← Фикх шафии

Фикх шафии · id 19230

التدريب في الفقه الشافعي

سراج الدين البلقيني

Полный текст (1 801 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

فيكونُ من معتمدهم أيضًا الاستفاضةُ إن اتُّفقَ ذلكَ، ولكنَّه لا يتعيَّنُ ولا يغني عنِ التَّعديل اعترافُ الخصمِ بعدالتهم ودعواهُ خطئهم في جوازِ الحُكمِ عليهِ على الأصحِّ إذا كانَ المدعى عليهِ أهلًا للإقرارِ بالحقِّ المدَّعَى به، فإن لم يكنْ أهلًا لذلكَ لكونِهِ وكيلًا أو سفيهًا أو عبدًا فلا أثرَ لقولِهِ قطعًا، ولا حاجَةَ لقولِهِ، وقد غلطَ، بل اعترافُه بعدالتِهِ يجري في الحكمِ عليهِ بشهادتِهِ الوجهانِ، وإنْ لم يقلْ غلط. * * *

стр. 1682

فصل في القضاء على الغائب المكلف والمفقود والميت، والصبي والمجنون، والجماعة العامَّة، والحاضر الممتنع من الحضور، وسماع البينة على من ذكر، والقضاء بالغائب وسماع البينة به، وكتاب القاضي إلى القاضي، وما يتعلق بذلك القضاءُ على الغائبِ المكلَّفِ ولو حربيًّا ببلادِ الحربِ فيما لزمَهُ جائز إلَّا في صورتينِ: إحداهما: حدودُ اللَّهِ تعالى، على الأشهرِ. الثانيةُ: القضاءُ بإحضارهِ الغائِب الذي ثبتَ زناهُ على مُقتضَى ما نُقلِ عنِ ابنِ القاضِي في الشَّهادَةِ على الشَّهادَةِ، وهو قويٌّ معتمدٌ لما في القضاءِ بذلكَ من الإعانَةِ على قتلِهِ الذي يمتنعُ القضاءُ بهِ على الغائبِ. * ضابطٌ: تخالفُ حدودُ اللَّهِ تعالى غيرَها في القضاءِ على المفتي به في ثلاثةِ مواضع: إحداها: ما نحنُ فيهِ. الثاني: يمتنع فيهَا القضاءُ بالعلمِ. الثالثُ: يمتنعُ فيها القضاءُ بالتحكيم. ويمتنع فيها كتابُ القاضِي إلى القاضِي بسماعِ البينةِ، كما يمتنعُ فيها الشهادةُ على الشَّهادَةِ على الأظهَرِ. ويجيء في إحصانِ منْ سترناهُ في المواضعِ المذكووَةِ ما جاءَ في حدودِ اللَّهِ تعالَى. والغيبةُ المعتبرةُ لسماعِ الدَّعوَى على الغائبِ والبينةِ عليهِ، والقضاءِ عليه، لا نصَّ في تحديدها للشافعيِّ ﵁، بل نصوصُهُ مطلقةٌ في ذلك من

стр. 1683

غيرِ تقييدٍ، وهذا هُو المذهبُ المعتمدُ، كما قالَ شيخُنا، ولذلكَ لم يشترطِ العراقيونَ حدًّا لها، والشرطُ عندهم كونُه خارجَ البلدِ، فإذا لم يكنْ في ولايةِ القاضِي فالقضاءُ على إطلاقِهِ، وإن كان في ولايتِهِ فيحتملُ أن يعتدَّ بما إذا يلزمه حضورُ جمعة البلد، كما في غيبة وليِّ النكاحِ، ويحتملُ الإطلاقُ لئلَّا يتعطَّلَ القضاءُ لصاحبِ الحقِّ بغيبةِ المدَّعَى عليه. وأمَّا النكاحُ فهو مما يعظَّم أمرُهُ، فقيِّدَ بذلكَ على رأي. وأمَّا المراوزةُ فكلامُ جَمْعٍ منهم يقتضي موافقةَ العراقيين، واعتبرَ بعضُهم أن تكونَ الغيبةَ فوقَ العدوى، من غير اعتبارِ مسافة القصرِ على المرجَّحِ عندهم، وهذا إذَا كانَ في محلِّ ولايةِ القاضِي، فإن لم يكن في محلِّ ولايتِهِ جازَ القضاءُ عليه قربتِ المسافَةُ أم بعدتْ، وتوجيهُهُم يقتضيه. والعدوى هي التي يتمكَّنُ المبكَر إليها من مسكنِهِ من الرجوعِ إليه أوَّل الليلِ، على عادَةِ الأسفارِ، ومن قالَ قبلَ الليلِ أرادَ ذلك، واعتبرَ ذلكَ المراوزةُ؛ لأنَّ في إحضارِهِ مِن فوقِها مفارقةَ الأهلِ ليلًا، وعلي هذا فينبغي أن يعتبرَ معَ ذلكَ قضاءُ حاجتِهِ المتيسرةِ الموجودَةِ في البلدِ، فإن كانتِ المحاكمةُ لا يفرغُ منها إلَّا في وقتٍ لا يتمكَّنُ من العودِ إلى أهلِهِ ليلًا فحينئذٍ يقضى عليه في غيبتِهِ؛ لأنَّه لا يلزمُهُ الحضورُ حينئذٍ. وحيث تيسَّرتِ الحاجةُ، وأمكنَ العودُ ليلًا على العادَةِ فلا يكفي مجرَّدُ الفوقيةِ، بل لا بدَّ من فوقيةٍ يتعذَرُ معها العودُ إلى أهله ليلًا على العادةِ بضابطٍ يعتبر فوق العدوى، على ما تقرَّرَ في ثلاثةِ مواضعَ: أحدها: هنا على طريقِ بعض المراوزةِ بقيدِهِ. الثاني: في الشَّهادَةِ على الشهادَةِ، وما وقع في "المنهاجِ" في هذا من اعتبارِ العدوى وَهْمٌ، وليس في "المحرر".

стр. 1684

الثالثُ: في كتابِ القاضِي إلى القاضِي من غيرِ حكمٍ. وليس مِن شرطِ صحَّةِ الدعوى على الغائبِ أن تكونَ للمدَّعِي بينةٌ خِلافًا لما في "الروضة" تبعًا للشرحِ، ولا أن يدَّعي جُحودَهُ، ويكفي الإطلاقُ. فإن قالَ: "هو مقرٌّ" لم تسمع بينتُه إلَّا في خمسةِ مواضِعَ: أحدُها: أن يكونَ الغائبَ لا يُقبَلُ إقرارُه لسفهٍ ونحوِهِ. الثاني: أن لا يكونَ إقرارُهُ مؤثِّرًا في المقصدِ الذي قامتْ به البينةُ، كمفلسٍ ادعي عليه دينُ معاملةٍ بعد الحجرِ، فإنَّه لا يمنع من سماعِ دعواهُ، ولا بينته بالمعاملة قوله: "هو مقرٌّ"، لأنَّ إقرارَهُ لا يؤثِّرُ فيما يقصد بالبينةِ الشاهدةِ بالمعاملةِ من المضاربَةِ، وكذلك لو قالَ الغائبُ: "هذه العينُ لزيدٍ، بل لعَمْرٍو"، ويريدُ الحاضرُ إقامةَ البينة على أنها لَهُ، فإنَّه لا يمنعُ من ذلك. قوله: "وهو مقر لي بذلكَ"، قال شيخنا: ويجيء في الرهنِ والجنايَةِ، ولم أرَ من تعرَّضَ لذلكَ. الثالثُ: أَنْ يقولَ: هو مقرٌّ، ولستُ آمنُ جحودَهُ، فإنَّ الأرجحَ عندَ شيخِنا أنَّ القاضِيَ يسمعُ دعواه وبينتَهُ ويقضي بها، قال: وكذلك لو قالَ: هو مقرٌّ ممتنعٌ من تسليمِ حقِّي، فإنَّ المعتمدَ عندي السماعُ. الرابعُ: إذا كانَ للغائبِ مالٌ حاضرٌ، وأرادَ المدعي الوفاءَ منهُ، فإنَّ القاضِي يسمعُ الدَّعوَى والبينةَ، وإن قالَ: "هو مقرٌّ" وفاقًا لفتوى القفَّالِ. الخامسُ: إذا كانتِ بينةُ المدعي شاهدةً بالإقرارِ، فإنَّه لا بدَّ أن يدَّعي بما تشهدُ به البينةُ، فيقولُ: "أقرَّ لِي". ومقتضَى هذا دوامُ إقرارِهِ. * * * ولا يلزمُ القاضِي نصبُ مُسَخَّرٍ ينكرُ على الغائبِ، بل لا يجوزُ؛ لأنَّهُ كذبٌ

стр. 1685

إذا كانَ الواقعُ خلافَ ذلكَ (١). وإذا ادَّعى دينًا مما يجبُ وفاؤُه، أو عينًا هي في يدِ المدَّعى عليه، أو حقًّا من الحقوقِ المتعلِّقَةِ بالمدَّعى عليه، مما يتوجَّهُ للمدعي على الغائبِ في ذلك استحقاقٌ ناجزٌ، فإنَّهُ تُسمعُ الدعوى والبينةُ. ولو ادَّعى عفوه عنِ الشُّفعةِ المستحقَّةِ له على الحاضرِ، أو أنَّه قبَضَ دينَهُ الفلاني عليَّ، أو أبرأني منهُ، وقال: لست آمنَ أَنْ ينكرَ. لم يسمعِ القاضي بينتَهُ. ذكرَهُ الماورديُّ (٢)، وهو متجهٌ، وحيثُ قلنا لا تسمعُ بينتُهُ فلا تسمعُ دعواهُ. ثم إنْ أرادَ المدَّعِي من الحاكِمِ حُكمًا بما ثبتَ له إجابةٌ سواءٌ كان للغائبِ المحكومِ عليه مالٌ حاضرٌ، أم لمْ يكنْ، ويجبُ أن يحلِّفَهُ بعد قيامِ البينةِ الكاملةِ وتعديلها، فإنْ كانَ المُدَّعى به مما يثبتُ بشاهدٍ ويمينٍ، فإنَّ هذا التحليفَ يكونُ بعد شهادَةِ الشاهدِ وبعدَ الحلفِ معَ الشاهدِ، فيحلفُ حينئذٍ أنَّ الحقَّ ثابتٌ في ذمَّتِهِ، وأنَّه يجبُ تسليمُهُ إليَّ، وإن كانَ الحقُ عينًا فلا يحلفُ فيها على ذلكَ، بل يحلفُ على ما لوِ ادَّعاهُ الغائبُ في العينِ، وطلب حَلِفَ المُدَّعي يجابُ إليهِ، ويتعرَّضُ الحاكمُ لما يتعلَّقُ بالبينةِ، مما لوِ ادَّعاهُ الغائبُ وطلَبَ حَلِفَ المُدَّعي بذلك يُجابُ إليه احتياطًا للغائبِ. وهذا التَّحليفُ واجبٌ على الأرجحِ، وقيلَ: مستحبٌّ، ومحلُّهُ حيثُ لم يكنِ للغائبِ وكيلٌ، فإن كانَ لَهُ وكيلٌ فلا يجبُ على القاضِي أن يحلفَ المُدَّعي اليمين المذكورَةَ ولا يستحبُّ له ذلكَ، وطلبُ الحلفِ حينئذٍ من وظيفةِ الوكيلِ، فإنْ لم يكُنْ وكيلًا في طلبِ الحلفِ جاءَ الخلافُ المذكورُ.

стр. 1686

ومن ادَّعى على صبىٍّ أو مجنونٍ أو مفقودٍ أو ميتٍ، ولا نائبَ لهم فإذا أقام بينته حلفَ وجوبًا على أصحِّ الطريقينِ، وقيل فيه وجهان: أصحهما هذا، والثاني: أنَّ التحليفَ مستحبٌّ. وإذا ادَّعى وكيلُ الغائبِ على غائبٍ فلا بدَّ من حلفِ الغائبِ المدعي له قبل أن يقضِي القاضِي على الغائب، على المعتمدِ كما قاله شيخُنا، فيؤخَّرُ القضاءُ إلى أن يحضَ المدَّعى لَهُ، ويحلفُ، ولو حضرَ المدعَى عليه وقال لوكيلِ المدعي: "أبرأَنِي مُوكلُكَ"، وكانَ موكِّلُه غائبًا عنِ البلدِ دونَ العدوى، فؤمرُ بالتسليمِ، فلو طلبَ الحاضرُ من الوكيلِ أن يحلفَ على نفي العلمِ بأنَّ موكِّلَهُ لم يبرئهُ أو لم يستوفِ منهُ أو لم يعلمْ أنَّ موكِّلَهُ عزله ونحو ذلك مما لو اعترفَ به الوكيلُ لسقطتْ مطالبتُهُ، فإنَّ القاضِي يُجيبُهُ إلى ذلكَ، ويحلفُ الوكيلُ حينئذٍ. وإن ثبتَ مالٌ على غائبٍ، وله مالٌ حاضرٌ قضاهُ الحاكمُ منهُ إذا لم يقتضِ الحالُ إجبارَ الحاضرِ على دفعِ مقابله للغائب فإن كانَ كما في الزوجَةِ تدعي بصداقها الحال قبل الدخولِ على الغائبِ، وله مالٌ حاضرٌ فلا يوفيها القاضِي منهُ، لأن الزوجَ والزوجَةَ يُجبرانِ، وقضيةُ إجبارِهما امتناعُ قضاءِ الصداقِ من مالِ الغائبِ. ومثلُهُ لو كانَ البائعُ حاضرًا وادَّعَى بالثمنِ على المشتري الغائبِ، فإنَّه لا تسمعُ هذه الدَّعوى؛ لأنَّه لا يلزم الغائبَ تسليمه؛ لأن البائعَ يجبر على التسليمِ. ومما يُمنعُ الوفاءُ من ذلكَ المالُ الحاضِرُ الذي للغائبِ ما إذا كانَ هناكَ بائعٌ له لم يقبضْهُ الثمنَ، وطلبَ من الحاكمِ الحجرَ على المشتري الغائبِ، حيثُ استحقَّ البائعُ ذلك، فإنَّ القاضِيَ لا يوفِّي مدَّعِي الدينِ في المال

стр. 1687

الحاضرِ، ويجيبُ طالبُ الحجرِ إلى مدعاهُ. ومما يُمنعُ الوفاءُ من ذلكَ المالِ الحاضرِ ما إذا تعلَّقَ بِهِ حقٌّ لازمٌ كأرشِ جنايةٍ متعلِّقَةٍ برقبة العبدِ، أو رهنٍ مقبوضٍ، ولم يفضلْ من ذلك المالِ شيءٌ لوفاءِ الدَّينِ المذكورِ، ولا بعضه، فلا يوفي القاضي منهُ الدَّينَ المذكورَ، ولا شيئًا منهُ، وحيثُ لم يوفَّ الدينُ من المالِ الحاضرِ، أو كانَ يمكنهُ الوفاءَ منهُ ولم يكنْ لَهُ مالٌ حاضرٌ، ولكن سأل المدعي إنهاءَ الحالِ إلى قاضِي بلدِ الغائبِ أجابَهُ، فيكتبُ له ما ثبتَ عندهُ، إمَّا بالبينةِ الكاملَةِ، أو بعلمِهِ وبالشاهدِ واليمينِ، وقد يكتبُ بالبينةِ الكاملةِ ولم يثبت عندهُ لعدمِ التعديلِ، بخلافِ الشاهد واليمينِ فإنَّه لا يحلفُ المدعي إلَّا بعدَ تعديلِ الشاهدِ. ويستحبُّ كتابٌ يُذكر فيه ما يتميزُ به الغائبُ وصاحبُ الحقِّ، ويختمُهُ ويشهدُ الشاهدَانِ بما جرَى عندَ القاضِي من الثبوتِ أو الحكمِ، فإذا انتهى الكتابُ أحضرَ منَ يزعمُ حامل الكتابِ أنَّه المشهودُ عليهِ، فإن أقرَّ فذاكَ، وإلَّا شهدَ الشاهدانِ بمَا جرَى عندَ القاضِي الكاتب. فإنْ قالَ: لستُ المسمَّي في الكتابِ صُدِّقَ بيمينِهِ، وعلى المدعي بيِّنَةٌ بأنَّ هذا المكتوبَ اسمُهُ، ونسبه، فإن أقامَها فقال: لستُ المحكومَ عليه، لزمهُ الحكمُ إن لم يكنْ هناكَ مَن يشارِكُهُ في الاسمِ والصفاتِ، إذا كانَ حيًّا أو ميتًا بعد صدورِ ما جرى في الكتابِ أو قبلَهُ، ولم يظهرْ في أمرِ المدَّعِي به ونحوه مَا لا يمكنُ صدوره معَ الميتِ. فإنْ كانَ هناكَ مشارِكٌ لَهُ فيما ذُكِرَ أحضِرَ، فإنِ اعترفَ بالحقِّ طُولِبَ به، وتركَ الأوَّلُ، وإلَّا فلا بدَّ من حكمٍ مستأنفٍ على الموصوفِ بالصفَةِ الزائدَةِ المميزَةِ لَهُ، ويكتبُ الكاتبُ ذلك. ثانيًا: قال شيخُنا: ولا يحتاج إلى تجديد دعوى ولا حلفٍ، وإنما يحتاج

стр. 1688

إلى حكم على ما قررناهُ. ولم أرَ مَن تعرَّضَ لذلك. وإذا حضرَ قاضِي بلدِ الغائبِ ببلدِ الحاكمِ فشافههُ بحكمِهِ فهو شاهدٌ على الحكمِ، وذاكَ لا يحصلُ به العلمُ المُجوِّزُ للقضاءِ؛ لأنَّ القاضِي في غيرِ محلِّ ولايتِهِ كالمعزولِ، ولو ناداهُ في طرفي ولايتهما ففي إمضائِهِ الخلافُ في القضاءِ بالعلمِ. قال شيخُنا: وهذا أولي بتخريجِهِ على القضاءِ بالعلمِ دونَ ما ذكرَ في الصورةِ قبلَهُ لما قدَّمناه، ولنا أَنْ نمنعَ التخريجَ في هذه أيضًا؛ لأنَّ إخبارَ الحاكمِ في طرفِ ولايتِهِ للحاكمِ في طرفِ ولايتِهِ لم تكملْ فيه ولايةُ كلٍّ منهما في الموضعينِ، وإذا لمْ تكمُلْ ولايةُ كلٍّ منهما في الموضعينِ، فالحاصلُ للحاكمِ السامعِ مجردُ علمٍ، لو سلمَ ذلك فيكونُ أحقَّ بالتخريجِ على القضاءِ بالعلمِ من التصويرِ قبلَهُ، ولِمانعٍ أن يمنعَ التخريجَ المذكور؛ لأنَّ المستندَ لم يسمعْهُ ممن هو في محلِّ ولايتِه، فأشبَه ما لو شهدَ الشهودُ وهم في غيرِ ولايتِهِ، وهو في طرفِ ولايتِهِ سامعٌ لما شهدِ الشُّهودُ بهِ. انتهى. ولو اجتمعا في محلِّ ولايتهما، وشافَهَ أحدُهما الآخرَ بحكمٍ حكم به أمضاهُ، وإن اقتصرَ الحاكمُ على سماعِ بينةٍ، كتبَ: "سمعتُ بينةً على فلانٍ". ويسميها إن لم يعدِّلْها، وإلَّا فالأصحُّ منعُ تركِ التسميةِ، بل قد نقلَهُ الإمامُ عن إجماعِ الأصحابِ. وسماعُ البينةِ لا يُقبلُ على المنصوصِ إلَّا في مسافَةِ قبولِ شهادَةٍ على شهادَةٍ إذا سمع البينةَ وأثبت ما قامتْ بهِ، فأمَّا لو سمعَ البينةَ ولم يثبتْ ما قامتْ به فلا يقبلُ إلَّا في مسافةٍ تقبلُ فيها شهادَةٌ على شهادَةٍ بلا خلافٍ. * * *

стр. 1689

فرع: ادَّعى عينًا غائبةً عن البلدِ يؤمَنُ اشتباهها، كعقارٍ وعبدٍ وفرسٍ، سمع البينةَ وحكمَ بها، وكتبَ إلى قاضِي بلدِ المالِ، ليسلِّمَهُ للمدعِي، ويعتمدُ في عقارٍ غير مشهورٍ حدودُهُ، ولا بدَّ أن تستقصَى فيه الصِّفاتُ المحصِّلَةِ للعلمِ، أو لا يؤمنُ، فالأظهرُ سماعُ البينةِ، ومحلُّ الخلافِ ما إذا لم يعلمِ القاضِي العينَ التي شهدَ بِهَا الشُّهودُ، وأن لا تكونَ البينةُ شاهدةً بملكِ العينِ من غيرِ أن تشهدَ على إقرارِ المستولِي على العينِ بأنَّ العينَ التي هي تحتَ يدي من صفتِها كذا ملك لفلانٍ، فإنَّ البينةَ إذا قامتْ عند القاضِي قضى بها جزمًا، ويبالغ المدَّعي في الوصفِ، ويذكرُ القيمةَ في غيرِ النَّقدِ، ويُعتبرُ في النقدِ ذكر الجنسِ والنَّوعِ والقدرِ والصحَّة والتكسيرِ، ولا حاجةَ إلى ذِكْرِ القيمةِ، كما قالَ شيخُنا، خلافًا لما في "المنهاجِ" من الإطلاقِ، وأنَّه لا يحكمُ بالبينةِ، بل يكتبُ إلى قاضِي بلدِ المالِ بما شهدتْ به، فأخذَهُ ويبعثه إلى الكاتبِ ليشهدُوا على عينه. والأظهرُ أنّه يُسلِّمُه إلى المدعي بكفيلٍ ببدنهِ على الأرجَحِ، فإن كانتْ جاريةً فالأصحُّ أنَّه يُسلِّمُها إلى أمينٍ في الرفقةِ لا إلى المدعي، وإذا لم يظهر أنَّه للمدعي في صورةِ العينِ الغائبةِ عن البلدِ لزمَ المدعي مؤنةَ الإحضارِ، والردَّ، وأجرَةُ المثلِ مدَّةَ تعطِيلِ المنافِعِ إذا تلفَ يلزمُهُ ضمانُ بدلِهِ. وإنِ ادَّعى عينًا غائبةً عنِ المجلسِ لا البلدِ، أمرَ بإحضارِ ما يُمكنُ إحضارُهُ لتقعَ الدَّعوى على العينِ المشخَّصةِ، ثم تقامُ البينةُ عندَ الإنكارِ عليها، هذا إذا كانَ الذي يمكنُ إحضارُهُ يعرفُهُ المدعِي والشهودُ ويشخصُّه المدعي، فإن لم يكن كذلك بأن كانتِ الدَّعوى في ثيابٍ مشتبهةٍ كالنصافي والبعلبكي وغير ذلك مما لا يعرفُه المدعي، فلا يؤمرُ المدعَى عليهِ بإحضارِ شيءٍ؛ لأنَّ

стр. 1690

المدَّعي لم يشخِّص شيئًا، والمدعَى عليهِ منكرٌ. ولا تُسمع شهادةٌ بصفةٍ هنا، ثم للمدعي دعوى القيمةِ إن كانتِ العينُ متقوَّمةً لاحتمالِ أنها هلكتْ، فإن كانتْ مثلية فعند هلاكِها يذكرُ المثلَ لا القيمةَ، فإن نكَلَ وحلفَ المدَّعي أو أقامَ بينةً حين أنكرَ على أنَّ في يدِهِ مثله، كما ذكرهُ الغزاليُّ، أو تشهدُ على إقرارِه أنَّ يدَهُ اشتملتْ على عينٍ لفلانٍ صفتُها كذا، أو تشهد مما يعرفها القاضي من العينِ التي تشخَّصتْ له في وقتٍ كما سبَقَ كلفَ الإحضارَ، وحبسَ عليهِ، ولا يطلقُ إلَّا بإحضارٍ أو دعوى التَّلفِ، ويحلفُ على التَّلفِ إن طولِبَ بالحلفِ، أو يدَّعي تعذُّرَ ردِّ عينها لمانعٍ حسيٍّ منعه من ذلكَ، ويحلفُ عليه إنْ طولِبَ بالحلفِ. ولو شكَّ المدعي هل تلفتِ العينُ فيدعي قيمةً إن كانتْ متقوَّمَةً، وإلَّا فيدعي مثلَها إن كانتْ مثليَّة، أو غير تالفة، فيدعيها، فقال: غصبَ منِّي كذا، فإن بقي فأطالبه بردِّه حيث كانتِ العينُ في بلدِ الدَّعوى، فإن لم تكنْ في بلدِ الدعوى فيطالبُهُ بالقيمةِ للحيلولةِ. وإن لم تكنْ باقيةً فأطالبُهُ بردِّ القيمةِ، إن كانتِ العينُ متقوِّمةً، وإلَّا فأطالبُهُ بردِّ المثلِ، حيثُ كانَ اللازمُ لهُ المثلُ سمعتْ دعوَاهُ للحاجَةِ. ونقلَ الإمامُ عنِ القياسِيِّينَ من أصحابِنا لا تسمعُ هذه الدَّعوَى المرددة، والوجهُ ردُّ الدعوَى إلى الماليةِ كما وصفناها. ثم البينةُ لا تُسمعُ على هذا الوصفِ في هذا النوعِ، فإن كانتِ الدَّعوَى ماليةً سمعتْ فيصفُ الشُّهودُ ويذكرونَ القيمةَ، وهذا أقصَى ما في هذا الموضعِ. ثم يَدَّعي القيمةَ في المتقوِّمِ، وفي المثليِّ إذا حصلتِ الحيلولةُ، ويحلفهُ عليها، فأمَّا مع تلفِ المثليِّ فالدعوَى بالمثلِ.

стр. 1691

وحيثُ أوجبنا الإحضارَ فثبتت للمدعِي استقرَّت مؤنته على المدَّعَى عليهِ إذا لم يكنِ المدَّعِي قد قامَ بها استقلالًا من غيرِ طريقٍ يقتضي إلزامِ المدعَى عليهِ بها، فإن جرَى ذلكَ لم تستقرَّ المؤنةُ على المدعَى عليهِ، وإنما تظهرُ فائدةُ الاستقرارِ إذا قامَ بها المدَّعَى عليه بمقتضَى إلزامِهِ بإحضارِ المدعي به، أو حصلَ إقراض على ذلكَ بطريقٍ معتبرٍ. * * * فرع: الغائبُ بمسافةٍ قريبةٍ كحاضرٍ، فلا تسمعُ دَعْوَى عليهِ ولا بينةٌ ولا يحكمُ بغيرِ حضورِهِ إلَّا التواريه أو تعززه، والمشهورُ جواز سماعِ الدعوَى على الغائبٍ، وسماع البينةِ والقضاءِ عليه في قصاصٍ، وحدِّ قذفٍ في غير من له إسقاطه باللعان، فأمَّا مَن له إسقاطُه باللعانِ فلا يجوزُ أن يقضى عليه بحدِّ القذفِ في غيبتهِ، لتمكُّنِهِ من إسقاطِهِ، ولو سمع بينةً على غائبٍ فقدم قبلَ الحُكمِ لم يستعدها إذا لم يتحقَّقْ كونُهُ من الحاضِرينَ عندَ الدَّعْوَى، وسماعِ البينةِ، فإنْ تحقَّقَ ذلكَ وجبَ استعادتُهما. وكذلكَ الحكمُ إذا قدمَ بعدَ الحُكمِ وتحقَّقَ أنَّهُ كانَ حاضرًا عندما ذكر من سمع الدَّعوى، وسمع البينةَ والحكمَ فإنَّه يجبُ استعادةُ ذلكَ أيضًا، وإن تحقَّقَ حضورُهُ عندَ الحكمِ دونَ سماعِ الدَّعوى وسماعِ البينةِ أعادَ الحكم لوقوعِه بغير شرطِهِ وجبتْ؛ لم تجبِ الاستعادةُ أخبره ومكَّنه من الجرح. ولو عزلَ بعد سماعِ بينةٍ ثم ولي وجبتِ الاستعادَةُ إن لم يحكمْ بقبولِ البينةِ، فإن حكمَ بقبولِ قولِ البينةِ من غيرِ أن يحكمَ بالإلزامِ بالحقِّ فلا تجبُ الاستعادَةُ إذا عزلَ ثمَّ وليَ، وإذا استعدى على حاضرٍ بالبلدِ أحضرَهُ إن لم يعلمِ القاضِي كذبَهُ، ولا يلزم القاضي الحكم بينه وبين خصمِهِ، وأن يمكنَ

стр. 1692

إحضارُهُ، وأن لا يكونَ من ذوِي الهيئات، وقدْ وكَّل وكيلًا عنه بخاتمٍ، أو يكتبُ بإحضارِهِ، فإن لم يحضرْ بذلك بعثَ إليهِ من أعوانِهِ الذين يكونونَ عندَهُ أو غائب في غيرِ محلِّ ولايتِه أو فيه وله هناك نائبٌ فليس له إحضارُهُ، وإلَّا فيحضرُهُ من مسافةِ العدوى كما سبقَ. وأنَّ المرأةَ المخدَّرَةَ لا تكلَّف الحضَورَ مجلس الحكمِ للدَّعوى في غيرِ اللعانِ، فأمَّا إذا جاءَ الزَّوجُ وقذفَهَا فإنَّ القاضِي يُحضرُها، وإذا توجَّهت عليها اليمينُ فلا يمتنعُ أن يغلظَ عليها بحضورها المكانَ الذي يغلظُ فيه. والمخدَّرَةُ هي التي لا تُكثِرُ الخروجَ للحاجاتِ المتكرِّرَةِ، وأمَّا غيرُ المخدَّرَةِ فتكلَّفُ الحضورَ، ولو من خارجِ البلد إذا بعثَ الحاكمُ إليها محرمًا، أو نسوة تقاة كما في الحجِّ. * * *

стр. 1693

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ باب القسمة هي بكسرِ القافِ الاسمُ، من قولِك: قسمتُ الشيءَ قَسمًا، بفتحِ القافِ، وهو تمييزُ بعضِ الأنصباءِ من بعضٍ، وإفرازها عنها. والأصلُ في جوازها قبل الإجماعِ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ الآية. ومن السُّنَّةِ: قسمتُه ﷺ الغنائمَ، وقوله أن الشُّفعةَ فيما لم يُقْسم (١). وقد يتولَّي الشريكانِ أو الشركاءُ القسمةَ بأنفسِهم، وقد يتولاها منصوبُهم أو منصوبُ الإمامِ. ويشترطُ في منصوبِهم التكليفُ، ويشترطُ في منصوب الإمامِ الذُّكورَةُ، والحريَّةُ، والتكليفُ، وأنْ يكونَ مقبولَ الشَّهادَةِ، فلا بدَّ من كونِهِ ضابطًا، بصيرًا، سميعًا، وأن يكونَ قليلَ الطمعِ، نَزِهَ النَّفسِ، حتَّى لا يرتشِي فيما يلي، ولا يخونُ، وأنْ يكونَ عالمًا بالمساحَةِ. وهل يشترطُ معرفة التقويم؟ فيه

стр. 1694

وجهان في "الروضة" (١) تبعًا للشرحِ من غير ترجيحٍ، والمعتمدُ عن شيخنا الجزمُ بالاحتياجِ إلى ذلك في قسمةِ التعديلِ والردِّ، ولا تعتبرُ في قسمةِ الأجزاءِ، فإن كان فيها تقويمٌ فقاسمان ينصبهما القاضي، إذا لم يكنِ الواحدُ حاكمًا في التقويمِ بمعرفتِه، فإن حكمَ فيه كان كقضائِه بعلمه، وإذا جوَّزنا القضاء بالعلمِ في هذا كما هو الأصحُّ فلا يعتبرُ التعدُّدُ. وأمَّا منصوبُ الشُّركاءِ، فيجوزُ أن يكونَ واحدًا قطعًا، وإن لم يكنْ فيها تقويم فقاسمٌ على المذهبِ، وقيل قولان؛ ثانيهما: يشترطُ اثنانِ، وللإمامِ جعلُ القاسمِ حاكمًا في التقويمِ، فيعملُ فيه بعدلينِ، أو بعلمِه، ويقسمُ ويجعلُ الإمامَ رزقَهُ مِن بيتِ المالِ، فإن لم يكنْ فأجرتُهُ على الشركاءِ (٢) إذا استأجرُوهُ إجارَةً صحيحةً، أو فاسدةً. فأمَّا إذا طلبَ الشُّركاءُ من قسامِ القاضي القسمةَ، فقسمَ، ولم يذكروا أجرةً، فإنَّ المعتمدَ في ذلك أن لا أجرةَ للقسَّامِ عليهم، وأن يكونَ ذِكْرُ الأجرةِ من جميعهم، فإن ذكرها بعضُهم دونَ بعضٍ، فما خصَّ الذاكِرِ يلزمُهُ، ولا يلزمُ غير الذاكرِ على المعتمدِ، كما تقدَّم. وأن يكونَ جرى ذلك من جميعهم، وهم متأهلون للالتزامِ، أو بعضُهم غيرُ متأهِّلِ ولا غبطةَ في القسمةِ، فإنْ كانَ بعضُهم غيرَ متأهِّلٍ للالتزامِ لصغرٍ أو جنونٍ ولا غَبطةَ له في القسمةِ بل عليه ضررٌ فيها، ولو وجه، لا يمنع من الإجبارِ على القسمةِ، فإنَّ الشافعيَّ قد توقَّفَ في إلزامِ المذكورِ شيئًا من الأجرةِ. فإذا استأجروهُ جميعًا بأنْ قالوا: استأجرناكَ لتقسمَ بيننا كذا بدينارٍ على

стр. 1695

فلانٍ، ودينارينِ على فلانٍ -مثلًا- ووكَّلُوا وكيلًا، فعقد لهم كذلك، لزمهم ما وقعَ عقد الإجارة عليهِ (١). وإن ذكروا الأجرةَ ولم يسمِّ كلُّ أحدٍ ما يخصُّه فالأجرةُ موزَّعةٌ على قدرِ الحصصِ على المذهب، وقيل قولانِ، ثانيهما: على عدد الرءوسِ، وإن دعوه إليها ولم يسموا أجرةً فلا أجرةَ له على الصحيحِ، وإن كانَ الدَّاعي إليها الحاكمُ ولم يسمِّ أجرةً استحقَّ أجرةَ المثلِ، ويُستثنَى من ذلكَ قسمةُ التعديل، فإن الأجرةَ توزَّعُ بحسبِ المأخوذِ قلةً وكثرةً، لا بحسبِ الحصصِ على الأصحِّ، ويُستثنَى منهُ أيضًا حصَّةَ الطِّفلِ والمجنونِ والمحجورِ عليه بالسَّفَهِ، وحصَّة الوقفِ حيمث يلحقهم بالقسمةِ الضَّرَرُ، فلا أجرةَ عليهم. * * * ثمَّ ما عظم ضررُه كجوهرةٍ وثوبٍ نفيسٍ لم تكنِ العادةُ مستمرَّةً بقطعِهِ على وجهٍ يحصلُ لكلِّ واحدٍ بما صارَ إليه منفعةٌ إن طلبَ الشُّركاءُ كلُّهم قسمتَهُ لم يجبهم القاضِي، لكن لا يمنعُهُم أن يقسموا بأنفسهم إذا لم تبطُلْ منفعتُهُ بالكليَّةِ، كالسَّيفِ يكسَرُ، وما تبطلُ منفعتُهُ المقصودَةُ كحمامٍ وطاحونٍ صغيرينِ، لا يجابُ طالبُ قسمتِهِ على الأصحِّ، فإنْ أمكَنَ جعلُهُ حمَّامينِ، وجبتْ (٢)، وكذا لو أمكنَ جعلُ نصيبٌ منهُ -وهو الأكثرُ- حمَّامًا دونَ الآخرِ، فتجبُ القسمةُ أيضًا، إذا طلبَها صاحبُ الأكثَرِ، فإن طلبَهما صاحبُ الأقلِّ الذي لا يجيء حمَّامًا فإنّه لا يجابُ، قال شيخُنا: ولم أرَ مَن تعرَّضَ لذلكَ.

стр. 1696

ولو كانَ له عُشْرُ دارٍ لا يصلحُ للسُّكنَي، فالمنصوصُ إجبارُ صاحبِ الأقلِّ الذي لا ينتفعُ بنصيبِهِ بطلبِ صاحبِ الأكثرِ الذي ينتفعُ بنصيبِهِ، وإن كانَ صاحبُ الأقلِّ ينتفعُ بنصيبِهِ بأن يكونَ له مكانٌ يضمُّه إلى عشرٍ هو يصلحُ الكل للسكنَى أو ينتفع غيرُهُ بما صارَ إليهِ، فإنَّه يُجابُ إلى ذلكَ على مقتضى إطلاقِ نصِّ "الأمِّ"، و"المختصر"، ومفهومُ نصِّ "الأمِّ" لأنَّ لَهُ مقصدًا في تمييزِ ملكِهِ وإراحتِهِ من شريكِهِ، وهو مقصدٌ حسنٌ، فينبغي أَنْ يُجابَ كمَا تقدَّمَ. * * * وما لا يعظُمُ ضرَرُهُ فقسمتُهُ أنواعٌ (١): أحدها: بالإجزاءِ، كمِثْلِيٍّ، ودارٍ متفقَة الأبنية، وأرض مشتبهة الأجزاء، فيجْبَرُ الممتنعُ على الأصحِّ، فتميز السِّهامُ كيلًا، ولو خرصًا في ثمرةِ النَّخلِ، والعنبِ، أو وزنًا، أو زرعًا بعددِ الأنصباء إنِ استوتْ، ويكتبُ في كلِّ رقعةٍ اسمَ شريكٍ، وتُدْرَجُ في بنادِقَ مستويةٍ، ثم يُخرجُ مَن لم يحضرها رقعة على الجزءِ الأوَّلِ، ولا يجوزُ العدولُ إلى كتابةِ الأجزاءِ؛ لما فيه من المحذوراتِ، كما قالَهُ شيخُنا. فإنِ اختلفتِ الأنصباءُ، كنصفٍ وثلثٍ، وسدسٍ، جزِّئتِ الأرضُ على أقلِّ السِّهامِ وقسِّمَتْ على ما (٢) تقدَّمَ من كتابَةِ الأسماءِ وإخراجِها على الأجزاءِ، ويُحترزُ على تفريقِ حصَّةِ واحدٍ.

стр. 1697

الثَّاني: بالتعديلِ (١)، كأرضٍ تختلفُ قيمةُ أجزائِها بحسبِ قوَّةِ إنباتٍ، وقربِ ماءٍ، ولا يمكنُ قسمتها إلَّا بالتعديلِ، فيجبرُ الممتنعُ عليها على المذهب. ولو استوتْ قيمةُ دارينِ، أو حانوتينِ، فطلبَ جَعْلَ كلِّ واحدٍ لواحدٍ فلا إجبارَ إلَّا إذا كانتِ الدارانِ لهما بملكِ القُربَةِ المشتملة عليهما أو شركتهما بالنصفِ وملكا قسمة للقربةِ، واقتضتِ القسمةُ نصفينِ، جعلَ كلَّ دارٍ نصيبًا، فإنَّه يُجْبَرُ على ذلك. وإذا كان الحانوتانِ مثلًا صفينِ ولا يتحملُ كلٌّ منهما القسمةَ، فيُجْبَرُ الممتنعُ على القسمةِ في الأصحِّ للحاجَةِ. أو استوتْ قيمةُ عبيدٍ أو ثيابٍ من نوعٍ، أُجْبِرَ على الأصحِّ، إلَّا إذا تباينتْ فيها القيمةُ، بحيثُ لا يمكنُ تعديل إلَّا ببقيةٍ تبقَى الشركةُ فيها، فإنَّهُ لا إجبارَ في ذلك على المذهبِ، أو نوعينِ فأكثرَ، فلا إجبارَ إلَّا إذا كانَ منها نوعٌ متعددٌ فيُجْبَرُ في هذه الصورةِ على قسمةِ المتعدِّدِ من النوعِ بالتعدِيلِ الذي لا يبقَى معهُ بقيةُ شركةٍ، كما سبقِ. الثالث (٢): بالردِّ، بأن يكونَ في أحدِ الجانبينِ بئرٌ أو شجرٌ لا يمكنُ قسمتُهُ، ولا بنقلِهِ في أحدِ الجانبينِ بالتعديلِ، فيردُّ مَن يأخذه قسطَ قيمتِهِ، ولا إجبارَ فيه، وهو بيعٌ إلَّا القدرَ الذي لم يحصُلْ في مقابلةِ ردٍّ، فإنَّ الذي له منه بطريقِ الإشاعةِ لم يقعْ عليهِ بيعٌ، وقسمةُ التعديلِ بيعٌ على المذهبِ في القدرِ الذي حصلتْ فيه الزيادَةُ والنُّقصانِ، فأمَّا ما لسُوى ذلكَ فإنَّ الأرجحَ فيه الإقرار.

стр. 1698

وإذا جرتْ قسمةُ التعديلِ بالتراضِي فبيعٌ قطعًا، وقسمةُ الأجزاءِ إفرازٌ على الأرجحِ، فإنْ جرتْ بالتراضِي فبيعٌ قطعًا. ويشترطُ في الردِّ الرضَا بعدَ خروجِ القُرعةِ على الأصحِّ، وكذا لو تراضيَا بقَسْمةٍ فلا إجبارَ فيه، فإنَّه يُشترطُ الرِّضا بعد خروجِ القرعةِ على الأصحِّ، وإذا جرتِ القسمةُ التي يُجبر عليها بالتراضِي فيعتَبَرُ تكريرُ الرِّضا بعد خروجِ القرعةِ على الصحيحِ، كقولهما: رضينا بهذه القسمةِ، أو بما أخرجتْهُ القُرعةُ، ولا بدَّ من سبقِ علم ذلك على الرضا. ولو ثبتت أيُّ بينةٍ غلطٌ أو حيفٌ في قسمةِ إجبارٍ نقضت، فإن لم يثبتْ وادَّعاهُ واحدٌ الدعوى المعلومةَ القدرِ، فله تحليفُ شريكِهِ إذا كانتِ الدَّعوى عليه، أو كانت عليه وعلي القسام، فإن كانت الدعوى على القسَّامِ وحدَهُ فلا يُحَلِّفُ واحدًا منهما، ولو دعاه في قسمةِ تراضٍ لا إجبارَ فيها فالأصحّ أنَّه لا أثرَ لهذا الغلطِ، ولا فائدةَ لهذه الدعوَى، إذا وجدَ تحديد الرضا بعد خروجِ القرعةِ، ولم يذكر تأويلًا يقتضي سماع دعواهُ، ولم يعترفْ له الشركاءُ بما ادَّعاه، وإذا قلنَا أنها إفرازٌ نُقِضَتْ إن ثَبَتَ إذا لم يعلمِ الزائدُ أو علمه، ولم يرضَ بمصيرِه لشريكِهِ أو رضيَ بهِ، ولم يحصلْ من الشريكِ رضًا به، أو رضيَ به ولم يحصل أمرٌ يلزمْ به التمليكُ، وإلَّا فيحلفُ شريكُهُ كما قدَّمناهُ. وإذا لم تنقضِ القسمةُ لو ثبتَ فلا يحلفُ شريكُهُ، ولو استحقَّ بعضَ المقسومِ شائعًا بطلتْ فيه وصار الكلُّ مشاعًا، أو من النصيبين معينٌ سواء، فإن كانَ ذلك المعينُ بين القسمين من أولهما إلى آخرهما، ولم يكن بين الشريكينِ المقتسمين إشاعة في المستحقِّ المعيَّن، وإنما كان بينهما شركةٌ في كلٍّ من الطرفينِ.

стр. 1699

ومثل ذلكَ لا يُقسم إلَّا إجبارًا (١)، فإذا قُسِم إجبارًا على هذا الوجهِ فقدْ تبيَّنِ إبطالُ الإجبارِ فيها، وإبطالها، وإن صدرتْ بالتراضِي على الظنِّ المذكورِ لظنِّ الإشاعَةِ في الجميعِ، فإذا ظهرَ أنَّ الإشاعَةَ في الوسطِ، فهذا يحتمل أَنْ يُقال فيها: تبقى القسمةُ لازمةً. ويحتملُ أَنْ يُقالَ: ثبتتْ لكلٍّ منهما الخيارُ، وهذا أولَى بقضيَّةِ البابِ. وإنْ لم يستغرقْ ما بينَ القسمين، فإنْ كانتْ قطعةً من أوَّلِ ما بين القسمينِ إلى أثنائِها ثم الشركةُ واقعةٌ في القدرِ الباقِي وحصلتِ القسمةُ في البقيَّةِ وما وراء المعينِ من الجانبينِ، وحصلَ تعديل، بحيثُ حصلَ في قسمةِ كلِّ واحدٍ منَ الشجر نظيرُ ما عند الاَخرِ، وخرجتِ القطعةُ المعيَّنَةُ المستحقَّةُ من الوسطِ على السواءِ في النصيبينِ، فهاهنا يأتي خلاف تفريقِ الصفقةِ. ولو كانَ المعينُ قطعتين من الجانبين خرجتْ إحداهما في قسمةِ أحدِ الشريكينِ، والأخرى في قسمةِ الآخرِ على السواء، فهاهنا تبقى القسمةُ في الوسطِ المشاعِ؛ لأنَّه حقُّها. ولو فرضنا أنَّ المعيَّنَ الذي ظهر استحقاقُهُ أدَّى إلى تفريقِ حصَّةِ الواحدِ أو حصةِ كلٍّ منهما، فإنَّه يثبتُ الخيارُ لذلك الواحدِ في نقضِ القسمةِ وإبقائها، ويثبت الخيارُ لهما في الصورة الثانية على الأرجحِ. قال شيخُنا: ولم أرَ مَن حرَّرَ المسألةَ على ما قرَّرناهُ. انتهى. * * *

стр. 1700

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتابُ الشهادات هي جمعُ شهادةٍ، وهو مصدرُ شهدَ يشهَدُ. قال الجوهريُّ: الشهادةُ خبَرٌ قاطعٌ. والمشاهدَةُ المعاينةُ، مأخوذَةٌ منَ الشُّهودِ بمعنى الحضورِ، لأنَّه شاهدَ ما غابَ عن غيرِهِ. وقيل: مأخوذٌ من الإعلامِ. والأصلُ فيها قولُهُ تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾. ومن السُّنَّةِ: "ليسَ لكَ إلَّا شاهداكَ أو يمينهُ" (١)، وروي عن ابن عباسٍ أنَّ النبيَّ ﷺ سئلَ عنِ الشَّهادَةِ فقال: "ترى الشَّمسَ؟ " قال: نعم. قال: "على مثلِها فاشهدْ، أو دع" صححهُ الحاكمُ، وضعَّفه البيهقيُّ (٢). ولأنَّ الحاجَةَ داعيةٌ إليها، ولا خلافَ بين المسلمينَ فيها.

стр. 1701

شرطُ مقبولِ شَهادَةٍ: إسلامٌ، وحريَّةٌ، وتكليفٌ، وعدالةٌ، ومروءةٌ، ونطقٌ، وتيقظٌ، وعدمُ تهمةٍ، وعدمُ سفهٍ، كما نقلَهُ في "الروضة" (١) عن الصَّيْمريِّ، وجزمَ به الرافعيُّ في كتاب "الوصية". والعدالةُ: اجتنابُ الكبائرِ (٢)، وعدمُ غلبةِ الصَّغائرِ على الطاعةِ. * * * ويحرمُ اللعب بالنردِ على الأظهَرِ، وفي قول: يكرَهُ، والأولَى أن لا يعلبَ بالشطرنجِ (٣)؛ لأنَّ الشافعيَّ ﵁ قال: إنه لا يحبُّ اللعبَ به. قال شيخُنا: والذي لا يحبُّه قد يكونُ خلافَ الأولَى، وقد يكونُ المرادُ لا أحبُّ أَنْ أفعلَهُ لما يؤدِّي إليهِ؛ لا أنَّهُ مكروهٌ في نفسِهِ، لكنْ إن أدَّى اللعبُ بِهِ إلى شغلِ المكلَّفِ بحيثُ تخرجُ الصلاةُ عن وقتِها وهو غافلٌ حرمُ اللعبُ به حينئذٍ. وإذا اقترنَ به قمارٌ أو فحشٌ، أو إخراجُ صلاةٍ عن وقتها عمدًا رُدَّتْ شهادتُه بذلك المقارنِ. وإنَّما يكونُ قمارًا إذا شرطَ المالَ من الجانبين، وكان اللاعبان (٤) متكافئين، أو قريبًا من التكافؤِ، فإن أخرج أحدهما ليبذله إن غَلَبَ ويمسِكَه إن غُلِبَ؛ فليس بقمارٍ، وكذا إن شرطَ المالَ من الجانبينِ ويقطع بأنَّ أحدَهما يغلبُ فليس بقمارٍ للقطعِ بأنَّ للقطعِ المال الذي من جانبِ الغالب يمسكه،

стр. 1702

وأنَّ المال الذي بذلهُ الآخرُ يأخذه المقطوعُ بأنَّه غالبٌ. وإذا بذلَ المالَ من جانبٍ أو من الجانبينِ صورةً لا معنى كما تقدَّم فإنَّه وإن لم يكنْ قمارًا إلَّا أنَّه يحلُّ أخذُ المالِ فيما ذُكِرَ لعدمِ صحَّةِ العقدِ، فإن أخذَ المالَ بمقتضى ذلك لم يجز. وإذا علمَ تحريمَ أخْذِ المالِ بمقتضَى ذلكَ، وأقدَمَ عليِهِ فتردُّ شهادتُهُ لتعدِّيهِ بالأخذِ. * * * ويباحُ الحداءُ وسماعُهُ، ويكرَهُ الغناءُ بلا آلةٍ، إذا اتخذَ المغنِّي صناعةً يؤتى عليه، ويأتي، ويكون منسوبًا إليهِ مشهورًا به، معروفًا على النصِّ (١). ويكرَهُ سماعُهُ، فإن سمعه من امرأةٍ أجنبيَّةٍ يخافُ من ذلك الفتنة، حرُمَ، وكذا إن سمعهُ من صبيٍّ يخافُ منه الفتنةَ. ولا يحرمُ الغناءُ بالآلةِ غير المحرَّمَةِ، ولا سماعه، لكنَّ المحرَّمَ الآلةُ. ويحرمُ استعمالُ آلةٍ من شعارِ الشَّرَبةِ (٢)، كطنبورٍ، وعودٍ، وصَنْجٍ، ومزمارٍ عراقي، واستماعُها، لا يَرَاعَ في الأصحِّ؛ لأنَّها ليستْ من الملاهِي، فإن أضيف إليها الدُّفُّ حرمَ ذلك (٣). ويجوزُ ضربُ دُفٍّ لعرسٍ، وكذا الختانِ، وغيرِهِ، وإنْ كانَ فيه جلاجلُ على الأصحِّ (٤). ويسنُّ ضربُهُ في كلِّ أمرٍ مهمٍّ من الشعارِ، ويستثنى مِن محلِّ

стр. 1703

الخلافِ في غيرِهِ ما يتعلَّقُ بضربِ الدُّفِّ في أمرٍ مهم من قدومِ عالمٍ، أو سلطانٍ، ونحوهما. ويحرمُ ضربُ الطبل الذي يحصلُ بضربهِ اللهوُ الشاغِلُ عنِ الخيرِ الموقع في الفسادِ (١). * * * ويكرَهُ الرقصُ، إلَّا أن يكونَ فيهِ تكسُّرٌ، كفعلِ المخنَّثِ، أو يكثرُ بحيث يُخلُّ بمروءةِ الرَّجُلِ الفاعلِ لذلك، فيحرمُ في الصورتينِ حينئذٍ. * * * ويباحُ قولُ شعرٍ وإنشادُهُ، ومع الإباحَةِ يكونُ في بعضِ الأحوالِ حسنًا مستحبًّا كالكلامِ الذي ليس بشعرٍ، إلَّا أن يهجوَ، ويقصدَ به إشاعة فاحشةٍ، أو يفحشَ بالإطراءِ فيحرمُ، أو يعرِّضُ بامرأةٍ لا يحلُّ له وطؤها، فيحرمُ (٢). * * * والمروءةُ: صونُ النفسِ عن تعاطِي مباحاتٍ، أو مكروهاتٍ، غير لائقةٍ بفاعلها عرفًا، أو دالَّةً على قلَّةِ مبالاتِه بما يهتمُّ به، فالأكلُ في الطريقِ المطروقِ مرارًا دالَّةٌ على قلَّةِ المبالاةِ يسقطها، إلَّا أن يكونَ الشخصُ سوقيًّا، وكذا السماسرةُ الذين لا حِشْمَةَ لهم، أو يدهَمُه الجوعُ، فيأكلُ على بابِ دُكَّانِهِ كما قاله البندنيجي (٣)، وقد جرتْ عادَةُ أهلِ سُوقِهِ بذلك، أَو أكلَ داخلَ حانوتِهِ مستترًا، وكذلك الشُّربُ من سقاياتِ السُّوفِ يسقطُ المروءةَ، إلَّا أَنْ

стр. 1704

يكونَ الشخصُ سوقيًّا، أو شربَ لغلبةِ عطشٍ. ومن تركِ المروءةِ: المشي في السُّوقِ أو الطريقِ مكشوفَ الرَّأسِ، أو البدنِ، إذا لم يكنِ الشخصُ من يليقُ به مثله. وكذلكَ الوقوفُ في السُّوقِ أو الطريقِ على هذه الحالةِ، والمرادُ غير العورةِ، فإنَّ ذلكَ من المحرَّماتِ، وليسَ الكلامُ فيه. ومن تركِ المروءةِ: قبلةُ زوجتِهِ أو أمتِهِ بحضورِ النَّاسِ الذي يستحيي منهم في ذلكَ، والتقبيل الذي يستحيي من إظهارهِ. ومن تركِ المروءةِ: لبسُ الفقيهِ القباء، والقلنسوةُ، ويتردُد في بلدٍ لم تجر عادة الفقهاء بلبسِهما فيه، فلو لبسهما في بيتِهِ لم يكنْ تاركًا للمروءةِ، إذا كانَ لا ينتابُهُ الناسُ في بيته، فإنِ انتابَهُ الناسُ في بيتِهِ وهو على هذه الحالَةِ فهو كمن ترددَ في البلدِ، ولو كان الفقيهُ اللابسُ للقلنسوةِ مغربيًّا يعتادُ ذلكَ في بلدِهِ وجاء إلى بلدٍ لا يعتادُ ذلكَ فيها، فيترك على سجيتِهِ وحالِهِ التي كانت في بلدِهِ. وأمَّا الإكبابُ على لعبِ الشطرنجِ، فإن لم يسلمِ اللاعبُ من ارتكابِ محرَّمٍ كبيرٍ ومن إصرارٍ على صغيرٍ فهو من تركِ المروءةِ (١). والحرفةُ الدنيَّةِ التي فيها مخامرة القاذوراتِ ممن لا تليق بهِ يسقطها على الأصحِّ، فإن تلبَّسَ بها ولم يتلبَّس بصنعةٍ أشرف منها، وكان مع هذا برًّا تقيًّا زكيًّا، فتقبلُ شهادتُهُ على الأصحِّ. والمتهمُ مَن يجرُّ بشهادتِهِ إلى نفسِهِ أو أصلِهِ أو فرعِهِ نفعًا، أو يدفعُ عنه أو عن أصلِهِ أو فرعِهِ ضررًا، فتردُّ شهادتُهُ لعبدِهِ بشيءٍ يعودُ نفعُه للسيدِ ومكاتبِهِ

стр. 1705

وغريمٍ له ميتٍ أو مرتدٍّ، أو عليه حَجْرُ فلس، وغريمٌ لأصلِهِ أو فرعِهِ ميتٍ أو مرتدٍّ أو عليه حَجْرُ فلسٍ، أو شهادةُ الوكيلِ لموكِّلِهِ فيما هو وكيلٌ فيه، مما يقتضي بقاءَ تصرُّفِهِ، والضامِنِ ببراءةِ من ضمنَهُ، وببراءَةِ مَن ضمنه عبدُهُ، أو مكاتبُهُ، أو غريمٌ له ميتٌ أو محجورٌ عليه بفلسٍ ونحوه على ما تقدَّم. ومن ضمنه أصلُهُ أو فرعُهُ إذا لم يصدرِ الضمانُ بشرطِ براءَةِ الأصلِ، فإن صدَرَ بذلك وصححناهُ لم تردَّ شهادتُهُ ببراءَةِ الأصيلِ؛ لأنَّها لا تجرُّ إلى الشاهدِ نفعًا، ولا تدفع عنه ضررًا. ولو شهدَ أن فلانًا جَرَحَ مُوَرِّثَهُ لم يُقبل إذا كان وارثًا عند الشهادَةِ أو عندَ الموتِ، ولم يُحكم بشهادته قبل ذلك. ولو ادعى حَرَجًا، وشهد للمدعِي وارثُهُ من غيرِ الأصولِ والفروعِ، فإن شهدَ بعد الاندمالِ قُبِلَ، أو قبلَهُ لم تقبَلْ، وردُّ شهادةِ الأصولِ والفروعِ لا تتقيَّدُ بهذا كما سيأتي (١). ولو شهدَ لمُوَرِّثٍ له مريضُ مرضَ الموتِ أو جريحٍ بما ليس بأرشِ الجرحِ قبلَ الاندمالِ قبلتْ في الأصحِّ. وينبغي أن يعتبرَ في الجراحَةِ أن يكونَ مما يسري إلى النَّفسِ. وتردُّ شهادَةُ عاقلةٍ بفسقِ شُهودِ قتل يحملونَهُ لو كانوا موسرين. ولو شهدَ اثنانِ لاثنينِ بوصيةٍ من تركةٍ فشهد المشهودُ لهما للشاهدينِ بوصيةٍ من تلك التركةِ قبلَتْ الشَّهادتانِ على الصحيح، ولا تقبلُ لأصلٍ ولا فرعٍ في غيرِ أمرٍ ضمني أو غير عام ينظر فيه الأصلُ أو الفرعُ، أو يُقبلُ فيهِ قولُ الأصلِ أو الفرعِ (٢).

стр. 1706

وتُقبلُ عليهما إذا كانتِ الشَّهادةُ تشملُهما لمن ليس بأصلٍ ولا فرعٍ. وتُقبلُ على أبيهما بطلاقِ ضَرَّةِ أُفَهما، أو قَذْفِها على الأظهرِ، إذا كانتْ أمُّهما زوجةَ أبيهما. وإذا شهدَ لفرعٍ وأجنبيٍّ قُبلتْ للأجنبيِّ في الأظهرِ إذا لم يكنْ في حالٍ مشتركٍ، بحيثُ ينفردُ الأجنبيُّ بما شُهِد له به، فأمَّا في مشتركٍ لا ينفردُ الأجنبيُّ بشيءٍ منهُ، فلا تُقبلُ فيهِ الشَّهادَةُ للأجنبيِّ أيضًا. وتقبلُ لكلٍّ من الزوجينِ إذا لم يشهدْ لزوجتِهِ بأنَّ فلانًا قذفَها، ولا تُقبلُ شهادَةُ الزوجِ على زوجَتِهِ بالزِّنا على فراشِه، وكذلك لا تُقبلُ شهادتُهُ على أجنبيٍّ بأنَّه زنا بزوجتِهِ أو أَمتِه (١). وكُلُّ مَن لم تُقبلْ شهادتُهُ لمن ذُكِرَ في جميعِ الصُّورِ لا تُقبلُ شهادتُهُ لمكاتبِهِ ولا لعبدِهِ، على ما سبقَ. ولا تزكيةُ مَن يشهدُ فيما لو شهدَ به لردَّ، ولا تجريحُهُ الذي يُتَّهم فيه بجرِّ النَّفعِ أو دفعِ الضَّررِ. وتُقبلُ شهادةُ الأخِ لأخيهِ إذا لم يشهدْ له بالنسبِ على المنكِرِ من الورثةِ. وتُقبلُ شهادَةُ الصديقِ لصديقِهِ، ولا تُقبل من عدوٍّ عليه، ولا على أصلِه وفرعِه، ولا يُشترطُ ظهورُ العداوةُ، بل ما دلَّ على العداوةِ من المخاصمَةِ ونحوها كافٍ في ذلكَ على النصِّ، فكلُّ قضيةٍ ظهرتْ تدلُّ على عداوةٍ فإنها تَمْنَعُ من قبولِ شهادةِ من ظهرَ منهُ ذلكَ، وإن لم يظهرْ ما يقتضي ذلك، فلا تردُّ الشهادةُ بما لم يظهرْ (٢).

стр. 1707

وتُقبلُ شهادَةُ العدوِّ لعدوِّه (١)، وأمَّا العداوةُ الدينيةُ فلا توجبُ ردَّ الشَّهادَةِ، بل تُقبلُ شهادَةُ المسلمِ على الذميِّ، والسُنيِّ على المبتدعِ، وتقبلُ شهادَةُ المبتدعِ الذي لا يَكْفُرُ ببدعتِهِ إذا كان الابتداعُ في الفروعِ على السُّنيِّ، شرطَ أن يكونَ ممنْ لا يستحلُّ في مذهبِه أن يشهدَ لمن يذهبُ مذهبَه بتصديقِهِ على ما لم يَسْمَعْ ولم يعاينْ، وأن لا يستحلَّ أن ينالَ من بدنِ مَنْ خالفه أو مِنْ مالِه شيئًا، يجعلون الشهادَةَ بالباطلِ ذريعةً إليهِ، وبشرطِ انتفاءِ العداوةِ الدنيويةِ. أمَّا الابتداعُ في الأصولِ، فإنَّ مبتدِعَه يَكْفُرُ بذلكَ، ولا تقبلُ حينئذٍ شهادتُهُ (٢). ولا تجوزُ شهادَةُ مَن يعرفُ بكثرةِ الغلطِ والغفلةِ، فتردُّ شهادتُهُ مجملةً، وتُقبلُ مفصَّلة إذا وصفَ الزمانَ والمكانَ وتأنَّق في ذكرِ الأوصاف (٣). والمبادِرُ في الشهادَةِ متهمٌ مردودُ الشهادَةِ. نعم تُقبلُ شهادَةُ الحسبةِ في حقوقِ اللَّهِ تعالَى عندَ الحاجَةِ إليها، وفيما له حقٌّ مؤكَّدٌ، وهو الذي لا يتأثَّرُ برضا الآدميينَ كالعتقِ وجِهاتِ التَّحريمِ (٤). * * * ويثبتُ النسبُ بشهادَةِ الحسبة على الأصحِّ، إذا لم تتعذَّرِ الدعوَى، وأمكنتِ الخطوطُ، فإنْ تعذّرَتِ الدعوى وانتفتِ الخُطوطُ، فيثبتُ النسبُ بشهادَةِ الحسبةِ قطعًا.

стр. 1708

وإذا غلطَ القاضِي فحكمَ بشاهدينِ، فبانا كافرينِ، أو عبدينِ، أو صبيينِ، أو بانَ أحدُهما خُنثَى كذلك عند أداءِ الشَّهادَةِ أو عندَ الحكمِ، فالحكمُ مردودٌ، ولا يحتاجُ إلى نقضٍ؛ لأنَّه تبيَّنَ أنَّ الحكمَ يصادِفُ محلًّا (١). لكن إذا كانَ الحاكمُ بشهادَةِ الشَّاهدينِ اللَّذَيْنِ تبيَّن أنهما كافرانِ من معتقدِهِ جوازُ الحكمِ بشهادَةِ الكافرِ، إمَّا على الكافرِ وإمَّا في الشهادَةِ بالوصيَّةِ في السفرِ كما قال به جمعٌ من العلماءِ، فلا يكونُ حكمُهُ منقوضًا على مقتضى ما ذكرَهُ في "الروضةِ" تبعًا للشرحِ في صورةِ العبدين مِن أنَّ الصورةَ مفروضةٌ فيمن لا يعتقدُ الحكمَ بذلك. وإذا أعتقَ مريضٌ عبدينِ في مرضِ الموتِ، وشهدَا عندَ حاكمٍ وقد ثبتَ عندَهُ عِتْقُهما، فماتَ المريضُ، ولم يُخْرَجا من الثُّلثِ، فقد تبيَّنَ أنَّهما عبدانِ حالة الشَّهادَةِ، وتبينَ أن الحكمَ مردودٌ إذا كانَ الحاكمُ ممن يعتقدُ أنَّ شهادَةَ العبدِ لا تُقبلُ، فإن كانَ ممن يعتقدُ قبولها، فقد سبقَ ما فيه. وإن بانَ أن الشاهدينِ فاسقانِ، فالحكمُ مردودٌ على المذهب، ولو شهدَ كافرٌ مُعْلِنٌ بكفرِهِ، أو عبدٌ أو صبيٌ، ثم أعادها بعد كماله، قُبلتْ (٢). ولو شهد فاسقٌ غير مُعْلِنٍ بفسقِهِ رُدَّت شهادتُهُ، ثم تابَ وأعادها لم تُقبل، بخلافِ سائرِ الشهاداتِ. ولا يكفي لقبولِ الشهادَةِ إظهارُ التوبَةِ عنِ المعصيةِ، بل يُختبرُ مدَّةً يغلبُ على الظنِّ فيها صدقُهُ في توبتِهِ، وقدَّرها الشافعيُّ بأشهرٍ، والعبرةُ ببينةٍ تقومُ عندَ القاضِي بتوبتِهِ وصلاحِ حالِهِ بعدَ توبتِهِ، أو بعلمِ القاضِي ذلك (٣).

стр. 1709

* ويستثنَى من الاختبارِ ستةٌ لا يشترطُ فيهم ذلك: أحدهم: الشاهدُ بالزِّنا، حيثُ أوجبنا عليه الحدَّ لعدمِ تمامِ العددِ، فإنَّه إذا تابَ تُقبلُ شهادتُهُ في الحالِ، من غير اعتبارِ الاستبراء. الثاني: قاذفُ غيرِ المحصنِ إذا تابَ، لا يشترطُ في قبولِ شهادتِهِ الاختبار. الثالث: الصبيُّ -مراهقًا كان أو دونَهُ- إذا فعلَ ما يقتضي تفسيقَ البالغِ، ثم بلغَ وهو تائبٌ، فلا يشترطُ في قبولِ شهادتِهِ الاختبارُ؛ لأنَّه لم يفسقْ بعدَ التكليفِ. الرابعُ: الفاسقُ إذا كانَ يُخفِي فسقَهُ، وتابَ، وأظهَرَ الإقرارَ بهِ بعدَ توبَتِهِ، وسلَّمَ نفسَهُ للحدِّ، فهذا يعودُ بعدَ التوبةِ إلى حالِهِ قبلَ التوبةِ، ولم يتوقف لاستبراءِ صلاحِهِ؛ لأنَّه لم يظهرِ التوبةَ عمَّا كانَ مستورًا عليه إلَّا عن صلاح يُغْني عنِ استبراءِ الحالِ. صرَّحَ بذلكَ الماورديُّ، وجزم بهِ، وتبعهُ الرُّويانيُّ، وهو متجهٌ. الخامسُ: المرتدُّ إذا كانَ ممن تقبَلُ شهادتُهُ قبل الرِّدَّةِ فأسلم من ردَّتِهِ، فإنَّه تقبلُ شهادتُهُ بعد إسلامِهِ من غيرِ توقُّفٍ على الاختبارِ. ذكرَهُ الماورديُّ، ومقتضَى كلام غيره، واعتبر الماورديُّ فيه أن يكونَ أسلمَ غيرَ مُتَوَقٍّ للقتلِ، ولنا الكافرُ الأصليُّ إذا أسلمَ فإنَّه تقبلُ شهادتُهُ من غيرِ توقُّفٍ على الاختبارِ. السادسُ: العدوُّ إذا رُئيتِ العداوةُ بينَه وبين عدوِّه، وكانت العداوةُ نفسها معصيةً كبيرةً، فتابَ منها، فلا يُشترطُ في قبولِ شهادتِهِ على مَن زالتِ العداوةُ بينه وبينه الاختبار على الأصحِّ؛ لأن العداوةَ ليستْ من الأمورِ التي تميلُ النفوسُ إليها، بل هي مكروهةٌ للنفوسِ غالبًا. * * *

стр. 1710

ولو كانَ فسقُ الشاهدِ مختلفًا فيه، أو كانَ مع فسقِه أهلًا للشهادَةِ عند قومٍ يحكى عنهم قبولُ شهادَةِ الفاسقِ الذي لا يكذِبُ (١)، وشهدَ عندَ مَن يرى فسقَهُ، أو يرى أنَّه لا تقبلُ شهادَتُهُ، وإن كانَ لا يكذبُ، ولم يحكم بردِّ شهادته، وإنما توقَّفَ ليستبرئ حالَه، ثم تابَ وأعادَ تلك الشهادةَ، فإنها تُقبلُ، كما قالَ شيخُنا؛ لأنَّه لا يدفعُ عن نفسهِ بالإعادَةِ عارَ الكذِب، ولا عار الردِّ لعدمِهِ (٢). ويشترطُ في توبةِ معصيةٍ قوليةٍ القولُ (٣)، إذا كان يُبرِزُها قائلُها على صورةِ أنَّه مُحِقٌّ فيها، كالقاذِفِ، والشَاهدِ بالقذفِ، إذا لم يتمَّ الشُّهودُ، والشاهدُ بالزورِ -على ما سيأتي-، فيقولُ القاذِفُ: القذفُ باطلٌ حرامٌ، ولو قالَ: ما كنتُ مُحِقًّا في قذفِي، وقد تُبْتُ منه، ونحو ذلكَ كانَ كافيًا، وكذلكَ يكتفي بقولهِ: تُبتُ من القذفِ. وأمَّا شهادَةُ الزُّورِ، فإن ثبتَ زورُ الشاهدِ بإقرارِهِ فقد اعترَفَ بلسانِهِ بزورهِ، ويكفيه ذلك، وإن ثبتَ بغير إقرارِهِ فيكفيهِ أَنْ يقولَ: تبتُ من شهادَةِ الزورِ. ويُشترطُ في القوليَّةِ وغيرِ القوليَّةِ إقلاعٌ وندمٌ، واستغفارٌ، والخروجُ مما عليه من ظَلَامةِ آدميٍّ، فلو تلفَ المالُ الذي ظَلَمَ بأخذِهِ أو أتلفه ثُم أَعْسَرَ به فإنَّه يُنظرُ به إلى ميسرتِهِ، وصحَّتْ توبتُه.

стр. 1711

ولو بَذَلَ مَن عليه القِصاصُ نفسَه ليستوفَى منه فلم يستوفَ، فقد جزمَ الماورديُّ (١) بصحَّةِ توبته، وقال: لأنَّ عليه الانقيادَ، وليس عليه الاستيفاء. انتهى. ومن شروطِ صحَّةِ التوبةِ أن لا يصلَ الإنسانُ إلى حالة الغرغرةِ وإلى حالةِ الاضطرابِ. * * * فصل يحكمُ في هلالِ رمضانَ بشاهدٍ بالنسبةِ إلى الصيامِ فقطْ، إذا قُلنا بالقولِ القائلِ به، فإذا قُلنا بقولِ الشافعيِّ الذي رجعَ إليهِ فلا يقبل فيه إلَّا شاهدانِ، وهذا هو المعتمدُ (٢). ويشترطُ للزِّنا واللواطِ وإتيانِ الميتةِ والبهيمةِ أربعةُ رجالٍ (٣) يقولون: رأيناه أدخل ذكرَهُ في فرجِ امرأةٍ أجنبيَّةٍ، بحيثُ غابتْ حشفتُهُ في فرجها، أو غابَ قَدْرٌ ضامنٌ مقطوعَها، أو ثَنَى ذكرهُ وأدخَلَ منَ المثنى قدرَ الحشفةِ، حيث أمكنَ فعلُ ذلكَ في حالِ يقظتِهِ. ويشترطُ للزنا رجلانِ يشهدانِ بالتفصيلِ بالنسبة إلى هيئة الفعل، وفي قول أو وجهٍ أربعةٌ (٤).

стр. 1712

ويشترطُ لثبوتِ المال (١) ولو في السرقة دونَ القطع رجلان أو رجلٌ وامرأتانِ حيثُ لم تسبقْه الشهادَةُ الواحدةُ بالجنايَةِ الواحدَةِ على واحدٍ بما لا يثبتُ برجلٍ وامرأتينِ. ويشترطُ لثبوتُ العقدِ الماليِّ الذي لا يكونُ فيه إذنٌ يقتضي صحَّة التصرُّف رجلانِ أو رجلٌ وامرأتانِ، كبيعٍ وإقالةٍ وحوالةٍ، وضمانِ مالٍ لا إحضارَ بدنٍ، وحقٍّ ماليٍّ موجودٍ كخيارٍ وأجلٍ أو غيرَ موجودٍ، ولكنه يؤولُ إليه، كحقِّ التحجُّرِ وطاعةِ الزوجَةِ وقتلِ الكافِرِ الذي يترتَّبُ عليهِ استحقاقُ السَّلَبَ وأزمان الصيدِ الذي يترتَّب عليه مِلْكُ الصيد، وعجزِ المكاتبِ عن النجوم فإنَّه يترتبُ عليه الرقُّ الذي تجدد للسيدِ، والإبراءِ فإنَّه إسقاطُ مالٍ، والترجمةُ في الدعوى بمالٍ، ويشترطُ لغير ذلك من عقوبةٍ للَّه تعالى، أو لآدميٍّ. وما يطِّلعُ عليه رجالٌ غالبًا أو للناس اطلاعٌ عليه، لكنه ليس كالذي قبله كنكاحٍ وطلاقٍ ورجعةٍ وإسلامٍ وردَّةٍ وجرحٍ وتعديلٍ وموتٍ بغير قتلٍ يوجبُ المال، وإعسارٍ في غيرِ المكاتبِ كما سبق، ووكالةٍ ووديعةٍ وشهادةٍ على شهادةِ رجلانِ، وما يخفَى على الرِّجالِ غالبًا كالبكارَةِ وولادةٍ وحيضٍ، ورضاعٍ من ثدي المرأةِ، وعيوبٍ تحتَ الثيابِ من النساءِ غير جراحَةٍ تحتَ الإزارِ يثبت برجلٍ وامرأتينِ، وبأربع نسوةٍ (٢). وأمَّا العيبُ في الأمةِ تحتَ ثيابِها غير ما تحتَ الإزارِ الذي يقصدُ منه المالُ فلا يثبتُ بالنسوةِ المتمحضات، وما لا يثبتُ برجلٍ وامرأتينِ، لا يثبتُ برجلٍ

стр. 1713

ويمينٍ، وما يثبتُ بهم يثبتُ برجلٍ ويمينٍ إلَّا عيوب النساء ونحوها. ويستثنى من ذلكَ العيبُ الذي يتعلَّقُ بِه المالُ، فإنَّه يثبتُ بالشاهدِ واليمين، ويستثنَى أيضًا الترجمة في الدعوى بالمالِ، فإنها تثبت برجلٍ وامرأتينِ، ولا مدخل للشاهدِ واليمين فيها (١)، وكذلك الترجمة عن مقالةِ الشُّهودِ لا مدخلِ للشاهد واليمين فيها، ولا يثبت شيءٌ بامرأتينِ ويمينٍ، وإنما يحلف المستحق بعد شهادَةِ شاهده وتعديله، ويجب أن يَذْكُرَ في حلفِهِ صدقَ الشاهدِ فيما شهد له به، فإن ترك الحلفَ وطلبَ يمينَ خصمِه؛ فله ذلك، فإن نكلَ المدعَى عليهِ عَنِ الحلفِ فللمدَّعي أن يحلفَ يمينَ الردِّ على الأظهَرِ. ولو كانَ بيده أمة وولدها فقال رجل: "هذه مستولدتي، وهي باقيةٌ على مِلكي على حكمِ الاستيلادِ، وهذا الولدُ منِّي علقتُ به في ملكِي"، وحلفَ مع شاهده ثبتَ ملك المستولدة بالحجَّةِ الناقصَةِ، وثبت الاستيلادُ بإقرارِهِ لا نسبَ الولد وحريَّتهِ على الأظهَرِ، بل يبقَى في يدِ المدعَى عليه (٢). ولو كان بيدِهِ غلامٌ فقالَ رجلٌ: كان لي وأعتقتهُ، وحلف مع شاهدِهِ فنصَّ الشافعيُّ أنَّه ينتزعُ منهُ ويحكم بأنَّه عتقَ على المدعي بإقرارِهِ (٣). وإن ادَّعت ورثةُ ميِّتٍ مالًا لمورثِهم، وأقاموا شاهدًا حلفَ معهُ بعضهُم، فإنَّه يأخذُ نصيبَهُ ولا يشاركُ فيه، ويبطلُ حق مَن لم يحلفْ بنكولِهِ، ولم يقم شاهدًا مع الشاهدِ الأوَّلِ، فان كانَ غيرَ مَن حلفَ مع الشاهدِ صبيًّا أو مجنونًا،

стр. 1714

ثم زالَ عذرهما حَلَفَا، وأخذا بغير إعادَةِ الشهادَةِ، أو كانَ غائبًا فأرسلَ إليه القاضي من حلَّفَهُ وهو غائبٌ، أو حضرَ فحلفَ أخذ بغيرِ إعادَةِ الشهادَةِ (١). * * * ولا تجوزُ شهادةٌ على فعلٍ؛ كزِنى وغصبِ وإتلافٍ وولادَةٍ إلَّا بالإبصار، وتقبلُ من أصمَّ (٢). نعم (٣)، تقبلُ من أعمى بأَن يضعَ يدَهُ على ذَكَرٍ داخلٍ في فرجِ امرأةٍ أو دبرِها، أو دبرِ صبيٍّ فأمسكَهما ولزمهما، حتى شهدَ عند الحاكمِ بما عرفه بمقتضى وضع اليدِّ، فهذا أبلغُ من الرؤيةِ، وكذلك في بقيَّةِ الأفعالِ (٤). وأمَّا الأقوالُ كالعقدِ (٥)؛ فيشترطُ سمعُها وإبصارُ قائلِها، وأن يكونَ الشاهدانِ عارفينِ باللغةِ التي يعقد النكاحُ بها، ولا يقبلُ أعمَى إلَّا في الترجمَةِ، وما شهدَ فيه بالاستفاضَةِ، وما إذا أقر في أذنِهِ فيتعلَّق به حتى يشهدَ عندَ قاضٍ به عليه، أو يشهدُ على شهادَةِ بصيرٍ ويسترعيه، حيث تسوغ الشهادَةُ على الشهادَةِ، وما إذا تحمَّلها وهو بصيرٌ، ثم عميَ، فإنَّه يشهدُ بها؛ إن كان المشهودُ له وعليه معروفي الاسمِ والنسب (٦).

стр. 1715

ومن سمعَ قولَ شخصٍ أو رأى فعله، فإن عرفَ عينَه شهدَ عليه في حضورِهِ إشارةً، وغيبتِه وموتِه جثُ لا يمكنُ إحضارُهُ وهو ميتٌ يشهدُ باسمِه واسم أبيهِ، إن عرَّفه القاضي بذلك، فإن لم يعرِّفْه بذلك لم يشهدْ عند غيبتِهِ وموتِهِ. ولا يجوزُ تحمُّلُ الشهادَةِ على المرأةِ المنتقبة اعتمادًا على الصوتِ، كذا قالوه، ولكنَّ التحمُّلَ جائزٌ، فإن وجد ما يقتضي الإثبات عمل به، وإلَّا فلا (١). وعلى قولنا: التحملُ جائزٌ على المنتقبة، فيجوز التحمُّل عليها بتعريف عدلٍ أو عدلين، ولكن لا يجوز اعتماد ذلك في الأداء. ولو قامت بينةٌ على عينه بحقٍّ، فطلبَ المدعي التسجيلَ، سجَّل القاضي بالحلية لا الاسم والنسب، ما لم يثبتا (٢)، إما بإقرارِ مَن قامتْ عليه البينةُ أو بالبينةِ وله الشهادة بالتسامع على نسبٍ من أبٍ وقبيلةِ لا الأم على الأصحِّ المنصوص؛ بشرط أن يسمعَهُ ينسب زمانًا، ويسمعَ غيرَه ينسبُهُ إلى نسبِهِ، ولم يسمع دافعًا ولا دلالة يرتاب بها (٣). ومما تقبلُ فيه الشهادَةُ بالتسامع: ولايةُ القضاءِ، والولاياتِ العامَّةِ، وعزلُ القاضِي والخلافةُ هي الأصلُ، فالاكتفاء فيها بالاستفاء (٤) منهُ أولَى، وما أثبتَ التحريمَ المؤبَّدَ من الرضاعِ أو المصاهرةِ والجرحِ والتعديلِ والحريةِ الأصليةِ بناءً على الأصلِ، وما ظهرَ من القرائنِ. ومما يثبتُ بالسماعِ الملكُ غير حدود العقارِ بشرطِ أن لا نرى منازعًا في

стр. 1716

الملكِ، والاعتبار لا العتقِ والولاء، والنكاحِ، والوقفِ على المنصوصِ (١). وشرطُ التسامعِ أَنْ يتظاهرَ الإخبارُ بحيثُ يثبتُ في قلبِ السامِعِ معرفتُهُ. هكذا اعتبرَهُ الشافعيُّ، وذكرَ ابنُ الصباغِ عن جماعةٍ من أصحابنَا المتأخِّرينَ أنَّه يكفِيهِ أَنْ يسمعَ من عدلينِ، ويسكنَ قلبُهُ إلى خبرهِما، وقد تقدَّمَ أنَّ هذا القيدَ ذكرَهُ الشافعيُّ (٢). ولا تجوزُ الشهادَةُ على ملكٍ بمجرَّدِ يدٍ ولا بيد، وتصرُّف في مدة قصيرةٍ، وتجوزُ في المدةِ الطويلةِ على الأصحِّ (٣). وشرطُهُ تصرُّف ملاكٍ في عقارٍ من سكني أو هدمٍ أو بناءٍ وتصرفِ ملاكٍ فيه وفي غيرهِ؛ من عبيدٍ وثيابٍ ونحوهما ببيعٍ أو رهنٍ، ولا بدَّ من تكرُّرِ التصرُّفِ بحيثُ يغلبُ على الظنِّ الملكُ، فيشهدُ له به. وتُبنَى شهادةُ الإعسارِ على قرائنَ ومخايلِ الضر والإضاقة، ويشترطُ في الشهودِ -مع شرطِ الشاهدِ- الخبرةُ الباطنةُ بطولِ الجوارِ أو المخالطَةِ (٤). * * * فرع: تحمُّلُ الشهادَةِ فرضُ كفايةٍ في نكاحٍ وعقد الوكيلِ المقيد بالإشهادِ، بحيثُ لا يصحُّ ذلك العقدُ إلَّا به، وكذا إقرارٍ وتصرُّفٍ وكتابةِ صكٍّ وشهادة

стр. 1717

على شهادة على الأصحِّ (١). ومحلُّ كونِه فرضَ كفايةٍ: إذا كانَ المتحمِّلونَ كثيرينَ، فأمَّا إذا لم يوجدْ إلَّا العدد المعتبرَ في الحكمِ، فإنَّ التحمُّلَ حينئذٍ يكونُ فرضَ عينٍ، وحيث يكونُ فرضَ كفايةٍ بما تقدَّمَ، فلو طلبَ التحمُّلَ من اثنين وتم غيرهما لم يتعيَّنا. ومحلُّ كونِهِ فرضَ كفايةٍ: إذا حضرَهُ المتحمِّلُ، وكان الشاهدُ مستجمعًا لشرائطِ العدالةِ معتقدًا لصحَّته، فأمَّا إذا دعي إلى التحمُّلِ، فالأصحُّ أنَّه لا يجيبُ إلَّا إذا كانَ الداعي قاضيًا، أو معذورًا بمرضٍ، أو حبسٍ، أو كانتِ المرأةُ المطلوبُ التحمل عليها مخدَّرَةً. وإذا لم يكنْ في القضيةِ إلَّا اثنانِ لزمهما الأداءُ، فلو أدَّى واحدٌ وامتنعَ الآخرُ، وقال: أحلفُ معهُ، عصى، وإن كانَ في القضيةِ أكثرُ من اثنينِ فالأداءُ فرضُ كفايةٍ، وإذا طلبَ من اثنين لزمهما في الأصحِّ إن علِما أنَّ الباقينَ يرغبونَ أو لم تبِن رغبتُهم ولا آباؤهم (٢). وإذا لمْ يكُنْ إلَّا واحدٌ وطلبَ منهُ لزمَهُ؛ إن كانَ فيما يثبتُ بشاهدٍ ويمينٍ عند قاضٍ يراهُ، وإلَّا فلا (٣). * وأمَّا الأداءُ فلوجوبِهِ شروطٌ: أَنْ يُدْعى من موضع لا يخرجُ به عن بلدِهِ، ويعتادُ المشي إليه.

стр. 1718

وأن يكونَ عدلًا، فإن دعي ذو فسقٍ مجمعٍ عليه -قيل: أو مختلف فيه عندَ الحاكمِ الذي يرى تفسيقَهُ وكان الحاكمُ مجتهدًا- وكانَ الفسقُ ظاهرًا لا يجوزُ له أن يشهدَ، وأن لا تحصلَ مشقَّةٌ للمدعو من مرضٍ ومطرٍ ووحلٍ، وكون المرأةِ مخدَّرةً، فإن حصلت أشهد على شهادته، أو بعثَ القاضي من يسمعها (١). * * * فصل تقبلُ الشهادَةُ على الشهادَةِ ولو في عقوبةٍ لآدميٍّ على المذهبِ (٢)، لا في عقوبةٍ للَّهِ تعالى على الأظهرِ، وإنما يجوزُ التحمُّلُ إذا علم أنَّ عندَ الأصلِ شهادةً جازمةً بحقٍّ ثابتٍ، ولمعرفته أسباب: أحدها: أن يسترعيه الأصلُ، فيقولُ: أنا شهدٌ على زيدٍ بكذا، وأشهدك على شهادتي، أو يقول: اشهد على شهادتِي، أو يقول: إذا استشهدتَ على شهادتِي فقد أذنتُ لكَ في أَنْ تشهدَ على شهادَتِي. الثاني: أَنْ يسمعَهُ يشهدُ عندَ قاضٍ بأنَّ لفلانٍ على فلانٍ كذا، فيجوزُ له أن يشهدَ على شهادتِه، وإن لم يسترعِه. الثالثُ: أن يسمعه يسترعي شاهدًا للتحمُّلِ، فإنَّ له أن يشهدَ وإن لم يسترعِهِ.

стр. 1719

الرابعُ: إذا سمعَهُ يؤدِّي عند المحكِّمِ، إذا جوَّزنا حكمُه. الخامسُ: لو كانَ حاكمًا أو محكِّمًا فشهدا عندَهُ ولم يحكمْ به، جازَ له أن يشهدَ على شهادتِهما، ولا يكفي ذكرُ السببِ بأن يقولَ: أشهدُ أنَّ لفلانٍ على فلانٍ ألفا من ثمنِ مبيعٍ أو غيرِهِ، بل لا بدَّ من الاسترعاءِ على المذهبِ المنصوصِ، وليبين الفرع عند الأداءِ جهةَ التحمُّلِ، ولو وثقَ القاضِي بعلمِهِ. * * * ولا يصحُّ التحمُّلُ على شهادَةِ مردودِ الشهادَةِ، ولا تحمُّلُ النسوةِ (١)، ولا الخناثى، لكنْ لو تحمَّلَ وهو خُنثَى، ثم بانَ أنَّه رجلٌ فإنّه يجوزُ تحمُّلُهُ، ويجوزُ الأداءِ بالتحمُّلِ في حالةِ الخُنوثَةِ، كما في تحمُّلِ العبدِ والفاسقِ ونحوهما إذا حصلَ الأداءُ في حالةِ الكمالِ. فلو ماتَ الأصلُ، أو غابَ أو مرض لم تمنعْ شهادةُ الفرعِ، وإن حدثَتْ ردَّةٌ أو فسقٌ أو عداوةٌ مُنِعَتْ شهادةُ الفرعِ (٢)، فلا يحكمُ القاضِي بها، ويستثنَى من هذا ما إذا كانَ الفرعُ شاهدًا على شهادَةِ مَن قضى بعلمِه، فإنها شهادَةٌ على شهادَةٍ ملازمةٍ للقضاءِ، فإذا حدث من القاضي بعلمه ردةٌ أو فسقٌ أو عداوةٌ، فإنَّ ذلكَ لا يمنعُ من قبولِ شهادَةِ الفرعِ والعملِ بها، ولو حدثتْ عداوةٌ بسببٍ كقذفٍ مجردٍ بعد أداءِ الشهادةِ وقبل الحكمِ لم يؤثِّرْ على المنصوصِ، وجنونه، كموتِهِ على الصحيحِ (٣).

стр. 1720

وتكفي شهادةُ اثنين على الشاهدينِ، على الأظهرِ (١)، وشرطُ قبولها تعذُّر أو تعسُّر الأصيلِ بموتٍ، وكذا عمى على الصحيح، أو مرضٍ يشقُّ معه حضورُهُ أو غيبة إلى ما فوق مسافة العدوى، وقيل: قصر، وأن يسمِّيَ الفرعُ أصلَهُ، ولا يشترطُ أن يزكيهم الفروعُ، فإن زكوهم قبلوا، وإن شهدوا على شهادَةِ عدلينِ أو عدولٍ، ولم يسموهم لم يجز (٢). * * * فصل رجعوا عن الشَّهادَةِ قبلَ الحُكمِ امتنعَ الحكمُ (٣)، إن لم يبقَ بعد الراجح النصابُ المعتبرُ في ذلك المحلِّ، وإذا بقي في المالِ واحدٌ، وقال صاحبُ المالِ: حلِّفونِي مع شاهدي، فإنَّهُ يُجابُ إلى ذلكَ، ولا يمتنعُ الحكمُ حينئذٍ. وإن رجعوا قبلَ الحكمِ وبعدَ الاستيفاءِ فإن كانَ في عقدٍ أو مالٍ استُوفي على المذهبِ، وقيل: لا يستوفي، أو عقوبةٍ فلا تستوفَى، وإن رجعوا بعدَ الاستيفاءِ فإنْ كان المتسوفى قصاصًا أو قتلَ ردَّةٍ أو رجم زنًا أو جلدًا ومات عن الجلد الخارجِ عنِ الحدِّ إلى أن صارَ يقتل غالبًا، أو قطعَ سرقةٍ، وقالوا: "تعمَّدنا وعلمنا أنَّه يقتلُ أو يقطعُ بشهادتنا"، فعليهمُ القصاصُ حيث اقتضَى الحالُ إيجابُ القصاصِ وديةٌ مغلَّظة، حيث اقتضى الحالُ إيجابُ الدِّيةِ (٤).
следующие страницы →