← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

هذا الحديث كما جاء مبينًا في «الصحيح»، فكيف يقدم على قول رسول الله ﷺ ؟! وأما قولكم: لو كان الحد أو القصاص فيما دون النفس لم يُعِذه الحرم منه، فهذه المسألة فيها قولان للعلماء، وهما روايتان منصوصتان عن الإمام أحمد، فمن منع الاستيفاء نظر إلى عموم الأدلة العاصمة بالنسبة إلى النفس وما دونها، ومن فرَّق قال: سَفْك الدم إنما ينصرف إلى القتل، ولا يلزم من تحريمه في الحرم تحريمُ ما دونه، لأن حرمة النفس أعظمُ والانتهاك بالقتل أشد. قالوا: ولأن الحد بالجلد والقطع (١) يجري مجرى التأديب، فلم يُمنَع منه كتأديب السيد عبدَه. وظاهر المذهب (٢) أنه لا فرق بين النفس وما دونها في ذلك؛ قال أبو بكر (٣): هذه مسألة وجدتها لحنبلٍ عن عمِّه: أن الحدود كلها تقام في الحرم إلا القتل، قال: والعمل على أن كلَّ جانٍ دخل الحرم لم يُقَم عليه الحد حتى يخرج منه. قالوا: وحينئذ فنجيبكم بالجواب المركب، وهو أنه إن كان بين النفس وما دونها في ذلك فرق مؤثِّر بطل الإلزام، وإن لم يكن بينهما فرق مؤثِّر سوَّينا بينهما في الحكم وبطل الاعتراض؛ فتحقَّقَ بطلانُه على التقديرين.

стр. 1927

قالوا: وأما قولكم: إن الحرم لا يعيذ من انتهك فيه الحرمة إذا (١) أتى فيه ما يوجب الحد فكذلك اللاجئ إليه، فهو جمع بين ما فرق الله ورسوله والصحابة بينهما؛ فروى الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق (٢)، حدثنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: «من سرق أو قتل في الحل ثم دخل الحرم فإنه لا يجالَس ولا يكلَّم ولا يُؤوى (٣) حتى يخرج فيؤخذَ فيقامَ عليه الحد، وإن قتل أو سرق في الحرم أقيم عليه في الحرم». وذكر الأثرم (٤) عن ابن عباس أيضًا: «من أحدث حدثًا في الحرم أقيم عليه ما أحدث فيه من شيء». وقد أمر الله سبحانه بقتل من قاتل في الحرم فقال: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]. والفرق بين اللَّاجئ والمُنتهِك فيه من وجوه:

стр. 1928

أحدها: أن الجاني فيه هاتك لحرمته بإقدامه على الجناية فيه، بخلاف مَن جنى خارجه ثم لجأ إليه، فإنه معظِّم لحرمته مستشعر بها بالتجائه إليه، فقياس أحدهما على الآخر باطل. الثاني: أن الجاني فيه بمنزلة المفسد الجاني على بِساط المَلِك في داره وحرمه، ومن جنى خارجه ثم لجأ إليه فإنه بمنزلة من جنى خارج بساط السلطان وحرمه ثم دخل إلى حرمه مستجيرًا. الثالث: أن الجاني في الحرم قد انتهك حرمة الله سبحانه وحرمةَ بيته وحرمه، فهو منتهك (١) لحُرمتَين بخلاف غيره. الرابع: أنه لو لم يُقَم الحدُّ على الجُناة في الحرم لعمَّ الفساد وعَظُم الشر في حرم الله، فإن أهل الحرم كغيرهم في الحاجة إلى صيانة نفوسهم وأموالهم وأعراضهم، ولو لم يُشرَع الحدُّ في حق من ارتكب الجرائم في الحرم لتعطَّلت حدود الله وعمَّ الضرر للحرم وأهله. الخامس: أن اللاجئ إلى الحرم بمنزلة التائب المتنصِّل المستجير ببيت الرب تعالى (٢) المتعلِّقِ بأستاره، فلا يناسب حاله ولا حال حرمه وبيته أن يهاج، بخلاف المُقْدِم على انتهاك حرمته؛ فظهر سرُّ الفرق وتبيَّن أن ما قاله ابن عباس هو محض الفقه. وأما قولكم: إنه حيوان مفسد فأبيح قتلُه في الحل والحرم كالكلب العقور، فلا يصح القياس، فإن الكلب العقور طبعُه الأذى فلم يُحرِّمه الحرم

стр. 1929

ليدفع أذاه عن أهله، وأما الآدمي فالأصل فيه الحرمة وحرمتُه عظيمة، وإنما أبيح لعارضٍ فأشبه الصائلَ من الحيوانات المباحة من المأكولات فإن الحرم يعصمها. وأيضًا فإن حاجة أهل الحرم إلى قتل الكلب العقور والحية والحِدَأَة كحاجة أهل الحل سواءً، فلو أعاذها الحرمُ لعَظُم الضررُ عليهم بها. فصل ومنها: قوله ﷺ : «ولا يَعضِد بها شجرًا» (١)، وفي اللفظ الآخر: «ولا يُعضَد شوكها» (٢)، وفي لفظ في «صحيح مسلم» (٣): «ولا يُخبَط شوكها»؛ لا خلاف بينهم أن الشجر البري الذي لم يُنبته الآدميُّ على اختلاف أنواعه مرادٌ من هذا اللفظ، واختلفوا فيما أنبته الآدمي من الشجر في الحرم على ثلاثة أقوال، وهي في مذهب أحمد (٤): أحدها: أن له قلعَه ولا ضمان عليه، وهذا اختيار ابن عقيل وأبي الخطاب وغيرهما. والثاني: أنه ليس له قلعُه، وإن فعل ففيه الجزاء بكل حال، وهذا قول الشافعي (٥)، وهو الذي ذكره ابن البناء في «خصاله» (٦).

стр. 1930

والثالث: الفرق بين ما أنبته في الحل ثم غرسه في الحرم، وبين ما أنبته في الحرم أولًا، فالأول: لا جزاء فيه، والثاني: لا يُقلَع وفيه الجزاء بكل حال، وهذا قول القاضي. وفيه قول رابع: وهو الفرق بين ما يُنبت الآدميُّ جنسَه كالجوز واللوز والنخل ونحوِه، وما لا ينبت الآدمي جنسه كالدَّوح والسَّلَم (١) ونحوه، فالأول يجوز قلعه ولا جزاء فيه، والثاني: فيه الجزاء (٢). قال صاحب «المغني» (٣): والأولى الأخذُ بعموم الحديث في تحريم الشجر كله، إلا ما أنبته الآدميُّ من جنس شجرهم بالقياس على ما أنبتوه من الزرع والأهلي من الحيوان، فإننا إنما أخرجنا من الصيد ما كان أصله إنسيًّا دون ما تأنَّس من الوحشي، كذا هاهنا. وهذا تصريح منه باختيار هذا القول الرابع، فصار في مذهب أحمد أربعة أقوال. والحديث ظاهر جدًّا في تحريم قطع الشَّوك والعَوسج (٤). وقال الشافعي (٥): لا يَحرُم قطعه، لأنه يؤذي الناس بطبعه [فـ]ـأشبه (٦) السباع، وهذا اختيار أبي الخطاب وابن عَقِيل، وهو مروي عن عطاء ومجاهد وغيرهما (٧).

стр. 1931

وقوله ﷺ : «لا يعضد شوكها» وفي اللفظ الآخر: «لا يختلى شوكها» (١) صريحٌ في المنع، ولا يصح قياسه على السباع العادية، فإن تلك تقصد بطبعها الأذى، وهذا لا يؤذي من لم يَدنُ منه. والحديث لم يفرق بين الأخضر واليابس، ولكن قد جوَّزوا قطع اليابس؛ قالوا: لأنه بمنزلة الميت، ولا يعرف فيه خلاف، وعلى هذا فسياق الحديث يدل على أنه إنما أراد الأخضر، فإنه جعله بمنزلة تنفير الصيد، وليس في أخذ اليابس انتهاكُ حرمة الشجرة الخضراء التي تسبح بحمد ربها، ولهذا غرس النبي ﷺ على القبرين غصنين أخضرين وقال: «لعله يُخفَّف عنهما ما لم ييبسا» (٢). وفي الحديث دليل على أنه إذا انقلعت الشجرة بنفسها أو انكسر الغصن جاز الانتفاع به، لأنه لم يَعضِده هو، وهذا لا نزاع فيه. فإن قيل: فما تقولون فيما إذا قلعها قالع ثم تركها، فهل يجوز له أو لغيره أن ينتفع بها؟ قيل: قد سئل الإمام أحمد عن هذه المسألة فقال: من شبَّهه بالصيد لم ينتفع بحطبها، وقال: لم أسمع إذا قطعه ينتفع به (٣). وفيه وجه آخر: أنه يجوز لغير القاطع الانتفاعُ به، لأنه قُطِع بغير فعله فأبيح له الانتفاع به كما لو قلعته الريح، وهذا بخلاف الصيد إذا قتله مُحْرِم حيث يَحرُم على غيره، فإن قتل المحرم له جعله ميتةً.

стр. 1932

وقوله في اللفظ الآخر: «ولا يخبط شوكها» صريحٌ أو كالصريح في تحريم قطع الورق، وهذا مذهب أحمد. وقال الشافعي: له أخذه (١)، ويُروى عن عطاء (٢). والأول أصح لظاهر النص والقياس، فإن منزلته من الشجرة منزلة ريش الطائر منه، وأيضًا فإن أخذ الورق ذريعة إلى يبس الأغصان فإنه لباسها ووقايتها. فصل وقوله ﷺ : «ولا يختلى خلاها» (٣)، لا خلاف أن المراد من ذلك ما نبت بنفسه دون ما أنبته الآدميون، ولا يدخل اليابس في الحديث، بل هو للرطب خاصةً، فإن الخَلَى بالقصر الحشيش الرطب ما دام رطبًا، فإذا يبس فهو حشيش، و «أَخْلت الأرض»: كَثُر خلاها، و «اختلاء الخلى»: قَطْعُه، ومنه الحديث: كان ابن عمر يختلي لفرسه (٤) (٥)، ومنه سميت المِخلاة وهي وعاء الخلى. والإذخر مستثنًى بالنص، وفي تخصيصه بالاستثناء دليل على إرادة العموم فيما سواه.

стр. 1933

فإن قيل: فهل يتناول الحديث الرعي أم لا؟ قيل: هذا فيه قولان. أحدهما: لا يتناوله فيجوز الرعي، وهذا قول الشافعي. والثاني: يتناوله بمعناه وإن لم يتناوله بلفظه، فلا يجوز الرعي، وهو مذهب أبي حنيفة. والقولان لأصحاب أحمد (١). قال المحرمون: وأي فرق بين اختلائه وتقديمه للدابة وبين إرسال الدابة عليه ترعاه؟ قال المبيحون: لما كانت عادة الهدايا أن تدخل الحرم وتكثر فيه، ولم يُنقَل قط أنها كانت تُسَدُّ أفواهها= دل على جواز الرعي. قال المحرمون: الفرق بين أن يرسلها ترعى ويسلِّطَها على ذلك وبين أن ترعى بطبعها من غير أن يسلطها صاحبُها، وهو لا يجب عليه أن يَسُدَّ أفواهها كما لا يجب عليه أن يَسُدَّ أنفه في الإحرام عن شم الطيب وإن لم يجز له أن يتعمَّد شمَّه، وكذلك لا يجب عليه أن يمتنع من السَّير خشيةَ أن يُوطئ صيدًا (٢) في طريقه وإن لم يجز له أن يقصد ذلك، وكذلك نظائره. فإن قيل: فهل يدخل في الحديث أخذ الكمأة والفَقْع (٣) وما كان مغيَّبًا في الأرض؟ قيل: لا يدخل فيه لأنه بمنزلة الثمرة، وقد قال أحمد (٤): يُؤكل من

стр. 1934

شجر الحرم الضَّغابيس والعِشْرِق (١). فصل وقوله ﷺ : «ولا يُنفَّر صيدها» (٢) صريح في تحريم التسبُّب إلى قتل الصيد واصطياده بكل سبب، حتى إنه لا ينفره عن مكانه لأنه حيوان محترم في هذا المكان، قد سبق إلى مكان فهو أحق به، ففي هذا أن الحيوان المحترم إذا سبق إلى مكان لم يزعج عنه. فصل وقوله ﷺ : «ولا يَلتقط ساقطتها إلا من عرَّفها» (٣)، وفي لفظ: «لا تحل ساقطتُها إلا لمُنْشِد» (٤)، فيه دليل على أن لقطة الحرم لا تُملَّك بحال، وأنها لا تلتقط إلا للتعريف لا للتمليك، وإلا لم يكن لتخصيص مكة بذلك فائدة أصلًا. وقد اختُلف في ذلك، فقال مالك وأبو حنيفة: لقطة الحِلِّ والحرم سواء،

стр. 1935

وهذا إحدى الروايتين عن أحمد وأحد قولي الشافعي (١)، ويروى عن ابن عمر وابن عباس وعائشة (٢). وقال أحمد في الرواية الأخرى والشافعي في القول الآخر: لا يجوز التقاطها للتمليك، وإنما يجوز لحفظها لصاحبها، فإن التقطها عرَّفها أبدًا حتى يأتي صاحبُها، وهذا قول عبد الرحمن بن مهدي وأبي عبيد، وهذا هو الصحيح والحديثُ صريح فيه. والمنشد: المُعرِّف، والناشد: الطالب، ومنه قوله (٣): إصاخةَ الناشد للمنشد وقد روى أبو داود في «سننه» (٤): أن النبي ﷺ نهى عن لقطة الحاج، قال

стр. 1936

ابن وهب: يعني يتركها حتى يجدها صاحبها. قال شيخنا (١): وهذا من خصائص مكة، والفرق بينها وبين سائر الآفاق في ذلك: أن الناس يتفرقون عنها إلى الأقطار المختلفة فلا يُمْكَن (٢) صاحبُ الضالة من طلبها والسؤال عنها، بخلاف غيرها من البلاد. فصل وقوله ﷺ في الخطبة: «ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يقتل، وإما أن يأخذ الدية» (٣) فيه دليل على أن الواجب بقتل العمد لا يتعيَّن في القِصاص، بل هو أحد شيئين: إما القصاص وإما الدية. وفي ذلك ثلاثة أقوال، وهي روايات عن الإمام أحمد: أحدها: أن الواجب أحد شيئين إما القصاص أو الدية، والخِيَرة في ذلك إلى الولي بين أربعة أشياء: العفو مجَّانًا، والعفو إلى الدية، والقِصاص، ولا خلاف في تخييره بين هذه الثلاثة، والرابعُ: المصالحةُ على أكثر من الدية فيه وجهان: أشهرهما مذهبًا جوازه، والثاني: ليس له العفو على مال إلا الدية أو دونها، وهذا أرجح دليلًا. فإن اختار الدية سقط القَوَدُ ولم يملك طلبَه بعدُ، وهذا مذهب الشافعي وإحدى الروايتين عن مالك. والقول الثاني: أن موجَبَه القود عينًا، وأنه ليس له أن يعفو إلى الدية إلا

стр. 1937

برضى الجاني، فإن عفا (١) إلى الدية فلم يرض الجاني فقوده بحاله، وهذا مذهب مالك في الرواية الأخرى وأبي حنيفة. والقول الثالث: أن موجَبَه القود عينًا مع التخيير بينه وبين الدية وإن لم يرض الجاني، فإذا عفا عن القصاص إلى الدية فرضي الجاني فلا إشكال، وإن لم يرض فله العَود إلى القِصاص (٢). فإن عفا عن القود مطلقًا، فإن قلنا: الواجب أحد شيئين فله الدية، وإن قلنا: الواجب القصاص عينًا سقط حقُّه منهما. فإن قيل: فما تقولون فيما لو مات القاتل؟ قيل: في ذلك قولان: أحدهما: تسقط الدية، وهو مذهب أبي حنيفة، لأن الواجب عندهم القِصاص عينًا وقد زال محل استيفائه بفعل الله تعالى، فأشبه ما لو مات العبد الجاني، فإن أرش الجناية لا ينتقل إلى ذمة السيِّد، وهذا بخلاف تلف الرهن وموت الضامن، حيث لا يسقط الحقُّ لثبوته في ذمة الراهن والمضمون عنه، فلم يسقط بتلف الوثيقة. وقال الشافعي وأحمد: تتعيَّن الدية في تركته، لأنه تعذر استيفاء القصاص من غير إسقاطٍ فوجبت الدية لئلا يذهب حقُّ الورثة من الدم والدية مجانًا (٣).

стр. 1938

فإن قيل: فما تقولون لو اختار القصاص ثم اختار بعده العفو إلى الدية، هل له ذلك؟ قلنا: هذا فيه وجهان، أحدهما: أن له ذلك، لأن القصاص أعلى فكان له الانتقال إلى الأدنى. والثاني: ليس له ذلك، لأنه لمَّا اختار القصاص فقد أسقط الدية باختياره له، فليس له أن يعود إليها بعد إسقاطها. فإن قيل: فكيف تجمعون بين هذا الحديث وبين قوله ﷺ : «من قُتِل عمدًا فهو قَوَد» (١)؟ قيل: لا تعارض بينهما بوجه، فإن هذا يدل على وجوب القود بقتل العمد، وقوله: «فهو بخير النظرين» يدل على تخييره بين استيفاء هذا الواجب له وبين أخذ بدله وهو الدية، فأيُّ تعارض؟ وهذا الحديث نظير قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨]، وهذا لا ينفي تخيير المستحِقِّ له بين ما كتب له وبين بدله. والله أعلم. فصل وقوله ﷺ في الخطبة: «إلا الإذخر» (٢) بعد قول العباس له: «إلا الإذخر» يدل على مسألتين:

стр. 1939

إحداهما: إباحة قطع الإذخر. والثانية: أنه لا يشترط في الاستثناء أن ينويه من أول الكلام ولا قبل فراغه، لأن النبي ﷺ لو كان ناويًا لاستثناء الإذخر من أول كلامه أو قبل تمامه لم يتوقف استثناؤه له على سؤال العباس له ذلك وإعلامِه أنهم لا بد لهم منه لقَينهم وبيوتهم (١). ونظير هذا: استثناؤه ﷺ لسهيل بن بيضاء من أُسارى بدر بعد أن ذكَّره به ابن مسعود؛ فقال: «لا ينفلتنَّ أحدٌ منهم إلا بفداء أو ضربة (٢) عنق»، فقال ابن مسعود: إلا سهيل بن بيضاء، فإني سمعته يذكر الإسلام، فقال: «إلا سهيل بن بيضاء» (٣). ومن المعلوم أنه لم يكن قد نوى الاستثناء في الصورتين من أول كلامه. ونظيره أيضًا: قول المَلَك لسليمان لمّا قال: «لأطوفن الليلة على مائة

стр. 1940

امرأة، تلد كل امرأة غلامًا يقاتل في سبيل الله»، فقال له الملك: قل: إن شاء الله، فلم يقل، فقال النبي ﷺ : «لو قال: إن شاء الله لقاتَلُوا في سبيل الله (١) أجمعون» (٢)، وفي لفظ: «لكان دركًا لحاجته» (٣)، فأخبر أن هذا الاستثناء لو وقع منه في هذه الحال لنفعه، ومن يشترط النية يقول: لا ينفعه. ونظير هذا قوله ﷺ : «لأغزونَّ قريشًا، واللهِ لأغزون قريشًا» ثلاثًا ثم سكت ثم قال: «إن شاء الله» (٤)، فهذا استثناء بعد سكوت، وهو يتضمن (٥) إنشاء الاستثناء بعد الفراغ من الكلام والسكوت عليه. وقد نصَّ أحمد (٦) على جوازه، وهو الصواب بلا ريب، والمصيرُ إلى موجَب هذه الأحاديث الصحيحة الصريحة أولى. وبالله التوفيق.

стр. 1941

فصل وفي القصة: أن رجلًا من الصحابة يقال له أبو شاه قام فقال: اكتبوا لي، فقال النبي ﷺ : «اكتبوا لأبي شاه» (١) يريد خطبته، ففيه دليل على كتابة العلم ونسخ النهي عن كتابة الحديث، فإن النبي ﷺ قال: «من كتب عني شيئًا غير القرآن فليمحُه» (٢)، وهذا كان في أول الإسلام خشيةَ أن يختلط الوحيُ الذي يتلى بالوحي الذي لا يتلى، ثم أذن في الكتابة لحديثه. وصحَّ عن عبد الله بن عمرو أنه كان يكتب حديثَه (٣)، وكان مما كتبه صحيفة تسمى «الصادقة» (٤)، وهي التي رواها حفيده عمرو بن شعيب عن أبيه عنه (٥)، وهي من أصح الأحاديث، وكان بعض أئمة الحديث يجعلها في

стр. 1942

درجة أيوب عن نافع عن ابن عمر (١)، والأئمة الأربعة وغيرُهم احتجُّوا بها. فصل وفي القصة: أن النبي ﷺ دخل البيت وصلى فيه، ولم يدخله حتى محيت الصور منه، ففيه دليل على كراهة الصلاة في المكان المصوَّر، وهذا أحق بالكراهة من الصلاة في الحمام، لأن كراهة الصلاة في الحمام إما لكونه مظنة النجاسة، وإما لكونه بيتَ الشيطان وهو الصحيح، وأما محل الصور فمظنة الشرك، وغالب شرك الأمم كان من جهة الصور والقبور. فصل وفي القصة: أنه دخل مكة وعليه عمامة سوداء (٢)، ففيه دليل على جواز لبس السواد أحيانًا، ومِن ثَمَّ جعل خلفاء بني العباس السوادَ شعارًا لهم ولوُلاتهم وقُضاتِهم وخطبائهم، والنبيُّ ﷺ لم يلبسه لباسًا راتبًا، ولا كان شعارَه في الأعياد والجُمَع والمجامع العظام البتة، وإنما اتفق له لباسُ العمامة السوداء يوم الفتح دون سائر الصحابة، ولم يكن سائر لباسه السواد يومئذ بل كان لواؤه أبيض (٣).

стр. 1943

فصل ومما وقع في هذه الغزوة إباحةُ متعة النساء، ثم حرَّمها قبل خروجه من مكة، واختُلف في الوقت الذي حُرِّمت فيه المتعة على أربعة أقوال: أحدها: أنه يوم خيبر، وهذا قول طائفة من العلماء منهم الشافعي (١) وغيره. والثاني: أنه عام فتح مكة، وهذا قول ابن عيينة وطائفة (٢). والثالث: أنه عام حُنَين (٣)، وهذا في الحقيقة هو القول الثاني لاتصال غزاة حنين بالفتح. والرابع: أنه عام حجة الوداع، وهو وهم من بعض الرواة سافر فيه وهمه من فتح مكة إلى حجة الوداع، كما سافر وهمُ معاوية ﵁ من عمرة الجِعرانة إلى حجة الوداع حيث قال: «قصرت عن رسول الله ﷺ بمِشقص على المروة في حجته»، وقد تقدم في الحج (٤). وسَفَر الوهم من زمان إلى زمان، ومن مكان إلى مكان، ومن واقعة إلى واقعة كثيرًا ما يعرض للحفاظ فمن دونهم.

стр. 1944

والصحيح: أن المتعة إنما حُرِّمت عام الفتح، لأنه قد ثبت في «صحيح مسلم» (١) أنهم استمتعوا عام الفتح مع النبي ﷺ بإذنه، ولو كان التحريم زمن خيبر لزم النسخ مرتين، وهذا لا عهد بمثله في الشريعة البتة، ولا يقع مثله فيها. وأيضًا: فإن خيبر لم يكن فيها مسلمات، وإنما كن يهودياتٍ، وإباحةُ نساء أهل الكتاب لم تكن ثبتت بعدُ، إنما أُبِحن بعد ذلك في سورة المائدة بقوله: ﴿الْحِسَابِ (٤) الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥]، وهذا متصل بقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وبقوله: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وهذا كان في آخر الأمر بعد حجة الوداع أو فيها، فلم تكن إباحة نساء أهل الكتاب ثابتةً زمن خيبر، ولا كان للمسلمين رغبة في الاستمتاع بنساء عدوِّهم قبل الفتح، وبعد الفتح استُرِقَّ من استرق منهن وصِرن إماءً للمسلمين. فإن قيل: فما تصنعون بما ثبت في «الصحيحين» (٢) من حديث علي بن أبي طالب ﵁: أن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر وعن أكل لحوم الحمر الإنسية، وهذا صحيح صريح؟ قيل: هذا الحديث قد صحت روايته بلفظين هذا أحدهما. والثاني:

стр. 1945

الاقتصار على نهي النبي ﷺ عن نكاح المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر؛ هذه رواية ابن عيينة عن الزهري (١). قال قاسم بن أصبغ: قال سفيان بن عيينة: «يعني أنه نهى عن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر لا عن نكاح المتعة»، ذكره أبو عمر في (٢) «التمهيد» (٣) ثم قال: «على هذا أكثر الناس» انتهى، فتوهم بعض الرواة أن يوم خيبر ظرف لتحريمهن فرواه: «حرم رسول الله ﷺ المتعة زمن خيبر والحمر الأهلية»، واقتصر بعضهم على رواية بعض الحديث فقال: «حرَّم رسول الله ﷺ المتعة زمن خيبر» (٤)، فجاء بالغلط البيِّن. فإن قيل: فأي فائدة في الجمع بين التحريمين إذا لم يكونا قد وقعا في وقت واحد، وأين المتعة من تحريم الحمر؟ قيل: هذا الحديث رواه علي بن أبي طالب محتجًّا به على ابن عمه عبد الله بن عباس في المسألتين، فإنه كان يبيح المتعة ولحوم الحمر، فناظره عليُّ بن أبي طالب في المسألتين وروى له التحريمين، وقيَّد تحريم الحمر بزمن خيبر وأطلق تحريم المتعة، فقال: «إنك امرؤ تائه؛ إن رسول الله ﷺ

стр. 1946

حرم المتعة، وحرم لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر» (١)، كما قاله سفيان بن عيينة وعليه أكثر الناس، فروى الأمرين محتجًّا عليه بهما، لا مقيدًا لهما بيوم خيبر، والله الموفق. ولكن هاهنا نظر آخر، وهو: أنه هل حرَّمها تحريمَ الفواحش التي لا تباح بحال، أو حرَّمها عند الاستغناء عنها وأباحها للمضطر؟ هذا هو الذي نظر فيه ابن عباس وقال: «أنا أبحتُها للمضطر كالميتة والدم» (٢)، فلما توسَّع فيها مَن توسع ولم يقف عند الضرورة أمسك ابن عباس عن الإفتاء بحلِّها ورجع عنه. وقد كان ابن مسعود يرى إباحتها ويقرأ: ﴿(٨٦) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٨٧]، ففي «الصحيحين» (٣) عنه قال: كنا نغزو مع رسول الله ﷺ وليس لنا نساء فقلنا: ألا نختصي؟ فنهانا ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب إلى أجل، ثم قرأ عبد الله: ﴿(٨٦) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ﴾. وقراءة عبد الله هذه الآية عقيب هذا الحديث يحتمل أمرين: أحدهما: الرد على من يحرمها، وأنها لو لم تكن من الطيبات لما أباحها رسول الله ﷺ . والثاني: أن يكون أراد آخِر الآية، وهو الرد على من أباحها مطلقًا، وأنه

стр. 1947

معتدٍ (١)، فإن رسول الله ﷺ إنما رخَّص فيها للضرورة عند (٢) الحاجة في الغزو عند عدم النساء وشدة الحاجة إلى المرأة؛ فمن رخَّص فيها في الحضر مع كثرة النساء وإمكان النكاح المعتاد فقد اعتدى، والله لا يحب المعتدين. فإن قيل: فكيف تصنعون بما رواه مسلم في «صحيحه» (٣) من حديث جابر وسلمة بن الأكوع قالا: خرج علينا منادي رسول الله ﷺ فقال: «إن رسول الله ﷺ قد أذن لكم أن تستمتعوا»، يعني: متعة النساء. قيل: هذا كان زمن الفتح قبل التحريم، ثم حرَّمها بعد ذلك، بدليل ما رواه مسلم في «صحيحه» (٤) عن سلمة بن الأكوع قال: «رخَّص رسولُ الله ﷺ عام أوطاس في المتعة ثلاثًا، ثم نهى عنها». وعام أوطاس: هو عام الفتح، لأن غزاة أوطاسٍ متصلة بفتح مكة. فإن قيل: فما تصنعون بما رواه مسلم في «صحيحه» (٥) عن جابر بن عبد الله قال: «كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيقِ الأيامَ على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر، حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث»، وفيما ثبت عن عمر أنه قال: «متعتان كانتا على عهد رسول الله ﷺ أنا أنهى عنهما: متعة

стр. 1948

النساء ومتعة الحج» (١)؟ قيل: الناس في هذا طائفتان، طائفة تقول: إن عمر هو الذي حرَّمها ونهى عنها، وقد أمر رسول الله ﷺ باتباع ما سنَّه الخلفاء الراشدون، ولم تَرَ هذه الطائفةُ تصحيحَ حديث سَبْرة بن مَعبد في تحريم المتعة عامَ الفتح (٢)، فإنه من رواية عبد الملك بن الربيع بن سبرة عن أبيه عن جده، وقد تكلم فيه ابن معين (٣)، ولم يَرَ البخاري إخراج حديثه في «صحيحه» مع شدة الحاجة إليه وكونه أصلًا من أصول الإسلام، ولو صحَّ عنده لم يصبر عن إخراجه والاحتجاج به.

стр. 1949

قالوا: ولو صح حديث سبرة لم يخفَ على ابن مسعود حتى يروي أنهم فعلوها ويحتج بالآية. قالوا: وأيضًا فلو صحَّ لم يقل عمر: إنها كانت على عهد رسول الله ﷺ وأنا أنهى عنها وأعاقب عليها، بل كان يقول: إنه ﷺ حرمها ونهى عنها. قالوا: ولو صحَّ لم تُفعَل على عهد الصديق وهو عهد خلافة النبوة حقًّا. والطائفة الثانية: رأت صحةَ حديث سبرة، ولو لم يصح فقد صحَّ حديث علي أن رسول الله ﷺ حرم متعة النساء، فوجب حمل حديث جابر على أن الذي أخبر عنه (١) بفعلها لم يبلغه التحريم، ولم يكن قد اشتهر حتى كان زمن عمر، فلما وقع فيها النزاع ظهر تحريمُها واشتهر، وبهذا تأتلف الأحاديث الواردة فيها. وبالله التوفيق. فصل وفي قصة الفتح من الفقه جواز إجارة المرأة وأمانها للرجل والرجلين، كما أجاز النبي ﷺ أمانَ أم هانئ لحَمْوَيها. وفيها من الفقه: جواز قتل المرتد الذي تغلَّظت ردَّتُه مِن غير استتابة، فإن عبد الله بن سعد بن أبي سرح كان قد أسلم وهاجر، وكان يكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، ثم ارتد ولحق بمكة، فلما كان يومُ الفتح أتى به عثمان بن عفان رسولَ الله ﷺ ليبايعه، فأمسك عنه طويلًا ثم بايعه، وقال: «إنما أمسكت عنه ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه»، فقال له رجل: هلَّا أومأتَ إليَّ يا رسول الله؟ فقال: «ما

стр. 1950

ينبغي لنبيٍّ أن تكون له خائنة الأعين» (١)؛ فهذا كان قد تغلظ كفره بردَّته بعد إيمانه وهجرته وكتابة الوحي، ثم ارتد ولحق بالمشركين يطعن على الإسلام ويعيبه، وكان رسول الله ﷺ يريد قتله، فلما جاء به عثمان بن عفان وكان أخاه من الرضاعة لم يأمر رسول الله ﷺ بقتله حياءً من عثمان ولم يبايعه ليقوم إليه بعض أصحابه فيقتلَه، فهابوا رسول الله ﷺ أن يُقْدموا على قتله بغير إذنه، واستحيى رسول الله ﷺ من عثمان، وساعد القدر السابق لِما يريد الله سبحانه بعبد الله مما ظهر منه بعد ذلك من الفتوح (٢)، فبايعه، وكان ممن استثنى الله بقوله: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٨٦ - ٨٩]. وقولُه ﷺ : «ما ينبغي لنبيٍّ أن تكون له خائنة الأعين»، أي: أن النبي ﷺ لا يخالف ظاهرُه باطنَه، ولا سرُّه علانيته، وإذا نفذ حكمَ الله وأمره لم يُومِ (٣) به، بل صرَّح به وأعلنه وأظهره.

стр. 1951

فصل في غزاة حنين وتُسمَّى «غزوةَ أوطاس»، وهما موضعان بين مكة والطائف (١)، فسميت الغزوة باسم مكانها، وتسمى «غزوة هوازن» لأنهم الذين أتوا لقتال رسول الله ﷺ . قال ابن إسحاق (٢): ولما سمعت هوازن برسول الله ﷺ وما فتح الله عليه من مكة جمع مالكُ بن عوفٍ النَّصْري فاجتمع إليه مع هوازنَ ثقيفٌ كلها، واجتمعت إليه نَصْر (٣) وجُشَم كلُّها وسعد بن بكر، وناسٌ من بني

стр. 1952

هلال وهم قليل، ولم يشهدها من قَيسِ عَيلان إلا هؤلاء، ولم يحضرها من هوازن كعب ولا كِلاب. وفي جُشَم دريدُ بن الصِّمَّة، شيخ كبير ليس فيه إلا رأيه ومعرفته بالحرب، وكان شجاعًا مِحْرَبًا (١). وفي ثقيف سيِّدان لهم، وفي (٢) الأحلاف: قارِب بن الأسود، وفي بني مالك: سُبَيع بن الحارث وأخوه أحمر بن الحارث. وجِماعُ أمرِ الناس إلى مالك بن عوف النصري. فلما أجمع السيرَ إلى رسول الله ﷺ ساق مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، فلما نزل بأوطاس اجتمع إليه الناس وفيهم دُرَيد بن الصمة، فلما نزل قال: بأيِّ وادٍ أنتم؟ قالوا: بأوطاس، قال: نِعم مَجالُ الخيل، لا حَزْن ضِرْس (٣) ولا سَهل دَهْس، ما لي أسمع رُغاء البعير ونُهاق الحمير وبُكاء

стр. 1953

الصغير ويُعار الشاء؟ قالوا: ساقَ مالكُ بن عوف مع الناس نساءهم وأموالهم وأبناءهم، قال: أين مالك؟ قيل: هذا مالك ــ ودُعِي له ــ، قال: يا مالك، إنك قد أصبحت رئيس قومك، وإن هذا يومٌ كائن له ما بعده من الأيام، ما لي أسمع رُغاء البعير ونُهاق الحمير وبكاء الصغير ويُعار الشاء؟ قال: سقتُ مع الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم، قال: ولِمَ؟ قال: أردت أن أجعل خلف كلِّ رجلٍ أهلَه وماله ليقاتل عنهم، فقال: راعي ضأنٍ والله! وهل يردُّ المنهزم شيء؟! إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فُضِحت في أهلك ومالك. ثم قال: ما فعلت كعب وكلاب؟ قالوا: لم يشهدها منهم أحد، قال: غاب الحَدُّ والجَدُّ، لو كان يومَ علاءٍ ورِفعة لم تَغِب عنه كعب ولا كلاب، ولوددت أنكم فعلتم ما فعلت كعب وكلاب، فمن شهدها منكم؟ قالوا: عمرو بن عامر وعوف بن عامر (١)، قال: ذانك الجَذَعان من عامر لا ينفعان ولا يضران! يا مالك: إنك لم تصنع بتقديم البيضةِ بيضةِ هوازنَ إلى نحور الخيل شيئًا، ارفعهم إلى مُتمنِّع بلادِهم وعَلياء قومهم، ثم القَ الصُّباة على متون الخيل، فإن كانت لك لحق بك مَن وراءك، وإن كانت عليك ألفاك ذلك وقد أحرزت أهلك ومالك، قال: والله لا أفعل، إنك قد كبِرتَ وكبِر عقلك، والله لتُطِيعُنِّي يا معشر هوازن أو لأتكئنَّ على هذا السيف حتى يخرج من ظهري! وكره أن يكون لدُرَيدٍ فيها ذِكرٌ ورأي، فقالوا: أطعناك، فقال دريد: هذا يوم لم أشهده ولم يفتني.

стр. 1954

يا ليتني فيها جَذَعْ ... أخُبُّ فيها وأَضَعْ أقود وَطْفَاءَ الزَّمَعْ ... كأنها شاة صَدَعْ (١) ثم قال مالك للناس: إذا رأيتموهم فاكسروا جُفُونَ سيوفكم ثم شُدُّوا شدةَ رجلٍ واحد، وبعث عيونًا من رجاله فأتوه وقد تفرَّقت أوصالُهم، قال: ويلكم ما شأنكم؟ قالوا: رأينا رجالًا بيضًا على خيل بُلْقٍ، والله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى فواللهِ ما ردَّه ذلك عن وجهه أن مضى على ما يريد. ولمَّا سمع بهم نبي الله ﷺ بعث إليهم عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، وأمره أن يدخل في الناس فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم ثم يأتيه بخبرهم، فانطلق ابن أبي حدرد فدخل فيهم حتى سمع وعلم ما قد جمعوا له من حرب رسول الله ﷺ ، وسمع من مالكٍ وأمر هوازن ما هم عليه، ثم أقبل حتى أتى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر (٢). فلما أجمع رسول الله ﷺ السير إلى هوازن ذُكر له أن عند صفوان بن أمية أدراعًا وسلاحًا، فأرسل إليه ــ وهو يومئذ مشرك (٣) ــ فقال: «يا أبا أمية، أعِرْنا سلاحَك هذا نلقى فيه عدوَّنا غدًا»، فقال صفوان: أغَصْبًا يا محمد؟

стр. 1955

فقال: «بل هي عارية مضمونة حتى نؤديها إليك»، قال: ليس بهذا بأس، فأعطاه مائة درعٍ بما يكفيها من السلاح، فزعموا أن رسول الله ﷺ سأله أن يكفيهم حملها ففعل (١).

стр. 1956

ثم خرج رسول الله ﷺ معه ألفان من أهل مكة، مع عشرة آلافٍ من أصحابه الذين خرجوا معه ففتح الله بهم مكة= فكانوا اثني عشر ألفًا، واستعمل عتَّاب بن أَسِيد على مكة أميرًا ثم مضى يريد لقاء هوازن. قال ابن إسحاق (١): فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه جابر بن عبد الله قال: لما استقبلنا وادي حنين انحدرنا في وادٍ من أودية تهامة أجوفَ حَطُوطٍ، إنما ننحدر فيه انحدارًا، قال: وفي عماية الصبح، وكان القوم قد سبقونا إلى الوادي فكمنوا لنا في شِعابه وأحنائه (٢) ومضايقه (٣)، قد أجمعوا وتهيئوا وأعَدُّوا، فواللهِ ما راعنا ونحن منحطُّون إلا الكتائب قد شدوا علينا شدةَ رجلٍ واحد، وانشمر الناس راجعين لا يلوي أحد على أحد، وانحاز رسول الله ﷺ ذاتَ اليمين ثم قال: «إلى (٤) أين أيها الناس؟ هلمَّ إليَّ، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله»، وبقي مع رسول الله ﷺ نفر من المهاجرين (٥) وأهل بيته، وفيمن ثبت معه

стр. 1957

من المهاجرين: أبو بكر وعمر، ومِن أهل بيته: عليٌّ والعباس، وأبو سفيان بن الحارث وابنُه، والفضل بن العباس، وربيعة بن الحارث، وأسامة بن زيد، وأيمن ابنُ أمِّ أيمن وقُتِل يومئذ. قال (١): ورجل من هوازن على جملٍ له أحمر بيده راية سوداء في رأس رمح طويل أمامَ هوازن وهوازن خلفه، إذا أدرك طعن برمحه وإذا فاته الناس رفع رمحَه لمن وراءه فاتبعوه، فبينا هو كذلك إذ أهوى له عليُّ بن أبي طالب ورجل من الأنصار يريدانه، قال: فأتى عليٌّ مِن خلفه فضرب عرقوبي الجمل فوقع على عَجُزه، ووثب الأنصاري على الرجل فضربه ضربةً أطنَّ قدمه (٢) بنصف ساقه، فانجعف عن رحله، قال: فاجتلد الناس فواللهِ ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسارى عند رسول الله ﷺ . قال ابن إسحاق (٣): ولما انهزم المسلمون ورأى من كان مع رسول الله ﷺ مِن جفاة أهل مكة الهزيمة تكلَّم رجال منهم بما في أنفسهم من الضِّغْن (٤)، فقال أبو سفيان بن حرب: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، وإن الأزلام لمعه في كنانته. وصرخ جَبَلة بن الحنبل ــ وقال ابن هشام: صوابه كَلَدة ــ: ألا بَطَل السحرُ اليومَ، فقال له صفوان أخوه لأمه وكان بعدُ مشركًا: اسكت فضَّ الله فاك! فواللهِ لأن يَرُبَّني رجلٌ من قريش أحبُّ إلي من أن يربَّني

стр. 1958

رجل من هوازن (١). وذكر ابن سعد (٢) عن شيبةَ بن عثمان الحَجَبي قال: لما كان عام الفتح ودخل (٣) رسول الله ﷺ مكة عنوةً قلت: أسير مع قريش إلى هوازن بحنين فعسى إن اختلطوا أن أُصِيب من محمد غِرَّةً فأثأَرَ منه، فأكون أنا الذي قمتُ بثأر قريشٍ كلها، وأقول: لو لم يبق من العرب والعجم أحد إلا اتَّبع محمدًا ما تبعتُه أبدًا، وكنت مُرصِدًا لِما خرجتُ له (٤)، لا يزداد الأمر في نفسي إلا قوةً، فلما اختلط الناس اقتحم رسولُ الله ﷺ عن بغلته وأصلتَ السيفَ، فدنوت أريد ما أريد منه ورفعت سيفي حتى كِدت أُشعِرُه (٥) فرُفِع لي شُواظ من نار

стр. 1959

كالبرق كاد يَمحَشُني، فوضعت يديَّ على بصري خوفًا عليه، فالتفت إلي رسول الله ﷺ فناداني: «يا شيبُ ادْنُ»، فدنوت فمسح صدري ثم قال: «اللهم أعِذه من الشيطان»، قال: فوالله لهو كان ساعتئذ أحبَّ إليَّ من سمعي وبصري ونفسي، وأذهبَ اللهُ ما كان في نفسي، ثم قال: «ادنُ فقاتِل»، فتقدَّمت أمامَه أضرب بسيفي، اللهُ يعلم أني أحبُّ أن أقيَه بنفسي كلَّ شيء، ولو لقيت تلك الساعة أبي ــ لو كان حيًّا ــ لأوقعتُ به السيف، فجعلت أَلزَمه فيمن لزمه، حتى تراجع المسلمون فكَرُّوا كرةَ رجلٍ واحد وقُرِّبت بغلةُ رسول الله ﷺ فاستوى عليها وخرج في أثرهم حتى تفرَّقوا في كل وجه، ورجع إلى معسكره فدخل خباءه فدخلت عليه ــ ما دخل عليه غيري ــ حُبًّا لرؤية وجهه وسرورًا به، فقال: «يا شيبُ، الذي أراد الله بك خير مما أردت لنفسك»، ثم حدَّثني بكل ما أضمرت في نفسي ما لم أكن أذكره لأحد قطُّ، قال: فقلت: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، ثم قلت: استغفِرْ لي، فقال: «غفر الله لك». وقال ابن إسحاق (١): وحدثني الزهري عن كثير بن العباس عن أبيه العباس بن عبد المطلب قال: إني لمع رسولِ الله ﷺ آخِذٌ بحَكَمة بغلته البيضاء قد شَجَرتُها بها (٢)، وكنت امرءًا جسيمًا شديد الصوت، قال: ورسولُ الله ﷺ يقول حين رأى ما رأى من الناس: «إلى أين أيها الناس؟» قال: فلم أر

стр. 1960

الناس يلوون (١) على شيء، فقال: «يا عباس اصرخ: يا معشر الأنصار، يا معشر أصحاب السَّمُرة (٢)»، فأجابوا: لبيك لبيك! قال: فيذهب الرجل ليَثْني بعيرَه فلا يقدر على ذلك، فيأخذ درعَه فيقذفها في عنقه ويأخذ سيفَه وتُرسَه (٣) ويقتحم عن بعيره ويخلي سبيله فيؤمُّ الصوت حتى ينتهي إلى رسول الله ﷺ ، حتى إذا اجتمع إليه منهم مائة استقبلوا الناس فاقتتلوا، فكانت الدعوة أول ما كانت: يا لَلأنصار! ثم خلصت آخرًا: يا لَلخزرج! وكانوا صُبُرًا عند الحرب، فأشرف رسول الله ﷺ في ركائبه فنظر إلى مجتلد القوم وهم يجتلدون فقال: «الآن حمي الوطيس». وزاد غيره: أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب (٤) وفي «صحيح مسلم» (٥): ثم أخذ رسول الله ﷺ حَصَياتٍ فرمى بها في وجوه الكفار ثم قال: «انهزموا وربِّ محمدٍ!»، فما هو إلا أن رماهم فما زلتُ أرى حدَّهم كليلًا وأمرهم مُدبِرًا. وفي لفظ له (٦): إنه نزل عن البغلة ثم قبض قبضةً من تراب الأرض ثم

стр. 1961

استقبل بها وجوههم فقال: «شاهت (١) الوجوه»، فما خلق اللهُ منهم إنسانًا إلا ملأ عينيه ترابًا بتلك القبضة فولَّوا مدبرين. وذكر ابن إسحاق (٢) عن جبير بن مطعم قال: لقد رأيت قبل هزيمة القوم والناسُ يقتتلون مثلَ البِجادِ الأسود (٣) أقبلَ من السماء حتى سقط بيننا وبين القوم، فنظرت فإذا نمل أسود مبثوث قد ملأ الوادي، فلم يكن إلا هزيمةُ القوم، فلم أشك أنها الملائكة. قال ابن إسحاق (٤): ولما انهزم المشركون أتوا الطائف ومعهم مالك بن عوف، وعسكر بعضُهم بأوطاس وتوجه بعضُهم نحو نخلةَ، وبعث رسول الله ﷺ في آثار من توجه قِبَل أوطاسٍ أبا عامر الأشعري، فأدرك من الناس بعضَ من انهزم فناوشوه القتال فرُمِي بسهمٍ فقُتِل، فأخذ الراية أبو موسى الأشعري ــ وهو ابن عمِّه (٥) ــ فقاتل ففتح الله عليه وهزمهم الله، وقَتَل قاتِلَ أبي عامر،

стр. 1962

فقال رسول الله ﷺ : «اللهم اغفر لأبي عامر واجعله يومَ القيامة فوقَ كثيرٍ من خلقك» واستغفر لأبي موسى. ومضى مالك بن عوف (١) حتى تحصَّن بحصن ثقيف، وأمر رسول الله ﷺ بالسبي والغنائم أن تجمع، فجُمع ذلك كله وحَدَوه (٢) إلى الجِعرانة، وكان السبي ستةَ آلاف رأسٍ، والإبلُ أربعةٌ وعشرون (٣) ألفًا، والغنمُ أكثرُ مِن أربعين ألفَ شاةٍ، وأربعةُ آلافِ أوقيةٍ فضةً، فاستأنى بهم رسولُ الله ﷺ أن يَقْدَموا عليه مسلمين بضعَ عشرة ليلةً. ثم بدأ بالأموال فقسمها، وأعطى المؤلفةَ قلوبُهم أولَ الناس، فأعطى أبا سفيان بن حرب أربعين أوقيةً ومائةً من الإبل، فقال: ابني يزيد؟ قال: «أعطُوه أربعين أوقيةً ومائةً من الإبل»، قال: ابني معاوية؟ قال: «أعطوه أربعين أوقيةً ومائةً من الإبل» (٤).

стр. 1963

وأعطى حكيم بن حزام مائةً من الإبل، ثم سأله مائةً أخرى فأعطاه، وأعطى النُّضَير (١) بن الحارث بن كلدة مائةً من الإبل، وأعطى العلاء بن جارية (٢) الثقفي خمسين. وذكر أصحابَ المائة وأصحاب الخمسين (٣). وأعطى العباس بن مرداس أربعين فقال في ذلك شعرًا فكمَّل له المائة (٤). ثم أمر زيد بن ثابتٍ بإحصاء الغنائم والناس، ثم فضَّها على الناس فكانت سهامهم لكل رجل أربعًا من الإبل وأربعين شاةً، فإن كان فارسًا أخذ

стр. 1964

اثني عشر بعيرًا وعشرين ومائة شاة (١). قال ابن إسحاق (٢): وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن أبي سعيد الخدري قال: لما أعطى رسولُ الله ﷺ ما أعطى من تلك العطايا في قريش وفي قبائل العرب ولم يكُ (٣) في الأنصار منها شيءٌ، وَجَد هذا الحيُّ من الأنصار في أنفسهم حتى كثرت فيهم القالة، حتى قال قائلهم: لقي واللهِ رسولُ الله ﷺ قومَه، فدخل عليه سعدُ بن عبادة فقال: يا رسول الله، إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم لِما صنعت في هذا الفيء الذي أصبتَ؛ قسمتَ في قومك وأعطيت عطايا عظامًا في قبائل العرب، ولم يكن في هذا الحي من الأنصار منها شيء. قال: «فأين أنت من ذلك يا سعد؟» فقال: يا رسول الله ما أنا إلا مِن قومي. قال: «فاجمع لي قومَك في هذه الحظيرة»، قال: فجاء رجال من المهاجرين فتركهم فدخلوا، وجاء آخرون فردهم. فلما اجتمعوا أتى سعد فقال: قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار، فأتاهم رسول الله ﷺ فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: «يا معشر الأنصار، ما قالةٌ بلغتني عنكم وجِدَةٌ وجدتموها في أنفسكم؟ ألم آتِكم ضُلَّالًا

стр. 1965

فهداكم الله بي، وعالةً فأغناكم الله بي، وأعداءً فألف الله بين قلوبكم؟» قالوا: الله ورسوله أَمَنُّ وأفضل. ثم قال: «ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟» قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله، لِلّاه ولرسوله المنُّ والفضل. قال: «أما والله لو شئتم لقلتم فلصَدَقتم ولصُدِّقتم: أتيتنا مكذَّبًا فصدقناك، ومخذولًا فنصرناك، وطريدًا فآويناك، وعائلًا فآسيناك؛ أَوَجدتم عليَّ يا معشر الأنصار في أنفسكم في لُعاعةٍ من الدنيا تألَّفتُ بها قومًا ليُسلموا ووَكَلْتكم إلى إسلامكم؟ ألا ترضَون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعون برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفس محمدٍ بيده لما تنقلبون به خيرٌ مما ينقلبون به، ولولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار، ولو سلك الناس شعبًا وواديًا وسلكت الأنصارُ (١) لسلكتُ شعب الأنصار وواديها، الأنصار شِعار والناس دِثار (٢)، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار» قال: فبكى القوم حتى أخضَلُوا لحاهم وقالوا: رضينا برسول الله ﷺ قَسْمًا وحظًّا، ثم انصرف رسول الله ﷺ وتفرقوا. وقدمت الشَّيماء بنتُ الحارث بن عبد العُزَّى أخت رسول الله ﷺ من الرضاعة فقالت: يا رسول الله إني أختك، قال: «وما علامة ذلك؟» قالت: عَضَّة عضضتَنيها في ظهري وأنا متورِّكتك، قال: فعرف رسول الله ﷺ العلامة فبسط
следующие страницы →