عنه ما يسوؤه إظهاره ولا يُفشي له سرًّا.
٢ - أن يقيه بنفسه من الآفات التي تؤذيه كوقاية اللباس الحر والبرد.
٣ - ثم ليترقى بعد ذلك إلى أن يكون كل واحد منهما للآخر كالرياش يتجمل به ويظهر محاسنه.
وقال تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [سورة البقرة، آية رقم: ٢٢٨].
ويندرج تحت هذه الجملة الكريمة معان عظيمة، وحكم جليلة، غير أن الانتفاع بها مبني على الإيمان بها والتسليم لها والفهم الصحيح لما دلت عليه، وإليك البيان:
١ - يجب أن يُعلم أن خالق الخلق? له الحكمة البالغة في خلقه وأمره، ركب الرجال على خلقه تناسب ما كُلفوا به، وركب النساء على خلقة تناسب ما خلقن له، فمن اهتدى لما خُلق له وُفق في الدارين ونال السعادتين، ومن لم يهتدِ كان دليلًا على انتكاس فطرته ومن ثم فساد الفكر والعمل.
٢ - بين تعالى في آية أخرى ما أجمل في هذه الآية فقال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [سورة النساء، آية رقم: ٣٤].
في هذه الآية ذكر تعالى سبب جعل القوامة في الرجل، والقوامة هي الدرجة في الآية السابقة، وأن ذلك لأمرين:
أحدهما: راجع إلى أصل الخلقة التي خلق الله عليها البشر، وفي التنزيل المبارك قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ [سورة آل عمران، آية
стр. 37
رقم: ٣٦]. ومن المقطوع به أن الرجل والمرأة لو كانا على خلقة واحدة وطبيعة واحدة لما حصل التجانس بينهما ولوقع التنافر بينهما، وشواهد ذلك ظاهرة فيمن انتكست فطرهم وفسدت تصوراتهم.
وثانيهما: الإنفاق: وهو دفع المهر، وقد فطر الله الخليقة على ذلك، وجاء الشرع يؤكد أن الرجل هو الذي يدفع المهر للمرأة ولو كانت أغنى الناس، ولا يحل لمرأة أن تهدي نفسها إلى أحد بدون مهر إلا رسول الله ﷺ وذلك من خصائصه.
٣ - من المعلوم أن نفقة الزوجة على زوجها وإن كانت غنية، فالرجل أقدر على ذلك ثم إنه لا يضيع شيء بسبب قيامه بتحصيل النفقة، أما المرأة فإنها لو ذهبت لتحصيل النفقة فسيقع من إهمالها لوظيفتها التي هي شؤون البيت وتربية الأولاد والعناية بالزوج ضرر عظيم وفساد كبير، فالرجل يقدر على أمور لا تقدر عليها المرأة، والمرأة تقدر على أمور لا يقدر عليها الرجل وبقيام كل واحد منهما بوظيفته يحصل التكامل وتستقيم الحياة اللهم إلا أن يُقال تقوم المرأة بوظيفة الرجل ويقوم الرجل بوظيفة المرأة أو يقوم أحدهما بكلا الوظيفتين وهذا مما يعلم كافة العقلاء فساده وعظيم ضرره.
٤ - ينبغي أن يُعلم أن وظيفة المرأة - وهي القيام بشؤون البيت وتنشئة الأجيال والعناية بشؤون الزوج وتهيئة نفسها لما يحتاجه - وظيفة جليلة لا تقل درجة عن وظيفة الرجل بل قد تزيد عليها وتناسب خلقتها وفطرتها.
стр. 38
أما الرجل فلا يقدر عليها لأنها لا تناسب خلقته التي خلقه الله عليها، وقد أحسن القائل:
الأُمُّ مَدرَسَةٌ إِذا أَعدَدتَها... أَعدَدتَ شَعبًا طَيِّبَ الأَعراقِ
وقالوا: وراء كل رجل عظيم امرأة.
وعلى كل حال فكلامنا مع من سلمت فطرهم وصحت تصوراتهم، أما الآخرون فلهم طرق أخرى للعلاج ليس هذا مكانه.
•••
стр. 39
فصل:
ركائز العشرة الزوجية
ركائز العشرة الزوجية، قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [سورة النساء، آية رقم: ١٩]، ترتكز العشرة الزوجية على أمور ثلاثة وهي المودة، والرحمة، وإقامة حدود الله، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [سورة الروم، آية رقم: ٢١]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)﴾ [سورة البقرة، آية رقم: ٢٣٠]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾ [سورة البقرة، آية رقم: ٢٢٩] فإذا اجتمعت هذه الثلاث للزوجين فقد نالا سعادة الدنيا، ويُرجى لهما سعادة الآخرة.
وعقد الزوجية من أعظم العقود التي يُجب الوفاء بها، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [سورة المائدة، آية رقم: ١]، وسماه الله ميثاقًا غليظًا، قال تعالى: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)﴾ [سورة النساء، آية رقم: ٢١].
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عقبة بن عامر
стр. 40
-﵁ أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَحَقَّ مَا وَفَّيْتُمْ بِهِ مِنَ الشُّرُوطِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ» (١).
وعقد الزواج في الإسلام عقد اختيار لا إجبار، روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁، قال ﷺ : «لَا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ إِذْنُهَا؟ قَالَ: «أَنْ تَسْكُتَ» (٢).
ولذلك سهل الله أمر الفراق بين الزوجين عند تعذر الحياة الزوجية، فإن قام بذلك الزوج وإلا حلَّ للمرأة أن تفتدي نفسها ولا جناح عليها في ذلك، قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [سورة البقرة، آية: ٢٢٩]. أو يحكم القاضي الشرعي بالتفريق بينهما، لكن يجب أن يعلم أن هذا العقد الغليظ لا يجوز حله إلا بانعدام هذه الأمور الثلاثة التي هي ركائز العشرة الزوجية، فإذا عدمت المودة بينهما فإنه يبقى بينهما رابط الرحمة وإقامة حدود الله، فإن عدمت الرحمة أيضًا فإنه يبقى بينهما رابط أن يطيع كل واحد منهما الله في الآخر. روي أن رجلًا قال في عهد عمر ﵁ لامرأته: نشدتك بالله هل تحبيني؟ فقالت: أما إذ نشدتني بالله فلا. فخرج حتى أتى عمر، فأرسل إليها، فقال: أنت التي تقولين لزوجك: لا أحبك؟ فقالت: يا أمير المؤمنين نشدني بالله، أفأكذب؟ قال: نعم فأكذبيه، ليس كل البيوت تُبنى على الحب، ولكن الناس يتعاشرون بالإسلام والأحساب (٣).
стр. 41
ولعلهما حين يطيع كل واحد منهما الله في الآخر يؤلِّف الله بين قلبيهما وتعود المودة والرحمة، فإن من أحب الأعمال إلى الشيطان التفريق بين الزوجين لما ينتج عنه من مفاسد وأضرار. وأعداء الإسلام عندما يريدون إفساد بلد وهدم أمة يزرعون فيه الأسباب التي ينتج عنها تفرق الأزواج ومن ثم تشتت الأسر، وهدم البيوت.
روى مسلم في صحيحه من حديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا، قَالَ: ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ». قَالَ الْأَعْمَشُ: أُرَاهُ قَالَ: «فَيَلْتَزِمُهُ» (١).
وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا تَوَادَّ اثْنَانِ فَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا بِذَنْبٍ يُحْدِثُهُ أَحَدُهُمَا» (٢)، فإذا عدمت هذه الركائز فإنه والحالة هذه لم يبق بينهما رابط يجمعهما وتعيَّن الفراق، قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (١٣٠)﴾ [سورة النساء، آية رقم: ١٣٠].
وإن مما يجب التنبه له أن كثيرًا من حالات الفراق تقع بناء على تقييم أحد الزوجين للآخر تقييمًا جائرًا لا يلتزم فيه صاحبه العدل والإنصاف، ولذلك عندما تنقشع غمامة الهوى يندم حين لا ينفع الندم.
стр. 42
الميزان والعدل في تقييم الزوجة:
تقدم في مقاصد النكاح التعريف بالحقوق والواجبات المتبادلة بين الزوجين، وأن استصحاب ذلك حين تقييم أحد الزوجين للآخر يجعل المرء عادلًا في حكمه منصفًا من نفسه. ونزيد هنا بيانًا بذكر بعض الأمور التي تجعل تقييم الرجل للزوجة عدلًا صوابًا، قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)﴾ [سورة النساء، آية رقم: ١٩].
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا» (١).
وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ» أَوْ قَالَ: «غَيْرَهُ» (٢).
من هذه الآيات والأحاديث وغيرها يتبين أنه يجب العدل في تقييم الزوجة، وهذا معلوم لدى كل مسلم ولكن الذي قد يخفى هو تطبيق ذلك، فإن الرجل إذا تزوج المرأة وهو يريد منها مقاصد النكاح السابق ذكرها جميعًا: الذرية، والخدمة، والمتعة، فإنه عند إرادة تقييمها يجب عليه النظر إلى هذه الثلاث مجتمعة لا إلى كل واحد على حدة، فإذا نظر إليها مجتمعة وكانت
стр. 43
الزوجة تستحق الثلث ٣٣ % على أقل تقدير لكل واحد منها فإن مجموع ذلك ينتج عنه الدرجة الكاملة، بينما إذا نظر إلى كل واحد على حدة احتقر ذلك التقدير وحكم عليها بالفشل قطعًا وسبب ذلك النظر الخاطئ..
ولو استصحب ما دلت عليه الآيات والأحاديث السابقة لم يقع في ذلك الخطأ. ويزيد ذلك إيضاحًا أن الرجل إذا لم يرد من المرأة سوى اثنين من ثلاثة مثلًا فإن ثلث الدرجة لا تكفي في رفع مستوى الزوجة، كذلك إذا لم يرد منها إلا واحدًا من تلك المقاصد، وبذلك يتضح الفرق بين أن تقوم المرأة بهذه المقاصد الثلاثة وبين أن يطلب منها القيام ببعضها فقط، ولذلك لما خطب النبي ﷺ أم سلمة اعتذرت بادي الأمر بأن لديها صبية، وقد أرادت بتقديم هذا العذر - والله أعلم- أنها ستنشغل بهم عن القيام بحق رسول الله ﷺ كاملًا، وقد وقع ذلك فعلًا، فروى مسلم في صحيحه من حديث أم سلمة ﵂ قالت: أرسل إلي رسول الله ﷺ حاطب بن أبي بلتعة ﵁ يخطبني له، فقلت: إن لي بنتًا وأنا غيور، فقال: «أمَّا ابْنَتُها فَنَدْعُو اللَّهَ أنْ يُغْنِيَها عَنْها، وأَدْعُو اللَّهَ أنْ يَذْهَبَ بِالْغَيْرَةِ». ويشهد لذلك ما رواه (١) الإمام أحمد في مسنده من حديث أم سلمة ﵂: أن النبي ﷺ لما عقد عليها كان يأتيها، فإذا جاء أخذت زينب، فوضعتها في حجرها لترضعها، وكان رسول الله ﷺ حييًّا كريمًا، يستحي فيرجع، ففعل ذلك مرارًا. ففطن عمار بن ياسر لما تصنع، فأقبل ذات يوم وجاء عمار وكان أخاها لأمها فدخل عليها فانتشطها من حجرها وقال: دعي هذه المقبوحة المشقوحة التي آذيت بها رسول
стр. 44
الله ﷺ ، قال: وجاء رسول الله ﷺ فدخل، فجعل يقلب بصره في البيت ويقول: «أَيْنَ زُنَابُ؟ مَا فَعَلَتْ زُنَابُ؟» قالت: جاء عمار فذهب بها، قال: فبنى بأهله، ثم قال: «إِنْ شِئْتِ أَنْ أُسَبِّعَ لَكِ، وَأُسَبِّعَ لِلنِّسَاءِ» (١).
وإن من رحمة الله وحكمته أن خفف على المرأة التكاليف الشرعية في العبادات، روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الرحم? ن بن عوف، قال ﷺ : «إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا، قِيلَ لَهَا: ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ» (٢).
وما ذلك إلا لتفريغها للقيام بهذه المقاصد الثلاثة على أكمل الوجوه، فإن المرأة إن فعلت ذلك ووجدت رجلًا يقدر ما تقوم به كان ذلك دافعًا له أن يقوم بما أوجب اللَّه عليه، ليس تجاه أسرته فقط بل تجاه دينه ومجتمعه والناس جميعًا، ولذلك قالوا: وراء كل رجل عظيم امرأة.
تنبيه:
لو أن رجلًا يريد أن تكتمل له هذه المقاصد الثلاثة بأعلى درجاتها فهل يحصل له ذلك، الجواب: نعم، وذلك أن الله تعالى وهو الحكيم في شرعه العليم بخلقه شرع للرجل التعدد، قال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [سورة النساء، آية رقم: ٣].
فإن كان الرجل أهلًا لذلك فإنه سيكمل له من مجموعهن ما يريد.
* * *
стр. 45
فصل:
مسائل العشرة الزوجية
إن من مسائل العشرة الزوجية التي تستقيم الحياة الزوجية بحسن التصرف فيها وتسوء حين لا تُعطى الاهتمام المطلوب (النفقة)، وقد اخترناها مثالًا لوقوعها في بيت النبوة ولما يشاهد في الواقع من آثارها على اجتماع الزوجين وتفرقهما، ولتكون مثالًا يُحتذى به في سائر أحوال العشرة الزوجية. وخلاصة ما وقع في بيت النبي ﷺ هو أن نساءه أكثرن عليه في طلب النفقة حتى بلغ بهن الحال أن يسألنه ما ليس عنده، فضاق صدره على سعته فأنزل الله عليه آية التخيير وأمره ربه أن يخير نساءه بين أن يصبرن معه على ضيق العيش وشدة الحال، أو يفارقهن. وهذا دليل على أهمية هذا الموضوع وأنه يجب أن يُولى العناية الفائقة إذ أنزل الله فيه قرآنًا يُتلى إلى يوم القيامة.
وإليك الآيات فتدبر:
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾ [سورة الأحزاب، الآيتان: ٢٨، ٢٩]، وقد فعل رسول الله ﷺ ما أمره الله به فخيرهن واحدة واحدة، وقد كن ﵅ أعلى شأنًا وأرفع منزلة فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة.
стр. 46
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂ قالت: لما أُمر رسول الله ﷺ بتخيير أزواجه بدأ بي فقال: «إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ». قَالَتْ: وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَاني بِفِرَاقِهِ، قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (٢٩)﴾»، قَالَتْ: فَقُلْتُ: فَفِي أَيِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؛ فَإِنِّي أُرِيدُ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ (١).
قالت: ثم فعل أزواج النبي ﷺ مثل ما فعلت، وفي رواية: «لَا تَسْأَلُنِي امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ إِلَّا أَخْبَرْتُهَا، إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّتًا، وَلَا مُتَعَنِّتًا، وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا» (٢).
دور الآباء والأمهات في تقويم الزوجات وتوجيههن إلى مراعاة أحوال أزواجهن:
روى مسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَوَجَدَ النَّاسَ جُلُوسًا بِبَابِهِ لَمْ يُؤْذَنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ. قَالَ: فَأُذِنَ لِأَبِي بَكْرٍ فَدَخَلَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عُمَرُ فَاسْتَأْذَنَ فَأُذِنَ لَهُ، فَوَجَدَ النَّبِيَّ ﷺ ، جَالِسًا حَوْلَهُ نِسَاؤُهُ، وَاجِمًا سَاكِتًا. قَالَ: فَقَالَ: لَأَقُولَنَّ شَيْئًا أُضْحِكُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ لَوْ رَأَيْتَ بِنْتَ خَارِجَةَ سَأَلَتْنِي النَّفَقَةَ فَقُمْتُ إِلَيْهَا فَوَجَأْتُ عُنُقَهَا. فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَقَالَ: «هُنَّ
стр. 47
حَوْلي كَمَا تَرَى يَسْأَلْنَنِي النَّفَقَةَ». فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عَائِشَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا، فَقَامَ عُمَرُ إِلَى حَفْصَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا، كِلَاهُمَا يَقُولُ: تَسْأَلْنَ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ. فَقُلْنَ: واللهِ لَا نَسْأَلُ رَسُولَ اللهِ ﷺ شَيْئًا أَبَدًا لَيْسَ عِنْدَهُ. ثُمَّ اعْتَزَلَهُنَّ شَهْرًا.... الحديث (١).
مقدار ما تستحقه المرأة من النفقة:
من المعلوم شرعًا وعرفًا أن على الزوج الإنفاق على زوجته من مسكن وملبس ومطعم ومشرب، لكن يجب على الزوجة أن تعلم ما يجب لها من ذلك وما كان زائدًا على الواجب؛ لكيلا تسأله ما ليس واجبًا عليه على أنه من الواجبات التي إن قصر فيها رمته بالتقصير والبخل، وإن لم يقصر فيها لم تقابله بالشكر والامتنان الذي يستحقه لظنها أنه إنما أدى ما عليه فقط. وهذه المسألة بحاجة إلى توسع ليس هذا مكانه ونشير إليها اختصارًا (٢).
قال تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦)﴾ [سورة الطلاق، آية: ٦]، وقال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾ [سورة الطلاق، الآية: ٧].
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ
стр. 48
قال لهند: «خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ وَيَكْفِي بَنِيكِ» (١)، وروى الإمام أحمد في مسنده أن النبي ﷺ عندما سأله معاوية بن حيدة ﵁: ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: «تُطْعِمُهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ، وَلَا تَضْرِبِ الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحْ، وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ» (٢).
ومن هذه النصوص الشرعية وغيرها مما لم يذكر يتبين لنا الآتي:
١ - مقدار النفقة حسب حال الزوج من عسره ويسره، وغناه وفقره.
٢ - أن الواجب في النفقة هو الكفاية وما زاد على ذلك فهو إحسان وفضل يجب أن يذكر فلا ينكر، ويشكر فلا يكفر (٣).
٣ - أن على الزوج أن يعدل بين نفسه وزوجته فيطعمها مما يطعم ويكسوها مما يكتسي.
٤ - من المعلوم في القضاء الشرعي أن الزوج إذا لم يستطع القيام بنفقة الكفاية أن للزوجة طلب الفراق، غير أن المرأة الصالحة العاقلة التي تريد الله والدار الآخرة هي التي تتأسى بأمهاتها أمهات المؤمنين أزواج رسول الله ﷺ ورضي الله عنهن، فلا ترهق كاهل الزوج بما لا يقدر، ولا تكلفه ما لا يستطيع، وتصبر معه على الشدة وضيق الحال إذا كان أهلًا لذلك، بأن
стр. 49
يكون كريم النفس حسن العشرة يبذل لها من أخلاقه ما يعوض به النقص في أمور الدنيا.
٥ - أن الزوجات في تعاملهن مع أزواجهن على مراتب:
الأولى: وهي أدناهن مرتبة وأسوأهن عشرة، من تنكر الجميل وتكفر العشير؛ لو أحسن إلى إحداهن الدهر كله قالت: ما رأيت منك خيرًا قط.
الثانية: من تجعل ما ليس واجبًا من الواجبات، إذا لم يقم به اتهمته بالتقصير ورمته بالبخل.
الثالثة: من تطلب حقها كاملًا ولا تغض طرفها عن شيء منه وإن قل.
الرابعة: وهي أعلاهن مرتبة وأرفعهن درجة وأسعدهن بخير الدنيا والآخرة، من تقابل التقصير بالصبر، والمعروف بالشكر، بل تزيد على ذلك فتبذل من نفسها ومالها ما لا يجب عليها بذله. فمن رزقه الله منهن مَنْ هذه صفتها فليتمسك بها فإنها من السعادة، فقد روى ابن حبان في صحيحه من حديث سعد ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أَرْبَعٌ مِنَ السَّعَادَةِ: الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، وَالْمَسْكَنُ الْوَاسِعُ، وَالْجَارُ الصَّالِحُ، وَالْمَرْكَبُ الهَنِيءُ» (١)، وروى مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أن النبي ﷺ قال: «الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا المَرْأَةُ الصَّالِحَةُ» (٢)، ووصفت هذه المرأة الصالحة في حديث آخر
стр. 50
رواه أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ : أي النساء خير؟ قال: «الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ، وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ، وَلَا تُخَالِفُهُ فِيمَا يَكْرَهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ» (١).
ومن الأمثلة على ما سبق ما رواه البخاري في صحيحه من حديث زينب امرأة عبد الله ﵂ قالت: كنت في المسجد فرأيت النبي ﷺ فقال: «تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ». وكانت زينب تنفق على عبد الله وأيتام في حجرها، قال: فقالت لعبد الله: سل رسول الله ﷺ أيجزي عني أن أنفق عليك وعلى أيتام في حجري من الصدقة؟ فقال: سلي أنت رسول الله ﷺ ، فانطلقت إلى النبي ﷺ فوجدت امرأة من الأنصار على الباب، حاجتها مثل حاجتي فمر علينا بلال فقلنا: سل النبي ﷺ : أيجزئ عني أن أنفق على زوجي وأيتام لي في حجري؟ وقلنا: لا تخبر بنا. فدخل فسأله فقال: «مَنْ هُمَا؟»، قال: زينب، قال: أي «الزَّيانِبِ هِي؟» قال: امرأة عبد الله، قال: «نَعَمْ، لَهُمَا أَجْرانِ: أَجْرُ القرابةِ وَأَجْرُ الصَّدقَةِ» (٢).
آداب سؤال المرأة لزوجها النفقة:
ينبغي للمرأة حين تسأل النفقة أن تكون عفيفة في سؤالها مؤدبة في طلبها، مراعية لحال زوجها، وأن تختار الوقت والحال الذي يصلح، وقد قال النبي ﷺ : «مَنْ طَلَبَ حَقًّا فَلْيَطْلُبْهُ فِي عَفَافٍ، وَافٍ
بِشَيْءٍ، قَالَتْ: نَعَمْ، هُوَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ، وَيَأْمُرُكَ أَنْ تُثْبِتَ عَتَبَةَ بَابِكَ، قَالَ: ذَاكِ أَبِي وَأَنْتِ العَتَبَةُ، أَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَكِ» (١).
فبهذا تحل البركات وتطيب النفوس، ونختم بهذه الوصايا العشر من امرأة عاقلة لابنتها لينتفع بها من شاء الله من النساء، وليُعلم إنما نذكر به ليس ضربًا من المستحيلات بل هو كثير في الواقع، والسير، والتواريخ طافحة بذلك يزيد وينقص ويقل ويكثر حسب أحوال الناس في الزمان والمكان..
ومن الوصايا المشهورة ما أوصت به أم ابنتها ليلة زفافها فقالت لها وهي تودعها: أي بنية إنك قد فارقت بيتك الذي منه خرجت، ووكرك الذي فيه نشأت إلى وكر لم تألفيه وقرين لم تعرفيه، فكوني له أمة يكن لك عبدًا، واحفظي له عشر خصال يكن لك ذخرًا:
أما الأولى والثانية: فالنصيحة بالقناعة والمعاشرة بحسن السمع والطاعة.
وأما الثالثة والرابعة: فالتعهد لموقع عينيه، والتفقد لموضع أنفه.
فلا تقع عيناه منك على قبيح، ولا يشمن منك إلا أطيب ريح، والكحل أحسن الحسن الموصوف، والماء والصابون أطيب الطيب المعروف.
وأما الخامسة والسادسة: فالتفقد لوقت طعامه، والهدوء عند منامه، فإن حرارة الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مكربة.
وأما السابعة والثامنة: فالعناية ببيته وماله والرعاية لنفسه وعياله.
وأما التاسعة والعاشرة: فلا تعصي له أمرًا ولا تفشي له سرًّا، فإنك إن
стр. 53
عصيت أمره أوغرت صدره، وإن أفشيت سره لم تأمني غدره، ثم بعد ذلك إياك والفرح حين اكتئابه، والاكتئاب حين فرحه، فإن الأولى من التقصير والثانية من التكدير، وأشد ما تكونين له إعظامًا أشد ما يكون لك إكرامًا، ولن تصلي إلى ذلك حتى تؤثري رضاه على رضاكِ، وهواه على هواكِ فيما أحببت أو كرهت، والله يضع لك الخير (*). (١)
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
* * *