فكان اللائق بنا أن لا نشتغل بالجواب عما أورده الخصم، ولكن عند الضرورات تباح المحظورات، فنقول: قد علمت مما سبق أن حجته داحضة من وجوه كثيرة:
أحدها: إنه يزعم فسق الرواة فيعترف ببطلان شبهته على معتقده الفاسد، فقد ألزم نفسه بطلان شبهته، وكفى بنفسه عليه شهيدا، فلا نشتغل بجوابه حتى يوافقنا على معتقدنا.
الثاني: إذا اعترف زدناه فقلنا: كل هذه الأدلة الواردة في فضل سيدنا أمير المؤمنين علي معارضة بأدلة أقوى منها، وأقوى من ذلك كله الإجماع على أفضلية أبي بكر وتقديمه وصحة إمامته حتى من علي وسائر أهل البيت ﵃، وهذه النقول الصادقة المعتمدة بيننا وبينكم محكمة، ولا نعطي كل أحد بدعواه، وكل دعوة لا يؤيدها بينة شرعية مردودة.
الثالث: إن اعتقادنا أفضلية الصديق وصحة إمامته موجب لتقرير الشريعة وموجب لفضيلة علي وإثبات فضائل أهل البيت وغير ذلك مع اعتقاد صدق الناقلين لذلك، واعتقادهم أفضلية علي موجب لبطلان إمامة الصديق وفسق الرواة فيوجب ذلكرد فضائل علي أيضا وغيره، فلو لم يرد نص في أفضلية الصديق ولا إجماع لوجب قطعا اتباع معتقدنا، فكيف والأمر بالعكس، فما أشبههم بإخوانهم الزاعمين اتباع موسى والإيمان بالتوراة ويكفرون بمحمد والقرآن المصدق لموسى والتوراة، مع أن شريعة موسى والتوراة موجبة التصديق بمحمد والقرآن، فكفروا بموسى والتوراة من حيث لا يشعرون، ﴿ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض، ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا﴾.
стр. 37
الرابع: ما يترتب على معتقدهم من الإزراء بأمير المؤمنين علي وسبه أعظم السب وحاشاه من ذلك لأنهم يزعمون أنه يعلم أنه وصي رسول الله ﷺ وولي عهده، فكيف نبذ وصية رسول الله ﷺ وراء ظهره وضيع عهد الله وخذل دين الله، بل وعلى ما أجمع السلف أنه لا نص في الخلافة، فيزعمون أنه يعلم أنه أفضل الأمة وأن الخلافة متعينة عليه. فقد نسبوه على كل تقدير إلى ما لا يجوز لمسلم أن ينسبه إلى أفسق الولاة الظلمة من تضييع حقوق الله ورسوله وحقوق دينه وحقوق العباد، وتركها بأيدي من يزعمون أنهم فسقة ظلمة متعاونون على الإثم والعدوان، هذا وهو البطل المقدام، الذي لا يماثله الشجعان، فكيف رهب من الموت، وآثر الحياة الدنيا، وهو ابن عم رسول الله ﷺ وزوج الزهراء وأبو السبطين. أما وجد قط في بني هاشم ثم قبائل قريشثم في سائر الأمة من يقوم بنصره ويعينه على أمره، ويبذل روحه لله ولرسوله! فكيف قدر بعد ذلك على قتال معاوية وأتباعه لما رأى الإمامة متعينة عليه، أين يذهب هؤلاء الضلال؟ ﴿وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون﴾.
الخامس: القرائن الشاهدة بوجوب تقديم الصديق أصرح وأظهر مما استدلوا به على وجوبت قديم علي:
فمنها: الإجماع على أنه ﷺ استخلف أبا بكر في الصلاة ولم يعزله فيبقى بالاتفاق إماما للمسلمين في الصلاة بالنص المجمع عليه، فيكون إمامهم في غيرها من طريق الأولى، إذ لا قائل بأن شيئا من أركان الإسلام أعظم منها، ولأنه يلزم منه لو عزلوه عن الصلاة مخالفة النص الصريح، وإن اتبعوه فيها واستخلفوا غيره فيما سواها نقصان شأن ذلك الخليفة وانخرام أمر خلافته، والقطع بأن ما بقي عليه الصديق من الصلاة أعظم شأنا مما استفاده الخليفة الآخر وقد سبقت الإشارة إلى ذلك. وقد نبه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بقوله
стр. 38
السابق: استخلفه رسول الله ﷺ على صلاة المسلمين، وولاه المسلمون ذلك بعده، وفوضوا إليه أمر الزكاة لأنهما مقترنان.
ومنها: من الآيات قوله تعالى: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا﴾ تدل بالنص الصريح على أنه لا أن يكون في هذه الأمة التي هي خير الأمم من المؤمنين المخاطبين بالآية خلفاء حق حتى يخلفون رسوله، كما خلف الرسل قبلهم خلفاء حق يمكن لهم دينهم الذي أكمله لهم وارتضاه في حياة نبيهم، ويبدلهم من بعد خوفهم في ابتداء الإسلام أمنا فهذا منطوقها مجملا. ويجب حملها عقلا ونقلا على الخلفاء الأربعة للإجماع على أنه لم يلحقهم من هو أولى بهذه الفضيلة منهم، فهم الذين صدق وعد الله فيهم، وهم أئمة حق، وعلى هدى من ربهم، قاموا بسياسة المسلمين والذب عن حوزة الإسلام أتم قيام فقرروا قواعد الدين فتمكن وأمن بهم المسلمون أبلغ أمن، ثم هذه الأمور الموعودة كان ابتداؤها في خلافة أبي بكر وكمالها على أتم الوجوه في مدة خلافة عمر وصدر خلافة عثمان، وانتهاؤها في إمامة علي ﵃ أجمعين.
стр. 39
وهذا مصداق قوله ﷺ : " «الخلافة بعدي ثلاثون» ثم يكون ملكا عضوضا". فالتعريف في قوله الخلافة للعهد فكأنه قال الخلافة التي وعدكم الله بها، ومتى صحت خلافة الأربعة وجب ترتيبهم في الفضل والحقية بها على الترتيب الواقع.
وقوله تعالى: ﴿قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون﴾ أي يكون أحد الأمرين إما قتالكم لهم أو إسلامهم، وليسوا ممن يقاتل حتى يسلم أو يعطى الجزية، فأما المفسرون فحملوا الداعي على الصديق، والقوم أولي البأس على بني حنيفة. وأما من حيث تعيين ذلك أيضا فللعلم بأن ذلك الداعي للأعراب إلى الجهاد معهم ليس رسول الله ﷺ لقوله تعالى ﴿قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل﴾ ولا عليا ﵁ لأنه لم يقاتل كفارا ليسلموا، ولا من بعده لأنهم عندنا ظلمة وعندهم أشد ظلما. وبقي الاحتمال منحصرا في الثلاثة أبي بكر لقتال أصحاب مسيلمة، وعمر وعثمان لقتالهما فارس والروم، ويترجح جانب الصديق لأن فارس والروم يقاتلون ليسلموا أو يعطوا الجزية، وأهل اليمامة يقاتلون أو يسلمون، ولهذا حمل المفسرون الآية على ذلك ليطابق الواقع،
стр. 40
فثبت أن الصديق هو الداعي الموعود به، وثبتت خلافته وخلافة من بعده على الترتيب.
وقوله تعالى: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر﴾ فلو كانت إمامة الصديق باطلة وقد أعانته عليه والإمامة حق علي ولم تعنه لكانوا شر أمة يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف.
وقوله تعالى ﴿وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا﴾ قال ابن عباس: والله إن خلافة أبي بكر وعمر لفي كتاب الله تعالى، وتلا هذه الآية وقال: قال لحفصة: "أبوك وأبو عائشة أولياء الناس بعدي". أخرجه الواحدي وأورده المحب الطبري. وقال في قوله تعالى ﴿ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه﴾ قال الزرع محمد ﷺ والشطأ أبو بكر فآزره فقواه عمر فاستغلظ بعثمان فاستوى على سوقه بعلي ﵃.
стр. 41
وعن أبي بن كعب ﵁ قال: سألت النبي ﷺ عن تفسير سورة العصر فقال: ﴿والعصر﴾ قسم من الله تعالى بآخر النهار ﴿إن الإنسان لفي خسر﴾ أبو جهل ﴿إلا الذين آمنوا﴾ أبو بكر ﴿وعملوا الصالحات﴾ عمر ﴿وتواصوا بالحق﴾ عثمان ﴿وتواصوا بالصبر﴾ علي. أخرجه الواحدي وأورده المحب الطبري. وموضع الدلالة سياق ترتيبهم الدال على ترتيب منازلهم في الفضل، وهم يوجبون إمامة الأفضل، وكذلك كل موضع ورد فيه ذكرهم لا تراهم إلا على هذا الترتيب.
ومن الأخبار قوله ﷺ : «إني لا أدري قدر بقائي فيكم فاقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر، واهتدوا بهدي عمار، وما حدثكم به ابن مسعود فصدقوه» أخرجه الترمذي. وأخرجه أحمد وأبو حاتم إلى قوله «أبي بكر وعمر»
"لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمهم غيره" أخرجه الترمذي.
«يأبى الله ذلك والمسلمون» ثلاث مرات. أخرجه الترمذي أيضا، وقد سبق.
وقيل يا رسول الله: من نؤمر بعدك؟ قال: "إن تؤمروا أبا بكر تجدوه أمينا زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة، وإن تؤمروا عمر تجدوه أمينا قويا لا يخاف في الله لومة لائم، وإن تؤمروا عليا ولا أراكم فاعلين تجدوه هاديا مهديا يأخذ بكم الصراط المستقيم". أخرجه. (١) وأشار بقوله: "ولا أراكم فاعلين" إلى اختلافهم عليه يوم ولايته وعدم ذكره لعثمان هنا لأن كلامه جواب لهم، ولم يسألوه عنه فنقل الراوي الجواب دون السؤال.
стр. 42
يوضحه أنه قد جاء أيضا في رواية: قيل له: يا رسول الله ألا تستخلف؟ قال: "إني إن استخلفت عليكم فعصيتم خليفتي نزل بكم العذاب" قالوا: ألا تستخلف أبا بكر؟ قال: "إن تستخلفوه تجدوه قويا في أمر الله ضعيفا في نفسه"، قالوا: ألا تستخلف عمر؟ قال: "إن تستخلفوه تجدوه قويا في أمر الله قويا في أمر نفسه"، قالوا: ألا تستخلف عليا؟ قالوا: "إن تستخلفوه تجدوه هاديا مهديا يسلك بكم الصراط المستقيم".
وبايع ﷺ أعرابيا بقلائص إلى أجل فقال: يا رسول الله إن أعجلتك منيتك فمن يقضيني؟ قال: "يقضيك أبو بكر" قال: فإن عجلت بأبي بكر منيته فمن يقضيني بعده؟ قال: "عمر" قال: فإن عجلت بعمر منيته فمن يقضيني بعده؟ قال: "عثمان" قال: فإن عجلت عثمان منيته فمن يقضيني؟ فقال: "إذا أتى على أبي بكر وعمر وعثمان أجلهم فإن استطعت أن تموت فإن بطن الأرض خير لك من ظاهرها". أورده المحب الطبري.
وسأله بنو المصطلق إلى من ندفع زكاتنا إن حدث بك حدث؟ فقال: "ادفعوها إلى أبي بكر"، قالوا: فإن حدث بأبي بكر حدث الموت فإلى من ندفعها؟ فقال: "إلى عمر"، قالوا: فإلى من ندفعها بعد عمر؟ فقال: "إلى عثمان"، قالوا فإن حدث بعثمان حدث فإلى من ندفعها؟ فقال: "إذا حدث بعثمان حدث فتبا لكم آخر الدهر". أورده المحب الطبري.
وعن ابن عباس ﵄ قال: دخل النبي ﷺ بستانا فأتى آت فدق الباب فقال رسول الله ﷺ : "يا أنس قم افتح الباب له وبشره بالجنة وبالخلافة بعدي"، قال قلت: أعلمه بذلك يا رسول الله؟ قال: "أعلمه"،
стр. 43
ففتحت فإذا أبو بكر فقلت: أبشر بالجنة وبالخلافة بعد رسول الله ﷺ ، ثم ذكر في عمر وعثمان كذلك، وذكر في عمر أنه الخليفة بعد أبي بكر وأنه مقتول، وأن عثمان قال له: يا رسول الله والله ما تمنيت ولا مسست ذكري بيميني منذ بايعتك بها قال: "هو ذاك يا عثمان". أورده المحب الطبري وأشار إلى أن هذه قصة غير قصة بئر أريس التي رواها أبو موسى المشهورة في الصحيحين وغيرهما.
وقال رسول الله ﷺ : "أري الليلة رجل صالح أن أبا بكر نيط برسول الله ﷺ ونيط عمر بأبي بكر ونيط عثمان بعمر"، قال جابر: فقلنا أما الرجل الصالح فرسول الله ﷺ وأما تنوط بعضهم ببعض فهم ولاة هذا الأمر الذي بعث الله به نبيه ﷺ . رواه أبو داود.
وقال ﷺ : «بينما أنا نائم رأيتني على قليب أي بئر عليها دلو فنزعت منها ما شاء الله أي لسقي الناس على حوضها، ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع بها ذنوبا أو ذنوبين وفي نزعه ضعف والله يغفر له ضعفه، ثم أخذها ابن الخطاب فنزع حتى روي الناس» ووصفه بالقوة. أخرجه البخاري ومسلم وأحمد وابن أبي حاتم مع اختلاف في بعض الألفاظ.
وعنه ﷺ أنه قال لأبي بكر: "كيف أنت يا أبا بكر إن وليت الأمر بعدي؟ " فقال: بل قبل ذلك أموت يا رسول الله، قال: "فأنت يا عمر" قال عمر: هلكت إذا، قال: "فأنت يا عثمان؟ " قال: آكل فأطعم وأقسم فلا أظلم، قال: "فأنت يا علي؟ " قال: آكل القوت، وأخفض الصوت، وأقسم التمرة، وأحمي الجمرة قال: "كلكم سيلي وسيرى الله عملكم". أورده المحب الطبري.
وقال ذات يوم: «من رأى منكم الليلة رؤيا؟» فقال رجل: أنا يا رسول الله رأيت
стр. 44
كأن ميزانا نزل من السماء فوزنت أنت وأبو بكر فرجحت أنت بأبي بكر، ووزن أبو بكر وعمر فرجح أبو بكر، ووزن عمر وعثمان فرجح عمر بعثمان ثم رفع الميزان، قال الراوي فرأينا الكراهة في وجه رسول الله ﷺ . وفي رواية: فاستاء لها، يعني فساءه ذلك، فقال: خلافة نبوة ثم يؤتي الله الملك من يشاء.
وسبب الكراهة التي بدت على وجهه ليس راجعا إلى رجحان بعضهم ببعض لأن ذلك هو المعلوم المقرر عنده، بل راجع إلى قوله ثم رفع الميزان، وهذا الميزان هو الميزان المشار إليه بقوله تعالى: ﴿الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان﴾، وهو الميزان الذي يوزن به حكم الكتاب الذي نزل مقارنا له، فيسوى به الحقوق، ويقام فيها القسط فيعطى كل ذي حق حقه، ولما أخبره أنه ذلك الميزان رفع بموت عثمان علم أن منتهى استقامة أمته على أكمل الأحوال، وأتم قوانين العدل إلى موت عثمان، وهذه المدة المشار إليها بقوله خلافة نبوة أي كاملة من كل وجه باجتماع الكلمة واتحادها كما اجتمعوا على نبيهم سامعين مطيعين، ثم يحصل الجور في جانب فيعطى بعض الحق غير أهله كما انصرفت الخلافة عن علي وآله إلى بني مروان. ولا يقدح ذلك في خلافة سيدنا علي لأنه قد أدخل مدته في أسهم الخلافة الموعود بها في قوله تعالى: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم﴾ فهذه هنا خلافة نبوة، وهي خلافة خاصة مشروط فيها اتحاد الكلمة، والتي في الآية خلافة حق عامة مطلقة. والله أعلم.
وقال رجل: يا رسول الله رأيت كأن دلوا دلي من السماء فجاء أبو بكر فأخذ بعراقيها فشرب شربا ضعيفا، ثم جاء عمر فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع، ثم جاء عثمان فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع، ثم جاء علي فأخذ بعراقيها
стр. 45
فانتشطت وانتضح عليه منها شيء. أخرجه أبو داود. ومعنى انتشطت: جذبت ورفعت قبل أن يتمكن من الري من غير تقصير منه ولا تفريط، ومع تأهله وشدة حرصه لولا ما حال بينه وبينها من القضاء المبرم، وكان أمر الله قدرا مقدورا.
ومن الآثار عن عمرو بن العاص ﵁ أن النبي ﷺ بعثه واليا على عمان، ومات رسول الله ﷺ وهو ثم، فجاء عالمهم وكان قد أسلم ليلة مات رسول الله ﷺ فقال له: قد مات رسول الله ﷺ وأتى عليه هذه الليلة، وأتى نحو ذلك في كتابنا، قال: فلم ألبث أن جاءني كتاب أبي بكر بذلك، فقلت لهم: هذا الذي ولينا بعده ما تجدونه في كتابكم؟ قال: يسيرا ثم يموت، قال: قلت: ثم ماذا؟ قالوا: ثم يليكم قرن الحديد يعمل بسيرة النبي ﷺ ، يملأ مشارق الأرض ومغاربها قسطا وعدلا لا تأخذه في الله لومة لائم. أورده المحب الطبري. وأخرج أبو داود أن عمر ﵁ سأل الأسقف وهو عالم النصارى لما قدم عليه كيف تجدوني عندكم؟ فقال: قرن حديد. ثم تعرض لخلافة عثمان بعده وخلافة علي بعده ﵃.
وعن جبير بن مطعم ﵁ قال: كنت ببصرى من أرض الشام فأدخلني النصارى ديرا كبيرا فيه تصاوير كثيرة، فإذا بصورة رسول الله
стр. 46
- ﷺ وصورة أبي بكر ﵁ وهو آخذ بعقب النبي ﷺ ، فقالوا: هل ترى صورة صاحبكم؟ قلت: نعم ولا أخبركم حتى أرى ما تقولون، قالوا: هو هذا، قلت: نعم أشهد أنه هو، قالوا: أتعرف هذا الذي آخذ بعقبه؟ قلت: نعم، قالوا: أتشهد أنه الخليفة بعده؟ قال وذلك في ابتداء الإسلام والنبي ﷺ بمكة يومئذ. أورده المحب الطبري.
ثم إنه مما ألجأ الصحابة ﵃ إلى المبادرة بعقد البيعة للصديق ﵁ مع ما قد عرفوا من الفضل مع ما أبان الله به فضله وأظهر به شأنه وغزارة علمه ونبله:
فمنها: ثباته عند اختلافهم في موت النبي ﷺ واختلال عقول أشدهم بأسا عند تلك الصدمة العظيمة، فخطبهم وقرر لهم موت النبي ﷺ وعزاهم به، وقوى عزائمهم على الصبر ونصرة الدين والثبات على ما كان عليه نبيهم ﷺ بقوله ﵁: "أيها الناس من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت"، ثم تلا قوله تعالى: ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ وقوله تعالى: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين﴾ فكأنهم لم يسمعوا قبل مقامه ذلك بهذه الآية، فحمدوا الله واسترجعوا وصبروا وثبتوا ولو كان الخطب عظيما.
стр. 47
ثم قال لهم ليجمع شملهم على الهدى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾، إنه لا بد لهذا الدين ممن يقوم به. ولم يدعهم قط إلى نفسه ولا طلب انقيادهم له خاصة، فأناب الكل إلى قوله، إلا أن الأنصار ﵃ قالوا: صدقت، ولكن منا أمير ومنكم أمير، أي لأنهم كانوا ممتازين أيام الرسول، فالمهاجرون حيز والأنصار حيز، وكان رسول الله ﷺ كثيرا ما يؤمر على المهاجرين رجلا منهم، وعلى الأنصار رجلا منهم، مع أنهم كلهم مآل أمرهم إليه. فعرفهم الصديق أن القائم بعد رسول الله ﷺ يقوم مقامه، فيجب الإجماع على الولاية العظمى، وتلك ولاية في بعض الأحوال تكون بنظر الإمام، فلا يجوز أن تكون الإمامة إلا لشخص واحد، ثم يجب أن يكون قرشيا لقوله ﷺ : «الأئمة من قريش» وأيضا قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ وقد سمانا الصادقين في قوله تعالى: ﴿للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون﴾.
فقد أمركم الله أن تكونوا معنا تبعا فأذعنوا له، واعترفوا بغزارة علمه، فعقدوا له البيعة كارها.
ثم اختلفوا في موضع يقبر النبي ﷺ ، فمنهم من قال ينقل إلى مكة لأنها مسقط رأسه ومنشأه ومقام أبيه إبراهيم وحرم الله الأعظم،
стр. 48
وقال قوم بل ينقل إلى بيت المقدس عند أبيه إبراهيم وإخوانه الأنبياء والمرسلين، وقال قوم بل يقبر في البقيع بالمدينة عند أصحابه لأنها قد صارت دار هجرته والبقيع بالباء هي المقبرة التي أمر بها ﷺ ، فتنازعوا في ذلك فرجعوا إليه، فقال سمعته ﷺ يقول: "إن الأنبياء تدفن حيث تقبض أرواحهم" أو كما قال، فدفنوه في حجرته فزال عنهم الخلاف، واطمأنت قلوبهم ببركته ﵁.
ولم يزالوا يتعرفون بركة رأيه وغزارة علمه وثبات جأشه، فأول شيء اختلفوا فيه بعد دفن النبي ﷺ وعقد البيعة له جيش أسامة بن زيد ﵁، وكان النبي ﷺ أمره على جيش ومات والجيش مجموع بظاهر المدينة. فأشار جمهور الصحابة على أبي بكر بتخليفه ليكون عونا للمسلمين خشية أن يحدث على المدينة حدث قبل استقرار الأمر، فأبى إلا تنفيذه لجهته وقال: "والله لو جرت الكلاب بأرجل أمهات المؤمنين أزواج النبي ﷺ ما حللت لواء عقده رسول الله ﷺ بيده، ويكون ذلك أول شيء أبدأ به في أمري"، فنفذه لشأنه فحمدوا عاقبته وبركة رأيه لما في ذلك من الإرجاف لكثير من أعداء الدين. وكانت الأعراب التي حول المدينة قد أشاعوا الردة، فلما رأوا ذلك قالوا: والله ما تجاسر هؤلاء على تجهيز الجيوش مبادرة إلا وأمرهم مجتمع وشملهم متحد، فانكسر به حدهم.
ثم من العرب من ارتد كبني حنيفة، ومنهم من منع الزكاة فقط، فعزم على قتال الكل فنازعه الصحابة أولا في قتال مانعي الزكاة، وقالوا كيف نقاتلهم
стр. 49
وهم يقولون لا إله إلا الله، وقد قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم» فقال: ألم يقل: «إلا بحقها»، وهذا من حقها، والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة لأنهما مقترنان في قوله تعالى ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ قالوا له: فلعلك تعرض أولا عن مانعي الزكاة وتستعين بهم على أهل الردة ثم إذا استقر الأمر فلك فيهم شأنك، فقال: فإن ترك آخرون الصلاة وآخرون الزكاة وآخرون الصيام وانحلت عرى الدين عقدة عقدة فماذا أفعل، بل أستعين بالله على نصرة دينه وهو خير الناصرين. فانشرحت صدورهم برأيه المبارك، وانقادوا له، وعرفوا بذلك علو همته وشدة عزمه، فحصل النصر والظفر، واستقرت قواعد الإسلام ببركته ﵁.
فصل
عن زيد بن أرقم ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من كنت مولاه فعلي مولاه» أخرجه الترمذي وأحمد. وفي بعض طرقه «ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم» قالوا: بلى يا رسول الله، قال: " «من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه» وانصر من نصره".
وعنه أيضا سمعت رسول الله ﷺ يقول لعلي ﵁: "أنت أخي في الدنيا والآخرة" أخرجه الترمذي.
وعن عمران بن حصين ﵁ قال: استعمل رسول الله ﷺ عليا على سرية فلما رجعوا شكاه أربعة نفر من السرية والنبي ﷺ يعرض عنهم فقال: «ما تريدون من علي ما تريدون من علي إن عليا مني وأنا منه وهو ولي كل مؤمن بعدي» أخرجه الترمذي وأحمد.
стр. 50
عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن رسول الله ﷺ خلف علي بن أبي طالب في غزوة تبوك فقال: يا رسول الله تخلفني في النساء والصبيان فقال: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي» أخرجه البخاري ومسلم.
وعن زيد بن أرقم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أحدهما أعظم من الآخر وهو كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي لن يفترقا حتى يردا علي الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما» أخرجه الترمذي.
والأخبار الواردة في فضل علي وسائر أهل البيت الطيبين الطاهرين أكثر من أن تحصر، وفضلهم ومجدهم وفخرهم أشهر من أن يذكر. وليس من شرط محبتهم وموالاتهم الغلو في الدين واتباع سبيل المفسدين، قال الله تعالى: ﴿لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل﴾.
وما استمسك به المبطلون في أن هذه الأحاديث وأمثالها تقتضي أن يكون سيدنا علي هو الوصي بالخلافة وأن خلافة الثلاثة من السادة الأتقياء قبله معصية مخالفة لنص الرسول: إفك مفترى اجترأوا عليه سفها بغير علم افتراء على الله، قد ضلوا وما كانوا مهتدين، ما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئا، ﴿فأما الذين في قلوبهم مرض فيتبعون ما تشابه منه
стр. 51
ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله﴾ على وفق أرائهم الفاسدة ﴿والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب﴾. ﴿أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم﴾ ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم. أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم﴾. ﴿أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها. إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم. ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم. فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم. ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم﴾. وأي سخط أعظم ممن يعتقد رأيا يؤدي إلى تكذيب الله تعالى وتكذيب رسوله وتكذيب أصحابه والتابعين لهم إلى يوم الدين وتخطئة علي وابن عباس وأتباعهما من سادة أهل البيت بموالاتهم الصحابة ونسبتهم إلى خذلان دين الله بتركهم بذل أنفسهم في نصرة الله ورسوله، إلى غير ذلك من الآثار القبيحة والفضائح الشنيعة، قبح الله معتقديها الذين استحبوا العمى على الهدى، وأذاقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون.
يا عجبا أي عقل أو نقل يقضي أن يرتكب مثل ذلك بمجرد احتمال قام الإجماع على أنه غير مراد. مع أنا لو وجدنا ألف آية في كتاب الله وألف حديث يتواتر في سنة رسول الله ﷺ متطابقة على الأمر بتولية علي بعد النبي، ثم وجدنا الإجماع منعقد من الصحابة ومن علي أيضا على أن الصديق أولى بالخلافة على تصويب ما فعلوه، كانت القواعد المقررة والأصول المحررة المتفق عليه بين أئمة الدين تقتضي إما حمل تلك النصوص كلها على النسخ ويمحو الله ما يشاء ويثبت، وإما على التأويل اللائق المؤدي إلى الجمع بينها وبين ما أجمعوا عليه؛ ولم يداخلنا شك في أنهم إنما امتثلوا بما أجمعوا عليه أمر الله تعالى ولم يتعدوا حكم الله. لأنا إن لم نعتقد ذلك لزمنا اعتقاد بطلان الكتاب كله
стр. 52
والسنة كلها وحصلنا على مراد أعداء الله تعالى المتظاهرين بالرفض المصرين على الكفر المحض. فكيف نتناول احتمال أحاديث قد عورضت بما هو أقوى منها متنا وسندا مستندا إلى الإجماع، وتقرير كل نص في محله.
فقوله ﷺ : «من كنت مولاه فعلي مولاه» يحتمل أن يريد ما زعمه الخصم إثبات ما له من الولاية عليهم والتصرف فيهم بعده من غير فاصل بينه وبينه، ويحتمل أن يكون مع فاصل، ويحتمل أن يكون المراد بالمولى القائم بالنصرة والتقدير من كنت مولاه فعلي قائم مقامي بعدي في نصرته، وهو ناصر كل مؤمن بعدي، أو من كان على نصرته فعلي على ذلك أيضا لأن قرابة الرجل تتحمل ما على قريبه. وفائدة اختصاصه بذلك ما عرف لعلي من النصرة لدين الله بما لم يعرف لغيره، فكم جلى
стр. 53
من كروب، وكم كابد من حروب، وكم فتح الله على يديه في زمنه ﷺ وكان ذلك كله منه لنصرة الله ورسوله، والله ورسوله ولي المؤمنين ﴿ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم﴾ أي لا ناصر لهم، وإذا كان كذلك أعلمهم أيضا أنه يبقى بعده على ما كان عليه ناصرا لمن كان النبي ناصره. وصدق ﷺ ، فكم أشاد الله من دعائم الإسلام، وأثبت له بها المنة في عنق الخاص والعام. ويحتمل أن يريد إثبات الخلافة له في الجملة لكن بعد فاصل بينه وبينه، وقد وقع ذلك، وهذا كما ثبت أنه ﷺ رأى في منامه حورية في الجنة لعثمان فقال لها: لمن أنت؟ فقالت: للخليفة بعدك. ومثل ذلك جائز في كلام العرب حقيقة ومجازا لصدق البَعدية حتى أهل عصرنا هذا لو صدق عليهم اسم الخلافة حقيقة لم يزل اسم الخلافة مستمرا على الزمان، لأن قولنا جاء زيد بعد عمرو محتمل أنه جاء بعده من غير فاصل ومن غير مهلة، ويحتمل عكس ذلك. فكذلك قوله بعدي على هذا الوجه محتمل.
وعلم الصحابة بترجيح الاحتمال الثاني بتولية أبي بكر في الصلاة مع حضور علي وغيره
стр. 54
هو خبر متفق على صحته بخلاف شيء من هذه الأخبار فإنها غاية ما تبلغ درجة الحسن سوى قوله «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» وقد علم من سياق القصة أنه قال له تطييبا لخاطره وإعلاما له إنما اختاره له من الخلافة عنه بالمدينة عند سيره إلى الجهاد في تلك المرة لا غير لا نقص عليه فيه، وإن تلك المنزلة منزلة هارون الذي هو أرفع درجة من موسى حيث يقول موسى لأخيه هارون ﴿اخلفني في قومي﴾، وأن الرفعة له فيما اختاره من المضي معه كما هو أكثر أحواله، والتخلف عنه كما في هذه المرة.
وكيف يكون
стр. 55
مراده بذلك تولية الخلافة بعده وهارون المشبه به مات قبل موسى ﵉، وإنما خلفه فتاه وصاحبه في سفره يوشع الذي هو بمنزلة الصديق، ﴿ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾، فصح أن عليا في تلك المرة بمنزلة هارون من موسى، وأبو بكر بمنزلة فتى موسى من موسى في توليه الخلافة.
وفائدة جمع المسلمين وإشهادهم على ما في بعض طرق الحديث من قوله «ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن في نفسه» إلى آخره، إخبارهم بأن عليا كان خليفة بما ولاه عليه من أمر السرية بل ومتأهل التولية أمر الأمة بعده أيام خلافته التي وقعت لا سيما وقد شكوا منه. فأراد التنبيه على جلالة قدره وتعريفهم بأنه سيولى أمرهم ليتمرنوا على اعتقاد طاعته وينوطوا به الآمال إذا توقعوها كائنة وليحذرهم من مخالفته والخروج عليه لما أطلعه الله من أنهم لا يجتمعون عليه لتكون إقامة الحجة على من يعمل خلافه يومئذ. ولو كان المراد ما زعمه الخصم للزم منه ما يترتب عليه من المقاصد السابقة، فوجب العدول عنه عقلا ونقلا.
стр. 56
وما أحسن قول الحسن المثنى بن الحسن بن علي ﵁ لما قال له الرافضي يزعم ما زعمه الخصم: ألم يقل النبي ﷺ : «من كنت مولاه فعلي مولاه» فقال الحسن: أما والله لو عنى بذلك رسول الله ﷺ ما تزعمه من الخلافة بعده وتوليته عهده لأفصح به ولقال: أيها الناس إن عليا هو ولي عهدي والخليفة بعدي فاسمعوا له وأطيعوا. أي كما أفصح بالصلاة في قوله «مروا أبا بكر فليصل بالناس» وكما قال: «اسمعوا وأطيعوا وإن كان عبدا حبشيا». ثم قال: لئن كان ما زعمتم حقا أن النبي ﷺ اختار عليا لهذا الأمر بمشهد من المسلمين فإن عليا أعظم خلق الله إثما وأفحشهم خطئية وجرما إذ ترك أمر رسول الله ﷺ والقيام بأمر الله وحابى فيه الناس. أورده المحب الطبري.
وأما قوله ﷺ لعلي: "أنت أخي في الدنيا والآخرة" فذلك بعد أن آخى بين المسلمين وجاءه علي تدمع عيناه قال يا رسول: آخيت بين أصحابك
стр. 57
ولم تؤاخ بيني وبين أحد، فالسياق يدل على وقوع القول وجوبا تطييبا لقلبه مع أنه حق في نفسه، والأخوة هنا أخوة الإسلام، واختصاص علي بها في هذا المقام فضيلة هو لها أهل. ولكن إذا قوبلت هذه الفضيلة بفضيلة الصديق التي أثبتها له ﷺ ابتداء بقوله وهو على المنبر قبل أن يموت بأيام قلائل في مرضه الذي مات فيه وقد خرج عاصبا رأسه بخرقة فقعد على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أيها الناس إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، وإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكنه أخي وصاحبي»، وفي رواية: «ألا إني أبرأ إلى كل خل من خلته» أخرجه البخاري ومسلم والترمذي مع اختلاف في بعض الألفاظ. واتفقوا على قوله «لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخي وصاحبي» ظهر لك أن الله يمن على من يشاء من عباده، ويختص برحمته من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، وأين قوة السند من السند، والمتن من المتن، والفضيلة من الفضيلة، والقول المبتدأ من القول المستدعى ﴿وكلا وعد الله الحسنى، والله بما تعملون خبير﴾.
стр. 58
وأما قوله ﷺ : «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا» إلى آخره، فصدق رسول الله ﷺ . لكن الشأن في فهم من هو أحق بهذه الفضيلة، فإن كان أهل بيته العباس وابنه علي وعليا وابنيه ومن اقتفى أثرهم واتبع أفعالهم وأقوالهم من أهل البيت إلى يوم الدين فقد ظهر مصداق ذلك إذ لم يزالوا قرناء كتاب الله وسنة رسول الله، وانتشر عنهم من التفسير والحديث والفقه والمواعظ والحكم والسياسات الرياضية وغيرها ما طبق الأرض وملأ أقطار الدنيا، فعلى مخالفهم منا ومن الخصم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، وبيننا وبين الخصم تحكيم النصوص عنهم أولا ثم المباهلة فنجعل لعنة الله على الكاذبين، وإنا وإياهم لعلى هدى أو في ضلال مبين.
وقد سبق عن أهل البيت ما فيه كفاية لقوم مؤمنين ﴿فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم
стр. 59
في طغيانهم يعمهون﴾ ﴿ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون﴾.
وأما ما اجترأ عليه عدو الله من القدح في الثلاثة الخلفاء ﵃ فقد علمت مما سبق أن القدح فيهم خاصة وفي سائر الصحابة عامة يؤدي إلى الكفر الصريح الذي ليس بعده كفر، فاتخذ ذلك أصلا لترد به تزويرات أهل الأباطيل، وتحمل به ما صح وثبت على أجمل المحامل وأحسن التأويل. وكان الأولى بنا أن لا نلوث كتابنا بما ألقاه، ويجعل لهم أسوة بما قد افتراه أعداء الله على الله:
قد قيل إن الإله ذو ولد ... وأن هذا الرسول قد كهنا
فما سلم الله من بريته ... ولا رسوله فكيف أنا
لكن رأينا أن نكافئه عنهم بسوء فعله ونكشف الغطاء عما غره من قبيح جهله بنكت نشير إلى الجواب وتهدي إلى جادة الصواب.
أما قوله: إن عليا ﵁ قد استنقذ أم ابنه محمد بن الحنفية من يد أبي بكر إذ كان لا يجوز لأبي بكر سبيها؛ فهذه العبارة الخشنة من أين لفقها وعمن تلقفها، أم من هواه اختلقها أم من مخارق أهل مذهبه الفاسد اخترقها؟ بل المحمل الصحيح في ذلك أن أبا بكر ﵁ رأى جواز سبي نساء أهل الردة قياسا على الكفار الأصليين فوافقه الصحابة يومئذ على ذلك، وهي مسألة اجتهادية للاحتمال فيها مجال، ثم ترجح بعد ذلك للصحابة الفرق بين الكافر الأصلي وبين المرتد فلا تسبى ذراري المرتدين، وكانت أم محمد بن الحنفية من السبي.
стр. 60
فإن صح أن عليا جدد نكاحها من وليها أو غيره فمحمول على الورع والاحتياط قبل ترجيح عدم جواز سبي المرتدين، وعلى تدارك الصحة إن كان بعد الترجيح، ولا يترتب على ذلك قدح ولا ذم أصلا.
أما قوله: لأنها من قوم لم يجر منهم ما يوجب القتال؛ فإن كانت هذه الفتوى من على دين محمد ﷺ فكذب عدو الله لانعقاد إجماع الأمة على أن بني حنيفة ارتدوا، وادعى فيهم مسيلمة الكذاب لعنه الله النبوة، وافترى على الله، وقال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء، وقال سأنزل مثل ما أنزل الله، وتزوج بسجاح اليربوعية المدعية للنبوة أيضا وأمهرها أن حط عن قومها صلاتي الصبح والعشاء، ولا خلاف بين المسلمين على كفرهم. وإن كان على مذهب إمامه وقدوته عدو الله علي بن الفضل القرمطي فصدق، لأنه استولى على اليمن وتمكن وأظهر ما تضمره الإسماعيلية من المذهب الخبيث، وادعى أولا النبوة، وكان يؤذن المؤذن بين يديه أشهد أن علي بن الفضل رسول الله، واستباح المحظورات، وأحل الخمر والزنا ونكاح البنات. وأنشد أبياته المشهورة:
خذي الدف يا هذه والعبي ... وغني هزاريك ثم اطربي
تولى نبي بني هاشم ... وهذي شرائع هذا النبي
стр. 61
لكل نبي مضى شرعه ... وهذا نبي بني يعرب
فقد حط عنا فروض الصلاة ... وحط الصيام فلم نتعب
إذا الناس صلوا فلا تنهضي ... وإن صوموا فكلي واشربي
ولا تطلبي السعي عند الصفا ... ولا زورة القبر فى يثرب
ولا تمنعي نفسك المعرسين ... من الأقربين ولا الأجنبي
فكيف حللت لهذا الغريب ... وصرت محرمة للأب
أليس الغراس لمن ربّه ... وأسقاه في الزمن المجدب
وما الخمر إلا كماء السماء ... حلال فقدست من مذهب
بل قبحه الله من مذهب.
ثم ادعى الربوبية ثانيا فكان إذا كتب كتابا قال فيه: من باسط الأرض وداحيها ومزلزل الجبال ومرسيها علي بن الفضل إلى عبده فلان.
فلا رحم الله مثواه، ولا بلّ بشيء من وابل الرحمة ثراه.
فمن كان هذا إعلان إسراره وعنوان صحيفة إضماره، فكيف يميل إلى مذهبه من يدعي الإيمان فضلا عن أن يعتقده أقوم الأديان ﴿ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون. ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون﴾.
وأما قول عدو الله: إن عليا لم يتأمر عليه أبو بكر ولا غيره، ولا صلى
стр. 62
خلف أحد من الخلفاء قبله؛ فكذب مفترى، وقد سبق تصريح علي نفسه بأنه بايع أبا بكر وعمر طائعا، وعلى ذلك انعقد الإجماع، لكن لم يبايع أبا بكر إلا بعد ستة أشهر من خلافته واعتذر إليه من تخلفه. وقد سبق في خطبة علي أيضا أن أبا بكر صلى بالناس في حياة رسول الله ﷺ سبعة أيام، ولم يصل رسول الله ﷺ خلف أبي بكر في تلك المدة، ولا معنى للسؤال عن ذلك، لأنه إنما أقامه نيابة عنه لعدم قدرته على الصلاة بالمسلمين، وكفى لأبي بكر فخرا قيامه مقام المصطفى ﷺ .
وموضع قبر النبي ﷺ كان ملكا لرسول الله ﷺ ، خلفه تركة بعده يصرف في المصالح، ولأزواجه بعده في ذلك حق السكنى كما لهن حق الإنفاق من صدقاته، ثم يصير فيئا للمسلمين، فلما قبر النبي ﷺ في حجرة عائشة ﵂ بقي ذلك الموضع الباقي مستحقا لعائشة فيه السكنى، والبيت بيتها فأذنت لأبيها في ذلك. ثم استأذنها عمر عند موته وأمر باستئذانها بعد موته أيضا فأذنت له حيا وميتا. وقد سبق ذكر قول علي في عمر: إني كنت لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك. وروي أنه ﷺ مر بقبر يحفر فقال: قبر من هذا؟ فقالوا: قبر فلان الحبشي، فقال: "سبحان الله سيق من أرضه إلى الأرض التي خلق منها". وقال علي: إني لأعلم لأبي بكر وعمر فضيلة ليست لأحد خلقا من تربة خلق منها النبي ﷺ . أورده المحب الطبري. وكفى بهذه شهادة من المصطفى ومن علي لهما بأن جعلهما عنده أكبر المناقب. فكيف يصادم عدو الله قولهما، ويجعل ذلك من أقبح المثالب.
стр. 63
وأما تركه ﷺ الوصية بتعيين الخليفة من بعده، فقد سبق أنه ﷺ أشفق على أمته من أن يحصل منهم عصيان لخليفته أو خليفة خليفته وهلم جرا فيحل بهم العذاب، فوكل ذلك إليهم ليجمع لهم بين فضيلة الاجتهاد وبين السلامة من الوقوع في المحذور ولو بعد حين، ودعوى الخصم الوصية لعلي خلاف الإجماع إن أراد بذلك الخلافة الكبرى، وأما في أمور جزئية فمسلم.
وكون علي ﵁ يسمى وصيا فقد سئل عنه علي فقال: لا، وقد سبق قوله: لم يعهد إلينا في ذلك شيئا، وإنما هو شيء رأيناه من أنفسنا. فهو تكذيب لعلي نفسه، هذا مع إجماع المسلمين على تسمية الصديق خليفة رسول الله ﷺ ، وإجماعهم على أنه لم يستخلفه، فإن صح تسمية علي بالوصي فكذلك.
ونزول أبي بكر وعمر عن مجلس النبي ﷺ في المنبر أدب ليس بواجب، وعود عثمان إلى مجلس النبي ﷺ اتباع لسنة النبي وعمل بما عمل، وهو أفضل يومئذ لما فيه من المصلحة، لأنه يترتب على ذلك لو بقي كل خليفة ينزل درجة تبين هجران سنة المنبر، ولكان الخليفة اليوم يخطب الناس وهو في تخوم الأرض.
وإذا صحت إمامته نفذت تصرفاته كلها من الأخذ والعطاء والنفي والإثبات بنظر المصلحة.
стр. 64
وفدك صارت بالإجماع غير ميراث عن النبي ﷺ . وكان مذهب عثمان وكثير من العلماء، أنها للوالي بعده لأنه القائم مقامه، فاستحقها عثمان كلها ووهبها لأرحامه. وعند الباقين أنها صارت فيئا للمسلمين من جملة المصالح العامة يتصرف فيها الوالي كيف شاء بحسب ما يراه من المصلحة. وعلى كل تقدير فقد اتفقوا على تصويب عثمان فيما فعله فيها وفي غيرها ما سوى عدو الله وأهل مذهبه.
ولو أن عمر ﵁ قتل ألفا من أمثال سعد بن عبادة وأمثال الزبير حملناه على الصواب وموافقة حكم الله بعد أن نصحح إمامته، لأن تصرفات الأئمة لا سيما عمر محمولة على الصحة ما لم يعلم مخالفتها لنص، فضلا عن تخطئته بضرب أو كسر سيف لا صحة له.
وقد قال يوم أوصى بالخلافة شورى بين المسلمين وهو في تلك الحالة إذا اتفق أربعة منهم على رأي وخالفهم اثنان أي من الستة المذكورين فاشدخوا رؤوسهما بهذا السيف، فنظرهم ﵃ مصروف إلى ما يصلح الأمة وحسابهم على الله تعالى لا إلى محاباة زيد وعمرو.
وكراهته ﷺ أن ينتشر إخباره بالخليفتين من بعده محمول على أمر الله له بذلك مراعاة لقرابته، وهو مأمور بالتبليغ فيما أمر بتبليغه، وبالكتمان فيما أمر بكتمه، ومخير في أشياء يبلغها إن شاء ويخبر بها من شاء ويكتمها عن من يشاء. ومن المحتوم عليه التبليغ فيه تبليغ القرآن. ومتى لم ينص على شيء لا يقال لم لم ينص عليه، وإنما علينا قبول ما جاء عنه من غير اعتراض بعقولنا القاصرة عن أسرار النبوة.
стр. 65
والخلافة باقية إلى الآن بمصر في بني العباس، لا يصح عندهم تولية سلطان إلا بعقد يعقد له من الخليفة القائم في كل عصر.
ونكاح عمر ﵁ لأم كلثوم متفق على صحته. ومذهب جمهور السلف والخلف أن الكفاءة في الحرية والدين والعفة كافية، وقد زوج النبي ﷺ فاطمة بنت قيس القرشية من مولاه أسامة بن زيد واختاره لها على قريش، وليس لها ولي غير الشرع. والغبطة والمصلحة عند ولي أم كلثوم بنت علي كانت أظهر من الشمس، وإنما خفيت على حزب الشيطان. وما اعتبره الشافعي من مراعاة الكفاءة في النسب أيضا مذهبه الجديد، والمسألة اجتهادية، واختلاف المجتهدين في الفروع لا قدح فيه.
وكل ما نقل في أمر فدك من ميراث أو نحلة شيء منها فإن تقرير علي لها على ما كانت عليه أيام الخلفاء قبله يكذب ذلك كله.
وقد قام بعض العلوية في جامع الكوفة والمصحف في عنقه بين يدي السفاح أول خلفاء بني العباس وناشده الله أن ينصفه ممن ظلمه، قال: ومن ظلمك؟
стр. 66
قال: أبو بكر أخذ ميراث فاطمة من فدك، قال: فهل كان بعد أبي بكر خليفة؟ قال: نعم عمر، قال: فما فعل فيها؟ قال: أقام على ظلمنا، قال: فهل بعده من خليفة؟ قال نعم عثمان، قال: فما فعل؟ قال: أقام على ظلمنا، قال: فهل بعد عثمان خليفة؟ قال: نعم علي، قال: فما فعل؟ فبهت، فقال السفاح: وايم الله لولا أن هذا أول مقام قمته فيكم لنكلت بكم.
فقل لأعداء الله ما منع أيضا عليا أن يعمل فيها بما يضمرونه في أنفسهم أيام خلافته ﴿وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا. أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا﴾ ﴿وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم. أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم﴾.
الخاتمة في زيادة شرح لقوله ﷺ إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به الحديث والحث على حب أهل البيت وإكرامهم
وفيه فصلان
الفصل الأول
فقوله: «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به» أي الذي إن تمسكتم به، فما موصولة والجملة الشرطية صلتها، أو شيئا إن تمسكتم به، فهي نكرة موصوفة بالجملة الشرطية، والتمسك بالشيء التعلق به وحفظه.
وقوله: «أحدهما أعظم من الآخر»، وهو كتاب الله. إنما كان القرآن أعظم لأنه أسوة تقتدي به العترة المأمور بالاقتداء به وبهم سائر الناس.
стр. 67
وقوله: «حبل ممدود من السماء إلى الأرض»، ووجه التشبيه بينهما أن من وقع في بئر أو مهواة فسبيل نجاته وإنقاذه أن يدلى له حبل من أعلى يتمسك به فيرتفع، وكان الناس لما كانوا قبل نزول القرآن واقعين في مهواة الهلاك من الكفر والضلال المفضي بهم إلى خسران الدنيا والآخرة، وبعد نزوله واقعين في مهواة طبائعهم مشغولين بشهوات أنفسهم معرضين عما يهمهم من أمر آخرتهم المفضية إلى الانحطاط عن الرتبة العلية الفاخرة، ثم أنزل الله سبحانه كتابه الذي بصربه بعد العمى، وهدى به بعد الضلال، وأحيا به القلوب بعد موتها، واستنقذ به النفوس من أسر شهواتها، رفعهم بذلك من تلك المهواة المهلكة إلى سواء طريق النجاة الموصلة إلى الفوز العظيم والنعيم المقيم، وقد قال الله تعالى فيمن وقع في مهواة شهواته الدنية وانحط عن رتبة الهمة العلية ﴿ولو شئنا لرفعناه بها﴾ أي بآياتنا إلى منازل الأبرار ومراتب العلماء الأخيار ﴿ولكنه أخلد إلى الأرض﴾ أي مال إلى الدنيا، ولما كانت الأرض سفلا للسماء المرفوعة عبر باستفال درجته عن الأرض السافلة بعد تعبيره عن علو درجته بالرفعة ﴿واتبع هواه﴾ ولم يتبع مقتضى آيات الله فحق عليه ما حق من الخسران والعياذ بالله.
وقوله: «وعترتي أهل بيتي» عترة الرجل بكسر العين المهملة وسكون التاء المثناة من فوق تطلق على عشيرته الأقربين والأبعدين، ولهذا قيده هنا بقوله أهل بيتي ليبين أنه أراد بذلك أهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وهم عند الجمهور من حرم عليه الصدقة من بني هاشم والمطلب ابني عبد مناف.
стр. 68
ومعنى التمسك بالقرآن العمل بما فيه بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. ومن جملة ذلك تعظيم ما عظمه الله من عباده النبيين والمرسلين والملائكة وأصحاب الرسول ﷺ ومعرفة ما يجبلهم من الحرمة والتكريم والمحبة لإجلال الله ورسوله لهم وحبهما لهم. ومعنى التمسك بالعترة اتباعهم فيما اتبعوا فيه حكم الكتاب، وطاعتهم فيما أطاعوا فيه الله ورسوله، ومحبتهم لله ورسوله من غير إفراط بغلو ولا تفريط بتقصير.
وقوله: «لن يفترقا حتى يردا علي الحوض» أي أهل بيتي أوصيكم بالتمسك بسيرتهم كما أوصيتكم بالتمسك بالقرآن، إنما جمعت لكم بين الوصية بهما لالتزام أهل بيتي بأحكام القرآن في سيرتهم التي هم عليها حال الوصية وأنهم لا يزالون عليها حتى يلقوا الله تعالى ملازمين لحكم القرآن فيبعثون على ما ماتوا عليه. والوصية بالتمسك راجعة بالأصالة إلى الموجودين من أهل البيت وهم علي وابناه والعباس وبنوه، وغيرهم بالتبعية إلى كل من سيحدث من نسلهم إلى آخرهم إن لم يفارق حكم القرآن المأمور بالتمسك به قبله ولم يبطل حكم الاقتران بالمخالفة ولم يقطع رحم المصطفى بمخالفة سنته السنية ورحم أهل بيته الطيبين الطاهرين بمخالفة سيرتهم المرضية.
ولا شك أن أهل بيته الذين أمرنا يومئذ باتباعهم والتمسك بهم قد ظهر فيه مصدق الملازمة بينهم وبين كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وامتازوا بذلك عن كافة من ابتدع في الدين وخالف الكتاب والسنة وإجماع السلف الصالحين. وذلك لكثرة ما انتشر عن علي وابن عباس ﵄ من تفسير كتاب الله وإيضاح معانيه وكشف أسراره، ثم من نشر للحديث والفقه، ثم من علي بن الحسين وابنه جعفر وأمثالهم ومن مشى على منوالهم من بيان
стр. 69
أسرار العلوم والحكم والمواعظ وسياسات النفوس، إلى ما لا يحصى. مع اتفاق السلف والخلف على أنهم على هدى من ربهم، وأنهم لم يفارقوا في سيرتهم حكم الكتاب والسنة. ومع اتفاقهم على أن الصحابة والتابعين لهم بإحسان على هدى من ربهم ملتزمون لأحكام الكتاب والسنة، وأن الكل حزب واحد وفريق متحد متناصرون على الحق متعاونون عليه، خصوصا أهل البيت مع الصديقين أبي بكر وعمر ﵄، فإن موالاة علي وابن عباس وبنيهما لهما وثناءهم عليهما وغير ذلك مما سبق الإشارة إلى نبذة منه لا يحتاج إلى إقامة دليل. ولم ينقل عن واحد منهم الغض من منصبهما الجليل فضلا عما اتخذه دينا من يزعم أنه من ولاة أهل البيت من التفسيق والتضليل وغير ذلك من الأباطيل.
وإذا ثبت أن أهل البيت المذكورين كانوا نصرة لمن ذكرنا من الصحابة وثبت أن الكل لم يفارقوا حكم الكتاب وأن بعضا لم يضل بعضا، فهل خلف هؤلاء السادة المذكورين أحد من حزب الضلال المبتدعة المخالفين لسنتهم المائلين عن طريقهم الذين أجمع السلف والخلف من الصحابة فمن بعدهم وعلي وبنوه وابن عباس وبنوه ومن حذا حذوهم من السادات أهل البيت أن ما هم عليه بدعة في دين الله مخالفة لكتاب الله مباينة لسنة رسول الله ﷺ مصادمة لما أجمع عليه السلف والخلفمن هو أهدى من أولئك؟ فإن قال الخصم نعم فقد اعترف بتنقيصه عليا وبنيه وكذبه الحس والعيان والسنة والقرآن. وإن قال لا فقد اعترف بأن ما ختاره لنفسه مخالف لما عليه علي وأهل بيته الأطهار. وإن زعم أن ما هو عليه هو دين علي وآله كما صرح به في نظمه فقد اغتاب السادة وعليه البيان على دعواه من نصوص الكتب التي نقل منها فضائل علي وأهل البيت، وهي بيننا وبينه محكمة، وإلا
стр. 70
أقمنا الحجة فيها على دعوانا. وإن زعم أن ما فيها مفترى كما هو معتقد جنانه والظاهر من صفحات وجهه وفلتات لسانه فقد أبطل فضائل علي وسائر أهل البيت، ويلزمه إبطال جميع ما فيها من السنة والتوحيد والنبوة والصلاة والصيام وغير ذلك إذ لا فرق إلا لمجرد الهوى وهو مراده لو حصل عليه. ولكن ﴿يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون. هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون﴾.
وإذا تبين أنه على ضلال تبين أنه ومن والاه وانتحل مذهبه ممن يزعم أنهم أهل بيت النبي ﷺ قد فارقوا حكم القرآن ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، ورفضوا سنة رسول الله ﷺ ، وقطعوا الرحم التي أمر الله بها أن توصل، وضللوا سادات أهل البيت عليا وابن عباس وبنيهما؛ فاستحقوا أن يقال لهم ما قال لنبيه نوح ﵇ لما قال إن ابني من أهلي: ﴿إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح﴾ وما قاله فيمن زعم أنه أولى الناس بإبراهيم لكونه ولده ﴿إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه﴾، وما قاله ﷺ عن آله فقال: "آلي كل تقي إلى يوم القيامة". وما قاله في بعض المنتسبين إليه: «يزعم أنه مني وليس مني إن أوليائي
стр. 71
إلا المتقون». ﴿ووقع الحق وبطل ما كانوا يعملون فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين﴾. وعلم أن الملازمة بين أهل البيت المذكورين أولا ومن تبعهم وبين القرآن ملازمة صحيحة. فكل من تمسك منهم بالقرآن حتى مات صدق عليه أنه لم يفارق القرآن ولم يفارقه القرآن حتى لقي الله. فلو فرضنا مثلا إنه لم يوجد من أهل بيته إلا الموجودون حال إشارته إليهم والوصية بالتمسك بهم ثم ماتوا، لصح أن يقال إن أهل البيت والقرآن لم يفترقا حتى وردوا القيامة، فكذلك إذا خالفهم طوائف الضالة من ذريتهم ولم يتبعوهم على ما كانوا عليه صاروا بمثابة المعدومين، ولا توارث بين أهل ملتين شتى.
أما الميراث الدنيوي فحكمه مبني على المخالفة الظاهرة بالكلية لأن أحكام الدنيا منوطة بالظواهر، حتى أنا نورث من قال لا إله إلا الله بلسانه وكفر بالله بجنانه وعصاه بأركانه، وأما في الميراث الديني فآله ﷺ الذين يرثون ميراثه كل بر تقي و ﴿إن أولياؤه إلا المتقون﴾.
وإذا تقرر هذا فاعلم أنه ﷺ مأمور بالتبليغ وإقامة الحجة، وقد أطلعه الله على ما سيلقى علي وبنوه من المحنة وعدم اجتماع الكلمة عليهم، فأشار بهذه الوصية أن عليا كما أنه اليوم ملتزم لحكم الكتاب فإنه أيضا لا يزال كذلك إلى أن يلقى الله، فمتى دعاكم إلى طاعته فأطيعوه وندبكم إلى إجابته فاتبعوه، فإنه يدعوكم إلى حكم الكتاب، ويسلك بكم المحجة العظمى، ويهديكم إلى الصراط الأقوم وستجدونه هاديا مهديا. ولم تتفق من علي ﵁ دعوة إلى اتباعه ولزوم طاعته في مدة الخلفاء الثلاثة قبله باتفاق من الأمة. فلما آن أوان دعوته المشار إليها وبويع له بالخلافة لم ينازعه أحد قط في اسم الخلافة ولم يشك أحد في تأهله لها وأحقيته
стр. 72
بها، وإنما حصل بينه وبين من خالفه من مجتهدي عصره نزاع في مسألة اجتهادية مال كل إلى قول فيها من المبادرة إلى قتلة عثمان والتوقف، وجرى بينهم ما جرى به القلم. فكل منهم معتقد أنه على الحق، وأنه مجاهد على دين الله، وأنه لو قصر فيما هو فيه فقد خان الله ليقضي الله أمرا كان مفعولا، فمنهم من اتضح له الحق بعد ذلك أنه في جانب علي كالزبير وطائفة كثيرة يوم قتل عمار بن ياسر، ومنهم من بقي على ما هو عليه حتى لقي الله. ولقد عاتب بعضهم الصديقة الكبرى بنت الصديق الأكبر أم المؤمنين المبرأة بنص التنزيل عائشة ﵂ وعن أبيها رغم أنف شانئيه وشانئيها- على قيامها في ذلك الأمر فقالت: ما أود أني تركت ذلك القيام ويكون لي به من رسول الله ﷺ خمسة أولاد ذكور.
وذلك في آخر عمرها، فدل على أنها لم يترجح لها خلاف ذلك، لكن أجمع الخلف من التابعين وجمهور السلف على أن عليا ﵁ كان مجتهدا مصيبا فله أجران، لحديث ابن عباس مرفوعا: «ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار» رواه البخاري، ومخاليفه يومئذ كانوا مجتهدين مخطئين فلهم أجر واحد، وكلا وعد الله الحسنى. وجمهور المخالفين له منهم من هو مشهود له بالجنة، وهم من كان من أهل بيعة الرضوان المحكوم لهم بالرضا الذي لا يتبدل من رب العالمين ومن رسوله بتحريمهم على النار، ومنهم من هو من أهل بدر الذين غفر الله ما تقدم من ذنبهم وما تأخر بشهادة الصادق المصدوق، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
الفصل الثاني في الحث على محبة أهل بيته ﷺ والتنبيه على جلالة قدرهم وعلو مجدهم
اعلم أن الناس ما بين مفرط في ذلك ومفرط، وكلا قصد طرفي الأمور
стр. 73
ذميم، وقد علمت من هو الأولى بهذا الاسم، أي التسمي بأهل البيت، وعلمت أيضا ما يجب من حبهم واحترامهم والتحذير من إهانتهم واحتقارهم نصحا لأمته وشفقة عليها أن لا تهين من أكرمه الله فيهينها الله، ﴿ومن يهن الله فما له من مكرم﴾.
فمنها: قوله ﷺ : "أحبوا أهل بيتي لحبي" أخرجه الترمذي وحسنه والحاكم وصححه على شرط الشيخين.
وقال ﷺ : "والذي نفسي بيده لا يدخل الإيمان قلب رجل حتى يحبكم لله ورسوله". أخرجه الإمام أحمد والحاكم وصححه.
وقوله ﷺ في حديث طويل: «وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي» كررها ثلاثا. أخرجه الإمام أحمد ومسلم وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه ﵏، إلى غير ذلك. وناهيك بذلك فخرا لأهل البيت لما يتضمنه ذلك من شرف منصبهم، وإيجاب حبهم واحترامهم وتأدية حقوقهم والإحسان إليهم والمحافظة على ذلك كله والتحذير من ضده إكراما لسيد المرسلين وخاتم النبيين. وإذا كانت العقول والعادات بل والشرائع تقتضي إنزال الناس منازلهم واحترام أبناء الفضلاء ومن ينسب إليهم سواء اتصل المأمور بذلك منهم بإحسان أم لا حتى أمر الله وليه الخضر ونجيه موسى بمراعاة من كان أبوهما صالحا، فما ظنك بمن يدلي إلى من أرسله الله رحمة للعالمين، ومن به على المؤمنين، وأنقذهم له من خسران الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين، ومن هو الآية الكبرى لمعتبر، ومن هو النعمة العظمى لمغتنم. فأي رقبة لم تتقلد بمننه الجليلة وأي فرقة لم تستغرقها أياديه الجزيلة. وإذا كانت أبناء الرجل الرئيس بل وعشيرته بل وغلمانه وأتباعه بل
стр. 74
وقبيلته وأهل بلده بل وقطره بل وأهل عصره قد يسودون بسيادته ويشرفون بشرف رئاسته ويفتخرون على من سواهم بفضله ويعلون بعلو منصبه ونبله، فهل أحد أجل قدرا وأعظم مرتبة وفخرا ممن ينتسب أهل البيت ويعولون في الدنيا والآخرة هم ومن سواهم عليه، خيرة العالم وسيد ولد آدم، صاحب الحوض المورود واللواء المعقود الذي آدم فمن دونه تحته، والمقام المحمود الذي يغبط به الأولون والآخرون، والشفاعة العظمى التي يعجز عنها أولو العزم ويقول: «أنا لها أنا لها»، ومن كان هذا شأنه فنسبة كل شرف إلى شرفه كقطرة في البحار الزاخرة. وإذا تشرف قوم غيره وأجلوا واحترموا لشرف من انتسبوا إليه فشرف أهل البيت النبوي أولى، وقدرهم الرفيع أعلى وبينهم وبين غيرهم في الشرف مثل ما بين من تشرفوا به وبين غيره من البون.
ومن هنا خصوا بمشروعية الصلاة عليهم تبعا له ﷺ في كل مقام شريف، من خطبة وصلاة وغير ذلك، حتى أوجبها طائفة من العلماء كما هو وجه في مذهبنا مستدلين بقوله ﷺ : "من صلى صلاة لم يصل فيها علي وعلى أهل بيتي لم تقبل منه" أخرجه الدارقطني. (١) ويقول جابر بن عبد الله ﵄: لو صليت صلاة لم أصل فيها على محمد وعلى آل محمد ما رأيت أنها تقبل.
وعليه قيل:
يا أهل بيت رسول الله حبكم ... فرض من الله في القرآن أنزله
كفاكم من عظيم الفخر أنكم ... من لم يصل عليكم لا صلاة له
وقد كانت قلوب السلف الأخيار والعلماء الأحبار مجبولة على حبهم واحترامهم ومعرفة ما يجبلهم طبعا.
стр. 75
وبالجملة كل من في قلبه مثقال ذرة من تعظيم المصطفى ﷺ وحبه فمصداق ذلك تعظيم وحب كل من ينتسب إليه بقربة أو قرابة أو صحبة واتباع سنة، إذ كل ما ينتسب إلى المحبوب محبوب.
أحب لحبها السودان حتى ... أحب لحبها سود الكلاب
فمن قام من أهل البيت بحفظ حدود الشريعة المطهرة فقد تحققت فيه القربة والقرابة، وحاز فضيلة الحسب والنسب، وتوفرت فيه فضيلة الشرفين من الجهتين، ومن لم يسبق له نصيب وافر في الميراث النبوي ولكنه لم يفارق الملة الفراق الموجب للحجب بقي على ميراثه في حق القرابة وروعيت فيه حقوقها، وكذا من ارتكب معصية لا تقتضي إخراجه عن الملة لم يوجب ذلك إطراح ما له من الحقوق وتوكل إساءته وتقصيره عن الالتحاق بسلفه إلى الله إذ صلة الأرحام مأمور بها مع القطيعة والعقوق، وهو ﷺ أولى الناس بذلك، إلا فيما لا بد من إجراء الأحكام وإقامة الحدود، فتراعى حرمة الشريعة حينئذ لأن حقهم إنما وجبت مراعاته لأجل صاحب الشرع، فإذا عارضه حق صاحب الشرع نفسه تلاشى كل حق دونه، وكان حق الله ورسوله أولى. ولهذا قال ﷺ : أحبوهم لحبي إياهم فمتى أبغضتهم فأبغضوهم، وقد علمتم شدة بغضي لمن خالف سنتي فسيروا فيهم سيرتي معهم وكونوا معي. وقال أيضا: "حتى يحبوكم لله ورسوله" أي لا للهوى فما داموا على الطريق المرضي الذي يحبه الله ورسوله وجبحبهم وإن سلكوا ما يسخط الله ورسوله وجب مراعاة حق الله لله ورسوله ﷺ ، فنحبهم لله ولرسوله، ونبغضهم لله ولرسوله. فإن الولاية الأصلية ليست إلا لله ورسوله ﷺ ، وسواهما إنما تثبت له الموالاة بهما لا غير ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون. ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون﴾.