← Общие книги

Общие книги · id 1979

قصة البشرية

محمد بن إبراهيم الحمد

Полный текст (113 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه. أما بعد: فإن السعادة هدف منشود، ومطلب مُلِح، وغاية مبتغاة. وكل إنسان يعيش على وجه الأرض يسعى لإسعاد نفسه، وطرد الهم عنها. ولقد حرص الكتاب، والمفكرون، والفلاسفة، والأدباء، والأطباء على البحث في أسباب جلب السعادة، وطرد الهم؛ ولكل وجهة هو موليها، وقد علم كل أناس مشربهم. ومع ذلك فإن السعادة التي يصل إليها أكثرهم سعادة مبتورة، أو ناقصة، أو وهمية أشبه ما تكون بالمخدر يتناوله متعاطيه، فيشعر بنشوة أول وهلة، حتى إذا ذهب أثره رجعت إليه الأحزان أضعافاً مضاعفة. والسبب أن أولئك يغفلون أصل الأصول في جلب السعادة الحقة، ألا وهو الإيمان بالله فذلك سر السعادة وطريقها الأقوم؛ فلا يجد السعادة الحقة الدائمة إلا من آمن بالله، واهتدى بهداه؛ فهناك يسعد في دنياه وأخراه.

стр. 2

وهذا الكتاب (١) الذي بين يديك يدعوك إلى السعادة العظمى؛ لأنه يهديك إلى الإيمان بربك الذي خلقك، ويدلك على الاعتقاد الحق الذي يؤيده عقلك السليم، وفطرتك السوية، والذي تعرف من خلاله بداية خلق الإنسان ونهايته، والحكمة من إيجاده، وغير ذلك مما ستجده في الصفحات التالية. فهذا الكتاب يعرفك بدين الإسلام الذي ختم الله به الأديان، وارتضاه لجميع عباده، وأمرهم بالدخول فيه. وسيتضح لك من خلاله عظمة هذا الدين، وصحة ما جاء به، وصلاحه لكل زمان، ومكان، وأمة. وإذا أردت التفصيل بعد ذلك فما عليك إلا أن تبحث بنفسك، وأن تسأل عما يشكل عليك؛ فالإسلام دين مفتوح لا يغلق في وجه أحد، ولا يضيق بالأسئلة مهما كثرت وتنوعت؛ فلكل سؤال في دين الإسلام جواب، ولكل قضية حكم. فإلى موضوعات الكتاب، والله المستعان، وعليه التكلان، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. محمد بن إبراهيم الحمد الزلفي ١١٩٣٢ - ص. ب: ٤٦٠ ٥ / ٤ / ١٤١٢٠ هـ.

стр. 3

قصة البشرية تبدأ قصة البشرية منذ أن خلق الله أبا البشر آدم ﵇ حيث خلقه الله بيده الكريمة من طين، ونفخ فيه من روحه، وعَلَّمَهُ أسماء الأشياء كلها من الطيور، والدواب، وغير ذلك، وأمر الملائكة أن يسجدوا لآدم؛ زيادة في التكريم والتشريف؛ فسجدوا كلهم إلا إبليس أبى واستكبر، فأهبطه الله من ملكوت السماوات، وأخرجه ذليلا مدحورا، وقضى عليه باللعنة، والشقاء، والنار. وبعد ذلك سأل إبليس ربَّه أن يُنظِرَه إلى يوم القيامة، فقال الله: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ فقال إبليس: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ﴿إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ ، وقال: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ فقال الله ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾

стр. 4

فأخرجه الله من الجنة، وأعطاه القدرة على الوسوسة والإغواء، وأمهله إلى يوم القيامة؛ ليزداد إثما، فتعظم عقوبته، ويتضاعف عذابه، وليجعله الله محكا يتميز به الخبيث من الطيب. ثم بعد ذلك خلق الله من آدم زوجه حواء؛ ليسكن إليها، ويأنس بها، وأمرهما أن يسكنا دار النعيم الجنة التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وأخبرهما بعداوة إبليس لهما، ونهاهما عن الأكل من شجرة من أشجار الجنة؛ ابتلاءاً وامتحاناً؛ فوسوس لهما الشيطان، وزين لهما الأكل من تلك الشجرة، وأقسم لهما أنه لهما من الناصحين، وقال: ((إن أكلتما من هذا الشجرة كنتما من الخالدين)) فلم يزل بهما حتى أغواهما، فأكلا من الشجرة، وعصيا ربهما؛ فندما على ما فعلا أشد الندم، وتابا إلى ربهما، فتاب عليهما، واجتباهما، لكنه أهبطهما من الجنة دار النعيم إلى الدنيا دار النصب والتعب، وسكن آدم الأرض، ورزقه الله الذرية التي تكاثرت، وتشعبت إلى يومنا الحاضر، ثم توفاه الله، وأدخله الجنة. ومنذ أن أهبط الله آدم وزوجته إلى الأرض والعداوة قائمة مستمرة بين بني آدم من جهة، وبين إبليس وذريته من جهة.

стр. 5

ومنذ ذلك الحين وإبليس وذريته في صراع دائم مع بني آدم؛ لصدهم عن الهدى، وحرمانهم من الخير، وتزيين الشر لهم، وإبعادهم عما يرضي الله؛ حرصا على شقائهم في الدنيا، ودخولهم النار في الآخرة. ولكن الله لم يخلق خلقه سدى، ولم يتركهم هملا، بل أرسل إليهم الرسل الذين يبينون لهم عبادة ربهم، وينيروا لهم دروب الحياة، ويوصلوهم إلى سعادة الدنيا والآخرة، فأخبر - سبحانه - الجن والإنس أنه إذا أتاكم مني كتاب، أو رسول يهديكم لما يقربكم مني، ويدنيكم من مرضاتي فاتبعوه؛ لأن من اتبع هدى الله، وآمن بكتبه ورسله، وما جاء في الكتب، وما أمرت به الرسل فإنه لا يخاف، ولا يضل، ولا يشقى، بل تحصل له السعادة في الدنيا والآخرة. وهكذا بدأت قصة البشرية، فعاش آدم ومن بعده ذريته عشرة قرون وهم على طاعة الله، وتوحيده، ثم حصل الشرك، وعُبِد غير الله مع الله؛ فبعث الله أول رسله وهو نوح ﵇ يدعو الناس إلى عبادة الله، ونبذ الشرك.

стр. 6

ثم تتابع الأنبياء والرسل من بعده على اختلاف بينهم في الأزمنة، والأمكنة، وبعض الشرائع، وتفاصيلها مع الاتفاق في الأصل وهو الدعوة إلى الإسلام، وعبادة الله وحده، ونبذ ما يعبد من دونه. إلى أن جاء إبراهيم ﵇ فدعا قومه إلى ترك عبادة الأصنام وإفراد الله بالعبادة، ثم كانت النبوة في ذريته من بعده في إسماعيل وإسحاق ثم كانت في ذرية إسحاق. ومن أعظم الأنبياء من ذرية إسحاق، يعقوب، ويوسف، وموسى، وداود، وسليمان، وعيسى ﵈. ولم يكن بعد عيسى نبي من بني إسرائيل. وبعد ذلك انتقلت النبوة إلى فرع إسماعيل؛ فكان أن اصطفى الله محمدا ﷺ ليكون خاتما للأنبياء، والمرسلين، ولتكون رسالته هي الخاتمة، وكتابه الذي أنزل إليه وهو القرآن هو رسالة الله الأخيرة للبشرية. ولهذا جاءت رسالته شاملة، كاملة، عامة للإنس والجن، العرب وغير العرب، صالحة لكل زمان، ومكان، وأمة وحال؛ فلا خير إلا دلت عليه، ولا شر إلا حذرت منه، ولا يقبل الله من أحد دينا سوى ما جاء به محمد ﷺ .

стр. 7

١- دعوة إبراهيم، وبشرى عيسى ﵉ ورؤيا أمه آمنة: يقول النبي ﷺ عن نفسه: «أنا دعوة إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور أضاءت له بصرى من أرض الشام» ومعنى الحديث أن النبي ﷺ يقول: أنا مصداق دعوة إبراهيم الخليل ﵇ لأن إبراهيم لما كان يرفع القواعد من الكعبة في مكة ومعه ابنه إسماعيل كان يقول - كما أخبرنا الله عنه في القرآن -: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ . فاستجاب الله دعوة إبراهيم وإسماعيل فكان النبي الخاتم محمدا ﵊ من ذريتهما.

стр. 8

أما قوله: «وبشرى عيسى» فإن نبي الله عيسى ﵇ قد بشر بالنبي محمد ﷺ كما أخبر الله عنه في القرآن فقال: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ فعيسى ﵇ هو آخر نبي من أنبياء بني إسرائيل، وليس بينه وبين محمد ﷺ نبي. فعيسى بَشَّر بنبي يأتي من بعده اسمه أحمد، وأحمد من أسماء النبي محمد ﷺ . أما رؤيا أمه فقد رأت رؤيا صادقة؛ ذلك أن أمه لما أخذها المخاض، فوضعته تَمَثَّل لعينيها ذلك النور الذي أضاءت له بصرى من أرض الشام.

стр. 9

٢- كون النبي ﷺ خرج في أمة العرب: تلك الأمة التي فُضِّلَتْ على غيرها من الأمم أنذاك، حتى استعدت لهذا الإصلاح الروحي المدني العام، الذي اشتمل عليه دين الإسلام، بالرغم مما طرأ عليها من الأمية، وعبادة الأصنام، وما أحدثت فيها غلبة البداوة من التفرق والانقسام. ومع ذلك فقد كانت أمة العرب متميزة باستقلال الفكر، وسعة الحرية الشخصية، في الوقت الذي كانت الأمم الأخرى ترسف في عبودية الرياستين الدينية والدنيوية، محظورا عليها أن تفهم غير ما يلقنها الكهنة، ورجال الدين من الأحكام الدينية، أو أن تخالفهم في مسألة عقلية، أو كونية، كما حظرت عليها التصرفات المدنية والمالية. وكانت أمة العرب - أيضا - متميزة باستقلال الإرادة في جميع الأعمال أيام كانت الأمم مُذَلَّلَةً مُسَخَّرة للملوك والنبلاء، المالكين للرقاب والأموال بحيث يستخدمونهم كما يستخدمون البهائم؛ فلا رأي لهم في سلم، ولا حرب، ولا إرادة لها دونهم في عمل ولا كسب.

стр. 10

وكانت أمة العرب ممتازة بعزة النفس، وشدة البأس، وقوة الأبدان والقلوب، أيام كانت الأمم مؤلفة من رؤساء أفسدهم الإسراف والترف، ومرؤوسين أضعفهم البؤس والشظف، وسادة أبطرهم بغي الاستبداد، ومُسَوَّدين أذلَّهم قَهْرُ الاستعباد. وكانت أمة العرب أقرب إلى العدل بين الأفراد، وكانت ممتازة بالذكاء، وكثير من الفضائل الموروثة والمكتسبة كإكرام الضيف، وإغاثة الملهوف، والنجدة، والإباء، وعلو الهمة، والسخاء، والرحمة، وحماية اللاجىء، وحرمة الجار - أيام كانت الأمم مرهقة بالأثرة، والأنانية، والأنين من ثقل الضرائب والأتاوى الأميرية. وكانت أمة العرب قد بلغت أوج الكمال في فصاحة اللسان، وبلاغة المقال مما جعلها مستعدة للتأثر، والتأثير بالبراهين العقلية، والمعاني الخطابية، والشعرية، وللتعبير عن جميع العلوم الإلهية والشرعية، والفنون العقلية، والكونية - أيام كانت الأمم الأخرى تنفصم عرى وحدتها بالتعصبات الدينية والمذهبية، والعداوات العرقية. وأعظم مزية امتاز بها العرب أنهم كانوا أسلم الناس فطرة بالرغم من أن أمم الحضارة كانت أرقى منهم في كل فن وصناعة.

стр. 11

والإصلاح الإسلامي مبني على تقديم إصلاح النفس باستقلال العقل، والإرادة، وتهذيب الأخلاق على إصلاح ما في الأرض من معدن، ونبات، وحيوان. وبهذا كان الله يعد هذه الأمة للإصلاح العظيم الذي جاء به محمد ﷺ .

стр. 12

٣- شرف النسب: فقد كان نسبه ﵊ أشرف الأنساب، وأصرحها. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ فالله اصطفى هؤلاء إذ جعل فيهم النبوة والهداية للمتقدمين، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفى من بني هاشم سيد ولد آدم محمدا ﷺ فكان آل إسماعيل أفضل الأولين والآخرين، كما كان بنو إسحاق أفضل المتوسطين. أما اصطفاء الله لقبيلة قريش فقد كان بما آتاهم الله من المناقب العظام، ولا سيما بعد سُكنى مكة، وخدمة المسجد الحرام؛ إذ كانوا أصرح ولد إسماعيل أنسابا، وأشرفهم أحسابا، وأعلاهم آدابا، وأفصحهم ألسنة، وهم الممهدون لجمع الكلمة. أما اصطفاء الله لبني هاشم فقد كان لما امتازوا به من الفضائل والمكارم؛ فكانوا أصلح الناس عند الفتن، وخيرهم لمسكين ويتيم. وإنما أطلق لقب هاشم على عَمْرو بن عبد مناف؛ لأنه أول من هشم الثريد - وهو طعام لذيذ - للذين أصابهم القحط، وكان يشبع منه كلَّ عامٍ أهلُ الموسم كافة، ومائدته منصوبة لا ترفع في السراء ولا في الضراء.

стр. 13

وزاد على هاشمٍ ولَدُه عبدُ المطلب جدُّ الرسول ﷺ فكان يطعم الوحش، وطير السماء، وكان أول من تعبد بغار حراء، وروي أنه حرم الخمر على نفسه. وبالجملة فقد امتاز آل النبي ﷺ على سائر قومه بالأخلاق العلية، والفواضل العملية، والفضائل النفسية. ثم اصطفى الله محمدا ﷺ من بني هاشم؛ فكان خير ولد آدم، وسيدهم.

стр. 14

٤ - بلوغه ﷺ الذروة في مكارم الأخلاق: فقد جبله الله على كريم الخلال، وحميد الخصال، فكان قبل النبوة أرقى قومه، بل أرقى البشرية في زكاء نفسه، وسلامة فطرته، وحسن خلقه. نشأ يتيما شريفا، وشب فقيرا عفيفا، ثم تزوج محبا لزوجته مخلصا لها. لم يتولَّ هو ولا والده شيئا من أعمال قريش في دينها ولا دنياها، ولا كان يعبد عبادتهم، ولا يحضر سامرهم، ولا ندواتهم، ولم يؤثر عنه قول ولا عمل يدل على حب الرياسة، أو التطلع إليها. كان يُعرفُ بالتزام الصدق، والأمانة، وعلو الآداب؛ فبذلك كان له المقام الأرفع قبل النبوة؛ حتى لقبوه بالأمين. وعلى هذه الحال كان ﷺ حتى بلغ أشده، واستوى، وكملت في جسده الطاهر، ونفسه الزكية جميع القوى، لا طمع في مال، ولا سمعة، ولا تطلع إلى جاه ولا شهرة، حتى أتاه الوحي من رب العالمين - كما سيأتي بيانه بعد قليل -.

стр. 15

٥- كونه ﷺ أميا لا يقرأ ولا يكتب: فهذا من أعظم المهيئات والدلائل على صدق نبوته؛ فهذا الرجل الأمي الذي لم يقرأ كتابا، ولم يكتب سطرا، ولم يقل شعرا، ولم يرتجل نثرا، الناشئ في تلك الأمة الأمية - يأتي بدعوة عظيمة، وبشريعة سماوية عادلة تستأصل الفوضى الاجتماعية، وتكفل لمعتنقيها السعادة الإنسانية الأبدية، وتعتقهم من رق العبودية لغير ربهم - جل وعلا -. كل ذلك من مهيئات النبوة، ومن دلائل صدقها.

стр. 16

ثانيا: نبذة عن نسبه، وحياته: هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، بن عبد مناف، بن قصي، بن حكيم، بن مرة، بن كعب، بن لؤي، بن غالب، بن فهر، بن مالك، بن النضر، بن كنانة، بن خزيمة، بن مدركة، بن إلياس، بن مضر، بن نزار، بن معد، بن عدنان، وعدنان من العرب، والعرب من ذرية إسماعيل بن إبراهيم ﵇. وأم النبي ﷺ هي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، وزهرة أخو جد النبي ﷺ . وقد تزوج بها عبد الله والد النبي ﷺ وأقام معها في بيت أهلها ثلاثة أيام، فلم تلبث أن حملت بالنبي ﷺ ولم تجد في حمله ثقلا، ولا وحما كما هو شأن المحصنات الصحيحات الأجسام. وقد رأت أمه رؤيا لما حملت به، وقد مر ذكر الرؤيا في كلام سابق. وقد ولدته أمه سوي الخلق، جميل الصورة، صحيح الجسم، وكانت ولادته عام الفيل الموافق للحادي والسبعين بعد الخمسمائة للميلاد. وقد توفي والده وهو حمل في بطن أمه، فكفله جده عبد المطلب، وأرضعته أمه ثلاثة أيام ثم عهد جده بإرضاعه إلى امرأة يقال لها حليمة السعدية.

стр. 17

وكان من عادة العرب أن يسترضعوا لأولادهم في البوادي؛ حيث تتوافر أسباب النشأة البدنية السليمة. ولقد رأت حليمة السعدية من أمر هذا الرضيع عجباً، ومن ذلك أنها أتت مع زوجها إلى مكة على أتان هزيلة بطيئة السير، وفي طريق العودة من مكة، وهي تضع الرضيع في حجرها كانت الأتان تعدو عَدْوَا سريعا، وتُخَلف وراءها كل الدواب؛ مما جعل رفاق الطريق كلهم يتعجبون. وتحدث حليمة بأن ثديها لم يكن يدر شيئا من الحليب، وأن طفلها الرضيع كان دائم البكاء من شدة الجوع، فلما ألقمت الثدي رسول الله ﷺ در غزيرا، فأصبحت ترضعه وترضع طفلها حتى يشبعا. وتحدث حليمة عن جدب أرض قومها ديار بني سعد، فلما حظيت بشرف رضاعة هذا الطفل أنتجت أرضها، وماشيتها، وتَبَدَّلت حالها من بؤس وفقر، إلى هناء ويسر. وبعد سنتين عادت به حليمة إلى أمه وجده في مكة، لكن حليمة ألحت على أمه أن توافق على بقائه عندها مرة ثانية؛ لما رأت من بركته عليها؛ فوافقت أمه آمنة، فعادت حليمة بالطفل مرة أخرى إلى ديارها والفرحة تملأ قلبها.

стр. 18

وبعد سنتين عادت به حليمة إلى أمه، وعمره آنذاك أربع سنوات، فحضنته أمه إلى أن توفيت، وكان له من العمر ست سنين، فكفله جده عبد المطلب سنتين ثم توفي، فأوصى به إلى ابنه أبا طالب عم النبي ﷺ فحاطه بعنايته كما يحوط أهله وولده. إلا أنه كان لفقره يعيش عيش الشظف؛ فلم يتعود ﷺ نعيم الترف. ولعل ذلك من عناية الله بهذا النبي الكريم. وكان ﷺ قد ألف رعي الغنم مع إخوانه من الرضاع لما كان في بادية بني سعد، فصار يرعى الغنم لأهل مكة؛ فيوفر على عمه أبي طالب بما يأخذه على ذلك من الأجر. ثم سافر مع عمه أبي طالب في تجارة إلى الشام، وله من العمر اثنتا عشرة سنة، وشهران، وعشرة أيام، وهناك رآه بحيرا الراهب، وبشر به عمه أبا طالب، وحذره من اليهود عليه بعد أن رأى خاتم النبوة بين كتفيه. ثم إنه سافر مرة أخرى مُتَّجرا بمالٍ لخديجة بنت خويلد، فأعطته أفضل مما كانت تعطي غيره؛ إذ جاءت تلك التجارة بأرباح مضاعفة، بل جاءت بسعادة الدنيا والآخرة.

стр. 19

وكانت خديجة هذه أعقل وأكمل امرأة في قريش، حتى كانت تدعى في الجاهلية: الطاهرة؛ لما لها من الصيانة، والعفة، والفضائل الظاهرة. ولما حدثها غلامها ميسرة بما رأى من النبي ﷺ في رحلته معه إلى الشام، من الأخلاق العالية، والفضائل السامية، وما قاله بحيرا الراهب لعمه أبي طالب في رحلته الأولى إلى الشام - تعلقت رغبتها به، وبأن تتخذه زوجا لها، وكانت قد تزوجت من قبل، وتوفي عنها زوجها؛ فتم ذلك الزواج الميمون، وكان عمره آنذاك خمسة وعشرين سنة، وعمرها قريبا من أربعين سنة. ولم يتزوج عليها طيلة حياتها، ولا أحب مثلها، وتوفيت بعد البعثة النبوية بعشر سنين، فكان كثيرًا ما يذكرها، ويتصدق عنها، ويهدي لصاحباتها، وهي الزوجة التي رزق منها جميع أبنائه عدا إبراهيم فإنه من زوجته ماريا القبطية. هذه بعض أخباره وسيرته قبل النبوة، وبدء الوحي على سبيل الإجمال.

стр. 20

ثالثا: بدء الوحي: بلغ النبي ﷺ أشده وقَرُب من الأربعين، واكتملت قواه العقلية والبدنية، وكان أول ما بدأ به من الوحي الرؤيا الصالحة، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح واضحة كما رآها في منامه. ثم بعد ذلك حُبِبَ إليه الخلاء، فكان يخلو بنفسه في غار حراء في مكة، فيتعبد الله الليالي ذوات العدد، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود بالطعام والشراب، حتى جاءه الحق، وهو على هذا الشأن بنزول القرآن عليه في شهر رمضان، وذلك بأن تمثل له المَلَكُ جبريل، ولقنه عن ربه أول ما نزل من القرآن، فقال: ﴿اقرأ﴾ فقال ((ما أنا بقارىء)) فقال له: ﴿اقرأ﴾ فقال: ((ما أنا بقارىء)) فقال: ﴿اقرأ﴾ فقال: ((ما أنا بقارىء)) وكان جبريل بعد كل جواب من الأجوبة الثلاثة يضمه على صدره، ويعصره حتى يبلغ منه الجهد. ولما تركه جبريل في المرة الثالثة ألقى عليه أول آيات أنزلت من القرآن، وهي: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾

стр. 21

بهذه الآيات العظيمة التي تأمر بالعلم، وتبين بداية خلق الإنسان - بدأ نزول الوحي على النبي ﷺ فرجع النبي إلى خديجة - يرجف فؤاده، ولكنه حفظ رشاده، فقال: «زملوني، زملوني» يعني لففوني بالثياب، ففعلوا، حتى إذا ذهب عنه الروع أخبر خديجة الخبر وقال: «لقد خشيت على نفسي» فقالت خديجة ﵂: ((كلا والله لا يخزيك الله أبدا؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقوي الضعيف، وتعين على نوائب الحق)) وهكذا استدلت هذه المرأة العاقلة على أن من كان هذا شأنه في محبة الخير للناس فلن يخذله الله؛ فسنة الله تقتضي بأن الجزاء من جنس العمل. ثم انطلقت بعد ذلك خديجة بالنبي ﷺ حتى أتت ابن عمها ورقة بن نوفل، وكان قد تنصر في الجاهلية، ويكتب الإنجيل بالعبرانية، وكان شيخاً كبيراً قد عمي، فقالت خديجة له: اسمع من محمد ما يقول، فقال ورقة يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره ﷺ خبر ما رأى، فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، ياليتني فيها جذعاً، أي شاباً، ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك.

стр. 22

فقال له الرسول ﷺ : ((أو مخرجي هم؟)) قال: نعم؛ لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا، ثم توفي ورقة، وفتر الوحي. واستمرت فترة الوحي ثلاث سنين، قوي فيها استعداد النبي، واشتد شوقه وحنينه. قال ﷺ : «بينما أنا أمشي سمعت صوتا من السماء، فرفعت بصري، فإذا الملك الذي جاءني في حراء» . وذكر أنه رعب منه، ولكن ذلك دون الرعبة الأولى، فرجع إلى أهله فتزمل، وتدثر (أي تغطى بالثياب) . ثم أنزل الله عليه قوله - تعالى -: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ أي قم يا أيها الذي تدثر بثيابه، فأنذر الناس بالقرآن، وبلغهم دعوة الله، وطهر ثيابك من أدران الشرك، واهجر الأصنام.

стр. 23

ثم حمي الوحي بعد ذلك، وتتابع، وبلَّغ ﷺ دعوة ربه، حيث أمره وأوحى إليه بأن يدعو الناس إلى عباده وحده، وإلى دين الإسلام الذي ارتضاه الله، وختم به الأديان؛ فقام النبي ﷺ يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن. فاستجاب له أو من استجاب له خديجة من النساء، وأبو بكر الصديق من الرجال، وعلى بن أبي طالب من الصبيان، ثم توالى دخول الناس في دين الله، فاشتد عليه أذى المشركين، وأخرجوه من مكة، وآذوا أصحابه أشد الأذى، فهاجر إلى المدينة، وتتابع عليه نزول الوحي، واستمر في دعوته، وجهاده، وفتوحاته، حتى عاد إلى مكة ظافرا فاتحا. وبعد ذلك أكمل الله له الدين وأقر عينه بعز الإسلام وظهور المسلمين، ثم توفاه الله وعمره ثلاث وستون سنة، أربعون منها قبل النبوة، وثلاث وعشرون نبيا رسولا. وبه ختم الله الرسالات السماوية، وأوجب طاعته على الجن والإنس؛ فمن أطاعه سعد في الدنيا، ودخل الجنة في الآخرة، ومن عصاه شقي في الدنيا، ودخل النار في الآخرة.

стр. 24

وبعدما توفاه الله تابع أصحابه مسيرته، وبلغوا دعوته، وفتحوا البلدان بالإسلام، ونشروا الدين الحق حتى بلغ ما بلغ الليل والنهار. ودينه ﵊ باق إلى يوم القيامة؛ فما القول في أمي نشأ بين أميين، قام بذلك الإصلاح الذي تغير به تاريخ البشر أجمعين، في الشرائع، والسياسات، وسائر أمور الدنيا والدين؟ وامتد مع لغته في قرن واحد من الحجاز إلى آخر حدود أوربا وأفريقيا من الغرب، وإلى حدود الصين من جهة الشرق حتى خضعت له الأمم، ودالت له الدول، وأقبلت إليه الأرواح قبل الأشباح، وكانت تتبعه في كل فتوحه الحضارة والمدنية، والعدل والرحمة، والعلوم العقلية والكونية على أيدي تلك الأمة الحديثة العهد بالأمية، التي زكاها القرآن، وعلمها أن إصلاح الإنسان يتبعه إصلاح الأكوان؛ فهل يمكن أن يكون هذا إلا بوحي من لدن حكيم عليم، وتأييد سماوي من الإله العزيز القدير الرحيم؟

стр. 25

شهادة فيلسوف نصراني على صدق رسالة النبي ﷺ كل عاقل منصف لا يسعه إلا التصديق برسالة النبي ﷺ ذلك أن الأمارات الكثيرة شاهدة ناطقة. ولا ريب أن شهادة المخالف لها مكانتها؛ فالفضل-كما قيل-ما شهدت به الأعداء. وفيما يلي شهادة للفيلسوف الإنجليزي الشهير " توماس كارليل " حيث قال في كتابه (الأبطال) كلاما طويلا عن النبي ﷺ يخاطب به قومه النصارى، ومن ذلك قوله: ((لقد أصبح من أكبر العار على أي فرد متحدث هذا العصر أن يصغي إلى ما يقال من أن دين الإسلام كذب، وأن محمدا خدّاع مزوِّر. وإن لنا أن نحارب ما يشاع من مثل هذه الأقوال السخيفة المخجلة، فإن الرسالة التي أداها ذلك الرسول مازالت السراج المنير مدة اثني عشر قرنا لنحو مائتي مليون من الناس، أفكان أحدكم يظن أن هذه الرسالة التي عاش بها ومات عليها هذه الملايين الفائقة الحصر والإحصاء أكذوبةٌ وخدعة؟!

стр. 26

أما أنا فلا أستطيع أن أرى هذا الرأي أبدا، ولو أن الكذب، والغش يروجان عند خلق الله هذا الرواج، ويصادفان منهم مثل هذه القبول، فما الناس إلا بُلْهٌ مجانين، فوا أسفا! ما أسوأ هذا الزعم، وما أضعف أهله، وأحقهم بالرثاء والرحمة. وبعد، فعلى من أراد أن يبلغ منزلة ما في علوم الكائنات أن لا يصدّق شيئا البتة من أقوال أولئك السفهاء؛ فإنها نتائج جيل كفر، وعصر جحود وإلحاد، وهي دليل على خبث القلوب، وفساد الضمائر، وموت الأرواح في حياة الأبدان. ولعل العالم لم ير قط رأياً أكفر من هذا وألأم، وهل رأيتم قط معشر الإخوان، أن رجلاً كاذباً يستطيع أن يوجد ديناً؟ وينشرها علناً؟ والله إن الرجل الكاذب لا يقدر أن يبني بيتاً من الطوب، فهو إذا لم يكن عليماً بخصائص الجير، والجص، والتراب، وما شاكل ذلك- فما ذلك الذي يبنيه ببيت، وإنما هو تل من الأنفاق، وكثيب من أخلاط المواد، نعم، وليس جديرا أن يبقى على دعائمه اثني عشر قرنا يسكنه مائتا مليون من الأنفس، ولكنه جدير أن تنهار أركانه، فينهدم؛ فكأنه لم يكن))

стр. 27

إلى أن قال: ((وعلى ذلك فلسنا نعد محمدا هذا قط رجلا كاذبا متصنعا، يتذرع بالحيل، والوسائل إلى بغيته، ويطمح إلى درجة ملك أو سلطان، أو إلى ذلك من الحقائر. وما الرسالة التي أداها إلا حق صراح، وما كلمته إلا قول صادق، صادر من العالم المجهول. كلا، ما محمد بالكاذب، ولا المُلفِّق، وإنما هو قطعة من الحياة قد تفطر عنها قلب الطبيعة؛ فإذا هي شهاب قد أضاء العالم أجمع، ذلك أمر الله، و (( ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ )) . وهذه حقيقة تدفع كل باطل، وتدحض حجة القوم الكافرين. ثم لا ننسى شيئا آخر، وهو أنه لم يتلق دروسا على أستاذ أبدا، وكانت صناعة الخط حديثة العهد إذ ذاك في بلاد العرب-وعجيب وأيم الله أمية العرب- ولم يقتبس محمد من نور أي إنسان آخر، ولم يغترف من مناهل غيره، ولم يكن إلا كجميع أشباهه من الأنبياء والعظماء، أولئك الذين أشبِّههم بالمصابيح الهادية في ظلمات الدهور.

стр. 28

وقد رأيناه طول حياته راسخ المبدإ، صادق العزم بعيدا، كريما، برا، رؤوفا، تقيا، فاضلا، حرا، رجلا، شديد الجد، مخلصا، وهو مع ذلك سهل الجانب، ليِّن العريكة، جم البشر والطلاقة، حميد العشرة، حلو الإيناس، بل ربما مازح وداعب، وكان على العموم تضيء وجهه ابتسامةٌ مشرقة من فؤاد صادق؛ لأن من الناس من تكون ابتسامته كاذبة ككذب أعماله وأقواله)) إلى أن قال: ((كان عادلا، صادق النية، كان ذكي اللب، شهم الفؤاد، لوذعيا كأنما بين جنبيه مصابيح كل ليلٍ بهيم، ممتلئا نورا، رجلا عظيما بفطرته، لم تثقفه مدرسة، ولا هذبه معلم، وهو غني عن ذلك. ويزعم المتعصبون من النصارى، والملحدين أن محمدا لم يكن يريد بقيامه إلا الشهرة الشخصية، ومفاخر الجاه والسلطان.

стр. 29

كلا -وأيم الله- لقد كان في فؤاد ذلك الرجل ابن القفار والفلوات، المتوقد المقلتين، العظيم النفس، المملوء رحمة وخيرا وحكمة، وحِجى-أفكار غير الطمع الدنيوي، ونوايا خلاف طلب السلطة والجاه، وكيف لا، وتلك نفس صامتهٌ كبيرة، ورجل من الذين لا يمكنهم إلا أن يكون مخلصين جادين؛ فبينما ترى آخرين يرضون الاصطلاحات الكاذبة، ويسيرون طبق الاعتبارات الباطلة إذ ترى محمدا لم يرض أن يتلفع بمألوف الأكاذيب، ويتوشح بمبتدع الأباطيل. لقد كان منفردا بنفسه العظيمة، وبحقائق الأمور والكائنات، لقد كان سر الوجود يسطع لعينيه-كما قلت- بأهواله، ومخاوفه، وروانقه، ومباهره، ولم يكن هناك من الأباطيل ما يحجب ذلك عنه، فكان لسان حال ذلك السر الهائل يناجيه: ها أنا ذا، فمثل هذا الإخلاص لا يخلو من معنى إلهي مقدس، وما كلمة مثل هذا الرجل إلا صوت خارج من صميم قلب الطبيعة، فإذا تكلم فكل الآذان برغمها صاغية، وكل القلوب واعية، وكل كلام ماعدا ذلك هباء، وكل قول جفاء)) إلى أن قال: ((إذا فلنضرب صفحا عن مذهب الجائرين أن محمدا كاذب، ونعد موافقتهم عارا، وسبة، وسخافة، وحمقا؛ فلنربأ بأنفسنا عنه))

стр. 30

إلى أن قال: ((وإن دينا آمن به أولئك العرب الوثنيون، وأمسكوه بقلوبهم النارية لجدير أن يكون حقا، وجدير أن يصدق به. وإنما أودع هذا الدين من القواعد هو الشيء الوحيد الذي للإنسان أن يؤمن به. وهذا الشيء هو روح جميع الأديان، وروح تلبس أثوابا مختلفة، وأثوابا متعددة، وهي في الحقيقة شيء واحد، وباتباع هذه الروح يصبح الإنسان إماما كبيرا لهذا المعبد الأكبر-الكون- جاريا على قواعد الخالق، تابعا لقوانينه، لا مجادلا عبثا أن يقاومها ويدافعها. لقد جاء الإسلام على تلك الملل الكاذبة، والنحل الباطلة، فابتلعها، وحق له أن يبتلعها؛ لأنه حقيقة خارجة من قلب الطبيعة، وما كان يظهر الإسلام حتى احترقت فيه وثنيات العرب، وجدليات النصرانية، وكل ما لم يكن بحق؛ فإنها حطب ميت، أكلته نار الإسلام، والنار لم تذهب)) إلى أن قال: ((أيزعم الأفاكون الجهلة أنه مشعوذ ومحتال؟ كلا، ثم كلا، ما كان قط ذلك القلب المحتدم الجائش كأنه تنور فكر يضور ويتأجج-ليكون قلب محتال ومشعوذ، لقد كانت حياته في نظره حقا، وهذا الكون حقيقة رائعة كبيرة)) .

стр. 31

إلى أن قال: ((مثل هذه الأقوال، وهذه الأفعال ترينا في محمد أخ الإنسانية الرحيم، أخانا جميعا الرؤوف الشفيق، وابن أمنا الأولى، وأبينا الأول. وإنني لأحب محمدا لبرائة طبعه من الرياء والتصنع، ولقد كان ابن القفار رجلا مستقل الرأي، لا يقول إلا عن نفسه، ولا يدّعي ما ليس فيه، ولم يك متكبرا، ولكنه لم يكن ذليلا ضرعا، يخاطب بقوله الحرِّ المبينِ قياصرةَ الرومِ وأكاسرةَ العجمِ، يرشدهم إلى ما يجب عليهم لهذه الحياة، وللحياة الآخرة، وكان يعرف لنفسه قدرها، ولم تخل الحروب الشديدة التي وقعت له مع الأعراب من مشاهد قوة ولكنها كذلك لم تخل من دلائل رحمة وكرم وغفران، وكان محمد لا يعتذر من الأول، ولا يفتخر بالثانية)) إلى أن قال: ((وما كان محمد بعابث قط، ولا شَابَ شيئا من قوله شائبةُ لعب ولهو، بل كان الأمر عنده أمر خسران وفلاح، ومسألة فناء وبقاء، ولم يك منه بإزائها إلا الإخلاص الشديد، والجد المرير. فأما التلاعب بالأقوال، والقضايا المنطقية، والعبث بالحقائق، -فما كان من شأنه قط، وذلك عندي أفظع الجرائم؛ إذ ليس هو إلا رقدة القلب، ووسن العين عن الحق، وعيشة المرء في مظاهر كاذبة.

стр. 32

وفي الإسلام خلة أراها من أشرف الخلال وأجلها، وهي التسوية بين الناس، وهذا يدل على أصدق النظر وأصوب الرأي؛ فنفس المؤمن رابطة بجميع دول الأرض، والناس في الإسلام سواء)) إلى أن قال: ((وسع نوره الأنحاء، وعم ضوؤه الأرجاء، وعقد شعاعه الشمال بالجنوب، والمشرق بالمغرب، وما هو إلا قرن بعد هذا الحادث حتى أصبح لدولة العرب رجل في الهند، ورجل في الأندلس، وأشرقت دولة الإسلام حقباً عديدة، ودهورا مديدة بنور الفضل والنبل، والمروءة، والباس، والنجدة ورونق الحق والهدى على نصف المعمورة))

стр. 33

من خصائص دين الإسلام الإسلام دين الفطرة، ودين السلام والأمان، والبشرية لن تجد الراحة، ولن تحقق السعادة إلا بالأخذ بالإسلام، وتطبيقه في شتى الشؤون. ومما يؤكد عظمة دين الإسلام، ما يتميز به من خصائص لا توجد في غيره من المذاهب والأديان. ومن تلك الخصائص التي تثبت تميز الإسلام، ومدى حاجة الناس إليه ما يلي: ١- أنه جاء من عند الله: والله أعلم بما يصلح عباده، قال - تعالى -: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ٢- أنه يبين بداية الإنسان، ونهايته، والغاية التي خلق من أجلها. قال - تعالى -: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا﴾ وقال: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ وقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ٣- أنه دين الفطرة: فلا يتنافى معها قال - تعالى -: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ .

стр. 34

٤- أنه يعتني بالعقل ويأمر بالتفكر: ويذم الجهل، والتقليد الأعمى، والغفلة عن التفكير السليم، قال - تعالى -: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ . وقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ . ٥- الإسلام عقيدة وشريعة: فهو كامل في عقيدته وشرائعه؛ فليس دينا فكريا فحسب، أو خاطرة تمر بالذهن، بل هو كامل في كل شيء، مشتمل على العقائد الصحيحة، والمعاملات الحكيمة، والأخلاق الجميلة، والسلوك المنضبط؛ فهو دين فرد وجماعة، ودين آخرة وأولى. ٦- أنه يعتني بالعواطف الإنسانية: ويوجهها الوجهة الصحيحة التي تجعلها أداة خير وتعمير. ٧- أنه دين العدل: سواء مع العدو، أو الصديق، أو القريب، أو البعيد.

стр. 35

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ ، وقال: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ ، وقال: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ٨- الإسلام دين الإخوة الصادقة: فالمسلمون إخوة في الدين، لا تفرقهم البلاد، ولا الجنس، ولا اللون، فلا طبقية في الإسلام، ولا عنصرية، ولا عصبية لجنس أو لون أو عرق، ومعيار التفاضل في الإسلام إنما يكون بالتقوى. ٩- الإسلام دين العلم: فالعلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، والعلم يرفع صاحبه إلى أعلى الدرجات، قال - تعالى -: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ .

стр. 36

١٠- أن الله تكفل لمن أخذ بالإسلام وطبقه بالسعادة، والعزة، والنصرة فردا كان أم جماعة: قال - تعالى -: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ وقال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ . ١١- في الإسلام حل لجميع المشكلات: لاشتمال شريعته وأصولها على أحكام ما لا يتناهى من الوقائع. ١٢- أن شريعته أحكم ما تساس به الأمم: وأصلح ما يقضى به عند التباس المصالح، أو التنازع في الحقوق. ١٣- الإسلام دين صالح لكل زمان ومكان، وأمة وحال، بل لا تصلح الدنيا بغيره: ولهذا كلما تقدمت العصور، وترقت الأمم ظهر برهان جديد على صحة الإسلام، ورفعة شأنه.

стр. 37

١٤- الإسلام دين المحبة، والاجتماع، والألفة، والرحمة: قال النبي ﷺ : «مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» وقال: «الراحمون يرحمهم الرحمن؛ ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» . ١٥- الإسلام دين الحزم والجد والعمل: قال النبي ﷺ : «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، واحرص على ما ينفعك ولا تعجز. وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا وكذا لكان كذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل» . ١٦- الإسلام أبعد ما يكون عن التناقض: قال - تعالى -: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ . ١٧- أنه يحمي معتنقيه من الفوضى والضياع والتخبط، ويكفل لهم الراحة النفسية والفكرية. ١٨- الإسلام واضح ميسور، وسهل الفهم لكل أحد. ١٩- الإسلام دين مفتوح لا يغلق في وجه من يريد الدخول فيه. ٢٠- الإسلام يرتقي بالعقول، والعلوم، والنفوس، والأخلاق: فأهله المتمسكون به حق التمسك هم خير الناس، وأعقل الناس، وأزكى الناس.

стр. 38

٢١- الإسلام يدعو إلى حسن الأخلاق والأعمال: قال - تعالى -: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ وقال: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ . ٢٢- الإسلام يحفظ العقول: ولهذا حرم الخمر، والمخدرات، وكل ما يؤدي إلى فساد العقل. ٢٣- الإسلام يحفظ الأموال: ولهذا حث على الأمانة، وأثنى على أهلها، ووعدهم بطيب العيش، ودخول الجنة، وحرم السرقة، وتوعد فاعلها بالعقوبة، وشرع حد السرقة وهو قطع يد السارق؛ حتى لا يتجرأ أحد على سرقة الأموال؛ فإذا لم يرتدع خوفا من عقاب الآخرة ارتدع خوفا من قطع اليد. ولهذا يعيش أهل البلاد التي تطبق حدود الشرع آمنين على أموالهم، بل إن قطع اليد قليل جدا؛ لقلة من يسرق. ثم إن قطع يد السارق فيه حكمة الزجر للسارق من معاودة السرقة، وردع أمثاله عن الإقدام عليها، وهكذا تحفظ الأموال في الإسلام. ٢٤- الإسلام يحفظ الأنفس: ولهذا حرم قتل النفس بغير الحق، وعاقب قاتل النفس بغير الحق بأن يقتل.

стр. 39

ولأجل ذلك يقل القتل في بلاد المسلمين التي تطبق شرع الله؛ فإذا علم الإنسان أنه إذا قتل شخصا سيقتل به كف عن القتل، وارتاح الناس من شر المقاتلات. ٢٥-الإسلام يحفظ الصحة: فالإشارات إلى هذا المعنى كثيرة جدا سواء في القرآن أو السنة النبوية. قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ قال العلماء: إن هذه الآية جمعت الطب كله؛ ذلك أن الاعتدال في الأكل والشرب من أعظم أسباب حفظ الصحة. ومن الإشارات لحفظ الصحة أن الإسلام حرم الخمر، ولا يخفى ما في الخمر من أضرار صحية كثيرة، فهي تضعف القلب، وتفري الكلى، وتمزق الكبد إلى غير ذلك من أضرارها المتنوعة. ومن ذلك أن الإسلام حرّم الفواحش من زنًا ولواط، ولا يخفى ما فيهما من الأضرار الكثيرة ومنها الأضرار الصحية التي عرفت أكثر ما عُرِفَت في هذا العصر من زهري، وسيلان، وهربس، وإيدز ونحوها. ومن حفظ الإسلام للصحة أنه حرّم لحم الخنزير، الذي عرف الآن أنه يولّد في الجسم أدواءَ كثيرة، ومن أخصِّها الدورة الوحيدة، والشعرة الحلزونية، وعملهما في الإنسان شديد، وكثيرا ما يكونان السبب في موته.

стр. 40

ومن الإشارات في هذا الصدد ما عرف من أسرار الوضوء، وأنه يمنع من أمراض الأسنان، والأنف، بل هو من أهم الموانع للسل الرئوي؛ إذ قال بعض الأطباء: إن أهم طريق لهذا المرض الفتاك هو الأنف، وإن أنوفا تغسل خمس عشرة مرة لجديرة بأن لا تبقى فيها جراثيم هذا الداء الوبيل، ولذا كان هذا المرض في المسلمين قليلا وفي الإفرنج كثيرا. والسبب أن المسلمين يتوضؤون للصلاة خمس مرات في اليوم، وفي كل وضوء يغسل المسلم أنفه مرة أو مرتين أو ثلاثا. ٢٦-يتفق مع الحقائق العلمية: ولهذا لا يمكن أن تتعارض الحقائق العلمية الصحيحة مع النصوص الشرعية الصحيحة الصريحة. وإذا ظهر في الواقع ما ظاهره المعارضة فإما أن يكون الواقع مجرد دعوى لا حقيقة لها، وإما أن يكون النص غير صريح في معارضته؛ لأن النص وحقائق العلم كلاهما قطعي، ولا يمكن تعارض القطعيَّين.
следующие страницы →