما وُجِدَ معه؛ من فِراشٍ تَحْتَه، أو ثِيابٍ، أو مالٍ في جَيبِه أو تَحْتَ فِراشِه، أو حَيوانٍ مَشْدُودٍ بثِيابِه، فهو له. وإن

стр. 7924

تَحْتَهُ، أو مَطْرُوحًا قَرِيبًا مِنْهُ، فَعَلَى وَجْهَينِ. ــ كان مَدْفُونًا تَحْتَه، أو مَطْرُوحًا قريبًا منه، فعلى وَجْهَينِ) وجملةُ ذلك، أنَّ ما وُجِدَ مع اللَّقِيطِ فهو له، يُنْفَقُ عليه منه. وبه قال الشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي؛ لأنَّ الطِّفْلَ يَمْلِكُ، وله يَدٌ صَحِيحةٌ، بدَلِيلِ أنَّه يَرِثُ ويُورَثُ، ويَصِحُّ أن يَشْتَرِيَ له وَلِيُّه ويَبِيعَ، ومَن له مِلْكٌ صَحِيحٌ فله يَدٌ صَحِيحةٌ، كالبالِغِ. إذا ثَبَت هذا، فكلُّ ما كان مُتَّصِلًا به أو مُتَعلِّقًا بمنْفَعَتِه، فهو تحتَ يَدِه، ويَثْبُتُ بذلك مِلْكًا له في الظّاهِرِ، فمِن ذلك، ما كان لابِسَه، أو مَشْدُودًا في مَلْبُوسِه، أو في يَدَيهِ، أو تحتَه مَجْعُولًا (١)

стр. 7925

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فيه؛ كالسَّرِيرِ، والسَّفَطِ (١)، وما فيه من فَرْيقٍ أو دَراهِمَ، والثِّيابُ التي تحتَه والتي عليه. وإن كان مَشْدُودًا على دابَّةٍ، أو كانت مَشدُودَةً في ثِيابِه، أو كان في خَيمَةٍ أو دارٍ، فهي له. وأمّا المُنْفَصِلُ عنه، فإن كان بعيدًا منه، فليس في يَدِه. وإن كان قَرِيبًا منه؛ كَثَوْبٍ مَوْضُوعٍ إلى جانِبه، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، ليس له ذلك؛ لأنَّه مُنْفَصِلٌ عنه، فهو كالبَعِيدِ. والثاني، هو له؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّه تُرِكَ له، فهو كالذي تَحْتَه، ولأنَّ القَرِيبَ مِن البالِغِ يكونُ في يَدِه، ألا تَرَى أنَّ الرجلَ يَقْعُدُ في السُّوقِ وَمَتَاعُه بقرْبِه، ويُحْكَمُ بأنَّه في يَدِه، والحَمّالُ إذا جَلَس للاسْتِراحَةِ، تَرَك حِمْلَه قريبًا منه. وهذا أصَحُّ. فأمَّا المَدْفُونُ تَحْتَه، فقال ابنُ عَقِيلٍ: إن كان الحَفْرُ

стр. 7926

وَأوْلَى النَّاسِ بِحَضَانَتِهِ وَاجِدُهُ إِنْ كَانَ أمِينًا. ــ طَرِيًّا فهو له، وإلَّا فلا؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّه إذا كان طَرِيًّا فواضِعُ اللَّقِيطِ حَفَرَه، وإذا لم يَكُنْ طَرِيًّا، كان مَدْفُونًا قبل وَضْعِه. وقيل: ليس هو له بحالٍ، لأنَّه بمَوْضِع لا يَسْتَحِقُّه إذا لم يَكُنِ الحَفْرُ طَرِيًّا، فلم يَكُنْ له إذا كان طَرِيًّا، كالبَعِيدِ منه، ولأنَّ الظّاهِرَ أنَّه لو كان له، لَشَدَّه واضِعُه في ثِيابِه، ليُعْلَمَ به، ولم يَتْرُكْه في مكانٍ لا يُطَّلَعُ عليه. وكلُّ ما حَكَمْنا بأنَّه ليس له، فحُكْمُه حُكْمُ اللُّقَطَةِ أو الرِّكازِ. ٢٥٢٤ - مسألة: (وأوْلَى النّاسِ بحَضانَتِه واجِدُه إن كان أمِينًا) لأنَّ عُمَرَ، ﵁، أقَرَّ اللَّقِيطَ في يَدِ أبي جَمِيلَةَ، حين قال عَرِيفُه: إنَّه رَجُلٌ صالِحٌ. ولأنَّه سَبَق إليه، فكان أوْلَى به؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «مَنْ

стр. 7927

وَلَهُ الإنفَاقُ عَلَيهِ مِمَّا وُجدَ مَعَهُ بِغَيرِ إِذْنِ حَاكِمٍ. وَعَنْهُ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُنْفِقُ عَلَيهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ. ــ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيهِ مُسْلِمٌ، فَهُوَ أحَقُّ بِهِ» (١). وهل يَجِبُ الاشْهادُ عليه؟ فيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، لا يَجِبُ، كما لا يَجبُ الإِشْهادُ في اللُّقَطَةِ. والثّاني، يَجبُ؛ لأنَّ القَصْدَ بالإِشْهادِ حِفْظُ النَّسَبِ والحُرِّيَّةِ، فاخْتَصَّ بوُجُوبِ الشَّهادَةِ، كالنِّكاحِ. وفارَقَ اللُّقَطَةَ؛ فإنَّ المَقْصُودَ منها حِفْظُ المالِ، فلم يَجِبِ الإشْهادُ فيها، كالبَيعِ. ٢٥٢٥ - مسألة: (وله الإِنْفاقُ. عليه ممّا وُجِدَ معه بغيرِ إذْنِ حاكِم. وعنه، ما يَدُلُّ على أنَّه لا يُنْفِقُ عليه إلَّا بإذْنِه) وجُمْلةُ ذلك، أنَّه يُنْفِقُ على اللَّقِيطِ ممّا وُجدَ معه وما حُكِمَ له به، فإن كان فيه كِفايَتُه، لم تَجِبْ نَفَقَتُه على أحَدٍ؛ لأَنَّه ذو مالٍ، فأشْبَهَ غيرَه مِن النّاسِ. ولمُلْتَقِطِه الإِنْفاقُ عليه منه بغيرِ إذْنِ الحاكِمِ. ذَكَرَه ابنُ حامِدٍ؛ لأنَّه وَلِيُّه، فلم يُعْتَبَرْ في الإِنْفاقِ عليه إذْنُ الحاكِمِ، كوَلِيِّ اليَتِيمِ. ولأنَّ هذا مِن الأمْرِ بالمَعْرُوفِ، فاسْتَوَى فيه الإمامُ وغيرُه، كتَبْدِيدِ الخَمْرِ. وروَى أبو الحارِثِ، عن أحمدَ، في رَجُل أوْدَعَ رَجُلًا مالًا، وغابَ وطالتْ غَيبَتُه،

стр. 7928

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وله وَلَدٌ، ولا نَفَقةَ له، هل يُنْفِقُ عليهم هذا المُسْتَوْدَعُ مِن مالِ الغائِبِ؟ فقال: تقُومُ امْرأتُه إلى الحاكِمِ، حتى يَأْمُرَه بالإِنْفاقِ عليهم. فلم يَجْعَلْ له الإنْفاقَ مِن غيرِ إذْنِ الحاكِمِ، فقال بعضُ أصحابِنا: هذا مِثْلُه. والصَّحِيحُ أنَّ هذا مُخالِفٌ له مِن وَجْهَينِ؛ أحدُهما، أنَّ المُلْتَقِطَ له ولايَةٌ على اللَّقِيطِ وعلى مالِه؛ فإنَّ له ولايةَ أخْذِه وحِفْظِه. والثّانِي، أنَّه يُنْفِقُ على اللَّقِيطِ مِن مالِه، وهذا بخِلافِه، ولأنَّ الإِنْفاقَ على الصَّبِيِّ مِن مالِ أبيه (١) مَشْرُوطٌ بكَوْنِ الصَّبِيِّ مُحْتاجًا إلى ذلك؛ لعَدَمِ مالِه، وعَدَمِ نَفَقةٍ تَرَكَها أبُوه برَسْمِه، وذلك لا يُقْبَلُ فيه قولُ المُودَعِ، فاحْتِيجَ إلى إثْباتِ ذلك عند الحاكِمِ، ولا كذلك في مسألتِنا، فلا يَلْزَمُ مِن وُجُوبِ اسْتِئْذانِ الحاكِمِ ثَمَّ وُجُوبُهْ في اللَّقِيطِ. ومتى لم يَجِدْ حاكِمًا، فله الإنْفاقُ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّه حالُ ضَرُورَةٍ. وقال الشافعيُّ: ليس له أن يُنْفِقَ بغيرِ إذْنِ حاكِمٍ في مَوْضِعٍ يَجِدُ حاكِمًا، وإن أنْفَقَ ضَمِنَ، بمَنْزِلَةِ ما لو كان لأبي الصَّغِيرِ وَدِيعةٌ عند إنْسانٍ فأنْفَقَ عليه منها، وذلك لأنَّه لا ولايةَ له على مالِه، وإنَّما له حَقُّ الحَضانةِ. فإن لم يَجِدْ حاكِمًا، ففي جَوازِ الإِنْفاقِ وَجْهان. ولَنا، ما ذَكَرْناه ابْتِداءً، ولا نُسَلِّمُ أنَّه لا ولايةَ له على مالِه، فإنّا قد بَيَّنّا أنَّ له

стр. 7929

وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا، ــ أخْذَه وحِفْظَه، وهو أوْلَى النّاسِ به، وذَكَرْنا الفَرْقَ بينَ اللَّقِيطِ وبينَ ما قاسُوا عليه. إذا ثَبَت هذا، فالمُسْتَحَبُّ أن يَسْتَأْذِنَ الحاكِمَ في مَوْضِعٍ يَجِدُ حاكِمًا؛ لأنَّه أْبعَدُ مِن التُّهْمَةِ، وأقْطَعُ للظِّنَّةِ، وفيه خُرُوجٌ مِن الخِلافِ وحِفظٌ لمالِه مِن أن يَرْجِعَ عليه بما أنْفَقَ. ويَنْبَغِي أن يُنْفِقَ عليه بالمَعْرُوفِ، كما ذَكَرْنا في وَلِيِّ اليَتِيمِ. فإن بَلَغ اللَّقِيطُ، واخْتَلَفا في قَدْرِ ما أنْفَقَ، وفي التَّفْرِيطِ في الإِنْفاقِ، فالقولُ قولُ المُنْفِقِ؛ لأنَّه أمِينٌ، فكان القولُ قولَه في ذلك، كوَلِيِّ اليَتِيمِ. ٢٥٢٦ - مسألة: (وإن كان) المُلْتَقِطُ (فاسِقًا) لم يُقَرَّ في يَدِه. وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّ حِفْظَه للولايةِ عليه، ولا ولايةَ لفاسِقٍ. وظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ أنَّه يُقَرُّ في يَدِه، لقَوْلِه: وإن لم يَكُنْ مَن وَجَد اللَّقِيطَ أمِينًا، مُنِعَ مِن السَّفَرِ به؛ لئلَّا يَدَّعِيَ رِقَّهُ. فعلى قولِه، يَنْبَغِي أن يَجِبَ الإِشْهادُ عليه، ويُضَمَّ إليه مَن يُشْرِفُ عليه؛ لأنَّنا إذا ضَمَمْنا إليه في اللُّقَطَةِ مَنْ يُشْرِفُ عليه، فههُنا أوْلَى. قال القاضِي: والمَذْهَبُ أنَّه

стр. 7930

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يُنْزَعُ مِن يَدِه. ويُفارِقُ اللُّقَطَةَ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ؛ أحدُها، أنَّ في اللُّقَطَةِ مَعْنَى الكَسْبِ، وليس ههُنا إلَّا الولايةُ. الثّانِي، أنَّ اللُّقَطَةَ لو انْتَزَعْناها منه رَدَدْناها إليه بعد الحَوْلِ، فلذلك احْتَطْنا عليها مع بَقائِها في يَدِه، وههُنا لا يُرَدُّ إليه بعد الانْتِزاعِ منه بحالٍ، فكان الانْتِزاعُ أحْوَطَ (١). والثّالِثُ، أنَّ المَقْصُودَ ثَمَّ حِفْظُ المالِ، ويُمْكِنُ الاحْتِياطُ عليه بأن يَسْتَظْهِرَ عليه في التَّعْرِيفِ، أو ينصِبَ الحاكِمُ مَن يُعَرِّفُها، وههُنا المَقْصُودُ حِفْظُ الحُرِّيَّةِ والنَّسَبِ، ولا سَبِيلَ إلى الاسْتِظْهارِ عليه؛ لأنَّه قد يَدَّعِي رِقَّه في بعضِ البُلْدانِ، أو في بعضِ الزَّمانِ، ولأنَّ اللُّقَطَةَ إنَّما يُحْتاجُ إلى حِفْظِها والاحْتِياطِ عليها عامًا واحِدًا، وهذا يُحْتاجُ إلى الاحْتِياطِ عليه في جَميعِ زَمانِه. وقد ذَكَرْنا أنَّ ظاهِرَ قَوْلِ الخِرَقِيِّ أنَّه لا يُنْتَزَعُ منه؛ لأنَّه قد ثَبَتَتْ له الولايةُ بالْتِقاطِه إيّاه وسَبْقِه إليه، وأمْكَنَ حِفْظُه في يَدَيهِ بالإِشْهادِ عليه، وضَمِّ أمِينٍ يُشارِفُه إليه ويُشِيعُ أمْرَه، فيَظْهَرُ أنَّه لَقِيطٌ، فيَنْحَفِظُ بذلك

стр. 7931

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مِن غيرِ زَوالِ ولايَتِه، جَمْعًا بين الحَقَّين، كاللُّقَطَةِ، وكما لو كان الوَصِيُّ خائِنًا. قال شيخُنا (١): وما ذَكَرَه القاضِي مِن التَّرْجِيحِ لِلُّقَطَةِ، يُمْكِنُ مُعارَضَتُه بأنَّ اللَّقِيطَ ظاهِرٌ مَكْشُوفٌ لا تَخْفَى الخِيانَةٌ فيه؛ بخِلافِ اللُّقَطَةِ؛ فإنَّها خَفِيَّةٌ تَتَطَرَّقُ إليها الخِيانَةُ ولا يُعْلَمُ بها، ويُمْكِنُ أخْذُ بعَضِها وتَنْقِيصُها وإبْدالُها، بخِلافِ اللَّقِيطِ. ولأنَّ المال مَحَلُّ الخِيانةِ، والنُّفُوسُ إلى أخْذِه داعِيَةٌ؛ بخِلافِ النُّفُوسِ. فعلى هذا، متى أرادَ هذا المُلْتَقِطُ السَّفَرَ باللَّقِيطِ، مُنِعَ منه؛ لأنَّه يُبْعِدُه مِمَّن عَرَف حاله، فلا يُؤْمَنُ أن يَدَّعِيَ رِقَّهُ ويَبِيعَه. فصل: فإن كان المُلْتَقِطُ مَسْتُورَ الحالِ، لم تُعْرَفْ منه حَقِيقهُّ العَدالةِ ولا خِيانةٌ، أُقِرَّ اللَّقِيطُ في يَدَيه؛ لأنَّ حُكْمَه حُكْمُ العَدْلِ في لُقَطَةِ المالِ

стр. 7932

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والولايةِ في النِّكاحِ والشَّهادَةِ فيه، وفي أكْثَرِ الأحْكامِ؛ لأنَّ الأصْلَ في المُسْلِمِ العَدَالةُ؛ ولذلك قال عُمَرُ، ﵁: المُسْلِمون عُدُولٌ بعضُهم على بعضٍ. فإن أرادَ السَّفَرَ بلقِيطِه، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، لا يُقَرُّ في يَدَيهِ. وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه لم تَتَحَقَّقْ أمانته، فلا تُؤْمَنُ الخيانَةُ منه فيه. والثّاني، يُقَرُّ في يَدَيه؛ لأنَّه يُقَرُّ في يَدَيه في الحَضرِ مِن غيرِ مُشْرِفٍ يُضَمُّ إليه، فأشْبَهَ العَدْلَ، ولأنَّ الظّاهِرَ السَّتْرُ والصِّيانَةُ. فأمّا مَنْ عُرِفَتْ عدالتُه وظَهَرِتْ أمانَتُه، فيُقَرُّ اللَّقِيطُ في يَدِه حَضَرًا وسَفَرًا؛ لأنَّه مَأمُونٌ إذا كان سَفرُه لغيرِ النُّقْلَةِ.

стр. 7933

أوْ رَقِيقًا، ــ ٢٥٢٧ - مسألة: فإن كان المُلْتَقِطُ رَقِيقًا، لم يُقَرَّ في يَدِه . وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه ليس للعَبْدِ الْتِقاطُ الطِّفْلِ المَنْبُوذِ إذا وُجِدَ مَنْ يَلْتَقِطُه سِواه؛ لأنَّ مَنافِعَه مَمْلُوكة لسَيِّدِه، فلا يُذْهِبُها في غيرِ نَفْعِه إلَّا بإذْنِه، ولأنَّه لا يَثْبُتُ على اللَّقِيطِ إلَّا الولايةُ، ولا ولايةَ لعَبْدٍ. فإنِ الْتَقَطَه، لم يُقَرَّ في يَدِه إلَّا بإذْنِ السَّيِّدِ، فإن أذِنَ له، أُقِرَّ في يَدِه؛ لأنَّه اسْتَعانَ به في ذلك، فصارَ كما لو الْتَقَطَه سيِّدُه وسَلَّمَه إليه. قال ابنُ عَقِيلٍ: إذا أذِنَ له السَّيِّدُ، لم يَكُنْ له الرُّجُوعُ بعدَ ذلك، وصار كما لو الْتَقَطَه السَّيِّدُ. والحُكْمُ في الأمَةِ كالحُكْمِ فىَ العَبْدِ. فأمّا إن لم يَجِدْ أحَدًا يَلْتَقِطُه سِوَاه، وَجَب الْتِقاطُه؛ لأنَّه تَخْلِيصٌ له مِن الهَلاكِ، فهو كتَخْلِيصِه مِن الغَرَقِ. والمُدَبَّرُ، وأُمُّ الوَلَدِ، والمُعَلَّقُ عِتْقُه بصِفَةٍ؛ كالقِنِّ، وكذلك المُكاتَبُ؛ لأنَّه ليس له التبرعُ بمالِه ولا بمَنافِعِه إلَّا أن يَأْذَنَ له سَيِّدُه في ذلك.

стр. 7934

أَوْ كَافِرًا وَاللَّقِيطُ مُسْلِمٌ، أوْ بَدَويًّا يَنْتَقِلُ في الْمَوَاضِعِ، ــ ٢٥٢٨ - مسألة: (أو كافِرًا واللَّقِيطُ مُسْلِمٌ) ليس للكافِرِ الْتِقاطُ مَنْ حُكِمَ بإسْلامِه؛ لأنَّه لا ولايَةَ لكافِرٍ على مُسْلِمٍ، ولأنَّه لا يُؤْمَنُ أن يُعَلِّمَه الكُفْرَ، بل الظّاهِرُ أنَّه يُرَبِّيه على دِينِه، ويَنْشَأ على ذلك، كوَلَدِه. فإنِ الْتَقَطَه، لم يُقَرَّ في يَدِه. فإن كان الطِّفْلُ مَحْكُومًا بكُفْرِه، فله الْتِقاطُه؛ لأنَّ الذين كَفَرُوا بعضُهم أوْلِياء بعضٍ. ٢٥٢٩ - مسألة: (أو بَدَويًّا يَنْتَقِلُ في المواضِعِ) ففيه وَجْهان؛ أحدهما، أنه يُقَرُّ في يَدِه؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّه ابن بَدَويَّينِ، وإقْرارُه في يَدِ مُلْتَقِطِه

стр. 7935

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أرْجَى لِكَشْفِ نَسَبِه. والثّانِي، يُؤْخَذُ منه فيُدْفَعُ إلى صاحِبِ قَرْيَةٍ؛ لأنَّه أرْفَهُ له وأخَفُّ عليه.

стр. 7936

أَوْ وَجَدَهُ فِي الْحَضَرِ فَأرَادَ نَقْلَهُ إلَى الْبَادِيَةِ، لَمْ يُقَرَّ فِي يَدِه. وَإنِ الْتَقَطَهُ فِي الْبَادِيَةِ مُقِيمٌ فِي حِلَّةٍ، أوْ مَنْ يُرِيدُ نَقْلَهُ إِلَى الْحَضَرِ أُقِرَّ مَعَهُ. وَإنِ الْتَقَطَهُ فِي الْحَضَرِ مَنْ يُرِيدُ نَقْلَهُ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ فَهَلْ يُقَرُّ فِي يَدِهِ؟ عَلَى وَجْهَينَ. ــ ٢٥٣٠ - مسألة: وإن (وَجَدَه في الحَضَرِ وأرادَ نَقْلَه إلى البادِيَةِ، لم يُقَرَّ في يَدِه) لوَجْهَين؛ أحدُهما، أنَّ مُقامَه في الحَضَرِ أصْلَحُ له في دِينِه ودُنْياه، وأرْفهُ له. والثّانِي، أنَّه إذا وُجدَ في الحَضَرِ، فالظّاهِرُ أنَّه وُلِدَ فيه، فبَقاؤُه فيه أرْجَى لِكشْفِ نَسَبِه، وظُهُورِ أهْلِه، واعْتِرافِهِم به. ٢٥٣١ - مسألة: (وإنِ الْتَقَطَه في البادِيَةِ مُقِيمٌ في حِلَّةٍ) أُقِرَّ في يَدِه؛ لأنَّه يَنْقُلُه مِن أرْضِ البُؤْسِ والشَّقَاءِ إلى الرَّفاهِيَةِ والدَّعَةِ والدِّينِ. ٢٥٣٢ - مسألة: (وإنِ الْتَقَطَه في الحَضَرِ مَن يُرِيدُ نَقْلَه إلى بَلَدٍ آخَرَ) للإِقامَةِ فيه، لم يَجُزْ في أحَدِ الوَجْهين؛ لأنَّ بقاءَه في بَلَدِه أرْجَى لِكَشْفِ نَسَبِه، فلم يُقَرَّ في يَدِه، قِياسًا على المُنْتَقِلِ به إلى البادِيَةِ. والثّاني،

стр. 7937

وَإنِ الْتَقَطَهُ اثْنَانِ، قُدِّمَ الْمُوسِرُ مِنْهُمَا عَلَى الْمُعْسِرِ، وَالْمُقِيمُ عَلَى الْمُسَافِرِ. ــ يُقَرُّ في يَدِه؛ [لأنَّ ولايتَه ثابِتَةٌ] (١)، والبَلَدُ الثاني كالأوَّلِ في الرَّفاهِيَةِ، فيُقَرُّ في يَدِه، كالمُنْتَقِلِ مِن أحَدِ جانِبي البَلَدِ إلى الجانِبِ الآخرِ، وفارَقَ المُنْتَقِلَ به إلى البادِيَةِ؛ لأنَّه يَضُرُّ به بتَفْويتِ الرَّفاهِيَةِ عليه. ٢٥٣٣ - مسألة: (وإن الْتَقَطَه اثْنان، قُدِّم المُوسِرُ منهما على المُعْسِرِ، والمُقيمُ على المُسافِرِ) فإن اسْتَوَيَا وتَشاحّا أُقْرِعَ بينهما. إذا

стр. 7938

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الْتَقَطَه اثْنان وتَناوَلاه تَناوُلًا واحِدًا، لم يَخْلُ مِن ثَلاثةِ أقسام؛ أحدُها، أن يكونَ أحَدُهما مِمَّن يُقَرُّ في يَدِه، كالمُسْلِمِ العَدْلِ الحُرِّ، والآخَرُ لا يُقَرُّ في يَدِه، كالكافِرِ -إذا كان المُلْتَقَطُ (١) مُسْلِمًا- والفاسِقِ، والعَبْدِ إذا لم يَأْذَنْ له سَيِّدُه، فإنَّه يُسَلَّمُ إلى مَن يُقَرُّ في يَدِه دُونَ شَرِيكِه، كمن الْتَقَطَه وحدَه، ولأنَّ الشَّرِيكَ لو الْتَقَطَه وحدَه لم يُسَلَّمْ إليه، فإذا شارَكَه مَن هو مِن أهْلِ الالْتِقاطِ، كان أوْلَى بالتَّسْلِيمِ إليه وإقْرارِه في يَدِه. الثّاني، أن يكونا جَمِيعًا مِمَّن لا يُقَرُّ في يَدَيْ واحدٍ منهما، فإنَّه يُنْزَعُ منهما ويُسَلَّمُ إلى غيرِهما. الثالثُ، أن يكونَ كلُّ واحدٍ منهما مِمَّنْ يُقَرُّ في يَدِه لو انْفَرَدَ، إلَّا أنَّ أحَدَهُما أحَظُّ للَّقِيطِ مِن الآخرِ، بأن يكونَ أحَدُهُما مُوسِرًا والآخَرُ مُعْسِرًا، فالمُوسِرُ أحَقُّ؛ لأنَّ ذلك أحَظُّ للطِّفْلِ، وكذلك إن كان أحَدُهُما مُقِيمًا والآخَرُ مُسافِرًا؛ لأنَّه أرْفَقُ بالطِّفْلِ.

стр. 7939

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: وإن الْتَقَطَ مُسْلِمٌ وكافِرٌ طِفْلًا مَحْكُومًا بكُفْرِه، فالمُسْلِمُ أحَقُّ. وقال أصحابُنا، وأصحابُ الشافعيِّ: هما سَواءٌ؛ لأنَّ للكافِرِ ولإيَةً على الكافِرِ، ويُقَرُّ في يَدِه إذا انْفَرَدَ بالْتِقاطِه، فساوَى المُسْلِمَ في ذلك. ولَنا، أنَّ دَفْعَه إلى المُسْلِمِ أحَظُّ له؛ لأنَّه يَصِيرُ مُسْلِمًا، فيَسْعَدُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ويَنْجُو مِن النّارِ، ويَتَخَلَّصُ مِن الجِزْيَةِ والصَّغارِ، فالتَّرْجِيحُ بهذا أوْلَى مِن التَّرْجِيحِ باليسارِ الذي إنَّما يَتَعَلَّقُ به توْسِعَة عليه في الإنْفاقِ، وقد يكونُ المُوسِرُ بَخِيلًا، فلا تَحْصُلُ التَّوْسِعَةُ، فإن تعارَضَ التَّرْجِيحان، فكان المُسْلِمُ فقيرًا والكافِرُ مُوسِرًا، فالمُسْلِمُ أوْلَى؛ لأنَّ النَّفْعَ الحاصِلَ له بإسْلامِه أعْظَمُ مِن النَّفْعِ الحاصِلِ له بيَسارِه مع كُفْرِه. وعندَهم، يُقَدَّمُ الكافِرُ. وعلى قِياسِ قَوْلِهم في تَقْدِيم المُوسِرِ، يَنْبَغي أن يُقَدَّمَ الجَوَادُ على البَخِيلِ؛ لأنَّ حَظَّ الطِّفْلِ عندَه أكْثَرُ مِن الجِهَةِ التي يَحْصُلُ له الحَظُّ فيها باليَسارِ.

стр. 7940

فَإِنْ تَسَاوَيَا وَتَشَاحَّا، أُقْرِعَ بَينَهُمَا. ــ ٢٥٣٤ - مسألة (١): (فإن تَساوَيا وتَشاحّا، أُقْرِعَ بينهما) إذا تَساوَيا في الأوْصافِ التي تَقتَضِي تَقديمَ أحَدِهما على الآخرِ، فرَضِيَ أحَدُهُما بتَسْليمِه إلى صاحِبِه، جازَ؛ لأنَّ الحَقَّ له، فلا يُمْنَعُ مِن الإِيثارِ به. وإن تَشاحّا أُقْرِعَ بينهما؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ (٢). ولأنَّه لا يُمْكِنُ كَوْنُه عندَهما في حالةٍ واحدةٍ. وإن تَهايَآهُ يومًا ويَوْمًا أو أكْثَرَ، أضَر بالطِّفْلِ؛ لاخْتِلافِ الأغْذِيَةِ عليه والأُنْسِ والإِلْفِ، ولا يُمْكِنُ دَفْعُهْ إلى أحَدِهما بغيرِ قُرْعَةٍ؛ لأنَّ حَقَّهُما مُتَساوٍ، فتَقْدِيمُ أحَدِهما بغيرِ قُرْعَةٍ تَحكُّم لا يجوزُ، فتَعَيَّنَ الإقْراعُ بينهما، كما يُقْرَعُ بينَ الشُّرَكاءِ في تَعْيِينِ السِّهام في القِسْمَةِ، وبينَ النِّساء في البِدايَةِ بالقِسْمَةِ، وبينَ العَبيدِ في الإعْتاقِ. والرَّجُلُ والمرأةُ سَوَاءٌ، ولا تُرَجَّحُ المرأة ههُنا كما تُرَجَّحُ في حَضانَةِ وَلَدِها على أبِيه؛ لأنَّها رُجِّحَتْ ثَمَّ لشَفَقَتِها على وَلَدِها، وتَوَلِّيها لحَضانَتِه بنَفْسِها والأبُ يَحْضُنُه بأجْنَبيَّةٍ، فكانت أُمُّه أحَظَّ له وأرْفَقَ به، أمّا ههُنا فهي أجْنَبِيَّةٌ مِن اللَّقِيطِ، والرَّجُلُ

стр. 7941

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يَحْضُنُه بأجْنَبِيَّةٍ، فاسْتَوَيا. ومَذْهَبُ الشافعيِّ [في هذا] (١) على ما ذَكَرْنا. فإن كان أحَدُهُما مَسْتُورَ الحالِ والآخَرُ ظاهِرَ العَدَالةِ، احْتَمَل تَرجِيحُ ظاهِرِ العَدالةِ؛ لأنَّ المانِعَ مِن الالْتِقاطِ مُنْتَفٍ في حَقِّه بغيرِ شَكٍّ، والآخرَ مَشْكُوكٌ فيه، فيكونُ الحَظُّ للطِّفْلِ في تَسْلِيمِه إليه أتَمَّ. ويَحْتَمِلُ أن يتَساوَيا، لأنَّ احْتِمال وُجُودِ المانِعِ لا يؤَثِّرُ في المَنْعِ، فلا يُوثِّرُ في التَّرْجِيحِ. فصل: وإن رَأياهُ جميعًا، فسَبَقَ (٢) أحَدُهُما فأخَذَه، أو وَضَع يَدَه عليه، فهو أحَقُّ به؛ لقولِه، ﵇: «مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيهِ مُسْلِمٌ، فَهُوَ أحَقُّ بِهِ» (٣). فإن رَآه أحَدُهما قبلَ صاحِبِه، فسَبَقَ إلى أخْذِه الآخَرُ، فالسّابِقُ إلى أخْذِه أحَقُّ؛ لأنَّ الالْتِقاطَ هو الأخْذُ دُونَ الرُّؤْيَةِ. فإن قال أحَدُهُما لصاحِبِه: نَاولْنِيه. فأخَذَه الآخَرُ، نَظَرْنا إلى نِيَّتِه؛ فإن نَوَى أخْذَه لنَفْسِه، فهو أحَقُّ به، كا لو لم يَأْمُرْه الآخَرُ بمُناولَتِهِ إيّاه، وإن نَوَى مُناوَلَتَه فهو للآخَرِ؛ لأنَّه فَعَل ذلك بِنيَّةِ النِّيابَةِ عنه، فأشْبَهَ ما لو تَوَكَّلَ له في تَحْصِيلِ مُباحٍ.

стр. 7942

فَإِنِ احْتَلَفَا فِي الْمُلْتَقِطِ مِنْهُمَا، قُدِّمَ مَنْ لَهُ بَيِّنَةٌ. ــ ٢٥٣٥ - مسألة: (فإنِ اخْتَلَفا في المُلْتَقِطِ منهما، قُدِّمَ مَن له بَيِّنَةٌ) لأنَّها أقْوَى. فإن كان لكل واحدٍ منهما بَيِّنةٌ، قُدِّمَ أسْبَقُهُما تارِيخًا؛ لأن الثانيَ إنَّما أخَذَ ما قد ثَبَت الحَقُّ فيه لغيرِه. فإنِ اسْتَوَى تارِيخُهُما، أو أُطْلِقَتا، أو أُرِّخَت إحْداهُما وأُطْلِقَتِ الأُخْرَى، تَعارَضَتا، وهل يَسْقُطانِ أو يُسْتَعْمَلان؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، يَسْقُطان، فيَصِيران كَمَن لا بَيِّنَةَ لهما. والثاني، يُسْتَعْمَلان، ويُقْرَعُ بينهما، فمَن قَرَع صاحِبَه فهو أوْلَى. ونَذكُرُ ذلك في بابه، إن شاء اللهُ تعالى. فإن كان اللَّقِيطُ في يَدِ أحَدِهما، فهل تُقَدَّمُ بَيِّنَتُه، أَو تُقَدَّمُ بَيِّنةُ الخارِجِ؛ فيه وَجْهان مبْنِيّان على الرِّوايَتَين في دَعْوَى المالِ.

стр. 7943

فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ قُدِّمَ صَاحِبُ الْيَدِ، ــ ٢٥٣٦ - مسألة: (فإن لم يَكُنْ لهما بَيِّنَةٌ، قُدِّمَ صاحبُ اليَدِ) فيكونُ القَوْلُ قَوْلَه مع يَمِينِه أنَّه الْتَقَطَه. ذَكَره أبو الخَطّابِ. وهو قولُ الشافعيِّ. وقال القاضِي: قِياسُ المَذْهَبِ أنَّه لا يَحْلِفُ، كما في الطلاقِ والنِّكاحِ. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : «لَوْ يُعْطَى النّاسُ بدَعْوَاهُم، لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ قَوْمٍ وَأمْوَالهُمْ، وَلَكِنَّ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيهِ». رَواه مسلمٌ (١).

стр. 7944

فَإِنْ كَانَ فِي أَيدِيهِمَا، أُقْرِعَ بَينَهُمَا. وَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا يَدٌ فَوَصَفَهُ أَحَدُهُمَا، قُدِّمَ، ــ ٢٥٣٧ - مسألة: (فإن كان في أيدِيهما، أُقْرِعَ بينَهما) فيُسَلَّمُ إلى مَن تَقَعُ له القُرْعَةُ مع يَمِينِه. وعلى قولِ القاضِي، لا تُشْرَعَ اليمِينُ ههُنا، ويُسَلَّمُ إليه بمُجَرَّدِ وُقُوعِ القُرْعَةِ له. ٢٥٣٨ - مسألة: (فإن لم يَكُنْ لهما يدٌ فوَصَفَه أحدُهما، قُدِّمَ) نحوَ أن يَقُولَ: في ظَهْرِهِ شامَةٌ. أو: بجَسَدِه عَلامةٌ. فيُقَدَّمُ بذلك. ذَكَره

стр. 7945

وَإلَّا سَلَّمَهُ الْحَاكِمُ إِلَى مَنْ يَرَى مِنْهُمَا أوْ مِنْ غَيرِهِمَا. ــ أبو الخَطَّابِ. وهو قولُ أبِي حَنيفةَ. وقال الشافعيُّ: لا يُقَدَّمُ بالصِّفَةِ، كما لو وَصَف المُدَّعِي المُدَّعَى، فإنَّ دَعْواهُ لا تُقَدَّمُ بذلك. ولَنا، أنَّ هذا نَوْعٌ مِن اللُّقَطَةِ، فقُدِّمَ بوَصْفِها، كلُقَطةِ المالِ، ولأنَّ ذلك يَدُلُّ على قُوَّةِ يَدِه، فكان مُقَدَّمًا بها. وقِياسُ اللَّقِيطِ على اللُّقَطَةِ أوْلَى مِن قِياسِه على غيرِها؛ لأنَّ اللَّقِيطَ لُقَطَةٌ. وإن لم يَصِفْه أحَدُهما، فقال القاضِي، وأبو الخطَّابِ: يُسَلِّمُه الحاكِمُ إلى مَن يَرَى منهما أو مِن غيرهما؛ لأنَّه لا حَقَّ لهما. قال شيخُنا (١): والأوْلَى أن يُقرَعَ بينهما، كما لو كان في أيديهما؛ لأنَّهما تَنازَعا حَقًّا في يَدِ غيرِهما، أشْبَهَ ما لو تَنازَعا وَدِيعةً عند غيرِهما.

стр. 7946

فَصْلٌ: وَمِيرَاثُ اللَّقِيطِ وَدِيَتُهُ إِنْ قُتِلَ لِبَيتِ الْمَالِ. ــ فصل: قال، ﵀: (ومِيراثُ اللَّقِيطِ ودِيَتُه إن قُتِلَ لبَيتِ المالِ) إن لم يُخَلِّفْ وارِثًا. ولا وَلاءَ عليه. وإنَّما يَرِثُه المُسْلِمون؛ لأنَّهم خُوِّلُوا كلَّ مالٍ لا مالِكَ له، ولأنَّهم يَرِثُون مال مَنْ لا وارِثَ له غيرَ اللَّقِيطِ، فكذلك اللَّقِيطُ. وهذا قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ. وقال شُرَيحٌ، وإسحاقُ (١): عليه الوَلاءُ لمُلْتَقِطِه؛ لقَوْلِ عُمَرَ، ﵁، لأبي جَميلَةَ في لَقِيطِه: هو حُرٌّ، ولك وَلاؤُه (٢). ولِما روَى واثِلَةُ بنُ الأسْقَعِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «المَرْأةُ تَحُوزُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ؛

стр. 7947

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ عَتِيقَهَا، وَلَقِيطَهَا، وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَلَيهِ». أخْرَجَه أبو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ (١)، وقال: حَدِيثٌ حَسنٌ. ولَنا، قولُ النبيِّ ﷺ : «إنَّما الوَلَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ» (٢). ولأنَّه لم يَثْبُتْ عليه رِقٌّ، ولا على آبائِه، فلم يَثْبُتْ عليه وَلاءٌ، كمَعْرُوفِ النَّسَبِ. ولأنَّه لا وَلاءَ عليه إن كان ابنَ حُرَّين، وإن كان ابنَ مُعْتَقَيْن، فلا يكونُ عليه وَلاءٌ لغيرِ مُعْتِقِهما. وحَدِيثُ واثِلَةَ لا يَثْبُتُ. قالهُ ابنُ المُنْذِرِ. وقال في خَبَرِ عُمَر: أبو جَمِيلَةَ رَجُلٌ مَجْهُولٌ، لا تَقُومُ بحَدِيثِه حُجَّةٌ. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ عُمَرُ، ﵁، عَنَى بقَوْلِه: لَكَ وَلاؤُه. ولايَةَ القِيامِ به وحِفْظِه. ولذلك ذَكَرَه عَقِيبَ قولِ عَرِيفِه: إنَّه رَجُلٌ صالِحٌ. وهذا يَقْتَضِي تَفْويضَ الولايةِ إليه؛ لكَوْنِه مَأمُونًا عليه، دُونَ المِيرَاثِ. إذا ثَبَت هذا، فحُكْمُ اللَّقِيطِ في المِيراثِ حُكْمُ مَن عُرِفَ نَسَبُه وانْقَرَضَ أهْلُه، يُدْفَعُ إلى بَيتِ المالِ إذا لم يَكُنْ له وارِث، فإن كانت له زَوْجَةٌ فلها الرُّبْعُ، والباقِي لبَيتِ المالِ، كمَنْ عُرِفَ نَسَبُه. واللهُ أعْلَمُ. فإن قُتِلَ خَطَأً فالدِّيَةُ لبيتِ المالِ؛ لأنَّ حُكْمَها حُكْمُ المِيراثِ، وهو لبَيتِ المالِ، فكذلك الدِّيَةُ.

стр. 7948

وَإنْ قُتِلَ عَمْدًا، فَوَلِيُّهُ الإِمَامُ، إِنْ شَاءَ اقْتَصَّ (١)، وَإنْ شَاءَ أخَذَ الدِّيَةَ. وإنْ قُطِعَ طَرَفُهُ عَمْدًا، انْتُطرَ بُلُوغُهُ، إلا أنْ يَكُونَ فَقِيرًا أَوْ مَجْنُونًا، فَلِلْإِمَامِ الْعَفْوُ عَلَى مَالٍ يُنْفَقُ عَلَيهِ. ــ ٢٥٣٩ - مسألة: (وإن قُتِلَ عَمْدًا، فوَلِيُّه الإمامُ، إن شاء اقْتَصَّ، وإن شاء أخَذَ الدِّيَةَ) أيَّ ذلك فَعَل جاز إذا رآه أصْلَحَ. وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ، إلَّا أنَّ أبا حنيفةَ يُخَيِّرُه بين القِصاصِ والمُصالحَةِ؛ لقولِ رسولِ اللهِ ﷺ : «فَالسُّلْطانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ» (٢). ومتى عَفَا على مالٍ أو صالحَ عليه، كان لبَيتِ المالِ، كجِنايَةِ الخَطأ المُوجِبَةِ للمالِ. ٢٥٤٠ - مسألة: (وإن قُطِعَ طَرَفُه عَمْدًا، انْتُظِرَ بُلُوغُه، إلَّا أن يكونَ فَقِيرًا أو مَجْنُونًا، فللإمامِ العَفْوُ على مالٍ يُنْفَقُ عليه) إذا جُنِيَ على

стр. 7949

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ اللَّقِيطِ جِنايَةٌ فيما دُونَ النَّفْسِ. تُوجِبُ المال، قبلَ بُلُوغِه، فلِوَلِيِّه أخْذُ الأَرْشِ. وإن كانت مُوجِبَةً للقِصاصِ وله مالٌ يَكْفِيه، وَقَفَ الأمْرُ على بُلُوغِه ليَقْتَصَّ أو يَعْفُوَ، سواءٌ كان عاقِلًا أو مَعْتُوهًا. وكذلك إن لم يَكُنْ له مالٌ وكان عاقِلًا. وإن كان مَعْتُوهًا، فللإمام العَفْوُ على مالٍ يُنْفَقُ عليه؛ لأنَّ المَعْتُوهَ ليست له حالٌ مَعْلُومَةٌ تُنْتَظرُ؛ لأنَّ ذلك قد يَدُومُ به، بخِلافِ العاقِلِ، فإنَّ له حالةً تُنْتَظَرُ. ويُحْبَسُ الجانِي في الحالِ التي يُنْتَظَرُ بُلُوغُه حتى يَبْلُغَ ويَسْتَوْفِيَ لِنَفْسِه. وهذا مذهبُ الشافعيِّ. وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّ للإمامِ اسْتِيفاءَ القِصاصِ له قبلَ بُلُوغِه. وهو مَذْهَبُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه أحَدُ نَوْعَي القِصاصِ، فكان للإمامِ اسْتِيفاؤُه عن اللَّقِيطِ؛ كالنَّفْسِ. ولَنا، أنَّه قِصاصٌ لم يَتَحَتَّمِ اسْتِيفاؤُه، فوَقَفَ على مَن هو له، كما لو كان بالِغًا غائِبًا. وفارَقَ القِصَاصَ في النَّفْسِ؛ لأنَّ القِصاصَ ليس هو له، بل هو لِوارِثِه، والإمامُ المُتَوَلِّي له.

стр. 7950

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فصل: إذا جَنَى اللَّقِيطُ جِنايَةً تَحْمِلُها العاقِلةُ، فهي على بَيتِ المالِ؛ لأنَّ مِيراثَه له، ونَفَقَتَه عليه. وإن جَنَى جِنايَةً لا تَحْمِلُها العاقِلَةُ، فحُكْمُه فيها حُكْمُ غيرِ اللَّقِيطِ؛ إن كانتْ تُوجِبُ القِصاصَ وهو بالِغٌ عاقِلٌ، اقْتُصَّ منه، وإن كانت مُوجِبَةً للمالِ وله مالٌ، اسْتُوْفِيَ منه، وإلا كان في ذِمَّتِه حتى يُوسِرَ. وإن قَذَف اللَّقِيطُ بعدَ بُلُوغِه مُحْصَنًا، حُدَّ ثمانِينَ؛ لأنَّه حُرٌّ.
следующие страницы →