وفي شرح هذا الحديث يقول ابنُ رجبٍ ﵀: " وهذا يدلُّ على جهادِ الأمراءِ باليدِ ... وقد نصَّ على ذلك أحمدُ أيضاً في رواية صالح، فقال: التَّغييرُ باليدِ أنْ يُزِيلَ بيدِه ما فعلُه مِنِ المُنكراتِ، مثل أن يُريقَ خُمُورَهم، أو يَكْسِرَ آلاتِ الملاهي التي لهم، ونحو ذلك، أو يُبْطِلَ بيدِه ما أُمِرُوا بِه من الظُّلْمِ إن كان له قُدرَةٌ على ذلك، وكلُّ هذا جائزٌ، وليس هو من بابِ قِتالِهم، ولا من الخُرُوجِ عليهم الذي وَرَدَ النَّهيُّ عنه، فإنَّ هذا أكْثَرُ ما يُخشى منه أن يَقْتُلَ الآمرَ وحدَه". (١) والنُّصوصُ في وجوبِ الأمرِ بالمعروفِ، والنَّهي عن المنكرِ باليدِّ من الكتابِ، والسنةِ كثيرةٌ، وحسبنا منها ما ذُكِر.
стр. 37
أمَّا الإجماعُ: وقد دَلَّ على وُجُوبِ "الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ" إجماعُ الأمَّةِ، كما نقل ذلك الإمامُ النَّوويُّ حيث قال: " وقد تطابق على وُجُوبِ الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكر: الكتابُ، والسنةُ، وإجماعُ الأمةِ، وهو أيضاً من النَّصيحةِ التي هي الدِّين، ولم يخالفْ في ذلك إلاَّ بعضُ الرَّافضةِ ولا يُعْتدُّ بخلافِهم". (١) ونقل الإجماع ابنُ عبد البرِّ ﵀ بقوله: " وأجمع المسلمون على أنَّ تغيير المنكر واجبٌ على من قَدِرَ عليه، وإنَّه إذا لم يلحقه بتغييرِه إلاَّ اللَّوم الذي لا يتعدَّى إلى الأذى فإنَّ ذلك لا يجب أن يمنعه، فإن لم يقدرْ فبلسانِه، فإن لم يقدرْ فبقلبِه، ليس عليه أكثر من ذلك، وإذا أنكر بقلبِه فقد أدَّى ما عليه إذا لم يسْتَطِعْ سوى ذلك". (٢) وقد صرَّح به إمامُ الحرمين، كما نقله عنه النووي بقوله: " قال العلماءُ: ولا يختصُّ الأمر بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ بأصحابِ الولايات؛ بل ذلك جائزٌ لآحادِ المسلمين، قال إمام الحرمين: والدليل عليه إجماعُ المسلمين؛ فإنَّ غيرَ الوُلاةِ في الصَّدرِ الأولِ، والعصرِ الذي يليه كانوا يأمرون بالمعروفِ ويَنْهَوْن عن المنكرِ مع
стр. 38
تقريرِ المسلمين إياهم، وتركِ توبيخِهم على التَّشاغُلِ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غيرِ ولايةٍ". (١)
وقال القرطبي عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران ٢١] : " أجمعَ المسلمون فيما ذكره ابنُ عبد البر أنَّ المنكرَ واجبٌ تغييرُه على كُلِّ مَنْ قَدِرَ عليه، وأنَّه إذا لم يلحقْهُ بتغييرِه إلاَّ اللَّومُ الذي لا يتعدَّى إلى الأذى فإنَّ ذلك لا يجبُ أن يمنعه من تغييرِه، فإن لم يقدرْ فبلسانِه، فإن لم يقدرْ فبقلبه ليس عليه أكثر من ذلك". (٢) فبهذا الإجماعِ الصحيحِ يدلُّ على وجوبِ تغيير المنكرِ على كُلِّ مَنْ قَدِرَ عليه سواءٌ كان حاكماً أو محكوماً.
стр. 39
أمَّا فعلُ الصحابةِ: فعن أبي سعيدٍ ﵁ قال: «كان رسولُ الله ﷺ الله عليه وسلم يخرجُ يوم الفطر والأضحى إلى المصلَّى، فأوَّلُ شيءٍ يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس - والناس جلوس على صفوفهم - فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم، فإن كان يريدُ أن يقطعَ بعثا قطعه، أو يأمرَ بشيءٍ أمر به ثم ينصرف. قال أبو سعيد: فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجتُ مع مروان - وهو أمير المدينة - في أضحى أو فطرٍ، فلمَّا أتينا المُصَلَّى إذا منبرٌ بناه كثيرُ بنُ الصلت، فإذا مروان يريدُ أن يرتقيه قبل أن يُصلِّي فَجَبَذْتُ بثوبِه فجبذني، فارتفع فخطب قبل الصلاة، فقلت له: غيَّرْتُم والله!، قال: أبا سعيدٍ قد ذهب ما تعلم، فقلت: ما أعلم والله خيرَ ممَّا لا أعلم، فقال: إنَّ الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة فجعلتُها قبل الصلاة» . (١) فها هو أبو سعيد الخدري ﵁ قد باشر التَّغييرَ بيدِه فَجَبَذَ بثوبِ مروانَ - وهو الأمير يومئذٍ! -. قال الإمامُ النووي في شرح هذا الحديث: " وفيه الأمرُ بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ، وإن كان المنكرُ عليه والياً، وفيه أنَّ الإنكارَ عليه يكون باليدِّ
стр. 40
لمن أمكنه، ولا يجزئ عن اليدِّ اللِّسانُ مع إمكانِ اليدِّ". (١) وهناك الكثيرُ من صَنيعِ الصحابةِ ﵃ ممَّا فيه دلالةٌ واضحةٌ على الإنكارِ باليدِّ على الأراء وغيرهم مع مراعاة جلب المصلحة ودفع المفسدة.
فعلُ التَّابعين: عن إبراهيم قال: " كان أصحابُ عبدِ الله يستقبلون الجواري معهنَّ الدُّفوف في الطُّرقِ فيخرقونها". (٢) وعن أبي حصين أنَّ رجلاً كسر طُنْبوراً لرجلٍ، فخاصمه إلى شُريحٍ فلم يُضَمِّنْه شيئاً، (٣) وعدم تضمين القاضي شريحٍ لهذا الرجلِ يدلُّ على أنَّه يجوزُ له كسرُ هذا الطنبور.
أقوالُ العلماء:
من الحنفية: قال أبو بكر الجصاص ﵀: " الأمرُ بالمعروفِ والنهي عن المُنكرِ لهما حالان: حالٌ يمكن فيها تغييرُ المنكر وإزالته، ففرضٌ على من أمكنه إزالةُ ذلك بيدِه أن يُزِيلَه ... ". (٤)
ومن المالكيَّة: قال أبو بكرٍ الطُّرطُوشي: " فانظروا يرحمكم الله أينما وجدتم سِدرةً أو شجرةً يقصدُها الناس ويُعظِّمُون من شأنِها، ويرجون البُرءَ والشِّفاءَ من قِبلها، وينوطون بها المسامير والخِرقَ فهي ذاتُ أنواطٍ فاقطعوها". (٥)
ومن الشافعية:
стр. 41
وقد مرَّ معنا كثيرٌ من كلامِ أئمَّةِ الشِّافعية، لا سيما الغزَّالي، والنَّووي، ومن كلامِ النَّووي ما ذكره بقولِه: " قال إمام الحرمين ﵀: ويسوغ لآحادِ الرعيةِ أن يَصُدَّ مُرتكبَ الكبيرةَ، إن لم يندفعْ عنها بقولِه ما لم ينته العمل إلى نصبِ قتالٍ وشَهْرِ سلاحٍ، فإن انتهى الأمر إلى ذلك، رُبِطَ الأمرُ بالسُّلطان". (١)
وقال أيضاً ﵀ عند ذكره لدرجاتِ الحسبة: " الدرجة السابعة: مُباشرةُ الضَّربِ باليدِّ والرِّجلِ وغيرِ ذلك ممَّا ليس فيه شَهْرُ سِلاحٍ، وذلك جائزٌ للآحادِ بشرطِ الضَّرورةِ والاقتصارِ على قَدْرِ الحاجةِ في الدَّفعِ، فإذا اندفع المنكرُ فينبغي أن يَكُفَّ". (٢)
стр. 42
أقوال الحنابلة: قال ابنُ القيم ﵀: " وقال إسحاقُ بنُ إبراهيم: سئل أحمدُ عن الرَّجلِ يَرى الطُّنبورَ، أو طبلاً مُغطَّى أيَكْسِرَه؟ قال إذا تَبَيَّنَ أنَّه طُنْبورٌ أو طَبْلٌ كسرَه ". (١) وقال أيضاً: " وقال المروزي: قلت لأبي عبد الله: دُفِعَ إليَّ إبريقُ فضةٍ لأبيعَه، ترى أن أكسِرَه أو أبيعه كما هو؟ قال: أكْسِرْهُ ... وقال: بعثني أبو عبد الله إلى رجلٍ بشيءٍ فدخلت عليه، فأتى بمكحلةٍ رأسُها مُفَضَّضٌ فقطعتُها، فاعجبَهُ ذلك وتبسم. وقال ابنُ القيم بعد هذا: " ووجهُ ذلك أنَّ الصِّنَاعةِ مُحَرَّمةٌ فلا قيمةَ لها، ولا حُرْمةَ، وأيضاً فتعطيلُ هذه الهيئةِ مطلوبٌ فهو بذلك مُحْسنٌ، وما على المحسنين من سبيل". (٢)
стр. 43
وهذا الإمامُ ابنُ قدامة ﵀ يقولُ عند حديثِه عن الوليمةِ، وما يفعلُه مَنْ دُعيَ إليها فوجد فيها تصاوير: " وإن كانت (الصور) على السُّتُورِ والحِيطانِ، وما لا يُوطأ، وأمكنَهُ حَطُّها أو قَطْعُ رؤوسِها فَعَلَ وجَلَس، وإن لم يكنْ ذلك انصرفَ ولم يجلسْ، وعلى هذا أكثرُ أهلِ العلم". (١) وقال ابنُ القيم عند حديثِه عن الأنصابِ: " وقد كان بدمشق كثيرٌ من هذه الأنصابِ، فَيَسَّرَ الله كسرَها على يدِ شيخِ الإسلامِ، وحزبِ الله المُوحِّدين". (٢) وقال ابنُ كثيرٍ ﵀: " وفي بُكرةِ يوم الجمعةِ المذكورِ دارَ الشيخُ تقيُّ الدِّين ابن تيمية ﵀، وأصحابُه على الخَمَّاراتِ والحاناتِ فكسروا آنيةَ الخُمُورِ، وشَقَّقُوا الظُّرُوفَ، وأراقُوا الخُمُورَ، وعَزَّرُوا جماعةً من أهلِ الحاناتِ المُتَّخَذةِ لهذه الفواحشِ، ففرح الناسُ بذلك". (٣)
стр. 44
أقوال الظاهرية: قال الإمامُ ابن حزمٍ ﵀: " مسألةٌ: والأمرُ بالمعروفِ والنهي عن المنكرِ فرضٌ على كلِّ مسلمٍ إن قَدِرَ بيدِه فبيدِه، وإن لم يقدْر بيدِه فبلسانِه، وإن لم يقدرْ بلسانِه فبقلبِه ولا بُدَّ، وذلك أضعفُ الإيمان، فإن لم يفعلْ فلا إيمان له، ومن خافَ القتلَ أو الضَّربَ، أو ذَهابَ المال فهو عُذْرٌ يُبِيحُ له أن يُغيرَ بقلبِه فقط، ويسكت عن الأمرِ بالمعروف وعن النهي عن المنكر فقط ... ". (١) وقال الإمامُ الشوكاني ﵀: " ... ثم إذا كان قادراً على تغييرِه (أي المنكر) بيدِه كان ذلك فرضاً عليه ولو بالمقاتلةِ، وهو إن قُتِلَ فهو شهيدٌ، وإن قتَلَ فاعلَ المنكرِ فهو بالحقِّ والشرعِ قتَلَه، ولكنه يُقَدِّمُ الموعظةَ بالقولِ اللَّيِّنِ، فإن لم يُؤَثِّرْ ذلك جاء بالقولِ الخَشِنِ، فإن لم يُؤثِّرْ ذلك انتقلَ إلى التغييرِ باليدِّ، ثم المقاتلةِ إن لم يمكن التغيير إلا بها، فإذا كان غيرَ قادرٍ على الإنكارِ باليدِّ أنكرَ باللِّسانِ فقط وذلك فرضٌ، فإن لم يستطعْ الإنكارَ باللِّسانِ أنكرَ بالقلبِ، وهذا يقدرُ عليه كُلُّ أحدٍ، وهو أضعفُ الإيمانِ، كما أخبر الصادقُ المصدوقُ صلى الله عليه
стр. 45
وسلم". (١) فهذه أقوالُ العلماءِ من فقهاءِ المذاهب الأربعةِ وغيرِهم، تُبَيِّنُ بوضوحٍ وجلاءٍ جوازَ تغييرِ المنكرِ باليدِّ لآحادِ الرعيةِ، وإنَّما وقع الخلافُ فيما لو وصل التغييرُ باليدِّ إلى جمعِ الأعوانِ وشَهْرِ السِّلاحِ، ففيهم من أجاَز التغييرَ عند ذلك كالغزَّالي، ومنهم من مَنَعَ التَّغييرَ حينئذٍ كالإمامِ الجويني وغيره من أهلِ العلمِ.
وفي مثل هذا الخلاف يمكننا - والله أعلم - أن نجمع بين الرأيين؛ وذلك بالنظر إلى جسامةِ المنكر وخطورتِه، فإذا كان المنكرُ من الجسامةِ بحيث يترتَّبُ على بقائِه مفسدةٌ أكبرُ من تلك التي تُتَوَقَّعُ من تغييرِه عن طريقِ شهرِ السلاحِ وجمعِ الأعوانِ، فلا بأسَ حينئذٍ من شهر السلاح في التَّغييرِ، أمَّا إنْ كان المنكرُ أهونَ من ذلك، أو كان في إشهار السلاح مفسدةٌ أعظمُ من المنكرِ فلا يلجأُ حينئذٍ إلى تلك الوسيلةِ، وهذا يدخلُ في بابِ تحقيقِ "المصالحِ والمفاسدِ" ففي ما ذكرناه هنا جمعٌ بين الأقوال، (٢) والله أعلم.
стр. 46
الأول: الالتزامُ بدرجاتِ الإنكارِ الشرعيةِ كما ذكرها أهلُ العلم ، ومن ذلك:
стр. 47
التَّعريفُ باللِّسانِ أولاً ثم باليدِّ، يقول الغزَّالي: " إنَّ درجاتِ التَّغييرِ تبدأُ بالتَّعريفِ، أي تعريفُ الفاعلِ للمُنْكرِ أنَّ هذا مُنْكرٌ، ثم الوعظُ اللَّيِّنُ، ثم السَّبُّ والتَّعنيفُ بالقولِ، ثم التَّغييرُ باليَدِّ، ككسرِ الملاهي، وإراقةِ الخَمْرِ، ثم التَّهديدُ والتَّخويفُ، ثم مُبَاشرةُ الضَّربِ باليَدِّ والرِّجْلِ، ثم جَمْعُ الأعوانِ وشَهْرُ السِّلاحِ". (١) ويقول القرطبي: " فالمُنكرُ إذا أمكنت إزالتُه باللِّسانِ للنَّاهي فليفعله، وإن لم يمكنه إلاَّ بالعقوبةِ أم القتل فليفعل، فإن زالَ المُنكرُ بدونِ القَتْلِ لم يَجُزْ القَتْلُ، وهذا (أي: الحُكم) تُلُقِّي من قولِه : ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ ) ". (٢) وقال ابنُ العربي: " وإنَّما يبدأُ باللِّسانِ والبيانِ، فإن لم يَكُنْ فباليدِّ". (٣) لكن إذا عَلِمَ أنَّه لا ينتهي عن مُنْكرِه بمجردِ القولِ، جاز له البدءُ بالدَّرجةِ الأعلى، كما ذكره الجصاص فيمن قَصَدَ رجلاً بالقتلِ، او قَصَدَ امرأةً بالزنا ونحو ذلك: " ... وعلم أنَّه لا ينتهي إن أنْكَرَه بالقولِ، أو قاتله بما دون السلاح، فعليه أن
стр. 48
يقتُلَه ... وإن غلَبَ في ظَنِّه أنَّه إن أنكرَه بالدَّفعِ بيدِه، أو بالقولِ امتنع عليه، ولم يمكنه بعد ذلك دفعه عنه، ولم يمكنه إزالةُ هذا المنكرَ إلاَّ بأن يُقْدِمَ عليه بالقتلِ، من غير إنذارٍ منه له، فعليه أن يقتلَه ... وقول النبي ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده» ... " يُوجِبُ ذلك أيضاً؛ لأنَّه قد أمر بتغييرِه على أيِّ وجهٍ أمكن ذلك، فإذا لم يمكنه تغييره إلا بالقتل، فعليه قتله حتى يزيله ... ". (١) وكذا ما ذكره الشوكاني آنفاً: " ... ولكنه يُقَدِّمُ الموعظةَ بالقولِ اللِّين، فإن لم يُؤَثِّرْ ذلك جاء بالقولِ الخَشِنِ، فإن لم يُؤثِّرْ ذلك انتقلَ إلى التغييرِ باليدِّ، ثم المقاتلةِ إن لم يمكن التغيير إلا بها ... ". (٢)
стр. 49
الثاني: أن لا يُؤدِّي تغييرُ المُنْكَرِ إلى منكرٍ أكبر منه .
يقول ابن تيمية ﵀: " فإنَّ الأمرَ والنَّهيَ وإن كان مُتضمِّناً لتحصيلِ مصلحةٍ ودفعِ مَفْسدةٍ، فيُنظرُ في المُعَارضِ له، فإن كان الذي يَفُوتُ من المصالحِ أو يحصلُ من المَفاسدِ أكثر، لم يكن مأموراً به؛ بل يكون مُحرَّماً إذا كانت مفْسَدتُه أكثرُ من مصلحتِه". (١) ويقولُ ابنُ القيم ﵀: " إنكارُ المُنكرِ أربعُ درجاتٍ:
الأولى: أن يزُولَ ويخْلُفه ضِدُّه. الثانية: أن يَقِلَّ وإن لم يزَلْ بِجُملتِه. الثالثة: أن يخلُفَه ما هو مثلُه. الرابعة: أن يخلُفَه ما هو شرٌّ منه، فالدَّرجتان الأوليان مشروعتان، والثالثةُ موضعُ اجتهادٍ، والرَّابعةُ مُحرَّمةٌ". (٢)
وقِصَّةُ شيخِ الإسلامِ ابن تيمية ﵀ مع التَّتارِ مشهورةٌ؛ إذ يقولُ فيها: " مررتُ أنا وبعضُ أصحابي في زمنِ التتارِ بقومٍ منهم يشربون الخمرَ، فأنكرَ عليهم من كان معي، فأنكرتُ عليه، وقلتُ له: إنَّما حرَّمَ الله الخمرَ لأنَّها تصدُّ عن ذكرِ الله والصَّلاةِ، وهؤلاء يصدُّهم الخمرُ عن قتلِ النَّفُوسِ، وسَبْيِ الذُّرِّيَّةِ، وأخذِ الأموالِ فدعهم". (٣)
стр. 50
الثالث: أن لا يُنكرَ العاميُّ إلاَّ في الأمورِ الجَلِيَّةِ الظَّاهرةِ التي لا تحتاجُ إلى اجتهادٍ .
وقد أوضح النَّووي ﵀ هذا بقولِه: " إنَّما يأمرُ وينهى من كان عالماً بما يأمرُ به وينهى عنه، وذلك يختلِفُ باختلافِ الشيء، فإن كان من الواجباتِ الظَّاهرةِ والمُحرَّماتِ المشْهورةِ؛ كالصَّلاةِ والصِّيامِ والزنا والخَمْرِ ونحوها، فكُلُّ المسلمين علماءُ بها، وإنْ كان من دقائقِ الأفعالِ والأقوالِ، وممَّا يتعلَّقُ بالاجتهادِ لم يكن للعوامِ مدْخلٌ فيه، ولا لهم إنكارُه؛ بل ذلك للعلماء". (١) وإنَّما اشْتُرِطَ ذلك في العاميِّ؛ لأنَّه قد يُوقِعُه جهلُه في الأمرِ بالمُنكرِ، والنَّهي عن المعروفِ وهو لا يدري، والله تعالى يقولُ: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف ١٠٨] ، فمِنْ أينَ له البصيرةُ في دقائقِ العلمِ وهو عاميٌ جاهلٌ (٢) ؟!.
стр. 51
الرابع: أن لا يؤدِّي إنكارُه إلى ضررٍ مُتعدٍ على غيرِه ؛ كالأهلِ أو عمومِ المسلمين.
стр. 52
نعم؛ قد ذكرَ العلماء أنَّه إن أدَّى تغييرُك للمُنْكرِ إلى الإضرارِ بغيرِك من المسلمين، فإنَّه يَحْرُمُ عليك التَّغييرُ حينئذٍ، يقول الغزالي ﵀ مُبيناً ذلك: " فإن كان يَتَعدَّى الأذى من حُسْبَتِه إلى أقاربِه وجيرانِه فليتركها، فإنَّ إيذاءَ المسلمين محذورٌ، كما أنَّ السُّكُوتَ على المُنكرِ محذورٌ، نعم إنْ كان لا ينالُهم أذى في مالٍ أو نفسٍ، ولكن ينالهم الأذَى بالشَّتْمِ والسَّبِّ، فهذا فيه نظرٌ، ويختلفُ الأمرُ فيه بدرجاتِ المُنْكَرِ في تفاحُشِها، ودرجاتِ الكلامِ المحذورِ في نكايتِه في القلبِ وقَدْحِه في العِرْضِ". (١) وكذا قول السيوطي ﵀: " ومنها الأمرُ بالمعروفِ والنَّهي عن المُنكرِ، ولا يختصُّ بأربابِ الولاياتِ، ولا بالعَدْلِ، ولا بالحُرِّ، ولا بالبالغِ، ولا يسقطُ بِظَنِّ أنَّه لا يُفِيدُ أو علم ذلك عادةً، ما لم يَخَفْ على نفسِه، أو مالِه، أو على غيرِه مفسدةً أعظم من ضررِ المُنْكرِ الواقعِ". (٢) فقد اشترط ﵀ لسقوطِ التَّغييرِ: أن يكون الضَّررُ المُتَوقَّعُ وُقُوعه على نفسِه، أو مالِه، أو غيرِه أعظم من ضررِ المُنْكرِ المُرَادِ تغييره ... فتأمل.
стр. 53
ومن ناحيةٍ أُخرى فإنَّه على افْتِراضٍ: أنَّ كُلَّ تغييرٍ باليدِّ سَيُؤدِّي إلى إلحاقِ الضَّررِ بالغيرِ هو افتراضٌ غيرُ صحيحٍ بالمَرَّةِ، وهذه نقطةٌ تَتَعلَّقُ بالواقعِ، ومن مَارَسَ هذه الأمورَ، وتَعَرَّضَ للإيذاءِ في سبيل الله هو أقْدَرُ من غيرِه على معرفةِ إلْحاقِ الضَّررِ بغيرِه عند التَّغيير، فكان الأولى أن يُناطَ معرفةُ تحقيقِ الضَّررِ بأهلِ الخبرةِ في ذلك، فهم أعلمُ بمعرِفةِ أهلِ الزَّمانِ والمكانِ وما فيهما من مُنكراتٍ، لذا كانوا أدرى بما يُتَوقَّعُ حُدُوثُه من ضَرَرٍ، أو عدمِه، كما قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ".
стр. 54
تنبيهات:
وقبل الخروجِ من هذا البحثِ المُهمِّ؛ كان من المُناسبِ أن نقفَ مع بعضِ الأخطاءِ التي لم يفتأ يتناقلها أهلُها بين الحين والآخرِ دون علمٍ أو حُجَّةٍ، لذا نجدهم يستدلُّون ببعضِ الآياتِ في غيرِ محلِّها، مثل:
الأولى: قولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة ١٠٥] ، ويقصدون بهذه الآية: أنَّ الإنسانَ عليه أن يستقيم في نَفْسِه، فإذا فعلَ ذلك فلا شأنَ له بالآخرين.
стр. 55
قلتُ: هذا فهمٌ خاطئٌ ولا شك؛ وقد كفانا مؤونةَ الرَّدِّ على هؤلاء أبو بكرٍ الصديق ﵁ حيث قال: «يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية، وتضعونها على غير مواضعها: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ ) ، وإنَّما سمعنا النبيَّ ﷺ يقول: "إنَّ النَّاسَ إذا رَأوْا الظَّالمَ، فلم يأخُذُوا على يَدِهِ، أوْشَكَ أنْ يَعُمَّهُم الله بعقابٍ» (١) أحمد، وأبو داود. والمقصود من ذلك؛ أنَّ المؤمنين إذا قاموا بواجبهم في "الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكرِ" فإنَّهم يكونون قد اهْتَدَوْا، وبعد ذلك لا يَضُرُّهم ضَلالُ مَنْ ضَلَّ، قال ابن تيميةَ: " وإنَّما يَتِمُّ الاهتداءُ إذا أُطيعَ الله، وأُدِّي الواجبُ من الأمرِ والنَّهي وغيرهما". (٢)
стр. 56
الثانية: قولُه تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة ١٩٥] ، ويقولون في هذه الآية: إنَّ تغييرَ المنكرِ باليدِّ لا سيما هذه الأيام يُؤَدِّي إلى إيذاءِ مَنْ يَقُومُون به؛ كسجنِهم، أو ضربِهم، أو التَّشهيرِ بهم في وسائلِ الإعلام ... الخ، وعليه فإنَّ تغييرَ المُنكرِ يعتبرُ إلقاءً باليدِّ إلى التَّهْلُكةِ.
стр. 57
قلتُ: إنَّ الاستدلالَ بهذه الآية على هذا المسلكِ، يُعتبرُ مسلكاً خطيراً، وفَهْماً سقيماً، يوم تنكَّبَ كثيرٌ من الناسِ التَّأويلَ الصحيح لهذه الآية عند السَّلفِ الصالحِ، أمَّا إن سألتَ عن معناها الصحيح فقد كفانا فيها الصحابيُّ أبو أيوبَ الأنصاري ﵁: فعن أسلم أبي عمران التَّجيبي قال: «كنَّا بمدينةِ الرُّومِ فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنَ المسلمين على صَفِّ الرُّومِ حتى دَخَلَ فيهم، فَصَاحَ النَّاسُ، وقالوا: سبحان الله يُلْقي بيدِه إلى التَّهلُكةِ!، فقامَ أبو أيُّوبَ فقال: يا أيها النَّاسَ إنَّكم تَتَأوَّلون هذه الآية هذا التَّأويل، وإنَّما أُنْزِلت هذه الآية فِينا مَعْشَرَ الأنصارِ، لَمَّا أعَزَّ الله الإسلامَ، وكَثُرَ ناصِرُوه، فقال بعضُنا لبعضٍ سِرا دون رسولِ الله ﷺ : إنَّ أموالَنا قد ضاعت، وإنَّ الله قد أعزَّ الإسلامَ وكَثُرَ ناصِرُوه، فلو أقَمْنا في أموالِنا فأصلحنا ما ضَاعَ منها، فأنزلَ الله على نَبِيِّه ﷺ ، يَرُدُّ علينا ما قلنا: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ فكانت التَّهلكةُ
стр. 58
الإقامةَ على الأموالِ، وإصلاحها، وتركنا الغَزْوَ، فما زالَ أبو أيُّوبَ شاخصاً حتى دُفِنَ بأرضِ الرُّوم» . (١) أبو داود، والترمذي.
فقد ظهرَ من هذا البيانِ أنَّ الإلقاءَ باليدِّ إلى التهلكةِ: هو تَرْكُ الإنفاقِ، وتَرْكُ العملِ لدين الله جلَّ وعلا، وإيثارُ الأهلِ والأموالِ على طاعةِ اللهِ والجهادِ في سبيلِه؛ أي عكس ما يَفْهَمُه هؤلاء!.
стр. 59
المسألةُ الثانية: هل الأصلُ في الإنكارِ العلانيةُ أم السِّرُّ ؟!.
لا شكَّ أنَّ الأصْلَ في أهلِ المعاصي بعمومٍ هو: السِّترُ، وإخْفاءُ ذُنُوبهم، كما دلَّتْ على ذلك النُّصوصُ الشرعيةُ.
ومن ذلك قولُه ﷺ : «إنَّ الله سِتِّيرٌ يُحِبُّ السِّتْرَ» (١) أحمد، وأبو داود.
وقوله ﷺ : «لا يَسْتُرُ عبدٌ عبدا في الدُّنيا، إلاَّ سَتَرَه الله يومَ القِيامةِ» (٢) مسلم.
وكذا قال أحدُ الوُزراء لبعضِ مَنْ يأمُرُ بالمعروفِ: " اجتهدْ أن تَستُرَ العُصاةَ، فإنَّ ظُهُور معاصيهم عَيْبٌ في أهلِ الإسلامِ، وأولى الأمُورِ سِتْرُ العُيُوب". (٣)
وفي ما ذكرناه هنا من الأدلَّةِ الشَّرعيَّةِ: دليلٌ على التَّرغيبِ الشَّديدِ في السِّترِ على المسلمين، وعدمِ إظهارِ عِيُوبهم.
وكذا فليُعلمْ أنَّ ما قرَّرناه هنا: من سَتْرِ عيُوبِ أهلِ المعاصي؛ ليس على إطلاقِه، كما دلَّت عليه الأدلَّةُ الشرعيةُ، وأقوالُ أهلِ العلمِ.
стр. 60
فأدلَّةُ السِّترِ هنا وغيره محمُولةٌ على أهلِ المعاصي الذين لم يُجاهروا بذُنُوبهم، ولم يكْشِفوا سِتْرَ الله عليهم، ولم يَلْقُوا جِلبابَ الحياءِ، أمَّا من جاهرَ بذنبِه فهذا ليس مِمَّن دلَّتْ الأدلَّةُ الشَّريعةُ على سَتْرِه، ولا ممَّن يَتَشَوَّف الشَّارعُ الحكيمُ على غضِّ الطَّرفِ عن عِيُوبِه.
والحالةُ هذه؛ فكلُّ من أبدى لنا صَفْحتَه، وجاهرَ بمعاصيه بين المسلمين؛ فليس لنا إلاَّ أن نكشفَ أمرَه، ونُظْهرَ حقيقَتَه؛ عُقُوبةً له، وزجراً لغيرِه ... كما دلَّت عليه مَقاصدُ الشَّريعةِ، وأقوالُ أهلِ العلمِ سلفاً وخلفاً.
يقولُ الإمامُ أحمد ﵀:" الناسُ يَحتاجون إلى مُداراةٍ، ورِفْقٍ في الأمرِ بالمعروفِ، بلا غِلْظةٍ، إلاَّ رجُلاً مُبايناً، مُعلناً بالفسْقِ والرَّدى، فيجبُ عليك نهيُهُ وإعلامُهُ؛ لأنَّه يُقالُ: ليس لِفاسقٍ حُرمةٌ، فهذا لا حُرْمةَ له". (١)
стр. 61
قال النَّووي ﵀ عند شرحِه لحديث «من سترَ مُسلما ستره الله» ... ) : " وأمَّا السِّترُ المندوب إليه هنا، فالمراد به الستر على ذوي الهيئاتِ (أهل السُّؤددِ والفَضْلِ الذين لا يُعْرَفُون بالشَّرِ والفسادِ) ونحوهم، ممَّن ليس معروفاً بالأذى والفسادِ، فأمَّا المعرُوفُ بذلك فيُستحبُّ ألاَّ يُستَرَ عليه؛ تُرفعُ قضيَّتُه إلى وليِّ الأمرِ، إن لم يُخَفْ من ذلك مفسدةً، لأنَّ السِّترَ على هذا يُطْمِعُهُ في الإيذاءِ والفسادِ، وانتهاكِ الحُرُمات، وجَسارةُ غيرِه على مثلِ فِعْلِه، وهذا كلُّه في سِترِ معصيةٍ وقعت وانقضت.
أمَّا معصيةٌ رآه عليها وهو بَعْدُ مُتَلبِّسٌ بها، فتجبُ المُبادرةُ بإنكارِها عليه، ومنعه منها على مَنْ قَدِرَ على ذلك، ولا يحلُّ تأخيرها، فإن عَجِزَ لزِمه رفعها إلى وليِّ الأمرِ، إذا لم يترتَّبْ على ذلك مفسدةٌ.
وأمَّا جرحُ الرُّواةِ والشُّهودِ والأُمناءِ على الصَّدقاتِ والأوقافِ والأيتامِ ونحوهم، فيجبُ جرحُهم عند الحاجةِ، ولا يحلُّ السترُ عليهم إذا رأى منهم ما يقدحُ في أهليَّتِهم، وليس هذا من الغيبَةِ المُحرَّمةِ؛ بل من النَّصيحةِ الواجبةِ، وهذا مُجمعٌ عليه.
стр. 62
قال العلماءُ في القسمِ الأوَّلِ الذي يُسترُ فيه: هذا السِّترُ مندوبٌ، فلو رفعه إلى السُّلطان ونحوه لم يأثمْ بالإجماعِ، لكنَّ هذا خلاف الأولى ... ". (١)
وقد نبَّه الإمامُ النَّوويُّ أيضاً على هذه المسألةِ في (رياضِ الصَّالحين) تحت: باب ما يُباحُ من الغِيبةِ، فقال بعد سَرْدِه الأسباب التي تُبيحُ إظهارِ المستور: " ... الخامس: أن يكون مُجاهراً بِفسْقِه أو بدعتِه، كالمُجاهرِ بِشُرْبِ الخمْرِ ... ". (٢)
وقال ابنُ رجبٍ الحنبلي ﵀ عند شرحِه لحديث «من ستر مُسلما ستره الله» ... ) : " واعلم أنَّ الناسَ على ضربين:
أحدهما: من كان مستوراً لا يُعرفُ بشيءٍ من المعاصي، فإذا وقعت منه هَفْوةٌ أو زلَّةٌ فإنَّه لا يجوزُ كشفُها ولا هتكُها، ولا التَّحدُّثُ بها ...
والثاني: من كان مشهوراً بالمعاصي مُعلناً بها، لا يُبالي بما ارتكبَ منها، ولا بما قيلَ له، فهذا هو الفاجرُ المُعْلنُ، وليس له غيبةٌ، كما نصَّ على ذلك الحسنُ البَصْريُّ وغيرُه.
стр. 63
ومثلُ هذا لا بأسَ بالبحثِ عن أمرِه لِتُقام عليه الحدودُ، صرَّح بذلك بعضُ أصحابِنا، واستدلَّ بقولِ النبي ﷺ : «واغْدُ يا أُنيسٍ على امْرأةِ هذا، فإنِ اعترفتْ فارجُمها» . (١)
ومثلُ هذا لا يُشفعُ له إذا أُخِذَ، ولو لم يَبْلُغْ السُّلطان، بل يُترك حتى يُقام عليه الحدُّ لِيَنْكفَّ شرُّه، ويرتد به أمثالُه". (٢)
وكذا قال ابن حجرٍ ﵀ " قال العلماءُ: تُباحُ الغِيبةُ في كلِّ غرضٍ صحيحٍ شرعا، حيثُ يتعيَّنُ طريقاً للوصولِ إليه بها، كالتَّظلُّمِ، والاستعانةِ على تغيرِ المُنكرِ ... - ثمَّّ قال - وممَّن تجوزُ غيبتُهم من يَتجاهرُ بالفسْقِ أو الظُّلمِ، أو البدعةِ". (٣)
стр. 64
وهذا أيضاً الحافظُ أبو العباس أحمد القُرطُبي، يقولُ في شرحِه لحديث (السِّتر) : " هذا حضٌّ على سِتْرِ مَنْ سَتَرَ نفسَه، ولم تَدْعُ الحاجةُ الدِّينيَّةُ إلى كشفِه، فأمَّا من اشتُهِرَ بالمعاصي، ولم يُبالِ بفعلِها، ولم يَنْتَهِ عمَّا نُهِي عنه، فواجبٌ رفعُه للإمامِ، وتنكيلُه، وإشهارُه للأنامِ ليرتدِعَ بذلك أمثالُه، وكذلك من تدعو الحاجةُ إلى كشفِ حالِهم من الشُّهودِ المجْرَّوحين، فيجبُ أن يُكشفَ منهم ما يقتضي تجريحهم، ويحرُمُ سترهم مخافة تغيير الشَّرعِ وإبطالِ الحقوق". (١) وهناك كثيرٌ من أقوالِ أهل العلمِ الدَّالةِ على تقريرِ ما ذكرناه، غير أننا تجاوزنا ذكرها رغبةً للاختصارِ.
ثمَّ اعلم أخي المسلم؛ أنَّ كشفَ ذنُوبِ المُجاهرين، وعدمِ سترِ معاصيهم ليس مختصٌّ بحياتِهم!؛ بل يتعدَّاهُ إلى موتِهم عياذاً بالله، وما ذاك إلاَّ تحذيراً منهم ومِنْ مَعَاصيهم، وردعاً لغيرهم مِنْ أمثالِهم.
وعلى هذا نقولُ: إذا ظَهَرَ لغاسلِهم شرٌ أن يُظْهرَه، ولا يَسْتُرَه ليرتدعَ غيرُهم، ويعتبرَ مقلِّدُوهم.
стр. 65
قال صاحب "الكشاف"، وغيره: " وعلى غاسلٍ سَترُ شَرٍّ رآه؛ لأنَّ في إظهارِه إذاعةً للفاحشة ... ثمَّ قال: " قال جمعٌ مُحَقِّقُون: إلاَّ على مَشْهُورٍ ببدعةٍ، أو فُجُورٍ ونحوِه كَكَذِبٍ، فَيُسنُّ إظهارُ شَرِّه، وسِتْرُ خيرِه ليرتدِعَ نظيرُه " (١) .
وقال المرداوي: " وقال جماعةٌ من الأصحاب: إن كان الميتُ معروفاً ببدعةٍ، أو قلةِ دينٍ، أو فجورٍ ونحوه؛ فلا بأس بإظهارِ الشَّرِّ عنه، وسترِ الخيرِ عنه لتجتنبَ طريقتُه" (٢) .
وقال ابنُ مُفلحٍ: " وقال جماعةٌ: إلاَّ مشهورٌ بفجورٍ، أو بدعةٍ فَيُسْتحَبُّ ظُهُورُ شَرِّه، وسَتْرُ خيرِه". (٣)
وبنحوه قال العثيمين ﵀ في صاحب البدعة: " ومن رأى على وجهِهِ مَكْرُوهاً، فإنَّه ينبغي أن يُبيِّنَ ذلك حتى يَحذرَ الناسُ من دعوتِه إلى البدعةِ؛ لأن الناسَ إذا علموا أنَّ خاتمتَه على هذه الحالِ؛ فإنهم ينفرون من منهجِه وطريقِه، وهذا القولُ لا شك أنه قولٌ جيدٌ وحسنٌ؛ لما فيه من درءِ المفسدةِ التي تحصلُ باتباع هذا المبتدع الداعية " (٤) .
стр. 66
وما ذكره شيخنا العثيمين هنا قائمٌ في حقِّ المجاهرِ بالكبائرِ؛ لما فيه من درءِ المفسدةِ التي تحصلُ باتِّبَاعِ هذا العاصي الذي خلعَ ثوبَ الحياء، وانبعثَ في فُجُورِه وسُفُورِه دون مُبَالاةٍ لعموم المسلمين، أو ارتداعٍ من ولي أمرِ المؤمنين! .
تنبيهٌ: وبعد ما قرَّرناه هنا: مِنْ أنَّ الأصلَ في المسلمين سترُ عيُوبِهم، وإخفاءُ معاصيهم، إلاَّ ما كان مُجاهراً منهم بذنبِه، فهؤلاءِ لا يُسترُ لهم ذنباً، ولا يُشفعُ لهم؛ لأنَّهم مُفْسدون مُتطاولون على أحكامِ الشَّرعِ، فكان في كشفِهم عُقُوبةً لهم وزجراً لغيرهم.
وبعد أن تقرَّرَ لنا هذا الأصلُ؛ نَجدُ بعضاً من المُنتسبين إلى قبيلِ العلمِ مَنْ يعترضُ بقولِه: إنَّنا إذا سلَّمنا بعُمُومِ هذا (الأصلِ) في المُجَاهرين بالكبائرِ ونحوها؛ إلاَّ أنَّه مُقيَّدٌ بِذِي الهيئاتِ من المسلمين، لقوله ﷺ : «أَقِيلُوا ذَوِي الهيئاتِ عَثَراتِهم» (١) أحمد، وأبو داود، فظاهرُ الحديثِ: عدمُ كشفِ ذُنُوبِ أهلِ الشَّرفِ والجَاهِ بين الناس، وسِتْرُهم عند اقترافِهم المعاصي.
стр. 67
قلتُ إنَّ الجواب على هذا الحديثِ ليس كما ذهبَ إليه هذا المُعترضُ؛ بل معنى الحديث هو: عدمُ كشفِ ذُنُوبِ أهلِ الشَّرفِ والفضلِ بين الناسِ ممَّن ظهرَ لنا خيرُهم وبِرُّهم، وكان شرُّهم ومُنْكَرُهم مستوراً.
يقولُ ابن القيم ﵀: قولُه ﷺ «أَقِيلُوا ذَوِي الهيئاتِ عَثَراتِهم إلاَّ الحُدُود» قال ابنُ عقيلٍ: المُرادُ بهم الذين دامت طاعاتُهم وعدالتُهم، فزَلَّت في بعضِ الأحايين أقدامُه بورطةٍ.
قلتُ (ابنُ القيم) : ليس ما ذكره بالبيَّنِ، فإنَّ النبي ﷺ لا يُعبِّرُ عن أهلِ التَّقوى والطَّاعةِ والعبادةِ بأنَّهم ذووا الهيئاتِ ولا عُهِدَ بهذه العبارةِ في كلامِ الله ورسولِه للمُطيعين المتَّقين.
стр. 68
والظاهرُ أنَّهم ذوو الأقدارِ بين النَّاسِ من الجاهِ، والشَّرفِ، والسُّؤدد، فإنَّ الله تعالى خصَّهُم بنوعِ تكريمٍ وتفضيلٍ على بني جنسِهم، فمن كان منهم مستوراً مشهوراً بالخيرِ، حتى كَبَا به جوادُه، ونبا عَضَبُ صبْرِه، وأُديلَ عليه شيطانُه، فلا تُسارع إلى تأنيبِه وعقُوبتِه؛ بل تُقالُ عَثْرتُه، ما لم يكن حداً من حدودِ الله، فإنَّه ينبغي استيفاؤه من الشَّريف ... الخ". (١)
وكذا قال ابنُ الأثيرِ ﵀: " ذوو الهيئات: هم الذين لا يُعرفون بالشَّرِ، فيزلُّ أحدُهم الزَّلَّة". (٢)
وبعد هذا؛ كان من الحكمةِ والبيانِ أن نستُرَ ذَوِي الهيئاتِ من أهلِ الشِّرفِ والفضلِ ممَّن اشْتُهِرَ خيرُهم، وخُفيَ شرُّهم، وألا نكشِفَ سترهم، ونَعجَلَ في عُقُوبتِهم لعمومِ المصلحةِ العائدةِ لهم وللمسلمين، وهذا بعد تَحقُّقِ أربعةِ شروطٍ:
الأوَّلُ: أن يكونوا من ذوي الهيئات.
الثاني: أن يُشْتهرَ بين النَّاسِ خيرُهم وصلاحُهم.
الثَّالثُ: ألاَّ يكونوا من المُجاهرين بمعاصيهم.
الرَّابعُ: ألاَّ يكونَ ذنبُهم في حدٍّ من حُدُودِ الله ما لم تُرفع للسُّلطان.
стр. 69
وبعد هذا؛ كان علينا أن نُدركَ معنى الحديثِ على الوَجْهِ الشَّرعي الصَّحيحِ، وألاَّ نخلِطَ بين معنىً وآخر، فمن كان من ذوي الهيئاتِ إلاَّ أنَّه لم يكنْ من أهلِ الخيرِ والصَّلاحِ، مع اشتهارِه بالشَّرِ والفسادِ فحرامٌ علينا والحالةُ هذه أن نستُرَه أيَّاً كان حالُه أميراً كان أو سفيراً أو نحوهم مع مُراعاةِ المصلحةِ الشَّرعيَّةِ في ذلك، فإن كان في إشهارِه وإظهارِ أمْرِه مصلحةٌ شرعيَّةٌ وجبَ ذلك، وإن كان في ذلك فسادٌ ظاهرٌ فستْرُه حينئذٍ أسلم، لا إعمالاً بالحديثِ النَّبوي؛ لأنَّه ليس دليلاً في محلِّ النِّزاعِ؛ بل من بابِ تحقيقِ قاعدة " درءُ المفاسدِ مُقدَّمٌ على جلبِ المصالح". والله المُوَفِّق والهادي إلى سواءِ السَّبيل.
стр. 70
قلتُ: لاشكَّ أنَّ الإنكارَ ما هو إلاَّ وسيلةٌ شرعيَّةٌ، فإذا عُلِمَ هذا كان له حُكمُ المقاصِدِ؛ لأجلِ هذا كان من الخطأ البيِّنِ أن نُصْدِرَ حُكماً عاماً مُطَّرِداً: بأنَّ الأصلَ في الإنكارِ السِّرُّ أو العلانيةُ!، لذا كان من تحقيقِ المقاصدِ الشَّرعيةِ أن تُناطَ المسألةُ بذاتِ المُنكرِ القائمِ سراً أو علانيةً، فإذا كان المُنكرُ سِراً كان الإنكارُ سِراً، وما كان علانيةً كان الإنكارُ علانيةً، وعند هذا يكون الأصلُ حينئذٍ في الإنكارِ بحسبِه سِراً أو علانيةً.
لذا؛ فإنَّ المُنكراتِ التي يُتَعرَّضُ لها بالإنكارِ هي المُنكراتُ الظَّاهرةُ المُعْلَنةُ، أمَّا المُنكراتُ الباطنةُ فإنَّ أمْرَها مَوْكُولٌ إلى صاحبِها، وإذا ظَهَرتِ المُنكراتُ التي أنكرتْها الشَّريعةُ وَجَبَ إنكارُها بقطعِ النَّظرِ عن سَرِيرَةِ صاحبِها أو نِيَّتِه فيها، فعند ذلك لا يجوزُ إعلانُ البدعِ والمنكراتِ، أو ما هو مُخالفٌ للشرع؛ فإذا أُعْلِنت وجبَ إنكارُها علانيةً، وعُقُوبةُ مُعْلِنها علانيةً أيَّاً كان، كلُّ هذا حفاظاً على شرائعِ الإسلامِ، وهذا ما عليه أهل العلم كافَّةً.
стр. 71
لذا كان من الخطأ البيَّنِ أن نخلِطَ بين هذه المفاهيمِ الشَّرعيَّةِ في تحقيقِ شعيرةِ "الأمرِ بالمعروفِ والنَّهي عن المُنكر"!. ولقائلٍ يقول: إنَّ الأصلَ في المسلمين سِتْرُ عُيُوبِهم!، قلتُ: لا شكَّ في ذلك، وهذا ليس على عمومِه بل يُستثنى منه من كان مُجاهراً بفسقِه، مُعْلِناً بمعاصيه، فهذا ليس له من السِّترِ شيءٌ؛ بل يجبُ الإنكارُ عليه، سِراً أو علانيةً، قوَّةً أو ضعفاً؛ حتى يعُودَ إلى قافلةِ التَّائبين، مُتدثِّراً بجلبابِ الحياءِ بين المسلمين، مُتزَمِّلاً باحترامِ شعائرِ الدِّين.
وحاصلُ ما هنالك: أنَّ المُنكرَ إذا كان مَسْتوراً فمصيبتُه على صاحبِه خاصةً، فإذا أظْهرَه صاحبُه كان ضرَرُه عاماً، فمن ابْتُليَ بفعلِ المعاصي سِراً فَعَلِمَ شخصٌ مِنَ أمْرِه ما عَلِمَ، فنصحَه سِراً وسَترَ عليه فلم يَنْتهِ، وَجَبَ على النَّاهي أن يفعلَ ما يَنْكَفُّ به المنكرُ من الهجرِ، أو غيره إذا كان ذلك أنفعُ في الدِّين، أمَّا إذا أظْهَرَ المُنْكَرَ فإنَّه يَجِبُ الإنكارُ عليه علانيةً. (١)
стр. 72
إنَّ هذا المسائلَ في غيرِها من المسائلِ المُهمَّةِ (المُسْتجدَّة) سوف نثني عنها القلمَ هنا، خشيةَ الإطالة التي ستُخْرِجُنا عن شرطِنا، في حين أنَّنا سنقوم إن شاء الله بجمعها وبحثها في كتابِ مُستقلٍ بعنوان (فقه المنكر بين السَّلف والخلف) (١) ، واللهَ أسألُ أن يُيسِّر إتمامَه!.
والحمدُ لله ربِّ العالمين، والصَّلاةُ على عبدِه ورسولِه الأمين.
كتبه: ذيادُ بنُ سَعَدٍ آل حمدانَ الغَامِدي
الطائف