← Фикх общий

Фикх общий · id 1959

دروس رمضان

محمد بن إبراهيم الحمد

Полный текст (264 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ومنها: البعدُ عن الجدال إلا في أضيق الحدود، وبالتي هي أحسن. ومنها: تعاهدُ المدعوين، وتشجيعُهم، وربطُهم بالرفقة الصالحة، ومراعاة الحكمة في إنقاذهم من رفقة السوء. ومنها: البدء بالأهم فالمهم، والبعد عن الانتصار للنفس. ومنها: تنويع وسائل الدعوة، فتارة بالموعظة، وتارة بالهدية، وتارة بالتوجيه غير المباشر وهكذا ... ومنها: إظهار الاهتمام بالمدعو، ومعرفةُ اسمه، وإشعاره بأهميته، وإشغاله بما ينفعه. أيها الصائمون الكرام: هذه هي الدعوة إلى الله، وتلك فضائلها، وآداب أهلها؛ فحريّ بنا أن نكون دعاة إلى الله؛ كُلٌ بحسبه، فهذا بعلمه، وهذا بماله، وهذا بجاهه، وهذا بجهده؛ لنحقِّقَ الخيرية ولنسلمَ من الوعيد. فيا طالب العلم هذا شهرُ رمضانَ فرصةٌ عظيمة للدعوة إلى الله، فها هي القلوب ترق، وها هي النفوس تهفو إلى الخير، وتجيب داعي الله؛ فهلا استشعرت مسئوليتك، وهلا استفرغت في سبيل الدعوة طاقتك وجهدك، وهلا أبلغت وأعذرت، ورفعت عن نفسك التبعة!!.

стр. 37

ويا من آتاه الله بسطةً في المال: ألا تؤثر الدعوة إلى الله بجانب من مالك، فتساهم في كفالة الدعاة، وإعدادهم، وتشارك في طباعة الكتب النافعة، ونحو ذلك مما يدور في فلك الدعوة، ألا تريد أن تدخل في زمرة الدعاة إلى الله. ويا من آتاه الله جاهًا: ألا بذلته في سبيل الله، ألا سعيت في تيسير أمور الدعوة إلى الله؟ . ويا أيها الإعلامي المسلم أيًّا كان موقِعُك ألا يكون لك نصيب في نشر الخير، والدعوة إلى الله بالكلمة الطيبة، والطرح البناء، أما علمت أنك ترسل الكلمةَ أو تعين على إرسالها، فتسير بها الركبانُ، وتبلغ ما بلغ الليل والنهار؟ أما علمت أن لك غُنْمَها، وعليك غُرْمَها؟ ويا من حباه الله دراية ومعرفة بشبكة الاتصالات وما يسمى بالإنترنت، ألا جعلت من ذلك وسيلة لنشر الدعوة إلى الله؟ أليس من اليسير في حقك أن تبث الخير على أوسع نطاق، وبأقل مؤونة، ألست تخاطب العالم، وأنت منزوٍ في قعر بيتك؟ . ويا أيتها المرأة المسلمة ألا تسعين جاهدة في نشر الخير في صفوف النساء بما تستطيعين؟ .

стр. 38

ويا أيها المسلمون عمومًا: ألا نتعاون جميعًا في سبيل الدعوة إلى الله، ألا نجعل من شهرنا هذا ميدانًا لاستباق الخيرات، ألا نتعاون في نصح الغافلين، وتذكير الناسين، وتعليم الجاهلين؟ !. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت: ٣٣) . اللهم اجعلنا من أنصار دينك، ومن الدعاة إلى سبيلك، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وسلام على المرسلين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 39

رمضان شهر البر (١) الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد: فإن رمضانَ شهرُ البرِّ، وموسمُ الخير، وميدان التنافس. وإن من أعظم البرِّ وأجل القربات برَّ الوالدين، ذلكم أن حقَّ الوالدين عظيم، ومنزلتهما عالية في الدين؛ فَبِرُّهما قرينُ التوحيد، وهو من أعظم أسباب دخول الجنة، وهو مما أقرته الفطر السوية، واتفقت عليه الشرائع السماوية. وهو خلق الأنبياء، ودأب الصالحين، وهو سبب في زيادة العمر، وسعة الرزق، وتفريج الكربات، وإجابة الدعوات، وانشراح الصدر، وطيب الحياة. وهو -أيضًا- دليل صدق الإيمان، وعلامة حسن الوفاء، وسبب البر من الأبناء. وفي مقابل ذلك فإن عقوق الوالدين ذنب عظيم، وكبيرة من الكبائر، فهو قرين للشرك، وموجب للعقوبة في الدنيا، وسبب لرد العمل، ودخول النار في الأخرى. وهو جحودٌ للفضل، ونكرانٌ للجميل، ودليلٌ على الحمق والجهل، وعنوانٌ على الخسة، والدناءة، وأمارةٌ على حقارة الشأن وصِغَرِ النفس. ولعظم حق الوالدين تظاهرت نصوص الشرع آمرةً ببرهما والإحسان إليهما، ناهيةً عن عقوقهما والتقصير في حقهما، قارنة حقوقهما بحق الله -تعالى-.

стр. 40

قال الله : ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (النساء: من الآية ٣٦) . وقال: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (الأنعام: من الآية ١٥١) . وقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (الإسراء: ٢٣-٢٤) وفي الصحيحين «عن ابن مسعود أنه قال: سألت رسول الله " أي العمل أحب إلى الله تعالى؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثمَّ أي؟ قال: بر الوالدين» وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النبي " قال: «الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس» رواه البخاري.

стр. 41

ومع عظم تلك المكانة للوالدين إلا أننا نرى عقوقهما قد تفشّى، وأخذ صورًا عديدةً، ومظاهر شتى؛ فمن ذلك إبكاؤهما وتحزينُهما، ونهرُهما وزجرُهما، والتأففُ والتضجر من أوامرهما، والعبوسُ وتقطيبُ الجبينِ أمامهما. ومن صور العقوق احتقارُ الوالدين، والنظر إليهما شزرًا، والإشاحةُ بالوجه عنهما إذا تحدثا، وقلةُ الاعتداد برأيهما، وإثارةُ المشكلات أمامهما. ومن ذلك - عياذًا بالله - شتمُ الوالدين، وذمُّهما عند الناس، والتخلي عنهما وقت الحاجة أو الكبر، والتبرؤُ منهما، والحياءُ من ذكرهما والنسبة إليهما. ومن صور العقوق الإثقالُ على الوالدين بكثرة الطلبات، والمكثُ طويلًا خارجَ المنزل إلى ساعات متأخرة من الليل، أو النوم خارج المنزل دون علم الوالدين بمكان الولد، خصوصًا إذا كان صغيرًا. ومن صور العقوق المتناهية بالقبح لعنُ الوالدين، والتعدي عليهما بالضرب، وإيداعُهما دورَ الملاحظة. ومن صور العقوق هجرُ الوالدين، والبخلُ عليهما، وتركُ نصحهما، والسرقةُ من أموالهما، والأنينُ وإظهارُ التوجُّع أمامهما.

стр. 42

ومن أقبح صور العقوق -إن لم تكن أقبحها- تمني زوالِهما، وقَتْلُهما، والتخلصُ منهما، رغبةً في الميراث، أو رغبة في التحرُّر من أوامر الوالدين؛ فيا لشؤم هذا، ويا لَسوادِ وجهه، ويا لَسوءِ سوء مصيره إن لم يتداركه الله برحمته. هذه بعض صور العقوق، وتلك بعض مظاهره؛ فما أبعد الخير عن عاق والديه، وما أقرب العقوبة منه، وما أسرع الشر إليه. وهذا أمر مشاهد محسوس يعرفه كثير من الناس، ويرون بأم أعينهم، ويسمعون قصصًا متواترة لأناس خذلوا وعوقبوا بسبب عقوقهم لوالديهم. قال الأصمعي: أخبرني بعض العرب أن رجلًا كان في زمن عبد الملك بن مروان، وكان له أب كبير، وكان الشابُّ عاقًّا بأبيه، وكان يقال للشاب منازل فقال الأب الشيخ الكبير: جَزَتْ رحمٌ بيني وبينَ منازلٍ ... جزاءً كما يستنجزُ الدَّينَ طالبُه تَرَبَّت حتى صار جعدًا شمردلًا ... إذا قام ساوى غاربَ الفحلِ غاربُه تظلَّمني مالي كذا ولوى يدي ... لوى يدَه اللهُ الذي لا يغالبُه وإني لداعٍ دعوةً لو دعوتُها ... على جبل الريان لانْهَدَّ جانِبُه

стр. 43

فبلغ ذلك أميرًا كان عليهم، فأرسل إلى الفتى؛ ليأخذه، فقال له أبوه الشيخ: اخْرُجْ من خلف البيت، فسبق رُسُلَ الأمير، ثم ابتلي الفتى بابن عقَّه في آخر حياته، واسم الولد خليج فقال منازل فيه: تظلمني مالي خليجٌ وعقني ... على حين كانت كالحَنيِّ عظامي تخيَّرتُه وازددته ليزيدني ... وما بعضُ ما يزدادُ غيرُ عرامِ لعمري لقد ربَّيته فرحًا به ... فلا يفرحنْ بعدي امرؤٌ بغلامِ فأراد الوالي ضرب الابن، فقال للوالي: لا تعجل هذا أبي منازل بن فرعان الذي يقول فيه أبوه: جزت رحمٌ بيني وبينَ منازلٍ ... جزاءً كما يستنجز الدَّينَ طالبُه فقال الوالي: يا هذا عَقَقْتَ وعُقِقْتَ. وقال الأصمعي: حدثني رجلٌ من الأعراب، وقال: خرجت أطلب أعقَّ الناس؛ فكنت أطوف بالأحياء، حتى انتهيت إلى شيخٍ في عنقه حبلٌ يستقي بدلو لا تطيقه الإبلُ في الهاجرة والحرِّ الشديد، وخلفه شابٌّ في يده رُشاءٌ - أي حبل - من قِدٍّ ملوي (والقِدُّ هو السوط) وهو يضرب الشيخ الكبير بالقدِّ، وقد شقَّ ظهره بذلك الحبل، فقلت: أما تتقي الله بهذا الشيخ الضعيف؟ أما يكفيه ما هو فيه مِنْ مَدِّ هذا الحبل حتى تضربه؟ . قال: إنه مع هذا أبي، قلت: فلا جزاك الله خيرًا.

стр. 44

قال: اسكت؛ فهكذا كان يصنع بأبيه، وكذا كان أبوه يصنع بجده، فقلت: هذا أعقُّ الناس. ثم جُلت حتى انتهيت إلى شاب وفي عنقه زبيلٌ فيه شيخٌ كأنه فَرْخٌ، فكان يضعه بين يديه في كل ساعة، فيطعمه كما يُطعَمُ الفرخ، فقلت من هذا؟ قال: أبي وقد خرف وأنا أكفله، قلت: هذا أبر الناس. أيها الصائمون: للحديث بقيةٌ غدًا - إن شاء الله تعالى - وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 45

رمضان شهر البر (٢) الحمد لله مُعِزِّ من أطاعه، ومُذِلِّ من عصاه، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فقد عَلِمنا في الحديث الماضي عِظَم حق الوالدين، والترغيبَ في برهما، والترهيبَ من عقوقهما. ومر شيءٌ من مظاهر العقوق وصورِه؛ فإذا كان الأمر كذلك فما أحرى بذي اللب أن يبر والديه، وأن يتجنَّب عقوقهما؛ لينال الخيرَ والبركةَ في العاجل، وليحظى بالثواب الجزيل والعطاءِ غيرِ المجذوذ في الآجل. أيها الصائمون: هناك آداب ينبغي لنا مراعاتها، ويجدر بنا مع الوالدين سلوكها؛ لعلنا نرد لهما بعض الدين، ونقوم ببعض ما أوجب الله علينا نحوهما؛ لنرضيَ بذلك ربنا، وتنشرحَ صدورنا، وتطيبَ حياتنا، وَتُيَسَّرَ أمورُنا، ويبارك لنا في أعمارنا، ويبسَط لنا في أرزاقنا. فمما يجدر بنا سلوكه مع الوالدين طاعتُهما، واجتنابُ معصيتهما في غير مخالفة لأمر الله. ومن ذلك الإحسانُ إليهما، وخفضُ الجناح لهما، والبعدُ عن زجرهما. ومن صور البرِّ الإصغَاءُ إلى الوالدين، وذلك بالإقبال عليهما إذا تحدثا، وتركِ مقاطعتهما أو منازعتهما الحديث أو تكذيبهما.

стр. 46

ومن الآداب مع الوالدين التلطُّلفُ بهما، والفرحُ بأوامرهما، والحذر من التأفف والتضجر منهما. ومن ذلك - أيضًا - التودّدُ لهما، والتحبُّب إليهما، والجلوس أمامهما بأدب واحترام، وتجنُّبُ المنَّة في الخدمة أو العطية. ومن صور البر مساعدةُ الوالدين في الأعمال، والبعدُ عن إزعاجهما وقتَ راحتهما، أو تكديرِ صفوهما بالجلبة، ورفعِ الصوت، أو بالأخبارِ المحزنة. ومن ذلك تجنُّبُ الشجارِ، وإثارةِ الجدل أمامهما، وذلك بالحرص على حل جميع المشكلات مع الإخوة أو الزوجةِ أو أهل البيت عمومًا، بعيدًا عن أعين الوالدين إلا إذا اقتضت الحكمةُ والمصلحةُ إشراكَهما في الأمر. ومن صور البر تلبيةُ نداءِ الوالدين بسرعة، والاستئذان عليهما حال الدخول عليهما وإصلاحُ ذات البين إذا فسدت بين الوالدين، والحرصُ على التوفيق بينهما وبين الزوجة، وتعويد الأولاد على برهما. ومن صور البر تذكيرُ الوالدين بالله، ونصحُهما بالتي هي أحسن. ومن برهما - أيضًا - الاستئذانُ منهما، والاستنارةُ برأيهما، والمحافظةُ على سمعتهما، والبعدُ عن لومهما وتقريعهما. ومن ذلك فهمُ طبيعة الوالدين، ومعاملتهما بمقتضى ذلك.

стр. 47

ومن البر بهما كثرةُ الدعاءِ والاستغفار لهما، وصلةُ الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإنفاذ عهدهما، والتصدُّق عنهما. ومما يعين على بر الوالدين أن يستعينَ الإنسانُ بالله، وأن يستحضر فضائلَ البر وعواقبَ العقوق، وأن يستحضر فضل الوالدين، وأن يضع نفسه موضعهما، وأن يقرأ سير البارين بوالديهم. أيها الصائمون: ها هو بر الوالدين، وهذه هي الآداب التي يجدر بنا مراعاتها معهما، وتلك أسباب تعين على البر، فما أحرانا بمراعاة تلك الأمور، وما أجدرنا، بالأخذ بها، وإليكم معاشر الصائمين بعضَ النماذجِ من قصص البر: هذا إسماعيل بن إبراهيم ﵉ يضرب أروع أمثلة البر في تاريخ البشرية، وذلك عندما قال له أبوه: ﴿يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ . فما كان من ذلك الولد الصالح إلا أن قال: ﴿يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ (الصافات: من الآية ١٠٢) .

стр. 48

وقد ورد أن إبراهيم ﵇ لما تيقَّن مما رأى في منامه قال لابنه: يا بني خُذِ الحبلَ والمُديةَ، وانطلق بنا إلى هذا الشعب نحتطب، فلما خلا بهِ في شعب ثبير أخبره بما أمره الله به، فلما أراد ذبحه قال له: يا أبت اشدد رباطي؛ حتى لا أضطرب، واكْفُفْ ثيابك؛ حتى لا يصيبَها الدَّمُ فتراه أمي، واشحذ شفرتك، وأسرع في السكينِ على حلقي؛ ليكون أهونَ علي، وإذا أتيت أمي فاقرأ ﵍ مني. قال إبراهيم: نعم العونُ أنت يا بني، ثم أقبل عليه، وهما يبكيان، ثم وضع السكينَ على حلقه، فلم تحزَّ، فشحذها مرتين أو ثلاثًا بالحجر فلم تقطع. فقال الابن عند ذلك: يا أبتِ كُبَّني على وجهي؛ فإنك إن نظرت إلى وجهي رحمتني، وأدركتك رِقَّةٌ تحول بينك وبين أمر الله - تعالى - وأنا لا أنظر إلى الشفرة؛ فأجزع. ففعل إبراهيم ذلك، ووضع السكين على قفاه، فانقلب السكين، وسلبت منها خاصيتها، ونودي ﴿أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ (الصافات: الآية: ١٠٤) . وإليكم أيها الصائمون صورًا مشرقة في البر من سير السلف الصالح، تدل على شدة اهتمامهم ببر الوالدين.

стр. 49

فهذا أبو هريرة ﵁ كان يستخلفه مروان، وكان يكون بذي الحليفة، فكانت أمه في بيت وهو في بيت آخر، فإذا أراد أن يخرج وقف على بابها وقال: السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فتقول: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، فيقول: رحمكِ الله كما ربيتني صغيرًا، وتقول: ورحمك الله كما بررتني كبيرًا. وهذا ابنُ عمرَ ﵄ لقيه رجل من الأعراب بطريق مكة، فسلَّم عليه عبد الله بن عمر وحمله على حمار كان يركبه، وأعطاه عمامة كانت على رأسه. قال ابنُ دينارٍ: فقلنا له أصلحك الله إنهم الأعراب، وهم يرضون باليسير. فقال عبدُ اللهِ بنُ عمرَ: إن أبا هذا كان وُدًّا لعمر بن الخطاب ﵁، وإني سمعت رسول الله يقول: «إن أبرَّ البرِّ صلةُ الولدِ أهلَ ودِّ أبيه» . رواه مسلم وأبو داود. وهذا أبو الحسن عليُّ بنُ الحسينِ بنِ عليِّ بنِ أبي طالب -وهو المسمى بزين العابدين وكان من سادات التابعين - كان كثير البر بأمه، حتى قيل له: إنك من أبر الناس بأمك، ولا نراك تؤاكل أُمَّك؛ فقال: أخاف أن تسبق يدي إلى ما قد سبقت عينها إليه، فأكون قد عققتها.

стр. 50

وقال هشام بنُ حسان: حدثتني حفصةُ بنتُ سيرين قالت، كانت والدة محمد بن سيرين حجازية، وكان يعجبها الصِّبغ، وكان محمد إذا اشترى لها ثوبًا اشترى ألين ما يجد، فإذا كان عيدٌ صَبَغَ لها ثيابًا، وما رأيته رافعًا صوته عليها، وكان إذا كلمها كالمصغي. وعن بعض آل سيرين قال: ما رأيت محمد بن سيرين يكلم أمه قط إلا وهو يتضرع. وعن ابن عون أن محمدًا إذا كان عند أمه لو رآه رجل ظن أن به مرضًا من خفض كلامه عندها. وعن ابن عون قال: دخل رجل على محمد بن سيرين وهو عند أمه فقال: ما شأن محمد؟ أيشتكي شيئًا قالوا: لا، ولكن هكذا يكون عند أمه. وروى جعفر بن سليمان عن محمد بن المنكدر أنه كان يضع خدَّه على الأرض ثم يقول لأمه: قومي ضعي قَدَمَكِ على خدي. وعن ابن عون المزني أن أمه نادته، فأجابها، فعلا صوتُه صوتَها؛ فأعتق رقبتين. وقيل لعمرَ بن ذرٍّ: كيف كان بر ابنك بك؟ قال ما مشيت نهارًا قط إلا مشى خلفي، ولا ليلًا إلا مشى أمامي، ولا رقي سطحًا وأنا تحته. وهذا بُندارُ المحدثُ قال عنه الذهبي: جمع حديث البصرة، ولم يرحل؛ برًّا بأمه.

стр. 51

وقال عبد الله بن جعفر بن خاقان المروزي: سمعت بندارًا يقول: أردت الخروج - يعني الرحلة لطلب العلم - فمنعتني أمي، فأطعتها، فبورك لي فيه. وكان طلق بن حبيب من العلماء العباد، وكان يقبل رأس أمه، وكان لا يمشي فوق ظهر بيت وهي تحته؛ إجلالًا لها. وقال عامر بن عبد الله بن الزبير: مات أبي، فما سألت الله حولًا كاملًا إلا العفو عنه. اللهم اجعلنا من الأتقياء الأبرار، ومن المصطفين الأخيار إنك أنت الرحيم الكريم الغفّار. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 52

رمضان شهر الصحة الحمد لله القوي العزيز الجبَّار، والصلاة والسلام على النبي الكريم المصطفى المختار، وعلى آله وصحبه الأخيار الكرام الأطهار، ومن تبعهم واقتفى أثرهم ما تعاقب الليل والنهار، أما بعد: فإن الصوم في الإسلام تكليفٌ إلهيٌّ، صادرٌ عن الرب الذي له بمقتضى ربوبيته وألوهيته، أن يكلِّف عبادَه بما شاء من التكاليف، وأن يشرعَ لهم ما يريد من الشرائع والعبادات؛ فهو تكليفٌ إلهيٌّ كسائر التكاليف الشرعية التي تظهر بها ربوبيةُ الرب، وعبوديةُ العبد؛ فيكفي في الحث على الصيام، والدعوةِ إليه أن نقول للمسلم: إن الله يأمرك بالصيام، دون ذكرٍ لفوائد الصيام، أو بحثٍ في أسراره.

стр. 53

وليس معنى ذلك أنه لا يترتب على العبادات شيءٌ من الآثار النافعة المفيدة، ولا شيء من الأسرار العظيمة البديعة، كلا! فإن لها آثارًا نشهدها ونراها، وندركها بعقولنا؛ ولكن لا يصلح لنا أن نقطع بأنها هي الغرضُ من التشريع، أو المقصود من التكليف، وإنما هي آثارٌ تابعةٌ للعبادة، يزداد بها إقبال النفوس عليها قوة إلى قوة. والحكمة الجامعة من تشريع الصيام بيّنها الله في كتابه فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: ١٨٣) . فالحكمة من تشريع الصيام - إذًا - هي التقوى. وما برح الناسُ في كل عصرٍ يرون من فوائد التشريع ما يتَّفق مع تفكيرهم ومنطقهم ومصالحهم، وهذا دليل على أن وراء هذا التشريع خالقًا عظيمًا، مدبرًا حكيمًا ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ (النمل: من الآية: ٨٨) .

стр. 54

هذا وإن من الأسرار، والفوائد التي ينطوي عليها الصوم حصولَ الصحة العامة؛ فإن للصوم فوائدَ لا تحصى على صحة الأبدان، خصوصًا إذا اتَّبع الصائمُ النهجَ السليمَ في صيامه، وذلك من ناحية الاعتدال في مطعمه ومشربه، فللصوم تأثيرٌ عجيبٌ في حفظ الجوارح الظاهرة، والقوى الباطنة، وحِمْيَتِها عن التخليط الجالبِ لها الموادَّ الفاسدة، التي إذا استولت عليها أفسدَتْها، واستفراغُ الموادِّ الرديئة المانعةِ لها من صحتها. ولقد أطنب الأطباء في ذكر فوائد الصوم، ومما قالوه في هذا الصدد: إن الصوم ينفي الفضلاتِ المتعفِّنةَ من المعدة والأمعاء، ويريحُ جهازَ الهضم بعض الوقت من عناء العمل؛ فليس لبعض الأمراض من علاج إلا الحِمْيَةُ، وهل الصوم إلا نوعٌ من الحمية؟ بل فوق الحمية؛ فالمصاب بالتهاب الأمعاء المزمنة والتهاب القولون المزمن، يستفيد من الصوم كثيرًا. والمصاب بقصور كبدي، يستفيد من الصوم إذا اعتدل في إفطاره، وفي بعض حالات التحسّس يستفيد المريض من الصيام، ويساعده تنظيم الأغذية والاعتدال فيها على ذهاب كثير من أعراض التحسّس؛ إذ إن إراحة الجهاز الهضمي أمرٌ أساس، للخلاص من حالات (الحكَّة) التي تنبع من بعض الأغذية.

стр. 55

ثم إن للصوم فائدةً عظيمة على الجهاز العصبي. يقول الدكتور محمد محمد أبو شوك في مقال له بعنوان (الصوم والجهاز العصبي) ، يقول: روحانيةُ الصومِ، وما تفيضُه من صفاءِ النفس، وتهذيب الروح، والصبرِ على احتمال المشاق، والعطفِ على الفقراء والمحتاجين، والبعدِ عن التردي في الشهوات وما تجرُّه على الفرد من ويلات، وتزكية النفس بالأخلاق الفاضلة من صدقٍ في المعاملة، وأمانةٍ في تأدية العمل، والبعد عن الغضب، والانتقام، ونقاءِ النفس من الحقد والحسد، والبغضِ للناس؛ كل هذا يُضْفي على النفس البشريةِ روحَ السلام، والمودة، والمحبة، والصفاء التي بدورها تؤثر على الجهاز العصبي للإنسان، والذي يهدأ الجسم لهدوئه، ويثور لثورته. وبثورة الجهاز العصبي، تثور باقي الأجهزة، التي تحفظ للجسم كيانه. فيا لها من حكمةٍ إلهيةٍ تجعل الصائم - حقًّا - مَلَكًا في صورة إنسان؛ ليسعد بحياته، ويسعد به الآخرون.

стр. 56

إلى أن يقول: فإلى من يترددون على عيادات الأطباء؛ طلبًا لدواء يذهب عنهم التوتُّر العصبي، والإنهاك العصبيَّ، والأرقَ، والكآبةَ، وغيرَها من الأمراض، التي تذهب بالعقول: هاكم رمضان، لو تمسكتم بروحانيته، وما يضفيه على نفوسكم من خير، لما احتجتم في يوم من الأيام، إلى ما لا نهاية له من علاج ودواء.. انتهى كلامه. أيها الصائمون الكرام: كثيرًا ما تطالعنا الصحف، والمجلات، والدوريات بالمزيد من البحوث التي تكشف عن فوائد جديدةٍ للصوم على صحة الأبدان. ومما يؤخذ من كلام الأطباء حول فوائد الصوم - زيادة على ما مضى - أن الصوم يفيد في أنواع من الأمراض، كالسمنة؛ فهو مفيد في تخفيف الوزن بأسرع وقت، وأيسر طريقة. والصومُ مفيدٌ في ارتفاع الضغط الشرياني، وفي التهاب الكُلَى الحادِّ، والحصواتِ البولية، وفي أمراض الكبد، وحويصلة الصفراء من التهابات وحصوات. وهو مفيدٌ في أمراض القلب المزمنة التي تصحب البدانة والضغط العالي. ومفيدٌ في اضطراباتِ المعدةِ المصحوبةِ بتخمِّر المواد الزلالية والنشوية. وهو مفيد في علاج الاضطرابات النفسية والعاطفية. ومفيد في زيادة النشاط، وإبطاء السير نحو الشيخوخة.

стр. 57

ولقد ثبتت فوائد الصوم الصحية حتى عند غير المسلمين من الأوروبيين والأمريكان وغيرهم؛ فألَّفوا في ذلك الكتب، وأنشئوا المصحّات التي تعالج روادَها بالصيام، وظهرت لهم نتائجُ باهرةٌ تم فيها علاجُ أمراضٍ مستعصية بالصيام. يقول بعضُ أطباءِ الإفرنج: إن صيامَ شهرٍ واحدٍ في السنة يذهب بالفضلات الميتة في البدن مدةَ سنة. ومن أشهر المؤلفين في فوائد الصيام الصحية العالم الأمريكي (ماك فادن) زعيمُ الثقافةِ البدنية في أمريكا، وهو من علماء الصحة الكبار؛ حيث أسَّس مَصَحًّا كبيرًا مشهورًا بالولايات المتحدة سماه باسمه، وألَّف كتاب (الصيام) بعد أن ظهرت له نتائجُ عظيمةٌ من أثر الصيام في القضاء على الأمراض المستعصية. وقد قال ماك فادن وغيره: إن الصوم نافعٌ للجسم، يصفِّيه من رواسب السموم، التي تشتمل عليها الأغذية والأدوية. أما الأمراض التي عالجها بالصيام فيقول: إنه عالج بالصيام أكثر الأمراض. وذكر أن انتفاع المرضى بالصوم يتفاوت حسب أمراضهم، فأكثر الأمراض تأثرًا بالصوم أمراض المعدة، قال: إن الصوم يسارع في شفائها، ويرى المعالِج به العجبَ العجابَ، وتليها أمراضُ الدم، ثم أمراضُ العروق كالروماتيزم.

стр. 58

وقد ذكر ماك فادن الأشخاصَ الذين عالجهم بالصوم، وذكر أسماءهم، وأمراضَهم، وتواريخَ علاجهم. ويقول هذا المؤلف - أيضًا -: إن كل إنسان يحتاج إلى أن يصوم، وكذلك أي مريض؛ فإن الأغذية والأدوية تجتمع في الجسم، فتجعله كالمريض، بحيث تثقله، وتقلل نشاطه، فإذا صام خفَّ وزنُه، وتحللت هذه السموم من جسمه بعد أن كانت مجتمعة، فتذهب عنه، حتى يصفو تمامًا. ولقد أطنب هذا الرجل في وصف الفوائد التي يجنيها الصائم من صومه، وأخبر عن نفسه أنه صام مرارًا كثيرة؛ لتجديد قواه، ووجد لذلك فوائد ما كان ليجدها بدون الصيام، ولذلك ينصح الناس جميعًا بالصيام، وتؤثر عنه العبارة المشهورة: (الصوم سبب للشفاء من كل علة خابت في علاجها الوسائل الأخرى) . ومن أساطين الطب والتربية في العصر الحديث، الذين استخدموا الصوم الدكتور آلان كوت، حيث استخدم الصوم في علاج السكر، والنِّقْرس. وكذلك الدكتور (كارلسون) حيث كانت وسيلته في تجديد الصحة، والدكتور (جيننجز) الذي كان يصفه في الحالات المرضية التي كانت تعرض له.

стр. 59

وكذلك الدكتور (روبرت بارتول) ، وهو طبيب أمريكي من أنصار العلاج الدوائي للزهري، حيث كتب يقول: لا شك في أن الصوم من الوسائل الفعّالة في التخلُّص من الميكروبات، ومن بينها ميكروب الزهري، لما يتضمنه من إتلاف الخلايا، ثم إعادة بنائها من جديد، وتلك نظرية التجويع في علاج الزهري. أيها الصائمون الكرام: هذه بعض فوائد الصوم الصحية، وتلك بعض أقوال أهل الاختصاص في ذلك حتى من غير المسلمين، فسبحان الكبير المتعال؛ الذي تظهر آياته في كل حين وآن، ولا تنقضي عجائب دينه ما تعاقب الملوان ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (فصلت: ٥٣) . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وسلام على المرسلين، وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 60

رمضان شهر التوبة الحمد لله غافر الذنب، وقابل التوب شديد العقاب، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وهو الكريم الوهاب، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله والأصحاب، أما بعد: فإن التوبةَ وظيفةُ العمرِ، وبدايةُ العبدِ ونهايتُه، وأولُ منازلِ العبودية، وأوسطها، وآخرها. وإنَّ حاجتَنا إلى التوبة ماسّةٌ، بل إنَّ ضرورتنا إليها مُلِحَّة، فنحن نذنب كثيرًا، ونفرّط في جنب الله ليلًا ونهارًا؛ فنحتاج إلى ما يصقل القلوبَ، وينقّيها من رَيْن المعاصي والذنوب. أيها الصائمون الكرام: التوبة هي: تركُ الذنبِ علمًا بقبحه، وندمًا على فعله، وعزمًا على ألا يعود التائبُ إليه إذا قدر، وتداركًا لما يمكن تداركُه من الأعمال، وأداءً لما ضيع من الفرائض؛ إخلاصًا لله، ورجاءً لثوابه، وخوفًا من عقابه، وأن يكون ذلك قبل الغرغرة، وقبل طلوع الشمس من مغربها. أيها الصائمون الكرام: لقد فتح الله - بمنِّه وكرمه - بابَ التوبة؛ حيث أمر بها، ووعد بقبولها مهما عظُمت الذنوب.

стр. 61

قال - تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ (الزمر: ٥٤) . وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (الشورى: ٢٥) . وقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (النساء: ١١٠) . وقال في شأن النصارى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (المائدة: ٧٣) . ثم قال - جلّت قدرته - محرضًا لهم على التوبة: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (المائدة: ٧٤) .

стр. 62

وقال في حق أصحاب الأخدود الذين حفروا الحُفَر لتعذيب المؤمنين وتحريقهم بالنار: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ (البروج: ١٠) . قال الحسن البصري ﵀: (انظروا إلى هذا الكرم والجود، قتلوا أولياءه، وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة) . اهـ. بل إنه حذّر من القنوط من رحمته فقال: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (الزمر: ٥٣) . قال ابن عباس ﵄: (من أيّس عبادَ الله من التوبة بعد هذا؛ فقد جحد كتاب الله ) . أما فضائلُ التوبةِ وأسرارُها، وبركاتُها فمتعددةٌ، متنوعةٌ، متشعبةٌ؛ فالتوبة سبب الفلاح، وطريق السعادة، وبالتوبة تكفّر السيئات، وإذا حسُنت بدّل الله سيئاتِ صاحِبها حسنات.

стр. 63

وعبوديةُ التوبةِ من أحبِّ العبوديات إلى الله، والله ﵎ يفرح بتوبة التائبين قال النبي ﷺ : «للهُ أفرحُ بتوبة العبد من رجل نزل منزلًا، وبه مهلكة، ومعه راحلتُه عليها طعامُه وشرابُه، فوضع رأسَهُ، فنام نومةً، ثم رفع رأسَهُ، فاستيقظ وقد ذهبت راحلتُه؛ حتى اشتد عليه الحرُّ والعطشُ، أو ما شاء الله، قال: أرجع إلى مكاني، فرجع، فنام نومةً، ثم رفع رأسه؛ فإذا راحلتُه عنده» رواه البخاري ومسلم. ولم يجئ هذا الفرحُ في شيء من الطاعات سوى التوبة، ومعلوم أن لهذا الفرح تأثيرًا عظيمًا في حال التائب وقلبِه، ومزيدُ هذا الفرح لا يعبر عنه. ومن فضائل التوبة: أنها توجب للتائب آثارًا عجيبة من مقامات العبودية التي لا تحصل بدون التوبة؛ فتوجب له المحبةَ، والرقّةَ، واللطفَ، وشكرَ اللهِ، وحمدَه، والرضا عنه، فَرُتِّب له على ذلك أنواعٌ من النعم لا يهتدي العبد إلى تفاصيلها، بل لا يزال يتقلب في بركتها وآثارها ما لم ينقضْها أو يفسدْها.

стр. 64

ومن تلك الآثار: حصولُ الذلِ، والانكسارِ، والخضوعِ لله، وهذا أحب إلى الله من كثير من الأعمال الظاهرة - وإن زادت في القدر والكمية على عبودية التوبة - فالذلُّ، والانكسارُ روحُ العبوديةِ، ولبُّها، ولأجل هذا كان الله عند المنكسرةِ قلوبُهم، وكان أقربَ ما يكون من العبد وهو ساجد؛ لأنه مقامُ ذلٍّ وانكسار، ولعل هذا هو السِّرُ في استجابةِ دعوة المظلوم والمسافر والصائم؛ للكسرة في قلب كل واحد منهم؛ فإن لوعةَ المظلومِ تُحْدِثُ عنده كسرةً في قلبه، وكذلك المسافر يجد في غربته كسرةً في قلبه، وكذلك الصوم، فإنه يكسر سَوْرةَ النَّفْسِ السَّبُعية الحيوانية كما قرر ذلك ابن القيم ﵀. أيها الصائمون الكرام: ومع عظم شأن التوبة وعظيم بركاتها إلا أن هناك أخطاءً يقع فيها كثير من الناس في باب التوبة؛ وذلك ناتج عن الجهل، أو التفريط، وقلة المبالاة. وإليكم نبذةً مختصرةً عن تلك الأخطاء على سبيل الإجمال؛ إذ المقام لا يسمح بالإطالة، وذكرِ الأدلة، والتفصيل في الأقوال. فمن تلك الأخطاء ما يلي: أولًا: تأجيل التوبة: فيجب على العبد - والحالة هذه - أن يتوب من ذنبه، وأن يتوب من تأجيل التوبة.

стр. 65

ثانيًا: الغفلة عن التوبة مما لا يعلمه العبد من ذنوبه: فهناك ذنوبٌ خفيةٌ، وهناك ذنوبٌ يجهل العبد أنها ذنوبٌ، ولا ينجي من ذلك إلا توبةٌ عامةٌ مما يعلمه من ذنوبه ومما لا يعلمه؛ ولهذا قال النبي ﷺ : «الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل فقال أبو بكر: فكيف الخلاص منه يا رسول الله؟ قال: أن تقول: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم» رواه البخاري في الأدب المفرد. ثالثًا: ترك التوبة مخافةَ الرجوع للذنب، أو خوفًا من لمز الناس، أو مخافة سقوط المنزلة، وذهاب الجاه والشهرة: وهذا خطأ يجب تلافيه؛ فعلى العبد أن يعزم على التوبة، وإذا رجع إلى الذنب فليجدد التوبة مرة أخرى وهكذا، وعليه أن يدرك أنه إذا تاب عوّضه الله خيرًا مما ترك. رابعًا: التمادي في الذنوب اعتمادًا على سعة رحمة رب العالمين: وهذا خطأ عظيم، فكما أن الله غفور رحيم فإنه شديد العقاب، ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (الأنعام: من الآية ١٤٧) .

стр. 66

خامسًا: توبة الكذابين: الذين يهجرون الذنوب هجرًا مؤقتًا لمرض، أو عارض، أو مناسبة أو خوف، أو رجاء جاه، أو خوف سقوطه، أو عدم تمكُّن، فإذا أتتهم الفرصة رجعوا إلى ذنوبهم؛ فهذه توبة الكذابين، وليست بتوبة في الحقيقة. ولا يدخل في ذلك من تاب، فحدثته نفسه بالمعصية، أو أغواه الشيطان بفعلها ثم فعلها، فندم وتاب؛ فهذه توبة صادقة، كما لا يدخل في ذلك الخطَرَاتُ ما لم تكن فعلًا متحققًا. سادسًا: الاغترار بإمهال الله للمسيئين: وهذا من الجهل، ومما يصد عن التوبة، قال ﷺ : «إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب؛ فإنما هو استدراج» ثم تلا قوله : ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: ٤٤ - ٤٥) . أخرجه أحمد ورجاله ثقات.

стр. 67

قال ابن الجوزي ﵀: (فكلُ ظالمٍ معاقبٌ في العاجل على ظلمه قبل الآجل، وكذلك كلُّ مذنبٍ ذنبًا، وهو معنى قوله - تعالى -: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ (النساء: من الآية ١٢٣) . وربما رأى العاصي سلامة بدنه، فظن أنْ لا عقوبة، وغفلته عما عوقب به عقوبة) . وقال: (الواجبُ على العاقل أن يحذرَ مغبةَ المعاصي؛ فإن نارها تحت الرماد، وربما تأخرت العقوبةُ، وربما جاءت مستعجلة) . وقال: (قد تبغت العقوبات، وقد يؤخرها الحلمُ، والعاقلُ من إذا فعل خطيئةً بادرها بالتوبة، فكم مغرور بإمهال العصاة لم يُمهل) . سابعًا: من الأخطاء في التوبة، اليأس من رحمة الله، واليأس من التوبة: فبعض الناس إذا تمادى في الذنوب، أو تاب مرة أو أكثر ثم رجع إلى الذنب مرة أخرى - أيس من رحمة الله، وهذا خطأ عظيم؛ لأنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون. اللهم إنا نسألك التوبة النصوح، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد.

стр. 68

رمضان شهر الصلة (١) الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد: فإن رمضان شهر البر والصلة، وشهر التعاطف والمرحمة، فالقلوب تلين لذكر الله، والنفوس تستجيب لداعي الله، فلا ترى من جَرَّاء ذلك إلا أعمالًا زاكيات، وقربًا من ربّ الأرض والسماوات. ولعل الحديث هاهنا يدور حول صلة الرحم، وفضلها، والأمور المعينة عليها، لعل نفوسنا تنبعث إلى الصلة، وإلى مزيد منها، وتُقْصِر عن القطيعة، وتنأى عن أسبابها. أيها الصائمون الكرام: لقد تظاهرت نصوص الشرع في عظم شأن الصلة، وفضلها، والتحذير من قطيعتها، قال ﵎: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ (النساء: من الآية ١) . وقال : ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ (محمد: ٢٢-٢٣) . وقال النبي ﷺ : «لا يدخل الجنة قاطع» رواه البخاري ومسلم، وقال سفيان في روايته: (يعني: قاطع رحم) .

стр. 69

وقال ﷺ : «من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه» متفق عليه. وقال ﷺ : «إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، قال: نعم، أما ترضين أن أصل من وصلك، وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى: قال: فذلك لكِ» رواه البخاري ومسلم. وهكذا يتبين لنا عظمُ شأن الصلة، وأنها شعار الإيمان بالله واليوم الآخر، وأنها سبب في بسط الرزق وطول العمر، وأنها تجلب صلةَ الله للواصل. ثم إنها من أعظم أسباب دخول الجنة، وهي من أسباب تيسير الحساب، وتكفير الذنوب، وتعمير الديار، ودفعِ ميتة السوء. وهي مما اتفقت عليه الشرائعُ السماوية، وأقرته الفطرُ السوية، كما أنها دليل على كرم النفس، وسعة الأفق، وطيب المنبت، وحسن الوفاء. وصلة الرحم مدعاةٌ لرفعةِ الواصل، وسببٌ للذكر الجميل، وموجبةٌ لشيوع المحبة، وعزة المتواصلين. أيها الصائمون: صلةُ الأرحامِ ضدُّ القطيعة، وهي كنايةٌ عن الإحسان للأقربين من ذوي النسب، والأصهارِ.

стр. 70

وتكون بزيارتهم، وتَفَقُّدِ أحوالهم، والسؤالِ عنهم، والإهداءِ إليهم، والتصدُّق على فقيرهم، والتلطفِ مع وجيههم وغنيهم، وتوقيرِ كبيرهم، ورحمةِ صغيرهم. وتكون باستضافتهم، وحسن استقبالهم، وإعزازهم، ومشاركتهم في أفراحهم، ومواساتهم في أتراحهم. وتكون الصلة بالدعاء للأرحام، وسلامة الصدر لهم، والحرص على نصحهم، ودعوتهم إلى الخير، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وإصلاح ذات البين إذا فسدت. وهذه الصلة تستمر إذا كانت الرحم صالحةً مستقيمةً أو مستورةً. أما إذا كانت الرحمُ كافرةً أو فاسقةً فتكون بالعِظَةِ والتذكير، وبذلِ الجهد في ذلك. فإذا أعيته الحيلة في هدايتهم كأن يرى منهم عنادًا، أو استكبارًا، أو أن يخاف على نفسه أن يتردى معهم، ويهوي في حضيضهم - فَلْينأَ عنهم، وليهجرْهُمُ الهجرَ الجميل الذي لا أذى فيه بوجه من الوجوه، وليكثرْ من الدعاء لهم بالهداية. وإن صادف منهم غرة، أو سنحت له لدعوتهم فرصةٌ فليُقْدِمْ، وليُعِدْ الكرَّة بعد الكرة.

стр. 71

أيها الصائمون: ومع عظم شأن الصلة، إلا أن كثيرًا من الناس مضيعون لهذا الحق، مفرِّطون فيه؛ فمن الناس من لا يعرف قرابَته بصِلة لا بالمال، ولا بالجاه، ولا بالخلق، تمضي الشهور، وربما الأعوام وهو ما قام بزيارتهم، ولا تودد إليهم بصلة أو هدية، ولا دفع عنهم حاجة أو ضرورة أو أذية، بل ربما أساء إليهم، وأغلظ في القول لهم. ومن الناس من لا يشارك أقاربَه في أفراحهم، ولا يواسيهم في أتراحهم، ولا يتصدَّق على فقرائهم، بل تجده يقدم عليهم الأباعدَ في الصِّلات والصدقات. ومِنَ الناس مَنْ يصل أقارِبَهُ إن وصلوه، ويقطعهم إن قطعوه، وهذا - في الحقيقة - ليس بواصل، وإنما هو مكافئٌ للمعروف بمثله، وهو حاصل للقريب وغيره، والواصلُ - حقيقة - هو الذي يتقي الله في أقاربه، فيصلهم لله سواء وصلوه أو قطعوه. ومن مظاهر القطيعة: أن تجد بعض الناس - ممن آتاه الله علمًا ودعوة - يحرص على دعوة الأبعدين، ويغفل أو يتغافل عن دعوة الأقربين، وهذا لا ينبغي؛ فالأقربون أولى بالمعروف، قال الله : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (الشعراء: ٢١٤) .

стр. 72

وإذا أمعنا النظر في أسباب قطيعة الأرحام وجدنا أنها تحدث لأسباب عديدة تحمل على القطيعة. فمن تلك الأسباب: الجهلُ بعواقب القطيعة، والجهل بفضائل الصلة. ومنها ضعفُ التقوى، والكبرُ، فبعضُ الناس إذا نال منصبًا رفيعًا، أو حاز مكانة عالية، أو كان تاجرًا، أو مشهورًا تكبر على أقاربه، وأَنِفَ من زيارتهم، والتودد إليهم. ومن أسباب القطيعة: الانقطاعُ الطويلُ الذي يقود إلى الوحشة، واعتياد القطيعة. ومنها: العتابُ الشديدُ، فبعضُ الناس إذا زاره أحدٌ من أقاربه؛ أمطر عليه وابلًا من التقريع والعتاب على تقصيره في حقه، وإبطائه في المجيء إليه؛ ومن هنا تحصل النفرة من ذلك الشخص، وتُوجَد الهيبةُ من المجيء إليه. ومن أسباب القطيعة: التكلفُ الزائدُ، فهناك مِنَ الناس مَنْ إذا زاره أقاربه تكلَّف لهم أكثر من اللازم، وخسر الأموالَ الطائلةَ، وقد يكون - مع ذلك - قليلَ ذاتِ اليد. ومن هنا تجد أن أقاربه يُقْصِرُون عن المجيء إليه، خوفًا من إيقاعه في الحرج. وفي مقابل ذلك تجدُ مَنْ إذا زاره أقاربهُ لم يهتمَّ بهم، ولم يصغ لحديثهم، وتراه لا يفرح بمقدمهم، ولا يستقبلهم إلا بكل تثاقل وبرود؛ مما يقلل رغبتهم في زيارته.

стр. 73

ومن الأسبابِ الحاملةِ على القطيعةِ: الشحُّ والبخلُ، فمن الناس من إذا رزقه الله مالًا أو جاهًا بَعُد من أقاربه، حتى لا يرهقوه بطلباتهم المتنوعة. ومن أعظم أسباب القطيعة: تأخيرُ قِسْمَةِ الميراث؛ فقد يكون بين الأقارب ميراثٌ لم يقسم، إما تكاسلًا منهم، أو قلةَ وفاقٍ فيما بينهم، وكلما تأخر قسم الميراث شاعت العداوة، وكثرت المشكلات، وزاد سوءُ الظن، وحلَّت القطيعة. ومن أسباب القطيعة: الشركة بين الأقارب؛ فكثيرًا ما يشترك الإخوة أو غيرهم من الأقارب في مشروع أو شركة ما، دون أن يتفقوا على أسس ثابتة، ودون أن تقوم الشركة على الوضوح والصراحة، بل تقوم على المجاملة، والحياء، وإحسان الظن. فإذا زاد الإنتاج، واتَّسعت دائرة العمل؛ دبّ الخلافُ، وساد البغي، ونزغ الشيطان، وحدث سوءُ الظن، خصوصًا إذا كانوا من قليلي التقوى والإيثار، أو كان بعضهم مستبدًّا برأيه، أو كان أحد الأطراف أكثرَ جدية من صاحبه.

стр. 74

ومن هنا تسوء العلاقة، وتحل الفرقة، وربما وصلت بهم الحال إلى الخصومات في المحاكم؛ فيصبحون سُبَّةً لغيرهم: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ (ص: من الآية ٢٤) . ومن أسباب القطيعة: الاشتغالُ بالدنيا، والطلاقُ بين الأقارب إذا لم يكن بإحسان، وبعدُ المسافة، والتكاسلُ عن الزيارة. وقد يكون التقاربُ في المساكن بين الأقارب مسببًا للقطيعة بسبب ما يكون من التزاحم على الحقوق، وبسبب ما يحدث بين الأولاد من مشكلات قد تنتقل إلى الوالدين. ومن الأسبابِ الحاملةِ على القطيعة: قلةُ التحمُّل، وقلةُ الصبرِ على الأقارب، ونسيانُهم في الولائم والمناسبات، فقد يُفَسَّر هذا النسيانُ بأنه تجاهلٌ واحتقار، فيقود ذلك الظن إلى الصرم والهجر. أيها الصائمون: هذه بعضُ الأسبابِ التي تؤدي إلى قطيعة الأرحام، أما الحديث عن الأمور المعينة على الصلة، فسيكون غدًا - إن شاء الله - والله المستعان، وعليه التكلان، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 75

رمضان شهر الصلة (٢) الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد: فقد مرّ بنا - سالفًا - حديث عن صلة الرحم وفضلها، وعن قطيعة الرحم، وصورها، والأسباب الحاملة عليها. والحديث هاهنا إكمال لما مضى، حيث سيدور حول الأسباب المعينة على صلة الرحم؛ فهناك آداب يجدر بنا سلوكها مع الأقارب، وهناك أمور تعين على الصلة. فمن ذلك: التفكرُ في الآثار المترتبة على الصلة؛ فإن معرفَة ثمراتِ الأشياء، واستحضارَ حُسْنِ عواقبها من أكبر الدواعي إلى فعلها، وتَمثُّلها، والسعي إليها. وكذلك النظرُ في عواقب القطيعة، وتأمُّلُ ما تجلبه من همٍّ، وغمٍّ، وحسرةٍ، وندامة، ونحوِ ذلك، فهذا مما يعين على اجتنابها، والبعد عنها. ومما يعين على الصلة: الاستعانةُ بالله، وسؤالُه التوفيقَ، والإعانةَ على صلة الأرحام.
следующие страницы →