← Сира

Сира · id 197

زاد المعاد في هدي خير العباد - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (3 983 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

وأثبتت طائفة من السلف الولادة في الجنة، واحتجت بما رواه الترمذي في «جامعه» (١) من حديث أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «المؤمن إذا اشتهى الولدَ في الجنة كان حملُه ووضعُه وسِنُّه في ساعة كما يشتهي». قال الترمذي: «حسن غريب»، ورواه ابن ماجه. قالت الطائفة الأولى: هذا لا يدل على وقوع الولادة في الجنة، فإنه علَّقه بالشرط فقال: «إذا اشتهى»، ولكنه لا يشتهي، وهذا تأويل إسحاق بن راهويه حكاه البخاري عنه (٢). قالوا: والجنة دار جزاء على الأعمال، وهؤلاء ليسوا من أهل الجزاء. قالوا: والجنة دار خلود لا موت فيها، فلو توالَدَ فيها أهلُها على الدوام والأبد لما وسعتهم، وإنما وسعتهم الدنيا بالموت. وأجابت الطائفة الأخرى عن ذلك كله وقالت: أداة (إذا) إنما تكون لمحقَّق الوقوع لا للمشكوك فيه، وقد صحَّ أن الله سبحانه ينشئ للجنة خلقًا يُسكنهم إياها بلا عمل منهم، قالوا: وأطفال المسلمين أيضًا فيها بغير عمل. وأما حديث سَعَتها، فلو رُزق كلٌّ منهم عشرة آلافٍ من الولد وَسِعَتْهم، فإن أدناهم من ينظر في ملكه مسيرة ألفي عام (٣).

стр. 2242

وقوله: «يا رسول الله، أقصى ما نحن بالغون ومنتهون إليه؟»، لا جواب لهذه المسألة، لأنه إن أراد أقصى مدة الدنيا وانتهائها فلا يعلمه إلا الله، وإن أراد أقصى ما نحن منتهون إليه بعد دخول الجنة والنار فلا تعلم نفس أقصى ما تنتهي إليه من ذلك وإن كان الانتهاءُ إلى نعيمٍ وجحيمٍ؛ ولهذا لم يجبه النبي ﷺ . وقوله في عقد البيعة: «وزِيال (١) المشرك» أي: مفارقته ومعاداته، فلا يجاوره ولا يواليه، كما في الحديث الذي في «السنن» (٢): «لا تراءى ناراهما» يعني المسلمين والمشركين. وقوله: «حيثما مررت بقبر كافرٍ فقل: أرسلني إليك محمد» هذا إرسالُ تقريعٍ وتوبيخٍ، لا تبليغُ أمرٍ ونهيٍ. وفيه دليل على سماع أصحابِ القبور كلامَ الأحياء وخطابَهم لهم، ودليل على أن من مات مشركًا فهو في النار وإن مات قبلَ البِعثة، لأن المشركين كانوا قد غيَّروا الحنيفية دينَ إبراهيمَ واستبدلوا بها الشرك وارتكبوه، وليس معهم حجة من الله به، وقُبْحُه والوعيد عليه بالنار لم يزل معلومًا مِن دين الرسل كلِّهم مِن أولهم إلى آخرهم، وأخبارُ عقوباتِ الله لأهله متداولة بين الأمم قرنًا بعد قرن، فلِلَّه الحجة البالغة على المشركين في كل وقتٍ، ولو لم يكن إلا ما فطر عبادَه عليه من توحيد ربوبيته المستلزِمِ لتوحيد إلهيَّته، وأنه يستحيل في كل فطرةٍ وعقلٍ أن يكون معه إلهٌ آخر، وإن

стр. 2243

كان سبحانه لا يُعذِّب بمقتضى هذه الفطرة وحدَها فلم تزل دعوة الرسل إلى التوحيد في الأرض معلومةً لأهلها، فالمشرك يستحق العذاب بمخالفته دعوة الرسل، والله أعلم. فصل في قدوم وفد النَّخَع على رسول الله ﷺ - وقدم عليه وفد النخع ــ وهم آخر الوفود قدومًا عليه ــ في نصف المحرم سنة إحدى عشرة في مائتي رجلٍ، فنزلوا دار الأضياف ثم جاؤوا رسول الله ﷺ مقرين بالإسلام، وقد كانوا بايعوا معاذ بن جبل، فقال رجل منهم يقال له زرارة بن عمرو: يا رسول الله، إني رأيت (١) في سفري هذا عجبًا، قال: «وما رأيت؟» قال: رأيت أتانًا تركتها في الحي كأنها ولدت جديًا أَسْفَعَ أحوى (٢)، فقال له رسول الله ﷺ : «هل تركت أمةً لك مُصِرَّةً على حَمْل؟» قال: نعم، قال: «فإنها قد ولدت غلامًا وهو ابنك»، قال: يا رسول الله، فما (٣) باله أسفع أحوى؟ قال: «ادْنُ مني» فدنا منه، فقال: «هل بك مِن بَرَص تكتمه؟» قال: والذي بعثك بالحق ما علم به أحد، ولا اطَّلع عليه غيرُك، قال: «فهو ذلك»، قال: يا رسول الله، ورأيت النعمان بن المنذر (٤) عليه قُرطان مُدَمْلَجان (٥)

стр. 2244

ومَسْكتان، قال: «ذلك مُلْك العرب رجع إلى أحسن زِيِّه وبهجته»، قال: يا رسول الله، ورأيت عجوزًا شمطاءَ خرجت من الأرض، قال: «تلك بقية الدنيا»، قال: ورأيت نارًا خرجت من الأرض فحالت بيني وبين ابنٍ لي يقال له عمرو وهي تقول: لظى لظى بصير وأعمى، أطعِموني آكلكم أهلَكم ومالَكم، قال رسول الله ﷺ : «تلك فتنة تكون في آخر الزمان»، قال: يا رسول الله، وما الفتنة؟ قال: «يقتل الناس إمامهم ويشتجرون اشتجارَ أطباق الرأس ــ وخالف رسول الله ﷺ بين أصابعه ــ يحسب المسيءُ فيها أنه محسن، ويكون دمُ المؤمن عند المؤمن أحلى (١) من شرب الماء، إن مات ابنُك أدركتَ الفتنة، وإن متَّ أنت أدركها ابنُك»، قال: يا رسول الله، ادع الله أن لا أُدركها، فقال رسول الله ﷺ : «اللهم لا يُدرِكْها»، فمات وبقي ابنُه وكان ممن خلع عثمان (٢). * * *

стр. 2245

ذكر هديه ﷺ في مكاتباته إلى الملوك وغيرهم * ثبت في «الصحيح» (١) عنه ﷺ أنه كتب إلى هِرَقْلَ: «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم. سلامٌ على من اتبع الهدى. أما بعد: فإني أدعوك بداعية الإسلام (٢) أَسلِمْ تَسلَم، أسلِم (٣) يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأَرِيسيِّين و ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]». * وكتب إلى كسرى: «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس. سلامٌ على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله. أدعوك بداعية الله (٤)، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافةً لينذر من كان حيًّا ويحقَّ القول على الكافرين، أسلِم تسلَم، فإن أبيت فعليك إثم المجوس». فلما قرئ عليه الكتاب مزَّقه، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «مُزِّق ملكُه» (٥).

стр. 2246

* وكتب إلى النجاشي: «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسولِ الله إلى النجاشي ملك الحبشة. سِلْمٌ أنت، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى ابنَ مريم روحُ الله وكلمتُه ألقاها إلى مريم البَتول الطيبة الحصينة فحملت بعيسى، فخلقه (١) من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده، وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له والموالاةِ على طاعته، وأن تتبعني وتؤمنَ بالذي جاءني، فإني رسول الله وإني أدعوك وجنودَك إلى الله ، وقد بلَّغت ونصحت فاقبلوا نصيحتي، والسلام على من اتبع الهدى» (٢). وبعث بالكتاب مع عمرو بن أمية الضَّمْري، فقال ابن إسحاق (٣): إن عمرًا قال له: يا أَصْحَمة، إن عليَّ القولَ وعليك الاستماع، إنك كأنَّك في الرِّقَّة

стр. 2247

علينا منَّا (١)، وكأنا في الثقة بك منك، لأنا لم نظن بك خيرًا قط إلا نِلناه، ولم نَخَفْك على شيء قطُّ إلا أمِنَّاه، وقد أخذنا الحجة عليك من فيك، الإنجيل بيننا وبينك شاهِدٌ لا يُرَدُّ وقاضٍ لا يجور، وفي ذلك الموقعِ الحزُّ وإصابةُ المفصل، وإلا فأنت في هذا النبي الأمي كاليهود في عيسى ابن مريم، وقد فرق النبي ﷺ رُسُلَه إلى الناس، فرجاك لِما لم يرجُهم له، وأمنك على ما خافهم عليه لخيرٍ سالفٍ وأجرٍ يُنتظَر. فقال النجاشي: أشهد بالله أنه لَلنبيُّ الأمي الذي ينتظره أهل الكتاب، وأن بشارة موسى براكب الحمار كبشارة عيسى براكب الجمل (٢)، وأن العيان ليس بأشفى من الخبر. ثم كتب النجاشيُّ جوابَ كتاب النبي ﷺ : «بسم الله الرحمن الرحيم. إلى محمد رسول الله من النجاشي أصحمة. سلامٌ عليك يا نبي الله من الله ورحمة الله وبركاته الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد: فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى، فوربِّ السماء والأرض إن عيسى لا يزيد على ما ذكرت تُفروقًا (٣)؛ إنه كما ذكرتَ. وقد عرفنا ما بعثتَ به إلينا، وقد قرَّبنا ابنَ عمِّك وأصحابِه، فأشهد أنك رسول الله صادقًا مصدقًا، وقد بايعتك وبايعت ابن عمك، وأسلمتُ على يديه لله رب العالمين». والتُّفروق: عِلاقة ما بين النواة والقِشر (٤).

стр. 2248

وتوفي النجاشي سنة تسعٍ، وأخبر رسول الله ﷺ بموته ذلك اليوم فخرج بالناس إلى المصلى فصلَّى عليه وكبر أربعًا (١). قلت: وهذا وهم والله أعلم، وقد خلط راويه ولم يميز بين النجاشي الذي صلى عليه وهو الذي آمن به وأكرم أصحابه، وبين النجاشي الذي كتب إليه يدعوه، فهما اثنان. وقد جاء ذلك مبينًا في «صحيح مسلم» (٢) أن رسول الله ﷺ كتب إلى النجاشي وليس بالذي صلَّى عليه. فصل وكتب إلى المُقَوقِس ملك مصر والإسكندرية: «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمدٍ عبدِ الله ورسوله إلى المُقَوقِس عظيم القِبْط. سلام على من اتبع الهدى. أما بعد: فإني أدعوك بداعية الإسلام (٣)، أسلِمْ تسلَم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم القبط ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]». وبعث به مع حاطب بن أبي بلتعة، فلما دخل عليه قال له: إنه كان قبلك رجل يزعم أنه الرب الأعلى فأخذه الله نكال الآخرة والأولى، فانتقم به ثم انتقم منه، فاعتبِرْ بغيرك ولا يعتبر غيرُك بك! فقال: إن لنا دينًا لن ندعه إلا لما

стр. 2249

هو خير منه، فقال حاطب: ندعوك إلى دين الله وهو الإسلام الكافي به اللهُ فَقْدَ ما سواه، إن هذا النبي دعا الناسَ فكان أشدَّهم عليه قريشٌ، وأعداهم له يهود، وأقربهم منه النصارى، ولَعَمْري ما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمد، وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل، وكلُّ نبيٍّ أدرك قومًا فهُم من أُمَّتِه، فالحقُّ عليهم أن يطيعوه، فأنت ممن أدركه هذا النبي، ولسنا ننهاك عن دين المسيح ولكنَّا نأمرك به. فقال المقوقس: إني قد نظرت في أمر هذا النبي فوجدته لا يأمر بمزهودٍ فيه ولا ينهى عن مرغوبٍ فيه، ولم أجده بالساحر الضال ولا الكاهن الكاذب، ووجدت معه آلة (١) النبوة بإخراج الخَبْء والإخبار بالنجوى، وسأنظر. وأخذ كتاب النبي ﷺ فجعله في حُقٍّ من عاج وختم عليه ودفعه إلى جاريةٍ له، ثم دعا كاتبًا له يكتب بالعربية فكتب إلى النبي ﷺ : «بسم الله الرحمن الرحيم. لمحمد بن عبد الله، من المقوقس عظيم القبط. سلام عليك. أما بعد: فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت فيه وما تدعو إليه وقد علمت أن نبيًّا بقي، وكنت أظن أنه يخرج بالشام، وقد أكرمتُ رسولَك وبعثتُ إليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم، وبكسوةٍ، وأهديت إليك بغلةً لتركبها. والسلام عليك». ولم يزد على هذا ولم يُسْلِم. والجاريتان: مارية وسيرين، والبغلة: دلدل بقيت إلى زمن معاوية (٢).

стр. 2250

فصل وكتب إلى المُنْذر بن ساوى، فذكر الواقدي (١) بإسناده عن عكرمة قال: وجدت هذا الكتاب في كتب ابن عباس بعد موته فنَسَختُه فإذا فيه: بعث رسول الله ﷺ العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى وكتب إليه كتابًا يدعوه فيه إلى الإسلام، فكتب المنذر إلى رسول الله ﷺ : «أما بعد، يا رسول الله، فإني قرأت كتابك على أهل البحرين، فمنهم من أحبَّ الإسلام وأعجبه ودخل فيه، ومنهم من كرهه، وبأرضي مجوس ويهود، فأحدِثْ إليَّ في ذلك أمرك». فكتب إليه رسول الله ﷺ : «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى المنذر بن ساوى. سلامٌ عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد: فإني أُذكِّرُك الله ، فإنه من ينصح فإنما ينصح لنفسه، وإنه من يُطِعْ رسلي ويتبع أمرهم فقد أطاعني، ومن نصح لهم فقد نصح لي، وإن رسلي قد أثنوا عليك خيرًا، وإني قد شَفَّعتُك في قومك، فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه، وعفوتُ عن أهل الذنوب فاقبل منهم، وإنك مهما تُصلح فلن نَعزِلك عن عملك، ومن أقام على يهودية أو مجوسية فعليه الجزية». فصل وكتب إلى ملك عُمان وبعثه مع عمرو بن العاص: «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد بن عبد الله إلى جَيْفَرٍ وعبدٍ ابني الجُلَنْدى. سلام على من

стр. 2251

اتبع الهدى. أما بعد: فإني أدعوكما بدعاية الإسلام، أسلما تسلما، فإني رسول الله إلى الناس كافَّةً لأُنذر من كان حيًّا ويحقَّ القول على الكافرين، وإنَّكما إن أقررتُما بالإسلام ولَّيتكما، وإن أبيتُما أن تُقرَّا بالإسلام فإن مُلككما زائل عنكما وخيلي تحلُّ بساحتكما وتظهر نبوَّتي على ملككما. وكتب أبيُّ بن كعب، وختم الكتاب». قال عمرو: فخرجت حتى انتهيت إلى عُمان، فلما قدمتها عمدت إلى عبدٍ وكان أحلمَ الرجلين وأسهلهما خلقًا فقلت: إني رسولُ رسولِ الله ﷺ إليك وإلى أخيك، فقال: أخي المُقدَّمُ عليَّ بالسن والملك، وأنا أوصلك إليه حتى يقرأ كتابك، ثم قال: وما تدعو إليه؟ قلت: أدعوك إلى الله وحده لا شريك له وتخلع ما عُبد من دونه، وتشهد أن محمدًا عبده ورسوله. قال: يا عمرو، إنك ابنُ سيِّدِ قومك، فكيف صنع أبوك فإنَّ لنا فيه قدوةً؟ قلت: مات ولم يؤمن بمحمد ﷺ ، ووددت أنه كان أسلم وصدَّق به، وقد كنت أنا على مثل رأيه حتى هداني الله للإسلام. قال: فمتى تبعته؟ قلت (١): قريبًا، فسألني أين كان إسلامك؟ فقلتُ: عند النجاشي، وأخبرته أن النجاشي قد أسلم، قال: فكيف صنع قومه بملكه؟ فقلت: أقرُّوه واتَّبعوه، قال: والأساقفة والرُّهبان تبعوه؟ قلت: نعم، قال: انظر يا عمرو ما تقول! إنه ليس من خصلة في رجل أفضحَ له من كذب، قلتُ: ما كذبتُ وما نستحلُّه في ديننا. ثم قال: ما أرى هرقل علم بإسلام النجاشي، قلت: بلى، قال: بأي شيء علمت ذلك؟

стр. 2252

قلت: كان النجاشي يُخرج له خَرْجًا، فلما أسلم وصدق بمحمد ﷺ قال: لا والله، لو سألني درهمًا واحدًا ما أعطيتُه، فبلغ هرقل قولُه فقال له يناق أخوه: أتدع عبدك لا يُخرج لك خرجًا ويدين دينًا محدَثًا؟ قال هرقل: رجل رغب في دينٍ فاختاره لنفسه ما أصنع به؟ والله لولا الضَّنُّ (١) بملكي لصنعتُ كما صنع. قال: انظر ما تقول يا عمرو! قلت: والله صَدَقتُك. قال عبد: فأخبرني ما الذي يأمر به وينهى عنه؟ قلت: يأمر بطاعة الله وينهى عن معصيته، ويأمر بالبر وصلة الرحم، وينهى عن الظلم والعدوان، وعن الزنا وشُرب الخمر، وعن عبادة الحجر والوثن والصليب. قال: ما أحسنَ هذا الذي يدعو إليه! لو كان أخي يتابعني لركبنا حتى نؤمن بمحمدٍ ونصدِّق به، ولكن أخي أَضَنُّ بملكه من أن يدعه ويصير ذَنَبًا، قلت: إنه إن أسلم ملَّكه رسول الله ﷺ على قومه، فأخذ الصدقة من غنيِّهم فردَّها على فقيرهم، قال: إن هذا لخلق حسن، وما الصدقة؟ فأخبرتُه بما فرض رسول الله ﷺ من الصدقات في الأموال حتى انتهيت إلى الإبل، فقال: يا عمرو، وتؤخذ من سوائم مواشينا التي ترعى الشجر وتَرِد المياه؟ فقلت: نعم، فقال: والله ما أرى قومي في بُعد دارهم وكثرة عددهم يطيعون بهذا. قال: فمكثتُ ببابه أيامًا وهو يصل إلى أخيه فيخبره كلَّ خبري، ثم إنه دعاني يومًا فدخلتُ عليه فأخذ أعوانه بضَبْعيَّ، فقال: دعوه، فأُرسِلتُ، فذهبت لأجلس فأبوا أن يدعوني أجلس، فنظرت إليه فقال: تكلَّم بحاجتك، فدفعت إليه الكتاب مختومًا ففضَّ خاتمه [فقرأه] (٢) حتى انتهى إلى آخره،

стр. 2253

ثم دفعه إلى أخيه فقرأه مثلَ قراءته، إلا أني رأيت أخاه أرقَّ منه قال: ألا تخبرني عن قريش كيف صنعت؟ فقلت: تبعوه إمَّا راغبٌ في الدين وإما مقهور بالسيف، قال ومن معه؟ قلت: الناس قد رغبوا في الإسلام واختاروه على غيره، وعرفوا بعقولهم مع هدى الله إياهم أنهم كانوا في ضلال، فما أعلم أحدًا بقي غيرُك في هذه الحَرَجَة (١)، وأنت إن لم تُسلم اليومَ وتتبعه يُوطِئْك الخيلَ ويُبيد خضراءَك، فأسلِمْ تَسلَمْ ويستعمِلْكَ على قومك، ولا يُدخِلْ عليك الخيلَ والرجال. قال: دعني يومي هذا وارجع إلي غدًا، فرجعت إلى أخيه فقال: يا عمرو، إني لأرجو أن يُسلم إن لم يَضَنَّ بمُلكه، حتى إذا كان الغد أتيت إليه فأبى أن يأذن لي، فانصرفت إلى أخيه فأخبرته أني لم أصل إليه، فأوصلني إليه، فقال: إني فكَّرتُ فيما دعوتَني إليه، فإذا أنا أضعف العرب إن ملَّكتُ رجلًا ما في يدي وهو لا تبلغ خيلُه هاهنا، وإن بلغَتْ خيلُه أَلْفَتْ قتالًا ليس كقتال من لاقى. قلت: وأنا خارج غدًا، فلما أيقن بمخرجي خلا به أخوه فقال: ما نحن فيما قد ظهر عليه، وكلُّ من أرسل إليه قد أجابه، فأصبح فأرسل إليَّ فأجاب إلى الإسلام هو وأخوه جميعًا وصدَّقا (٢) النبي ﷺ ، وخلَّيا بيني وبين الصدقة وبين الحكم فيما بينهم، وكانا لي عونًا على من خالفني (٣).

стр. 2254

فصل وكتب النبي ﷺ إلى صاحب اليمامة هَوذة بن علي، وأرسل به مع سَلِيط بن عمرٍو العامري: «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى هَوذة بن علي. سلام على من اتبع الهدى. واعلم أن ديني سيظهر إلى منتهى الخف والحافر، فأسلم تسلم وأجعل لك ما تحت يديك». فلما قدم عليه سَلِيط بكتاب رسول الله ﷺ مختومًا أنزله وحيَّاه واقترأ عليه الكتاب، فردَّ ردًّا دون ردٍّ وكتب إلى النبي ﷺ : «ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله، والعرب تهاب مكاني فاجعل إلي بعضَ الأمر أتَّبِعْك». وأجاز سَليطًا بجائزة وكساه أثوابًا من نسج هَجَر، فقدم بذلك كلِّه على النبي ﷺ فأخبره، وقرأ النبي ﷺ كتابه وقال: «لو سألني سَيابةً (١) من الأرض ما فعلتُ، بادَ وباد ما في يديه!». فلما انصرف النبي ﷺ من الفتح جاءَه جبريل ﵇ بأن هوذة مات، فقال النبي ﷺ : «أما إن اليمامة سيخرج بها كذاب يتنبَّى يُقتَل بعدي»، فقال قائل: يا رسول الله، من يقتله؟ فقال له رسول الله ﷺ : «أنت وأصحابك»، فكان كذلك (٢). وذكر الواقدي (٣) أن أركون دمشق عظيم من عظماء النصارى كان عند هَوذة فسأله عن النبي ﷺ ، فقال: جاءني كتابه يدعوني إلى الإسلام فلم أُجِبْه،

стр. 2255

قال الأركون: لم لا تجيبه؟ قال: ضننت بديني وأنا مَلِك قومي، وإن تبعته لم أملك، قال: بلى والله، إن اتبعتَه ليملِّكنَّك، وإنَّ الخيرة لك في اتباعه، وإنه لَلنبيُّ العربي الذي بشر به عيسى ابن مريم، وإنه لمكتوب عندنا في الإنجيل محمد رسول الله. فصل في كتابه إلى الحارث بن أبي شِمر الغَسَّاني وكان بدمشق بغُوطتها، فكتب إليه كتابًا مع شجاع بن وهب مرجعه من الحديبية (١): «بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى الحارث بن أبي شِمر. سلام على من اتبع الهدى وآمن به وصدق. وإني أدعوك إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له، يبقى لك ملكك»، وقد تقدم ذلك (٢). * * *

стр. 2256

النسخ المعتمدة في تحقيق هذا الجزء ١ - ف (الأصل) = نسخة جامعة القرويين بفاس (مكتوبة في حياة المؤلف) ٢ - ز= نسخة مكتبة بايزيد في تركيا (٧٦٧ هـ) ٣ - س= نسخة مكتبة مانيسا في تركيا (٧٧٢ هـ) ٤ - ث= نسخة أحمد الثالث في تركيا (٧٧٦ هـ) ٥ - حط= نسخة مكتبة الحرم المكي من «الطب النبوي» (٧٨٨ هـ) ٦ - ل= نسخة بخط ابن الحبال بمتحف طوب قابي سراي بتركيا (٨٤٠ هـ) ٧ - د= نسخة المكتبة الظاهرية بدمشق (٨٥٤ هـ) ٨ - ن= النسخة اليمنية بمتحف طوب قابي سراي (١١٥٣ هـ)

стр. 2257

فصل قد أتينا على جُمَلٍ من هديه ﷺ في المغازي والسِّيَر والبعوث والسرايا والرسل والكتب التي كتب بها إلى الملوك ونُوَّابهم. ونحن نُتبِع ذلك بذكر فصولٍ نافعةٍ في هديه في الطِّبِّ الذي تطبَّب به ووصَفه لغيره، ونبيِّن ما فيه من الحكمة الَّتي تعجز عقولُ أكثر الأطبَّاء عن الوصول إليها، وأنَّ نسبة طبِّهم إليها كنسبة طبِّ العجائز إلى طبِّهم؛ فنقول وبالله نستعين (١) ومنه نستمدُّ الحول والقوَّة: المرض نوعان: مرض القلوب ومرض الأبدان ، وهما مذكوران في القرآن. ومرض القلوب نوعان: مرض شبهةٍ (٢) وشكٍّ، ومرض شهوةٍ وغيٍّ. وكلاهما في القرآن. قال تعالى في مرض الشُّبهة: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠]. وقال تعالى: ﴿الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ﴾ [المدثر: ٣١]. وقال تعالى في حقِّ من دُعي إلى تحكيم القرآن والسُّنَّة، فأبى وأعرض: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [النور: ٤٨ - ٥٠]. فهذا مرض الشُّبهات والشُّكوك. وأمَّا مرض الشَّهوات، فقال تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢]. فهذا

стр. 2258

مرض شهوة الزِّنا (١). فصل وأمَّا مرض الأبدان فقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١]. وذكر مرض البدن في الحجِّ والصَّوم والوضوء لسرٍّ بديعٍ يبيِّن لك عظمةَ القرآن والاستغناء به لمن فَهِمَه وعقَلَه عن سواه. وذلك أنَّ قواعد طبِّ الأبدان ثلاثةٌ: حفظ الصِّحَّة، والحِمْية عن المؤذي، واستفراغ الموادِّ الفاسدة. فذكر سبحانه هذه الأصول الثَّلاثة في هذه المواضع الثَّلاثة. فقال في آية الصَّوم: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]. فأباح الفطرَ للمريض لعذر المرض، وللمسافر طلبًا لحفظ صحَّته وقوَّته لئلَّا يُذْهِبها الصَّوم في السَّفر، لاجتماع شدَّةِ الحركة وما توجبه (٢) من التَّحليل، وعدمِ الغذاء الذي يخلُف ما تحلَّل، فتخور القوَّة وتضعف؛ فأباح للمسافر الفطرَ حفظًا لصحَّته وقوَّته عمَّا يُضْعِفها. وقال في آية الحجِّ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]. فأباح للمريض ومن به أذًى في (٣) رأسه من قَمْلٍ أو حِكَّةٍ أو غيرها (٤) أن يحلِق رأسَه في الإحرام استفراغًا لمادَّة الأبخِرة

стр. 2259

الرَّديَّة (١) الَّتي أوجبت له الأذى في رأسه باحتقانها تحت الشَّعر، فإذا حلَق رأسه تفتَّحت المسامُّ, فخرجت تلك الأبخِرة منها. فهذا الاستفراغ يقاس عليه كلُّ استفراغٍ يؤذي انحباسُه. والأشياء الَّتي يؤذي انحباسها ومدافعتها عشرةٌ: الدَّم إذا هاج, والمنيُّ إذا تبيَّغ (٢)، والبول، والغائط، والرِّيح، والقيء، والعطاس، والنَّوم، والجوع، والعطش. وكلُّ واحدٍ من هذه العشرة يُوجِب حبسُه داءً من الأدواء بحسبه (٣). وقد نبَّه سبحانه باستفراغ أدناها ــ وهو البخار المحتقِن في الرَّأس ــ على استفراغ ما هو أصعب منه، كما هي طريقة القرآن: التَّنبيه بالأدنى على الأعلى. وأمَّا الحِمية، فقال تعالى في آية الوضوء: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]. فأباح للمريض العدول عن الماء إلى التُّراب حميةً له أن يصيب جسدَه ما يؤذيه، وهذا تنبيهٌ على الحمية عن كلِّ مؤذٍ له من داخلٍ أو خارجٍ. فقد أرشد سبحانه عباده إلى أصول الطِّبِّ ومجامع قواعده (٤). ونحن نذكر هدي رسول الله ﷺ في ذلك، ونبيِّن أنَّ هديه فيه أكمل هديٍ. فأمَّا طبُّ القلوب، فمسلَّمٌ إلى الرُّسل صلوات الله عليهم وسلامه، ولا سبيل إلى حصوله إلا من جهتهم وعلى أيديهم، فإنَّ صلاح القلوب أن تكون

стр. 2260

عارفةً بربِّها وفاطرها وبأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه، وأن تكون مُؤْثِرةً لمرضاته ومحابِّه (١)، متجنِّبةً لمناهيه ومساخطه؛ ولا صحَّة لها ولا حياة البتَّة إلا بذلك, ولا سبيل إلى تلقِّيه إلا من جهة الرُّسل. وما يُظَنُّ من حصول صحَّة القلب بدون اتِّباعهم فغلطٌ ممَّن يظنُّ ذلك, وإنَّما ذلك حياة نفسه البهيميَّة الشَّهوانيَّة (٢) وصحَّتها وقوَّتها؛ وحياةُ قلبه وصحَّتُه وقوَّتُه عن ذلك بمعزلٍ. ومن لم يميِّز بين هذا وهذا، فليبكِ على حياة قلبه فإنَّه من الأموات، وعلى نوره فإنَّه منغمسٌ في بحار الظُّلمات. فصل وأمَّا طبُّ الأبدان، فإنَّه (٣) نوعان: نوعٌ قد فطر الله عليه الحيوانَ ناطقَه وبهيمَه. فهذا لا يحتاج فيه إلى معالجة طبيبٍ، كطبِّ الجوع والعطش والبرد والتَّعب بأضدادها وما يزيلها. والثَّاني: ما يحتاج إلى فكرٍ وتأمُّلٍ، كدفع الأمراض المتشابهة الحادثة في المزاج بحيث يخرج بها عن الاعتدال، إمَّا إلى حرارةٍ أو برودةٍ أو يبوسةٍ أو رطوبةٍ، أو ما يتركَّب من اثنين منها. وهي نوعان: إمَّا مادِّيَّةٌ وإمَّا كيفيَّةٌ، أعني: إمَّا أن يكون بانصباب مادَّةٍ أو بحدوث كيفيَّةٍ. والفرق بينهما أنَّ أمراض الكيفيَّة تكون بعد زوال الموادِّ الَّتي أوجبتها، فتزول موادُّها، ويبقى أثرها كيفيَّةً في المزاج. وأمراضُ المادَّة أسبابها معها تمدُّها. وإذا كان سبب المرض

стр. 2261

معه، فالنَّظر في السَّبب ينبغي أن يقع أوَّلًا، ثمَّ في المرض ثانيًا، ثمَّ في الدَّواء ثالثًا. أو الأمراضِ الآليَّةِ (١)، وهي الَّتي تُخرج العضوَ عن هيئته إمَّا في شكلٍ أو تجويفٍ أو مجرًى أو خشونةٍ أو ملاسةٍ أو عددٍ أو عِظَمٍ أو وضعٍ، فإنَّ هذه الأعضاء إذا تألَّفت وكان منها البدن سمِّي تألُّفها اتِّصالًا، والخروجُ عن الاعتدال فيه يسمَّى تفرُّقَ الاتِّصال. أو الأمراضِ العامَّةِ (٢) الَّتي تعُمُّ المتشابهةَ والآليَّةَ. والأمراض المتشابهة: هي الَّتي يخرج بها المزاج عن الاعتدال. وهذا الخروج يسمَّى مرضًا بعد أن يُضِرَّ بالفعل إضرارًا محسوسًا. وهي على ثمانية أضربٍ: أربعة بسيطة، وأربعة مركَّبة. فالبسيطة: البارد، والحارُّ، والرَّطب، واليابس. والمركَّبة: الحارُّ الرَّطب، والحارُّ اليابس، والبارد الرَّطب، والبارد اليابس. وهي إمَّا أن تكون بانصباب مادَّةٍ أو بغير انصباب مادَّةٍ. وإن لم يُضِرَّ المرضُ بالفعل سُمِّي (٣) خروجًا عن الاعتدال صِحِّيًّا (٤). وللبدن ثلاثة أحوالٍ: حالٌ طبيعيَّةٌ، وحالٌ خارجةٌ عن الطَّبيعيَّة، وحالٌ متوسِّطةٌ بين الأمرين. فالأول (٥) بها يكون البدن صحيحًا، والثَّانية بها يكون

стр. 2262

مريضًا. والحال الثَّالثة هي متوسِّطةٌ بين الحالتين، فإنَّ الضِّدَّ لا ينتقل إلى ضدِّه إلا بمتوسِّطٍ. وسبب خروج البدن عن طبيعته إمَّا من داخله لأنَّه مركَّب من الحارِّ والبارد والرَّطب واليابس، وإمَّا من خارجٍ فلأنَّ ما يلقاه قد يكون موافقًا وقد يكون غير موافقٍ. والضَّرر الذي يلحق الإنسان قد يكون من سوء المزاج بخروجه عن الاعتدال، وقد يكون من فسادٍ في العضو، وقد يكون من ضعفٍ في القوى أو الأرواح الحاملة لها. ويرجع ذلك إلى زيادةِ ما الاعتدالُ في عدم زيادته، أو نقصانِ ما الاعتدالُ في عدم نقصانه، أو تفرُّقِ ما الاعتدالُ في اتِّصاله، أو اتِّصالِ ما الاعتدالُ في تفرُّقه، أو امتدادِ ما الاعتدالُ في انقباضه، أو خروجِ ذي وضعٍ وشكلٍ عن وضعه وشكله بحيث يُخرجه عن اعتداله. فالطَّبيب: هو الذي يفرِّق ما يضرُّ بالإنسان جمعُه، أو يجمع فيه ما يضرُّه تفرُّقُه، أو ينقص منه ما يضرُّه زيادته (١)، أو يزيد فيه ما يضرُّه نقصُه؛ فيجلب الصِّحَّة المفقودة أو يحفظها بالمثل (٢) والشِّبه، ويدفع العلَّة الموجودة بالضِّدِّ والنَّقيض، ويُخرجها أو يدفعها بما يمنع من حصولها بالحِمْية. وسترى هذا كلَّه في هدي رسول الله ﷺ شافيًا كافيًا بحول الله وقوَّته وفضله ومعونته.

стр. 2263

فصل فكان (١) من هديه ﷺ : فعلُ التَّداوي في نفسه، والأمرُ به لمن أصابه مرضٌ من أهله وأصحابه؛ ولكن لم يكن من هديه ولا هدي أصحابه استعمال هذه الأدوية المركَّبة الَّتي تسمَّى «أَقْراباذين» (٢)، بل كان غالب أدويتهم بالمفردات، وربَّما أضافوا إلى المفرد ما يعاونه أو يكسر سَورته. وهذا غالب طبِّ الأمم على اختلاف أجناسها من العرب والتُّرك وأهل البوادي قاطبةً، وإنَّما عُنِي بالمركَّبات الرُّومُ واليونانيُّون. وأكثرُ طبِّ الهند بالمفردات. وقد اتَّفق الأطبَّاء على أنَّه متى أمكن التَّداوي بالغذاء لا يُعدَل إلى الدَّواء، ومتى أمكن بالبسيط لا يُعدَل إلى المركَّب (٣). قالوا: وكلُّ داءٍ قدر على دفعه بالأغذية والحِمْية لم يحاول دفعه بالأدوية. قالوا: ولا ينبغي للطَّبيب أن يُولَع بسقي الأدوية، فإنَّ الدَّواء إذا لم يجد في البدن داءً يحلِّله، أو وجد داءً لا يوافقه، أو وجد ما يوافقه فزادت كمِّيَّته عليه أو كيفيَّته= تشبَّث بالصِّحَّة، وعبِث بها. وأرباب التَّجارب من الأطبَّاء طبُّهم بالمفردات غالبًا، وهم أحد فِرَق الطِّبِّ الثَّلاث.

стр. 2264

والتَّحقيق في ذلك أنَّ الأدوية من جنس الأغذية، فالأمَّة والطَّائفة الَّتي غالبُ أغذيتها المفردات فأمراضها قليلةٌ جدًّا، وطبُّها بالمفردات. وأهلُ المدن الذين غلبت عليهم الأغذية المركَّبة يحتاجون إلى الأدوية المركَّبة. وسببُ ذلك أنَّ أمراضهم في الغالب مركَّبةٌ، فالأدوية المركَّبة أنفع لها. وأمراض أهل البوادي والصَّحاري مفردةٌ، فيكفي في مداواتها الأدوية المفردة. فهذا برهان بحسب الصِّناعة الطِّبِّيَّة. ونحن نقول: إنَّ هاهنا أمرًا (١) آخر، نسبةُ طبِّ الأطبَّاء إليه كنسبة (٢) طبِّ الطُّرُقيَّة (٣) والعجائز إلى طبِّهم. وقد اعترف به حذَّاقهم وأئمَّتهم، فإنَّ ما عندهم من العلم بالطِّبِّ، منهم من يقول: هو قياسٌ. ومنهم من يقول: هو تجربةٌ. ومنهم من يقول: هو إلهامٌ (٤) ومناماتٌ وحدسٌ صائبٌ. ومنهم من يقول: أُخِذَ كثيرٌ منه من الحيوانات البهيميَّة، كما يُشاهَد (٥) السَّنانيرُ إذا أكلت ذواتِ السُّموم تعمد إلى السِّراج، فتَلِغُ في الزَّيت تتداوى به؛ وكما رُئيت الحيَّاتُ إذا خرجت من بطون الأرض، وقد عَشِيت أبصارها، تأتي إلى ورق الرَّازِيانَج (٦)، فتُمِرُّ عيونها عليه؛ وكما عُهِد من الطَّير الذي يحتقن بماء البحر

стр. 2265

عند انحباس طبعه، وأمثال ذلك ممَّا ذُكِر في مبادئ الطِّبِّ (١). وأين يقع هذا وأمثاله من الوحي الذي يوحيه الله إلى رسوله بما ينفعه ويضرُّه! فنسبةُ ما عندهم من الطِّبِّ إلى هذا الوحي كنسبة ما عندهم من العلوم إلى ما جاءت به الأنبياء. بل هاهنا من الأدوية الَّتي تشفي من الأمراض ما لم يهتد إليها عقولُ أكابر الأطبَّاء، ولم تصل إليها علومهم وتجاربهم وأقيستهم، من الأدوية القلبيَّة والرُّوحانيَّة، وقوَّة القلب واعتماده على اللَّه، والتَّوكُّل عليه والالتجاء إليه، والانطراح والانكسار بين يديه، والتَّذلُّل له، والصَّدقة، والصلاة (٢) والدُّعاء، والتَّوبة والاستغفار، والإحسان إلى الخلق، وإغاثة الملهوف، والتَّفريج عن المكروب. فإنَّ هذه الأدوية قد جرَّبتها الأمم على اختلاف أديانها ومللها فوجدوا لها من التَّأثير في الشِّفاء ما لا يصل إليه علمُ أعلم الأطبَّاء ولا تجربتُه ولا قياسُه. وقد جرَّبنا نحن وغيرنا من هذا أمورًا كثيرةً، ورأيناها تفعل ما لا تفعل الأدوية الحسِّيَّة؛ بل تصير الأدوية الحسِّيَّة عندها بمنزلة أدوية الطُّرُقيَّة عند الأطبَّاء. وهذا جارٍ على قانون الحكمة الإلهيَّة، ليس خارجًا عنها. ولكنَّ الأسباب متنوِّعةٌ. فإنَّ القلب متى اتَّصل بربِّ العالمين، وخالق الدَّاء والدَّواء، ومدبِّر الطَّبيعة ومصرِّفها على ما يشاء= كانت له أدويةٌ أخرى غير الأدوية الَّتي يعانيها القلبُ البعيدُ منه، المعرِضُ عنه. وقد عُلِم أنَّ الأرواح متى قويت وقويت النَّفس والطَّبيعة تعاونا على دفع الدَّاء وقهره، فكيف ينكر

стр. 2266

لمن قويت طبيعته ونفسه، وفرحت بقربها من بارئها، وأنسها به، وحبِّها له، وتنعُّمها بذكره، وانصراف قواها كلِّها إليه، وجمعها عليه، واستعانتها به، وتوكُّلها عليه= أن يكون ذلك لها من أكبر الأدوية، وتُوجِبَ لها هذه القوَّةُ دفعَ الألم بالكلِّيَّة؟ ولا ينكر هذا إلا أجهلُ النَّاس، وأغلظُهم حجابًا، وأكثفُهم نفسًا، وأبعدُهم عن الله وعن حقيقة الإنسانيَّة. وسنذكر إن شاء الله السَّببَ الذي به أزالت قراءةُ الفاتحة داءَ اللَّدغة عن اللَّديغ الذي (١) رُقي بها، فقام حتَّى (٢) كأنَّ ما به قَلَبةٌ (٣). فهذان نوعان من الطِّبِّ النَّبويِّ، نحن بحول الله نتكلَّم عليهما بحسب الجهد والطَّاقة، ومبلغِ علومنا القاصرة ومعارفنا المتلاشية جدًّا، وبضاعتِنا المزجاة. ولكنَّا نستوهب مَن بيده الخيرُ كلُّه من فضله، فإنَّه العزيز الوهَّاب. فصل روى مسلم في «صحيحه» (٤): من حديث أبي الزبير، عن جابر بن عبد اللَّه، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «لكلِّ داءٍ دواءٌ، فإذا أصيبَ دواءُ الدَّاء برَأ بإذن الله ».

стр. 2267

وفي «الصَّحيحين» (١): عن عطاء عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ما أنزل الله من داءٍ إلا أنزل له شفاءً». وفي «مسند الإمام أحمد» (٢) من حديث زياد بن عِلاقة عن أسامة بن شريك قال: كنت عند النَّبيِّ ﷺ ، وجاءت الأعراب، فقالوا: يا رسول الله أنتداوى؟ فقال: «نعم يا عباد الله تداوَوا، فإنَّ الله لم يضَع داءً إلا وضَع له شفاءً، غير داءٍ واحدٍ». قالوا: ما هو؟ قال: «الهرم». وفي لفظٍ: «إنَّ الله لم يُنزِل داءً إلا أنزل له شفاءً. علِمَه مَن علِمَه، وجَهِله مَن جَهِله» (٣). وفي «المسند» (٤) من حديث ابن مسعودٍ يرفعه: «إنَّ الله لم يُنزِل داءً إلا

стр. 2268

أنزل له شفاءً. علِمَه مَن علِمَه، وجَهِله مَن جَهِله». وفي «المسند» و «السُّنن» (١) عن أبي خِزامة (٢) قال: قلت: يا رسول الله أرأيتَ رقًى نسترقيها، ودواءً نتداوى به، وتُقاةً نتَّقيها= هل تردُّ من قدر الله شيئًا؟ فقال: «هي من قدر اللَّه». فقد تضمَّنت هذه الأحاديث إثباتَ الأسباب والمسبَّبات، وإبطال قول من أنكرها. ويجوز أن يكون قوله: «لكلِّ داءٍ دواءٌ» على عمومه حتَّى يتناول الأدواءَ القاتلة، والأدواءَ الَّتي لا يمكن طبيبًا (٣) أن يُبرئها، ويكون الله قد جعل لها أدويةً تُبرئها، ولكن طوى علمَها عن البشر، ولم يجعل لهم إليه (٤) سبيلًا؛ لأنَّه لا علم للخلق إلا ما علَّمهم اللَّه. ولهذا علَّق النَّبيُّ ﷺ الشِّفاء على مصادفة الدَّواء للدَّاء (٥) فإنَّه لا شيء من المخلوقات إلا له ضدٌّ، فكلُّ داءٍ له ضدٌّ من الدَّواء يعالَج بضدِّه؛ فعلَّق النَّبيُّ ﷺ البرءَ بموافقة الدَّاء

стр. 2269

للدَّواء. وهذا قدرٌ زائدٌ على مجرَّد وجوده، فإنَّ الدَّواء متى جاوز درجةَ الدَّاء في الكيفيَّة، أو زاد في الكمِّيَّة على ما ينبغي، نَقَله إلى داءٍ آخر، ومتى قصَر عنها لم يَفِ بمقاومته وكان العلاج قاصرًا (١). ومتى لم يقع المداوي على الدَّواء (٢) لم يحصل الشِّفاء. ومتى لم يكن الزَّمان صالحًا لذلك الدَّواء (٣) لم ينفع. ومتى كان البدنُ غيرَ قابلٍ له، أو القوَّةُ عاجزةً عن حمله، أو ثمَّ مانعٌ يمنع من تأثيره= لم يحصل البرء لعدم المصادفة. ومتى تمَّت المصادفة حصل البرء، ولا بدَّ. وهذا أحسن المحملين في الحديث. والثَّاني: أن يكون من العامِّ المراد به الخاصُّ، لا سيَّما والدَّاخلُ في اللَّفظ أضعافُ أضعافِ الخارج منه. وهذا يستعمل في كلِّ لسانٍ، ويكون المراد أنَّ الله لم يضع داءً يقبل الدَّواء إلا وضع له دواءً، فلا يدخل في هذا (٤) الأدواءُ الَّتي لا تقبل الدَّواء. وهذا كقوله تعالى في الرِّيح الَّتي سلَّطها على قوم عادٍ: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥] أي: كلَّ شيءٍ يقبل التَّدميرَ، ومن شأن الرِّيح أن تدمِّره. ونظائره كثيرةٌ. ومن تأمَّل خَلْقَ الأضداد في هذا العالم، ومقاومةَ بعضها لبعضٍ، ودفعَ بعضها ببعضٍ (٥)، وتسليط بعضها على بعضٍ= تبيَّن له كمالُ قدرة الرَّبِّ تعالى وحكمته، وإتقانه ما صنعه، وتفرُّده بالرُّبوبيَّة والوحدانيَّة والقهر، وأنَّ

стр. 2270

كلَّ ما سواه فله ما يضادُّه ويمانعه، كما أنَّه الغنيُّ بذاته وكلُّ ما سواه محتاجٌ (١) بذاته. وفي هذه الأحاديث الصَّحيحة الأمرُ بالتَّداوي، وأنَّه لا ينافي التَّوكُّلَ كما لا ينافيه دفعُ داء الجوع والعطش والحرِّ والبرد بأضدادها. بل لا تتمُّ حقيقةُ التَّوحيد إلا بمباشرة الأسباب الَّتي نصَبها الله مقتضِياتٍ لمسبَّباتها قدرًا وشرعًا. وإنَّ تعطيلها يقدح في نفس التَّوكُّل ــ كما يقدح في الأمر والحكمة ــ ويُضْعِفه من حيث يظنُّ معطِّلها أنَّ تركها أقوى من التَّوكُّل، فإنَّ تركها عجزٌ (٢) ينافي التَّوكُّل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفعُ ما يضرُّه في دينه ودنياه؛ ولا بدَّ مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب، وإلَّا كان معطِّلًا للحكمة والشَّرع؛ فلا يجعل العبد عجزَه توكُّلًا ولا توكُّلَه عجزًا. وفيها ردٌّ على من أنكر التَّداوي وقال: إن كان الشِّفاء قد قُدِّر فالتَّداوي لا يفيد، وإن لم يكن قدِّر فكذلك. وأيضًا فإنَّ المرض حصل بقدر اللَّه، وقدرُ الله لا يُدفَع ولا يُرَدُّ. وهذا السُّؤال هو الذي أورده الأعراب على رسول الله ﷺ ، وأمَّا أفاضل الصِّحابة فأعلَمُ بالله وحكمته وصفاته من أن يوردوا مثل هذا. وقد أجابهم النَّبيُّ ﷺ بما شفى وكفى، فقال: هذه الأدوية والرُّقى والتُّقاة (٣) هي من قدر الله، فما خرج شيءٌ عن قدره، بل يُرَدُّ قدرُه بقدره، وهذا الرَّدُّ من قدره، فلا سبيل إلى الخروج عن قدره بوجهٍ ما. وهذا كردِّ قدر

стр. 2271

الجوع والعطش والبرد والحرِّ (١) بأضدادها، وكردِّ قدر العدوِّ بالجهاد. وكلٌّ من قدر الله: الدَّافعُ والمدفوعُ والدَّفعُ. ويقال لمُورِد هذا السُّؤال: هذا يوجب عليك أن لا تباشر شيئًا من الأسباب الَّتي تجلب بها منفعةً أو تدفع بها مضرَّةً، لأنَّ المنفعة والمضرَّة إن قدِّرتا لم يكن بدٌّ من وقوعهما، وإن لم تقدَّرا (٢) لم يكن سبيلٌ إلى وقوعهما. وفي ذلك خراب الدِّين والدُّنيا وفساد العالم. وهذا لا يقوله إلا دافعٌ للحقِّ معاندٌ (٣) له فيذكر القدرَ ليدفع حجَّة المُحِقِّ عليه، كالمشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، و ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [النحل: ٣٥]. فهذا قالوه دفعًا لحجَّة الله عليهم بالرُّسل. وجواب هذا السَّائل أن يقال: بقي قسمٌ ثالثٌ لم تذكره، وهو أنَّ الله قدَّر كذا وكذا بهذا السَّبب، فإن أتيت بالسَّبب حصل المسبَّب، وإلَّا فلا. فإن قال: إن كان قدَّر (٤) لي السَّبب فعلته، وإن لم يقدِّره (٥) لي لم أتمكَّن من فعله. قيل: فهل تقبل هذا الاحتجاج من عبدك وولدك وأجيرك إذا احتجَّ به

стр. 2272

عليك فيما أمرته به ونهيته عنه، فخالفك؟ فإن قبلتَه فلا تلُم من عصاك، وأخذ مالك، وقذف عرضك، وضيَّع حقوقك. وإن لم تقبله فكيف يكون مقبولًا منك في دفع حقِّ الله (١) عليك؟ وقد روي في أثرٍ إسرائيليٍّ أنَّ إبراهيم الخليل قال: يا ربِّ ممَّن الدَّاء؟ قال: منِّي. قال: فممَّن الدَّواء؟ قال: منِّي. قال: فما بال الطَّبيب؟ قال: رجلٌ أُرسِلَ الدَّواءُ على يديه (٢). وفي قوله ﷺ : «لكلِّ داءٍ دواءٌ» تقويةٌ لنفس المريض والطَّبيب، وحثٌّ على طلب ذلك الدَّواء والتَّفتيش عليه؛ فإنَّ المريض إذا استشعرت نفسُه أنَّ لدائه دواءً يزيله، تعلَّق قلبه برَوح الرَّجاء، وبرَد من حرارة اليأس (٣)، وانفتح له باب الرَّجاء. ومتى قويت نفسه انبعثت حرارته الغريزيَّة، وكان ذلك سببًا لقوَّة الأرواح الحيوانيَّة والنَّفسانيَّة والطَّبيعيَّة، ومتى قويت هذه الأرواح قويت القوى الَّتي هي حاملةٌ لها، فقهرت المرضَ ودفعته (٤). وكذلك الطَّبيب إذا علم أنَّ لهذا الدَّاء دواءً أمكنه طلبُه والتَّفتيشُ عليه. وأمراضُ الأبدان على وِزانِ (٥) أمراض القلوب، وما جعل الله للقلب مرضًا إلا جعل له شفاءً بضدِّه، فإن علِمَه صاحبُ الدَّاء، واستعمله، وصادف داءَ قلبه= أبرأه بإذن الله.

стр. 2273

فصل في هديه في (١) الاحتماء من التُّخم والزِّيادة في الأكل على قدر الحاجة، والقانون الذي ينبغي مراعاته في الأكل والشُّرب في «المسند» (٢) وغيره عنه ﷺ أنَّه قال: «ما ملأ آدميٌّ وعاءً شرًّا من بطنٍ. بحسب ابن آدم لُقَيماتٌ يُقِمْنَ صلبَه، فإن كان لا بدَّ فاعلًا فثلثٌ لطعامه، وثلثٌ لشرابه، وثلثٌ لنفسه». الأمراض نوعان: أمراضٌ مادِّيَّةٌ تكون عن زيادة مادَّةٍ أفرطت في البدن حتَّى أضرَّت بأفعاله الطَّبيعيَّة، وهي الأمراض الأكثريَّة. وسببها إدخال الطَّعام على البدن قبل هضم الأوَّل، والزِّيادةُ في القدر الذي يحتاج إليه البدن، وتناولُ الأغذية القليلة النَّفع البطيئة الهضم، والإكثارُ من الأغذية المختلفة التَّراكيب المتنوِّعة. فإذا ملأ الآدميُّ بطنه من هذه الأغذية واعتاد ذلك أورثته أمراضًا متنوِّعةً، منها بطيءُ الزَّوال وسريعُه. فإذا توسَّط في الغذاء، وتناول منه قدرَ الحاجة، وكان معتدلًا في كمِّيَّته وكيفيَّته= كان انتفاع البدن به أكثر من انتفاعه بالغذاء الكثير. ومراتب الغذاء ثلاثةٌ:

стр. 2274

أحدها (١): مرتبة الحاجة. والثَّانية: مرتبة الكفاية. والثَّالثة: مرتبة الفضلة. فأخبر النَّبيُّ ﷺ : أنَّه يكفيه لقيماتٌ يُقِمْنَ صلبَه، فلا تسقط قوَّته ولا تضعف معها. فإن تجاوزها فليأكل في ثلث بطنه، ويدع الثُّلث الآخر للماء، والثَّالث للنَّفس. وهذا من أنفع ما للبدن والقلب، فإنَّ البطن إذا امتلأ من الطَّعام ضاق عن الشَّراب، فإذا ورد عليه الشَّراب ضاق عن النَّفس وعرَض له الكربُ والتَّعبُ بحمله (٢)، بمنزلة حامل الحمل (٣) الثَّقيل. هذا إلى ما يلزم ذلك من فساد القلب، وكسل الجوارح عن الطَّاعات، وتحرُّكها في الشَّهوات الَّتي يستلزمها الشِّبَع. فامتلاءُ البطن من الطَّعام مضرٌّ للقلب والبدن. هذا إذا كان دائمًا أو أكثريًّا. وأمَّا إذا كان في الأحيان فلا بأس به، فقد شرب أبو هريرة بحضرة النَّبيِّ ﷺ من اللَّبن حتَّى قال: والَّذي بعثك بالحقِّ لا أجد له مسلكًا (٤). وأكل الصِّحابة بحضرته مرارًا حتَّى شبعوا (٥). والشِّبَع المفرط يُضْعِف القوى والبدن وإن أخصبه. وإنَّما يقوى البدن بحسب ما يقبل من الغذاء، لا بحسب كثرته.

стр. 2275

ولمَّا كان في الإنسان جزءٌ أرضيٌّ وجزءٌ مائيٌّ (١) وجزءٌ هوائيٌّ قسَم النَّبيُّ ﷺ طعامه وشرابه ونفَسه على الأجزاء الثَّلاثة. فإن قيل: فأين حظُّ الجزء النَّاريِّ؟ قيل: هذه مسألةٌ تكلَّم فيها الأطبَّاء وقالوا: إنَّ في البدن جزءًا ناريًّا (٢) بالفعل، وهو أحد أركانه وأُسْطُقُصَّاته (٣). ونازعهم في ذلك آخرون من العقلاء من الأطبَّاء وغيرهم، وقالوا: ليس في البدن جزءٌ ناريٌّ بالفعل، واستدلَّوا بوجوهٍ: أحدها (٤): أنَّ ذلك الجزء النَّاريَّ إمَّا أن يُدَّعى أنَّه نزل عن الأثير واختلط بهذه الأجزاء المائيَّة والأرضيَّة، أو يقال: إنَّه تولَّد فيها وتكوَّن. والأوَّل مستبعدٌ لوجهين أحدهما: أنَّ النَّار بالطَّبع صاعدةٌ، فلو نزلت لكانت بقاسرٍ من مركزها إلى هذا العالم. الثَّاني: أنَّ تلك الأجزاء النَّاريَّة لا بدَّ في نزولها أن تعبر على كرة الزَّمهرير الَّتي هي في غاية البرد (٥)، ونحن نشاهد في

стр. 2276

هذا العالم أنَّ النَّار العظيمة تنطفئ بالماء القليل، فتلك الأجزاء الصَّغيرة عند مرورها بكُرة الزَّمهرير الَّتي هي في غاية البرد ونهاية العِظَم أولى بالانطفاء. وأمَّا الثَّاني ــ وهو أن يقال إنَّها تكوَّنت هاهنا ــ فهو أبعد وأبعد، لأنَّ الجسم الذي صار نارًا بعد أن لم يكن كذلك، قد كان قبل صيرورته إمَّا أرضًا وإمَّا ماءً وإمَّا هواءً، لانحصار الأركان في هذه الأربعة. وهذا الذي قد صار نارًا قد كان مختلطًا بأحد هذه الأجسام ومتَّصلًا بها، والجسمُ الذي لا يكون نارًا إذا اختلط بأجسامٍ عظيمةٍ ليست بنارٍ ولا واحدٌ منها، لا يكون مستعدًّا لأن ينقلب نارًا، لأنَّه في نفسه ليس بنارٍ. والأجسامُ المختلطة به باردة، فكيف يكون مستعدًّا لانقلابه نارًا؟ فإن قلتم: لم لا تكون هناك أجزاءٌ ناريَّةٌ تقلِبُ هذه الأجسامَ وتجعلها نارًا بسبب مخالطتها إيَّاها؟ قلنا: الكلام في حصول تلك الأجزاء النَّاريَّة كالكلام في الأوَّل. فإن قلتم: إنَّا نرى من رشِّ الماء على النُّورة (١) المطفأة تنفصل منها نارٌ، وإذا وقع شعاع الشَّمس على البلُّورة ظهرت النَّار منها، وإذا ضربنا الحجر على الحديد ظهرت النَّار= وكلُّ هذه النَّاريَّة حدثت عند الاختلاط، وذلك يُبطل ما قرَّرتموه في القسم الأوَّل أيضًا. قال المنكرون: نحن لا ننكر أن تكون المصاكَّة الشَّديدة مُحْدِثةً للنَّار كما في ضرب الحجارة على الحديد، أو تكون قوَّةُ تسخين الشَّمس محدثةً للنَّار كما في البلُّورة، لكنَّا نستبعد ذلك جدًّا في أجرام النَّبات والحيوان، إذ ليس في أجرامها من الاصطكاك ما يوجب حدوث النَّار، ولا فيها من الصَّفاء

стр. 2277

والصِّقال ما يبلغ إلى حدِّ البلُّورة. كيف وشعاع الشَّمس يقع على ظاهرها فلا تتولَّد النَّار البتَّة، فالشُّعاع الذي يصل إلى باطنها كيف يولِّد النَّار؟ الدليل (١) الثَّاني في أصل المسألة: أنَّ الأطبَّاء مجمعون على أنَّ الشَّراب العتيق في غاية السُّخونة بالطَّبع، فلو كانت تلك السُّخونة بسبب الأجزاء النَّاريَّة لكانت محالًا، إذ تلك الأجزاء النَّاريَّة مع حقارتها كيف يُعقَل بقاؤها في الأجزاء المائيَّة الغالبة دهرًا طويلًا بحيث لا تنطفئ، مع أنَّا نرى النَّار العظيمة تُطفأ بالماء القليل؟ الوجه الثَّالث: أنَّه لو كان في الحيوان والنَّبات جزءٌ ناريٌّ بالفعل لكان مغلوبًا بالجزء المائيِّ الذي فيه، وكان الجزء النَّاريُّ مقهورًا به. وغلبةُ بعض الطَّبائع والعناصر على بعضٍ يقتضي انقلاب طبيعة المغلوب إلى طبيعة الغالب، فكان يلزم بالضَّرورة انقلاب تلك الأجزاء النَّاريَّة القليلة جدًّا إلى طبيعة الماء الذي هو ضدُّ النَّار. الوجه الرَّابع: أنَّ الله سبحانه ذكر خلقَ الإنسان في كتابه في مواضع متعدِّدةٍ، يخبر في بعضها أنَّه خلقه من ماءٍ، وفي بعضها أنَّه خلقه من ترابٍ، وفي بعضها أنَّه خلقه من المركَّب منهما وهو الطِّين، وفي بعضها أنَّه خلق (٢) من صلصالٍ كالفخَّار، وهو الطِّين الذي (٣) ضربته الشَّمس والرِّيح حتَّى صار صلصالًا كالفخَّار. ولم يخبر في موضعٍ واحدٍ أنَّه خلقه من نارٍ، بل جعل ذلك خاصِّيَّة إبليس.

стр. 2278

وثبت في «صحيح مسلم» (١) عن النَّبيِّ ﷺ قال: «خُلِقت الملائكةُ من نورٍ، وخُلِق إبليس من مارجٍ من نارٍ، وخُلِق آدمُ ممَّا وُصِف لكم». وهذا صريحٌ في أنَّه خُلِق ممَّا وصفه الله في كتابه فقط، ولم يصِفْ لنا سبحانه أنَّه خلقه من نارٍ ولا أنَّ في مادَّته شيئًا من النَّار. الوجه الخامس: أنَّ غاية (٢) ما يستدلِّون به ما يشاهَد (٣) من الحرارة في أبدان الحيوان، وهي دليلٌ على الأجزاء النَّاريَّة. وهذا لا يدلُّ، فإنَّ أسباب الحرارة أعمُّ من النَّار، فإنَّها تكون عن النَّار تارةً، وعن الحركة أخرى، وعن انعكاس الأشعَّة، وعن سخونة الهواء، وعن مجاورة النَّار، وذلك بواسطة سخونة الهواء أيضًا، وتكون عن أسبابٍ أخر= فلا يلزم من الحرارة النَّار. قال أصحاب النَّار: من المعلوم أنَّ التُّراب والماء إذا اختلطا فلا بدَّ لهما من حرارةٍ تقتضي طبخهما وامتزاجهما، وإلَّا كان كلٌّ منهما غير ممازجٍ للآخر ولا متَّحدٍ به. وكذلك إذا ألقينا البذر في الطِّين بحيث لا يصل إليه الهواء ولا الشَّمس فَسَد، فلا يخلو إمَّا أن يحصل في المركَّب جسمٌ منضجٌ طابخٌ بالطَّبع أو لا. فإن حصل فهو الجزء النَّاريُّ، وإن لم يحصل لم يكن المركَّب مسخِّنًا بطبعه، بل إن سخَّن كان التَّسخين عرضيًّا. فإذا زال التَّسخين العرضيُّ لم يكن الشَّيء حارًّا في طبعه ولا في كيفيَّته، وكان باردًا مطلقًا. لكن من الأغذية والأدوية ما يكون حارًّا بالطَّبع، فعلمنا أنَّ حرارتها إنَّما كانت لأنَّ فيها جوهرًا ناريًّا.

стр. 2279

وأيضًا فلو لم يكن في البدن جزءٌ مسخِّنٌ لوجب أن يكون في نهاية البرد، لأنَّ الطَّبيعة إذا كانت مقتضيةً للبرد وكانت خاليةً من المُعاوِق (١) والمُعارِض وجب انتهاء البرد إلى أقصى الغاية. ولو كان كذلك لما حصل لها الإحساس بالبرد، لأنَّ البرد الواصل إليه إن كان في الغاية كان مثله، والشَّيء لا ينفعل عن مثله، وإذا لم ينفعل عنه لم يحسَّ به، وإذا لم يحسَّ به لم يتألَّم عنه. وإن كان دونه فعدمُ الانفعال يكون أولى. فلو لم يكن في البدن جزءٌ مسخِّنٌ بالطَّبع لما انفعل البدن (٢) عن البرد ولا تألَّم به. قالوا: وأدلَّتكم إنَّما تُبطل قول من يقول: الأجزاء النَّاريَّة باقيةٌ في هذه المركَّبات على حالها وطبيعتها النَّاريَّة، ونحن لا نقول بذلك، بل نقول: إنَّ صورتها النَّوعيَّة تفسد عند الامتزاج. قال الآخرون: لم لا يجوز أن يقال: إنَّ الأرض والماء والهواء إذا اختلطت، فالحرارة المنضجة الطَّابخة لها هي حرارة الشَّمس وسائر الكواكب؛ ثمَّ ذلك المركَّب عند كمال نضجه يستعدُّ لقبول الهيئة التَّركيبيَّة بواسطة السُّخونة، نباتًا كان أو حيوانًا أو معدنًا؟ وما المانع أنَّ تلك السُّخونة والحرارة الَّتي في المركَّبات هي بسبب خواصَّ وقوًى يُحدثها الله عند ذلك الامتزاج، لا من أجزاءٍ ناريَّةٍ بالفعل؟ ولا سبيل لكم إلى إبطال هذا الإمكان البتَّة، وقد اعترف جماعةٌ من فضلاء الأطبَّاء بذلك. وأمَّا حديث إحساس البدن بالبرد، فنقول: هذا يدلُّ على أنَّ في البدن حرارةً وتسخينًا، ومن ينكر ذلك؟ لكن ما الدَّليل على انحصار المسخِّن في

стр. 2280

النَّار، فإنَّه وإن كان كلُّ نارٍ تسخِّن، فإنَّ هذه القضيَّة لا تنعكس كلِّيَّةً، بل عكسها الصَّادق: بعض المسخِّن نارٌ. وأمَّا قولكم بفساد صورة النَّار النَّوعيَّة، فأكثر الأطبَّاء على بقاء صورتها النَّوعيَّة. والقولُ بفسادها قولٌ فاسدٌ قد اعترف بفساده (١) أفضلُ متأخِّريكم في كتابه المسمَّى بـ «الشفاء» (٢)، وبرهن على بقاء الأركان أجمع على طبائعها في المركَّبات. وباللِّه التَّوفيق. فصل وكان علاجه ﷺ للمرض ثلاثة أنواعٍ: أحدها: بالأدوية الطَّبيعيَّة. والثَّاني: بالأدوية الإلهيَّة. والثَّالث: بالمركَّب من الأمرين. ونحن نذكر الأنواع الثَّلاثة من هديه ﷺ ،ونبدأ بذكر الأدوية الطَّبيعيَّة الَّتي وصفها واستعملها، ثمَّ نذكر الأدوية الإلهيَّة، ثمَّ المركَّبة. وهذا إنَّما نشير إليه إشارةً، فإنَّ رسول الله ﷺ إنَّما بُعِث هاديًا وداعيًا إلى اللَّه وإلى جنَّته، ومعرِّفًا باللَّه، ومبيِّنًا للأمَّة مواقعَ رضاه وآمرًا لهم بها، ومواقعَ سخطه وناهيًا لهم عنها، ومخبرَهم أخبارَ الأنبياء والرُّسل وأحوالهم مع أممهم، وأخبارَ تخليق العالم، وأمرَ المبدأ والمعاد، وكيفيَّة شقاوة النُّفوس
следующие страницы →