بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
باب إلحاق القائف
هو لغةً: متتبعُ الآثارِ والاشتباهِ، والجمعُ قافة.
والأصلُ فيه: حديثُ عائشةَ الثابتُ في "الصحيحين" (١) قالتْ: دخل عليَّ رسولُ اللَّهِ ﷺ وهو مسرورٌ فقال: "أيْ عائشةُ، ألم تري أنَّ مجزِّزًا المدلجِي دخلَ فرأَى أسامةَ وزيدًا عليهما قطيفةٌ قد غطَّيا رؤوسهما، وقد بدتْ أقدامُهما فقال: إن هذهِ الأقدامَ بعضُها من بعضٍ".
стр. 1752
قال الشافعيُّ (١): فلو لم تكنِ القافةُ عِلمًا ولها اعتبارٌ، وعليها اعتمادٌ لمنعهُ النبيُّ ﷺ ؛ لأنَّه لا يقرُّ على خطأٍ، ولا يُسَرُّ إلَّا بالحقِّ.
شرطُ القائفِ (٢):
مسلمٌ، عدلٌ، بصيرٌ، ناطقٌ، سميعٌ، غيرُ أصلٍ لطالبِ الإلحاقِ، ولا فرعٍ له، وغيرُ عدوٍّ لمن ينفيهِ عنهُ إذا كانَ طالبًا للإلحاقِ.
وأنْ يكونَ فقيهًا فيما يتعلَّقُ بالنسبِ الذي يلحقُ به، أمينًا، مجربًا بالكيفيَّةِ التي نصَّ عليها الشافعيُّ، حيث قال:
ولا يقبلُ قولُ القائفِ حتَّى يكونَ أمينًا، فإذا أحضرنا القائفَ والمتداعيينِ للولدِ وذوي أرحامِهم، إن كان المدَّعون له موتَى، أو كانَ بعضُ المدعين له ميتًا فأحضرنا ذوي رحمِهِ، أحضرنا احتياطًا أقربُ الناسِ نسبًا وشبهًا في الخلقِ والسنِّ والبلدِ بالمدعينَ له، ثم فرقنا بين المتداعيينِ منهم، ثم أمرنا القائفَ يلحقَهُ بأبيهِ، أو أقربِ الناسِ بأبيهِ، إن لم يكُنْ لهُ أبٌ، وإن كانتْ معهُ أمٌّ أحضرنا لها نساءً في القُربِ منها كما وصفتْ، ثم بدأنا فأمرنا القائفَ أَنْ يلحقَهُ بأمِّه، لأنَّ (٣) القائفَ في الأمِّ معنى، ولكن يستدلُّ به على صوابِهِ في الأبِ إن أصابَ فيها، ويستدلُّ على غيرِه إن (٤) أخطأ فيها. انتهى.
стр. 1753
والمذهبُ اشتراطُ حرٍّ ذكرٍ، لا عددٌ، ولا كونُه مُدْلجيًّا (١)، بل يجوزُ من سائرِ العربِ، فإنْ تداعَى اثنانِ، كلٌّ منهما أهلٌ للاستلحاقِ إنِ انفردَ مجهولًا لا يعرفُ نسبُهُ، ويصحُّ أن يستلحقَهُ مَن يدعي أنَّه ولدُهُ على ما سبقَ من الشرائطِ في اللقيطِ عرض ذلك المجهولُ على القائفِ إذا كانَ غيرَ مكلَّفٍ.
وإنِ اشتركَ اثنانِ في وطءٍ بشبهةٍ، أو دخلَ ماؤهما في امرأةٍ بشبهةٍ، أو استدخلتْ ماءهما (٢) بشبهةٍ، فولدتْ ممكنًا منهما، ونازعاهُ عُرضَ على القائفِ.
ولو كانَ مكلَّفًا، وكذا إنِ ادَّعاهُ أحدُهما والآخرُ ساكتٌ أو منكرٌ ولا بدَّ من حكمِ الحاكِمِ في صحَّةِ إلحاقِهِ بالقافَةِ بخلافِ المجهولِ المتقدِّم وسواء كانتْ زوجةُ أحدِهما فوطئها وطلَّق، فوطئها آخرُ بشبهةٍ أو نكاحٍ فاسدٍ، أو أمتهُ وباعها فوطئها المشتري ولم يستبرئ واحدٌ منهما.
وكذا لو وطئ منكوحَةً -على المذهبِ- بأن يكونَ الزوجُ قال لزوجتِهِ: "وطئكِ فلانٌ بشبهةٍ وهذا الولدُ منه"، ويعترفُ المنسوبُ إليه وطءُ الشبهةِ بذلكَ، ويدعي الولدَ فيعرض الولدُ حينئذٍ على القائفِ.
وقيل: يلحقُ الزوجُ النسبَ ويلاعن، ولا يرى القافة، فإذا ولدته لأقلَّ مدَّةِ الإمكانِ لكلِّ واحدٍ، ولم يزد على أكثرِ مدَّته، عرض فإن تخلَّلَ بين وطئهما
стр. 1754
حيضةٌ، فللثاني إلَّا أن يكونَ الأولُ زوجًا في نكاحٍ صحيحٍ، وإلَّا أن يكونَ قد حصلَ بعد طلاقِهِ حيضةٌ أو حيضتانِ، فإنَّه لا يكونُ للثانِي بل يعرضُ على القائفِ، وسواء فيهما اتفقَا إسلامًا وحرِّيةً أم لا.
* * *
стр. 1755
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتابُ العتق
هو لغةً: رفعُ رقٍّ أو أسرٍ أو عقابٍ، وقد يستعملُ للكرمِ والجمالِ وصلاحِ المالِ والسبقِ، يقال: عَتَقَتْ فرسُ فلان، إذا سبقتْ. ويقالُ: عتق يعتقُ بكسرِ التاءِ، وأعتقه مالكُه.
وشرعًا: زوالُ الرِّقِ الحقيقيِّ عن ملكِ الآدميينِ بغيرِ الوقفِ. قال اللَّهُ تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾، وقال في الكفَّارَةِ ﴿فَتَحرِيرُ رَقَبَةٍ﴾.
وصحَّ العتقُ عن النبيِّ ﷺ من فعلِهِ وقولِهِ في أحاديثَ كثيرةٍ، منها في "الصحيحين" عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ : "مَن أعتقَ رقبةً مؤمنةً أعتقَ اللَّهُ بكلِّ عضوٍ منها عضوًا منهُ من النارِ حتَّى فرجَهُ بفرجِهِ" (١).
стр. 1756
والإجماعُ على مشروعيتِه، وأنَّهُ قربةٌ (١).
يعتبَرُ في المعتقِ أمورٌ:
أحدُها: أن يكونَ مالكًا، أو وكَّلَهُ المالكُ في ذلك، إلَّا في محلينِ:
أحدهما: الإمامُ فيما يُعتقه من رقيقِ بيتِ المالِ للمصلحةِ، فإنَّه يصحُّ.
الثاني: الوليُّ يعتقُ عبدَ محجورِهِ المجنون، أو الصبيَّ الذي لا يميزُ عنْ كفَّارَةِ القتلِ، وكذا الظهارِ ووقاعِ رمضانَ.
من بالغٍ جُنَّ بعد أَنْ لزمتْهُ كفَّارَةُ الظِّهارِ، وما وقعَ في الرّافعِي و"الروضة" (٢) في الصداقِ مما يخالفُ ذلكَ في الصَّبيِّ ليسَ بمعتمدٍ.
ولا يعتقُ عبدُ السَّفيهِ أصلًا، ولا في الكفَّارَةِ على ما صحح، وحكي عنِ النصِّ في اليمينِ والظِّهارِ تنزيلًا له منزلةَ المعسرِ بالنسبةِ إلى عبارتِهِ، فيكفِّر السفيهُ الصوم، وقياسُه أن يأتيَ هذا في الصبيِّ المميز، ولم يذكروه.
يستثنى من ذلكَ موضعانِ:
أحدُهما: ما لزمَ الرشيدَ من العتقِ بكفَّارَةٍ أو نذرٍ، ثمَّ حجرَ عليه بالسَّفَهِ، فإنَّه يعتقُ عنهُ وليهُ ما لزمَهُ.
الثانِي: لو ماتَ مَن عليه عتقٌ وانتقلتْ تركتُهُ لصبي مميزٍ، أو سفيهٍ، والوليُّ على الوارثِ هو وصيُّ الميتِ، فإن كان وصيُّ الميتِ غيرَ وصيِّ الوارثِ فوصى الميتُ يعتقُ من التركَةِ أقل ما يجزئ، وفي اعتبار موافقة ولي الوارثِ ترددٌ، وإذا لم نعتبره، وهو الأرجحُ خرجَ من ذلك أنَّه يعتقُ عبدَ المحجورِ عليه غيرُ وليه، وهو غريبٌ.
стр. 1757
الأمرُ الثاني: أن يكونَ المالكُ أهلًا للولاءِ، فلا يصحُّ إعتاقُ المبعَّضِ عبده الذي ملكَه ببعضه الحر، ولا المكاتب رقيقَهُ، ولو أذن سيدُه على المذهبِ فيهما.
الأمرُ الثالثُ: أن يكونَ المالكُ مطلقَ التصرُّفِ فيما يعتقُهُ، فلا يصحُّ إعتاقُ صبيٍّ، ولا مجنونٍ، ولا سفيهٍ، إلَّا إذا أذنَ وليُّ السفيهِ لهُ في عتقِ ما لزمه، فيصحُّ على الأرجحِ. قاله شيخُنا تخريجًا، بخلافِ البيعِ.
* * *
ولو قالَ السفيهُ لرشيدٍ: أعتق عبدَكَ عنِّي مجانًا (١)، أو عن كفَّارتِي مجانًا، فأعتقَهُ عنهُ، ولا ضررَ يلحقُ مالَ السفيهِ نفذ بناءً على صحَّةِ قبولِهِ الهبةَ. وهو الأصحُّ. ولو قالَ وليُّه ذلك صحَّ، وكذا ولي غير السَّفيهِ.
وإعتاقُ المفلسِ باطلٌ، وكذا إعتاقُ المعسرِ المرهونِ المقبوضِ بغيرِ المرتهنِ، ولا يصحُّ إعتاقُ المعسرِ مَن تعلَّقَتِ الجنايةُ برقبتِهِ بغير إذنِ المجني عليه، ولا إعتاقُه رقيقَ المأذونِ المديونِ بغيرِ إذنِهِ وإذنِ الغرماءِ، وإعتاقُ المرتدِّ موقوفٌ كملكِه، وكذا إعتاقُ المشتري في زمنِ الخيارِ لهما، فإن كانَ الخيارُ له وحدَهُ نفذ.
وينفذُ إعتاقُ البائعِ في الخيارِ مطلقًا، ومما يوقفُ عتقُ من توقف في ملكه، فبان ملكُهُ ولو في الغنيمة، فإذا اختارَ التملكَ، ثم أعتق ثم وقع في سهمه نفذ؛ وفاقًا للبغويِّ وغيره، خلافًا للماورديِّ في عدم نفاذه.
وكلُّ رقيقٍ يمكن أن يعتق إلَّا واحدًا، وهو الموقوفُ، فإنَّه لا يمكن عتقه أبدًا، ولا يتعلَّقُ، وتدبيرُ سابقينِ على الوقفِ على الأصحِّ المعتمدِ خلافًا لما
стр. 1758
وقع في "الشرحِ" و"الروضة" تبعًا للبغوي.
فإنْ بِيعَ الرقيقُ الموقوف بطريقٍ معتبرٍ، أمكنَ عتقُهُ.
وللعتقِ الاختياري صرائحُ وكناياتٌ (١)، ولا يتغيَّرُ الحكمُ بلحنٍ في تذكيرٍ وتأنيثٍ وغيرهما، فالصرائحُ ثلاثةٌ:
أحدُها: ما تصرَّف من التحرير نحو: حررتكُ، وأنت حرٌّ، أو: محرَّرٌ، أو: يا حرُّ، لا للمسمى به الآن أو قبلَ الرِّقِّ إذا قصد نداءه باسمهِ القديمِ على الأصحِّ (٢).
ومثله للأنثى إلَّا في قوله لمزاحمة لا يعرفها: تأخري يا حرَّة.
الثاني. ما تصرَّفَ من الإعتاقِ، نحو: أعتقتُكَ، أو: أنت عتيقٌ، أو: معتق، أو: يا عتيقٌ، لا للمسمّى به كما سبقَ.
الثالثُ: على الأصحِّ: فككتُ رقبتكَ، أو: أنتَ مفكوكُ الرقبةِ.
وأمَّا الكناياتُ: فلا سلطانَ، أو: لا سبيل، أو: لا يد، أو: لا أمر، أو: لا خدمةَ لي عليك. وأزلتُ ملكي عنك، وأنت للَّهِ، وأنتِ سائبةٌ، وملكتك نفسك، لا على قصدِ التمليكِ، وأنت مولاي، ويا مولاي، وأما قوله: يا سيدي، فلغوٌ وفاقًا للقاضي الحسين والغزالي، خلافًا للإمام؛ لأنَّه إخبارٌ بغيرِ الواقعِ، أو خطابٌ بلطفٍ، ولا إشعارَ له بالعتقِ.
وصرائحُ الطلاقِ وكناياتُهُ كنايةٌ في العتقِ للعبدِ والأمةِ (٣)، وكذا: "حرمتُكِ"، وتختصُّ الأمةُ بـ: "استبرئي رحمك"، أو: "اعتدِّي"، إن كانَ
стр. 1759
عتقُها يوجبُ الاستبراءَ، خلافًا لما صحَّحوهُ من أنَّه كنايةٌ في غيرِ الموطوءَةِ.
ويستثنَى من كناياتِ الطلاقِ: "أنَا منك طالقٌ" أو: "بائنٌ" ونحوهُما، فإنَّه لا يكونُ كنايةً لعبدٍ ولا أمةٍ، كما لو قال: "أنا منك حرٌّ"، أو: "أعتقتُ نفسي منك"، فإنَّه لا يكونُ كنايةً في الأصحِّ.
وأمَّا قولُهُ للأمَةِ: أنت عليِّ كظهرِ أُمِّي، فليس بكنايةٍ -على المعتمدِ- خلافًا لما صحَّحهُ في "الشرحِ" و"الروضة"، لأنَّه لا يقتضي تحريمًا بمجردِهِ في الزوجَةِ، حتى يعودَ فيقتضِي التحريمَ إلى إخراجِ الكفَّارَةِ، وهو لغوٌ في الأمَةِ، فلا يكونُ كنايةً لعبد إشعارُهُ بالعتقِ.
* * *
ويصحُّ تعليقُ العتقِ بالصفاتِ (١) ممن يصحُّ منهُ التنجيزُ إلَّا من وكَّلَ بالتنجيزِ، ومن دخلَ في إعتاقِ عبدِ المحجورِ فيما سبقَ فإنَّه لا يعلقه تعليقًا بعيدًا قد يفوت به المقصودُ، وأما القريبُ فينبغي أن لا يفعلَهُ الموجِّهُ المرجوحُ المانعُ من حصول الكفَّارَةِ بذلك، فإنْ فعلَهُ، ففي صحتِهِ على الراجِحِ ترددٌ، والأرجحُ الصحَّةُ. قال شيخُنا: قلتُ ذلك كلَّه تخريجًا.
وإذا زالَ الملكُ عنِ المعلَّقِ عتقُهُ ثم عادَ لم تعدِ الصفةُ على الأصحِّ.
وللعتقِ خاصيتانِ (٢):
(١) إحداهُما: السِّرايةُ إلى الأشقاصِ التي لا يملكها المعتقِ بشروطها، ولا سراية في الأشخاصِ، فلو أعتقَ الحملَ بعد نفخ الرُّوح فيه لم تعتقِ الأمُّ،
стр. 1760
خلافًا لأبي إسحاق، ولو أعتق الأمَّ والحمل ملكه عتقًا، ولو استثنى الحمل عتق أيضًا (١).
(٢) الخاصيةُ الثانية: الولاءُ .
وأما حصولُ العتقِ بملكِ شيءٍ من الأصولِ أوِ الفروعِ بشرطِهِ، فذاكَ من خاصيته الأصليةِ والفرعيةِ.
وأمَّا القرعةُ فإنها لا تختصُّ بالعتقِ، وكذلكَ امتناعُ العتقِ بالمرضِ (٢).
* * *
ومن ينفذُ إعتاقُه في كل العبدِ إذا أعتق بعضه عتق كلُّهُ، إلَّا في أربعِ صورٍ:
(١) إحداها: ما يعتقه الإمامُ من بعضِ رقيقِ بيتِ المالِ، فإنَّه يقتصرُ عليه قالَهُ شيخُنا تخريجًا.
(٢) الثانيةُ: إذا أعتقَ الوكيلُ حصَّةً من العبدِ الموكلِ في إعتاقِهِ كلِّهِ، فإنه يقتصرُ العتقُ على ما أعتقَهُ على ما صححوهُ، والصوابُ كما قالَ شيخُنا أنَّه يعتقُ كلُّه، وفيه وجهٌ أنَّه لا يعتقُ منه شيءٌ للمخالفةِ، وهو أقوَى مما صحَّحوهُ، وينبغي أَنْ يكونَ ما صحَّحوهُ مقيدًا بغيرِ المأمورِ بإعتاقِهِ عن كفَّارَتِهِ، فإنَّه يمتنعُ ما صحَّحوهُ فيه.
(٣) الثالثةُ: إذا قالَ لوارثِهِ: أعتقْ نصفَ هذا العبدِ بعدَ موتي، فإنَّ الوارثَ يملكُ إعتاق كلِّه، فلو أعتقَ ما أوصي به. لم يعتِق نصيبه، ولو أعتقَ نصيبَهُ لم يسر إلى ما أوصَى بإعتاقِه.
(٤) الرابعةُ: وكيل من شريكين بعشرين بإعتاقِ عبدٍ يصحُّ أن يعتقَ نصيبَ
стр. 1761
أحدِهما، ولا يعتقَ كلَّهُ.
ويتصور عتقُ بعض عبدهِ الخالصِ له في ستِّ صورٍ: مرهونٌ بعضُهُ مقبوض، والراهنُ معسِرٌ، فأعتقَ الذي ليس بمرهونٍ، أو أعتقَ من المرهونِ بعضًا هو موسرٌ بقيمته دون غيرِه، أو أعتقَهُ كلَّهُ، وهو موسرٌ بقيمةِ بعضِهِ، وكذلكَ في العبدِ الذي تعلَّقتِ الجنايةُ برقبتِه، ولو كانَ بين شريكينِ، ففدَى أحدُهما نصيبُهُ، ثم اشتراهُ منهُ الذي لم يفدِ فأعتقَ ما فداه، وهو معسرٌ بقيمةِ الباقِي، فإنَّه يعتق الذي اشتراه، وقد يكونُ موسرًا ببعضِ ما رهنهُ، أو لم يفده، فيعتقُ ذلك القدر، والتبعيضُ حاصلٌ (١).
وإن أذنَ المرتهنُ أو المجني عليه للمالكِ المعسرِ في إعتاقِ بعضٍ، فأعتقهُ لم يتعدَّ إلى غيرِهِ، على الأرجحِ.
والمريضُ مرضَ الموتِ إذا أعتقَ من عبدهِ ما يشمله الثُّلث، ثم ماتَ لم يعتقْ إلَّا ذلكَ القدرُ، ومن ينفُذُ عتقهُ في كلِّه أو بعضِهِ إذا أعتقَ منه يدًا ونحوها مما يقعُ به الطلاقُ فإنَّه يعتقُ من الرقيقِ ما ينفَذُ منه بالنسبةِ إلى الكلِّ أو الجزْءِ.
وأمَّا السرايةُ، فإنها تثبتُ في المشتركِ إذا عَتَقَ المستحقُّ نصيبَهُ أو بعضَ نصيبِهِ منفردًا، أو معَ إعتاقِ نصيب شريكِهِ، أو بعضه بنفسه أو بوكيلِهِ، فإنَّه يسري إلى نصيبِ الشَّريكِ، وقياس ما سبقَ في الوكيل: أنَّه لو وكَّل وكيلًا بإعتاقِ نصيبه، فأعتقَ الوكيلُ بعضَ نصيبِهِ؛ أنَّه يعتقُ ما أعتقه الوكيلُ، ويسرِي إلى نصيبِ الشَّريكِ، ولا يعتقُ بقيةَ نصيبِ الموكل، وهو كما قالَ شيخُنا خرقٌ عظيمٌ، وبه يتبينُ بطلانُ ما صحَّحوه.
стр. 1762
* وللسرايةِ شروطٌ (١):
(١) أحدُها: يسارُ الشريكِ المعتق بقيمة نصيب من لم تعتق لتدفع ذلك الشريكة إلَّا في أربعِ صورٍ:
- إحداها: إذا كانَ الشريكُ الذي أعتقَ هو بائعُ نصيبِ شريكِهِ، ولم يحصُلْ فيه القبضُ المعتبرُ، فإنَّه يسرِي إليهِ، وينفسخُ البيعُ على المذهبِ، ويسقطُ الثمنُ إن كانَ في ذمَّةِ المشتري أو يرده إليه إن كانَ مقبوضًا أو بدله عند تعذُّرِه، ولا يغرمُ له القيمة، وفي اعتبارِ اليسارِ بالقيمة أو بالثمنِ ترددٌ من جهةِ النظرِ إلى الأصلِ، أو المردود، والأرجحُ الثانِي.
ويقاسُ بهذا كلُّ عقدِ معاوضَةٍ جَرَى فيهِ نظيرُ هذا.
- الصورةُ الثانيةُ: أعتقَ البائعُ نصيبَهُ بعدَ أن قبضَ المشتري المبيعَ، وكانَ الخيارُ لهما، فالحكمُ فيه كالحكمِ فيما قبل القبضِ.
- الصُّورَةِ الثالثةُ: إذا وهبَ من فرعِه بعض عبدٍ وقبضَهُ ثم أعتقَ الأصلُ نصيبَهُ، فإنَّهُ يسري إلى نصيبِ الفرعِ، بشرطِ اليسارِ، ثم يكونُ راجعًا ولا يغرمُ له شيئًا على الأرجحِ. قالَهُ شيخُنا تخريجًا؛ مما لو أعتق الأصلُ ما وهبَهُ لفرعِهِ، فإنَّه راجعٌ مع صحة العتقِ على وجهٍ، أو راجعٌ ولا عتقَ، أو لا عتقَ ولا رجوعَ، وصحَّحَ هذا.
ولا يأتي فيما نحنُ فيهِ لصحَّةِ السرايةِ قطعًا، فتعيَّنَ أَنْ يكونَ راجعًا وليسَ كالإتلافِ الحسيِّ، لعدمِ دخُولِهِ في ملكِ المتلفِ، بخلافِ السرايةِ.
ولو وجَّه الواهبُ عتقه للجميعِ عُتِقَ نصيبُ نفسِهِ، ثم إنْ قُلنا يصحُّ
стр. 1763
رجوعُهُ ويعتقُ، لم يشترطْ يسارٌ، وإن قلنا: يصحُّ رجوعُهُ ولا يعتقُ عتقَ هُنا، وفيه وقفةٌ. وإن قُلنا: لا يصحُّ فكالتي قبلها.
- الصُّورةُ الرابعةُ: أعتقَ بائعُ المفلسِ نصيبَهُ، فإنّه يسرِي إلى الباقي الذي يرجعُ فيه بشرطِ يسارِهِ، ولا يغرمُ، قالَهُ شيخُنا تخريجًا، ومادَّتُهُ ما تقدَّمَ، وفيه ما تقدَّمَ فيما إذا أعتقَ الجميعَ، ولو أيسرَ الشريكُ ببعضِ قيمةِ نصيبِ شريكِهِ سرى بقدرِ يسارِهِ على النصِّ المعتمدِ في "الأمِّ"، ومحلُّ الخلافَ ما لم يكن معه شريكٌ آخر أعتقَ نصيبَهُ وهو موسِر بما بقي زائدًا على مقتضى التوزيعِ.
فإنْ كانَ سرى عليهما بقدرِ يسارِهما إلى الكلِّ قطعًا؛ قالَهُ شيخُنا تخريجًا.
ومعنى اليسارِ: أن يملكَ ما يصرفهُ في ذلكَ غير متعلِّق به رهنٌ بمؤجَّلٍ، فإن كان بحال أو مالكٍ لجانٍ تعلَّقَ الأرشُ برقبتِهِ، ويفضل فيهما فضلةً بيعًا، وصرفتِ الفضلةُ في السرايةِ. قالهُ شيخُنا تخريجًا.
ولا يمنعُ من يسارِهِ دينٌ عليه، كما لا يمنعُ الزكاةَ، وإذا ملكَ المفلسُ شقصًا من قريبه بالاختيارِ عُتِق عليه، ويسري إلى الكُلِّ، ويصرف له ما تقتضيه المضاربةُ. قاله شيخنا تخريجًا من جزمِهِم بيسارِهِ في نفقةِ القريبِ، وكذا في نفقةِ الزَّوجَةِ على الأقيسِ.
ويباع في المغرومِ في السِّرايةِ ما يُباعُ في الدين من مسكنٍ، وخادمٍ، وما فضلُ عن ثيابِ لبسه المحتاج إليها، وقوته وقوت من تلزمه نفقتُهُ ذلك اليومِ، وعن سُكنى نومِه ولا تصرف فيها الأجرةُ المستقبلةُ من موقوفِه ومستولدتِهِ، لعدَمِ اليسارِ بها حالَ العتقِ.
ويعتبرُ اليسارُ حالةَ الإعتاقِ، ولا أثرَ لما يطرأُ من اليسارِ بعد ذلكَ قطعًا.
стр. 1764
* وإن كانَ في وقت السِّرايَةِ ثلاثة أقوالٍ:
الأظهرُ: أنها تثبتُ بنفس الإعتاقِ.
والثاني: بأداءِ القيمةِ.
والثالث: موقوفٌ، فإن أدَّى تبيَّنَّا حصولَ العتقِ باللفظِ، وإن ماتَ تبيَّنَّا أنَّه لا سرايةَ؛ لأنَّ اليسارَ شرطُ التقويمِ، والشرطُ يسبقُ على مشروطِهِ الفعليِّ بلا خلافٍ، بخلافِ الشرطِ للمعنويِّ.
والتقويمُ يترتَّبُ عليه الإعطاءُ والسِّرايةُ، فتردد النظرُ في وقتها وتعتبر قيمة محلِّ السرايةِ وقت الإعتاقِ على الأقوال والتحقيقِ عندَ العتقِ الذي به التلفُ، وعلى هذا يرجح على قولِ الأداءِ تعتبر قيمتُه وقت الأداء.
والمريضُ معسرٌ إلَّا في الثلثِ، والذي قالَهُ شيخُنا أنَّ المريضَ موسرٌ بمالِهِ كلِّه للسرايةِ والتقويمِ، فإنْ صحَّ لزمَ ما جرَى وإن ماتَ نُظِرَ في الثلثِ عند الموتِ.
ومنهُ الزيادةُ الحادثَةُ، فإن خرجَ مالُ السِّراية من الثلثِ نفذ، وإلَّا تبيَّن ردُّ الزائدِ وفَارَقَ المفلس لتعلُّق حقِّ الورثةِ بالأعيانِ خاصَّةً في الثُّلثينِ، ولم يذكروا هنا الإجارَةَ؛ لأنَّ السرايةَ قهريةٌ، والميتُ معسِر، فلا سرايةَ عليه، إلَّا في أربعِ صورٍ:
- إحداها: إذا أوصَى بالتكميلِ، فإنَّه يصيرُ موسرًا في الثلثِ على المعتمدِ.
- الثانيةُ: إذا أوصى الإنسانُ بشقصٍ ممن يعتقُ عليه فماتَ الموصى له بعدَ موتِ الموصِي، وقبلَ القبولِ، فقيل: الوصيةُ لوارِثِهِ (١)، فإنَّه يعتقُ ويسري
стр. 1765
من الثلثِ، كذا جزموا بِهِ هنا، والتحقيقُ أنَّه إن كانَ الموصَى له حالة موت الموصي صحيحًا، فإنَّه يسري من رأسِ المالِ، وإن كانَ مريضًا مرضَ الموتِ فمن الموتِ؛ لأنَّه تبيَّنَ بقبولِ وارثِهِ أنَّه ملكَهُ بموتِ الموصي على أصحِّ الأقوالِ.
- الثالثةُ: أوصَى لشخصٍ بأن يعتقَ عليهِ، فماتَ بعدَ موتِ الموصِي وقبل القبولِ، عن ابنينِ، فقبلَ أحدُهما الوصيةَ، فإنَّه يصحُّ قبولُهُ في النصفِ، ويعتقُ النصفُ على الميتِ، ويسري في نصيبِ القائلِ، ولا اعتبارَ بيسارِهِ من نفسه، كذا ذكرَهُ ابنُ الحدادِ، وهو المعتمدُ عندهم.
والتحقيقُ أنَّه إن كانَ الموصَى له صحيحًا عندَ موتِ الموصِي فالأمرُ كما قالوه، وإن كان مريضًا مرضَ الموتِ فإنَّما يسرِي في ثلثِ نصيبِ مَن قبلَ، كما تقدَّم في التي قبلها.
- الصورةُ الرابعةُ: إذا كاتَبَ الشريكانِ أمةً، ثم أتتْ من أحدِهما بولدٍ، واختارتِ المضيَّ على الكتابَةِ، ثم ماتَ المستولِدُ، وهي مكاتبةٌ، عتق نصيبُ المستولدِ وسرى العتقُ، وأخذ الشريكُ من تركة الميتِ القيمةَ المستحقَّةَ له. نصَّ عليه في "الأمِّ"، وهو المذهبُ المعتمدُ، ولا يعتبرُ يسارُهُ عندَ الاستيلادِ، ويعتبرُ يسارُهُ عندَ الموتِ. قالهُ شيخُنا تخريجًا، وهو غريبٌ.
* * *
(٢) ثاني الشرط السراية: أَنْ يكونَ محلُّها قابلًا للنقلِ في الجملَةِ، فلا يسرِى إلى ما ثبتَ فيه الاستيلادُ على الأصحِّ، ولا إلى الموقوفِ، نقلَ عن النصِّ، ولا إلى المنذورِ إعتاقُهُ ونحوهِ مما لزمَ عتقُهُ بموتِ الموصِي، أو المعلَّق على صفةٍ بعد الموتِ.
стр. 1766
وأمَّا إذا كاتَبَا عبدًا وأعتقَ أحدُهما نصيبَهُ، فإنه يسري في الحالِ إلى نصيبِ شريكِهِ. نصَّ عليه في "الأمِّ" و"مختصر المزني"، وهو المذهبُ المعتمدُ خلافًا لما صحَّح في الشرح و"الروضة" من تأخُّرِ السّرايةِ إلى ارتفاعِ الكتابةِ بالعجزِ، فلم ينصّ الشافعيُّ على ذلك، وما وقع عفى صورة التقدم بقبض النصيبِ وإعتاقَ أحد الوارثينَ وإيلاد أحد المكاتبينَ لا شاهدَ فيه، وما ذكر من وجهٍ على السرايةِ في الحالِ أنَّه يسري العتقُ مع بقاءِ الكتابةِ بعيدٌ، وإن أريد بقاءُ حكمِها بحيثُ يكونُ، ولا محلَّ السرايةِ للشريكِ الذي لم يعتقْ كما صرَّح به، فهو كما قال شيخُنا: خرق عظيمٌ لقواعدِ (١) الشَّريعةِ من جهةِ أن يغرمَ قيمته شرعًا قهرًا، والفائدةُ لغيرِهِ، لا يجري على القواعدِ الشرعيَّةِ، وعلى ما صُحِّحَ من تأخُّرِ السرايةِ إلى العجزِ يعتبرُ اليسارُ عندَ الإعتاقِ لا عندَ العجزِ، بخلافِ ما سبقَ في المستولَدَةِ لنجازِ العتقِ هنا في نصيبِ المعتقِ.
ولو باعَ من لم يعتقْ نصيبَهُ برضَا المكاتبِ وقعتِ السرايَةُ. وهل الغرم للبائعِ أو للمشتري؟ ترددٌ، والأرجحُ الأوَّلُ، إن جعلنا ارتفاعَ الكتابَةِ بالرضا، ويسري في المدبَّر على المذهبِ، لإمكانِ نقلِهِ، وعلى مقابله إذا ارتفعَ التدبيرُ سرى كما في الكتابَةِ، خلافًا لما نقل عنِ الأكثرِ.
وتسري إلى المشروطِ عتقُهُ؛ لأنَّه قابلٌ للنقلِ بارتفاعِ العقدِ المشروطِ بردٍّ بعيبٍ ونحوهِ.
ويسري إلى المرهونِ على الأصحِّ، ولا يسرِي إلى المعلَّقِ عتقُهُ بالصفةِ، وينبغِي أن يتخرَّجَ فيه خلاف التدبيرِ، ولم يذكروهُ.
* * *
стр. 1767
(٣) ثالثُ شروطِ السرايَةِ: أَنْ يكونَ محلَّ الإعتاقِ مما يثبتُ عليهِ الولاءُ للمالكِ المعتقِ، نصَّ عليهِ في "الأمِّ"، ولم يذكروهُ، فإذا ماتَ سيِّد المكاتب عن ابنين، فأعتقَ أحدُهما نصيبه، أو أبرأه من نصيبه من النجومِ، فإنَّه يُعتقُ نصيبُهُ على النصِّ المشهورِ، ولا يسري في الحالِ ولا بعدَ العجزِ على النصِّ المعتمدِ لفواتِ الشرطِ، إذِ الولاءُ إنما يثبُتُ للميتِ خلافًا لما صحَّحهُ الشيخُ أبو حامدٍ، ومن تبعَهُ من السرايةِ، ومقابل المشهورِ، أنَّه لا يُعتقُ منه شيءٌ في الحالِ، بل يوقف العتقُ، وهو قويٌّ؛ لأنَّ المورث لا يمكنه تبعيضه، فكيف بتبعِيضِ مَن بعضُ ورثتِهِ، واختارَهُ المزنيُّ في صورةِ الإبراءِ، وصحَّحهُ البغويُّ و"المحرر" في الإعتاقِ.
فإنْ أدَّى نصيبَ الآخرِ عُتقَ كلُّهُ الآن، وولاؤه للأبِ، فإن عجزَ قوِّم على المعتقِ إن كانَ موسرًا وقتَ العجزِ -كما هو ظاهرُ نصِّ المختصرِ-، وهو معنَى قولِ البغويِّ: عتق الآنَ نصيبُهُ.
وتبطلُ الكتابةُ، وولاؤهُ للذي أعتقَ، وإن كانَ معسرًا، فلَهُ ولاءُ ما أعتقَ، والباقي للآخرِ.
وفي صورةِ الإبراءِ لا يُعتقُ منهُ شيءٌ بالعجزِ. قاله البغويُّ، لأنَّ الكتابةَ تبطلُ بالعجزِ. والقياسُ التسويةُ؛ لأنَّ الإبراءَ منزَّلٌ منزلةَ قولِهِ: أعتقتُ نصيبي. وعلى ما صحَّحه الشيخُ أبو حامدٍ من أنَّ السرايةَ في الحالِ أم عندَ العجزِ؟ قولانِ: أظهرهما: عند العجزِ بخلافِ ما سبقَ في الشريكينِ في الكتابةِ؛ لأنَّ المعتِقَ منهما له ولاءُ نصيبه بعتقِهِ بلا خلافٍ، بخلافِ ما نحنُ فيه، فإذا أدَّى نصيبَ الابنِ الآخرِ عُتقَ كلُّه، وولاؤه للأبِ، وإن عجزَ سرى الآن على الذي سبقَ منه الإعتاقُ أو الإبراءُ.
وولاء ما سرى له، وكذا له ولاء النصف الآخر على مقتضَى الشرطِ
стр. 1768
المذكورِ.
ومَن قالَ: يكونُ الولاءُ في ذلكَ النصفِ لهما، خالفَ النصَّ والشرطَ، ومن قالَ: في صورةِ الإبراءِ يكونُ لهما بخلافِ صورةِ الإعتاقِ، له وجهٌ. والتحقيقُ ما قدَّمناهُ.
وصورةُ قبضِ أحدِ الابنينِ نصيبَهُ بإذنِ الآخرِ إذا أجزنَاهُ -وهو المرجوح- فتفريعها كما سبقَ في الإبراءِ.
ولو ثبتتْ كتابَة في نصيبِ أحدِ الابنينِ بإقرارِهِ وحلف الآخرِ، ثم أعتقَ المقرُّ نصيبَهُ وهو موسِرٌ، لم يسرِ إلى نصيب المنكرِ على النصِّ المعتمد في "الأم" و"مختصرِ المزني" قال الشافعيُّ: (لأَنَّه إنَّما أقرَّ بأنَّه عتقَ بشيءٍ فعلهُ أبوهُ)، فجرى على مقتضَى الشرطِ المذكورِ، إذ لا ولاءَ لهُ بعتقِهِ، خلافًا للرافعيِّ ومَن تبعهُ من تصحيحِ السرايةِ وانفراد المصدق بولاءِ ما أعتقَهُ، وبهذا التصحيحِ لا يخرجُ عن الشرطِ، لكنه يخالفُ النَّصَّ، وإنْ أبرأهُ عن النجومِ لم يسرِ لا لأنَّ منكر الكتابةِ يعتقدُ أنَّ الإبراءَ لغوٌ كما وجهوه به، بل لفواتِ شرطِ ثبوتِ الولاءِ لَهُ بها محل ما عتق بالإبراءِ.
وكذلِكَ لا سرايةَ إذا قبضَ النجومَ لفواتِ الشرطِ، وإثباتِ الولاءِ للمنكرِ مع تكذيبِهِ لا يتخرَّجُ على الخلافُ فيمن أقرَّ لإنسانٍ بشيءٍ وكذبه؛ لأنَّ الولاءَ ليسَ ممَّا يؤخذُ من المقرِّ، وليسَ مما يتركُ في يدِهِ، لكن إذا ترتَّبَ عليه مالٌ ونحوُهُ ظهرَ الخلافُ.
ومما يتخرَّجُ على مقتضَى الشرطِ أنَّه إذا وكلَ أحدُ الشريكينِ شريكَهُ في أَنْ يعتقَ نصيبَهُ فأعتقَهُ، فإنَّ السرايَةَ على الموكَّلِ عملًا بالشرطِ المذكورِ، خلافًا لما ذكرَ الشيخُ أبو حامدٍ في "التعليق" مِن أنَّه يعتقُ على الوكيلِ. وهو غريبٌ.
ولو قالَ أحدُ الشريكينِ للآخرِ، أو قال أجنبيُّ: أعتقْ نصيبَكَ عنِّي بكذا،
стр. 1769
فأعتقَهُ عنهُ فولَّاهُ للأمرِ، ويقومُ النصيبُ الآخرُ عليه لا على المعتقِ خلافًا لمن قالَ: يقومُ على المعتِقِ المأمور، فإنَّه وجهٌ غريبٌ لا يعوَّلُ عليه، وهو مخالفٌ للنصِّ والشرطِ.
ويخرَّجُ على الشرطِ إذا أعتقَ الإمامُ بعضَ عبدِ بيتِ المالِ، فإنَّهُ لا يسرِي كما تقدَّم.
* * *
(٤) رابعُ شروطِ السرايةِ: الاختيارُ فيما ينشئه الشريكُ مما يترتَبُ عليه العتقُ، إمَّا بتملُّكٍ وإما بتعليقٍ، وإما بالإعتاقِ بنفسِهِ، أو بوكيلِهِ كما سبقَ، إمَّا بقبولِ عقدٍ يترتَبُ عليه الملكُ، بقبضٍ أو بغيرِ قبضٍ، وإما بقبولِ نائبِهِ شرعًا عندَ تعذُّرِ عبارتِهِ وإما بقبضٍ نَساءٍ عن تعليقٍ باختيارِهِ، أو مِن كتابةٍ أنشأها لا من كتابةٍ مورَّثةٍ.
وقد يحصلُ الملكُ بطريقٍ ضمنيٍّ، فيضعفً الاختيارُ ويقعُ الاختلافُ.
وخرجَ بالإنشاءِ الإقرارُ، فمن ملكَ بعضَ أصلِهِ أو فرعِهِ باختيارِهِ بنفسِهِ أو بوكيلِهِ بعوضٍ أو بهبةٍ، أو وصيةٍ، فإنَّه يُعتقُ عليه ويسري بخلافِ ما لو ملكَهُ بإرثٍ أو بوقوعه في سهمِ ذوِي القُربَى، فإنَّه لا يسرِي، وقبولُ وارثه بعد موتِه كقبولِهِ، وفي اليسارِ ما تقدَّمَ، وفي قبولِ عبدِهِ ذلك خلافٌ؛ الأصحُّ أنَّه لا يسرِي، لأنّه لم تتعذَّرْ عبارةُ السيد، فكانَ القهرُ فيه أرجحُ.
ولا يضعف الاختيارُ ما إذا ردَّ الوارثُ الثمنَ المعيَّنَ المعيب، وكان المبيعُ شقصًا ممن يُعتقُ عليه، فعاد إليهِ فإنَّه يعتقُ ويسري على الأصحِّ، بخلافِ ما إذا عجزَ مكاتبه الذي اشترى شِقصًا ممن يعتقُ على السيد، فإنَّه يعودُ الشقصُ
стр. 1770
للسيِّدِ ويُعتقُ عليه، ولا سرايةٍ على الأصحّ؛ لأنَّه لا يغلبُ به الملك.
واختيارُ الملكِ في الغنيمةِ للغانِمِ الحرِّ المكلَّفِ الرشيدِ يقتضِي عتقُ بعضِ الأصلِ أو الفرعِ الواقعِ في نصيبِهِ، ويسرِي علمِه، ويعتبَرُ يسارُهُ وقتَ الاختيارِ.
وفي جميعِ صورِ التملُّكِ يعتبرُ اليسارُ وقتَ التملُّكِ.
* * *
(٥) خامسُ شروطِ السرايةِ: أن يوجَّه الإعتاقُ إلى ما يملكُهُ، فلو قالَ: أعتقتُ نصيبَ شريكي، فهو لغوٌ، وهذا الشرطُ لا حاجةَ إليهِ؛ لأنَّ صورةَ المسألةِ مغنيةٌ عنهُ، وهو ناقصٌ، وتمامُهُ أن يوجه العتقُ إلى شيءٍ مما يملكه أو إلى ما يملكُه منفردًا أو بإضافةِ شيءٍ من نصيبِ الشَّريكِ أو كله إليه كما سبقَ.
* * *
(٦) سادسُ شروطِ السرايةِ: أن ينفذَ إعتاقُهُ فيما يملكُهُ أو شيء منهُ، فإنْ تعذَّرَ نفاذه فيه ولو بدورٍ، فقد تعذَّرَتِ السرايةُ إلَّا في إقرارِ المنشئ السرايةِ دونَ عتقِ ما يسرِي منهُ حينئذٍ، ولا غرمَ إلَّا في صورةٍ واحدَةٍ، وهي: ما لو ادَّعى شريكُهُ الموسر أنَّك أعتقتَ نصيبكَ، وسرى العتقُ إلى نصيبي، فلي عليك قيمةُ نصيبي، وسمَّاها فأنكرَ المدعَى عليهِ ونكلَ وحلفَ المدعِي، أخذَ قيمة نصيبِهِ. ولا يعتقُ نصيبُ المدعَى عليه على الصحيحِ.
وإذا قالَ أحدُ الشريكينِ لصاحبِهِ: إن أعتقتَ نصيبكَ فنصيبي حرٌّ قبلَ إعتاقِكَ نصيبَكَ، ثم أعتقَ المقولُ لهُ نصيبَهُ بعد لحظَةٍ، والمعلِقُ موسرٌ، وصححنا الدورَ، فلا ينفذ العتقُ ولا سرايةَ.
وكذا لو قالَ الشريكُ: مهما أعتقتُ نصيبي فهو حرٌّ قبلَهُ، ومن أبطلَ الدورَ
стр. 1771
-وهو المعتمدُ- يعتقُ نصيبَ كلِّ واحدٍ عن نفسِهِ، كما لو قالَ معه، كذا جزموا به هنا، وهو ممنوعٌ. ففي منعه (١) وجهان، بل يقطع هنا بأنَّه يعتقُ عن المنجزِ، كما قطعوا به فيه إذا أطلق؛ لأنَّه إذا بطلتِ القبليَّةُ بقي الاطلاقُ، ولا يُصارُ إلى المعيةِ إلَّا بالتصريحِ، إلَّا على نظرٍ ضعيفٍ.
* * *
(٧) سابعُ شروطِ السرايةِ: أن يكونَ محلُّ الإعتاق قابلًا للنقلِ في الجملَةِ، فلو لم يقبلْ كما في شقصِ مستولَدٍ أعتقه المستولِدُ، فقدْ نقَلَ عنِ القَاضِي أبي الطيبِ أنَّه لا يسري، وهذا ضعيفٌ، والصوابُ السرايةُ.
* تنبيهٌ: قد ينتجزُ العتقُ والسرايةُ ظاهرًا، ولكنْ يطرأُ ما يخالِفُهما، فيعمَلُ بالطارئِ، ولا ينتظرُ، فإذا قَالَ الشريكُ: إن متُّ فنصيبي حرٌّ قبلَ موتِي بشهرٍ، ونجزَ الآخرُ عتقَ نصيبُهُ بعد التعليقِ بساعةٍ، ومات لدونِ شهرٍ من التعليقِ، أو لشهرٍ من أوَّلِ التعليقِ، أو لأكثرِ من شهرٍ، بحيثُ يتقدَّمُ التنجيزُ فالعتقُ للمنجزِ، والسرايَةُ عليه.
ولو ماتَ على رأسِ شَهرٍ من تمامِ صيغةِ التعليقِ، فقالوا: يعتقُ جميعُ العبدِ على المعلق، وهو ممنوع، والصوابُ كما قالَ شيخُنا: أنَّه يعتقُ عن المنجزِ؛ لأنَّه لم يمضِ بينَ تمامِ التعليقِ والشهرِ لحظةٌ ينزلُ فيها العتقُ.
وإن ماتَ على تمامِ شهرٍ من تمامِ كلامِ المنجزِ فقالوا: يعتقُ على كلِّ واحد نصيبُهُ، ولا تقويم.
قال شيخُنا: وهو ممنوعٌ، بل يعتقُ الكُلُّ عنِ المعلّقِ بالتعليقِ، والسرايةِ لسبقِهِ، فالعتقُ بلفظِ المنجزِ يكونُ عقبَ لفظِهِ عندَ الشيخِ أبي حامدٍ والأكثرُ،
стр. 1772
وذلكَ فهو في الشهر، والعتقُ بالتعليقِ قبل الشهرِ.
وإذا قلنا بوجهِ الشيخِ أبي محمد؛ من نزولِ الحُكمِ آخر اللفظِ، جاءَ ما قالوا، ويحتملُ خلافُهُ، إذ لا بدَّ منَ الترتبِ الذِّهنيِّ، وذلك يستدعي سبقُ الحريَّةِ بالتعليقِ والسرايةِ، حيث ثبتت على شريكينِ أو شركاء، فهي على عددِ الرءوسِ إلَّا في صورتينِ:
(١) إحداهُما: إذا تفاوتتِ الحصصُ، ويسارُ كلِّ واحدٍ بقدرِ حصَّتِهِ، فإنَّه يسرِي بقدرِ الحصص.
(٢) الثانيةُ: إذا كانَ أحدُهما موسرًا ببعضِ ما يقتضيهِ التوزيعُ، وكان الآخرُ موسرًا بما يقتضيهِ والزيادَةُ الباقيةُ في نصيبِ الآخرِ، فإنَّه يسري عليه بذلك كله. والواجبُ على الشريك والشركاء قيمة ما يسري إليهِ لا المقابل له من القيمةِ باعتبارِ الكُلِّ؛ لأنَّ المتلفَ ما سرى إليه، وإذا اختلفا في القيمةِ، فالقولُ قولُ المعتقِ بيمينِهِ على الأصحِّ؛ لأنَّهُ غارمٌ، وما وقع في "الأمِّ" وغيرها منَ التحالفِ، فهو مشكلٌ كما قالَ شيخُنا؛ إذ ليسَ هنا عقدٌ يرتَفِعُ ثم يرجع إلى القيمَةِ؛ لأنَّ الاختلافَ ابتداءً في القيمةِ.
وأمَّا الخاصِّيَةُ الثانيةُ، وهي الولاءُ، فقد ذكرَ شيخُنا في الفرائضِ في ذلكَ ما فيه كفايةٌ، فليُنظَرْ منهُ.
* * *
فرع: إذا ملكَ أهلُ التبرُّعِ أصلَهُ أو فرعَهُ عتقَ عليه إلَّا في صورٍ:
(١) إحداها: إذا اشترَى أصلَهُ أو فرعَهُ وألزمَ البائعَ البيعَ في خيارِ المجلسِ، أو في خيارِ الشرطِ الثابِتِ للمتعاقدينِ، فإنَّه لا يكونُ ذلكَ سببًا للحكمِ بعتقِ المبيعِ على المشتري لئلَّا يتضررَ المشتري بإلزامِ البائعِ البيع.
стр. 1773
وعلى هذا يبقَى الخيارُ للمشترِي، ويملكُ المبيعَ، ولا يعتقُ عليه، قال شيخُنا: ولم أرَ مَن تعرَّضَ لهذا الفرعِ.
(٢) الثانيةُ: إذا اشترَى المكاتبُ أصلَهُ أو فرعَهُ بإذنِ السيِّدِ، فإنَّه أهلٌ للتبرعُّ بإذنِ السيِّدِ، إلَّا في العتقِ والكتابَةِ، ويصحُّ الشراءُ حينئذٍ ويتكاتَبُ عليه ولا يعتقُ عليه، فهذا رجلٌ من أهلِ التبرُّع وقد ملكَ أصلَهُ أو فرعَهُ، ولم يعتقْ عليه، وكذا لو ملكَ أصلَهُ أو فرعَهُ بهبةٍ أو وصيَّةٍ فإنَّه لا يعتقُ عليه.
(٣) الثالثةُ: المبعَّضُ إذا اشترَى من يَعتِقُ عليه بما يملكُهُ ببعضِهِ الحر، أو وهبَ له في نوبتِه أحدَ أصولِهِ أو فروعِهِ، أو أوصى له به فماتَ الموصِي، وقبِلَ المبعَّضُ الوصيَّةَ، فإنَّه لا يعتقُ عليه، مع أنَّه أهلٌ للتبرُّعِ فيما يملكُهُ ببعضِهِ الحرِّ، ولكنَّه ليس أهلًا لثبوتِ الولاءِ كالمكاتِبِ.
وأما غيرُ أهلِ التبرُّع من صبيٍّ، أو مجنونٍ، أو سفيهٍ، أو مفلسٍ، إذا ورثوا أحدَ أصولِهم، أو أحدَ فروعِهم، أو وهب لهم، فإنَّه يعتقُ عليهم.
ولا يشترى لطفلِ قريبُه الذي يعتقُ عليه، ولو وهبَ له أو أوصى له به، والطفلُ لا مالَ له، فَعلى الوليُّ قبوله على النصِّ، ولو ملكَ في مرضِ موتِهِ من يعتقُ عليه بلا عوضٍ عتق من رأسِ المالِ على الأصحِّ في "الروضةِ" تبعًا للشرح، خلافًا لما في "المنهاج" من أنَّه يعتقُ من الثُّلثِ أو بعوضٍ بلا محاباةٍ من البائعِ، فمن ثُلُثِهِ ولا يرثُ؛ لأنَّ كلَّ مَن عتق من الثُّلث لا يرث، فإن كانَ عليهِ دينٌ مستغرِقٌ فلا يصحُّ الشراءُ على الأصحِّ، أو بعوضٍ بمحاباةٍ من البائعِ، فقدرها كهبةٍ. وقد تقدَّم أن الأصحَّ الحسبانُ من رأسِ المالِ.
وإن وُهب لعبدٍ بعضُ من يعتقُ على سيدِه، فقبلَ، وقُلنا يستقلُّ به عُتقَ، ولا يسري على أظهرِ القولينِ كما ذكرَهُ في "الروضَة"، ومحل هذا ما إذا لم يتعلَّق وجوب النفقةِ بالسيدِ في الحالِ، فإنْ تعلَّقَ ذلكَ بالسيدِ لم يصحَّ قبولُ
стр. 1774
العبدِ قطعًا، وإذا وهبَ للمكاتبِ بعضُ من يعتقُ على سيدِه صحَّ قبولُهُ من غيرِ احتياجٍ إلى إذنِ السيِّدِ، ولا يعتقُ منه شيءٌ ما دامتِ الكتابةُ قائمةٌ، فإن عجَّزَ المكاتِبُ نفسه بغير اختيار السيدِ ملك السيدُ ذلك الجزءُ، ولا يسري، وإن عجَّزَهُ السيد فإنه يسرِي على الأصحِّ، وإذا وهبَ المبعَّض من يعتقُ على سيد وكان بينهما مُهايأةٌ، فإن كانَ ذلك في نوبةِ الحرِّ فإنَّه لا يعتقُ ذلك الجزءُ، وإن وقعَ ذلكَ في نوبَةِ العبوديَّةِ فهو كالقِنِّ، وفيه ما سبقَ، وإن لم تكُنْ بينهما مهايأةٌ فالذي يتعلَّقُ بالحريَّةِ لا يملكُهُ السيِّدُ، والذي يتعلَّقُ بالعبوديَّةِ فيه ما سبقَ.
* * *
стр. 1775
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتابُ التدبير
هو لغةً: النظرُ إلى ما تزولُ إليه عاقبةُ الأمرِ، ودُبُرُ الأمرِ آخِرُهُ.
وشرعًا: عتقُ العبدِ عن دبرِ الحياةِ مطلقًا أو مقيَّدًا، سمي بذلك، لأنَّ السيِّدَ دبَّرَ أمر دنياهُ باستخدامِ العبدِ واسترقاقِهِ، وأمرًا في آخرتِه بإعتاقِهِ، والأصلُ فيهِ ما رواهُ "الصحيحانِ" (١) من حديث جابرِ بن عبد اللَّهِ ﵄: أن رجلًا من الأنصارِ أعتقَ مملوكًا له عن دبرٍ لم يكنْ لهُ مالٌ غيرُهُ، فبلغَ ذلكَ النبيَّ ﷺ فقال: "مَن يشتريهِ؟ " فاشتراهُ نعيمُ بن عبد اللَّهِ بثمانمائة درهمٍ، فدفعها إليه. وفي ذلك تقريرُ النبيِّ ﷺ على التدبيرِ، وكان البيعُ إمَّا لفقرِ السيِّدِ أو لدينٍ عليه، كما جاءَ في رواياتٍ، والمدبِّرُ هو أبو مذكورٍ، والغلامُ يعقوب.
والإجماعُ على صحَّةِ التدبيرِ.
стр. 1776
ويُشترطُ فيه الملكُ، فلا يصحُّ تدبيرُ عبدِ غيرِهِ، فإنْ علَّقَهُ على أن يملكَهُ فالأرجَحُ صحَّتُهُ. قالَهُ شيخُنا تخريجًا، وقد سبقَ في الوصيةِ نظيرُهُ.
ويُشترطُ كون السيدِ مكلَّفًا حرًّا كاملًا مختارًا، فيصحُّ من السَّفيهِ كما تقدَّمَ في الحجرِ من المالكِ قبل القبضِ بإرثٍ أو وصيَّةٍ، وكذا بعوضٍ وفي زمنِ الخيارِ ممَّن لهُ الملكُ، وحيثُ قُلنَا بالوقفِ صحَّ إذا تبيَّنَ بعدَ ذلكَ أنَّ الملكَ له (١).
ويصحُّ تدبيرُ الرَّاهِنِ بعدَ القبضِ، وتدبيرُ سيدِ من تعلَّقَ برقبتِهِ أرشٌ. قال شيخُنا ذلك كلَّه تخريجًا من تدبيرِ المحجورِ عليه بالفلسِ، فإنَّ المذهبَ صحَّتُهُ خلافَ ما وقعَ في الشَّرحِ و"الروضَة" هنا.
وقد ذَكروا صحَّة تعليق العبد المرهونِ وتدبير المرتدِّ موقوفٌ، ويصحُّ تدبير الحمل وحدَه، وبعض عبدِه، ونصيبه من المشتركِ، ولا سراية فيهما حالًا ولا بعدَ الموتِ، ويصحُّ أن يدبِّرَ مكاتبَهُ كتابةً صحيحةً، والمؤجر والموصى بهِ، والمعلق عتقه بصفةٍ.
* ضابطٌ: لا يمتنعُ التدبيرُ مع وجودِ الملكِ وأهليةِ المالكِ، إلَّا في صورةٍ واحدةٍ؛ وهي المستولَدَةُ؛ لاستحقاقِها العتقَ بجهةٍ أقوَى من التدبيرِ، وهي الاستيلادُ. فإن قال للمستولَدَةِ: إن متُّ فأنتِ حرَّة قبل موتِي بشهرٍ مثلًا، عند من قالَ أنَّ هذا تدبيرٌ مقيَّد، أمكنَ صحَّةَ تدبيرِ المستولدَةِ في هذه الصورةِ لفائدَةِ أنَّ كسبها يكونُ لها في الزمنِ الذِي انكشَفَ أنها حرَّةٌ فيه، قبل الموتِ،
стр. 1777
لكن هذا شيءٌ انفردَ به "الحاوِي الصَّغيرُ" (١) وهو وهمٌ، وليسَ هذا بتدبيرٍ، فامتنع التصويرُ.
والتدبيرُ المطلقُ لا نزاعَ فيه (٢)، كقولِهِ: إذَا متُّ فأنتَ حرٌّ أو مدبرٌ (٣)، أو أنتَ مدبر، أو دبَّرتُك، وهو صريحٌ على النصِّ المعمولِ به، بخلافِ ما إذا قالَ لمن يريدُ كتابتَه من أرقائه: كاتبتُك. فلا يكون صريحًا لاحتمالِ كتابة الخراجِ الذي لا عتقَ بعدَهُ، وأما الكتابَةُ فيصحُّ بها التدبيرُ مع النيَّةِ، كقولِهِ: إذا متُّ فأنتَ حرامٌ، أو مالك نفسَكَ، ونحو ذلك من الألفاظِ المحتملةِ (٤).
والمرادُ بالنيَّةِ هنا -كما قال الماورديُّ-: أن يريدَ بهذه الألفاظِ العتقَ، فإن أَرادَ بها العتقَ صارَ مدبرًا، وإلَّا فلا.
وإذا قالَ لعبدِهِ: "إذا متُّ في ذا الشهرِ أو المرضِ فأنتَ حرٌّ"، لم يكُنْ تدبيرًا مقيَّدًا على النصِّ، ولو ماتَ من غيرِ مرضِهِ ذلكَ لم يكنْ حُرًّا، وإن ماتَ من مرضِهِ أو في ذلكَ الشهرِ كان حرًّا, ولكنه وصيةٌ، وليسَ بتدبيرٍ، وعلى هذا فحقيقةُ التدبيرِ تعليقُ العتقِ بالموتِ المطلقِ.
ويجوزُ معلَّقًا (٥) كقولِهِ: "إن دخلتَ الدَّارَ فأنتَ حرٌّ بعدَ موتِي"، ويصيرُ مدبرًا بعدَ التعليقِ قبلَ الدُّخولِ، ولو قالَ: "إن متُّ ثم دخلتَ الدَّارَ، فأنت حرٌّ" لم يكن تدبيرًا، وإنما هذا تعليقُ عتقٍ بصفةٍ، فيشترطُ دخولُهُ بعدَ الموتِ.
стр. 1778
وكذلكَ لو قالَ: "إذا متُّ ومضى شهرٌ فأنتَ حرٌّ"، فليسَ بتدبيرٍ، بل هو تعليقُ عتقٍ بصفةٍ على الأصحِّ المنصوصِ فيهما، وقولهُ: "إن شئتَ فأنت مدبرٌ". صريحٌ في تعليقِ التدبيرِ على مشيئةِ العبدِ.
وأمَّا قولُهُ: "أنتَ حرٌّ بعدَ موتِي إن شئتَ". فيحتملُ: إن شئتَ بعدَ موتِ الحريَّةَ، ويحتملُ: إن شئتَ الآنَ التدبيرَ، فلم يتعيَّنْ لتعلُّقِ التدبيرِ بالمشيئةِ، فيراجَع ويعمل بمقتضى نيَّته، فإن لم ينو شيئًا فالأصحُّ حملُهُ على المشيئةِ بعدَ الموتِ.
فإنْ قالَ: "متَى شئتَ" فللتراخِي في الصورتينِ المذكورتينِ، ويكونُ في الأولَى تدبيرًا معلَّقًا، ويكونُ في الثانيةِ تعليقًا محضًا.
وإن قالا لعبدِهما: "إذا مِتنا فأنتَ حرٌّ"، فإنْ ماتَا معًا حصلَ العتقُ بحصولِ الصفةِ، ولا تدبيرَ، وإنْ ماتَا مرتَّبًا فالصحيحُ في "الروضَة" تبعًا للشرحِ؛ أنَّه إذا ماتَ أحدُهما صارَ نصيبُ الثاني مدبرًا على المذهبِ، ولو ارتدَّ المدبرُ لم يبطلْ أيضًا, ولا يمنع الكافر من حملِ مدبرِه ومستولدتِهِ الكافرينِ إلى دارِ الحربِ، سواءٌ جرَى التدبيرُ في دارِ الإِسلامِ أو دارِ الحربِ، وليس له حملُ مكاتبِهِ الكافر قهرًا لظهورِ استقلالِهِ، ولو كانَ لكافرٍ عبدٌ مسلمٌ فدبَّرَه أجبر على إزالَةِ ملكهِ ببيعٍ أو إعتاقٍ، فإن كاتبَهُ اكتفينا بذلكَ، وإن امتنَع من ذلك كله باعَهُ الحاكمُ عليه.
ولو زالَ ملك السيدِ عنِ المدبَّرِ ثم ملكَه لم يعدِ التدبيرُ على المذهبِ، ولو رجعَ عنهُ بقولٍ كـ "أبطلتُهُ"، أو: "فسختُهُ" أو: "نقضتُهُ" أو: "رجعتُ فيه". صحَّ إنْ قُلنا أنَّه وصيةٌ فيها سائبة التعليق، وهو المنصوصُ عليه في مواضعَ كثيرةٍ.
стр. 1779
وإن قُلنا: "تعليقُ عتقٍ بصفةٍ"، وهو المرجوح كما قال شيخُنا: لم يصحَّ الرجوعُ المذكورُ.
فرع: حبلتْ مُدَبَّرَةٌ من غيرِ السيِّدِ وولدته قبل الموتِ، تبعها ولدُها في التدبيرِ على أصحِّ القولينِ، خلافًا لما في "المنهاجِ" (١) تبعًا للمحرَّر.
ولو دبَّر حاملًا، فإن أتت به لأقلِّ من ستَّةِ أشهرٍ، فليسَ بمدبرٍ، وإن أتت به لستة أشهرٍ فأكثَر، فهو مدبرٌ، هكذا نصَّ عليه بها البويطي، وهو المعتمَدُ، فإن ماتتْ أو رجع في تدبيرها بالقولِ دامَ تدبيرُهُ، ولو دبر حملًا بمفرِهِ صحَّ، وإن باعَ أمةً حاملًا صحَّ، وكان رجوعًا عن تدبيرِهِ، ولا يبيعُ مدبرًا ولده قطعًا. وجنايتُهُ كجناية لي، وكذا الجنايةُ عليه؛ لأن المدبر رقيقٌ، ويعتقُ بالموتِ، إن لم يذكرِ السيدُ شرطًا آخرَ بعد الموتِ، بحيثُ يبقَى التدبيرُ معهُ، فإن ذكرَ شرطًا آخرَ فلا يعتقُ بالموتِ، بل لا بدَّ بعدَ الموتِ من وجودِ الشرطِ الآخرِ.
ويعتقُ من الثُّلُثِ كلُّه أو بعضه بعد الدينِ، وبعد المقدم على الدين من مؤنِ التجهيزِ، وما يقدَّم عليها، وبعد ما تقدَّم على التدبيرِ من تبرُّعاتٍ منجزةٍ في المرضِ.
وإن علقَ عتقًا على صفةٍ تختصُّ بالمرضِ (٢)، كـ: "إنْ دخلتَ الدارَ في مرضِ موتِي فأنتَ حرٌّ"، عتقَ من الثلثِ، وإن احتملتِ الصحَّةُ فوُجِدَتْ في المرضِ فمن رأسِ المالِ في الأظهَرِ إذا وجدتْ بغير اختيارِ المريضِ، فإنْ وجدتْ باختيارِهِ كقولهِ: "إن دخلتُ أنا الدارَ فأنتَ حرٌّ"، ثم دخلَ الدارَ في
стр. 1780
مرضِ موتِهِ، فإنّه يعتبَرُ من الثُّلثِ.
ولو ادَّعى رقيقُهُ التدبيرَ (١) فأنكرَ، فليسَ برجوعٍ، بل يحلفُ، ولو وُجِدَ مع مدبرٍ مالٌ فقال: "كسبتُهُ بعد موتِ السيدِ"، وقال الوارثُ: "قبلَهُ". صُدِّقَ المدبرُ بيمينِه، وإن أقاما بينتينِ قدمت بينة المدبرِ على النصِّ (٢).
* * *
стр. 1781
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الكتابة
هي لغةً: راجعةٌ إلى مادَّةِ كتب، بالتاء المثنَّاة من فوق، وهي دالَّةٌ على معنَى الضمِّ والجمعِ، وأطلقتْ على هذا العقدِ لما فيه من انضمامِ نجمٍ إلى نجمٍ، وقيل: سميتْ كتابةٌ لأنَّها توثَّقُ بالكتابَةِ من حيثُ إنَّها منجمةً.
وشرعًا: عقدٌ مع الرَّقيقِ على منجَّمٍ في ذمته بنجمينِ فصاعدًا يترتبُ عليه استقلالُهُ، ثم حرِّيتُهُ بفراغِ ذمته من العوضِ، وأصلها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ قال الشافعيُّ ﵁: أظهر معاني قوله ﴿خَيْرًا﴾ قوة على الكسبِ وأمانة.
وفي "الصحيحين" (١) من حديث بريرةَ أنَّها دخلتْ على عائشةَ ﵂ فقالت: إن أهلي كاتبوني على تسعِ أواقٍ في تسع سنينَ، كل سنةٍ أوقية،
стр. 1782
فأعينيني. وذكرتْ عائشةُ القصةَ للنبيِّ ﷺ وأقرَّ على الكتابَةِ.
وجاءت أحاديثُ كثيرةٌ تدلُّ على أنَّها مشروعةٌ، فَعَلَها جمعٌ من الصحابةِ وغيرُهُم، وذلك إجماعٌ، فتستحبُّ إذا طلبَها الرَّقيقُ البالغُ العاقلُ الكسوبُ الأمينُ، ممنْ تصحُّ منه الكتابةُ (١).
والصارِفُ عن ظاهرِ ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ أنَّه أمرٌ بعد حظر (٢)، من جهة أنَّه عوضٌ ملكَهُ بملكِهِ، فتحوَّلَ بها حكمُ الرَّقيقِ عمَّا كان عليه، فكان كقولهِ ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ ونحوه، فلا وجوبَ، وقد أشارَ إلى ذلكَ الشافعي ﵁ في "الأمِّ"، وجاءَ الندبُ من قضيةِ القربةِ، وفي قولٍ: تجبُ.
ولا تستحبُّ عندَ فقد الأمانَةِ أو الكسبِ، ولا تكرهُ (٣)، ولو فُقِدَا على الأصحِّ، ولا يُجبرُ الرقيقُ عليها مطلقًا قطعًا.
ومدارُ البابِ على معرفةِ مَن يوجب الكتابةَ ومن يقبلها، والصيغةُ، والعوض، والأحكامُ المترتبةُ على ذلك (٤).
أما مَن يوجبُ الكتابَةَ: فهو المالكُ الحرُّ المتأهلُ لذلكَ (٥)، أو وكيلُهُ، فيبطلُ من غيرِ المالكِ، ومنه وليُّ الصبيِّ والمجنونِ والسفيهِ، أبًا كانَ أو جدًّا أو وصيًّا أو حاكمًا، إلَّا في صورةٍ واحدَةٍ، فتصحُّ، وهي: الإمامُ يُكاتِبُ عبدَ
стр. 1783
بيتِ المالِ. قالَه شيخُنا تخريجًا من عتقِ الإمامِ عبدَ بيتِ المالِ كما سبقَ. وإذا جازَ العتقُ بغيرِ مالٍ فبمالٍ أولَى.
وتبطلُ من المكاتبِ ولو أذنَ السيدُ على الأظهرِ، لعدمِ تأهُّلِه للولاء، وتبطلُ من المبعَّضِ إذا ملكَ بعضَهُ الحرُّ رقيقًا، كما لا يصحُّ إعتاقُهُ على المذهبِ المذكورِ في كفَّارَتِه بالعتقِ، بخلافِ الاستيلادِ؛ لأنَّه قهريٌّ، والقياس التسويةُ.
وتبطلُ من مالكِ صبيٍّ أو مجنونٍ أو سفيهٍ، أو مرتدٍّ، أو مكرهٍ، وتصحُّ من مالكٍ ذمِّيٍّ أو حربيٍّ، ويبطُلُ الزائد على الثلثِ عندَ عدمِ الإجارَةِ إذا صدرَ من مريضٍ مرضَ الموتِ، أو ممن يجري مجراهُ، فإذا ماتَ عن عبدٍ كاتبه في الحالةِ المذكورةِ على مثلِ قيمتِهِ ولم يخلفْ غيره، ورد الورثةُ الزائدَ فثلثه مكاتِبٌ، فإذا أدَّى حصَّته من النجومِ عتقَ، ولا يزادُ في الكتابَةِ بقدرِ نصفِ ما أدَّى على الأصحِّ المنصوصِ.
وأمَّا القابلُ: فهو العبدُ البالغُ العاقلُ المختارُ (١)، إذا لم يتعلَّقْ بشيءٍ منه حقٌّ من خيارٍ وعدمِ قبضٍ في المبيعِ ونحوهِ، وكرهنٍ مقبوضٍ وجناية أرشٍ متعلِّقة برقبتِه وإجارة ووصية بمنفعةٍ ودينٍ في مأذونٍ له في التجارَةِ، أو في رقيقِ التجارةِ، ولم يأذنْ صاحب الدينِ، فيبطلُ بمخالفة شيء مما ذُكِر.
وتصحُّ كتابةُ المدبَّر والمعلَّق عتقه بصفةٍ، والمكاتبُ كتابةً فاسدَةً، والمستولدَةُ، ثم إنْ كانَ من تصحُّ كتابتُهُ ملكًا كله لواحدٍ، فأورد الكتابةَ على بعضِهِ فهي فاسدةٌ إلَّا في صورةٍ واحدةٌ، وهي ما إذا أوصَى بكتابتِه فلم يخرج من الثلث إلَّا بعضُهُ، فإنَّه يصحُّ كتابةُ ذلك الذي خرَجَ للضرورةِ.
стр. 1784
وأمَّا الصيغةُ (١): فهي أن يقولَ الموجبُ: كاتبتكَ على كذَا مُنجَّمًا، إذا برئت منهُ أو فرغتَ ذمتكَ منهُ، فأنتَ حرٌّ.
ولو قالَ: "كاتبتكُ على كذا منجمًا الكتابة التي يحصلُ فيها العتقُ". كانَ كافيًا في الصراحَةِ، ولو تركَ لفظ التعليقِ ونواهُ جازَ، ولا يكفي لفظُ كتابة بلا تعليقٍ ولا نيةٍ على المذهب، ويقولُ القائلُ: قبلتُ.
وأما العوضُ (٢): فشرطُهُ أَنْ يكونَ دينًا مؤجَّلًا، ومنفعة نفس المكاتبِ لا تقبلُ دينًا ولا تأجيلًا، ويشترطُ اتصالهما بعقدِ الكتابَةِ، وكونُ العوضُ نجمينِ فأكثرُ، ولا يكونُ من منفعةِ نفسِ المكاتِبِ إلَّا نجم واحد، ويعتبرُ معه غيرها، ويستثنَى من ذلكَ المبعَّضُ، على الأرجَحِ عندَ شيخِنا، فإنَّهُ تصحُّ كتابتُهُ بغيرِ تنجيمٍ، سواء أكان حالًّا أمْ كانَ مؤجَّلًا إلى أجلٍ واحدٍ؛ لأنَّ المعنى المقتضي لتعين التأجيلِ والتنجيمِ وهو أنَّ الرقيقَ الكامل لا يملكُ مفقود هنا، فإن المبعض يملك ببعضه الحُر، وذلك الذي يملكهُ يوفي منه ما كان حالًا، ولا عجز حينئذٍ بخلافِ الرقيقِ الكاملِ.
ولو كاتَبَ على خدمةِ شهرٍ من العقدِ ودينار عندَ انقضائِه صحَّت، ولو قالَ: كاتبتكَ وبعتكَ هذا الثوبَ بألف ونجَّمَ الألف وعلَّق الحريةَ بأداءِ ما تعلَّقَ بالكتابَةِ أو بفراغِ الذِّمَّةِ منهُ فالأظهَرُ صحَّةُ الكتابَةِ، والمذهبُ بطلانُ البيعِ.
ويستثنَى من ذلكَ ما إذا كانَ المكاتبُ مبعَّضًا، وكان بينهُ وبين سيدِه مهايأةٌ، وكان ذلك في نوبةِ الحريَّةِ، فإنَّه يصحُّ البيعُ أَيضًا.
стр. 1785
ولو كاتبَ عبيدًا على عوضٍ منجم على أنَّهم إذا أدَّوا عتقوا صحَّتِ الكتابَةُ على النصِّ، ومعناهُ على أنَّ مَن أدَّى حصَّتَهُ عتقَ، ولو كاتباهُ معًا أو وكَّلا صحَّ إن اتفقتِ النُّجومُ، وجعل المالُ على نسبةِ ملكيهما، فلو عجزَ فعجَّزه أحدهما وأرادَ الآخرُ إبقاءه (١) فكابتداء عقدٍ، وفي طريقٍ: يقطع بالجوازِ بالإذن، ولو أبرأهُ منَ نصيبِهِ أو أعتقَهُ عتقَ نصيبه، وقوم الباقي، إن كانَ موسرًا.
وأمَّا الأحكامُ المترتِّبَةُ على ذلك:
فمنها ما يتعلَّقُ بالسَّيِّدِ، ومنها ما يتعلَّقُ بالمكاتِبِ.
فمما يتعلَّقُ بالسيِّدِ (٢): أنَّه يلزمُهُ أن يحطَّ عنِ المكاتَبِ كتابةً صحيحةً جزءًا من المالِ المأخوذِ من المكاتبِ، أو يدفعه إليه منه، أو من غيرِه من جنسِهِ، والحطُّ أولَى؛ لأنَّه الأصلُ، والدفعُ بدلَ عنه، وفي آخرِ النجمِ الأخيرِ أكمَلُ، وإنما يترجَّحُ الأخيرُ حيثُ لم يكنْ في الدفعِ أولًا ما يعينُ المكاتبِ على التكسُّبِ، فإن كان ترجحَ الدفعُ في الأولِ حينئذٍ.
وإذا كاتبَ الشريكانِ عبدَهُما أو الشركاءُ عبيدَهم، لزمَ كلُّ واحدٍ ما يلزمُ المنفردُ بالكتابَةِ على الأرجحِ.
ولو كاتَبَهُ بعضُ عبدٍ باقيه حر أو وصي بكتابةِ عبده فلم يخرج من الثلثِ إلَّا بعضه، وكوتبَ ذلكَ البعضُ فإنَّه يلزمُ في ذلكَ ما يلزمُ في الكتابَةِ الكاملةِ قطعًا.
وأمَّا الورثةُ فإنَّ اللازمَ لهم ما كانَ يلزمُ مورثهم، نصَّ عليه، والأصحُّ أنَّ
стр. 1786
الذي يجبُ حطُّهُ ما يقعُ عليهِ اسمُ المالِ.
وينبغي أن يكونَ الموضوعُ قدرًا يليقُ بالحالِ على العتقِ دونَ القليلِ الذي لا وقع له، كما قالَهُ أبو إسحاق المروزي.
وقد نظرَ الشافعيُّ آية الإيتاءِ بقولِهِ تعالَى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾ والمصحح في المتعةِ أنَّ الحاكمَ يقدرها باجتهادِهِ، فكذلَكَ هاهنا، ويستحبُّ الرُّبعُ، وإلَّا فالسُّدسُ، وإلَّا فالسبعُ.
* * *
ويحرمُ على السيدِ وطءُ مكاتبتِهِ (١)، ولا حدَّ فيه، ويجبُ مهرٌ واحدٌ، وإن تكرَّرَ، إلَّا إذا خُيِّرَتْ فاختارَتِ الصَّداقَ أو العجزَ، فإنِ اختارتِ الصداقَ وقبضتْهُ، ثم أصابها فلها صداقٌ آخرُ، وكلما خُيِّرَت فاختارَتِ الصداقَ ثم أصابها فلها صداقٌ آخرُ، وإنْ عجزَتْ سقطَ، والولدُ حرٌّ، ولا تجبُ قيمتُهُ على الأظهَرِ، وصارَتْ مستولَدَةً، ومكاتبةً، فإن عجزَتْ عتقتْ بموتِهِ.
وولدُ المكاتبةِ موقوفٌ، يعتقُ بعتقِ الأمِّ، ويرقُّ برقِّها، وحقُّ الملكِ فيه للسيدِ، وفي قولٍ: لها علقة بالولدِ، بحيثُ تكونُ أحقَّ بكسبِهِ، وأرشُ جنايتِهِ عليه، ومهرٌ على واطئ ابنتها, ولو كان السيدَ.
والأظهَرُ أنَّ أرشَ جنايتِهِ عليه (٢)، وكسبه ومهره إذا كانَ الولدُ أنثى فوطئت وطئًا يوجبُ مهرًا، أو حصلتْ تسميةُ مهرٍ وتشطر بطريقة أو تقرَّر بطريقة ينفق من ذلك عليه، ومهما فضل وقف فإن ماتَ فللسيدِ.
стр. 1787
وإن عتقَ بعتقِ الأمِّ فله، وكذا إن عتق لا بعتقها, لكن إذا رقَّتِ الأمُّ بعد ذلك عاد ذلك للسيِّدِ.
* * *
ومما يتعلَّقُ بالمكاتب: أنَّه لا يعتقُ شيءٌ منهُ حتَّى تفرغَ ذمَّتُهُ من جميعِ النُّجومِ، أو يعتقَهُ السيدُ، ويؤخِّرَ النجومَ دينًا عليهِ على النصِّ في "الأمِّ".
وإن خرجَ المؤدِّي مستحقًّا رجع السيدُ بمستحقه، ولو خرجَ في غيرِ النجمِ الأخيرِ أو في الأخيرِ بان بذلك الخروج مستحقًّا أنَّه لا عتقَ، وإن كانَ قالَ عند أخذهِ: أنتَ حرٌّ، على وجهِ الخبر.
وإذا خرجَ معيبًا فله ردُّه، وأخَذ بذله، وإذا أدَّى المكاتِبُ بعد ذلكَ على الصفةِ المستحقة حصلَ العتقُ حينئذٍ.
ولا يتزوجُ المُكاتِبُ إلَّا بإذنِ سيدهِ، ولا يطأ جاريتَهُ بغيرِ إذنِ سيدِهِ، وكذا بإذنِه على الجديد.
وله شراءُ الجوارِي للتجارَةِ، فإن وطئها فلا حدَّ، والولدُ نسيب لشبهةِ الملكِ.
فإن ولدتْهُ في الكتابَةِ أو بعدَ عتقِه لدون ستة أشهرٍ تبعه رقًّا وعتقًا, ولا تصيرُ الأمةُ مستولدَةً لهُ في الحالِ على المذهبِ، وقيل: إنها في الحالِ يتوقفُ في أمرِها، فإن عتقَ المكاتِبُ فقد استقرَّ لها أمية الولدِ، وإن رقَّ صارتْ رقِّيَّتُهُ للسيدِ الأصليِّ، وإن ولدتْهُ بعد العتقِ لفوقِ ستة أشهرٍ من الوطءِ وبعد العتقِ واستبرأها من الوطء الماضي فالولدُ حرٌّ وهي أمُّ ولدٍ (١).
ولو عجَّلَ النُّجومَ لم يجبر السيدُ على القبولِ إن كان له، وفي الامتناعِ
стр. 1788
غرضٌ كمؤنةٍ تلزمُه، أو خوف عليه؛ بأن كان زمان نَهْبٍ أو كان طعامًا يريدُ أن يأخذَهُ عند المحلِّ طريًا، وإن لم يكنْ عليه ضررٌ فيُجبرُ إما على القبضِ، أو الإبراءِ، فإنْ أبَى قبضَه القاضِي (١).
ولا يصحُّ بيعُ النجومِ، ويصحُّ اعتياضُ الحالِ عن المؤجَّلِ على النصِّ، وكذلك استبدال العينِ عن المؤجلِ، ولا يصحُّ بيعُ رقبةِ المكاتِب (٢).
* * *
والكتابَةُ لازمَةٌ (٣) من جهةِ السيدِ ليسَ له فسخَها إلَّا أن يعجَزَ المكاتِبُ عن الأداءِ، أو يمتنعُ من إعطاءِ النجمِ الذي حلَّ مع قدرتِهِ عليه.
ويستثنَى من ذلك ما إذا عجزَ عن القدرِ الواجبِ في الإيتاء، فليس للسيدِ تعجيزُهُ؛ لأنَّ للمكاتبِ عليه ملكه، لكن يرفعه المكاتبُ إلى الحاكمِ حتَّى يرى رأيَهُ ويفصلُ الأمرَ بينهما.
وجائزةٌ من جهةِ المكاتبِ، فله تركُ الأداءِ، وإن كانَ معهُ وفاءٌ, وله الفسخُ مطلقًا، فإذا عجَّزَ نفسه، فللسيدِ الصبرُ والفسخُ بنفسهِ، وإن شاء بالحاكمِ (٤).
ولا تنفسخُ الكتابَةُ بجنونِ المكاتِب (٥) ويؤدي القاضي إن وجد لَه مالًا ورأَى المصلحةَ في الحريَّةِ، فإن رأى أنَّه يضيعُ إذا عتقَ، فلا يؤدي ما يقتضي الحرية لحصولِ الضررِ للمكاتِبِ المجنونِ بذلك.
ولو استقلَّ السيدُ بأخذ النجمِ الحالِّ من مالِهِ أو أدَّاهُ المجنونُ لسيدِهِ
стр. 1789
فأخذَهُ منهُ على قصدِ أخذه عن النجمِ، فإنَّه يصحُّ، هذا هو المعروفُ عند العراقيينَ، وغيرهم، وفي نصِّ "مختصرِ المزني" ما يدلُّ عليه، وهو محمولٌ على أنَّ الخبلَ حدثَ للرقيقِ بعدَ الكتابَةِ، ويستقلُّ بكلِّ تصرُّفٍ لا تبرع فيه.
ولا خطرَ إلَّا الكفارة بالمالِ، فلا تستقلُّ بها مع أنها ليستْ تبرّعًا.
وأمَّا ما فيه تبرعٌّ أو خطرٌ فلا يستقلُّ به، ويستثنى من التبرُّع ما تصدَّقَ به على المكاتبِ من لحمٍ وخبزٍ، مما العادَةُ أن يؤكَلَ ولا يباعُ، فإنَّ المكاتِبَ إذا أهدى شيئًا من ذلك لأحدٍ كان للمهدَى إليه أكله على النصِّ، لصحَّة الحديثِ فيه في قضيةِ بريرة، ويستثنَى من الخطرِ خطرٌ الغالبُ فيه السلامةُ، ويفعلُ للمصلحةِ كتوديج البهائم وكيها، وقطع السلع منها، والفصد، والحجامة، وختن الرقيق، وقطع السلعة التي في رقيقه، وفي قطعها خطرٌ، لكن في بقائِها أكثر، أو كانَ في قطعِها خطرٌ، وفي إبقائِها خطرٌ.
وله أن يؤدِّبَ عبدَهُ ولا يحدُّه على النصِّ كما سبقَ، ويصحُّ بإذن سيدِهِ التبرُّع والخطرُ، وفي العقدِ كالبيعِ نسيئةً على المشهورِ، ويصحُّ الإقراضُ بإذنِ السيدِ قطعًا.
* ضابطٌ: العتقُ يكونُ بالتنجيزِ بمالٍ أو بغيرِهِ، وقد سبقَ في بابِهِ مع السراية، ويكونُ بالتعليقِ في الحياةِ على مالٍ أو غيرِ مالٍ، ومنه الكتابة الباطلة المصرحُ فيها بالتعليق ممن يصحُّ منه، ويكونُ بالتعليقِ بما بعدَ الموتِ على غيرِ مالٍ، أو بمالٍ، ويكونُ العتقُ بالكتابةِ.
* * *
والكتابَةُ صحيحةٌ وفاسدَةٌ (١)، فالصحيحةٌ تعليقٌ في عقدٍ يغلبُ فيه معنى المعاوضةِ، والفاسدةُ يغلبُ فيها التعليقُ، وفيها سائبة المعاوضةُ، وقد سبقَ
стр. 1790
نظيرُهُ في الخلعِ بالنسبة إلى الزوجِ، وأنَّ العرقَ نزَّاعٌ، فالكتابةُ الصحيحةُ سبقَ بيانُها، الفاسدةُ هي التي صدرَ فيها الإيجابُ والقبولُ ممن تصحُّ عبادتُه، واشتملتْ على قصد الماليةِ، ولم يؤخذ فيها بقية ما يعتبرُ في الصحيحةِ لذكر شرطٍ فاسدٍ أو عوضٍ فاسدٍ، مقصود غير شرعي، كخمرٍ ونحوِهِ، أو مجهول يمكن دفعه أو لم يؤجلِ العوضُ، أو أخلَّ بنجمٍ، أو أَجلٍ مجهولٍ، أو كاتبَ بعضَ عبدٍ فيه رقٌّ لغيرِهِ أو له، ولا بدَّ فيها مع كونِ المالكِ مكلفًا مختارًا أن يكونَ حرًّا، فكتابةُ المكاتِبِ عبدَهُ باطلَةٌ، ولو أذنَ السيدُ على المذهبِ. وكذا المبعَّضُ كما سبقَ، وهي كالصحيحةِ في استقلالِ المكاتبِ بالكسبِ حتَّى فيما يوهَبُ له، ويوصَى له به، ويلتقطه، ويرضخُ له، ونحوها، وتبرعاتُه وخطره كالصحيحةِ، وقال البغويُّ: لا يتصرَّفُ فيما في يدهِ، وهو ضعيفٌ، وكالصحيحةِ في أنَّه يصرف إليه أرشُ الجنايةِ عليه، وعلى رقيقِه، وله مهر جاريته، حيث يجبُ بعقدٍ أو وطءٍ أو موت، والمكاتبةُ كذلك، ولها مهرُ نفسِها فيما ذُكِرَ.
وإذا حصلَ العتقُ في الفاسدةِ بأداءِ المالِ تبعَهُ ما بقي من الكسبِ، ويتبعُ الولدُ أَيضًا على المذهبِ، وإذا استقلَّ سقطتْ نفقتُهُ وقياسُهُ سقوطُ فطرَتِهِ، وفي "الروضة" تبعًا للشرحِ تجبُ فطرتُهُ، وهو ممنوعٌ.
* * *
وتخالف الفاسدةُ الصحيحةَ في نحوِ مائةِ موضعٍ أو أكثرَ، نذكرها على ترتيبِ أبوابِ الفقهِ:
يجبُ أن يشتري له ماءَ الطهارَةِ ونحوه، إذا لم يستقلَّ كما هو مصحح في القنِّ.
ويزكِّي عنهُ زكاةَ التجارَةِ. قالهما شيخُنا تخريجًا.