فَإِنْ كَانُوا ثَمَانِيَةً، فَإِنْ شَاءَ أقْرَعَ بَينَهُمْ بِسَهْمَيْ حُرِّيَّةٍ، وَخَمْسَةِ رِقٍّ، وَسَهْمٍ لِمَنْ ثُلُثَاهُ حُرٌّ. وَإنْ شَاءَ جَزَّأهُمْ أرْبَعَةَ أجْزَاءٍ، وَأقْرَعَ بَينَهُمْ بِسَهْمِ حُرِّيَّةٍ، وَثلَاثَةِ رِقٍّ، ثُمَّ أعَادَ الْقُرْعَةَ بَينَهُمْ لإخْرَاجِ مَنْ ثُلُثَاهُ حُرٌّ. وَإن فَعَل غَيرَ ذَلِكَ جَازَ.
ــ
٢٩٥٥ - مسألة: (وإن كانوا ثمانيةً، فإن شاءَ أقْرَعَ بينَهم بسَهْمَيْ حُرِّيَّةٍ، وخمسةِ رِقٍّ، وسهمٍ لمَن ثُلُثاه حُرٌّ. وإن شاء جَزَّأهُم أرْبَعَةَ أجْزاءٍ، فأقْرعَ بينَهم بسَهْمَ حُرِّيَّةٍ، وثَلاثَةِ رقٍّ، ثم أعادَ القُرْعَةَ لإخراجِ مَن ثُلُثاه حُرٌّ. وإن فَعَل غيرَ ذلك جازَ) بأن يَجْعَلَ ثَلاثَةً جُزْءًا، وثَلاثةً جُزْءًا، واثْنَين جُزْءًا، فإن خَرَجَتِ القُرْعةُ (١) على الاثْنَين عَتَقَا، وكُمِّلَ الثُّلُثُ بالقُرْعَةِ مِن الباقِين، وإن خَرَجَت لثَلاثَةٍ (٢) أقْرِعَ بينَهم بسَهْمَيْ حُرِّيَّةٍ، وسَهْمِ رِقٍّ، فإن كان جَمِيعُ مالِه عَبْدَينِ، أقْرَعْنا بينَهم بسَهْم حُرِّيَّةٍ وسَهْمَ (٣) رِقٍّ على كل حالٍ.
فصل: قد ذَكَرْنا أنَّه إذا كان للمُعْتِقِ مالٌ غيرَ العَبيدِ مِثْلَا قِيمَةِ العَبيدِ عَتَقُوا جَمِيعُهم؛ لخُرُوجِهم مِن الثُّلُثِ، وإن كان أقَلَّ مِن مِثْلَيهِم، عَتَق مِن العَبيدِ قَدْرُ ثُلُثِ المالِ كلِّه، فإذا كان العَبِيدُ نِصْفَ المالِ عَتَق ثُلُثاهُم، وإن كانوا ثُلُثَيِ المالِ عَتَق نِصْفُهم، وإن كانوا ثلاثةَ أرْباعِه عَتَق أرْبَعةُ
стр. 9207
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أتْساعِهم. وطَرِيقُهُ أن تَضْرِبَ قِيمَةَ العَبيدِ في ثلاثةٍ، ثم تَنْسِبَ إليه مَبْلَغَ التَّرِكَةِ، فما خَرَج بالنِّسْبَةِ عَتَق مِن العَبِيدِ مِثْلُها، فإذا كانت قِيمَةُ العَبيدِ ألفًا، وباقِي التَّرِكَةِ ألْفَين، ضَرَبْتَ قِيمَةَ العَبيدِ في ثلاثةٍ، تكُنْ ثلاثةَ آلافٍ، ثم تَنْسِبُ إليها الألْفَين، تكُنْ ثُلُثَيها، فيَعْتِقُ ثُلُثاهُم، وإن كانت قِيمَةُ العَبيدِ ثلاثةَ آلافٍ، وباقِي التَّرِكَةِ ألفٌ، ضَرَبْنا قِيمَتَهم في ثلاثةٍ، تكُنْ تِسْعَةً، وتَنْسِبُ إليها التَّرِكَةَ كلَّها، تكُنْ أرْبَعَةَ أتْساعِها. وإن كانت قِيمَتُهم أرْبَعةَ آلافٍ، وباقي التَّرِكَةِ ألفٌ، ضَرَبتَ قِيمَتَهم في ثلاثةٍ، تَكُنِ اثْنَيْ عَشَرَ، ونَسبْتَ إليها خَمسةَ آلافٍ، تَكُنْ رُبْعَها وسُدْسَها، فيَعْتِقُ رُبْعُهم وسُدْسُهم.
فصل: فإن كان على المَيِّتِ دَينٌ يُحِيطُ ببَعْضِ التَّرِكَةِ، قُدِّمَ الدَّينُ؛ لأنَّ العِتْقَ وَصِيَّةٌ، وقد قَضَى رسولُ اللهِ ﷺ أنَّ الدَّينَ قبلَ الوَصِيَّةِ (١). ولأنَّ قَضاءَ الدَّينِ واجِبٌ، وهذا تَبَرُّع، وتَقْدِيمُ الواجِبِ مُتَعَيِّنٌ. فإن كان الدَّينُ بقَدْرِ نِصْفِ العَبيدِ، جُعِلُوا جُزْأَين، وكُتِبَتْ رُقْعَتان؛ رُقْعَة للدّينٍ، ورُقْعَةٌ للتَّرِكَةِ. وتُخْرَجُ واحدةٌ (٢) منهما على أحَدِ الجُزْأَين، فمَن خرَجَتْ عليه رُقْعَةُ الدَّينِ بِيعَ فيه، وكان الباقِي جَمِيعَ التَّرِكَةِ، يَعْتِقُ ثُلُثُهم بالقُرْعَةِ، على ما تَقدَّم. وإن كان الدَّينُ بقَدْرِ ثُلُثِهم، كُتِب ثَلاثُ رِقاعٍ؛ رُقْعَةٌ للدَّينِ، واثْنتان للتَّرِكَةِ. وإن كان بقَدْرِ رُبْعِهم، كُتِبَ
стр. 9208
وَإنْ أعتَقَ عَبْدَينِ، قِيمَةُ أحدِهِمَا مِائَتَانِ وَالْآخَرِ ثَلَاثُمِائَةٍ، جَمَعْتَ قِيمَتَهُمَا، وَهِيَ خَمْسُمِائَةٍ، فَجَعَلْتَهَا الثُّلُثَ، ثُمَّ أَقرَعْتَ بَينَهُمَا، فَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى الَّذِي قِيمَتُهُ مِائَتَانِ، ضَرَبْتَهُ في ثَلَاثَةٍ، تَكُنْ سِتَّمِائَةٍ، ثُمَّ نَسَبْتَ مِنْهُ خُمْسَ الْمِائَةِ، يَكُنِ الْعِتْقُ فِيهِ خَمْسَةَ
ــ
أرْبَعُ رِقاعٍ؛ رُقْعَة للدَّينِ وثَلاث للتَّرِكَةِ، ثم يُقْرَعُ بينَ مَن خَرَجتْ له رِقاعُ التَّرِكَةِ. وإن كُتِبَ رُقْعَة للدَّينٍ، ورُقْعَةٌ للحُرِّيَّةِ، ورقْعَتَان للتَّرِكَةِ، جاز. وقِيلَ: لا يجوزُ؛ لِئَلَّا تخْرُجَ رُقْعَة الحُرِّيَّةِ قبلَ قَضاءِ الدَّينِ. والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّه إنَّما يُمْنَعُ مِن قَبْلِ قَضاءِ الدَّينِ إذا لم يَكُنْ له وَفاءٌ، فأمّا إن كان له وَفاء لم يُمْنَعْ منه، بدَليلِ ما لو كان العِتْقُ في أقَلَّ مِن ثُلُثِ الباقِي بعدَ وفَاءِ الدَّينِ، فإنَّه لا يُمْنَعُ مِن العِتْقِ قبلَ (١) وفائِه.
٢٩٥٦ - مسألة: (وإن أعْتَقَ عَبْدَين، قِيمَةُ أحَدِهما مائَتان والآخَرِ ثَلاثُمائةٍ) فأجاز الوَرَثَةُ عِتْقَهما، عَتَقا، وإن لم يُجزِ الوَرَثَةُ، عَتَق ثُلُثُهما، وكُمِّلَ الثُّلُثُ في أحَدِهما، فتُجْمَع قِيمَتُهما فتكوَنُ خَمْسَمائَةٍ، ثم يُقرَعُ بينَهما، فمَن خَرَج له سَهْمُ الحُرِّيَّةِ ضَرَبْنا قِيمَتَه في ثَلاثةٍ، ونَسَبْنا قِيمَتَهما إلى المُرْتَفعِ بِالضَّرْبِ، فما خَرَج مِن النِّسبَةِ عَتَق من العَبْدِ بقَدْرِه. فإن وقَعَتْ على الذي قِيمَتُه مائتان، ضَرَبْنا في ثَلاثةٍ، صار سِتَّمائَةٍ، ونَسَبْنا
стр. 9209
أَسْدَاسِهِ، وَإنْ وَقَعَتْ عَلَى الْآخَرِ، عَتَقَ مِنْهُ خَمْسَةُ أَتْسَاعِهِ. وَكُلُّ شَيْءٍ يَأتِي مِنْ هَذَا، فَسَبِيلُهُ أَنْ يُضْرَبَ في ثَلَاثَةٍ؛ لِيَخْرُجَ بِلَا كَسْرٍ.
وَإنْ أعْتَقَ وَاحِدًا مِنْ ثَلَاثَةِ أعْبُدٍ، فَمَاتَ أحَدُهُمْ في حَيَاتِهِ، أَقْرَعَ
ــ
قِيمَتَهما إلى ذلك، تكُنْ خَمْسَةَ أسْداسِه، فيَعْتِقُ منه كذلك، وإن وقَعَتْ على الآخَرِ، ضَرَبْنا قِيمَتَه في ثَلاثةٍ، تكُنْ تِسعَمائةٍ، ونَسَبْنا قِيمَتَهما، وهي خَمْسُمائةٍ إلى ذلك، نَجِدْها خَمْسَةَ أتْساعِه، فيَعْتِقُ منه ذلك، وهو ثُلُثُ الجَمِيعِ؛ لأنَّنا إذا ضَرَبْنا قِيمَةَ العَبْدَين، وهي خَمسُمائةٍ، في ثَلاثةٍ، كانتْ ألْفًا وخَمْسَمائةٍ، وهي جميعُ المالِ، فالخَمْسُمائةٍ بالنِّسبَةِ إليها ثُلُثٌ، وبالنِّسبَةِ إلى الذي قِيمَتُه مائَتان، خَمْسَةُ أسْداسِه بعدَ الضَّرْبِ، وإلى الآخَرِ خَمْسَةُ أتْساعِه (وكُلُّ شيءٍ أتَى مِن هذا، فسَبِيلُه أن يُضْرَبَ في ثَلاثةٍ؛ ليَخْرُجَ بلا كَسْرٍ) وهذا قولُ مَن يَرَى [جميع العِتْقِ في بعضِ العَبيدِ] (١) بالقُرْعَةِ. وعندَ أبي حنيفةَ ومَن وافَقَه، يَعْتِقان فيُسْتَسْعَيان في باقِي قِيمَتِهما. وقد مَضَى الكلامُ مَعهم. والله أعلمُ.
٢٩٥٧ - مسألة: (وإن أعْتَقَ وَاحِدًا مِن ثلاثةِ أعْبُدٍ) غيرَ مُعَيَّنٍ (فمات أحَدُهُم في حياةِ السَّيِّدِ، أَقرَعَ بَينَه وبينَ الحَيَّين، فإن وَقَعَتْ)
стр. 9210
بَينَهُ وَبَينَ الْحَيَّينِ، فَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى الْمَيِّتِ، رَقَّ الْآخَرَانِ، وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى أَحدِ الْحَيَّينِ، عَتَقَ إِذَا خَرَجَ مِنَ الثُّلُثِ. وإنْ أَعْتَقَ الثَّلَاثَةَ في مَرَضِهِ، فَمَاتَ أحَدُهُمْ في حَيَاةِ السَّيِّدِ، فَكَذَلِكَ في قَوْلِ أَبي بَكْر. وَالْأوْلَى أَنْ يُقْرِعَ بَينَ الْحَيَّينِ، وَيَسْقُطَ حُكْمُ الْمَيِّتِ.
ــ
رُقْعَةُ العِتْقِ (على المَيِّتِ رَقَّ الآخَران) لأنَّ القُرْعَةَ يُبَيَّنُ بها مَن وَقَع عليه العِتْقُ، فوَجَبَ أن يُقْرَعَ بينَهم، كما لو كانوا أحياءً، فإذا وَقَعَتِ القُرْعَةُ على المَيِّتِ تَبَيَّنَ رِقُّ الآخَرَين؛ لأنَّ الحُرِّيَّةَ إنَّما تَقَعُ على المُعْتَقِ، وهذان لم يُعْتَقْ واحدٌ منهما. وإن وَقَعَتْ على أحَدِ الحَيَّين عَتَق، إن خَرَج مِن الثُّلُثِ. وقد سَبَق شَرْحُ هذا، فيما إذا قال: أحَدُ عَبْدَيَّ حُرٌّ. وذَكَرْنا الخِلافَ فيه (١). وإن أعْتَقَ الثَّلاثَةَ في مَرَضِه، فماتَ أحَدُهم في حياةِ السَّيِّدِ، فكذلك، في قولِ أبي بكرٍ؛ لأنَّ الحُرِّيَّةَ إنَّما تَنْفُذُ في الثُّلُثِ، فأشْبَهَ ما لو أعْتَقَ واحدًا منهم. قال شيخُنا: (والأوْلَى أن يُقْرِعَ بينَ الحَيَّين، ويَسْقُطَ حكْمُ الميِّتِ) لأنَّه أعْتَقَ الثَّلاثةَ، والاعْتِبارُ في خُرُوجِه مِن الثُّلُثِ
стр. 9211
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بحالةِ الموتِ، وحالةُ الموتِ إنَّما كان له العَبْدَان الحيَّان، وهما كلُّ مالِه، فيُقْرَعُ بَينَهما، فمَن وَقَعَتْ عليه القُرْعَةُ، عَتَق، إن خَرَج مِن الثُّلُثِ، وإِلَّا عَتَق منه بقَدْرِ الثُّلُت، وإن بَقِيَ مِن الثُّلُثِ شيءٌ بعدَ عِتْقِه، عَتَق مِن الآخَرِ بقَدْرِ ما بَقِيَ مِن الثُّلُثِ، وصارَ بمنزلَةِ ما لو أعْتَقَ العَبْدَين في مَرَضِه ولم يكُنْ له مالٌ غيرُهم.
فصل: إذا دَفَع العَبْدُ إلى رَجُلٍ مالًا، فقال: اشْتَرِني مِن سَيِّدِي بهذا المالِ فأعْتِقْني. ففَعَلَ، لم يَخْلُ مِن أن يَشْتَرِيَه بعَينِ المالِ، أو في ذِمَّتِه ثم ينْقُدَ (١) المال، فإنِ اشْتَراه في ذِمَّتِه ثم أعْتَقَه، صَحَّ الشِّراءُ ونَفَذ العِتْق؛ لأنَّه مَلَكَه بالشِّراءِ، فنَفذ عِتْقُه له، وعلى المُشْتَرِي أداءُ الثَّمَنِ الذي اشْتَراه
стр. 9212
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
به؛ لأنَّه لَزِمَه الثَّمَنُ بالبَيعِ، والذي دَفَعَه إلى السَّيِّدِ كان مِلْكًا له، لا يَحْتَسِبُ له به مِن الثَّمَنِ، فبَقِيَ الثَّمَنُ واجِبًا عليه، يَلْزَمُه أداؤُه، وكان العِتْقُ مِن مالِه، والولاءُ له. وبه قال الشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ. فأمّا إنِ اشْتراه بعَينِ المالِ، فالشِّراءُ باطِلٌ، ولا يَصِحّ العِتْق؛ لأنَّه اشْتَرَى بعَينِ مالِ غيرِه شيئًا بغيرِ إذْنِه، فلم يَصِحَّ الشِّراءُ، ولم يَنْفُذِ العِتْقُ؛ لأنَّه أعْتَقَ مَمْلوكَ غيرِه بغيرِ إذْنِه، ويكونُ السَّيِّدُ قد أخَذَ ماله؛ لأنَّ ما في يَدِ العَبْدِ مَحْكُومٌ به لسَيِّدِه. فأمّا على الرِّوايةِ التي تقولُ: إنَّ النُّقُودَ لا تَتَعَيَّنُ بالتَّعْيِينِ، فإنَّه يكونُ الحُكْمُ فيه كما لو اشْتَراه في ذِمَّتِه. ونحوَ هذا قال النَّخَعِيُّ، وإسْحاقُ، فإنَّهما قالا: الشِّراءُ والعِتْقُ جائِزان، ويرُدُّ المُشْتَرِي مِثْلَ الثَّمَنِ. مِن غيرِ تَفْرِيقٍ. وقال الحسنُ: البَيعُ والعِتْقُ باطِلان (١). وقال الشَّعْبِيُّ: لا يجوزُ ذلك، ويُعاقَبُ مَن فَعَلَه. مِن غيرِ تَفْرِيقٍ أيضًا. وقد ذَكَرْنا ما يَقْتَضِي التَّفْرِيقَ، وفيه تَوَسُّطٌ بينَ المَذْهَبَين، فكان أوْلَى، إن شاءَ الله تعالى.
стр. 9213
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: ولو كان العبدُ بينَ شَرِيكَين، فأعْطَى العَبْدُ لأحَدِهما خَمْسِينَ دينارًا على أن يُعْتِقَ نَصِيبَه منه، فأعْتَقَه، عَتَق، وسَرَى إلى باقِيه إن كان مُوسِرًا، ورَجَع عليه شَرِيكُه بنِصْفِ الخَمْسِين، وبنِصفِ قِيمَةِ العَبْدِ؛ لأنَّ ما في يَدِ العَبْدِ يكونُ بينَ سَيِّدَيه، لا يَنْفَرِدُ به أحَدُهما عنٍ الآخَرِ، إلَّا أنَّ نَصيبَ المُعْتِقِ يَنْفُذُ فيه العِتْقُ، وإن كان العِوَضُ مُسْتَحَقًّا، إذا لم يقعِ العِتْقُ على عَينِها، وإنَّما سَمَّى خَمْسِين ثم دَفَعَها إليه. وإن أوْقَعَ العِتْقَ على عَينِها، يَجِبُ أن يَرْجِعَ على العَيدِ بقِيمَةِ ما أعْتَقَه بالعِوَضِ المُسْتَحَقِّ، ويَسْرِي العِتْقُ إلى نَصِيبِ شَرِيكِه، ويكونُ وَلاؤُه للمُعْتِقِ.
فصل: ولو وَكَّلَ أحَدُ الشَّرِيكَين شَرِيكَه في عِتْقِ نَصِيبِه، فقال الوَكِيلُ: نَصِيبِي حرٌّ. عَتَق، وسَرَى إلى نَصِيبِ شَرِيكِه، والوَلاءُ له. وإن أعْتَقَ نَصِيبَ المُوَكِّلِ، عَتَق، وسَرَى إلى نَصِيبِه، إن كان مُوسِرًا، والوَلاءُ للمُوَكِّلِ. فإن أعْتَقَ نِصْفَ العَبْدِ ولم يَنْو شيئًا، احْتَمَلَ أن يَنْصَرِفَ إلى نَصِيبِه؛ لأنَّه لا يَحْتاجُ إلى نِيَّةٍ، ونَصِيبُ شَرِيكِه يَفْتَقِرُ إلى النِّيَّةِ، ولم يَنْو. ويَحْتَمِلُ أن يَنْصَرِفَ إلى نصِيبِ شَرِيكِه. لأَنه أمَرَه بالإِعْتاقِ، فانْصَرَفَ إلى ما أُمِرَ به. ويَحْتَمِلُ أن يَنْصَرِفَ إليهما؛ لأنَّهما تَساوَيا. وأيُّهما حكَمْنا بالعِتْقِ عليه ضَمِن نصِيبَ شَرِيكِه. ويَحْتَمِل أن لا يَضْمَن؛ لأنَّ الوَكِيلَ إذا أعْتَقَ نَصِيبَه فسَرَى إلى نَصِيبِ شَرِيكِه، لم يَضْمَنْه؛ لأنَّه
стр. 9214
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مأْذُونٌ له في العِتْقِ، وقد أُعْتِقَ بالسِّرايةِ، فلم يَضْمَنْ، كمَن أُذِنَ له في إتْلافِ شيءٍ، فإنَّه لا يَضْمَنُه وإن أتْلَفَه بالسِّرايَةِ. وإذا أعْتَقَ نَصِيبَ شَرِيكِه لم يَلْزَمْ شَرِيكَه الضَّمانُ؟ لأنَّه مُباشِرٌ لسَبَبِ الإِتْلافِ، فلم يَجبْ له ضَمانُ ما تَلِف به، كما لو قال له أجْنبيٌّ: أعْتِقْ عَبْدَك. فأعْتَقَه. والله تعالى أعلمُ.
стр. 9215
بَابُ التَّدْبِير
وَهُوَ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِالْمَوْتِ.
ــ
بابُ التَّدْبِير
(وهو تَعْلِيقُ العِتْقِ بالموتِ) وسُمِّيَ تَدْبِيرًا؛ لأنَّ الوفاةَ دُبُرُ الحياةِ. يُقالُ: دابَرَ الرجلُ يُدابرُ مُدابَرَةً. إذا مات، فسُمِّيَ العِتقُ بعدَ المَوتِ تَدْبِيرًا. والأصْلُ فيه السُّنَّةُ والإِجْماعُ.: أمّا السُّنَّةُ، فما روَى جابرٌ، أنَّ رجلًا أعْتَقَ مملوكًا له عن دُبُرٍ، فاحتاجَ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟». فباعَه مِن نُعَيمِ بنِ عبدِ اللهِ بثَمانِمائَةِ دِرْهَمٍ، فدَفَعَها إليه، وقال: «أنْتَ أحْوَجُ مِنْهُ». مُتَّفَقٌ عليه (١). وقال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن أحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ، على أنَّ مَن دَبَّرَ عَبدَه أو أمَتَه، ولم يَرْجِعْ عن ذلك حتى مات -والمُدَبَّرُ يَخْرُجُ مِن ثُلثِ مالِه، بعدَ قَضاءِ دَينٍ إن كان عليه، وإنفاذ وَصاياه إن كان وَصَّى، وكان السيدُ بالِغًا جائِز الأمرِ- أنَّ الحريةَ تَجبُ له أو لها.
стр. 9216
وَيُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ.
ــ
٢٩٥٨ - مسألة: (ويُعْتَبَرُ مِن الثُّلُثِ) إنَّما يَعْتِقُ المُدَبَّرُ إذا خَرَج مِن الثُّلُثِ في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ. يُرْوَى ذلك عن عليٍّ، وابنِ عمرَ (١). وبه قال شُرَيحٌ، وابنُ سيرينَ، والحسنُ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، ومكْحولٌ، والزُّهْرِيُّ، وقتادَةُ، وحَمَّادٌ، ومالكٌ، وأهلُ المدينةِ، والثَّوْرِيُّ، وأهلُ العراقِ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ، وأصحابُ الرَّأْي. ورُوِيَ عن (٢) ابنِ مسعودٍ (٣)، ومَسْروق، ومُجاهدٍ، والنَّخَعِيِّ، وسعيدِ بنِ جُبَيرٍ، أنَّه يَعْتِقُ مِن رأسِ المالِ، قِياسًا على أمِّ الوَلَدِ، وكما لو أعْتَقَ في الصِّحَّةِ. ولَنا، أنَّه تَبَرُّعٌ بعدَ الموتِ، فكان مِن الثُّلُثِ، كالوَصِيَّةِ. ويُفارِقُ العِتْقَ في الصِّحَّةِ، فإنَّه لم يَتَعَلَّقْ به حَقُّ غيرِ المُعْتِقِ، فنَفَذَ في الجميعِ، كالهِبَةِ المُنْجَزَةِ. والاسْتِيلادُ أقْوَى مِن التَّدْبِيرِ؛ لأنَّه يَنْفُذُ مِن المجْنُونِ، بخِلافِ التَّدْبِيرِ. ونَقَل حَنْبَلٌ عن أحمدَ، أنَّه يَعْتِقُ مِن رأسِ المالِ. ولا عَمَلَ عَليها. قال أبو بكرٍ: هذا قولٌ قديمٌ رَجَع عنه إلى ما رَواه الجماعةُ.
стр. 9217
وَيَصِحُّ مِنْ كُلِّ مَنْ تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ.
ــ
فصل: فإنِ اجْتَمَعَ العِتْقُ في المَرضِ، والتَّدْبِيرُ، قُدِّمَ العِتْقُ، لأنَّه أسْبَقُ. وإنِ اجْتَمَعَ التَّدْبيرُ والوَصِيَّةُ بالعِتقِ، تَساوَيا؛ لأنَّهما جميعًا عتقٌ بعدَ المَوتِ. ويَحْتَمِلُ أن يُقَدَّمَ التدبِيرُ؛ لأنَّ الحُرِّيَّةَ تَقَعُ فيه عَقِيبَ المَوتِ مِن غيرِ تَأخُّرٍ، والوَصِيَّةُ تَقِف على الإِعْتاقِ بعدَه.
٢٩٥٩ - مسألة: (ويَصِحُّ مِن كلِّ مَن تَصِحُّ وَصِيَّتُه) لأنَّه تَبَرُّعٌ بالمالِ بعدَ الموتِ، أشْبَهَ الوَصِيَّةَ. وقال الخِرَقِيُّ: يَصِحُّ تَدْبيرُه إذا جاوزَ العَشْرَ وكان يَعْرِفُ التدبِيرَ. وكذلك الجارِيَةُ إذا جاوزتِ التِّسْعَ. وقال
стр. 9218
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الشافعيُّ في أحَدِ قَوْلَيه: يَصِحُّ تدبيرُ الصَّبِيِّ المُمَيِّزِ. قال بعضُ أصحابِه: هو أصَحُّ قَوْلَيه. وهو إحْدَى الرِّوايتين عن مالكٍ. ورُوِيَ ذلك عن شرَيحٍ، وعبدِ الله بِنِ عُتْبَةَ. وقال الحسنُ، وأبو حنيفةَ: لا يَصِحُّ تدبيرُه. وهو إحْدَى الرِّوايَتَين عن مالكٍ، والقولُ الثاني للشافعيِّ؛ لأنَّه لا يَصِحُّ إعْتاقُه، فلم يَصِحَّ تَدبيرُه، كالمَجنونِ. ولَنا، أنَّ عمرَ، ﵁، أجازَ وَصِيَّةَ غُلامٍ مِن الأنْصارِ لأخْوالِه مِن غَسَّانَ بأرْض يُقالُ لها: بِئْرُ جُشَمَ (١)، قُوِّمَتْ بثَلاثينَ ألْفًا. رواهُ سعيدُ بنُ مَنْصُورٍ (٢). وكان الغُلامُ ابنَ عَشْرِ سِنِين، ورُوِيَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ. ولم يُعْرَفْ له مُخالِفٌ. والتدبِيرُ في معنى الوَصِيَّةِ. وقد ذكَرْنا ذلك في كتابِ الوَصايا. ويُخالِفُ التدبيرُ العِتْقَ في الحياةِ؛ لأنَّ فيه تَفْويتًا لمالِه في حياتِه ووقْتِ حاجَتِه. والوَصِيَّة والتدبيرُ، لَا ضَرَرَ عليه فيهما، فإنَّه إن عاش لم يذْهَبْ شيءٌ مِن مالِه. وإن مات فهو غيرُ مُسْتَغْنٍ عن الثوابِ، فيكونُ ذلك زيادَةً في رَفْعِ دَرَجَتِه. وإنَّما خَصَّ الخِرَقِيُّ ابنَ عَشْرِ سِنِينَ؛ لأنَّه يُؤْمَرُ بالصَّلاةِ، والجارِيَةَ بتِسْعٍ؛ لقولِ عائشَةَ: إذا بَلَغَتِ الجارِيَةُ تِسْعَ سِنين فهي امرأةٌ (٣). ولأنَّه سِنٌّ يمكِنُ بُلوغُها فيه، ويَتَعَلَّقُ به أحكامٌ غيرُ ذلك. فأمّا المجْنونُ فلا يَصِحُّ شيءٌ مِن تَصَرُّفاتِه، فلذلك لم يَصِحَّ [تدْبيرُه. ويَصِحُّ] (٤)
стр. 9219
وَصَرِيحُهُ لَفْظُ الْعِتْقِ وَالْحُرِّيَّةِ الْمُعَلَّقَينِ بِالْمَوْتِ، وَلَفْظُ التَّدْبِيرِ، وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهَا (١).
ــ
تدْبيرُ المَحْجور عليه للسَّفَهِ، لِما ذَكَرْنا لي الصَّبيِّ، بل هو أوْلَى بالصِّحة مِن الصَّبِيِّ، لأنَّه مُكَلَّفٌ، وحاجَتُه إلى الثَّوابِ أكثر مِن حاجةِ الصبيِّ. وصحَّةُ تدْبيرِ السَّكْرانِ مَبْنيَّةٌ (٢) على صِحَّةِ وَصِيَّتِه، وقد ذَكَرْناه. وكلُّ مَن صَحَّ تَدْبيرُه، فهو كالمكَلَّفِ في صِحَّة رُجُوعِه قياسًا عليه.
فصل: ويَصِحُّ تَدْبِيرُ الكافِرِ، ذِمِّيًّا كان أو حَرْبِيًّا، في دارِ الإسْلامِ وغيرِها، لأنَّ له مِلْكًا صَحِيحًا، فصَحَّ تَصَرُّفُه فيه، كالمسلمِ. فإن قيلَ: لو كان مِلْكُه صَحِيحًا لم يُمْلَكْ عليه بغيرِ اخْتيارِه. قلنا: هذا لا يُنافِي المِلْكَ، بدليلِ أَنه يَمْلِكُ في النِّكاحِ، وتُمْلَكُ عليه زوجَتُه بغيرِ اخْتيارِه. وحُكْمُ تدبيرِه حُكْمُ تَدبيرِ المسلمِ، على ما نذْكُرُه.
٢٩٦٠ - مسألة: (وصَرِيحُه لفْظُ العِتْقِ والحُرِّيةِ المُعَلَّقَين بالموتِ) كقَولِه: أنتَ حُرٌّ، أو عَتِيقٌ، أوْ مُعْتَقٌ، أو مُحَرَّرٌ
стр. 9220
وَيَصِحُّ مُطْلَقًا وَمُقَيَّدًا، بِأَنْ يَقُولَ: إِنْ مِتُّ مِنْ مَرَضِي هَذَا، أوْ: عَامِي هَذَا، فَأَنْتَ حُرٌّ. أَوْ: مُدَبَّرٌ.
ــ
بعدَ موتي. فيَصِيرُ بذلك مُدَبَّرًا، بلا خِلافٍ نَعْلَمُه. وكذلك إن قال: أنتَ مُدَبَّرٌ، أو قد دَبَّرتُك. فإنَّه يَصِيرُ مُدَبَّرًا بمُجَرَّدِ اللفظِ، وإن لم يَنْوه. هذا منصوصُ الشافعيِّ. وقال أصحابُه: فيه قولٌ آخَرُ؛ أنَّه ليس بصَرِيحٍ، ويَفْتَقِرُ إلى النِّيةِ؛ لأنَّهما لفْظان لم يَكْثُرِ استعمالُهما، فافْتَقَرا إلى النِّيةِ، كالكِناياتِ. ولَنا، أنَّهما لفْظان وُضِعَا لهذا العَقْدِ، فلم يَفْتَقِرْ إلى النِّيةِ، كالبَيعِ، بخِلافِ الكِناياتِ، فإنَّها غيرُ موضوعةٍ له، ويُشارِكُها فيه غيرُها، فافْتَقَرت إلى النِّيةِ للتَّعْيِينِ وتَرْجِيحِ أحَدِ المُحْتَمَلَين، بخِلافِ الموضوعِ، فإنَّه لا يَفْتَقِرُ إلى النِّيةِ، كلَفْظِ العِتْقِ.
٢٩٦١ - مسألة: (ويَصِح مُطْلَقًا ومُقَيّدًا) فالمُطْلَقُ تَعْلِيقُ العِتْقِ بالمَوتِ مِن غيرِ شَرْطٍ آخَرَ. والمُقَيَّدُ ضَرْبانِ؛ أحدُهما، خاصٌّ مثلَ (أن يقولَ: إن مِتُّ مِن مَرَضِي هذا) أو في بلَدي هذا (أو) في (عامِي هذا، فأنْتَ حُرٌّ) فهذا جائِزٌ على ما قال، إن مات على الصِّفَةِ التي شَرَطها عَتَقَ العَبدُ، وإلَّا فلا. وقال مُهَنَّا: سألتُ أحمدَ عمَّن قال لعَبدِه: أنتَ مُدَبَّرٌ. قال: يكونُ مُدَبَّرًا ذلك اليومَ، فإن مات في ذلك اليومِ صار حرًّا. يعني
стр. 9221
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إذا مات السيدُ. الثاني، أن يُعَلِّقَ التدبيرَ على صِفَةٍ، مثلَ أن يقولَ: إن دَخَلْتَ الدارَ فأنتَ مُدَبَّرٌ، أو إن قَدِمَ زَيدٌ، أو إن شَفَى اللهُ مريضِي، فأنت حُرٌّ بعدَ مَوتي. فهذا لا يَصِيرُ مُدَبَّرًا في الحالِ؛ لأنَّه عَلَّقَ التدبِيرَ على شَرْطٍ. فإذا وُجِدَ صار مُدبَّرًا وعَتَق بموتِ سَيِّدِه. وإن لم يُوجَدْ في حياةِ السَّيِّدِ ووُجِدَ بعدَ موتِه لم يَعْتِقْ؛ لأنَّ إطْلاقَ الشرطِ يَقْتَضِي وُجُودَه في الحياةِ، بدليلِ ما لو عَلَّقَ عليه عِتْقًا مُنْجَزًا، فقال: إذا دَخَلْتَ الدارَ فأنتَ حُرٌّ. فدَخَلَها بعدَ مَوتِه، لم يَعْتِقْ. ولأنَّ المُدَبَّرَ مَن عُلِّقَ عِتْقُه بالمَوتِ، وهذا قبلَ المَوت لم يكنْ مُدَبَّرًا. وبعدَ المَوتِ لا يُمْكِنُ حُدوثُ التدبيرِ فيه.
فصل: فإن قال لعبْدِه: إذا قرأتَ القرآنَ فأنتَ حر بعدَ مَوتِي. فقرأ القرآنَ جَمِيعَه، صار مدَبَّرًا. وإن قرأ بَعْضَه لم يَصِرْ مُدَبَّرًا. وإن قال: إذا قرأتَ قُرْآنًا فأنتَ حُرٌّ بعدَ مَوتِي. فقرأ بَعْضَ القرآنِ، صار مُدَبَّرًا؛ لأنَّه في الأُولَى عَرَّفَه بالألفِ واللامِ المُقْتَضِيَةِ للاسْتغْراقِ، فعاد إلى جَمِيعِه، وههنا نَكَّرَه، فاقْتَضَى بعضَه. فإن قيلَ: فقد قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (١). ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَينَكَ وَبَينَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ (٢). ولم يُرِدِ القرآنَ جميعَه. قلنا: قَضِيَّةُ اللفظِ تَتَناولُ جميعَه؛ لأن الألفَ واللامَ للاسْتِغْراقِ، وإنَّما حُمِلَ على بعضِه بدَلِيل، فلا يُحْمَلُ
стр. 9222
وَإنْ قَال: مَتَى شِئْتَ فَأنْتَ مُدَبَّرٌ. فَمَتَى شَاءَ في حَيَاةِ السَّيِّدِ صَارَ مُدَبَّرًا.
ــ
على البعضِ في غيرِ ذلك الموضعِ بغيرِ دليل. ولأنَّ قَرِينَةَ الحالِ تَقْتَضِي قِراءةَ جَميعِه؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّه أراد تَرْغِيبَه في قِراءةِ القرآنِ، فتَتَعَلَّقُ الحُرِّيةُ به، أو مُجازاتَه على قِراءَتِه بالحُرِّيةِ. والظاهِرُ أنَّه لا يُجازَى بهذا الأمرِ الكثيرِ ولا يُرَغَّبُ به إلَّا فيما يَشقُّ، أمَّا قِراءةُ آيةٍ أو آيَتَين فلا.
٢٩٦٢ - مسألة: (وإن قال: متى شِئْتَ فأنتَ مدَبَّرٌ) أو: أنت حُرٌّ بعدَ مَوتِي. أو: إذا شِئْتَ. أو: أيَّ وقتٍ شِئتَ، فهو تَدْبيرٌ بصِفَةٍ (فمتى شاء في حياةِ سَيِّدِه صار مُدَبَّرًا) يَعْتِقُ بموتِه؛ لأنَّ المشِيئةَ هُنا على التَّراخِي، فمتى وُجِدَت المَشِيئَةُ وُجِدَ الشرطُ، فهو كما لو قال: إن دخلْتَ الدارَ فأنتَ حُرٌّ بعدَ مَوتِي. فدَخَلَها في حياةِ السَّيِّدِ، وإن مات السيدُ قبلَ مَشِيئَتِه بَطَلَتِ الصِّفَةُ، كما لو مات في المسألةِ الأخْرَى قبلَ دُخُولِ الدارِ. وإن قال: متى شْئتَ بعدَ مَوتِي فأنتَ حُرٌّ، أو أيَّ وَقْتٍ شئتَ بعدَ مَوْتِي. فهو تَعْلِيق للعِتْقِ على صِفَةٍ بعدَ الموتِ. وقد ذَكَرْنا أنَّه لا يَصِحُّ. وقال القاضي: يَصِحُّ. فعلى قولِه، يكونُ ذلك على التَّراخِي، فمتى شاء [بعدَ مَوتِ سَيِّدِه] (١) عَتَق. وما كَسَب قبلَ مَشِيئَتِه فهو لوَرَثَةِ سَيدِه؛ لأنَّه عبدٌ
стр. 9223
وَإنْ قَال: إِنْ شِئْتَ فَأنْتَ مُدَبَّرٌ. فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ كَذَلِكَ. وَقَال أبُو الْخَطَّابِ: إِنْ شَاءَ في الْمَجْلِسِ صَارَ مُدَبَّرًا، وإلَّا فَلَا.
ــ
قبلَ ذلك، بخِلافِ المُوصَى به، فإنَّ في كَسْبِه قبلَ القَبولِ وَجْهَين؛ أحدُهما، يكون للمُوصَى له؛ لأنَّا تَبَينَّا مِلْكَه حينَ الموتِ، وههنا لا يَثْبُت المِلْكُ قبلَ المَشِيئَةِ وجهًا واحدًا؛ لأنَّه عِتْقٌ مُعَلَّقٌ على شَرْطٍ، فلا يَثْبُتُ العِتْق قبلَ الشَّرْطِ وجهًا واحدًا.
٢٩٦٣ - مسألة: (وإن قال: إن شِئْتَ فأنتَ مُدَبَّرٌ. فقِياسُ المذهبِ) أنَّه على التَّراخِي كقولِه: متى شِئْتَ. (وقال أبو الخَطَّابِ: إن شاء في المجْلِسِ صار مُدَبَّرًا، وإلَّا فلا) وكذلك قال القاضي في قولِه: إذا شِئْتَ، وإن شِئْتَ، فأنتَ حُرٌّ بعدَ مَوْتِي. على أنَّه على الفَوْرِ، إن شاء في المجْلِسِ صار مُدَبَّرًا، وإلَّا بَطَلَتِ الصِّفَة ولم يَصِرْ مُدَبَّرًا بالمشِيئَةِ بعدَه، بِناءً على قولِه: اخْتارِي نَفْسَكِ. فإنَّه يَقِفُ على المجلسِ، وهذا في مَعْناه. وإن قال: إن شِئْتَ بعدَ مَوتِي، أو إذا شِئْتَ بعدَ موتَي، فأنتَ حُرٌّ. كان
стр. 9224
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
على الفَوْرِ أيضًا. فمتى شاء عَقِيبَ مَوتِ سَيِّدِه، أو في المجلسِ، صار حُرًّا. وإن تَراخَتْ مَشِيئَتُه عن المجلِسِ، لم يَثْبُتْ فيه حُرِّيةٌ. وذَكَر في الطَّلاقِ، أنَّه إذا قال: أنتِ طالِقٌ إن شئتِ وشاء أبُوكِ. فشاءا معًا، وقَعَ الطَّلاقُ، سواءٌ شاءا (١) على الفَوْرِ أو التَّراخِي، أو شاء أحَدُهما على الفَوْرِ والآخَرُ على التَّراخِي. وهذا مِثلُه، فيُخَرَّجُ في كل مَسْألةٍ مثلُ ما ذَكَرَه في الأُخْرَى.
فصل: وإذا قال لعبدِه: إذا متُّ فأنتَ حُرٌّ. أوْ لا؟ أو قال: أنتَ حرٌّ أو لستَ بحُرٍّ؟ لم يَصِرْ مُدَبَّرًا؛ لأنَّه اسْتفهامٌ، ولم يَقْطَعْ بالعِتْقِ. فهو كما لو قال لزوجتِه: أنتِ طالِق أوْ لا؟ وسَنَذْكُرُ ذلك في الطَّلاقِ.
стр. 9225
وَإذَا قَال: قَدْ رَجَعْتُ في تَدْبِيرِي. أو: قَدْ أبطَلْتُهُ. لَمْ يَبْطُلْ؛ لأنَّهُ تَعْلِيقٌ لِلْعِتْقِ بِصِفَةٍ. وَعَنْهُ، يَبْطُلُ، كَالْوَصِيَّةِ.
ــ
٢٩٦٤ - مسألة: (وإذا قال: قد رَجَعْتُ في تَدبيرِي. أو: أبْطَلْتُه. لم يَبْطُلْ؛ لأنَّه تَعْلِيقٌ للعِتْقِ بصِفَةٍ. وعنه، أنَّه يَبْطُلُ، كالوَصِيَّةِ) اخْتَلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، في بُطْلانِ التدبيرِ بالرُّجُوعِ فيه قولًا. فالصَّحِيحُ أنَّه لا يَبْطُلُ؛ لأنَّه عَلَّقَ العِتْقَ بصِفةٍ فلا يَبْطُلُ، كما لو قال: إن دَخَلْتَ الدارَ فأنتَ حُرٌّ. والثانيةُ، يَبْطُلُ؛ لأنَّه جَعَل له نَفْسَه بعدَ مَوتِه، فكانَ ذلك وَصِيَّةً، فجاز الرُّجُوعُ فيه بالقولِ، كما لو وَصَّى له بعبدٍ آخَرَ. وهو قولُ الشافعيِّ القَدِيمُ. وقولُه الجديدُ كالرِّوايةِ الأُولَى. وهو الصحيحُ، كتَعْلِيقِه بصِفةٍ في الحياةِ. ولا يَصِحُّ القولُ بأنَّه وَصِيَّةٌ به لنَفْسِه؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ نَفْسَه، وإنَّما تَحْصُلُ فيه الحُرِّيةُ ويَسْقُطُ عنه الرِّقُّ، ولهذا لا تَقِفُ الحُرِّيةُ على قَبُولِه واخْتِيارِه، وتَنْجَزُ عَقِيبَ الموتِ، كتَنْجِيزِ ها عَقِيبَ سائِرِ الشُّرُوطِ. ولأنَّه غيرُ مُمْتَنِعٍ أن يَجْمَعَ الأمْرَين، فيَثْبُتَ فيه حُكْمُ التَّعْلِيقِ في امْتِناعِ الرُّجُوعِ، ويَجْتَمِعان في حُصُولِ العِتْقِ بالموتِ.
стр. 9226
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: إذا قال السَّيِّدُ لمُدَبَّرِه: إذا أدَّيتَ إلى وَرَثَتِي كذا فأنْتَ حُرٌّ. فهو رُجُوعٌ عن التَّدْبيرِ، ويَنْبَنِي على الرِّوايَتَين؛ إن قُلْنا: إنَّ له الرُجُوعَ بالقولِ. بَطَل التَّدْبيرُ. وإن قُلْنا: ليس له الرُّجوعُ. لم يُؤثِّرْ هذا القولُ شيئًا. وإن دَبَّرَه كلَّه ثم رَجَع في نِصْفِه، صَحَّ إذا قُلْنا بصِحَّةِ الرُّجُوعِ في جميعِه؛ لأنَّه لمَّا صَحَّ أن يُدَبِّرَ نِصْفَه ابْتِداءً، صَحَّ أن يَرْجِعَ في تَدْبيرِ نِصْفِه. وإن غَيَّرَ التَّدْبِيرَ، فكان مُطْلَقًا، فجَعَلَهُ مُقَيَّدًا [صار مُقَيَّدًا] (١)، إن قُلْنا: يَصِحُّ الرجوعُ. وإلَّا فلا. فإن كان مُقَيَّدًا فأطْلَقَه، صَحَّ على كلِّ حالٍ؛ لأنَّه زيادةٌ فلا يُمْنَعُ منها. وإذا دَبَّرَ الأخْرَسُ، وكانت إشارَتُه أو كِتابَتُه مَعْلُومةً، صَحَّ تَدْبِيرُه. ويَصِحُّ رُجُوعُه، إن قُلْنا بصِحَّةِ الرُّجوعِ في التَّدْبِيرِ؛ لأنَّ إشارَتَه وكِتابَتَه تقومُ مَقامَ نُطْقِ النَّاطقِ في أحْكامِه، وإن دَبَّرَ وهو نَاطِقٌ، ثم خَرَس، صَحَّ رُجُوعُه بإشارَتِه المعلومةِ أو كِتابَتِه. وإن لم تُفْهَمْ إشارَتُه، فلا عِبْرَةَ بها؛ لأنَّه لا يُعْلَمُ رُجُوعُه.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فصل: وإن ارْتَدَّ المُدَبَّرُ ولَحِقَ بدارِ الحَرْبِ لم يَبْطُلْ تَدْبِيرُه؛ لأنَّ مِلْكَ سيدِه باقٍ عليه، ويَصِحُّ تَصَرُّفه فيه بالعِتْقِ والهِبَةِ والبَيعِ، إن كان مَقْدُورًا عليه. فإن سَباه المسلمون لم يَمْلِكُوه؛ لأنَّه مَمْلُوكٌ لمَعْصُومٍ، ويُرَدُّ إلى سَيِّدِه إن عُلِمَ به قبلَ قَسْمِه. ويُسْتَتابُ فإن تاب وإلَّا قُتِلَ، وإن لم يُعْلَمْ به حتى قُسِمَ، لم يُرَدَّ إلى سَيِّدِه، في إحْدَى الرِّوايَتَين. والأُخرَى، إنِ اخْتارَ سَيِّدُه أخْذَه بالثَّمَنِ الذي حُسِبَ به على آخِذِه أخَذَه وإن لم يَختَرْ أخْذَه، بَطَل تَدْبِيرُه. ومتى عاد إلى سَيِّدِه بوَجْهٍ مِن الوُجُوهِ، عادَ تَدْبِيرُه. وإن لم يَعُدْ إلى سَيدِه، بَطَل تَدْبِيرُه، كما لو بِيعَ وكان رقِيقًا لمَن هو في يَدِه. وإن مات سَيِّدُه قبلَ سَبْيِه عَتَقَ. فإن سُبِيَ بعدَ هذا لم يُرَدَّ إلى وَرَثَةِ سَيِّدِه؛ لأنَّ مِلْكَه زال عنه بحُرِّيتِه، فصار كأحْرارِ دارِ الحَرْبِ، ولكن يُسْتَتابُ، فإن تاب وأسْلَمَ صارَ رَقِيقًا، يُقْسَمُ بينَ الغانِمينَ. وإن لم يَتُبْ قُتِلَ، ولم يَجُزِ اسْتِرْقاقُه؛ لأنَّه لا يُقَرُّ على كُفْرِه. وقال القاضي: لا يَجُوزُ اسْتِرْقاقُه إذا أسْلَمَ. وهو قولٌ للشافعيِّ؛ لأنَّ في اسْتِرْقاقِه إبطَال ولاءِ المسلمِ
стр. 9229
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الذي (١) أعْتَقَه. ولَنا، أنَّ هذا لا يَمْنَعُ قَتْلَه، وإذْهابَ نفسِه وولائه، فلأنْ لا يَمْنَعَ تَمَلُّكَه أوْلَى، ولأنَّ المَمْلُوكَ الذي لم (٢) يُعْتِقْه سيدُه يَثْبُتُ المِلْكُ فيه للغانِمين إذا لم يُعْرَفْ مالِكُه بعَينِه، ويَثْبُتُ فيه إذا قُسِمَ قبلَ العِلْمِ بمالِكِه، والمِلْكُ آكَدُ مِن الولاءِ، فلأنْ يَثْبُتَ مع الولاءِ وحدَه أوْلَى. فعلى هذا، لو كان المُدَبَّرُ ذِميًّا فلَحِقَ بدارِ الحربِ، ثم مات سَيدُه، أو أعْتَقَه، ثم قَدَر عليه المسلمون فسَبَوْه، ملَكُوه وقَسَمُوه. وعلى قولِ القاضي، وقولِ الشافعيِّ، لا يَمْلِكُونه. فإن كان سَيدُه ذِميًّا، جاز اسْتِرْقاقُه في قولِ القاضي. ولأصحاب الشافعيِّ في اسْتِرْقاقِه وَجْهانِ؛ أحدُهما، يجوزُ. وهذا حُجَّةٌ عليهم؛ لأنَّ عِصْمَةَ مالِ الذِّميِّ كعِصْمَةِ مالِ المسلمِ، بدليلِ قَطعِ سارِقِه (٣) سواءٌ كان مسلمًا أو ذِميًّا، ووُجُوبِ ضَمانِه، وتَحْرِيم تَمَلكِ مالِه إذا أخَذَه الكفارُ ثم قَدَر عليه المسلمون فأدْرَكَه صاحِبُه قبلَ
стр. 9230
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القِسْمةِ. قال القاضي: الفَرْقُ بينَهما أنَّ سَيِّدَه ههُنا لو لَحِقَ بدارِ الحربِ جازَ تَمَلُّكُه، فجازَ تَمَلُّكُ عَتيقِه؛ بخِلافِ المسلمِ. قُلْنا: إنَّما جاز اسْتِرْقاقُ سَيِّدِه؛ لزوالِ عِصْمَتِه، وذَهابِ عاصِمِه، وهو ذِمَّتُه وعَهْدُه، وأمَّا إذا ارْتَدَّ مُدَبَّرُه، فإنَّ عِصْمةَ ولائِه ثابتةٌ بعِصْمَةِ مَن له وَلاؤُه، وهو والمسلمُ في ذلك سواءٌ، فإذا جاز إبْطالُ أحَدِهما، جاز في الآخرِ مثلُه.
فصل: فإنِ ارْتَدَّ سَيِّدُ المُدَبَّرِ، فذكَرَ القاضي أنَّ المذهبَ أنَّه يكونُ مَوْقوفًا، فإن عاد إلى الإسلامِ فالتَّدْبِيرُ باق بحالِه؛ لأنَّا (١) تَبَينا أنَّ مِلْكَه لم يَزُلْ، وإن قُتِلَ أو مات على رِدَّتِه لم يَعْتِقِ المُدَبَّرُ؛ لأنَّا تَبَّينّا أن مِلْكَه زال برِدَّتِه. وقال أبو بكرٍ: قياسُ قولِ أبي عبدِ اللهِ، أنَّ تَدْبِيرَه يَبْطُلُ
стр. 9231
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بالرِّدَّةِ، فإن عاد إلى الإِسْلام استأْنَف التَّدْبيرَ. وقال الشافعيُّ: التَّدْبِيرُ باقٍ، ويَعْتِقُ بمَوتِ سَيِّدِه؛ لَأنَّ تَدْبِيرَه سَبَقَ رِدَّتَه، فهو كبَيعِه وهِبَتِه قبلَ ارْتِدادِه. وهذا يَنْبَني على القولِ في مالِ المُرْتَدِّ، هل هو باق على مِلْكِه، أو قد زال برِدَّتِه؟ وسيُذْكَرُ في بابِ المُرْتَدِّ. فأمّا إن دَبَّرَ في حالِ رِدَّتِه، فتَدْبِيرُه مُراعًى؛ إن عاد إلى إلإِسْلامِ تَبَيَّنّا أنَّ تَدْبِيرَه وَقَعَ صَحِيحًا، وإن قُتِلَ أو مات تَبَيَّنّا أنَّه وَقَعَ بَاطِلًا، ولم يَعْتِقِ المُدَبَّرُ. وقال ابنُ أبي موسى: تَدْبِيرُه باطلٌ. وهو قولُ أبي بكرٍ؛ لأنَّ المال يزولُ بالرِّدَّةِ، وإذا أسْلَمَ رُدَّ إليه تَملُّكًا (١) مُسْتَأنَفًا.
стр. 9232
وَلَهُ بَيعُ الْمُدَبَّرِ وَهِبَتُهُ. وَإنْ عَادَ إِلَيهِ عَادَ التَّدْبِيرُ. وَعَنْهُ، لَا يُبَاعُ إلا في الدَّينِ. وَعَنْهُ، لَا تُبَاعُ الْأمَةُ خَاصَّةً.
ــ
٢٩٦٥ - مسألة: (وله بَيعُ المُدَبَّرِ وَهِبَتُهُ. وإن عاد إليه عاد التَّدْبِيرُ. وعنه، لا يُباعُ إلَّا في الدَّينِ. وعنه، لا تُباعُ الأمَةُ خاصَّةً) اخْتَلَفْتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، ﵀، في بَيعِ المُدَبَّرِ؛ فنَقَل عنه جَماعَةٌ جوازَ بَيعِه مُطْلَقًا، في الدَّينِ وغيرِه، مع الحاجَةِ وعَدَمِها. قال إسماعيلُ بنُ سعيدٍ (١): سألتُ أحمدَ عن بَيعِ المُدَبَّرِ إذا كان بالرجلِ
стр. 9233
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حاجَةٌ إلى ثَمَنِه، فقال: له أن يَبِيعَه، مُحْتاجًا كان أو غيرَ محتاجٍ. قال شيخُنا (١): وهذا هو الصَّحِيحُ. ورُوِيَ مثلُ هذا عن عائشةَ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وطاوُس، ومُجاهِدٍ. وهو قولُ الشافعيِّ. وكَرِهَ بَيعَه ابنُ عُمَرَ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وابنُ سيرينَ، والزُّهْرِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزَاعِيُّ، وأصْحابُ الرَّأي، ومالكٌ؛ لأنَّ ابنَ عمرَ روَى، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لا يُباعُ المُدَبَّرُ ولا يُشْتَرَى» (٢). ولأنَّه اسْتَحَقَّ العِتْقَ بمَوتِ سَيِّدِه، أشْبَهَ أمَّ الوَلَدِ. ولَنا، ما روَى جابِرٌ أنَّ رَجُلًا أعْتَقَ مَمْلُوكًا له عن دُبُرٍ، فاحْتاجَ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟» فباعَه مِن نُعَيمِ بنِ عبدِ اللهِ بثَمانِمائةِ دِرْهَمٍ، فدَفَعَها إليه، وقال: «أنتَ أحْوَجُ مِنْهُ». مُتَّفَقٌ عليه (٣). قال جابرٌ: عَبْدٌ قِبْطِيٌّ مات عامَ أولَ في إمارةِ ابنِ الزُّبَيرِ. قال أبو إسْحاقَ الجُوزْجانِيُّ: صَحَّت أحادِيثُ بَيعِ المُدَبَّرِ باسْتِقامَةِ الطرُّقِ. والخَبَرُ إذا ثَبَتَ اسْتُغْنِيَ به عن غيرِه مِن رَأيِ الناسِ. ولأنَّه عِتْقٌ بصِفَةٍ ثَبَتَ بقولِ المُعْتِقِ، فلم يَمْنَع البَيعَ، كما لو قال: إن دَخَلْتَ الدارَ فأنْتَ حُرٌّ. ولأنَّه تَبَرُّع بمالٍ بعدَ الموتِ،
стр. 9234
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فلَم يَمْنَعِ البَيعَ في الحياةِ، كالوَصِيِّةِ. قال أحمدُ: هم يقولون: مَن قال: غُلامِي حُرٌّ رأسَ الشَّهْرِ. فله بَيعُه قبلَ رأسِ الشهرِ. فإن قال: غدًا. فله أن يبيعَه اليومَ. وإن قال: إذا مِتُّ. قال: لا يَبِيعُه. فالموتُ أكبرُ (١) مِن الأجَلِ، ليس هذا قِياسًا، إن جاز أن يَبِيعَه قبلَ رأسِ الشَّهْرِ، فله أن يَبِيعَه قبلَ مَجئِ الموتِ، وهم يقولون في مَن قال: إن مِت مِن مَرَضِي هذا فعَبْدي حرٌّ. ثم لم يَمُت مِن مَرَضِه ذلك، فليس بِشَيءٍ. فإن قال: إن مِتُّ فهو حرٌّ. لا يُباعُ. هذا مُتناقِضٌ، إنَّما أصْلُه الوَصِيِّةُ مِن الثُّلُثِ، فله أن يُغيِّرَ وصِيَّتَه ما دام حَيًّا. فأمَّا خَبَرُهُم، فلم يَصِحَّ عن النبيِّ ﷺ ، إنَّما هو مِن قولِ ابنِ عمرَ. قال الطَّحاويُّ: هو عِن ابنِ عمرَ، وليس بمُسْنَدٍ عن رَسُولِ اللهِ ﷺ . ويَحْتَمِلُ أنَّه أراد بعدَ الموتِ، أو على الاستِحْبابِ. ولا يَصِحُّ قياسُه على أمِّ الوَلَدِ؛ لأنَّ عِتْقَها يثْبُتُ بغيرِ اخْتِيارِ سَيِّدِها، وليس بتَبَرُّع، ويكونُ مِن جميعِ المالِ، ولا يُمْكِنُ إبْطالُه بحالٍ، والتَّدْبِيرُ بخِلافِه. والهِبَةُ كالبَيعِ؛ لأنَّها تَمْلِيكٌ في الحياةِ، فأشْبَهَتِ البَيعَ. ورُوِيَ [عن أحمدَ] (٢) رِوايةٌ ثانيةٌ، أنَّه لا يُباعُ إلَّا في الدَّينِ. وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ. وقال مالكٌ: لا يُباعُ إلَّا في دَين يَغْلِبُ رَقَبَةَ العَبْدِ. فإذا
стр. 9235
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كان العَبدُ يُساوي ألفًا، وكان عليه خَمْسُمائةٍ، لم يُبَعْ. ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه قال: أنا أرَى بَيعَ المُدَبَّرِ في الدَّينِ، وإذا كان فَقِيرًا لا يَمْلِكُ شيئًا رأيتُ أن أبِيعَه؛ لأنَّ النبي ﷺ باع المُدَبَّرَ لمَّا عَلِمَ أنَّ صاحِبَه لا يَمْلِكُ شيئًا غيرَه، باعَه النبي ﷺ لِما علِمَ [مِن حاجَتِه] (١). وهذا قولُ إسحاقَ، وأبي أيوبَ، وأبي خَيثَمَةَ (٢)، وقالا (٣): إن باعه مِن غيرِ حاجةٍ أجَزْناه. وهذا مِثلُ الرِّوايةِ الأولَى. ووَجْهُ قولِ الخِرَقِيِّ والرِّوايةِ التي قال أحمدُ أنَّه يَرَى بَيعَه في الدَّينِ وإذا كان صاحِبُه فَقِيرًا لا يَمْلِكُ غيرَه، حَدِيثُ (٤) جابرٍ المَذْكُورُ، فإنَّ النبيَّ ﷺ باع المُدَبَّرَ عندَ الحاجةِ، فلا يُتَجاوَزُ به مَوْضِعَ الحاجةِ. وعن أحمدَ رِوايةٌ رابعة، أنَّ الأمَةَ لا تُباعُ خاصَّةً. قال شيخُنا (٥): لا نَعْلَمُ هذا التَّفْرِيقَ بينَ المُدَبَّرِ والمُدَبَّرَةِ عن
стр. 9236
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
غيرِ إمامِنا، ﵀، وإنَّما احْتاطَ في روايَةِ المَنْعِ مِن بَيعِها؛ لأنَّ فيه إباحةَ فَرْجِها، وتَسْلِيطَ مُشْتَرِيها علي وَطْئِها مع الخِلافِ في بَيعِها وحِلِّها، فكرِه الإِقْدَامَ على ذلك مع الاخْتِلافِ فيه، والظاهِرُ أنَّ المَنْعَ منه كان على سَبِيلِ الوَرَعِ لا على التَّحْريمِ؛ فإنَّه إنَّما قال: لا يُعْجِبُنِي بَيعُها. والصَّحِيحُ جَوَازُ بَيعِها، فإنَّ عائِشَةَ باعَتْ مُدَبَّرَةً لها سَحَرَتْها. ولأنَّ المُدَبَّرَةَ في مَعْنَى المُدَبَّرِ، فما ثَبَتَ فيه ثَبَتَ فيها.
٢٩٦٦ - مسألة: (وإن عاد إليه عاد التَّدْبِيرُ) لأنَّه عَلَّقَ عِتْقَه بصِفَةٍ (١) فإذَا باعه [ثم عاد إليه] (٢)، عادت الصِّفَةُ إليه (٣)، كما لو قال: أنتَ حُرٌّ إن دَخَلْتَ الدارَ. فباعه ثم اشْتَراه. وذَكَرَ القاضي، أن هذا مَبْنِيٌّ على أنَّ التَّدْبِيرَ تَعْلِيقٌ بصِفَةٍ. وفيه رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّه وَصِيَّةٌ، فيَبْطُلُ بالبَيعِ، ولا يَعُودُ؛ لأنَّه لو وَصَّى بشيءٍ ثم باعه بَطَلَتِ الوَصِيَّةُ، ولم تَعُدْ بشِرائِه.
стр. 9237
وَمَا وَلَدَتِ الْمُدَبَّرَةُ بَعْدَ تَدْبِيرِهَا فَهُوَ بِمَنْزِلَتِهَا، وَلَا يَتْبَعُهَا وَلَدُهَا مِنْ قَبْلِ التَّدْبِيرِ.
ــ
وهذا مذهبُ الشافعيِّ، إلَّا أنَّ عَوْدَ الصِّفَةِ بعدَ الشِّراءِ له فيه قولان. والصَّحِيحُ أنَّ الصِّفَةَ تَعُودُ بِعَوْدِه إلى مِلْكِه؛ لأنَّ التَّدْبِيرَ وُجِدَ فيه التَّعْلِيقُ بصِفَةٍ (١)، فلا يَزُولُ حُكْمُ التَّعْلِيقِ بوُجُودِ مَعْنى الوَصِيِّةِ فيه، بل هو جامِعٌ للأمْرَين (٢)، وغيرُ مُمْتَنِعٍ وُجُودُ الحُكْمِ بسَبَبَين، فيَثْبُتُ حُكْمُهما فيه.
٢٩٦٧ - مسألة: (ومَا ولدتِ المُدَبَّرَةُ بعدَ تَدْبيرِها فهو بمَنْزِلَتِها، ولا يَتْبَعُها وَلَدُها مِن قبلِ التَّدْبِيرِ) وجملةُ ذلك، أنَّ الولدَ الحادِثَ مِن المُدَبَّرَةِ بعدَ تَدْبِيرِها لا يَخْلُو مِن حالينِ؛ أحَدُهما، أن يكونَ مَوْجودًا حال تَدْبِيرِها، ويُعْلَمُ ذلك بأن تَأتِيَ به لأقَلَّ مِن سِتَّةِ أشْهرٍ مِن حينِ
стр. 9238
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
التَّدْبِيرِ، فهذا يَدْخُلُ معها في التَّدْبيرِ بغَيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّه كعُضْوٍ مِن أعْضَائِها، فإن بَطَلَ التَّدْبِيرُ في الأَمِّ لِبَيعٍ أو مَوْتٍ، أو رُجُوعٍ بالقولِ، لم يَبْطُلْ في الوَلَدِ؛ لأنَّه ثَبَتَ أصْلًا. الحالُ الثاني، أن تَحْمِلَ به بعدَ التَّدْبِيرِ، فهذا يَتْبَعُ أمَّهُ في التَّدْبِيرِ، ويكونُ حُكْمُه حُكْمَها في العِتْقِ بمَوتِ سَيِّدِها، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ. رُوِيَ ذلك عن ابنِ مسعودٍ (١)، وابنِ عمرَ. وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، والقاسمُ، ومجاهدٌ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، والزُّهْرِيُّ، ومالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والحسنُ بنُ صالحٍ، وأصحابُ الرَّأي. وذكَرَ القاضي أنَّ حَنْبَلًا نَقَلَ عن أحمدَ، أنَّ وَلدَ المُدَبَّرَةِ عبدٌ إذا لم يَشْرُطِ المَوْلَى. قال: فظاهِرُ هذا أنَّه لا يَتْبَعُها، ولا يَعْتِقُ بمَوتِ سَيدِها. وهذا قولُ جابرِ بنِ زيدٍ، وعطاءٍ. وللشافعيِّ قوْلان كالمَذْهَبَين؛ أحَدُهما، لا يَتْبَعُها. وهو اخْتِيارُ المُزَنِيِّ؛ لأنَّ عِتْقَها مُعَلَّقٌ بصِفَةٍ، ثَبَتَ بقولِ المُعْتِقِ وَحْدَه، فأشْبَهَتْ مَن عُلِّقَ عِتْقُها بدُخولِ الدارِ. قال جابرُ بنُ زيدٍ: إنَّما هو بمَنْزِلةِ الحائطِ تَصَدَّقْتَ به إذا مِتَّ، فإنَّ ثَمَرَتَه لك ما عِشْتَ. ولأنَّ التدبيرَ
стр. 9239
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وَصِيَّةٌ، وولدُ المُوصَى بها قبلَ الموتِ لسيدِها. ولَنا، ما رُوِيَ عن عمرَ، وابنِ عمرَ، وجابرٍ (١)، أنَّهم قالوا: ولَدُ المُدَبَّرَةِ بمَنْزِلَتِها. ولم نَعْرِفْ لهم في الصحابةِ مُخَالفًا، فكان إجْماعًا، ولأنَّ الأمَّ اسْتَحَقَّتِ الحُرِّيةَ بموتِ سَيدِها، فيَتْبَعُها ولَدُها، كأُمِّ الولدِ. ويُفارِقُ التَّعْلِيقَ بصِفَةٍ في الحياةِ، والوَصِيَّةَ؛ لأنَّ التَّدْبِيرَ آكَدُ مِن كلِّ واحدٍ منهما؛ لأنَّه اجْتَمَعَ فيه الأمرانِ (٢)، وما وُجِدَ فيه سببان آكَدُ ممَّا وُجِدَ فيه أحَدُهما، ولذلك لا يَبْطُلُ بالمَوْتِ، ولا بالرُّجُوعِ عنه. فعلى هذا، إن بَطَلَ التَّدْبِيرُ في الأُمِّ لمعنًى اخْتَصَّ بها مِن بَيعٍ، أو مَوْتٍ، أو رُجُوعٍ، لم يَبْطُلْ في وَلَدِها، ويَعْتِقُ بمَوتِ سَيدِها، كما لو كانت أمُّه باقِيَةً على التَّدْبِيرِ. فإن لم يَتَّسِع الثُّلُثُ لهما جميعًا أُقْرِعَ بينَهما، فأيُّهما خَرَجَتِ القُرْعَةُ له عَتَق إنِ احْتَمَلَه الثُّلُثُ، وإلَّا عَتَقَ منه بقَدْرِ الثُّلُثِ. وإن فَضَلَ مِن الثُّلُثِ بعدَ عِتْقِه شيءٌ كُمِّلَ مِن الآخَرِ، كما لو دَبَّرَ عَبْدًا و (٣) أمَةً معًا.
стр. 9240
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فأمَّا الولدُ الذي وُجِدَ قبلَ التَّدْبِيرِ، فلا يَتْبَعُها؛ لأنَّه لا يَتْبَعُ في العِتْقِ المُنْجَزِ، ولا في حُكْمِ الاسْتِيلادِ، ولا في الكِتابةِ، فلأنْ (١) لا يَتْبَعَ في التَّدْبيرِ أوْلى، فإنَّ المَيمُونِيَّ قال: قلتُ لأحمدَ: ما كان مِن ولَدِ المُدَبَّرَةِ قبلَ أَن تُدَبَّرَ. [قال: لا] (٢) يَتْبَعُها مِن ولَدِها ما كان قبلَ ذلك، إنَّما يَتْبَعُها
стр. 9241
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ما كان بعدَ ما دُبِّرَتْ. وذَكَر أبو الخَطَّابِ رِوايةً أُخْرَى، أنَّه يَتْبَعُها في التَّدْبِيرِ، كالموْلودِ (١) بعدَه؛ لأنَّ حَنْبَلًا قال: سَمِعْت عَمِّي يقولُ في الرجلِ يُدَبِّرُ الجارِيَةَ ولها ولَدٌ، قال: ولَدُها معها. قال شيخُنا (٢): وهذا بَعِيدٌ، والظاهِرُ أنَّ أحمدَ إنَّما أراد وَلَدَها بعدَ التَّدْبِيرِ، على ما صَرَّحَ به في غيرِ هذه الرِّوايةِ، فإنَّ ولدَها لا يَتْبَعُها في شيءٍ مِن (٣) الأسْبابِ التي تَنْقُلُ المِلْكَ في الرِّقَبَةِ، مِن البَيعِ، والهِبَةِ، والوَقْفِ، ولا يَتْبَعُها في الاسْتِيلادِ الذي هو آكَدُ مِن التَّدْبِيرِ، فلأنْ (٤) لا يَتْبَعَها في التَّدْبِيرِ أوْلَى.
فصل: فأمّا ولَدُ المُدَبَّرِ، فحُكْمُه حُكْمُ أمِّه، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه. وهو قولُ ابنِ عمرَ، وعطاءٍ، والزُّهْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ، واللَّيثِ؛ لأنَّ الولَدَ يَتْبَعُ الأمَّ في الرِّقِّ والحُرِّيةِ. فإن تَسَرَّى المُدَبَّرُ بإذنِ سَيِّدِه فوُلدَ له،
стр. 9242
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فرُوِي عن أحمدَ، أنَّهم يَتْبَعُونَه في التَّدْبِيرِ. ورُوِيَ ذلك عن مالكٍ. وهو أحدُ الوَجْهَين لأصْحاب الشافعيِّ؛ لأنَّ إباحةَ التَّسَرِّي تَنْبَني على ثُبوتِ المِلْكِ، ووَلَدُ الحُرِّ مِن أَمَتِه يَتْبَعُه في الحُرِّيةِ دُونَ أُمَّه، كذلك ولدُ المُدَبَّرِ مِن (١) أمَتِه يَتْبَعُه دُونَها، ولأنَّه وَلَدُ مَن يَسْتَحِقُّ الحُرِّيَّةَ مِن أمَتِه، فيَتْبَعُه في ذلك، كولدِ المُكاتَبِ مِن أمَتِه.
فصل: وإذا وَلَدَتِ المُدَبَّرَةُ، فرَجَعَ في تَدْبِيرِها، وقُلْنا بصِحَّةِ الرُّجُوعِ، لم يَتْبَعْها ولدُها؛ لأنَّ الولدَ المُنْفَصِلَ لا يَتْبَعُ في الحُرِّيةِ ولا في التَّدْبِيرِ، ففي الرُّجوعِ أوْلَى. وإن رَجَع في [تدبيرِه وحدَه جاز؛ لأنَّه إذا جاز الرُّجُوعُ في الأمِّ المباشَرةِ بالتَّدْبِيرِ، ففي غيرِها أوْلَى. فإن رجَع في] (٢) تدبيرِهما، جاز، كما لو دَبَّرَها وابنَها (٣) المُنْفَصِلَ. وإن دَبَّرَها حامِلًا، ثم رَجَع في تَدْبِيرِها حال حَمْلِها، لم يَتْبَعْها الولَدُ في الرُّجُوعِ؛ لأنَّ التَّدْبِيرَ إعْتاقٌ، والإعْتاقُ مَبْنِيٌّ على التَّغْلِيبِ والسِّرايةِ، والرُّجُوعُ عنه
стр. 9243
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بعَكْس ذلك، فلم يَتْبَعْ الولَدُ فيه. وهذا كما لو وُلِدَ له تَوْأمان، فأقَرَّ بأحَدِهما، لحِقاه جميعًا، وإن نَفَى (١) أحَدَهُما، لم يَنْتَفِ الآخَرُ، وإن رَجَعَ في أحدِهما دُونَ الآخَرِ، جاز. وإن دَبَّرَ الولَدَ دُونَ أمِّه، أو الأمَّ دُونَ ولدِها، جاز؛ لأنَّه يجوزُ أن يُعْتِقَ كلَّ واحدٍ منهما دُونَ صاحِبِه، فجَوازُ أن يُدَبِّرَ أحَدَهما دُونَ صاحِبِه أوْلَى، ولأنَّه تَعْلِيقٌ للعِتْقِ بصِفَةٍ، فجاز في أحَدِهما دُونَ الآخَرِ، كالتَّعْلِيقِ بدُخُولِ الدارِ. وإن دَبَّرَ أمَتَه ثم قال: إن دَخَلْتِ الدارَ فقد رَجَعْتُ في تَدْبيرِي. لم يَصِحَّ؛ لأنَّ الرجوعَ لا يَصِحُّ تَعْلِيقُه بصِفَةٍ (٢). وإن قال: كلَّما ولَدْتِ وَلَدًا فقد رَجَعْتُ في تدبِيرِه. لم يَصِحَّ؛ لذلك.
فصل: إذا اخْتَلَفتِ المدَبَّرَةُ ووَرَثَةُ سيدِها في ولَدِها، فقالت: ولَدْتُهم بعدَ تَدْبِيرِي، فعَتَقُوا مَعِي. وقال الوَرَثَةُ: بل ولدتِيهم (٣) قبلَ تَدْبِيرِكِ، فهم مَمْلُوكُون لنا. فالقولُ قولُ الوَرَثَةِ مع أْيمانِهم؛ لأنَّ الأصْلَ بقاءُ رِقِّهم
стр. 9244
وَلَهُ إِصَابَةُ مُدَبَّرَتِهِ، فَإِنْ أولَدهَا بَطَلَ تَدْبِيرُهَا.
ــ
وانتفاءُ الحُرِّيةِ عنهم، فإذا لم تكنْ بَيَنة، فالقَوْلُ قولُ من يُوافِقُ قولُه الأصْلَ. فصل: وكَسْبُ المُدَبَّرِ في حَياةِ سَيِّدِه لسيدِه، له أخْذُه منه؛ لأنَّ التَّدْبِيرَ لا يخْرُجُ عن شِبْههِ بالوَصِيَّةِ بالعِتْقِ، أو بالتَّعْلِيقِ له على صِفَةٍ، أو بالاسْتِيلادِ، وكلُّ هؤلاء كَسْبُهم لسيدِهم، فكذلك المدَبَّرُ. فإنِ اختَلَفَ هو ووَرَثَةُ سيدِه فيما (١) بيَدِه بعدَ عِتْقِه، فقال: كَسبْتُه بعدَ حرِّيَّتي. وقالوا: بل قبلَها. فالقولُ قولُه؛ لأنَّه في يَدِه، ولم يثْبُتْ مِلكُهمٍ عليه، بخِلافِ الولَدِ، فإنَّه كان رقيقًا لهم. فإن أقامَ كلُّ واحدٍ منهما بَيِّنةً بدَعْواه، قُدِّمتْ بَيِّنَةُ الوَرَثَةِ عندَ مَن يَرَى تَقْدِيمَ بَيِّنةِ الخارِجِ، وبَيِّنَةُ المُدَبَّرِ عندَ مَن يُقَدِّمُ بَيَنةَ الدَّاخِلِ. فإن أقَرَّ المُدَبَّرُ أن ذلك كان في يَدِه في حياةِ سيدِه، ثم تَجَدَّدَ مِلْكُه عليه بعدَ موتِه، فالقولُ قولُ الوارِثِ؛ لأنَّ الأصْلَ معهم (٢). وإن أقام المُدَبَّرُ بَيِّنةً بدَعْواه، قُبِلَتْ، وتُقَدَّمُ على بَينةِ الوَرَثةِ إن كانت لهم بَينةٌ؛ لأنَّ بَيِّنَتَه تَشْهَدُ بزِيادةٍ، وإن لم يُقِرَّ المُدَبَّرُ بأنَّه كان له في حياةِ سَيِّدِه، فأقام الورثةُ بَيِّنةً به، فهل تُسْمَعُ بَيِّنتُهم؟ على وَجْهَين.
٢٩٦٨ - مسألة: (وله إصابَةُ مُدَبَّرَتِه، فإن أوْلَدَها بَطَلَ تَدْبِيرُها)
стр. 9245
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يباحُ وَطْءُ أمَتِه المُدَبَّرَةِ. وقد رُوِيَ عن ابنِ عمرَ، أنَّه دَبَّرَ أمَتَين، وكان يَطَؤُهما (١). ومِمَّن رأى ذلك ابنُ عباس، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعطاءٌ، والنَّخَعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، ومالكٌ، واللَّيثُ، والأوْزَاعِيُّ، والشافعيُّ. قال أحمدُ: لا أعْلَمُ أحدًا كَرِهَ ذلك غيرَ الزُّهْرِيِّ. وحُكِيَ عن الأوْزَاعِيِّ، أنَّه كان يقولُ: إن كان يطؤُها قبلَ تَدْبِيرِها فلا بأْسَ بوَطْئِهَا بعدَه، وإن كان لا يَطَؤُها قَبلَه لم يَطَأْها بعدَ التَّدْبِيرِ. ولَنا، أنَّها مَمْلُوكَتُه، لم تَشْتَرِ نَفْسَها منه، فحلَّ له وَطْؤُها، لقولِ اللهِ تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيرُ مَلُومِينَ﴾ (٢). وقياسًا على أُمِّ الوَلَدِ.
فصل: وابنةُ المُدَبَّرَةِ مِثْلُها في حِلِّ وَطْئِها، إن لم يكنْ وَطِئَ أمَّها. وعنه، ليس له وَطْؤُها؛ لأنَّ حَقَّ الحُرِّيةِ ثَبَت لها تَبَعًا، أشْبَهَ ولَدَ المُكاتَبةِ. ولَنا، أنَّ مِلْكَ سَيِّدِها تام فيها، فحَلَّ له وَطْؤُها؛ للآيةِ، وكأُمِّها. واسْتِحْقاقُها الحُرِّيةَ لا يَزيدُ على استِحْقاقِ أُمِّها، ولم يَمْنَعْ ذلك وَطْأَها. وأمَّا وَلَدُ المُكاتَبةِ، فأُلحِقَتْ بأُمِّها، وأُمُّها يَحْرمُ وَطْؤُها، فكذلك