← Общие книги

Общие книги · id 1941

أساليب التربية والدعوة والتوجيه من خلال سورة إبراهيم

وسيم فتح الله

Полный текст (80 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ثانيًا: التذكير بنعم الله تعالى:

стр. 37

وهذا الأسلوب قريب من الأسلوب السابق لأن نعم الله تعالى وعطاياه ومنحه من آثار ربوبيته ، بل هو أسلوب أقرب إلى الحس والمشاهدة بحيث يصعب إنكاره إلا من جاحد للنعمة كافرٍ بها، ونحن نجد فيضًا من الآيات المذكرة بنعم لله تعالى على اختلاف في هذه النعم في هذه السورة الكريمة، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ (١) وأيام الله (أياديه ونعمه عليهم) (٢) قلت: ولقد جاء هذا المعنى في حديث أبي بن كعب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنه بينما موسى ﵇ في قومه يُذكرهم بأيام الله وأيام الله نعماؤه وبلاؤه» .."الحديث (٣) وقد فسرته بذلك أيضًا الآية التالية حيث قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ (٤) فهذه

стр. 38

الآية صريحة في بيان أيام الله وأنها ما امتن الله تعالى به على بني إسرائيل من نعمة النجاة من عذاب فرعون وبأسه ما هو حري بهم أن يذعنوا بالطاعة والانقياد لله تعالى والإخلاص له بالعبادة، ولقد جاء مثل هذا التنبيه في خطاب مشركي قريش حيث قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ (١) حيث ذكر ابن كثير عن ابن عباس أن هؤلاء هم كفار أهل مكة (٢) جاءتهم نعمة الله ببعثة محمد ﷺ فكفروا النعمة وجحدوا بها وأهلكوا أنفسهم وقومهم في الدنيا يوم بدر وفي الآخرة حيث ماتوا على الكفر والعياذ بالله. قلت: وأي نعمة أعظم من نعمة الإسلام والهداية إلى التوحيد، وأي خسارة أعظم من الإعراض عن هذه النعمة.

стр. 39

ثم جاءت آية أخرى في هذه السورة وهي عامة غير مختصة بمناسبة حيث قال تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (١) وقد اختتمت الآية بوصف الإنسان بالظلم والكفر بصيغة المبالغة، ولا شك أن وصف الظلم وصف ٌ محتمل - أعني للكفر ولما هو دونه من (وضع الشيء في غير موضعه) - (٢) وكذلك لفظ الكفر أيضًا محتمل فيحتمل المعنى الاصطلاحي بمعنى ما يناقض الإيمان كما يحتمل المعنى اللغوي بمعنى الكفران أي (ستر نعمة المُنعِم بالجحود) (٣) ويقارن الدكتور عبد الرحمن الميداني بين ختم هذه الآية بما سبق وبين ختم نظيرها في سورة النحل بأن الله غفور رحيم حيث قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤) فيقول ما حاصله أن تجاهل الناس عن بعض نعم الله تعالى وعدم مقابلتها بالشكر والعرفان يتسبب في رذيلتين هما استخدام النعمة في غير موضعها وهذا ظلم، وجحود النعم كلها أو بعضها مع تفاوت في نسبة هذا الجحود، فالمؤمنون العصاة من الناس يتصفون بمقدار من هاتين الرذيلتين لا يتعارض مع صحة الإيمان وأما

стр. 40

الكافرون يجاوزون بتلبسهم بهاتين الرذيلتين إلى دركات سفلى تتنافى مع صحة الإيمان والإسلام. فتكون آية النحل قد راعت ظلم عصاة المؤمنين وكفران النعمة فختمت بوصف المغفرة والرحمة ترغيبًا وتكون الآية في إبراهيم قد تناولت ظلم الكافرين وكفرانهم للنعمة كفرًا أعظم حيث يستفاد من صيغة المبالغة تجاوز هذا الظلم والكفران حدود استبقاء وصف الإيمان معها. (١) قلت: ولعل سياق السورة - أعني سورة إبراهيم - يقترب بالوصفين (الظلم والكفران) من معنى الكفر المخرج من الملة وهو المناسب للمقام والله تعالى أعلم، وأيًا ما كان فلا شك أن وضع نعمة الله في غير موضعها وجحود هذه النعمة طريق موصلٌ إلى الكفر والهلاك ويتفاوت الناس في التردي في دركات هذا الطريق فوجب الحذر. وحاصل هذا الأسلوب أنه يهدف إلى استثمار ما جُبلت عليه الأنفس من العرفان والشكر إلى من أسدى إليها جميلًا فما بال المرء مع ربه ومولاه الذي أورد عليه من النعم ما تتقاصر الأعمار عن تعداده ناهيك عن الوفاء به، فحري بهذا الأسلوب أن يستنقذ من في قلبه بذرة صلاح من مورد الهلاك وطريق الكفر والجحيم.

стр. 41

ثالثًا: أسلوب الترغيب والترهيب:

стр. 42

وهذا أسلوب من الأساليب القرآنية يُراعي فيه طبيعة النفس البشريه المجبولة على محبة ما فيه نفعها ومصلحتها والإقبال عليه وكره ما يضرها ويؤذيها ويفسد عليها أمرها والنفور منه، فتجد القرآن يرغب الناس في اتباع الهدى من خلال الوعد بالخير المترتب على ذلك، ويُرهبهم من اتباع الباطل من خلال الوعيد المترتب على ذلك أيضًا، ولا شك أن الجمع بين الترغيب والترهيب مراعاة للتوازن النفسي عند الإنسان فهو في بعض الحالات أشد استجابة لدواعي المصلحة فينفعه الترغيب وفي حالات أخرى يكون أشد انسياقًا وراء الهوى والشهوات فلا يرعوي إلا بالترهيب، وكان من كرم الله تعالى أن كان الوعد لازمًا والوعيد بخلافه (١) ولقد أوفت سورة إبراهيم هذا الأسلوب القرآني حقه، ولقد استفتحت السورة بالترهيب في قوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ (٢) وهو استفتاح مناسب حيث جاءت السورة لتعالج واقع الكفر والشرك فكان مناسبًا أن يتجه الخطاب إلى التخلية وذلك بالترهيب والتنفير من مآل ما هم عليه، ثم تكرر مثل هذا الترهيب والتهديد في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ

стр. 43

عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ (١) وهو تهديد بزوال النعمة أي (إن كفرتم النعم وسترتموها وجحدتموها ﴿إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ وذلك بسلبها عنهم وعقابه إياهم على كفرها) (٢) لت: وهذا ينال بلا شك أعظم النعم وهي نعمة الإسلام والهداية إليه أعني هداية الإرشاد، فمن كفر هذه النعمة وجحدها ولم يكن محلًا قابلًا لها عاقبه الله تعالى بالحرمان منها فيحرمه الاهتداء بها - أعني هداية التوفيق - ويختم على قلبه والعياذ بالله وذلك هو الخسران المبين. ثم جاء التهديد بالاستبدال في الدنيا والآخرة؛ أما استبدال الدنيا فقوله تعالى: ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ (٣) وهو خطاب للموحدين يهدد فيه بإحلالهم مكان المعارضين من الكفار، وتكرر ذلك صريحًا في قوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (٤) وأما الاستبدال في الآخرة فهو بأن يبدلهم تعالى بمقاعدهم في الجنة مقاعد في جهنم يصلونها وبئس المصير كما قال تعالى: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ

стр. 44

وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ (١) ويشهد لمعنى الاستبدال هذا ما ورد في حديث أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا كان يوم القيامة دفع الله إلى كل مسلم يهوديًا أو نصرانيًا فيقول هذا فكاكك من النار» (٢) ثم يأتي ترهيب آخر من حبوط الأعمال يوم القيامة مهما عظمت ومهما حسنت في ذاتها فهي ليست بشيء إذا ما أتى العبد ربَّه كافرًا، قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ (٣) وأي ترهيب أشد من هذا حين ينتظر الكفار ثواب أعمالهم فإذا (طلبوا ثوابها من الله تعالى لأنهم كانوا يحسبون أنهم على شيء فلم يجدوا شيئًا ولا ألفوا حاصلًا إلا كما يتحصل الرماد إذا اشتدت به الريح العاصف) (٤) ثم تأمل بعد ذلك ما أعد الله تعالى من العذاب المقيم لمن أعرض عن صراطه المستقيم قال تعالى: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ

стр. 45

قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ (١) وذكر الأنداد هنا مناسب جدًا لينبه إلى أن هذه المعبودات بالباطل لم تكن لتغني عن عابديها شيئًا وإنما حالها معهم كما قال تعالى في سورة أخرى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ (٢) ثم جاءت هذه الآية في مقام الترهيب حيث قال تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ (٣) فمهما كان مكر هؤلاء فإن الله تعالى (محيط به علمًا وقدرةً) (٤) وهذا ترهيب بما عند الله تعالى من القدرة والمكر الذي هو في مقابلة مكرهم السيء، والله تعالى هو خير الماكرين. وأنت ترى أن آيات الترهيب هذه فيها نوع من التدرج الذي وصل بنا رويدًا رويدًا إلى هذه الآية الجامعة فمهما يبذل المعاندون من جهد ومهما يمكرون من مكر فإن الله تعالى محيط بهم وهم لا يعجزونه، ولعذابه تعالى في الآخرة أشد وأبقى لو كانت لهم قلوب تفقه أو آذانٌ تسمع أو أعين تبصر.

стр. 46

أما جانب الترغيب فنجد الآيات قد حشدت جملةً من الوعود الجميلة التي يمكن تقسيمها إلى وعود معجلة في الدنيا وأخرى مؤجلة في الآخرة؛ أما الأولى فمنها الوعد بالزيادة لمن شكر نعمه حيث قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (١) والنعمة الواجب شهودها في هذا السياق هي نعمة الإسلام والهداية إلى كلمة التوحيد بحيث يكون ثواب من أقبل على هذه النعمة بالانقياد والشكر مزيد تثبيت وهداية وتوفيق وقد جاء هذا صريحًا في قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٢) وهذا في العاجل ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (٣) وهذا في الآجل كما سيأتي إن شاء الله، ومن هذه النعم العاجلة مغفرة الذنوب وعدم إهلاكهم بها في الدنيا حيث قال تعالى: ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (٤) يعني (الموت، فلا يعذبكم في الدنيا) (٥) ومن وعد الله تعالى لمن استجاب الله في الدنيا أن يستبدل بهم من أعرض عن ذكره ويخلفهم في الأرض، قال تعالى: ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ (٦) فهذا صريح أنه في العاجل حيث وعد

стр. 47

(بالعاقبة الحسنة التي جعلها الله للرسل ومن تبعهم جزاء ﴿لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾ عليه في الدنيا) (١) أما الوعود الحسنة والرغائب الآجلة فما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، تأمل معي قوله تعالى: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ (٢) وقد جاء هذا الوعد الحسن ترغيبًا بعد بيان (مآل الأشقياء وما صاروا إليه من الخزي والنكال وأن خطيبهم إبليس [كما سيأتي] عطف بمآل السعداء وأنهم يدخلون يوم القيامة جنات تجري من تحتها الأنهار سارحة فيها حيث ساروا وأنى ساروا ماكثين أبدًا لا يحولون ولا يزولون) (٣) قلت: وقبل هذا المآل السعيد جاءت الآية تطمئن المؤمنين أتباع كلمة التوحيد بالثبات في البرزخ حيث فتنة القبر والسؤال كما سيأتي معنا في فقرة لاحقة إن شاء الله. (٤) والحاصل مما تقدم أن السورة الكريمة قد اعتنت أيما اعتناء بهذا الأسلوب المؤثر أعني أسلوب الترغيب والترهيب، ويمكن التأكيد مما سبق على ما يلي:

стр. 48

١- الاعتناء بأسلوب الترهيب عند دعوة من شط به هواه فانحرف عن جادة الحق لأنه أحرى بأن يوقظه من غفلته ويعيده إلى الجادة إن لم يكن خُتم على قلبه بعد. ٢- الاعتناء بأسلوب الترغيب عند من أظهر استعداده للإقبال على الدعوة والانقياد لكلمة التوحيد وذلك تثبيتًا لهذا التوجه وتعهدًا لهذا الميل نحو الحق.

стр. 49

رابعًا: أسلوب ضرب المثل: وهذا أيضًا من الأساليب القرآنية المعهودة والتي تعمل على تقريب المعنى من خلال ضرب الأمثلة المعروفة، ولقد جاء في هذه السورة مثلان من أروع ما ضرب من الأمثال القرآنية دقةَ بيان وروعة أسلوب ووضوح معنى، أحدهما يتعلق بما توهمه الكفار من أعمال لهم يرجون ثوابها في الآخرة، والاخر ينطوي في الحقيقة على مثالين أحدهما للكلمة الطيبة والآخر للكلمة الخبيثة، فلنتدبر: المثل الأول: كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف:

стр. 50

ضرب الله تعالى مثلًا لمن عبد مع الله غيرَه كيف يكون مآل أعمالهم، فيقول تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ ؛ (١) فهؤلاء يأتون بأعمال ظاهرها حَسن في دنيا أو هكذا يتوهمون فيرجون ويطلبون ثوابها يوم القيامة، وما شعر هؤلاء أن أعمالهم هذه ليست بشيء وأن ما يجدونه منها يوم القيامة مشابه لما يجده من طلب ذرات الرماد التي بعثرتها ريح عاصفة شديدة، فلا يجد هؤلاء شيئًا لأنهم بنوا أعمالهم على غير أساس صحيح، (٢) وهذا مثل قوله تعالى: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾ (٣) قلت: ولكن الآية في سورة إبراهيم عامة في كل الأعمال والآية في آل عمران خاصة في الإنفاق وهو من باب التنويع البياني في القرآن الكريم حيث يذكر العام في موضع ويذكر بعض أفراده في موضع آخر ليتحقق التكامل البياني على مدى سور القرآن الكريم. (٤)

стр. 51

المثل الثاني: كشجرة طيبة أو خبيثة:

стр. 52

تنوعت أساليب القرآن الكريم في توصيل رسالة التوحيد للناس، وما ذلك إلا لأنها - أعني رسالة التوحيد - أعظم حقيقة في الكون وحري بها أن تكون محط عناية القرآن الكريم، والمتدبر في هذه الصورة القرآنية يدرك مدى ثقل هذه الكلمة واهتمام القرآن بها حتى جاء ترسيخها في عقول وقلوب الناس بهذه الصورة الرائعة والمثل البديع، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ (١) فهذا مثل قد ضربه الله تعالى للكلمة الطيبة (شهادة أن لا إله إلا الله) (٢) فشبهها بالشجرة الطيبة ذات الجذور الراسخة الضاربة في الأرض ثباتًا والفروع المتشعبة عن أصلها الطيب فإذا بها يانعة الثمار صالحة النتاج، (فكذلك شجرة الإيمان أصلها ثابت في قلب المؤمن علمًا واعتقادًا، وفرعها من الكلم الطيب والعمل الصالح والأخلاق المرضية

стр. 53

والآداب الحسنة) (١) قلت: وهذا في غاية الحسن من حيث ضرب المثل للمعاني المعقولة بالأشياء المحسوسة المستقرة في بداهة العقول والتي تتراءى للناس في معايشهم كل يوم، وإن منتهى الحسن في نتاج هذه الشجرة ذلك التثبيت عند سؤال الملكين في القبر ثم نوال رضا الله تعالى وثوابه يوم القيامة، كما قال تعالى بعد ضرب هذا المثل: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (٢) فلقد ثبت هذا المعنى من حديث البراء بن عازب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «المسلم إذا سئل في القبر شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فذلك قوله:" يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة» (٣) ويأتي تكامل المشهد في عرض الصورة المناقضة، فبضدها تتميز الأشياء؛ ففي مقابل كلمة التوحيد وشجرة الإيمان - التي شبهتها بعض الأحاديث بالنخلة - تأتي الكلمة الخبيثة كلمة الكفر كالشجرة الخبيثة شجرة الحنظل (لا أصل لها ولا ثبات، كذلك الكفر لا أصل له ولا فرع ولا يصعد للكافر عمل ولا يتقبل منه شيء) (٤)

стр. 54

والحقيقة أن التفصيل في عناصر وحيثيات هذين المثالين يحتاج بحثًا مفردًا وإنما أردت التنويه بهذا العرض الموجز إلى ورود هذا الأسلوب في الخطاب الدعوي للسورة المباركة وتسخيره تسخيرًا ناجحًا في رسم المعنى المنشود وتوضيحه أيما إيضاح، كيف لا وهو كلام الحق ﵎. فحري بالداعية إذًا أن يتعلم كيفية تطبيق واستعمال هذه الأمثلة التي ضربها الله تعالى للناس ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ .

стр. 55

خامسًا: أسلوب القصص:

стр. 56

لقد أخذ القصص القرآني بُعده وتبوأ مكانه كأسلوب خطابي دعوي في سور متعددة من القرآن الكريم بعضها قصير وبعضها طويل، وبعضها - أي القصص - تعرضت له سور في آيات قلائل وبعضها الآخر استغرقت سورًا بأسرها (١) ولا شك أن لهذا العرض المتنوع أهدافه التي منها استدعاء السياق معنى من معاني القصة أو جانبًا من جوانبها فيقتصر على موضع الشاهد منه مع إبراز ما يستدعيه السياق (٢) وهكذا كان الحال في سورة إبراهيم حيث وردت جوانب من قصة موسى ﵇ مع قومه في سياق استعراض أسلوب الدعوة بالتذكير بالنعم (٣) حيث قال تعالى:: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ (٤) ثم جاءت إشارة خاطفة سريعة تذكر بمصائر المكذبين في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا

стр. 57

أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ (١) وقد جاءت الإشارة بأسلوب قصصي مقتضب جدًا بعيد عن الاستطراد الذي قد يبعد بالمخاطب عن التركيز المطلوب في هذا الخطاب الدعوي أعني خطاب الدعوة إلى التوحيد، ثم جاءت الإشارة القصصية الأخيرة من صفحة الواقع حين ذكَّرت بما أورده مشركي قريش قومهم من موارد الهلاك في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾ (٢) وقد تقدم أنها في مشركي قريش ومن هلك منهم يوم بدر. فهذه الإشارات القصصية الثلاث يراد منها التنبيه على مآل من كذب الرسل، ثم جاءت الإشارة إلى قصة إبراهيم ﵇ لتقرير معنى آخر نتعرض له في فقرة لاحقة إن شاء الله تتعلق بالتربية والتنشئة فنرجئ الكلام عليه إلى حينه إن شاء الله تعالى.

стр. 58

وحاصل ما تقدم أن يتسلح الداعية برصيد كافٍ من القصص الصحيح ذي المغزى المعين على تقرير مسائل الدعوة، لا سيما وأن أسلوب القصة أسلوب قريب من الناس يشد انتباههم ويؤثر فيهم أكثر مما تؤثر أساليب دعوية أخرى.

стр. 59

أولًا: توجيه التأمل في الآيات الكونية: لقد جاء هذا التوجيه لدفع شبه القوم في إنكار وحدانية الله والترويج لباطل الشرك، فجاء مثلًا قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (١) حيث دعت إلى النظر والتفكر في هذا الخلق العظيم، وفعل (ألم تر) أي رأى القلبية كما قال القرطبي ﵀:"الرؤية هنا رؤية القلب، لأن المعنى ألم ينته علمك إليه؟ " (٢) ثم تطرد الآية القياس بالتنبيه على أن من أوجد هذا الخلق العظيم من العدم قادر على أن يذهب بهذا الخلق الضعيف - أي الإنسان - المتمرد على عبادة الله سبحانه والانقياد له، فليحذر الذين يخالفون عن أمر الله إذًا أن يحل عليهم عقاب الاستبدال ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ . (٣)

стр. 60

ثم تأمل في هذا المشهد الكوني الآخر حيث قال تعالى:: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ﴾ ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ (١) فهو توجيه رائع إلى مشهد الخلق الكوني الناطق بكل جزئية فيه وبالتكامل والتناسق المعجز بين هذه الجزئيات تكاملًا يحكي بنفسه أن له ربًا خالقًا مدبرًا يستحق الحمد والتمجيد والانقياد له شرعًا تمامًا كما أن هذا الكون البديع منقادٌ له كونًا وقدرًا. فطوبى لمن تأمل هذا المشهد فانتفع وانتقل به من مقام الإقرار بالربوبية إلى مقام إفراد الألوهية فعرف أن له ربًا يستحق وحده العبادة ففعل ففاز وسعد.

стр. 61

ثانيًا: توجيه التأمل في الآيات الشرعية: وهي السنن التي رتب الله تعالى على مقدماتها آثارًا شرعية من عقوبة أو ثواب، تمكين أو استخلاف، نجاة أو هلاك ونحو ذلك. ولما كان الخطاب الدعوي خطابًا شرعيًا قوامه تبليغ أمر الله تعالى ونهيه ناسب أن توجه السورة الكريمة إلى ما يترتب على الأخذ بمقدمات الانقياد لشرع الله والتزام أمره ونهيه، كما ناسب أن يبين ما يترتب على هجر هذه المقدمات والأخذ بمقدمات التمرد على أمره ونهيه . ولقد وجهت السورة الكريمة إلى جملة من هذه المشاهد منها:

стр. 62

١- مشاهد الأمم الهالكة: وهذا الهلاك سنة شرعية توجه الآية النظر إليها ترهيبًا للمخاطبين بالدعوة من الأخذ بمثل ما أخذت به تلك الأمم من مقدمات الهلاك كتكذيب الرسل وبث الشكوك والشبهات كما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ (١) بل جاءت الآية الأخرى بأشد من ذلك حينما وجهت القوم إلى النظر في الديار التي ورثوها من تلك الأمم الهالكة فهو أدعى للعظة والاعتبار قال تعالى: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ (٢) فلم يغن مكر القوم عنهم شيئًا لأن سنة الله الشرعية قد قضت بأن يهلك هؤلاء

стр. 63

ويكونوا أول ضحيةِ مكرهم فيكون تدبيرهم تدميرهم بإذن الله، وإلا فأين هم الآن وأنتم تسكنون في مساكنهم وتقطنون في ديارهم. ٢- مشاهد خصومة أهل النار: فسنة الله الشرعية تقضي بأن ينال العبد الآبق عقابه في نار جهنم، وأن يتجرع - مع العذاب والألم - كأس الحسرة والندامة جراء اتباع دعاة جهنم، وإنما ذكرت هذا المشهد ضمن الآيات الشرعية لأنه مترتب على مخالفة الأمر الشرعي من جهة ولأنه لا طريق لمعرفته إلا طريق الشرع من جهة أخرى، تأمل هذا المشهد: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ (١) ولا شك أن العاقل من اتعظ بهذا المشهد لا من عاينه وكان من أهله.

стр. 64

٣- خطبة إبليس: ولعل مشهد الحسرة والندامة والمخاصمة يزداد ألمًا عندما يتقدم رئيس دعاة جهنم ليخطب أتباعه تأمل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١) فها هو رأس الكفر ورئيس دعاة جهنم يقول: (إني جحدت أن أكون شريكًا لله (٢) واعترف بكذبه فيما وعد به وأنه لا يملك لأتباعه ضرًا ولا نفعًا، فيا للحسرة والندامة، ويا شقاء من نسي نفسه وانساق وراء إبليس حتى صار من شهود هذه الخطبة، ويا لسعادة ونعيم من انتبه من غفوته وقدم لنفسه ففاز بالغياب عن هذه الخطبة التي يظهر من سياقها أنها (تكون من إبليس بعد دخولهم النار) (٣) والعياذ بالله.

стр. 65

٤- مشاهد نعيم أهل الجنة: ففي مقابلة المشهدين السابقين لا بد من تمام المشهد بالتوجيه إلى النظر في مآل السعداء حيث قال تعالى: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ (١) فكما قضت سنة الله الشرعية أن يعاقب المتمرد على أمر ربه فقد قضت السنة الشرعية أن يكافأ المحسن على إحسانه بفضل وكرمٍ من الله تعالى، وكان من تمام التوجيه أن يستكمل عرض مشهد الجزاء ببيان عاقبة المحسن والمسيء لئلا يبقى لأحد على الله تعالى حجة.

стр. 66

٥- مشهد يومٍ لا بيعٌ فيه ولا خلال: فمن جمع مالًا في الدنيا فليس ماله ذاك بالذي يغنيه يوم الحساب، ومن جاء معوِّلًا على نسبه وحسبه فليعد غير هذه العدة فإنها لا تغني عنه شيئًا، كما نبهت الآية الكريمة: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾ (١) فالآية تشير إلى أنه (لا ينفع أحدًا بيع ولا فدية ولو افتدى بملء الأرض ذهبًا لو وجده، ولا ينفعه صداقة أحد ولا شفاعة أحد إذا لقي الله كافرًا) (٢) قلت: ومن جميل توجيه هذه الآية أنها قدمت بالإشارة إلى ما ينفع من صلاة وصدقة يُبتغى بها وجه الله اشتغالًا بتحصيله عما لا ينفع من مال وخِلَّة، فتأمل هذا فإنه لطيف جدًا. وفي موضعٍ آخر من السورة جاء مشهد الظلمة في حالة مهينة ذليلة كان الله تعالى قد أعده لهم وحذرهم منه، قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ

стр. 67

وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ (١) فيا له من مشهد ذلك الذي يسرع فيه هؤلاء إسراع الذليل المدفوع يرفع رأسه مذهولًا لا تطرف له عين لهول ما يرى قد طار فؤاده منه، وتأمل مزيد هوان في قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ (٢) وما هذا العرض والتوجيه إلا للنذارة كما في الآية التالية: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ (٣) فالسنة الشرعية تقضي أن من أقسم على هذا الباطل يجازيه الله تعالى بأن يجعله من أصحاب المشهد السابق، فكما زعموا (أنه لا زوال لكم عما أنتم فيه وأنه لا معاد ولا جزاء فذوقوا هذا بذاك) (٤) قلت: وهذا مقتضى عدله سبحانه تعالى، والعدل سنة شرعية ماضية، قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (٥)

стр. 68

هذه جملة التوجيهات الواردة في هذه السورة المباركة، وأقر أني لم أفيها حقها من العرض والتفصيل ولكن المقام مقام إيجاز ومرور سريع استطعنا من خلاله - بفضل الله تعالى - أن نتعرف على ملامح هذا المنهج القرآني وطريقة القرآن في عرض المشاهد والتوجيه إلى حسن تدبرها وتحقق مآلاتها، والحق أن أثر هذا العرض فيمن كان محلًا قابلًا لهو أثرٌ عظيم نرجو أن نكون ممن وفقه الله تعالى للانتفاع به.

стр. 69

أولًا: هدف التربية: إن أي تربية لا تتوجه نحو هدف معين هي تربية فاشلة لأنها هيام على غير هدى ومآلها تخبطٌ في أودية الدنيا، ولهذا كان هدف التربية واضحًا جليًا عند إبراهيم ﵇ ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ ) ؛ نعم هدف التربية هو الوصول بالمربي والنشء إلى توحيد الله تعالى وإفراده بالعبودية، ولقد تعزز هذا الهدف ببيان ضلال نقيضه ﴿إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ ) ، بل وبإعلان صريح لتمحور الولاء والبراء على سلوك طريق التوحيد هذا ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ) . ولما كان الشرك الذي يعكر على المسلم صفاء عقيدته مترددًا بين شرك ظاهرٍ معلوم وشركٍ خفي قد يتسلل إلى النفوس من حيث لا يدري المرء كان الالتجاء إلى الله تعالى وحده - الذي يعلم الشرك الخفي كما يعلم الظاهر - ليعين المربي على تنقية صفحة التوحيد من لوثات الشرك هذه حيث قال ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ ) .

стр. 70

ثانيًا: بيئة التربية: فالمربي الناجح هو الذي يتخير لناشئته البيئة الصالحة التي تعزز فيهم التزام أمر الله وتعين عليه، وتنفرهم من مخالفة أمره ولا تروج لباطل أهل الزيغ، تأمل معي الإشارة إلى هذا في قوله تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾ ) ، قلت: وأي أمنٍ أعظم من أن يعلو صوت التوحيد فلا يسمع صوت سواه، ولا يضر بعد ذلك أن يكون المكان ﴿غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ طالما أن كلمة التوحيد ظاهرة وبيئة التربية صافية نقية لا صولة للشيطان فيها ولا جولة. وإن الذي يقيم مع ناشئته في مجتمعٍ تفشو فيه معالم الزيغ والضلالة والفسق والكفر ليس بذاك المربي وليس بذاك الحريص حقًا على تقرير عقيدة الوحيد في قلوب الناشئة اللهم ما لم يكن مغلوبًا على أمره قد استفرغ الوسع في تأمين البيئة البديلة.

стр. 71

ثالثًا: تحقيق معنى الإيمان عند الناشئة: فليس الإيمان معرفة قلبية محضة، ولا هو تمتمات محرابية فارغة، بل الإيمان قول وعمل يستقر في القلب ويلهج به اللسان وتتحرك به الجوارح، وأنت ترى هذا المعنى واضحًا حين تكرر بيان الهدف من التنشئة - والذي قلنا بدايةً أنه توحيد الله وتعطيل الشرك به - فإذا بالآية الكريمة تصرح بهدف آخر ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ ) ، ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ فالهدف إذًا قول القلب - أي طرح عقيدة الشرك وعبادة الأصنام جانبًا- وعمل الجوارح وهو هنا الصلاة، وذكر اللسان وهو هنا الدعاء، وهكذا تكاملت عناصر مفهوم الإيمان على الصحيح عند الفرقة الناجية أتباع محمد ﷺ وصحبه.

стр. 72

رابعًا: تحقيق صفات المربي:

стр. 73

فلا تربية دون قدوة وأسوة، ولا يمكن أن نتأمل خيرًا من مربٍ يخالف حالُه مقالَه، ولهذا كان إبراهيم ﵇ يشمل نفسه في كل دعاء؛ ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ ) ، ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾ ) ، ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ ) ، فهذا هو المربي الناجح أو قل المربي الداعية. وهذا هو المربي الذي لا يركن إلى شهود الأسباب ولا يجزع من غيابها، بل دأبه الاستعانة بالله تعالى والتوكل عليه والالتجاء إليه والافتقار بين يديه إلى الاتصال بحبله المتين لا يثنيه ﴿إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ عن ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ لأن تكلانه واستعانته بالله تعالى فهو يدعوه ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ وينشغل بتسبيحه وحمده على الدوام ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ ) . قلت: نِعمَ المربي هذا الذي يقول ويعمل، يأخذ

стр. 74

بالأسباب ويتوكل على خالقها، يفتقر إلى الله ليصل إلى الله ويستعين بما طلبه من سبب على عبادة رب كل سبب. وهذا المربي هو المربي الشفوق بالناشئة الحريص على هدايتهم ومصلحتهم فهو يلتمس من الله تعالى توفيقهم للتوبة والإنابة إليه تعالى ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ) ، ويدعو الله تعالى أن يهيأ لهم أسباب الرفق حتى لا ينشغلوا بتحصيل أسباب العيش عن تحقيق الهدف من وراء العيش ذاته ﴿وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾

стр. 75

هذه بإيجاز بعض المعالم التربوية في هذه الآيات المعجزة، وحريٌ بمن التزم نهج هذه السورة أن يمنَّ الله تعالى عليه بالعاقبة الحسنة في الدنيا والآخرة؛ أما الدنيا فكما قال تعالى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ ) ، وأما الآخرة فرجاء عفوه ومغفرته ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ ) ، ولعمر الحق ها نحن نرى آثار دعوة أبي الأنبياء إبراهيم ﵇، فدعوة التوحيد رايتها اليوم خفاقة بعد مئات السنين من تلك الدعوة المباركة، بل ما أرى مقارعة سيوف الحق للباطل اليوم إلا أثرًا ممتدًا لدعاء أبينا إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (١) ، فنعمت التربية إذًا ونعم المنهج ونعم الثواب والجزاء من الله تعالى.
следующие страницы →