إهداء
إلى من علَّمني حروفًا، فصارت غُيوثًا تموج بها أَسْطُرُ هذه الصفحات.
* إلى أبي وأمي، إلى زوجتي وأبنائي، رُفَقاء دربي في المَضايق والمَسَرَّات.
* إلى من واراه السِّتار، ولولا فضلهم -بعد الإله - ما رأى هذا السِّفْرُ نُور المنارات.
** لهؤلاء أقول:
عجز اللسان عن موافاة شكركم، فانبري لذلك القلم، فانتهى مِدادُهُ قبل أن يَصل إلى مبتغاه ومَداه.
стр. 2
تقديم فضيلة الشيخ الدكتور/ محمد حسن عبد الغفار - حفظه الله -
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢]
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١]
إن خير الحديث، كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أما بعد.. مما لا شك فيه، أن أهمية العقيدة للأمة الإسلامية لا يدانيها أهمية؛ فإن العقيدة أهميتها للقلب في سلامته وأستواءه، وهذا هو مدار القبول عند الله
فإن الله لا يقبل من العبد صرفًا ولا عدلًا، إلا إذا وافي ربه ﵎ بقلب سليم، قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ [الشعراء: ٨٨، ٨٩] وقال تعالى عن خليله إبراهيم ﵇: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ
стр. 3
رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤)﴾ [الصافات: ٨٣، ٨٤] والقلب السليم، لا يكون إلا بالاعتقاد السليم.
ومن المستقرء في السنة الجارية، بين البشر أن الانحراف العقدي يؤثر سلبًا في الاعتقاد والعبادة، وعملًا وسلوكًا.
وقد تفضَّل الأخ الكريم، أيمن إسماعيل في هذا الكتاب القيم، بذكر جملة من الأحاديث في أبواب الاعتقاد، جمعًا وتخريجًا وشرحًا، مع النظر في الملمح العقدي المهم الذي يستوي به القلب.
وقد وقفت له في هذه الأحاديث على قاعدة قد جعلها نصب عينيه، وهذه القاعدة في الأصل هي قاعدة سلفية أصيلة، وهي أن الاعتقاد لا بد أن يتلو الاستدلال، ولذلك ما انحرف من انحرف من أهل البدع والضلالات إلا لما خالفوا هذا الأصل، فصاروا يعتقدون، ثم يستدلون، ولذا فقد عمدوا إلى أدلة الشرع؛ تحريفًا، وتبديلًا، وتقديمًا وتأخيرًا؛ لتوافق ما اعتقدوه، وصار من حرفتهم لي عنق الأدلة لتصير وفق أهوائهم.
وختاما: نشكر أخانا الفاضل، على ما بذل من وسعه؛ في تقريب عقيدة السلف. ونسأل الله أن يبارك جهده، وأن يجعل عمله خالصًا لوجه تعالي.
فما كان لله دام واتصل، وما كان لغيره انقطع وانفصل.
كما نسأله تعالى أن ينفع به الأمة الإسلامية، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
* * *
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدّمة:
إنّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفُسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مُضلّ له، ومن يضلل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبدُه ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].
أمّا بعدُ:
فإنّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله- تعالى-، وخير الهَدي هَديُ محمد- ﷺ ، وشر الأمور محدَثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أمّا بعدُ
فلا شكَّ أنّ أعظم زادٍ يلقى به العبد ربه- تعالى- يوم القيامة إنما هو صحة الاعتقاد في الله- تعالى- وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخِر.
فمقام العقيدة مقام عظيم وخطير، فكم زلّت أقدام، وضلّت أفهام، وتشعبت فِرَق بسبب سوء الفهم واتباع الهوى.
قال ابن القيّم:
"وهل أوقعَ القدَريّةَ والمُرجئةَ والخوارجَ والمعتزِلةَ والجَهْميةَ والرافضةَ وسائرَ الطوائف أهل البدع إلا سوءُ الفَهم عن الله ورسوله؟ حتى صار الدين بأيدي أكثر الناس هو موجَب هذه الأفهام". (١)
لِذا الواجبُ على كل مسلم أن يتعلم ما يُصلح به عقيدتَه، ولمَ لا؟ وهي رأس
стр. 5
ماله وزادُه في مسيره إلى الله تعالى.
قال تعالى:
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩].
وعن أنس- ﵁ عن النبي- ﷺ أنه قال:
«طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ». (١)
فإن لم يكن طلب علم الاعتقاد فرضًا، فأيُّ علم يكون طلبه فرضًا بعد ذلك؟!
ويكفي في خطورة هذا الباب: أن الخطأ فيه ليس كالخطأ في غيره؛
قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦].
قال المُزَنِيّ:
"كنت عند الشافعي أُسائله عن مسائلَ بِلِسان أهل الكلام، قال: فجَعَلَ يسمعُ مني وينظرُ إليّ
ثم يُجيبُني عنها بأقصرِ جواب، فلما اكتفيت قال لي: يا بنيّ، أدلك على ما هو خير لك من هذا؟
قلت: نعم، فقال:
"يا بنيّ، هذا علمٌ إن أنت أصبتَ فيه لم تؤجر، وإن أخطأت فيه كَفَرْتَ". (٢)
ولما ذكر القُرطبي مسألة مهمة من مسائل إفراد الله- تعالى- بالعبادة، قال- ﵀:
"وهذه المسألة أفضل للطالب من حفظ ديوان كامل في الفقه؛ لأنَّ جميع العبادات البدنية لا تصح إلا بتصحيح هذه المسألة في القلب، فافهمْ ذلك". (٣)
стр. 6
فأرجى ما يلقى به العبد ربه- أن يكون صحيح المعتقَد، فهذا سبيل النجاة.
قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩]. قال مُجاهِد والحسَن: ﴿بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ يعني: من الشرك. وقال أبو عثمان النيسابوري: "هو القلب الخالي من البدعة، المطْمئن إلى السنة". (١)
وعن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو- ﵄ أن رَسُولَ اللهِ- ﷺ قال:
«إِنَّ اللَّهَ سَيُخَلِّصُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُءُوسِ الخَلَائِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مِثْلُ مَدِّ البَصَرِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟
أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الحَافِظُونَ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: أَفَلَكَ عُذْرٌ؟
فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: بَلَى، إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً، فَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ اليَوْمَ، فَتَخْرُجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولُ: احْضُرْ وَزْنَكَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ مَا هَذِهِ البِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ؟ فَقَالَ: إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ.
قَالَ: فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كَفَّةٍ وَالبِطَاقَةُ فِي كَفَّةٍ، فَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتِ البِطَاقَةُ، فَلَا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ شَيْءٌ». (٢)
وفي هذا المعنى قال ابن رجب:
"فإنْ كَملَ توحيدُ العبد وإخلاصه لله فيه، وقام بشروطه كلِّها بقلبه ولسانه وجوارحه، أو بقلبه ولسانه عند الموت؛ أوجبَ ذلك مغفرةَ ما سلفَ من الذنوب كلها، ومنعه من دخول النار بالكُلّية. فمن تحقَّق بكلمة التوحيد قلبه؛ أَخرجتْ منه كل ما سِوى اللهِ محبةً وتعظيمًا وإجلالًا ومهابةً وخشيةً ورجاءً وتوكلًا، وحينَئذٍ تَحرق ذنوبه وخطاياه كلها ولو كانت مِثل زَبَدِ البحر، ورُبّما قلَبتْها حسناتٍ". (٣)
وقد حرَصتُ في هذا الكتاب على أن يشتمل في كل مبحث من مباحثه على أمور أربعة، بها يكمُل بنيان العقيدة في حياة طالب العلم:
الأول: ذكر عقيدة أهل السنة في المسألة.
стр. 7
الثاني: ذكر أدلة هذا المعتقَد من: الكتاب، والسنة، والإجماع، والنظَر.
الثالث: ذكر شُبهات المخالفين لأهل السنة.
الرابع: ذكر الرد على تلك الشبهات.
* وهكذا يكون البناء العقَدي لطالب العلم مبنيًّا على ترسيخ التأسيس، و كشف التلبيس:
ترسيخ التأسيس: وذلك بمعرفة المعتقَد، ومعرفة أدلة هذا المعتقَد.
كشف التلبيس: وذلك بالوقوف على شبهات المخالفين، الذين أبَوْا إلا أن يخالفوا نهج أهل السنة والجماعة، حتى حادُوا عن طريق البيّنات إلى بُنَيّات الطريق.
* ولقد كان جُلُّ اهتمام العلماء في منشأِ الأمر متوجهًا نحو تأسيس عقيدة السلف وتبيينها، حتى اضطُرُّوا بعد ذلك إلى الرد على نابتة السوء من أهل البدع ومَن على شاكلتهم.
قال الدارمي:
"وما ظَنَنّا أنا نُضطر إلى الاحتجاج على أحد ممن يدَّعي الإسلام في إثبات العرش والإيمان به، حتى ابتُلِينا بهذه العِصابة المُلحدة في آيات الله؛ فشغلونا بالاحتجاج لِما لم تختلف فيه الأمم قبلنا، وإلى الله نشكو ما أَوْهَتْ هذه العصابة مِن عُرَى الإسلام، وإليه نلجأ، وبه نستعين". (١)
*وصدقَ ﵀، فحينما تقرأ في شبهات أهل البدع وأباطيلهم فسترى عقولًا فيها باضَ الشيطان وفرَخ، حتى أنتج لأوليائه فِكَرًا بلهاء، بل زندقة صلعاء، لا تملك أمامها إلا أن تحمد ربك على سلامة العقل، والعافية في الدين.
* ولا شك أن الرد على أهل البدع من أفضل ما يتقرَّب به طالب العلم إلى الله ، وهذا ضَرْبٌ من الجهاد في سبيل الله تعالى.
وقد روجع شيخ الإسلام ابن تيمية في كثرةِ رده على أهل البدع، كما حكى ذلك
стр. 8
عنه أحد تلامذته، وهو أبو حفصٍ البزَّار، حيث قال:
"ولقد أكثر شيخ الإسلام- ﵁ التصنيف في الأصول، فضلًا عن غيرها من بقية العلوم، فسألته عن سبب ذلك، فقال:
إني رأيتُ أهل البدع والضلالات والأهواء قصدوا إبطال الشَّرِيعَة، وأوقعوا النَّاس فِي التشكيك فِي أصول دينهم، فبان لي أنه يجب على كل من يقدر على دفع شُبَههم وأباطيلهم وَقطع حجتهم وأضاليلهم أن يَبْذُلَ جُهده ليكشف رذائلهم، ويُزيِّف دلائلهم ذبًّا عَن المِلّة الحنيفية والسّنّة الصحِيحَة الجليّة.
فهذا ونحوُه هو الذي أَوْجَبَ أنّي صرَفتُ جُلَّ همّي إلى الأصول، وألزمَني أن أوردتُ مقالاتِهم وأجبتُ عنها بما أنعم الله- تعالى- به من الأجْوبة النقلية والعقلية". (١)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:
"ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة؛ فإنّ بيان حالهم وتحذيرَ الأمة منهم واجب باتفاق المسلمين، حتى قيل لأحمدَ بنِ حنبل:
الرجل يصوم ويصلي ويعتكف أحبُّ إليك، أوْ يتكلم في أهل البدع؟
فقال:
إذا قام وصلَّى واعتكف فإنما هو لنفسه، وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين، هذا أفضلُ". (٢)
* وما فَتِئَ علماءُ الأمة و حُماة المِلّة يسطِّرون فى الرد على أهل البدع والأهواء،
وأمثلة ذلك لا حصر لها، لكن من باب التمثيل نذكر:
الرد على الجهمية والزنادقة للإمام أحمد بن حنبل، والرد على المنطقيِّين لشيخ الإسلام ابن تيمية، والصواعق المرسَلة على الجهمية والمعطّلة لابن قيّم الجوزية، والرد على الجهمية للدارمي... وغير ذلك كثير.
*ولا شكَّ أن الرد على أهل البدع وكسْرَ أقلامهم وقمْعَ نَهْجهم هو ضَرْبٌ من ضُروب الجهاد في سبيل الله تعالى.
стр. 9
*ومما يُستأنس به لهذا الأصل: ما قد رواه أَنَسٌ- ﵁ عن النَّبِيِّ- ﷺ أنه قالَ: «جاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ». (١)
قال أبو العباس ابن تيمية:
"فكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدَع مناظرةً تَقطع دابرهم لم يكن أعطى الإسلامَ حقَّه، ولا وفَّى بموجَب العلم والإيمان، ولا حَصَلَ بكلامه شفاءُ الصدور وطُمَأنينة النفوس، ولا أفاد كلامُه العلمَ واليقينَ.
وقد أوجب الله- تعالى- على المؤمنين الإيمان بالرسول والجهاد معه، ومِن الإيمان به تصديقُه في كل ما أخبر به، ومن الجهاد معه دفعُ كل مَن عارض ما جاء به وألحد في أسماء الله وآياته". (٢) وكان هذا دأبًا ومنهجًا لأبي العباس ابن تيمية فى جهاد أهل البدع بقلمه ويده، ما لم يترتب على ذلك مفسدة، كما حكى تلميذه ابن كثير قائلًا:
"وراح الشيخ تقي الدين ابن تيمية إلى مسجد النارنج، وأمرَ أصحابَه ومعهم حجَّارون بقطع صخرة كانت هناك بنهر قَلُوط- تُزارُ ويُنذَرُ لها- فقطعَها، وأراح المسلمين منها ومن الشرك بها، فأزاح عن المسلمين شبهة كان شرها عظيمًا". (٣)
قال ابن القَيّم:
"وتبليغ سُنّته إلى الأمة أفضل من تبليغ السهام إلى نُحور العدوّ؛ لأن ذلك التبليغ يفعله كثير من الناس، وأما تبليغ السُّنَن فلا تَقُوم به إلا وَرَثة الأنبياء وخُلَفاؤهم في أُمَمهم، جعلَنا الله- تعالى- منهم بمَنّه وكرمه". (٤)
قال الغَزالي:
"فهذا حُكم العقيدة التي تعبّد الخلق بها، وحُكم طريق النِّضال عنها وحِفظها، فأمّا إزالة الشبهة وكشف الحقائق ومعرفة الأشياء على ما هي عليه وإدراك الأسرار التي يُتَرْجمها ظاهرُ ألفاظ هذه العقيدة فلا مِفتاح له إلا المُجاهَدة... ". (٥)
стр. 10
قال ابن رجب:
"وكذلك من يشتغل بالعلم؛ لأنه أحد نوعَي الجهاد، فيكون اشتغاله بالعلم للجهاد في سبيل الله والدعوة إليه، فلْيأخذْ مِن أموال الفَيْء أو الوُقوف على العلم قَدْرَ الكِفاية ليتقوَّى على جهاده، ولا ينبغي أن يأخذ أكثر من كفايته من ذلك". (١)
أقول:
إنّ المتصفِّح لأسطُر هذا الكتاب سيقف على حقيقةٍ هي من الأهمية بمكان، وهي أنّ أخصَّ ما ميَّزَ أهل السنة والجماعة مِن غيرهم مِن فِرَق الأمة أمران:
(تعظيم الأثَر، والثبات على المنهج).
فتعظيم الأثر هو أحد أهمّ الدلائل على صحة الادّعاء أنّ أهل السنة والجماعة هم الفِرْقة الناجية.
فاعتصام أهل السنة والجماعة بالآثار أمرٌ بيّنٌ واضحٌ وُضوحَ الشمس في رائعة النَّهار، وليس أدلّ على صحة هذا الأمر- الذي هو اتباع ظواهر النصوص والعَضّ عليها بالنَّواجِذ- مِن كونه صار سُبّةً يُرمى بها أهل السنة والجماعة.
فالآثار هي غنيمة أهل السنة، ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾، فقد تمسَّكوا بالمسطور، ونبذوا محدَثات الأمور، حتى خرجت عقيدتهم مِن بَينِ فَرْثٍ ودمٍ لَبَنًا خالصًا سائغًا لِلشّاربينَ.
وأما الأمر الثاني "الثبات على المنهج":
فمن سمات أهل السنة والجماعة الثباتُ على المنهج، وهذه مما حَظِيَ به أهل السنة والجماعة دُونَ غيرهم من الفرق، فتقرأ كثيرًا عن الاختلاف البيِّن الواسع والتخبُّط الظاهر الشاسع بين المتقدمينَ والمتأخرينَ في كل فرقة من الفرق الضالّة، وتسمع كثيرًا قول القائل: متأخِّرو القدرية، ومتقدِّمو الأشاعرة... إلخ، ومِثل هذا لا تراه- بفضل الله- عند أهل السنة والجماعة.
وكم من إمامٍ من الأئمة الكبار في تلك الفِرَق رأيناه يُظهر الندامة على عُمره الذي أضاعه في القِيلِ والقالِ، والطريقِ السقيمِ الضالّ؛ لِيُعلنَ العودة إلى سَواء السبيل وشِفاء العَليل، إلى آثار النُّبُوّة والتنزيل!
стр. 11
وأخيرًا...
هذا جُهْدُ المُقِلِّ، قد أنفقتُ فيه جُهدي، وبذلت وُسْعي، وقد سطَّرته وأنا أعلمُ أنّه عملٌ بشريٌّ يعتريه الخطأ والتقصير، وهذا المعنى قد ذكره الله- في قوله- تعالى-:
﴿... وَلَوْ كَانَ من عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
وفي هذا المعنى قال الصَّحابيُّ الجَليل عبد الله بنُ مسعود ﵁:
"فَإِنْ يَكُ صَوَابًا فمِنَ اللَّهِ وإِنْ يَكُنْ خَطَأً فَمِنِّي وَمِنَ الشَّيْطَانِ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ بَرِيئَانِ". (١)
وأمّا أنا فقد اعترفتُ بقُصوري فيما اعتمدتُ عن الغاية، وتقصيري عن الانتهاء إلى النهاية، فأسأل الناظرَ فيه ألّا يعتمد العَنَتَ ولا يقصدَ قَصْدَ مَن إذا رأى حسنًا سَتَرَهُ، وعيبًا أَظْهَرَهُ، ولْيتأمَّلْهُ بعين الإنصاف لا الانحراف، فمَن طلبَ عيبًا وَجَدَّ وَجَدَ، ومَن افتقد زَلَلَ أخيه بعين الرِّضا فقد فَقَدَ. (٢)
*فيا أَيها القارئ لِما سطَّرتُه والناظرُ فيه، هذه بِضاعةُ صاحِبِها المُزْجاةُ مَسُوقةٌ إليك، وهذا فَهْمُهُ وعقله معروضٌ عليك، لك غُنْمُهُ، وعلى مؤلِّفه غُرْمُهُ، ولك ثمرتُه، وعليه عائدتُه، فإنْ عَدِمَ منك حمدًا وشكرًا، فلا يَعْدَم منك مَغفرةً وعُذْرًا، وإِنْ أَبَيْتَ إلا المَلامَ فبابُه مفتوح. (٣)
فاللهَ- تعالى- أسألُ أن يتقبل هذه الورقات بقَبولٍ حَسَنٍ، وأنْ يُنبتها- نشرًا وعملًا بين المسلمين- نباتًا حسنًا، وأن يجعلها خالصة لوجهه- تعالى- ولا يجعلَ لأحدٍ فيها شيئًا.
ولا يفوتُني أن ألتمس مِن كل من قرأ هذا الكتاب أن يتفضل مشكورًا بإبداء نُصحه وملاحظاته؛ فإنَّ المؤمن مِرْآة أخيه المؤمن، والله -تعالى- في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، واللهَ -تعالى-أسألُ أنْ يوفقَنا لِما فيه الصواب.
وَنَادَيْتُ أللَّهُمَّ يَا خَيْرَ سَامِعٍ... أَعِذْنِي مِنَ التَّسْمِيعِ قَوْلًا وَمِفْعَلَا
إِلَيكَ يَدِي مِنْكَ الأَيَادِي تَمُدُّهَا... أَجِرْنِي فَلا أَجْرِي بِجَوْرٍ فَأَخْطَلَا
الحديث الأول: ثمار الأراك في شرح حديث الافتراق
نص الحديث:
عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ -رضى الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَافْتَرَقَتِ النَّصَارَى عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، فَإِحْدَى وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَتَفْتَرِقَنَّ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: «الْجَمَاعَةُ»، وفي رواية: «مَا كان على مِثل ما أَنَا عَلَيْهِ اليومَ وَأَصْحَابِي».
تخريج الحديث، وطُرقه:
هذا الحديث مستفيض، فقد ورد من حديث أبي هريرة، ومعاوية بن أبي سفيان، وأنَس بن مالك، وعَوف بن مالك الأَشجَعِيّ، وأبي أُمامة الباهليّ، وسعد بن أبي وَقّاص، وعمرو بن عَوف المُزَنيّ، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي الدَّرداء، وواثِلة بن الأَسقع ﵃.
ورواية هذا الجمع الذين يستحيل تواطؤهم على الكذب تَرقى بالحديث إلى حد التواتر، أوما هو قريب منه.
كما أن كثيراً من هذه الأحاديث أسانيدها نظيفة؛ كحديث أبي هريرة، ومعاوية، وعوف بن مالك، وأبي أمامة وغيرهم.
وعلى فرْض أن أسانيد هذه الأحاديث في مفرداتها ضعف، فلا يشك من له أدنى
стр. 14
خبرة بالصناعة الحديثية أن ضعفها ليس شديداً، وهي بذلك ترتقي إلى درجة الصحة والثبوت والاحتجاج.
أضف إلى ذلك أن أئمة الصنعة الحديثية قد حكموا على حديث (الفرقة الناجية) بالثبوت ولم يختلفوا في تصحيحه، ودُونَك سردًا بأسمائهم ومواطن قولهم:
أولاً:
حديث أبي هريرة ﵁ قال عنه الترمذي: "حديث حسن صحيح".
وقال الحاكم (١/ ١٢٨): "صحيح على شرط مسلم"، ووافقه الذهبي.
ثانياً:
حديث معاوية بن أبي سفيان ﵁.
قال الحاكم: "هذه أسانيد تقوم بها الحجة في تصحيح هذا الحديث"، ووافقه الذهبي، وقال الحافظ ابن حَجَر في تخريج أحاديث الكَشّاف (ص/ ٦٣) "حديث حسن".
ثالثاً:
قال شيخ الإسلام في [مجموع الفتاوى] (٣/ ٣٤٥): "الحديث صحيح مشهور في السنن والمسانيد".
قال الشاطبي في [الاعتصام] (٢/ ١٨٦): "حديث تفرُّق الأمة صح من حديث أبي هريرة ﵁". وقال الحافظ ابن كَثير في [تفسيره] (٢/ ٤٨٢):
"هو حَدِيثٌ مَرْوِيٌّ فِي الْمَسَانِيدِ وَالسُّنَنِ مِنْ طُرُقٍ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضاً".
كذلك فقد ذكره السخاوي وأسهب في سرد طرقه في "الأجوبة المرضية" (٢/ ٥٦٩)
رابعاً:
وممّن نص على ثبوته: عبد القاهر البَغداديّ في [الفَرْق بين الفِرَق]، فقال: "للحديث الوارد على افتراق الأمة أسانيدُ كثيرة".
خامساً:
وكذلك العلامة الأَلباني قد عقدَ في «الصحيحة» (٢٠٤/ ٢٠٥) بحثاً حديثياً نفيساً، وفنَّد شبهات المخالفين المضِّعفين للحديث، وردَّ عليها.
كل هؤلاء الأعلام الفُحول جزموا بصحة الحديث وثبوته، خلافاً لبعض المعاصرين الذين تكلموا في غير فنهم فأتَوْا بالعجائب!
стр. 15
ويمكن الجزم بتلقي أئمة الحديث هذا الحديثَ بالقبول بطريقتين:
١) كثرة أصحاب السنن، والمسانيد، والمعاجم، وكتب التراجم، والعقائد الذين روَوْا هذا الحديث دون إنكارٍ لمتنه.
٢) كثرة الكتب التي صُنفت في «الملل والنحل»، منها: [الفصل في الملل والأهواء والنِّحَل] لابن حزم، و [الفرْق بين الفرَق، وبيان الفرقة الناجية] لعبد القاهر البغدادي، و [مقالات الإسلاميين] لأبي الحَسن الأشعريّ (١)
وممن صححه: الذهبي، والعراقي، والشاطبي، والبيهقي، والبَغَوي، وابن حَجَر، وابن كَثير، والحاكم، والذَّهَبي، والتِّرمذي، والسيوطي، وابن الوزير، وقال فيه السخاوي: رجاله موثقون، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح. فهوحديث أتى من جملة من الطرق يقوى بعضها بعضاً، فيرتقي إلى الصحة. والله أعلم (٢).
وقد ذكره الكتاني في كتابه [نَظْم المتناثر من الحديث المتواتر/ ١٨]. وكذلك عدَّه الإمام السيوطي من الأحاديث المتواترة (٣)، ولكن دعوى القول بتواتره فيها نظر، بل نقول: إن التواتر في هذا الحديث تواترٌ معنويّ، فقد جاءت جملة من الأحاديث تحمل المعنى نفسَه، مثل: قول النبي ﷺ : «من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً»، وكذلك حديث الحوض، وأنه سيرِد ناس على الحوض، ثم يردُّون عنه، لأنهم قد خالفوا سنة النبي ﷺ ، وتفرقوا واختلفوا.
فالحاصل أن هذا الحديث حديث متواتر من حيث المعنى.
* وقد تكلم البعض في تضعيفه، فمنهم من ضعفه بالرأي، ومنهم من ضعَّفه من ناحية إسناده، والذين ضعفوه بالرأي قالوا:
إنه بناءً على هذا الحديث سيكون أكثر
стр. 16
هذه الأمة هَلْكى؛ لأن النبي ﷺ قال: «وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة».
يخالف ما أخبر عنه النبي ﷺ ، أن أمته نصف أهل الجنة، كما ورد ذلك في الصحيحينِ.
الرد على هذه الشبهة:
قال أبو العباس ابن تيمية: "الفرقة الناجية هي أهل السنة والجماعة، وهم الجمهور الأكبر والسواد الأعظم، وأما الفرق الباقية فإنهم أهل الشذوذ والتفرق والبدع والأهواء، ولا تبلغ الفرقة من هؤلاء قريبا من مبلغ الفرقة الناجية، فضلاً عن أن تكون بقدرها، بل قد تكون الفرقة منها في غاية القلة". (١).
يقول الإمام الصَّنعانيّ:
"هذه الفرق المحكوم عليها بالهلاك قليلة العدد، لا يكون مجموعها أكثر من الفرقة الناجية. فلا يتم أكثرية الهلاك، فلا يرِد الإشكال.
وإن قيل يمنع عن هذا أنه خلاف الظاهر من ذكر كثرة عدد فرق الهلاك، فإنّ الظاهر أنهم أكثر عدداً!! قلتُ: ليس ذكر العدد في الحديث لبيان كثرة الهالكين، وإنما هولبيان اتساع طرق الضلال وشعبها ووحدة طريق الحق". اهـ (٢).
قال الشيخ صالح المُقْبلي:
"إن الناس عامة وخاصة، فالعامّة آخِرُهم كأولهم، كالنساء والعَبيد والفَلّاحين والسُّوقة ونحوهم ممن ليس من أمر الخاصة في شيء، فلا شك في براءة آخِرهم من الابتداع كأولهم، وهم الأكثر عدداً قديماً وحديثاً، وأما الخاصة فمنهم مبتدع اخترع البدعة وجعلها أصلاً يردُّ إليها صرائح الكتاب والسنة، ثم تبعه أقوامٌ مِن نَمَطِهِ في الفقه والتعصُّب، وهؤلاء هم المبتدعة حقّاً عند الله تعالى،
стр. 17
وأفراد الفرق المبتدعة وإن كَثُرَت الفرق، فلعله لَا يكون مجموع أفرادهم جزءاً من ألف جزء من سائر المسلمين؛ فتأملْ هذا تَسلَمْ من اعتقاد مُناقَضة الحديث لأحاديث فضائل الأمة المرحومة". اهـ (١).
وعليه فهذه الفرق (كثرة في الأعداد، لا في الأتباع)
فإن قيل: حديث الباب معارض لما ورد في قوله ﷺ :
«أمتي هَذِهِ أُمَّةَ مَرْحُومَةٌ، لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ فِي الْآخِرَةِ، عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا الْفِتَنُ، وَالزَّلَازِلُ، وَالْقَتْلُ». (٢)
يقال:
إن هذا الاختلاف الواقع بين فرق هذه الأمة -أمة الإجابة- هو اختلاف لا يؤدي بها إلى الخلود في النار، بل غاية ما فيه إنما هو استحقاق العذاب، ولا يعني بأنها مرحومة أنها لن تُعذَّب، بل تؤول الرحمة على نفي الخلود في النار، لا أصل العذاب.
*وثمة جواب آخر: أن قوله ﷺ : «كلها في النار» غاية ما فيه: أن هذا الحديث من أحاديث الوعيد، فهذه الفرق قد أتت بما تستحق عليه العذاب، وأحاديث الوعيد قد يتخلَّف وقوعها لموانع أخرى، والتي منها: أن تدركهم رحمة الله تعالى، أو شفاعة النبي ﷺ ، أو شفاعة الصالحين.
بل إن نجاة الفرقة الناجية نفسِها لا يلزم منها عدمُ تعذيبها، فهم نَجَوْا بعقائدهم نَعَم، لكنهم سيحاسبون على أعمالهم، والمخالف منهم والعاصي مستحق للعذاب.
стр. 18
أهم الفوائد المتعلقة بحديث الباب:
الفائدة الأولى:
هذا الحديث قد ذكر تفرق الأمة يُعد عَلَماً من أعلام النّبوّة الذي تنبأ به النبي ﷺ ، وقد وقع بالفعل، والتفرق أمر قدَري كوني قد قدَّره الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩].
قال ابن كَثيرٍ:
"ولا يزال الخُلْفُ بين الناس في أديانهم واعتقادات مِللهم ونِحَلهم ومذاهبهم وآرائهم؛ وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ أيْ: إلا المرحومين من أتباع الرسل، الذين تمسكوا بما أُمروا به من الدين، فأهْلُ رَحْمَتِهِ لا يختلفون" (١).
وعن خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ ﵁ أن النبي ﷺ قال: سَأَلْتُ رَبِّي ثَلَاثَ خِصَالٍ، فَأَعْطَانِي اثْنَتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً، سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يُهْلِكَنَا بِمَا أَهْلَكَ بِهِ الْأُمَمَ قَبْلَنَا، فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يُظْهِرَ عَلَيْنَا عَدُوًّا مِنْ غَيْرِنَا، فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يَلْبِسَنَا شِيَعًا، فَمَنَعَنِيهَا " (٢).
٢ - الفائدة الثانية:
قول النبي ﷺ : «وستفترق أمتي...».
وهنا سؤال: ما المقصود بقوله ﷺ : «أمتي»؟
نقول:
قبل الإجابة عن هذا السؤال لا بد أن نعلم أولاً أن أمة النبي ﷺ تأتى على عدة معانٍ:
١ - المعنى الأول: أمة الدعوة، وتسمَّى أيضاً " أمة التبليغ ":
فهُم جميع من بُعث إليهم النبي ﷺ ، وقد بُعث ﷺ للناس كافة.
стр. 19
قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)) (سبأ: ٢٨)
وعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:
«وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ». (١)
وقال النبي ﷺ : «... وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً» (٢)، فيدخل في ذلك: أهل الكتاب، وغيرُهم.
٢ - المعنى الثاني: أمة الإجابة:
وهم الذين استجابوا لدعوة الرسول ﷺ ، ودانوا بدين الإسلام، وذلك يشمل كل مسلم، وإن كان واقعاً في جملة من البدع المفسقة التى لا تُخرج من دائرة الإسلام.
وهم المعنيون بقوله ﷺ في حديث الباب:
" وَإِنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ، إِلَّا وَاحِدَةً ".
٣ - المعنى الثالث: أمة الاتباع:
وهم الذين سلكوا نهج أهل السنة والجماعة، فساروا على هَدى النبي ﷺ ، وهم في ذلك ليسوا على درجة واحدة في الاتباع.
وعليه فهُم أخصُّ من أمة الإجابة، فهي الفرقة الناجية التي وردت في حديث الباب، وذلك في قوله ﷺ : «مَا كان على مِثل ما أَنَا عَلَيْهِ اليومَ وَأَصْحَابِي»
فهي كل من اتبع أصول الاعتقاد التي بُعث بها النبي ﷺ ، فكان على الأصول العامة لمنهج أهل السنة والجماعة، حتى وإن كان مقصراً في جانب العبادات العملية.
*وهنا نعود للسؤال:
لأي المعاني نوجه قوله ﷺ : «وستفترق أمتي...»؟
هل هي أمة الدعوة أم أمة الإجابة أم الاتباع؟
أما أهل البدع فتراهم يفسرون هذا الحديث فيقولون: إن النبي ﷺ إنما قصد بقوله «وستفترق أمتي...» أمة الدعوة.
стр. 20
فإذا سألتَ: فما مقصدهم من ذلك؟
نقول:
إنما أرادوا أن يؤسسوا أصلاً باطلاً، وهو أن الافتراق الذي عناه الرسول ﷺ إنما هو افتراق الناس إلى المِلل، وليس افتراق أهل الإسلام إلى مذاهب وفرق تنتسب إلى الإسلام، هكذا قالوا.
وعليه فتكون الفرقةُ الناجيةُ التي قال عنها الرسول ﷺ : هي «الْجَمَاعَةُ» - وفي رواية: «مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي» - على تفسيرهم:
هي كل من قال: "لا إله إلا الله، محمد رسول الله"، سواء أكان جَهْمياً أم حُلولياً أم قدَرياً أوقُبورياً.
وقالوا:
إن الشرك لن يقع في الأمة؛ لحديث النَّبِي ﷺ :
«وَاللَّهِ، مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي، وَلَكِنْ أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا»، أي: أن تتنازعوا وتختصموا على الدنيا) (١)، وقول النَّبِي ﷺ :
«إنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ» (٢).
*والصحيح - والله أعلم - أن المراد بقول ﷺ : " «وستفترق أمتي...» ":
هى أمة الإجابة، وليست أمة الدعوة؛ وإنما رجحنا هذا المعنى للسباق والسياق واللِّحاق، ففي السباق ذكر الرسولُ ﷺ افتراق اليهود والنصارى، وهي أمة الدعوة،، وفي اللحاق ذكرَ ﷺ الفرقةَ الناجية، فقال:
«مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي». وفي السياق ذكرَ ﷺ قوله: «وستفترق أمتي...»، فدل أن النبي ﷺ قصد أمة الإجابة فَقَطْ.
ومما يؤيد ذلك:
قوله ﷺ : «وستفترق أمتي...»، أي: إنه أمرٌ سوف يحدث في المستقبل، وأما افتراق اليهود والنصارى فقد تفرقت قبل ذلك؛ ومما يؤيد ذلك: أن المتتبع لفظة "أمتي" التي وردت في الألفاظ النبوية يجد أنها
стр. 21
لم تخرج عن هذا المعنى المراد، الذى هو (أمة الإجابة).
وقد ذكر الإمام الصنعاني ﵀ في كتابه [شرح حديث الافتراق] أنَّ المراد بقوله ﵊: «أمتي»، أي: أمة الإجابة، وردّ على من قال:
إنَّها أمة الدعوة، وإنَّ الناجية أمة الإجابة كلُّها، وردَّ ذلك من خمسة أوجُه (١).
ولما عدَّد أبو المظفر الأسفراييني الفرَق الثنتين والسبعين قال:
"والخطابية والحُلُولِيّة منهم فلا يُعدّون في زُمرة المسلمين؛ لأنهم كلهم يقولون بآلهية الأئمة". (٢)
* وأما الرد على فريتهم بعدم وقوع الشرك في أمة الإسلام، فالجواب أن يقال:
لا دلالة في تلك الأحاديث التي ذكروها على هذا القول الباطل الذي يريدون به أن يصححوا -والعياذ بالله - الشرك وعبادة القبور ودعاء الموتى، فقولهم:
إن الشرك لا يقع في هذه الأُمَّة، هذا تكذيبٌ للنصوص الصحيحة الثابتة عن النبي ﵊ في هذا؛ فقد صح -في الصحيح وغيره- أن الشرك سيقع في آحاد الأمة قبل قيام الساعة، فقد روى الشَّيخانِ عن أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
«لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ نِسَاءِ دَوْسٍ عَلَى ذِي الْخَلَصَةِ» (٣)، وروى مسلم عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى تُعْبَدَ اللَّاتُ وَالْعُزَّى» (٤)، وفي رواية ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :
«لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَلْحَقَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي بِالمُشْرِكِينَ، وَحَتَّى يَعْبُدُوا الأَوْثَانَ» (٥)، بل قد وقع هذا في العهود الأولى، فلقد
стр. 22
قاتل الصحابة ﵃ مَن وقع في الكفر والردة، وذلك في حروب الردة.
*أما ما استدلوا به من أثار، فنقول:
الشرك الذي نفى الرَّسُول ﷺ وقوعه إنما هو على مجموع الأمة، وعليه فقد يقع ذلك في الآحاد من أفرادها؛ ولذا قال:
«إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ». وأشار بذكر "الصلاة"؛ لأنها أهم العبادات البدنية، فلا ينفي هذا أن يقع الشرك وعبادة الأوثان في بعض الأُمَّة كما وقع في كثير من الناس من هذه الأُمَّة في عبادة المقبورين، كما هو واقع في بلاد المسلمين إلى يومنا هذا كما هو مشاهَد.
قال ابن حجر: "قوله ﷺ : «ما أخافُ عليكم أن تُشركوا» أي:
على مجموعكم؛ لأن ذلك قد وقع من البعض. أعاذنا الله تعالى منها! " (١).
أما الأمة في مجموعها فهي لا ترتدّ جملةً، فقد عصمها الله تعالى من ذلك، فالأمة معصومة من أن تجتمع على ضلالة، فضلاً عن الشرك:
عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
«لا تَزالُ طائفةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ» (٢)، وعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ أَجَارَ أُمَّتِي أَنْ تَجْتَمِعَ عَلَى ضَلَالَةٍ» (٣).
*وجوابٌ ثانٍ:
أن قوله ﷺ : «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ...» كونه أيس فإن يأس الشيطان ليس معصوماً؛ لأنه يئس لما رأى ظهور الإسلام وظهور الدين فيئس أن يعبده المصلّون، كما في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ...﴾ [المائدة: ٣]، فهو إخبار عن يأسه حينما رأى ظهور الدين (٤).
أو يُحمل يأسه على أنه يئسَ أن
стр. 23
يجتمع الناس جميعُهم على الكفر؛ وهذا ما رجّحه ابن رجَب (١).
*قلت:
ويؤيده: قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢].
جواب ثالث: أن يقال: إن نفي الشرك في الأمة خاص ببعض الأماكن دون بعض، كما في قوله ﷺ : «إنّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يُعْبَدَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ» (٢).
جواب رابع:
أن يقال: إنه في الصحابة ﵃ خاصة؛ لأن الرسول ﷺ قال: «عليكم». قال الحافظ: "فيه إنذار بما سيقع، فوقعَ كما قال ﷺ ، وأن الصحابة لا يُشركون بعدَه؛ فكان كذلك، ووقعَ ما أنذر به من التنافس في الدنيا" (٣).
جواب خامس:
أن يقال: لعلّ النبي ﷺ قال ذلك قبل أن يوحى إليه بأن طوائف من الأمة سوف يضلون ويشركون (٤).
وأقرب هذه الأَجْوِبة هو الجواب الأول، ثم الثاني. والله أعلمُ.
*ومن الفوائد التي تتعلق بحديث الباب: تفرُّق السابقينَ، وتقليدُ اللاحقينَ:
والمعنى الذي ورد في الحديث من تفرق اليهود والنصارى قد ورد في عدة مواضع من القرآن، منها: قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة: ٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ...﴾ [الشورى: ١٤]، وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ...﴾ [آل عمران: ١٩].
стр. 24
وهنا إشكال في قوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ...﴾، فمن المعلوم أن السنة تجمِّع والبدعة تفرِّق، فكيف تَفرقوا بعدما جاءهم العلم؟
الجواب: المعني أنّ تفرُّقهم واختلافهم لم يكن عن جهل منهم، إنما قد جاءهم العلم يأمرهم وينهاهم.، يأمرهم بعدم التفرق فكابروا وتمردوا، وأبَوا إلا الفُرقة، رغم قيام الحجة عليهم، كما في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ...﴾ [الجاثية: ٢٣]. وقولُه: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ يحتمل قولين: أحدهما- وأضله الله؛ لعِلمه أنه يستحق ذلك. والآخر- وأضله الله بعد بلوغ العلم إليه، وقيام الحجة عليه. والثاني يستلزم الأول، ولا ينعكس (١).
والحاصل أنه قد تفرَّق السابقون من أهل الكتاب، وسار على تقليدهم اللاحقون من هذه الأمة، كما تنبأ النبي ﷺ بقوله: «لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بَاعاً بِبَاعٍ، وَذِرَاعاً بِذِرَاعٍ، وَشِبْراً بِشِبْرٍ، حَتَّى لَو دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمْ فِيهِ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْيَهُودُ، وَالنَّصَارَى؟
قَالَ: «فَمَنْ إِذاً؟!» (٢)، فساروا على درب السابقين واختلافهم، ونسُوا أو تناسَوْا أن الجماعة رحمة، وأن الفُرقة عذاب؛ فإن الأصول العامة للشرع قد نَهَتْ عن التفرق والاختلاف: قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]،
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٩].
بعضهم ببعض، وهذه إحدى قواعد الإسلام". (١).
قال عبد الله بن مسعود ﵁: "الزموا هذه الطاعة والجماعة، فإنه حبل الله الذي أمر به، وإنّ ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة". (٢)
واعلم أن الفرقة الناجية سبيلها واحد، نعَم قد يقع بينها خلاف، ولكن هذا الخلاف له سمات:
١) السمة الأولى: هو خلاف في التطبيق، لا التأصيل.
توضيح هذه العبارة: بمعنى أن التأصيل واحد، ولكنَّ الخلاف قد يقع بينهم في التطبيق: مثال: اتفاق أهل السنة على إثبات صفات الله ، ولكن قد يختلفون في بعض الآيات أو الأحاديث، هل هذه من آيات الصفات، أم لا.
مثال ذلك: قال تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. أخرج البيهقي وابن خُزَيمة عن مجاهد قال: "وجه الله: قِبلة الله".
وقد نبَّه إلى ذلك الشافعيُّ وابنُ تيمية، وبيّنا أن قول مجاهد فيها صحيح، وأن هذا مما لم يخالفه فيه أحدٌ من الصحابة والتابعين، في حِينَ ذهبَ ابن خُزيمة في [التوحيد] والبيهقي في [الأسماء] أن هذه الآية من آيات الصفات.
فهذا الاختلاف حاصل بينهم، مع اتفاق الجميع على إثبات صفة الوجه لله -تعالى- من الأدلة الأخرى الصريحة. والأمثلة على ذلك كثيرة.
٢) السمة الثانية:
أن خلافهم في الأحكام العملية، وليس في أصول الاعتقاد الكلّيّة كاختلاف الشافعية مع المالكية -مثلاً- في بعض الأحكام في أبواب الطهارة أو الصلاة، ونحن في ذلك لا نقول: فرقة الشافعية، أو فرقة المالكية مثلاً، بل نقول: المذهب الشافعي، والمذهب المالكي.
стр. 27
لذا فلا يُحمل حديث الباب على الاختلاف في الأحكام العملية، ولا في المسائل والأقوال الفقهية، ولم يزَل الخلاف حاصلاً في الفروع بين أهل العلم من لَدُنِ الصحابة ﵃ إلى يوم الناس هذا، دون أن يُحدث هذا الأمر فرقة بينهم. ولم يزَل علماء الأمة يصنِّفون في مسائل الخلاف بين العلماء في الفروع الفقهية، ومن الأمثلة على ذلك:
كتاب [اختلاف أبي حَنيفة وابن أبي ليلى] لأبي يوسف الأنصاري، وكتاب [اختلاف الفقهاء] للمَرْوَزِي، وكذلك [اختلاف الفقهاء] لابن جَرير، والأمثلة في ذلك كثيرة.
قال الإمام أبو منصور التميميُّ:
وقد عَلِم كلُّ ذي عقل من أصحاب المقالات المنسوبة أن النبي ﷺ لم يُرد بالفرق المذمومة التي هى من أهل النارفرَق الفقهاء الذين اختلفوا في فروع الفقه مع اتفاقهم على أصول الدين؛ لأن المسلمين فيما اختلفوا فيه من فروع الحلال والحرام، ليس فيما بينهم تكفير ولا تضليل فيما اختلفوا فيه من أحكام الفروع، وإنما فصَّل النبي ﵇ بذكر الفرق المذمومة فرق أصحاب الأهواء الضالة الذين خالفوا الفرقة الناجية في أبواب العدل والتوحيد، أو في الوعد والوعيد، أو في بابَي القدر والاستطاعة، أو في تقدير الخير والشر، أو في باب الهداية والضلالة، أو في باب الإرادة والمشيئة، أو في باب الرؤية والإدراك، أو في باب صفات الله وأسمائه وأوصافه" (١).
وهذا ما ذكره الامام الشاطبي معلقاً على حديث الباب كما في قوله: "فلا يصح أن يراد مطلق الافتراق، بحيث يطلق صور لفظ الاختلاف على معنى واحد؛ لأنه يلزم أن يكون المختلفون في مسائل الفروع داخلينَ تحت إطلاق اللفظ، وذلك باطل بالإجماع؛ فإن الخلاف من زمان الصحابة إلى الآن واقع في المسائل الاجتهادية، ولم يَعِبْ أحد ذلك منهم، فكيف أن يكون الافتراق في المذاهب مما يقتضيه الحديث؟!
стр. 28
وإنما يراد افتراق مقيد، وإن لم يكن في الحديث نصٌّ عليه، ففي الآيات مما يدل عليه: قوله تعالى: ﴿... وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣١ - ٣٢]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ...﴾ [الأنعام: ١٥٩]، وما أشبهَ تلك الآياتِ الدالةَ على التفرُّق الذي صاروا به شِيعاً. ومعنى "صاروا شيعاً": جماعات، بعضهم قد فارق بعضاً، ليسوا على تآلُفٍ ولا تعاضُدٍ ولا تناصُرٍ، بل على ضد ذلك"اهـ. (١)
قال الشيخ صالح المُقبلي: "من المعلوم أنه ليس المراد من الفرقة الناجية: ألّا يقع منها أدنى اختلافٍ؛ فإن ذلك قد كان في فُضلاء الصحابة ﵃، إنما الكلام في مُخالفة تُصيِّر صاحبَها فِرقةً مستقلةً ابتدَعَها". (٢)
*ومن الفوائد المتعلقة بحديث الباب:
قوله ﷺ في حديث الباب: «كلها في النارِ إلا واحدة...» يدل على أن الحق واحد لا يتعدد.
قوله ﵊: «إلا واحدة» قد أعطى بنصّه أن الحق واحد لا يختلف، إذ لو كان للحق فرَقٌ أيضاً لَما قال: «إلا واحدة» (٣). وهذا ما تكاثرت عليه أدلة الشرع: قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ...﴾ [الأنعام: ١٥٣]، فهنا قد ذكر طريق الحق على سبيل الإفراد، فهو طريق واحد، وذكر سُبُل الشيطان على صيغة الجمع، فهي كثيرة متفرقة.
وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ...﴾ [الأنعام: ١]، فقد وحَّدَ الله تعالى لفظ "النور" وجمعَ "الظلمات"؛ لأن
стр. 29
الحق واحد والكفر أجناس كثيرة، وكلها باطلة، وقال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ...﴾ [النحل: ٤٨]، وغير ذلك من الآيات التي في لفظها إشعار بتفرد الحق، وانتشار الباطل وتفرده وتشعُّبه (١).
وقال تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِين (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِين﴾ [الأنبياء: ٧٨ - ٧٩]،
فأخبر الله -تعالى- أن سليمانَ ﵇ هوالمصيبُ، وحَمِدَه على إصابته، وأثنى على داودَ في اجتهاده، ولم يذمّه على خطئه، وهذا نصّ في إبطال قول من قال: إذا أخطأ المجتهد يجب أن يكون مذموماً، فلو كان الحق بيدِ كل واحد منهما لَما كان لتخصيص سليمان بذلك معنًى.
وقال تعالى: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٢].
قال ابن حزم:
"ومن ادَّعى أن الأقوال كلها حق، وأن كل مجتهد مصيب- فقد قال قولاً لم يأت به قرآن ولا سنة ولا إجماع ولا معقول، وما كان هكذا فهو باطل؛ قال تعالى: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: ٣٢]،
وقال تعالى: ﴿وَلَوكَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً﴾ [النساء: ٨٢] (٢).
وفي الحديث الذي رواه مسلم عن بريدة الأسلمي ﵁ أن الرسول ﷺ قال في الحديث الطويل:
«... وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ، فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللهِ، وَلَا ذِمَّةَ نَبِيِّهِ، وَلَكِنِ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ؛ فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ: أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ. وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ، فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ، وَلَكِنْ
стр. 30
أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ؛ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللهِ فِيهِمْ أَمْ لَا» رواه مسلم.
قال أبو البركات مَجْدُ الدين ابن تيمية (الجَدّ) ﵀ معلقاً على هذا الحديث في كتابه [المنتقى]:
"وهو حجة في أن قبول الجزية لا يختص بأهل الكتاب، وأن ليس كل مجتهد مصيبًا، بل الحق عند الله واحد". اهـ.
كذلك يدل عليه:
قول الرسول ﷺ : «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجرانِ، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجرٌ» متفق عليه.
قال الشوكاني:
"فقد دل -أي: الحديث- دلالةً بينةً أن للمجتهد المصيب أجرين، وللمجتهد المخطئ أجراً، فسماه مخطئاً، وجعل له أجراً، فالمخالف للحق بعد الاجتهاد مخطئ مأجور، وهو يردّ على من قال: إنه مصيب، ويرد على من قال: إنه آثم، ويرده ردّاً بيناً، ويدفعه دفعاً ظاهراً" (١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
"المجتهد إذا أدَّاه اجتهادُه إلى قول فعَمِلَ بموجَبه كلاهما مطيع لله، وهو مصيب بمعنى أنه مطيع لله وله أجر على ذلك، وليس مصيباً بمعنى: أنه علم الحق المعيّن؛ فإن ذلك لا يكون إلا واحداً، ومُصيبُهُ له أجران (٢).
وقال ابن القيم في [أحكام أهل الذمة] كلاماً رائعاً عن معنى (كل مجتهد مصيب): "وإذا كان النبي ﷺ قد منع الأمير أن يُنزل أهل الحصن على حكم الله وقال: لعلك لا تدري أتصيبه أم لا؛ فما الظن بالشهادة على الله والحكم عليه بأنه كذا أوْ ليس كذا، والحديث صريح في أن حُكم الله سبحانه في الحادثة واحد معيَّن، وأن المجتهد يصيبه تارةً، ويُخْطئه تارة.
وقد نص الأئمة الأربعة على ذلك صريحاً: قال أبو عمر ابنُ عبد البَرّ:
"ولا أعلم خلافاً بين الحُذّاق من شيوخ المالكيّينَ... ثم عدّهم،
стр. 31
ثم قال: "كلٌّ يحكي أن مذهب "مالك" في اجتهاد المجتهدين والقائسين إذا اختلفوا فيما يجوز فيه التأويل من نَوازل الأحكام: أن الحق من ذلك عند الله واحد من أقوالهم واختلافهم، إلا أنّ كل مجتهد إذا اجتهد كما أُمِرَ وبالغَ ولم يألُ وكان من أهل الصناعة ومعه آلة الاجتهاد- فقد أدى ما عليه، وليس عليه غير ذلك، وهو مأجور على قصْده الصوابَ وإن كان الحق من ذلك واحداً.
قال: "وهذا القول هو الذي عليه أكثر أصحاب الشافعي".
قال: "وهو المشهور من قول أبي حنيفة فيما حكاه محمد بن الحسَن وأبو يوسف والحُذّاق من أصحابهم". قلت: قال القاضي عبد الوهاب:
"وقد نص "مالك" على منع القول بإصابة كل مجتهد، فقال:
"ليس في اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ ، ورضي عنهم- سَعةٌ، إنما هو خطأ أو صواب". وسئل أيضاً: ما تقول في قول من يقول:
إنّ كل واحد من المجتهدين مصيب لما كلف؟ فقال:
"ما هذا هكذا، قولان مختلفان لا يكونان قطُّ صواباً! ". وقد نص على ذلك الإمام أحمد، فقال في رواية بكر بن محمد عن أبيه:
إذا اختلفت الرواية عن النبي ﷺ فأخذَ رجل بأحد الحديثينِ وأخذ آخرُ بحديث آخرَ ضِدُّه فالحق عند الله واحد وعلى الرجل أن يجتهد، ولا يدري أصابَ الحقَّ أم أخطأ. وأصول الأئمة الأربعة وقواعدهم ونصوصهم على هذا... إلخ" (١).
*قلت:
وعليه فلكل مجتهد نصيبٌ، أي: من الأجر، وليس كل مجتهد مصيباً، بل المصيب واحد، والآخَر مخطئ. ومنهم من يعبّر عن ذلك بعبارة أخرى فيقول: ((كل مجتهد مصيب، وليس كل اجتهاد صواباً))،
والمعنى: أن "كل مجتهد مصيب" أي: عند نفسه؛ لاستفراغه وُسعَه،
стр. 32
وسلوكِه المنهجَ العلمي والمسلكَ الشرعي في طلب الأحكام، وليس مصيباً للحق نفسِه.
"وليس كل اجتهاد صواباً" أي: لاحتمال ألا يوافق الحقَّ في الأمر نفسِه.
من الفوائد في هذا الحديث:
لما سئل النبي ﷺ عن الفرقة الناجية قال: «هي الجماعة»، فما معني الجماعة؟ الذى يتتبع الأحاديث التي وردت فيها كلمة "الجماعة" يجد أنها وردت على عدة معانٍ:
١ - جماعة الصلاة: كما في قوله ﷺ : «صلاة الجماعة تزيد عن صلاة الفَذّ بسبعٍ وعشرين درجةً».
٢ - جماعة الأبدان:
والتي هي جماعة المسلمين، كما في قول النبي ﷺ عن المرتد: «التارك لدينه المفارق للجماعة»، وفي حديث حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ﵁ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَكُونُ دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، صِفْهُمْ لَنَا، قَالَ:
«هُمْ قَوْمٌ مِنْ جِلْدَتِنَا يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا»، قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: «فَالْزَمْ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ» (١).
٣ - جماعة الدين:
وهم الذين اتبعوا سنة النبي ﷺ والتزموا الكتابَ والسنة، وهم المَعنيّون في حديث الباب، وهي الفرقة الناجية التي ورد في شأنها قولُه ﷺ في حديث الباب: «الجماعة»، فـ "الجماعة" أي: أهل القرآن والحديث والفقه والعلم، الذين اجتمعوا على اتباع آثاره ﷺ في جميع الأحوال كلها، ولم يبتدعوا بالتحريف والتغيير، ولم يبدلوا بالآراء الفاسدة (٢).
ومن هنا ورد مصطلح "أهل السنة والجماعة" إشارةً إلى كل مَن سار على نهج
стр. 33
الكتاب والسنة، فلفظ "الجماعة" مُستقًى من حديث الباب.
أما مصطلح "السنة" فقد ورد في قوله ﷺ :
... «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» (١).
وكذلك رُوي عن ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ...﴾ [آل عمران: ١٠٦]،
قال: "تبْيضُّ وجوه أهل السنة، وتسْوَدّ وجوه أهل البدع والضلالة"اهـ (٢).
وصار مصطلح "أهل السنة والجماعة" يتوجه إلى أهل الاعتقاد الصحيح الذى كان عليه النبي ﷺ والقرون الخيرية الثلاثة، كما ورد في قول محمد بن سِيرين:
"كانوا لا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سَمُّوا لنا رجالكم؛ فيُنْظر إلى أهل السنة فيُؤخذ حديثُهم، ويُنْظر إلى أهل البدعة فيُردّ حديثُهم" (٣)؛ فجَعَلَ "أهل السنة" في مقابلة "أهل البدعة".
وقد دَرَجَ أهل العلم على تسمية مصنَّفاتهم التي تشتمل على معتقَد أهل الإسلام
стр. 34
بهَذَيْنِ الاسمين (اعتقاد أهل السنة والجماعة) (١).
وقد وجد في كلام السلف كثيراً مدحُ السنة، ووصْفُها بالغُرْبة، ووصْفُ أهلها بالقِلّة، ومراد هؤلاء الأئمة بالسنة: طريقة النبي ﷺ التي كان عليها هو وأصحابه السالمة من الشبهات والشهوات (٢).
وكذلك قد صنف العلماء في بيان صفات أهل السنة والجماعة، وبينوا أنهم هم الفرقة الناجية، ومثال ذلك: [الإبانة الكبرى في بيان الفرقة الناجية] لابن بَطّة العكبرى.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في مطلع العقيدة الواسطية: "هذا اعْتِقَادُ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ الْمَنْصُورَةِ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ".
وقال ﵀: "وبهذا يتبين أنّ أحقَّ الناس بأن تكون هي الفرقة الناجية: أهل الحديث والسنة، الذين ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسولَ الله ﷺ ، وهم أعلم الناس بأقواله وأحواله، وأعظمُهم تمييزاً بين صحيحها وسقيمها" (٣).
قال عبد الرحمن بن حسن:
"الفرقة الناجية من الثلاث والسبعين: هي التي تمسكت بكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وعملوا بما في كتاب الله، وأخلصوا له العبادة، واتبعوا رسوله ﷺ ؛ فإنّ أصل دين الإسلام: ألا يُعبد إلا اللهُ، وألا يُعبدَ إلا بما شَرَعَ" (٤).
فإن قيل: وما دليلك على أن تلك الفرقة الناجية هي أهل السنة والجماعة، مع أن كل فرقة تزعُم أنها هي أهل السنة دون غيرها؟
فالجواب أن يقال:
يؤْثر عن عليّ ﵁ أنه قال: "لا تَعرفِ الحق بالرجال. اعرِفِ
стр. 35
الحقَّ تَعرفْ أهله" (١). وهذا المعنى مستنبَط من كلام الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧]
قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، ولم يقل: "اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم"؛ لأنه لو قال: "اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم" لَكان هذا يقتضي أن يُعرف الحق بالرجال، والقاعدة الشرعية: أن الرجال يُعرفون بالحق، وأن الحق لا يُعرف بالرجال، فلما قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ صار الصراط غير مضاف إلى أحد، وإنما هو الصراط المستقيم المَرضيّ عند الله (٢).
وقال بعض العلماء: "من عرف الحق بالرجال حار في متاهات الضلال".
قال الشاطبي:
"ولقد زَلَّ -بسبب الإعراض عن الدليل، والاعتماد على الرجال- أقوامٌ خرجوا بسبب ذلك عن جادّة الصحابة والتابعين، واتبعوا أهواءهم بغير علم؛ فضلّوا عن سَواءِ السبيل".
ولْنذكُرْ عشرة أمثلة: أحَدها، وهو أشدُّها- قول من جعل اتباع الآباء في أصل الدين هوالمرجوع إليه دون غيره، حتى ردوا بذلك براهينَ الرسالة وحجةَ القرآن ودليلَ العقل، فقالوا:
стр. 36
﴿... إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ...﴾ [الزخرف: ٢٢] (١).
*والمراد مما سبق: أن تقديم أهل السنة والجماعة على غيرهم، وجعْلهم هم الفرقةَ الناجية ليس مصدره الهوى أو العصبية للرجال، وإنما بُني هذا على مقدمات قامت على العدل والإنصاف؛ فإنّ أخصَّ ما ميَّزَ أهل السنة والجماعة عن غيرهم مِن فرق الأمة أمران: (تعظيم الأثر، والثبات على المنهج).
١) فأما الأمر الأول فنقول:
تعظيم الأثر هذا أحد أهمّ الدلائل على صحة الادعاء أن أهل السنة والجماعة هم الفرقة الناجية.
قال أبوالقاسم، الملقب بقِوام السنة:
"فإن قيل: كل فرقة تنتحلُ اتّباع السنة، وتَنسُبُ مخالفيها إلى خلاف الحق، فما الدليل على أنكم أهلُها دُونَ مَن خالفَكم؟ قلنا: الدليل على ذلك:
قول الله تعالى: ﴿... وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا...﴾ [الحشر: ٧]، وقال النبي ﷺ : «عليكم بسنتي، ومَن رَغِبَ عن سنتي فليس مني»؛ وعرفْنا سنته بالآثار المروية بالأسانيد الصحيحة، وهذه الفرقة الذين هم أصحاب الحديث: لها أَطْلَبُ، وفيها أَرْغَبُ، ولِصحاحها أَتْبَعُ؛ فعلِمنا بالكتاب والسنة أنهم أهلها دون سائر الفرَق" (٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
إن أحق الناس بأن تكون هي الفرقة الناجية أهل الحديث والسنة؛ الذين ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله ﷺ ، وهم أعلم الناس بأقواله وأحواله، الذين يردون المقالات المجملة إلى ما جاء به من الكتاب والحكمة؛ فلا ينصبون مقالة ويجعلونها من أصول دينهم وجمل كلامهم إن لم تكن ثابتة فيما جاء به الرسول، بل يجعلون ما بعث به الرسول من الكتاب والحكمة هو
стр. 37
الأصل الذي يعتقدونه ويعتمدونه. (١)
فاعتصام أهل السنة والجماعة بالآثار أمر بيّنٌ واضحٌ وُضوحَ الشمس في رائعة النهار، وليس أدلّ على صحة هذا الأمر- الذي هو اتباع ظواهر النصوص والعَضّ عليها بالنَّواجِذ - من كونه صار سُبة يُرمى بها أهل السنة والجماعة.
فقد أطلق المبتدعة على أهل السنة اسم " الحشوية "، والمعنى:
أن أهل السنة والجماعة أصحاب حشْو في الكلام، أي: ما عندهم إلا " قال الله، قال الرسول"، ما عندهم قواعد عقلية، ما عندهم مقدمات منطقية.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:
"وهؤلاء يَعيبون مُنازِعَهم: إما لجمعه حشوَ الحديث من غير تمييز بين صحيحه وضعيفه، أو لكون اتّباع الحديث في مسائل الأصول من مذهب الحشْو؛ لأنها مسائل علمية، والحديث لا يفيد ذلك؛ لأن اتباع النصوص مطلقاً في المباحث الأصولية الكلامية حشو؛ لأن النصوص لا تَفي بذلك" (٢).
وإن كانت هذه تُهْمةً فلَنِعْمَ التُّهَمُ، كما يُوثر عن الشافعي ﵀ أنه قال:
إنْ كَانَ رَفْضاً حُبُّ آلِ مُحَمَّدٍ... فَلْيَشْهَدِ الثَّقَلَانِ أَنِّي رافِضِي (٣).
قال أبوالمظفَّر السمعاني:
والذي يَزيد ما قلناه إيضاحاً: أن النبي ﷺ حِينَ سُئل عن الفرقة الناجية قال: «ما أنا عليه وأصحابي»، بمعنى: من كان على ما أنا عليه
стр. 38
وأصحابي؛ فلا بد من تعرُّف ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابُه، وليس طريق معرفته إلا النقل؛ فيجب الرجوع إلى ذلك" (١).
أما المخالفون لأهل السنة والجماعة فقد تنكَّبوا الصراط، وخالفوا سبيل الرشاد؛ وذلك حينما جعلوا الدليل سَوْأة يجب سَتْرها بلباس العقل، وتَحْتَ هذا الانحراف خاضوا في التعطيل والتحريف والتشبيه والتكييف.
قال ابن أبي العز:
"وكم جنى التأويل الفاسد على الدين وأهله مِن جناية! فهل قُتل عُثمانُ ﵁ إلا بالتأويل الفاسد؟! وكذا ما جرى في يوم الجَمَل وصِفِّين، ومَقْتَل الحُسين ﵁، والحَرّة، وهل خرجت الخوارج واعتزلت المعتزِلة ورفضت الروافض وافترقت الأمة على ثلاث وسبعين فرقةً إلا بالتأويل الفاسد؟!. (٢)
وقال ﵀: "وكل من قال برأيه وذوقه وسياسته مع وجود النص، أوعارَضَ النص بالمعقول؛ فقد ضاهى إبليسَ؛ حيث لم يسلم لأمر ربه، بل قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]. (٣)
فلما كانت مناهجهم مستقاة من العقول والأهواء، وليس من النص الثابت المحكَم؛ وقعَ لهم ما وقع من التضارُب والتخبُّط؛ وهذا جزاء مَن تركَ الكتاب والسنة وأقبلَ على علوم الكلام التي لا ترفع مِن جهلٍ ولا تُغني من جوع!
*ولْنذكرْ لكم مثلاً على نظرة هؤلاء البؤساء إلى أدلة الشرع، ومكانتها عندهم:
فقد ذكر الإمام الذهبي في ترجمة الشهرستانيّ محمد بن عبد الكريم بن أحمد:
أنه كان يبالغ في نصرة مذاهب الفلاسفة والذَّبِّ عنهم، فلم يكن يذكر في مجالسه: "قال الله" ولا "قال رسوله"، فسأله يوماً سائل، فقال:
سائر العلماء يذكرون في مجالسهم المسائل الشرعية، ويجيبون عنها بقول أبي حنيفة والشافعي، وأنت لا تفعل ذلك؟!
стр. 39
فقال: مَثلي ومَثلكم كمَثل بني إسرائيل يأتيهم المَنُّ والسَّلْوى، فسألوا الثُّوم والبصل!! " (١).
٢) وأما الأمر الثاني "الثبات على المنهج":
فمن سمات أهل السنة والجماعة الثبات على المنهج، وهذه مما حَظِيَ به أهل السنة والجماعة دون غيرهم من الفرق، فتقرأ كثيراً عن الاختلاف البيِّن الواسع والتخبُّط الظاهر الشاسع بين المتقدمينَ والمتأخرينَ في كل فرقة من الفرق الضالة، وتسمع كثيراً قول القائل: متأخِّرو القدرية، ومتقدِّمو الأشاعرة... إلخ؛ وما ذلك إلا مصداق لقوله تعالى:
﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. ومِثل هذا لا تراه -بفضل الله- عند أهل السنة والجماعة.
وكم من إمام من الأئمة الكبار في تلك الفرَق رأيناه يُظهر الندامة على عُمره الذي أضاعه في القِيلِ والقالِ والطريق السقيم الضالّ؛ لِيُعلنَ العودة إلى سواء السبيل وشِفاء العَليل، إلى آثار النبوة والتنزيل!
يقول أحد رؤسائهم (٢):
لَعمري لقد طُفتُ المَعاهِدَ كلَّها... وسيّرتُ طرفي بينَ تلكَ المعالمِ
فلم أَرَ إلا واضعاً كفَّ حائرٍ... على ذِقنٍ أو قارعاً سِنَّ نادمِ
ويقول آخرُ (٣):
نهايةُ إقدامِ العُقولِ عقالُ... وأكثرُ سَعْيِ العالَمينَ ضلالُ
стр. 40
وأرواحُنا في وَحْشةٍ مِن جُسومِنا... وغايةُ دُنيانا أذًى ووَبالُ
ولم نسْتفدْ مِن بحثنا طُولَ عُمْرِنا... سِوَى أنْ جمعْنا فيه قِيلَ وقالوا
وقد نُقل مثل هذا عن الجُويني والغزالي وغيرهم. ومثل هذا لا تراه -بفضل الله- عند أهل السنة والجماعة.
ومن الفوائد المهمة:
قول النبي ﷺ -عن الفرق الضالة: «كلها في النار، إلا واحدةً» (١)، وهنا سؤال يطرح نفسه: هل هذا على التأبيد أم التأقيت؟ (٢)
الجواب:
من العلماء من قال: إنها على نوعين، منها: فرق أتت ببدع كفرية؛ فتستحق الخلود في النار، أمثال: الحلولية، والبهائية، والنُّصيرية، والباطنية، والجهمية، وغُلاة المتصوفة... "فيخرج من الحساب:
غلاة أهل البدع، ولا يُعدُّون من الأمة ولا من أهل القبلة، كنفاة الأعراض من القدَرية؛ لأنه لا طريق لحدوث العالم وإثبات الصانع إلا بثبوت الأعراض، وكالحلولية، والمنصورية، وأشباههم من الغلاة" (٣).
ومنها: من أتى ببدع مفسِّقة، أمثال أصحاب البدع العلمية أو العملية، كالخوارج -على الراجح- وكمن خالف أهل السنة في بعض مسائل الصفات أو القدر؛ فيكون عذابها على التأقيت، وهي في ذلك تحتَ المشيئة.