وإذا مسَّتِ الحاجةُ إلى إلقاءِ الدوابِّ ألقيتْ لإبقاءِ الآدميينَ المحترمينَ، والعبيدُ كالأحرارِ، ويضمنُ المُلقى من وليٍّ وأجنبيٍّ في محلِّ الوجوبِ، ولو كانتِ الأمتعةُ مرهونةً أو كان صاحبها محجورًا عليه بفلسٍ أو لمكاتب ولم يأذن السيدُ فإنه لا يجوزُ إلقاؤها في محل الجواز، ويجب في محل الوجوبِ (١).
ويضمنُ الملقى من راهنٍ أو مرتهن، فإن اجتمعَ الراهنُ والمرتهنُ أو السيدُ والمكاتبُ على الإلقاءِ في حالةِ الجوازِ لم يمتنع الإلقاءِ، ومثلُه مالُ العبدِ المأذونِ إذا ركبتْهُ الدُّيونُ لا يجوزُ إلقاؤُهُ في حالةِ الجوازِ إلَّا إنِ اجتمعَ السيدُ والعبدُ والغرماءُ على ذلكَ، ولَوْ قَالَ: ألقِ متاعكَ، هذا -أو كانَ المتاعُ معلومًا عند القائلِ- وأنا ضامنُه أو ضامن له، فألقاهُ ضمنَ ما سمَّاه لهُ من دراهمَ أو غلَّةٍ، فإنْ لم يذكرْ لهُ شيئًا ضمنَ القيمةَ مطلقًا على الأرجحِ من نقدِ البلدِ باعتبارِ حالة القولِ لأجل الهيجانِ خلافًا للبغويِّ وتعذرَ ردُّ المثلِ لأنَّه لا مثلَ لمشرفٍ على الهلاكِ إلَّا مشرف على الهلاكِ، وذلك بعيدٌ، فتعيَّنتِ القيمةُ (٢).
وإنِ اقتصرَ على قولهِ: "ألقِ متاعكَ في البحر"، ولم يقل: "وعليَّ ضمانُه"، فألقاه. فقيلَ في وجوبِ الضمانِ خلافٌ، كقولِه: "أدِّ دَيْنِي". وقطعَ الجمهورُ بأنَّه لا ضمانَ، وإنَّما يضمنُ ملتمس مخوفِ غرقٍ، ولم يختص منع الإلقاء بالملقي صاحب المتاعِ.
стр. 1472
ولو عادَ حجرُ منجنيقٍ فقتلَ أحدَ رُماتِه هُدِرَ قسطُه، وعلى عاقلةِ الباقينَ الباقي إلَّا أَنْ يتصوَّر عمدُهم بقتلِهِ فعليهمْ في أموالهم الباقي، أو غير رماتِهِ ولم يقصدوه فخطأٌ، أو قصدوه فعمدٌ. وقيل: إن غلبتْ إصابتُه. وقيل: لا يتصوَّر العمدَ فيه (١).
فرع (٢): ديةٌ وبعضها خطأ وشبهُ عمدٍ وغرة يلزم العاقلة تحملًا عن الجاني بشرطِ كونِهم عاقلةً له عندَ رميهِ وجرحهِ، وسبب وشرط مضمنين مستمرًا ذلك إلى الفوتِ، فإنْ تبدَّلَ حالُه دونهم وعادَ أولم يَعُدْ عقلوا عنهُ ما وجبَ، قبلَ التبدُّل إنْ لم يَصِرْ نفسًا.
وإن صار نفسًا عقلوا عنه الديةَ إنْ كانَ قبلَ التبدلِ وجب أو أكثر منها، وإن كانَ الواجبُ دونها بالزائدِ في مالِهِ، وإن تبدلتِ العاقلةُ بعد الرمي وقبلَ الإصابةِ لم يتحمَّل واحدة منها، وإن تبدَّلتْ بعد الجرح حملتِ الأولى الديةَ، إنْ كانَ في زمانها صدرَ ما يقابلُ بذلكَ، أو أزيد منه، وإلَّا فتحمل قدرَ الأرشِ في ذمتها والزائد على الجاني إلَّا فيما إذا حَزَّ فما سَبَقَ على الأولى والباقي إلى تمامِ الديةِ على الثانيةِ خلافًا لما في النهايةِ والبيانِ من أنَّ جميعها على الثانيةِ.
والعاقلةُ هم عصبتهُ المذكورُ المكلفونَ إلَّا أصلَ الجاني وفرعِهِ أو أصلَ مَن ثبتَ لهُ الولاءُ أولًا وفرعه.
ويقدمُ الأقربُ، فإن بقيَ شيءٌ فمن يليهِ، وبدل بأمرين على بدل
стр. 1473
بأحدهما (١).
وأمَّا ذوو الرحمِ معنى المتولي أنَّا إذا قلنا بتوريثهم فيتحملونَ عندَ عدمِ العصباتِ كما يرثونَ عندَ عدمهم، وقد ذكرَ شيخُنا في "الفرائضِ" حكمَ توريثهم فلينظر منه.
ويعتبر هنا أن يكونوا ذكورًا كما هُوَ أصلُ البابِ، ثم العتقُ إذا لم يكن للجاني عصبات من النسبِ، أولم يكن منهم كفايةٌ، وتتحمَّلُ عصبةُ العتيقِ معه عندَ عجزِ المعتقِ على النصِّ غيرَ أصلهِ وفرعهِ على مقتضى النصِّ المعتمدِ، ثمَّ معتق المعتقِ، ثم عصبته غير أصوله وفروعه على الأصحِّ، ويدخل بقيتهم معه في حياتِهِ على المذهبِ كما سبقَ، وإلَّا فمعتق أبي الجاني، ثم معتق عصبة الأب غير أصولِ معتق الأبِ وفروعِهِ، وتتحملُ بقيتُهم معه كما سبَقَ، ثم معتق معتق الأبِ، ثم عصبته غير أصوله وفروعه، وتتحمَّل بقيتهم معه كما سبقَ، وهكذا إلى حيثُ ينتهي.
وإذَا لم يوجدْ عتقٌ في جهةِ الآباء انتقلنا إلى معتقِ الأمِّ، ثُم إلى عصبته غير أصوله وفروعه، ويتحمل نصيبهم معَ المعتقِ فِي حياتهِ كما سبقَ.
وهكذا نقولُ في موالي الجداتِ من جهةِ الأمِّ ومن جهةِ الأبِ وموالي المذكور والمُدلين بالإناثِ كالجدِ أبي الأمِّ، ومَن جَرَى مَجْرَاهُ، وعتيقها يعقله عاقلتها لأن الذكورةَ شرطٌ في التحملِ.
стр. 1474
والمعتقون كمعتقٍ فإذا أعتق جماعةٌ عبدًا فجنى خطأً يحملونَ عنهُ تحمل شخصٍ واحدٍ.
وكلُّ شخصٍ من عصبة كل معتقٍ غيرَ أصولِه وفروعِهِ يحملُ ما كانَ يحملُهُ ذلكَ المعتقُ، ويحملُ نصيبَهُ عصباته معهُ في حياتِه عندَ العجزِ كما سبقَ.
ويعقلُ العتيقُ على ما نصَّ عليه الشافعيُّ ﵁ في "الأمِّ" و"مختصرِ المزني"، و"مختصرِ البويطي"، خلافًا لما في "المنهاجِ" تبعًا لأصله من أنهُ لا يعقلُ على الأظهرِ.
ولفظه في "الأم" (١): (ولا أَجْعَلْ عَلَى الْمَوَالِي مِنْ أَسْفَلَ عَقْلًا بِحَالٍ حَتَّى لَا يُوجَدَ نَسَبٌ وَلَا مَوَالٍ مِنْ فَوْقَ بِحَالٍ ثُمَّ يَحْمِلُونَهُ فَإِنَّهُ يَعْقِلُ عَنْهُمْ لَا لأَنَّهُمْ وَرَثَةٌ؛ وَلَكِنَّهُمْ يَعْقِلُونَ عَنْهُ كَمَا يَعْقِلُ عَنْهُمْ).
وفِي "مختصر المزني" (٢) في باب عقل الموالي: (ولا أحمل الموالي من أسفل عقلًا حتَّى لا أجد نسبًا ولا موالي من أعلى ثم يحملونه لا أنهم ورثته ولكن يعقلون عنه كما يعقل عنهم).
وفِي "مختصرِ البويطي": (وإنْ لم يكنْ لرجلٍ موالي من فوق تعقلُ عنهُ وكانَ لهُ موالي في أسفلَ عقلوا عنهُ، ولم أجعلِ العقلَ من قبلِ الميراثِ ولكن جعلتُه لأنَّه يعقلُ عنهم فيعقلونَ عنهُ).
فهذِهِ نصوصه في هذهِ الكتبِ، على تحمُّلِ الموالي من أسفلَ عند عدمِ
стр. 1475
المتحملين من جهةِ الولاءِ من أعلى.
ولما ذكر الشيخُ أبو حامد في تعليقه نص الشافعي في "مختصر المزني" قال: الَّذي نصَّ عليهِ ههنا أنَّهم يتحمَّلون الديةَ، وحكى أبو إسحاقَ في الشرحِ أنَّ الشافعيَّ قال في موضعٍ آخر أنهم لا يعقلونَ.
قال الشيخ أبو حامدٍ: ولستُ أدري أينَ قالَ الشافعيُّ هذَا، إلَّا أنَّهُ لا يختلفُ أصحابُنا أنَّ المسألةَ على قولينِ. انتهى.
وإذا قُلنا بالمذهبِ المنصوصِ أن العتيقَ يحملُ فإنما يتحملُ بالترتيبِ الَّذي سبقَ في نصِّ "الأمِّ" ولا يأتي في ولدِهِ من الخلاف ما أتى في ولَدِ المولى مِن أعلى ههُنا على أنَّهم يعقلونَ عنه مما يعقلُ عنهم، وهذا معنى (نعم ولد المولى من أسفل)، وأما أصل المولى من أسفل فلا علقة للولاءِ بهِ قطعًا.
فإنْ فقد العاقلَ أو لم يفِ فالعقلُ على جماعةِ المسلمينَ كما قالَ الإمامُ الشَّافعيُّ، ثم ينظرُ، فإنْ وُجِدَ لهمْ مالى في بيتِ المالِ من جهةِ الإرثِ ثبتَ التَّحمُّلُ في ذلك المالِ، وكذا فيما يحدثُ من الإرثِ المتعلقِ بجماعةِ المسلمينَ، والظاهرُ أنَّهُ يتعلقُ التحملُ بسهمِ المصالح من الفيءِ والغنيمةِ، ويحتمل خلافه، ولا يتعلق بمال غير ذلك من بيت المال، فإن لم يكن فيه مالٌ يُعقل منه أو كان فيه، ولكن منع المتكلم في بيت المال لظلمِه فإنهُ يؤخَذُ جميعه أو ما يفِي من الضروبِ منْ جماعةِ المسلمينَ الموسرينَ والمتوسطينَ على مُقتضَى مذهبِ الشافعيِّ.
وحيثُ تعذَّرَ الاستيعابُ اجتهدَ الإمامُ وضربَ الواجبَ على مَنْ يراهُ على مقتضى التأجيلِ هذا هو الظاهرُ من نصوصِ الشافعيِّ ﵁، والمعنى يساعده
стр. 1476
لأنَّ بينَ المسلمِ وبينَ المسلمينَ موالاةً ومناصرةً فتحمَّلوا عقل جنايةِ الخطأِ وشبه العمد في الصورةِ المذكورةِ.
وما وقعَ في "المنهاجِ" (١) تبعًا لأصلهِ من قولهِ: "فإن فقد فكله على الجاني في الأظهرِ"، فخلاف المعتمد.
وأما الذميُّ والمستأمنُ فالحكم فيهما أن الواجب عليهما عند فقد عاقلتيهما الخاصة ويدخلُ كلٌّ منهما في كلِّ سنة في الفاضِلِ عن العاقلةِ الخاصَّةِ ودية النفسِ كاملة في خطأ أو شبه عمد مؤجَّلة على عاقلةٍ وجانٍ ثلاثَ سنين، في كل سنة ثلث دية وذمي منه بناء على الأصح؛ لأنها قدر ثلث دية المسلم، وقيلَ ثلاثًا بناءً على أنها دية نفس امرأة مسلمة في سنتينِ في الأولى ثلث الدية الكاملة، والباقي في الثانية.
وتحمل العاقلة العمدَ في الأظهر نفسًا وطرفًا خطأً وشبه عمدٍ، ففِي كلِّ سنةٍ قدرُ ثلثِ الديةِ، وقيلَ كلها في سنةٍ.
ولو قتلَ رجلينِ مسلمينِ أو امرأتينِ كذلكَ ففِي ثلاثِ سنينَ؛ لأنَّ كلَّ نفسٍ متميزةٌ عن غيرها كديةِ الواحدِ، وقيل في ستٍّ؛ لأنَّ بدلَ النفسِ الواحدة يضربُ في ثلاثٍ، فيزادُ للأخرى مثلها.
والأطرافُ في كلِّ سنةٍ قدرُ ثلثِ الديةِ، وقيلَ كلها في سنةٍ، فإن كانَ الواجبُ قدرَ ثلثِ الديةِ حملته العاقلةُ.
وأجلُ النفسِ من وقتِ زهوقِ الروحِ، وأجلُ غيرِ النفسِ من الجنايةِ، فلو قطعَ أصبعه فسرت الجنايةُ إلى كفِّه واندملت فأصحُّ الوجوهِ أنَّ أجلَ أرشِ
стр. 1477
الأصبعِ من وقتِ قطعهِ، وأجلُ أرشِ الكفِّ من وقت سقوطِهِ.
ولا يعقلُ فقير ورقيقٌ وصبيٌ ومجنونٌ ومسلمٌ عن كافرٍ وعكسه، ولا امرأةٌ ولا خُنثَى مُشكل لاحتمال أن يكونَ امرأةً.
والاعتبارُ في الإعسارِ بآخرِ الحول، واعتبارُ وجود هذه الصفاتِ المانعةِ من التحمُّلِ من الرقيقِ ومن بعده إلى الكافرِ من حين الفعلِ.
ولو كانَ بعضُهم في أولِ الحولِ كافرًا أو رقيقًا أو صبيًّا أو مجنونًا، وصارَ في آخرهِ بصفة الكمال فلا تُؤخذُ منه حصَّةُ تلكَ السنةِ، ويؤخذُ ما بعدها على أرجحِ الوجوهِ عند شيخِنا خلافًا لما صحَّحهُ في "الروضة" من عدمِ أخذِ ذلكَ منهُ.
وإذا بانَ الخنثَى ذكرًا فلا يغرم حصته التي أداها غيره على الأصحِّ خلافًا لما جاءَ في "زيادة الروضة" من الغرم.
وأما البعضُ الَّذي أعتقهُ غير مالك الباقي فالظاهرُ أنَّه يتحمَّلُ؛ لأنَّه ناقصٌ بالنسبةِ إلى النصرةِ.
وإن أعتقَهُ مالكُ الباقي ولم يسرِ عليه يحمل عنه معتقُه على الأرجحِ بالنسبةِ إلى نصيبِ الحرِّ، ويتحمَّل هو عن معتقه كما تقدَّم.
ويعقلُ يهوديٌّ عن نصرانيٍّ وعكسُه، إذا كانا ذِميينِ أو مستأمنينِ، أو أحدُهما ذِميًّا والآخرُ مستأمنًا، فأما الحربيُّ فإنه لا يتحمَّل عن الذِّمِّي ولا عكسه (١).
* * *
стр. 1478
فرع (١): مالُ جناية العبدِ يتعلَّقُ برقبتِهِ، ولو كانَ صغيرًا لا يميزُ، أو مجنونًا ضاريًا أو أعجميًا يرى طاعةَ الأمرِ على الأصحِّ، وهو مقتضى النصِّ خلافًا لما صحَّحه في "الروضةِ" تبعًا للشرحِ، من أنَّ جنايةَ الَّذي لا يميزُ ومن بعدهُ لا تتعلقُ برقبتِهم.
ولو كانَ السيدُ هو الَّذي أَمَرَ عبدَهُ وكانَ صبيًّا لا يميزُ، أو مجنونًا ضاريًا، أو أعجميًّا يرى طاعة السيد واجبة في كل شيء، فأتلف شيئًا بأمرِ السيدِ، تعلقتِ الجنايةُ المذكورةُ برقبةِ هذا العبدِ، وسائر أموالِ السيدِ على النصِّ خلافًا لما صحَّحه في "الروضةِ" تبعًا للشرحِ من عدم تعلُّقِ جنايةِ هذا العبدِ برقبتهِ.
ولو أمرَ أجنبيٌّ العبدَ الَّذي لا يميزُ ومن بعده فإنه تتعلقُ برقبةِ العبدِ، وبالأجنبيِّ على مقتضى النصِّ خلافًا لما صحَّحهُ في "الروضةِ" فيباع في الجنايةِ بالغًا ما بلغ، فإنْ بقيَ شيءٌ فعلى الأجنبيِّ الأمرُ.
وحيث تعلَّقتْ جنايةُ العبدِ برقبته فقط، فلسيدهِ بيعه لمحاولةِ فدائه بالأقلِّ من قيمتِه وأرشِها.
وفِي قولٍ قديم بأرشها بالغًا ما بلغ، هذا إذا لم يكن العبد مرهونًا مقبوضًا بالإذنِ.
فإنْ كان كذلكَ وأعرف الراهن بأنه جَنَى بعد لزومِ الرهنِ جناية تُوجبُ مالًا وأنكر المرتهنُ ذلك فالقولُ قولُ المرتهنِ بيمينه، فيباعُ في الدين ولا شيءَ على الراهنِ للمُقرِّ لَهُ بالجنايةِ على الأصحِّ، وحكى ابن كجٍّ وجهًا أنَّه يُقبَلُ إقرارُ الراهنِ ويُباعُ العبدُ في الجناية ويغرم الراهن للمرتهن.
стр. 1479
ولا يتعلق مالُ الجنايةِ بذمةِ العبدِ مع رقتبتِهِ في الجديدِ.
ويستثنى من مطلقِ المعيةِ صورةٌ، وهي ما لو أقرَّ السيدُ بأنه جنى على عبدٍ قيمته ألف جنايةَ خطأ، وقال العبدُ قيمته ألفانِ، فنصَّ الشافعيُّ في "الأمِّ" في الإقرارِ أنَّه يلزمُ العبد بعد العتقِ القدرَ الزائدَ على ما أقرَّ بِهِ سيدُه.
* ضابطٌ: ليس لنا صورةٌ اجتمع فيه التعلق بالرقبةِ والتعلق بالذِّمَّةِ على المذهبِ إلَّا في هذه الصورة.
وتعتبرُ قيمةُ العبدِ وقتَ الجنايةِ على النصِّ، وإنْ كان العبدُ الجاني مكاتبًا وفِي يده مالٌ فدَى نفسه من الَّذي في يده، ويفدِي نفسه بأقلِّ الأمرينِ من قيمتِه وأرشِ الجنايةِ على أظهرِ القولينِ.
وإن لم يكن في يدِه مالٌ وسألَ مستحقُّ الأرشِ الحاكم تَعْجِيزَهُ عَجَّزَه ثم باعَ منه ما يوفِي الأرشَ ويبقى الباقي مكاتبًا.
فإنْ كانَ الأرشُ يستغرق قيمته باعَهُ.
ولو أرادَ السيدُ أن يفديه وتستمرّ الكتابة فله ذلك، وعلى المستحقِّ قبوله.
ولو فداهُ ثم جنى ثانيًا سلَّمهُ للبيعِ، أو فداهُ، وكذا لو تكرر ذلك مرارًا مع تخللِ الفداءِ.
ولو جنى ثانيًا قبل الفداء باعه فيهما أو فداهُ بالأقلِّ من قيمته والأرشِ -وفِي قولٍ قديمٍ بالأرشين- إذا لم يمنع من بيعه مختارًا للفداءِ، فإنْ منعَ لزمَهُ أن يفدي كلًّا منهما، كما لو كان منفردًا.
ولو أعتقَهُ وهو موسرٌ أو باعه بعد اختيارِهِ الفداء أو قبله فداه حينئذٍ حتمًا بأقلِّ الأمرين، كما تقدَّم، لأنَّه فوت محلَّ حقِّه، وهذا إذا أمكنَ دفعُ الفداءِ.
فإن تعذَّر تحصيلُهُ أو تأخَّر لإفلاسِه أو غيبته، فُسِخ البيعُ، وبِيع في الجناية؛ لأنَّ حقَّ المجنيِّ عليه مقدَّمٌ على حقِّ المرتهنِ.
стр. 1480
ولو هربَ ولم يعلم سيدُهُ مكانَه، أو ماتَ قبلَ اختيار سيده الفداء فلا شيءَ على سيدِهِ؛ لأنَّ الحق متعلقٌ برقبتِهِ، وقد فاتتْ.
هذا إن لم يمنع سيدُه مِن بيعِهِ عندَ الطلب، فإنْ طلبَ المستحقُّ بيعه فمنعه سيدُهُ فعليه فداؤُه حينئذٍ بتعدِّيه بالمنع، ولأَنهُ مختارٌ للفداءِ فمنعه، وإذا علم سيدُهُ مكانَه وأمكنهُ ردَّه فالمتجه وجوبُ الردِّ؛ لأن التسليمَ واجبٌ عليه.
ولو اختارَ الفداءَ فالصحيحُ أنَّ له الرجوعَ وتسليمه إذا لم تنقصْ قيمتُهُ بعد اختيارِ الفداءِ، فإن نقصتْ لم يمكنْ من الرجوعِ والاقتصارِ على تسليمِ العبدِ قطعًا؛ لأنَّه فَوَّتَ باختيارِهِ ذلك القدر من قيمته.
ولو تأخَّر بيعه تأخُّرًا يضرُّ بالمجني عليهِ، وللسيدِ أموالٌ غيره، فليس له الرجوعُ قطعًا للضررِ الحاصلِ للمجني عليه بالتأخيرِ.
وأمَّا أمُّ ولدِهِ التي لا تباعُ فتقدَّر بالأقلِّ من قيمتِها والأرش على أقوى الطريقتين، فأمَّا أمُّ ولدِهِ التي تُباعُ؛ لأنَّه استولدها وهي مرهونةٌ الرهنَ اللازم، وهو معسرٌ، إذا جنتْ جنايةً توجبُ مالًا متعلِّقًا بالرقبةِ فإنه يقدَّم حقُّ المجني عليه على حقِّ المرتهنِ.
فإذا قالَ الراهنُ: أنا أفديها على صورة لا يكون بها موسر اليسار انعقدَ به الاستيلادُ في حقِّ المرتهن فله ذلك؛ لأنه حينئذٍ يكون بفدائِها مانعًا للمجني عليه من بيعها فتصيرُ كالعبدِ القنِّ.
وإذا فداها استمرَّت مرهونةً، ثم إنْ وفى الدينَ من غيرها نَفَذَ الاستيلادُ حينئذٍ على المذهبِ، وإن بيعتْ في الدينِ استمرَّ عليها حكمُ القنِّ في حقِّ مَن يشتريها، ثم إن عادت للراهنِ نَفَذَ الاستيلادُ على الأظهرِ.
وإذا جنتْ أمُّ الولدِ هذه في حالِ كونِها مرهونة جناية، ثم جناية أخرى وهي مرهونةٌ فلا نقول جناياتها كواحدةٍ؛ لأنه يمكنُ بيعها، بل هذه
стр. 1481
كالقنِّ يجني جنايةً ثم أخرى قبلَ الفداءِ، فيقطع فيه بأنَّ السيدَ إمَّا أن يسلمها لتباعَ فِي الجنايتينِ، وإمَّا أن يفديها بأقلِّ الأمرينِ من قيمتها وأرش الجنايةِ على ما تقدَّم في القنِّ.
وليستْ جنايةُ أمِّ الولدِ التي لا تباعُ كواحدةٍ على الَّذِي أحبه الشافعي صاحبُ، المذهبِ، بل تُفرد كلُّ جنايةٍ بحكمِها، وتعتَبَرُ قيمتُها وقتَ الجنايةِ على الأصحِّ.
وحكمُ العبدِ الموقوفِ والمنذورِ إعتاقُه إذا جَنَيَا حكمُ أمِّ الولدِ التي لا تباعُ، ويفدي العبدَ الموقوفَ الواقفُ على أصحِّ الوجوهِ إذا قلنا بالأصحِّ أن الملكَ فيه للَّهِ تعالى، إذا كانَ حيًّا، فإذا كانَ الواقفُ ميتًا فالأرجحُ ما ذكرَهُ في الجُرجانيات أنَّ الفداءَ في تركتِهِ.
وأمَّا المنذورُ إعتاقُهُ فإنَّهُ يفدِيه الناذرُ قطعًا لبقاءِ ملكهِ، كالمستولدةِ، فإنْ ماتَ قبلَ أن يعتقهُ كانَ الحكمُ في جنايتهِ كالحكمِ في جنايةِ الموصَى بإعتاقهِ إذا جنى، بعد موتِ الموصي وقبلَ الإعتاقِ.
قالَ شيخُنا: والحكمُ فيه أنَّ ذلكَ يتفرَّعُ على أَنْ كَتَبَ الموصي بإعتاقِه لمن، وفيه خلاف؛ فإدنْ قلنَا أنهُ للعبدِ كما هو مقتضى نصِّ "الأمِّ" وقالَ في "الروضة" في الخصيصة الرابعةِ: القرعةُ أنَّهُ المذهب لجنايتهِ في كسبِهِ.
وإنْ لم يكُن في يدهِ كسبٌ فيتعينُ هنا أن يعتقَ ويأخذه منه موجَّلًا، ويحتمل الحلول، والحكمُ في العبد المنذور يظهر مما قررناه في الموصى بإعتاقه، ولم أرَ مَن تعرَّضَ لشيء من ذلكَ، وهو من النفائس. انتهى كلامُ شيخِنا.
* * *
стр. 1482
فصل في الغرَّةِ الواجبةِ بالجنايةِ على الحاملِ بالجنينِ المضمونِ على الجاني الَّذي ظَهَرَ ميتًا بتلكَ الجنايةِ
الغرَّةُ لغةً تدلُّ على شرفٍ وتقدُّمٍ، وهي هُنَا للعبدِ أو للأمةِ، كأنَّه عبَّرَ عن الذاتِ كلها بالغرَّةِ.
وفِي "الصحيحين" (١) وغيرهما أنَّ امرأتينِ من هُذيلٍ رمتْ إحداهما الأخرَى، فطرحتْ جنينَها، فقضَى فيهِ النبيُّ ﷺ بغرَّةِ عبدٍ أو أمةٍ، وفِي حديثِ الشافعيِّ: بغرةِ عبدٍ أو وليدةٍ (٢)، وفِي روايةٍ في "الصحيحين": رمتْهَا بحجرٍ فأصابَ بطنَهَا (٣)، وفِي روايةٍ: قضَى في جنينِ امرأةٍ من بني لحيان بغرَّةِ عبدٍ أو أمةٍ (٤)، وللمغيرةِ بن شعبةَ في ذلكَ حديثٌ في "الصحيحين" (٥) وغيرهما، ولحمْلِ بن مالك في ذلك حديثٌ رواهُ الشافعيُّ (٦) وغيره.
стр. 1483
وأما الأحاديثُ التي جاءَ فيها عبدٌ أو أمةٌ أو فرسٌ أو بغلٌ فالمحفوظُ خلافها، وفيها مرسلٌ، وأحاديث مائةُ شاةٍ أو مائةُ وعشرون شاةٍ ضعاف، وحديث خمسمائة شاةٍ خطأ.
ومَن جنى غير حربي ولو بتخويفٍ على حاملٍ بجنين مسلم بتبعية أحدِ أصولِهِ، فلا يتصوَّر هنا تبعية السابي ولا الدار، حر ولو بإعتاقِهِ دونَ أمِّه، أو مَن وطئ بظن أن أمته حُرَّةٌ ظهر وقد بدا فيه التخطيط ففيه الغرةُ الكاملةُ.
وما ذُكِرَ في جنينِ الحربيةِ أنهُ لا يجب فيه شيءٌ وكذا لو أسلمتْ قبل الإجهاض محلُّه ما إذا لم يكنْ جنينُها مسلمًا بتبعيَّةِ أصل له، وكذلك تجبُ الكاملة في حملِ الذميةِ المحكوم بكفره إذا أسلمتْ قبلَ إجهاضِهِ، كذا جزمُوا به، وقياس مقالة ابن الحداد في المشركةِ يحصلُ فيها عتقٌ من اعتبار حالةِ القربِ أن لا تجب الكاملةُ هنا، وله نظيرٌ في تحمُّلِ العاقلةِ عند انجرار الولاءِ يشهدُ لما قرَّرناهُ.
وأمَّا الجنين اليهوديُّ أو النصرانِيُّ تبعًا لأبويه حيثُ لا حرابة، فالصحيحُ يجبُ فيه ثلثُ غرَّةِ المسلمِ، وفِي وجهٍ غرةٌ كاملةٌ؛ لإطلاقِ القضاءِ في الجنينِ: وفِي وجهٍ لا يجب فيه شيءٌ.
ولو كانَ أحدُ أبويه نصرانيًّا والآخرُ مجوسيًّا فهو كالجنينِ النصرانيِّ على النصِّ.
ومَنْ أحدُ أبويهِ ذميٌّ والآخرُ حربيٌّ تجبُ فيه غرتُه على الأصحِّ.
وفِي الرقيقِ عُشرُ قيمة الأمِّ أكثر ما كانتْ من حينِ الضربِ إلى الإجهاضِ على النصِّ لسيدِهِ، فلو كانتْ مقطوعةً والجنينُ سليمًا وعكسه قوِّمت سليمةً، فإن جنى سيدها عليها وهي حاملٌ مِن غيرِه، ثم عتقت ثم ألقتِ الجنينَ لم
стр. 1484
يجب شيء على السيدِ على الأصحِّ.
وسواءٌ انفصلَ الجنينُ ميتًا بجنايةٍ في حياةِ أمِّه أو بعد موتِها بجنايةٍ في حياتها تجبُ فيه الغرةُ، بخلافِ ما إذا ضربَ بطن امرأة ميتةٍ فانفصلَ منها جنينٌ ميتٌ فإنهُ لا غرَّةَ فيه على الأرجحِ، كما قاله البغويُّ.
وإنْ ماتَ حينَ خرج أو دام ألمه فماتَ ففيه الديةُ الكاملةُ، وإن لم يظهرْ منه شيءٌ، ولم ينفصلْ، لم يجب شيءٌ، وإن انفصلَ حيًّا وبقيَ زمنًا بلا ألمٍ، ثم ماتَ فلا شيءَ، ولو ألقتْ جنينينِ ميتينِ برأسينِ وبدنينِ منفصلينِ ففيهما غرتانِ، أو ثلاثةٌ فثلاثةٌ، وهكذا، فلو ألقتْ حيًّا وميتًا، ومات الحيُّ من تلك الجنايةِ وجبَ له ديةٌ كاملةٌ، وغرةٌ للميتِ، ولَو ألقتْ يدًا أو رجلًا ولم تُلقِ بعدها الجنينَ فغرةٌ، فلو ألقت جنينًا بعد ذلك فقيد ذلك العضو وألقته ميتًا بعد الاندمالِ وزوالِ ألمِ الضربِ بها فنصفُ غرة.
وإن خرجَ حيًّا وماتَ بعد الاندمالِ أو عاش فالأرجحُ وجوبُ نصفِ غرَّةٍ، وإن انفصلَ الجنينُ قبل الاندمالِ حيًّا ثم ماتَ من الجنايةِ ففيه ديةٌ، ويدخلُ فيها أرشُ اليدِ، وإن عاشَ فالأرجحُ وجوبُ نصفِ غرَّةٍ إلَّا إذا أسقطت اليدَ عقبَ الضربِ، وأسقطت عقبه الولدَ حيًّا فإنَّه يجبُ نصف الدية.
ولو ألقتْ لحمًا قال القوابلُ فيه صورةٌ خفيَّةٌ فلا غرَّةَ فيه على النصِّ، وفِي قولٍ: تجب غرةٌ إذا قلن: لو بقيَ لتصوَّر، والمعتمدُ عدمُ الوجوبِ.
والغرَّةُ عبدٌ أو أمةٌ مميزٌ بسبع أو ثمانٍ، لا قبل السبعِ على النصِّ، مسلمٌ سليمٌ من عيب مبيع، والنصُّ قبول كبيرٍ لم يعجز بهرمٍ، وبشرط بلوغ قيمة الغُرَّة نصفُ عشرِ الديةِ الكاملةِ على النصِّ، فإن تعدَّتْ فخمسةُ أبعرةٍ، وفِي قولٍ لا يُشترطُ، فإذا فقد قيمتها.
стр. 1485
فرع: يجبُ بالقتلِ كفَّارةٌ، وإنْ كانَ القاتلُ صبيًّا ومجنونًا، وعبدًا، وذميًّا، وعامدًا أو مُخطئًا، ومُتسببًا، فَقَتَلَ مسلم ولو بدارِ حربٍ.
ومَنْ قَتَلَ بالشرطِ من حَفْرٍ وبهيمةٍ ونحوهما وذميٍّ ومستأمنٍ وجنينٍ وعبدِ نفسِهِ ونفسِهِ، وقيل: لا يجبُ في نفسهِ، ويجبُ فيمن قتله بإذنهِ.
ولا تجبُ في المرتدِّ، ولو قتلَهُ مرتدٌ مثلُه، ولا في امرأةٍ وصبيٍّ مجوسيينِ، وباغٍ ولو في غير القتال معَ وجودِ المنعةِ والتأويلِ على النصِّ، وصائل ومقتص منه، وعلى كلٍّ من الشركاءِ كفارةٌ على المنصوصِ.
* * *
стр. 1486
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بابُ دعوى الدَّمِ والقسامةِ والشهادةِ على الدمِ
القسامةُ مشتقَّةٌ من القسمِ، وسميتْ بها لكثرةِ القسمِ فيها، قاله الجرجانيُّ، وهي بفتحِ القافِ. قال الجوهريُّ وابنُ فارسٍ: هي اسْمُ الأيمانِ؛ لأن في روايةٍ: "تحلفونَ خمسينَ يمينًا قَسَامةً تستحقُّونَ بها" وقالَ القاضي أبو الطيبِ وغيرُه: هي اسمٌ للحالفينَ. وهو ما ذكرَهُ الأزهريُّ والرافعيُّ عن أهلِ اللغةِ. قالَ القاضي أبو الطيبِ وغيرُه: والفقهاءُ يسمُّون الأيمانَ قسامةً. قال صاحبُ "الفائقِ": وجاءتْ على بناءِ الغرامةِ والحمالةِ لاشتراكِهم في القسمِ.
ورَوَى الدارقطنيُّ (١) والبيهقيُّ (٢) عن عمرو بن شعيبٍ عن أبيهِ عن جدِّه أنَّ
стр. 1487
رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "البينةُ على المدَّعِي واليمينُ على مَن أنكرَ إلَّا في القسامة" وفِي إسنادِهِ ضعفٌ، لكنْ قالَ ابنُ عبدِ البرِّ: إسنادُهُ لينٌ فخففَ أمرهُ.
وأوَّلُ مَن قضى بِها في الجاهليةِ الوليدُ بنُ المغيرةِ، كما قالَهُ ابنُ قتيبةَ، وأقرَّهُ الشارعُ في الإسلامِ.
يشترطُ أن يفصلَ ما يدعِيه من عمدٍ وشبهِ عمدٍ وخطأٍ وانفرادٍ وشركةٍ، فإنْ أطلقَ استفصلَهُ القاضي على النصِّ استحبابًا، وقيلَ يعرضُ عنهُ، ويشترط أن يُعَيِّنَ المدَّعَى عليهِ، فلو قالَ: قتلَهُ أحدُ هؤلاءِ العشرةِ ولا أعرفُ عَيْنهُ فتسمعُ الدعوى على الأصحِّ للحاجةِ، ولا يحلفهم القاضي على الأصحِّ للإبهامِ، ويجري الوجهانِ في دعوى غصبٍ وسرقةٍ وإتلافٍ وأخذِ الضالَّةِ.
والضابطُ بجريانها أن يكونَ سببُ الدعوى قد يخفى متعاطيه على المستحقِّ؛ لأنَّه مما ينفردُ به المُدَّعى عليه.
وشرطُ سماعِ الدَّعوى أن تكونَ مِن مكلَّفٍ ملتزمٍ، وتسمعُ دعوى المعاهَدِ وإن لم يكنْ ملتزمًا إذا ادَّعى بمالٍ استحقَّه على مسلمٍ أو ذميٍّ أو مستأمنٍ مثله، أو ادعى دمَ مورثه الذمي أو المستأمن.
وتُسمع دعوى الحربيِّ وإن لم يكنْ ملتزمًا للأحكامِ، فيما إذا اقترضَ منه حربيٌّ شيئًا أو اشتراهُ منه ثم أسلمَ المعترض أو المشتري، أو دخلَ إلينا بأمانٍ فإن المنصوصَ المعتمدَ أن دَيْنَ الحربيِّ باقٍ بحالِهِ.
ولو اقترضَ منهم مسلمٌ في دارِ الحربِ شيئًا أو اشتراهُ ليبعثَ إليهِم ثمنه أو أعطوهُ شيئًا ليبيعَهُ في دارِ الإسلامِ ويبعثه إليهم، فإنَّهُ يلزمه ذلكَ، وحينئذٍ فتسمعُ الدَّعوى من الحربيِّ، لكنْ يكون في أمانٍ بطلب ذلك فإنَّهُ لا يبطلُ حقه من ذلكَ.
стр. 1488
وشرطُ المُدَّعَى عليه أن يكونَ مكلفًا فلا تُسمع الدعوى على صبيٍّ ومجنونٍ، وتسمعُ على المحجورِ عليه بالفلسِ والسَّفهِ والرقِّ، وتسمعُ الدعوى على المستأمنِ وإن لم يكنْ ملتزمًا للأحكامِ كما تقدَّم، وتسمعُ الدعوى على الحربيِّ إذا صدرَ منهُ الإتلافَ في حالِ التزامِهِ.
وإذا ادَّعى انفراده بالقتلِ، ثم ادَّعى على آخر لم تسمعِ الثانيةُ إذا لم يصدقْهُ الثاني، فإنْ صدَّقهُ الثاني سمعتِ الدعوى على الثاني، ويؤاخذُ المقر، ويُعمل بمقتضى إقراره على الأصحِّ.
ثم إن لم يقسم في الدعوى الأولى فلا يمضي حكمها، ولا يُمَكَّنُ من العودِ إليها، وإن مضى حكمها والحكمُ بالمال، فإن وجد منه ما يرفع الأولى كقوله: "ليس الأول قائلًا"، فإنَّهُ يردُّ المالَ المأخوذَ على مستحقهِ.
وإنْ وجدَ منه أنَّ الثاني شريك فيرتفعُ ذلك من أصلِهِ، وتنبني قسامةٌ على الاشتراكِ الذِي ادَّعاهُ آخرُ كما هو قياسُ البابِ.
وإن ذكر عمدًا ثم وصفَهُ لغيره لم يبطلْ أصلُ الحقِّ في الأظهرِ، ولا يحتاجُ إلى تجديدِ دَعْوَى في الأصحِّ.
ثم إنْ فسَّر العمدَ بالخطأ أو بعمدِ الخطأ فهل يقسم أم لا؟ فيه خلافٌ، قال شيخُنا: والذي عندَنا أنَّه تترتبُ صورةُ العدول منَ العمدِ إلى الخطأِ على صورةِ العدولِ من العمدِ إلى عمدِ الخطأ فإنْ قُلنا هناكَ لا يقسمُ، فهنا أوْلَى، وإنْ قُلنا هناكَ يقسمُ، فههنا وجهانِ؛ لأنَّ العمدَ قدْ يلتبسُ بعمدِ الخطأِ، بخلافِ الخطأِ المحضِ، والأصحُّ أنَّهُ يقسمُ لاشتراكِهما في الرجوعِ مِن الأغلظِ إلى الأخفِّ. انتهى.
وتثبتُ القسامةُ في القتلِ بمحلِّ لوثٍ، وهي قرينةٌ تغلبُ وتوقعُ في القلبِ
стр. 1489
صدقَ المُدَّعِي، فإنْ وجدَ قتيلٌ أو بعضُه إذا تحققَ موتُه في محلِّةٍ أو قريةٍ صغيرةٍ لأعدائِه أو أعداءِ قبيلتِه أو تفرَّقَ عنهُ جمعٌ يعتبرُ أَنْ يكونوا على وجهٍ ينحصرُ قبلَ القتيلِ فيهم، وإنما تثبتُ القسامةُ بذلكَ حيثَ لم يعرفْ مَن قتلَهُ ببينةٍ أو بإقرارٍ أوْ بعلمِ الحاكمِ.
وأمَّا إذا وقعَ في الشبه العامِ والخاصِّ أنَّ زيدًا قتلَ فلانًا فهذا لا يثبتُ به عليهِ القتلُ ولكنَّه يكونُ لوثًا في حقِّه.
ولو تقابلَ صفَّانِ لقتالٍ، وانكشفوا عن قتيلٍ فإنِ التحمَ قتالٌ كانَ لوثًا في حقِّ الصفِّ الآخرِ لأنَّه يغلبُ عندَ التحامِ القتالِ أنَّ أهلَ كلِّ صفٍّ يطلبونَ قتلَ الآخرينَ، فإذا تفرَّقُوا عن قتيلٍ كان لوثًا في حقِّ الطالبينَ.
وإنْ لم يلتحمِ القتالُ فهو لوثٌ في حقِّ أهلِ صفِّه إذا لمْ يترامَى الصفَّانِ، فإنْ ترامَى الصفَّانِ وكان ينالُه رَميُ أضدادِهِ فإنَّه يكونُ لوثًا في حقِّ أضدادِه.
وقولُ عدلٍ فيما لا يثبتُ بشاهدٍ ويمين لوث، وكذا قولُ نساء وعبيدٍ بشرطِ التفرُّقِ على النصِّ، وليس قولُ فسقةٍ وصبيان وكفارٍ لوثًا في الأصحِّ.
ولو ظهرَ لوثٌ فقال أحدُ ابنيهِ: قتلَهُ فلانٌ، وكذَّبَهُ الآخرُ، وقد ثبتَ اللوثُ بالشاهدِ الواحدِ بعد الدعوَى، والحالُ أنَّ المدعي قتلُ شبه عمدٍ أو خطأ، فلا يبطلُ هذا اللوثُ بتكذيبِ أحدِ الولدينِ قطعًا، بناءً على أن شهادة العدلِ الواحدِ لوثٌ، ولو ثبتَ اللوثُ في حقِّ أهلِ المحلة أو الجماعةِ كما تقدَّم واتفقَ الأخَوانِ على ذلك، ولكن عيَّن الذي كذَّبَ أخاهُ آخرُ، وقالَ: هذا هو القاتلُ. ولم يكذِّبْهُ أخوهُ فيما قَالَهُ، فإنَّهُ لا يبطلُ حقُّ الذي كذَّب أخاهُ من الذي عيَّنَهُ لأنَّ المعنَى المقتضي لإبطالِ القسامةِ أنَّ اللوثَ قد انخرمَ الظنُّ به، وإنما انخرمَ الظنُّ في المعينِ لا في أصلِ اللوثِ، لاتفاقِ الأخوينِ على
стр. 1490
اللوثِ الثابتِ بالنسبة إلى أهل المحِلَّةِ أو الجماعةِ، ولا سيما إذا كان للقتلِ المدعى به شبهُ عمدٍ أو خطأَ، وكانت عاقلةُ المعينين واحدة، كأب وابن، اختلف الوارثان في تعيينهما من أهلِ المحلةِ والجماعةِ.
وإذا كذَّبه الآخرُ ولم يثبتِ اللوثُ بشاهدٍ واحدٍ بعد الدعوَى ولا يثبتُ الموتُ في حقِّ أهلِ المحلةِ أو الجماعةِ على ما تقدَّمَ، فلا يبطلُ اللوثُ أيضًا على أصحِّ القولينِ؛ لأنَّ الشافعيُّ قطَعَ بهِ في موضعِ منَ "الأمِّ" و"مختصر المزنيِّ" واختاره المزنيُّ، وقدمهُ الشافعيُّ في كلِّ موضعٍ، وصححهُ البغويُّ، والدليلُ يعضدهُ، فهو المعتمدُ خلافًا لما في "المنهاجِ" تبعًا لأصله من تصحيح بطلان اللوثِ. وقيل: لا يبطلُ اللوثُ بتكذيبِ فاسقٍ.
ولو قالَ أحدُهما: قتلَهُ فلانٌ وآخر لا أعرفهُ، وقال الآخر: قتلهُ فلانٌ وآخرُ لا أعرفُه، حلفَ كلّ منهما على ما عيَّنُه وله ربعُ الديةِ، ولو ظهر لوثٌ تأجَّلَ قبلَ دونَ عمدٍ وخطأ، وفصل الولي سمعتِ الدعوى بلا خلافٍ، وأقسم قطعًا، ومتَى لم يفصل لم تسمعِ الدعوَى وتثبتُ القسامةُ، فإذا حلفَ الوليُّ غرَّمنا الجاني الديةَ مخففةً مؤجَّلةً في ثلاثِ سنينَ؛ لأنَّ قتلَ العمدِ لم يثبُتْ ولا شبه العمدِ، والمخففةُ أقلُّ ما يجبُ، فألزمناهُ.
قالَ شيخُنا: ولم أرَ أحدًا حرَّرَ هذا الموضعَ علَى ما ينبغي. انتهى.
ولا يقسمُ في طرفٍ وإتلافِ مالٍ إلَّا في قتلِ عبدٍ على المذهبِ، فلو جرحَ وهو عبدٌ ثمَّ أعتقَ وماتَ حرًّا ثبتتِ القسامةُ للسيدِ قطعًا، والقسامةُ أن يحلفَ الورثةُ أو السيدُ أو هُما على قتلٍ ادَّعاه خمسين يمينًا، وكذا الحكم لو ازدحمَ جماعةٌ ومنهم حاملٌ فأجهضتْ جنينًا فللمستحقِّ بالغرَّةِ أن يحلفَ كما صرَّح به الماورديُّ، وهو مقتضى كلامِ غيرِه، ولا يسمَّى هذا قتلًا، وإنما
стр. 1491
يطلقُ القتلُ على مَن تحقَّقت فيه الحياةُ المستقرَّةُ، فجنَى عليه جانٌ فأزهقَ روحَه، وأمَّا الجنينُ فإنَّهُ لا تتحقَّقُ حياتُه، وقد لا يكونُ نفختْ فيه الروحُ.
والغرَّةُ واجبة وتدخلُها القسامةُ، وإن لم يكنِ الحاصلُ قتلًا.
* ضابطٌ: ليس لنا موضعَ تثبتُ فيه القسامةُ في غيرِ القتلِ إلَّا في هذا الموضعِ .
ولا يشترط موالاتها على النصِّ ولو تخلَّلها جنون أو إغماءٌ بنى إذا أفاقَ، ولو ماتَ لم يبنِ وارثُه على المنصوصِ.
وإذا كانَ للقتيلِ ورثةٌ وزعتِ الأيمانُ بحسبِ الإرثِ المحتملِ، فإذا كان الورثةُ ابنًا وولدًا خُنثَى، حلفَ الابنُ ثلثي الخمسين، وأخذ النصفَ، ويحلف الخنثى نصف الخمسينَ، ويأخذ الثلث. ويوقف الباقي، والضابطُ لذلكَ أَنْ يؤخذَ بالاحتياطِ في الطرفينِ؛ الحلف بالأكثر والأخذُ بالأقلِّ، ثم توزَّعُ الأيمانُ بحسبِ الإرثِ، هل هو بحسب الأسماءِ أم بحسبِ السهامِ يظهرُ أثرُه في العولِ، فإذا كانت المسألةُ عائلةٌ من ستةٍ إلى عشرةٍ مثلًا كزوج وأم وأختين لأب، وأختينِ لأمٍّ، فهل يحلفون على أسماء فرائضهم، فيحلف الزوجُ نصف الخمسين، والأمُّ سدسها بجبر المنكسرِ، والأختان للأبِ ثلثيها، والأختان للأم ثلثها بجبر المنكسرِ، أو يحَلفُ كل واحدٍ منهم على نسبةِ سهامِه، فيحلفُ الزوجُ ثلاثةَ أعشار الخمسين، والأمُّ عشر الخمسين، والأختان للأبِ خمسيها، والأختان للأمِّ خمسها؟ فيه وجهان، ذكرهما الماورديُّ وصحَّحَ الثاني.
وقيل: يحلفُ كلٌّ خمسين، ولو بكل أحد مما يحلف الآخر خمسين؛ لأنَّ حقَّه لا يثبتْ بأقلَّ من ذلك، ولو غابَ حلفَ الآخرُ خمسين وأخذَ حصَّته من
стр. 1492
الديةِ، وإلَّا صبرَ إلى حضورِ الغائبِ.
والمذهبُ أنَّ يمينَ المدعى عليهِ بلا لوثٍ خمسون وكذا يمينٌ مع شاهدٍ بلا لوثٍ في الأظهرِ، وتجبُ بالقسامة الكاملةِ ولو بالاحتمالِ في قتلِ خطأ أو شبهَ عمدٍ ديةٌ على العاقلةِ، وفِي عمدٍ على المقسم عليه، وفِي القديم: بالكاملةِ ممن تحققَ مدخله قصاصٌ، حيث تجبُ لو ثبتَ بغيرِها، ويقتلُ من الجماعةِ واحدٌ، ولو ادعى عمد الموتَ على حاضرٍ شريك لاثنينِ غائبينَ أقسم عليهِ خمسين وأخذَ منهُ ثلث الديةِ، فإن حضرَ آخرُ ادعى عليهِ وأقسم عليه خمسينَ يمينًا على النصِّ، وعلى مقابله خمسًا وعشرين، فإذا حضرَ الثالث ادعى عليه وأقسمَ خمسين، وعلى مقابله سبع عشرة.
وإن كان ادعى على الحاضر والغائبينَ وهما بمسافةٍ سمع الدعوى عليهما أقسمَ على الجميع خمسين، ولا يعيد شيئًا لمن حضرَ، ومن استحقَّ بدلَ الدَّمِ منَ مسلمٍ أو كافرٍ عدلًا كان أو فاسقًا، محجورًا عليه أو غيره أقسم.
ويقسمُ السيدُ إذا قتلَ عبده على المذهبِ.
ويقسمُ المكاتبُ لقتل عبده ولا يقسم سيده؛ لأنَّ المكاتبَ استحقَّ بدل العبدِ ليستعينَ بالقيمة على أداءِ النجومِ (١)، ومن ارتدَّ بعد استحقاقِه بدل الدمِ مالًا بطل تأخيرُ أقسامِهِ.
والأولَى أن لا يعرضَ الحاكمُ عليه القسامةَ إلَّا بعد عودِه إلى الإسلامِ؛ لأنَّه لا يتورَّع في الردَّةِ عن الأيمانِ الكاذبةِ، فإن أقسم في الردَّةِ صحَّ على المذهبِ ومن لا وارث له لا قسامة فيه.
стр. 1493
وإن كان هناك لوثٌ إذ تحليفُ بيت المال لا يمكن، لكن ينصبُ الحاكمُ مَن يدعي عليه ويحلِّفه، فإنْ نَكل ففِي القضاء عليه بالنكولِ خلافٌ يأتي بيانه إن شاءَ اللَّهُ تعالى.
* * *
فرع: إنما يثبتُ موجبُ القصاصِ بإقرارٍ، أو عدلينِ، أو علم الحاكمِ بمشاهدتِه ما يوجبُ القصاصَ والمِلكَ بذلك، أو برجلٍ وامرأتينِ، أو يمين.
وتتعددُ الأيمانُ في الجراحِ كما تتعددُ في القتلِ على المنصوصِ، ولو عفا عن القصاصِ عفوًا يوجبُ المالَ، وقال: اقبلوا مني رجلًا وامرأتينِ لم يقبلْ على النصِّ.
ولو شهدَ هو وهما بهاشمة قبلها إيضاحٌ من جنايةٍ واحدةٍ لم يجب أرشها على المذهبِ.
ويجب أن تكونَ الشهادةُ بالقتلِ مفسَّرةً مصرِّحةً بالمقصودِ، فلو قالَ الشاهدُ: ضربَه بسيفٍ فجرحَه فماتَ لم يثبتِ القتلُ حتَى يقولَ: فماتَ منهُ، أو: فقتلهُ أو ضربهُ بالسيفِ فأنهرَ دمهُ وماتَ مكانهُ. كما نصَّ عليه في "مختصر المزنيِّ"، فجعلَ: "ومات" مكانَهُ كقولِه "ماتَ من جراحتِه".
ولو قال: ضربَ رأسَهُ فأدماهُ أو قال: سالَ دمهُ، تثبت داميةٌ.
ويشترط في الموضحةِ: ضرَبَهُ فأوضحَ عظمَ رأسِه.
ولو قال: ضربَه فأوضحَ عظمَ رأسه، ولو قال: ضربه فأوضحَ رأسَه، كان ذلك كافيًا على المنصوصِ في "الأمِّ" و"مختصرِ المزنيِّ" وهو الذي جرى عليه الجمهور خلافًا لما فِي "المنهاج" تبعًا لأصلِه من عدم الاكتفاء به.
ويجب بيانُ محلِّها وقدرِها على ما نصَّ عليه في "الأمِّ" ليمكن قصاصٌ،
стр. 1494
فإن عجزوا عن التعيين فلا سبيل إلى القصاصِ، ولكنه لا يسقط بمجردِ ذلك.
ويجب أرشُ الموضحةِ عند العجزِ عن التعيين.
ويثبتُ السحرُ بإقرارِ الساحرِ لا ببينةٍ، ثم إنْ قالَ: قتلتُه بسحري وسحري يقتلُ غالبًا، فقد أقرَّ بقتلِ العمدِ.
وإن قال: وسحري يقتل نادرًا، فهو إقرارٌ بشبه عمدٍ.
وإن قال: أخطأتُ من اسم إلى غيره، فهو إقرار بالخطأ، ثم دية شبه العمدِ ودية الخطأ المخففة كلاهما في مال الساحرِ، ولا تطالبُ العاقلةُ بشيءٍ إلَّا أن يصدِّقوهُ. ولو قالَ أمرضتُه بسحري ولم يمتْ به، بل بسحرٍ آخرَ، ولم يتعرَّض للاندمالِ، فالنصُّ أنَّه يقسم الوليُّ خمسين يمينًا ويأخذُ الديةَ.
وإن تعرَّضَ للاندمالِ دخلتِ البينةُ في أنَّه لم يزل ضمنًا إلى أَنْ ماتَ، ويحلفُ الوليُّ أنَّه ماتَ من سحرِ الساحرِ.
ولو ادَّعى جرحًا وشهد له وارثه غير الأصولِ والفروعِ، فإن شهد بعد الاندمال قبلت شهادتُه.
وإن شهدَ قبلَه لم تقبلْ، ولو أدى أثنان محجومَانِ عن الوراثةِ لجرح قبلَ الاندمالِ ثم صارا وارثينِ قبل أن يقضي القاضي بشهادتِهما فلا تقضى.
وإن كانَ بعده لم ينقضِ القضاءُ.
وإن شهدَ بمالٍ في مرضِ موتِه قبلَ في الأصحِّ، ولا تقبلُ شهادةُ العاقلةِ بفسقِ شهودِ قتيلٍ يحملونَه، ولو شهدَ اثنانِ على اثنينِ بقتلِه فشهدا على الأولينِ بقتلِه حُكِم بشهادةِ الأولينِ الصادرةُ بعدَ الدَّعوى الصحيحةِ. وإن لم يصدقْهُما الوليُّ خلافًا لما في "المنهاجِ"، لأنَّ دعواهُ القتل على المشهودِ عليهما وطلبُ الشهادةِ بذلك من الشاهدينِ كافٍ في جوازِ الحكمِ.
стр. 1495
وإن صدقَ الوليُّ الآخرينَ أو صدقَ الجميعَ أو كذب الجميع بطلت الشهادتان، ولو أقرَّ بعضُ الورثةِ بعفو بعضِهم عن القصاصِ سقطَ كلُّه لعدمِ تبعيضِه.
وإذا اختلفَ شاهدانِ في زمانٍ أو مكانٍ أو آلةٍ أو هبة فلوثٌ على النصِّ خلافًا لما في "المنهاج".
* * *
стр. 1496
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب اللغة
هو لغةً: التعدِّي والظلم، سمي البغاةُ بذلكَ لظلمهمْ وعدولِهم عن الحقِّ، وهو جمعُ باغٍ تجاوزَ الحدَّ في الفسادِ، كما يُقالُ: بغتِ المرأةُ أو من الظلمِ، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾.
والأصلُ في الباب قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ الآية.
وفِي الصحيح أن النبيَّ ﷺ قال لعمَّارٍ: "تقتلك الفئة الباغية" (١) وأجمعتِ الصحابةُ ﵃ على قتال البغاةِ.
стр. 1497
وتعريفُ البغاةِ في اصطلاحِ العلماءِ أنَّهم: مخالفو الإمامِ العدلِ بخروجٍ عليه وتركِ الانقيادِ لَهُ، أو امتناعِهم من أداءِ حقٍّ يوجبُه عليهم.
ومنْ صُورِ البُغاةِ: ما نصَّ عليه الشافعيُّ ﵁ في "الأمِّ" (١) و"مختصرِ المزنيِّ" (٢) الفرقتانِ منَ المؤمنينَ اللتانِ اقتتلتا فأصلحَ بينهما المؤمنونَ غيرهما، ثم بغتْ أحدهُما على الأخرَى، فهي باغيةٌ، ولم تخرجْ على الإمامِ.
ويشترطُ في البغاةِ أن تكونَ جماعةٌ لهم منعةٌ وتأويلٌ بُطلانِهِ مظنون، ويشترط في الفرقةِ الخارجةِ على الإمامِ وتريدُ خلعهُ وتزيلُ حكمه وتحكم عليه نصب إمام قطعًا، وأما الفرقةُ الخارجةُ على الإمامِ ولا تريدُ خلعهُ ولا إقامةَ غيرِه فلا يشترطُ فيها نصبُ إمامٍ قطعًا، خلافًا لما في "المنهاجِ".
ولو أظهرَ قومٌ رأيَ الخوارجِ كتركِ الجماعةِ وتكفيرِ ذي كبيرةٍ، إن لم يقاتلُوا أو لم يكنْ على المسلمينَ ضررٌ منهم فإنَّهم يُتركون حينئذٍ.
وإن تأولوا وقامتْ لهم شوكةٌ ونصَّبوا إمامًا ولم يجعلهم مرتدينَ وقاتلُوا فلهم حكمُ البغاةِ، كما هو مذهبُ الشافعيِّ.
وأمَّا الذينَ كابرُوا وليسَ لهم تأويلٌ، وأخذوا الأموالَ وسفكُوا الدماءَ على الوجهِ المذكورِ فحكمهم حكمُ قُطَّاعِ الطريقِ.
وتقبلُ شهادةُ البغاةِ إن لم يستحلُّوا دماءَ أهل العدلِ وأموالَهم، ويُقبلُ قضاءُ قاضيهم فيما يقبلُ قضاءُ قاضينا إلَّا أن يستحل الحكمَ بالباطلِ ليتوصَّل بذلك إلى إراقةِ دمائِنَا بالباطلِ، وإتلافِ مالنا ونحو ذلك، ولو وردَ من قاضِي
стр. 1498
البغاةِ كتابٌ على قاضينا ولم يُعلمْ أنَّه ممن يستحلُّ دماءَ أهلِ العدلِ أم لا، ففِي قبولِه والعملِ به قولانِ حكاهُما ابنُ كَجٍّ، قال: واختيارُ الشافعيِّ منهما المنعُ، ومحلُّ قبولِ قضاء قاضيهم وكتابه في الفرقةِ التي خرجتْ بشوكةٍ، والتأويلِ وخلعتِ الإمامَ ونصبتْ إمامًا غيره -كما تقدَّم.
فأمَّا التي لم تخرجْ على هذا الوجهِ، فإنَّه لا قاضي لهم ينفُذُ حكمُه، ولا يحكَمُ بكتابِه، ولو أقام إمامُ أهلِ البغي حدًّا أو أخذَ زكاةً وجزيةً وخراجًا، وفرق سهم المرتزقة على جندهم صحَّ، فلو فعلَ ذلك آحاد رعيته الذي لم يجعل له ذلكَ أو الفرقة التي منعتِ الواجبَ عليها من غيرِ خروجٍ على الإمامِ لم يقعْ شيءٌ من هذا الموقعِ.
ومحل صحَّة أخذهم الزكاةَ ما إذا لم يتعجلوا منهم ذلك قبلَ الوجوبِ، أو تعجلُوا قبلَ الوجوبِ وجاء وقتُ الوجوبِ وشوكتُهم قائمةٌ على ذلك الموضعِ، فأمَّا إذا جاءَ وقتُ الوجوبِ وقد ظَهرَ أهلُ العدلِ عليهم وزالتْ شوكتُهم عن ذلكَ المكانِ، فإنَّه لا يقعُ ما أخذوهُ من المعجَّلِ الموقع، لأنَّ وقتَ الوجوبِ لم يكونوا أهلًا للأخذِ.
قال شيخُنا: ولم أرَ مَن تعرَّضَ لذلك. انتهى.
وما أتلفهُ باغٍ ممتنعٌ بشوكتِه على عادلٍ بتأويلٍ لا ضمانَ فيه في الأظهرِ، وما أتلفَهُ عادلٌ على باغٍ في غيرِ قتالٍ أو فيه بلا ضرورةٍ ضمن، وإلَّا فلا.
وكذا باغٍ بلا تأويلٍ سلف للعادلِ والمتأولِ بلا شوكةٍ يضمنُ، وعكسه ضامنٌ كالقطاع على المذهبِ الذي نصَّ عليه وقال به الجمهورُ.
ولا يقاتلُ البغاةُ حتَى يبعثَ إليهم أمينًا فطِنًا ناصحًا يسألهم ما ينقمونَ، فإن ذكروا مظلمةً أو شبهةٍ أزالهَا، فإن أصرُّوا نصحَهُم ووعظَهم وأمرَهم بالعودِ إلى
стр. 1499
الطاعةِ، فإن أصرُّوا دعاهُم إلى المناظرةِ، فإنْ لم يجيبوا أو أجابُوا فغُلِبوا أو أصرُّوا مكابرينَ آذنهم بالقتالِ، فإن استمهلوا اجتهدَ وفعلَ ما يراهُ صوابًا.
ولا يقتلُ مدبرَهم ومنجيهم وأسيرهم، ولا يطلق الأسيرُ قبلَ انقضاء الحربِ، ولا بعد الانقضاء إذا كانت جموعهم باقيةٌ إلَّا أن يرجعَ إلى الطاعةِ باختيارِه، أو يفرَّق شملهم.
وإن أُسرَ نساؤهم وصبيانُهم حُبسُوا إلى انقضاءِ القتالِ ثم يخلَّونَ، وأما العبيدُ والمراهقونَ والنساءُ وإن كانوا يقاتلونَ لا يحبسون كالرجالِ الأحرارِ على مقتضى النصِّ، ويردُّ سلاحُهم وخيلُهم إليهم، إذا انقضتِ الحربُ، وأمنتْ عائلتُهم. وكذا يردُّ إليهم غيرهما من الأموالِ التي ليستْ عونًا لهم في القتالِ.
ولا يستعملُ في قتالٍ سلاحُهم وخيلُهم إلَّا لضرورةٍ، ولو وقعتِ ضرورةٌ في غير القتالِ ولم يجدْ أحدُنا ما يدفعُ بهِ عنْ نفسهِ إلَّا سلاحهم أو ما يركبه وقد وقعتْ هزيمةٌ إلَّا خيولهم جازَ الاستعمالُ والرُّكوبُ، ولهُمْ أجرةُ ذلك.
كما يجوزُ أكلُ مالِ الغيرِ للضرورةِ، وعلى المضطرِّ بذل عوضه لمالكِه، ولا يقاتلونَ بما يعظُمُ أثرُه كالنارِ والمنجنيقِ وإرسالِ السيولِ الجارفةِ إلَّا لضرورةٍ، فإن قاتلوا بهذه الأوجِه واحتجنا إلى المقاتلةِ بمثلها دفعًا، أو أحاطوا بنا واضطررنا إلى الرمي بالنَّارِ ونحوِها فعلناهُ للضرورةِ.
ولا يجوزُ الاستعانةُ عليهم بكافرٍ، ويكرهُ الاستعانةُ بالمسلمِ الذي يرى قتلَهم مدبرينَ، على ظاهرِ النصِّ خلافًا لما في "المنهاجِ" تبعًا لأصلهِ من المنعِ مطلقًا.
فلو احتجنا إلى الاستعانةِ بمن ذكرنَا منعًا أو كراهةً جاز بشرطين:
أحدُهما: أن يكونَ فيهم جرأةٌ وحسنُ إقدامٍ.
стр. 1500
والثاني: أَنْ يتمكنْ من منعهِم لو اتبعوا أهلَ البغي بعدَ هزيمتِهم.
ولو أمَّنُوا أهلَ الحربِ على أن يقاتلُونا معهم لم ينفذْ أمانُهم علينا ونفذ عليهم على الأرجحِ، فلو قالُوا: ظننا أنَّهُ يجوزُ لنا أن نُعينَ بعضَ المسلمينَ على بعضٍ، أو ظننا أنهم المحقُّونَ، أو ظننا أنهم استعانُوا بنا في قتالِ الكفارِ، فالأصحُّ أنا نبلغهم المأمنَ ونقاتلهم مقاتلةَ البغاةِ، ولا يتعرضُ إليهم مدبرينَ.
وإذا أعانهم أهلُ الذِّمَّةِ عالمينَ بتحريمِ قتالِنا انتقضَ عهدهم مطلقًا في حق أهلِ العدلِ وأهلِ البغي أو مكرهينَ فلا على المذهبِ، ولا يشترطُ ثبوتُ الإكراهِ بل يكفِي في عدمِ انتقاضِ عهدهم ذكرُ عذرِ الإكراهِ، وكذلك لا ينتقض عهدهم إن قالوا: "ظننا جوازَهُ"، أو أنَّهم محقُّون على المذهب، ويقاتلونَ حينئذٍ كبغاةٍ، حتى لا يُتبع مدبرهم، ولا يُذفف على جريحهم، ويضمنون ما أتلفوه في حالِ القتالِ على المنصوصِ (١).
* * *
فصل
شرطُ الإمامِ كونُه مسلمًا مكلفًا حرًّا ذكرًا عدلًا قرشيًّا مجتهدًا شجاعًا ذا رأيٍ وكفايةٍ وسمعٍ وبصرٍ ونطقٍ، سليمًا من نقصٍ يمنعُ استيفاءَ الحَركةِ وسرعةِ النهوضِ واحدًا واحدًا (٢)، فلا يجوز نصبُ إمامينِ في وقتٍ، وإن تباعد إقليماهما (٣).
فإن لم يوجدْ قرشيٌّ مستجمعُ الشروطِ، فكنانيٌّ، فإن لم يوجد فرجلٌ من
стр. 1501
ولد إسماعيلَ ﷺ ، فإن لم يكن فيهم مستجمعُ الشرائطِ ففِي "التهذيب" أنَّه يُوَلَّى رجلٌ من العجمِ، وفِي "التتمةِ" أنَّه يُوَلَّى جرهميٌّ، وجرهم أصلُ العربِ، فإن لم يوجد جرهميٌّ فرجلٌ من ولدِ إسحاق ﷺ .
وتنعقدُ الإمامةُ بالبيعةِ، والأصحُّ اعتبارُ بيعة أهلِ الحل والعقدِ من العلماءِ والرؤساءِ ووجوهِ الناسِ الذين تيسَّر اجتماعُهم.
وشرطُهُم: صفة الشهود، ولا يعتبر العدد حتى لو تعلَّق الحل والعقد بواحدٍ مطاعٍ كفتْ بيعتُه لانعقادِ الإمامة، والأصحُّ أنَّه لا يشترط الإشهاد إن كان العاقدون جميعًا، فإنْ كانَ واحدًا اشترط الإشهاد حينئذٍ.
وتنعقدُ الإمامة أيضًا باستخلافِ الإمامِ، فلو جعلَ الأمرَ شورى بين جمعٍ فكالاستخلافِ، فيرتضونَ واحدًا منهم، وتنعقد أيضًا باستيلاء جامع الشروط، والأصحُّ انعقادها بالفاسق والجاهل.
وتنعقدُ الإمامةُ لعبد عدلٍ قامتْ له الشوكة، ولو قامت الشوكةُ لامرأةٍ فالظاهرُ كما قال شيخنا تنفيذُ ما يصدُر منها للضرورةِ، ولو قامت الشوكة لكافرٍ فهي كما قال شيخنا بليَّةٌ طامَّة وداهية عامَّة، ولا بدَّ من نفادِ أحكامِ الناسِ، وصحةُ عقودِ أنكحتهم، ولكن من الحكامِ المسلمينَ الذينَ نصبهُم ذلكَ الكافرُ ولا حولَ ولا قوَّة إلا باللَّه.
وإذا ادَّعى مَن عليهِ الزكاةُ دفعها لإمامِ البُغَاةِ أو إلى مَن فوَّضَ إليه إمامُهم ذلكَ صدِّقَ بيمينهِ استحياء عندَ الارتيابِ، ولا يصدَّقُ مَن عليه الجزيةُ في دفعها لمنْ ذكرنَا على الصحيحِ، ولا مَن عليه الخراجُ في دفعهِ على الأصحِّ، ويُصدَّق في حدّ أقرَّ بهِ، وإلَّا فيعملُ بما إذا أقامَ البينةَ بأنَّ إمامَ البغاةِ أو مَن فوَّضَ إليهِ ذلكَ استوفاهُ.
* * *
стр. 1502
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الرِّدَّةِ
هي لغةً: الرجوعُ عن الشيءِ إلى غيرِهِ.
وشرعًا: ما سنذكرُهُ.
والأصلُ في البابِ قولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾، وقوله: ﴿وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾، وأشباه ذلك.
ومن السنَّةِ قولُه ﷺ : "مَن بدَّلَ دينَه فاقتلوهُ" رواه البخاريُّ (١).
وردَّةُ المسلمِ ظاهرًا إتيانُه بالكفرِ بنيةٍ، أو قول كفرٍ، أو فعل، سواء قاله استهزاءً، أو عنادًا، أو اعتقادًا.
فمن نفى الصانع أو الرسلَ أو كذَّبَ رسولًا، أو حلَّلَ محرَّمًا بالإجماعِ معلومًا
стр. 1503
من الدينِ بالضرورةِ بلا تأويلٍ، أو نفى وجوبَ مجمعٍ عليه يُعلمُ مِن دينِ الإسلامِ ضرورةً وعكسه بلا تأويلٍ أو عزمٍ على الكفرِ غدًا أو ردَّدَ فيه كفر.
والفعل المكفرُ ما تعمده استهزاءً صريحًا بالدينِ أو جحودًا له كإلقاءِ مصحفٍ بقاذورة (١) وسجود لصنمٍ، أو شمسٍ.
ولا تصحُّ ردةُ صبيٍّ ومجنونٍ ومكرهٍ، ولو ارتدَّ، ثمَّ جُنَّ ولم يستتب قبلَ الجنونِ حرم قتلُه.
فإن كانَ استتيبَ قبلَ جنونِه فلم يتبْ فإنَّهُ لا يحرُمَ قتلُه حينئذٍ.
وأصحُّ القولينِ صحَّة ردَّةِ السَّكرانِ وإسلامِه، وتقبلُ الشهادةُ بالردةِ مطلقًا، وقيل: يجب التفصيلُ.
ومحلُّ الخلافِ إذا أظهر أنَّهُ ارتدَّ عنِ الإيمانِ أو شهدَا بأنَّه كفرَ باللَّه، أما لو شهدا بأنَّهُ ارتدَّ ولم يقولا عن الإيمانِ أو كفرٍ فلا تقبلُ هذه الشهادةُ قطعًا.
ويشترطُ في البينةِ أن لا يكونَ من الخوارجِ الذين يكفِّرونَ بارتكابِ الذنوبِ، إمَّا بالكبائرِ وإما بها وبالصغائرِ، كما هو طريقُ بعضِ الخوارجِ.
فإن كان الشاهدانِ أو أحدهما من الخوارجِ فلا تقبلُ شهادةُ الخارجيِّ إلَّا مفصلَّةً قطعًا، لا يوقفُ في ذلك هذا إذا أثبتنا الخلافَ في قبول الشهادةِ بالردَّةِ كما تقدَّمَ.
فإنَّ ثبتَ الخلافُ وعلمنا بنصِّ الشافعيِّ المعتمدِ في ذلكَ أنَّه لا تقبلُ الشهادةُ بالردَّةِ إلَّا بالتفصيلِ، لا مطلقًا، فلا حاجةَ لما قيَّدناه، فإنَّه حينئذٍ لا
стр. 1504
تقبلُ الشهادةُ بالردةِ إلَّا بالتفصيلِ في كلِّ موضعٍ وقعتِ الشهادةُ فيه بالردَّةِ خلافًا لما في "المنهاجِ" تبعًا لأصلِه.
ومتى شهدا ولم يفصلا (١) وأنكرَ حُكِمَ بالشهادةِ ولا يُغنيه التكذيبُ، بل يلزمه أن يأتيَ بما يصيرُ به الكافرُ مسلمًا، فإنْ أنكرَ ثمَّ تلفَّظَ بالشهادتين وبَرِئَ من كلِّ دينٍ يخالفُ دينَ الإسلامِ على مَا في هذا مِنَ الاختلافِ، فإنَّا لا نحكُمُ بالشهادة بردتهِ.
ولو قالَ: "كَنتُ مكرهًا" واقتضتهُ قرينةٌ كأسر كفارٍ صُدِّقَ بيمينهِ، وإلَّا فلا، ولو قالا لَفِظَ لَفْظَ كفرٍ، فادَّعى إكراهًا صُدِّقَ بيمينهِ، وإن كانَ هناكَ قرينةٌ تقتضي الإكراهَ، وإلَّا فلا يصدَّقُ، ولو ماتَ معروفٌ بالإسلام عن اثنين مسلمينِ، فقالَ أحدهما ارتدَّ فماتَ كافرًا، وإن بينَ سببَ كفرِه لم يرتدَّ ونصيبُهُ فيءٌ.
وإن أطلقَ فثلاثةُ أقوالٍ، أظهرُها يستفصلُ فإن ذكرَ ما هوَ كفر كان فيئًا وإن ذكر ما ليسَ مكفرٍ صرف إليه.
وتجبُ استتابة المرتدِّ والمرتدَّةِ فإن لم يتوبا قُتلا، وفِي قولٍ تستحبُّ استتابتهما، وتكونُ في الحالِ فإن تابا، وإلَّا قُتلَا كما تقدَّمَ، وفِي قولٍ إلى ثلاثةِ أيامٍ، فإذا أصرَّ قُتلَ، وإن أسلمَ صحَّ، وإن ارتدَّ إلى كفرٍ خفِي كزنادقةٍ وباطنيةٍ ثم أسلمَ قُبِلَ إسلامُهُ، ولا يُقبل على المنصوص (٢).
стр. 1505
وولدُ المرتدِّ إنِ انعقدَ قبلَ الردَّةِ أو بعدَها وأحد أبويهِ مسلمٌ فهو مسلمٌ، أو مرتدان فمسلمٌ، وفِي قولٍ مرتدٌّ، وفِي قولٍ كافرٌ أصليٌّ، هذا إذا لم يكن لَهُ أصلٌ مسلمٌ ممن ذُكر، فإنَّه لا يأتي فيه ترجيح أنَّه مرتدٌّ ولا ترجيح أنَّه كافرٌ أصليٌّ، بل يتفق الترجيحُ على أنه مسلم.
وما وقع في "المنهاج" (١) من قوله: "قلتُ: الأظهر مرتدٌّ ونقل العراقيون الاتفاق على كفره"؛ ليس بمعتمدٍ.
وهل يزولُ ملكُ المرتدِّ عن مالِه بالردَّةِ أم لا، أم يوقفُ؟ قال شيخُنا: الذي تلخَّصُ لنا من مجموع متفرقاتِ كلامِ الشافعيِّ ﵁ أن على قولِ زوالِ الملك يبقى لهُ فيهِ حَقٌّ وعُلَقٌ وتجب الزكاةُ على هذا القول إن رجعَ إلى الإسلام.
ويستوي مع قولِ الوقفِ في هذا وإنْ على قول بقاء الملك تصرفاته نافذة ما لم يحجرْ عليه الحاكمُ، وتجبُ الزكاةُ على هذا القولِ وإن لم يعدْ إلى الإسلامِ إن ثبت.
قلتُ: يعطى في النفقاتِ والغراماتِ حكم الباقي قطعًا، وفِي منعِ التصرُّفِ بعد الحجرِ حكمَ الزائلِ قطعًا. وفِي بقاءِ الملكِ مجرَّدًا عما ذكرَ ثلاثةُ أقوالٍ، وفِي الزكاةِ قولانِ: أحدُهما: تجبُ، والثاني: إن عادَ إلى الإسلامِ وجبتْ على قولِ زوالِ الملكِ والوقفِ، وإن لم يعدْ لم تجبْ.
وإنما أوجبناهَا على قولِ زوالِ الملكِ إذا عادَ إلى الإسلامِ لأنَّه ليسَ زوالًا
стр. 1506
إلى آدميٍّ معينٍ، ولا إلى أهلِ الفيء، حتى يتصرَّفُوا فيه، وإنما هُو زوالٌ للمرتدِّ فيه علقةٌ من نفقةٍ وغيرها، فلم يمنعْ ذلك من إيجابِ الزكاةِ عليه إذا عادَ، ولهذا لم ينصَّ الشافعيُّ في موضعٍ من المواضعِ على أنَّ الزكاةَ لا تجبُ مطلقًا، وإنما نصَّ على الوجوبِ على ما نقلوهُ أو على أنَّه إن عادَ أخذتْ منهُ، وهذا على القولينِ كما بينتُه، ولم أرَ منْ حرَّرَ هذا على ما حررتُه، وللَّهِ الحمدُ. انتهى كلامُ شيخِنا.
وإذا قلُنا بزوالِ ملكِه فيلزمُه نفقةَ زوجاتِه الموقوف نكاحهنَّ، ونفقة قريبه وغرامة ما أتلفَهُ في الردَّةِ على المنصوصِ.
والمذهب أنا نوقفُ مالَه تحتَ يدِ عدلٍ، وما فعله على قولِ الزوالِ مما يتوقفُ على ملكِه وهو مذهبُ الشافعيِّ يكون باطلًا، وما فعلهُ على قولِ بقاء الملكِ قبل إيقافِ الحاكمِ مالَه يكون نافذًا، وما فعلهُ بعد حجرِ الحاكمِ عليهِ لا يكونُ نافذًا ولوْ كانَ عتقًا أو تدبيرًا.
وأما الوصيةُ فأمرُها سهلٌ؛ لأنَّها تصحُّ من المحجورِ عليه بالسفهِ والفلسِ، والحجرِ على المرتدِّ حجر فلسٍ على الأصحِّ، وإنما وقفتُ في المرتدِّ لأنَّه إذا ماتَ انتقلَ مالُه لأهلِ الفيءِ ولا يعملُ بالوصيةِ بخلافِ المفلسِ إذا فضلَ له شيءٌ أو أجازها الغرماءُ.
وبيع المرتدِّ وهبتُه باطلانِ، وكتابتهُ موقوفةٌ على قولِ الوقفِ (١) كالخلعِ، وهو الأرجحُ، وفاقًا لما في الشرحين في الكتابة، خلافًا لما في الشرحين في
стр. 1507
الردةِ، و"المحرر" و"المنهاج" في الموضعين، وفِي القديم: موقوفةٌ، وفِي الجديد أيضًا إذا قلنا إنَّهُ وقفٌ تبين (١).
وعلى الأقوالِ يجعلُ مالُه عندَ عدلٍ وأمتُه عندَ امرأةٍ ثقةٍ، ويؤجرُ مالُه ويؤدِّي مكاتبه النجومَ إلى القاضي، وعلى قولِ بقاءِ الملكِ لا بدَّ مع ذلك من ضربِ الحجرِ عليه.
* * *
стр. 1508
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الزنا
هو بالقصرِ لغةُ أهلِ الحجازِ، وبالمدِّ لغةُ نجدٍ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ الآية.
وفِي "الصحيح" (١) من طريق عبادة بن الصامت: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "خُذوا عنِّي، خذوا عنِّي، قد جعلَ اللَّهُ لهنَّ سبيلًا، البكرُ بالبكرِ جلدُ مائة وتغريب عام، والثيبُ بالثيِّبِ الرجمُ".
وهو من أفحشِ الكبائر، ولم يحلَّ في ملَّةٍ قطُّ، ولذلك قامَ الإجماعُ على تحريمِه.
والزنا الموجبُ للحدِّ (٢) هو إيلاجُ الحشفة أو قدرها من مقطوعِهَا من آدميٍّ متصلٍ به أصليٍّ يحصلُ به التحليل، بفرجٍ من آدميٍّ أو دبره، محرم لعينِه
стр. 1509
خالٍ عن شبهةٍ، مشتهى، ودبر ذكر وأنثى غير زوجتِه وأمتهِ كقبلٍ على الأظهَرِ، هذا حكم الفاعلُ.
وأمَّا المفعولُ بهِ فإِنْ كانَ ذكرًا فإنَّه يُجلدُ ويغرَّبُ محصنًا كانَ أوْ غيرُه، بخلافِ المفعولِ بها في قُبُلِهَا المطاوِعة، فحكمُها حكمُ الفاعلِ، وإن كانَ امرأةً وفعلَ بها في دُبرِها مطاوعةً فالأصحُّ أن عقوبتَها الجلدُ، والتغريبُ، بكرًا كانَتْ أو محصنةً.
ولا يجبُ الحدُّ بمقدماتِ الجِماعِ ولَا بوطء زوجتِهِ وأمتِه في حيضً وصومٍ وإحرامٍ، والمذهبُ أنَّه لا يُحَدُّ بوطء أمتِهِ المزوَّجة أو المُعْتدَّةِ، وكذا مملوكته المحرم، ورجلٌ مكرهٌ على الأصحِّ، ولا يحدُّ بكلِّ جهةٍ أباحَها عالمٌ، يكونُ للعالِمِ في تلكَ الجهةِ مستندٌ متماسكٌ، فأمَّا إذا لمْ يكنِ الأمرُ كذلكَ فلا أثرَ لخلافِهِ، ويحدُّ الواطئُ.
ومحلُّ إسقاطِ الحدِّ بشبهةِ العالم ما لم يحكمِ الحاكمُ المخالفُ له بإبطالِ ذلكَ الأمرِ في الواقعةِ الشخصية، كالنكاحِ بلا وليٍّ مثلًا، إذا حكَمَ فيه الشافعيُّ بإبطالِهِ وفرَّقَ بينَ الزوجينِ فإذا أصابَهَا بعدَ ذلكَ، فالذي جزَمَ بهِ الماورديُّ أنَّهُمَا زانيانِ عليهِما الحدُّ؛ لأنَّ شبهةَ العقدِ قد ارتفعتْ بحكمِ الحاكمِ بينهما بالفرقةِ.
ومحلُّ الخلافِ في إسقاطِ الحدِّ بالشبهةِ المذكورةِ وعدمه ما لم يحكم الحاكمُ الموافقُ بصحته، فإن حكمَ بها بحيثُ لا تنقض، فلا يحدُّ مَن وطئَ فيه قطعًا؛ لأنَّه صارَ بالحكمِ بالنسبةِ إلى الواقعةِ الشخصيَّةِ كالنكاحِ المتفقِ عليهِ.
ولا يحدُّ بالوطءِ في النكاحِ بلا شهودٍ، ولا بوطء ميتةٍ في الأصحِّ، ويحدُّ
стр. 1510
بالبهيمةِ على المنصوصِ خلافًا لما في "المنهاجِ" (١) تبعًا لأصلِهِ، ويحدُّ في مستأجرةٍ ليزني بها، لأنَّه عقدٌ باطلٌ لا يوجب شبهةً، ويحدُّ في مبيحة؛ لأنَّ الأبضاعَ لا تُباحُ بالإباحاتِ، ومحرمٌ بنسبٍ أو رضاعٍ أو مصاهرةٍ، وإن كانَ تزوَّجها؛ لأنَّهُ وطءٌ صادفَ محلًّا ليسَ فيه ملكٌ ولا شبهةُ ملكٍ، وهو مقطوعٌ بتحريمِهِ، وكذا لو نكَحَ مَن طلَّقَها ثلاثًا ولم تتصلْ بزوجٍ غيرِه لشرطه أو لاعَنَ منها، أو نكحَ مَن تحتهُ أربعٌ خامسةً، أو أختَ زوجتِه أو عمَّتَها أو خالتَها، ووطئ مَن ذُكرَ عالمًا بالتحريمِ، فإنَّهُ يحدُّ حينئذٍ.
وشرطُهُ التكليفُ والتزامُ الأحكامِ، وعلمُ تحريمِهِ (٢).
وحدُّ محصنٍ رجلِ أو امرأةٍ: الرجمُ، بشرطِ التكليفِ والحرمةِ المستقرَّةِ والإصابةِ بعدَ التكليفِ، ولا يشترطُ في الإحصانِ الإسلامُ، بل يُرجمُ الذِّميُّ إذا زنا، وهو بالصفاتِ المشروطةِ: غيَّبَ حشفتَهُ أو قدرها من مقطوعِها بما يناسب هذا الموضعِ من ثبوتِ الإحصانِ من القيودِ السابقةِ في أوَّلِ البابِ.
ولو غابتِ الحشفةُ منَ الأشلِّ أو العِنينِ فهل نقولُ: لا يحصلُ الإحصانُ كما لا يحصلُ التحليل؟ أم نقولُ: التحليلُ متوقفٌ على ذوقِ العسيلةِ بخلافِ بقية الأحكامِ؟ قال شيخُنا: هذا محتملٌ، ومقتضى إطلاقهم الثاني.
بِقُبُلِ مَن يوطأ مثلُها في نكاحٍ صحيحٍ لا فاسدٍ على المشهورِ، والمنصوصُ اشتراطُ التغييبِ حالَ حريةٍ، وتكليفٍ، وأن الكاملَ المصيب ناقصًا محصن يرجمُ إذا زنَا (٣).