← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 199

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 526 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

آثار الإمام ابن القيم الجوزية وما لحقها من أعمال (٣١) مدارج السالكين في منازل السائرين تأليف الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٩١ هـ - ٧٥١ هـ) دار عطاءات العلم - دار ابن حزم

стр. 2

راجع هذا الجزء سليمان بن عبد الله العمير عبد الرحمن بن صالح السديس

стр. 3

مقدمة التحقيق الحمد لله، والصلاة والسلام على أفضل الخلق سيدنا محمد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فضمن مشروع «آثار الإمام ابن قيِّم الجوزية وما لحقها من أعمال» الذي شارف على التمام بحمد الله تعالى، يأتي إخراجنا لهذا الكتاب المهم في موضوعه، حيث يبحث في طريق السلوك إلى الله، ومنازل العبد التي يسير فيها في الطريق إليه ... مستجلاةً من الكتاب العزيز, من فاتحة الكتاب الكريم التي هي لبّ القرآن وخلاصته، ومن قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ التي هي خلاصة الفاتحة ولبها. ومستجلاةً من سنة النبي ﷺ وسيرته العطرة، ومن طريق سلف الأمة؛ علمائها وصالحيها وزهّادِها. ورغم أن هذا الكتاب لقي عناية من جهات متعددة تولت إخراجه، في رسائل جامعية أو في مراكز بحثية أو أعمال فردية، وبعضها اعتمد على أصول خطية، إلا أنه لم يلق العناية التي تستكمل شرائط الإخراج العلمي والاطّراد المنهجي، فأكثر الأصول الخطية التي اعتمدها محققو الطبعات السابقة كانت نُسَخًا متأخرة، كثير منها بعد ١٣٠٠ هـ، وفاتتهم نسخ مهمة للكتاب، منها النسخة التي كتبت في حياة المؤلف وقرئت عليه، وفاتت نسخٌ عديدة قريبة العهد بالمؤلف. ومعلوم أن الاعتماد على النسخ الخطية النفيسة من ركائز العمل العلمي الصحيح لإخراج نص تراثيّ، ما دام بالإمكان تحصيلها والوقوف عليها. وسيأتي الحديث عن طبعات الكتاب في موضعه من هذه التقدمة.

стр. 4

ولا تقتصر جوانب النقص في التحقيقات السابقة على قضية النُّسخ الخطية ــ على أهميتها ــ فحسب، بل تتعدى إلى سقوط نصوص كثيرة من عامة الطبعات، ومن هذه المواضع سقوط «منازل» بتمامها أو صفحات بكاملها، فقد سقط من طبعة رشيد رضا ومن طبعة الفقي (٢/ ٣١٤) مبحثٌ كامل في خمس صفحات، من قوله: «على قطع أصول ... » إلى «بطريق الرياضات .. »، وسقط من طبعة دار الصميعي ــ وهي رسائل جامعية ــ (٣/ ٢٣٠٠) منزلة كاملة، وهي منزلة البسطة أو الانبساط نحو ستّ صفحات، وسقطت عدة صفحات من طبعة دار ابن خزيمة تحقيق عامر علي ياسين (٢/ ٣٦٢) بسبب سقوط ورقة مِن مصوّرة نسخته الخطية الوحيدة! إلى ملاحظات أخرى، سيأتي طائفة منها عند الكلام على طبعات الكتاب. وقد عملنا على إخراج الكتاب على عشر نسخ خطية، وهو في عامة نُسَخه مكوّن من مجلدين، فُقِد المجلد الثاني في غالبها، فصار لدينا نسخ وفيرة عالية للمجلد الأول (يمثل المجلدين الأول والثاني من المطبوع)، وشح في النسخ القديمة للمجلد الثاني (يمثل الثالث والرابع) مما دعانا للنزول إلى بعض النسخ المتأخرة للاستعانة بها والاستئناس في قراءة نص المجلدين الأخيرين كما سنشرح ذلك فيما سيأتي من هذا التقديم. وقد قدمنا عدة مباحث للكلام على الكتاب ومتعلقاته، وهي: - تحرير عنوان الكتاب - توثيق نسبة الكتاب للمؤلف - تاريخ تأليفه

стр. 5

- موضوع الكتاب وترتيب مباحثه - منهج المؤلف فيه - «منازل السائرين» وشروحه - مقارنة الكتاب بأهم شروح «المنازل» - تعقبات ابن القيم على الهروي - موارد الكتاب - أثره في الكتب اللاحقة - مختصرات ودراسات عن الكتاب - نسخ الكتاب الخطية - طبعات الكتاب - منهج التحقيق ثم صنعنا فهارس لفظية متعددة للكتاب، وفهارس علمية كاشفة لعلومه وفوائده. ونرجو بهذا العمل أن نكون قد خدمنا الكتاب خدمة تليق به، مع أملنا في الحصول مستقبلًا على نسخ أخرى أكثر جودة للنصف الثاني من الكتاب، آملين من القرّاء الكرام تزويدنا بملاحظاتهم ومقترحاتهم على الإيميل أدناه، ليصل العمل إلى ما يرجونه ونرجوه جميعًا إن شاء الله تعالى. علي بن محمد العمران Aliomraan@hotmail.com

стр. 6

تحرير عنوان الكتاب لم يسمِّ المؤلف ﵀ كتابه في مقدمته، ولا سمَّاه في كتبه الأخرى التي وصلت إلينا إلا في موضع واحد، ولم تتفق النسخ الخطية أيضا على عنوان الكتاب، غير أن السيد رشيد رضا ﵀ لما طبع الجزء الأول من الكتاب سنة ١٣٣١ سماه «مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين» تبعًا للنسخة الخطية التي اعتمد عليها في الجزء المذكور، وكانت نسخة كويتية متأخرة كتبت سنة ١٣١٦، أي قبل طبع الكتاب بخمس عشرة سنة. ومنذ ذلك الحين اشتهر الكتاب بهذا الاسم، ولكن الغريب أنه لم يرد في شيء من النسخ النفيسة القديمة التي بين أيدينا. وقد ظهرت بعد الطبعة السابقة نشرة الشيخ محمد حامد الفقي ﵀ الذي صرَّح بأنه راجعها على أربع نسخ محفوظة في دار الكتب، ومنها «نسخة قيمة جدًّا كتبت في سنة ٨٢٣»، وكانت تحمل عنوان «مدارج السالكين في منازل السائرين»، وقد وضع الشيخ صورة صفحة العنوان منها في أول الكتاب، ومع ذلك قلَّد في تسميته نشرة السيد رشيد رضا. وإليكم ما وقفنا عليه من عناوين الكتاب في مخطوطاته وكتب المؤلف وكتب التراجم وما إليها: ١) مراحل السائرين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين بهذا العنوان ذكره المؤلف في «مسألة السماع» (ص ١٠٠). وهو الذي ذكره ابن رجب في «ذيل طبقات الحنابلة» (٥/ ١٧٥). ومنه نقله العليمي في «المنهج الأحمد» (٥/ ٩٤)، والداودي في «طبقات المفسرين» (٢/ ٩٢)، وابن العماد في «شذرات الذهب» (٨/ ٢٨٩).

стр. 7

٢) مدارج السالكين في منازل السائرين اتفقت عليها نسخة قيون المقروءة على المؤلف، ونسخة حلب المقابلة على النسخة السابقة سنة ٧٧٣، ونسخة جامعة الإمام ٨٨٦٠ ج ١ (القرن الثامن)، ونسخة دار الكتب ١٠٣ تصوف قوله (سنة ٩٣٦) ونسخة التيمورية ١٥٥ تصوف ج ٢ المنقولة من نسخة مكتوبة سنة ٧٦٥. ٣) مدارج السالكين في شرح منازل السائرين اتفقت عليها نسخة ولي الدين ١٧٣٢ (سنة ٧٨٧) ونسخة شستربيتي (الثامن تقديرا) ونسخة دار الكتب طلعت ١٥٢٢ (سنة ٨٢٣). ٤) إرشاد السالكين إلى شرح منازل السائرين انفردت به نسخة قره جلبي زاده (سنة ٧٨٠). وتبعتها نسخة ولي الدين ١٧٣٠ (سنة ٧٨٤) المنقولة منها. ٥) شرح منازل السائرين ذكره بهذا العنوان الحافظ ابن حجر في «الدرر الكامنة» (٥/ ١٣٩) ومن تابعه كالشوكاني، والسيوطي في «الحاوي للفتاوي» (٢/ ١٣٦)، وغيره. والظاهر من صنيعه أنه ليس من غرضه النص على اسم الكتاب، وإنما أراد الإشارة إليه. ٦) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين وقع هذا العنوان في النسخ المتأخرة النجدية ونحوها مثل نسخة الغاط (سنة ١٣١٧) ونسخة حائل (سنة ١٣١٨) ونسخة دارالكتب ٨٧٤ تصوف (سنة ١٣٢٠).

стр. 8

ومعلوم أن قطعة من الكتاب قد طبعت في الهند سنة ١٨٩٤ م (١٣١١/ ١٣١٢ هـ) ــ وكانت هي أول طبعة للكتاب ــ باسم «مدارج السالكين شرح منازل السائرين من منازل إياك نعبد وإياك نستعين» ولا شك أنه عنوان ملفَّق، زيد فيه «من منازل ... » إلخ. أما العنوان المشهور «مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين»، فهوعنوان جميل رائق عُرف به الكتاب منذ قرن من الزمن، إذ طبعه السيد رشيد رضا بهذا العنوان وتَبِعه الناشرون الذين جاؤوا من بعده جميعًا، ولكنه كما قلنا لم يرد في شيء من الأصول النفيسة القديمة، وإنما نراه في النسخ المتأخرة التي كتب معظمها في القرن الماضي! ونخشى ــ إن لم يكن هذا العنوان منقولا من النسخ القديمة ــ أن يكون ملفقًا أيضًا، فأُخِذ الجزء الأول «مدارج السالكين» من العنوانين الثالث والرابع، والجزء الثاني «بين منازل ... » إلخ من العنوان الأول الذي ذكره المؤلف وتلميذه ابن رجب. ويرشحه أن المؤلف استهلَّ كثيرًا من أبواب الكتاب بقوله: «ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين». وإذا صرفنا النظر عن العنوان الرابع الذي انفردت به إحدى النسخ (وتابعتها أخرى منقولة منها) بقيت ثلاثة عناوين، وأقواها في الظاهر أولها، وهو «مراحل السائرين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين»، فإن المؤلف نفسه أحال عليه بهذا العنوان، ثم ذكره تلميذه ابن رجب في ثبت مؤلفاته. ولكن يُضعفه أنه لم يرد أيضًا فيما وصل إلينا من نسخ الكتاب قديمة كانت أو متأخرة. أما النسخة المحفوظة في جامعة الإمام برقم ٨٩٦٣ المكتوبة سنة ١٢٦٧ (في بطاقة النسخة: ١٢٧٨، خطأ) المخرومة من أولها، فإن ناسخها

стр. 9

هو الذي سماها: «مراحل السائرين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين الشرح (بشرح؟) منازل السالكين (كذا) للشيخ شمس الدين ... ». وهي الجزء الثاني من الكتاب، أما الجزء الأول منها برقم ٨٩٩١ فعنوان الكتاب فيه: «مدارج السالكين في شرح منازل السائرين». أما العنوان الثاني، وهو «مدارج السالكين في منازل السائرين»، فسمي به الكتاب في عدة نسخ نفيسة أحسنُها نسخة قيون أوغلو، ولم يصل إلينا منها إلا المجلد الأول. هذه النسخة مقروءة على المؤلف، ولكن العنوان المذكور الوارد في أول النسخة وآخرها كتب بعد وفاة المؤلف. وفي أسفل صفحة العنوان عشرة أبيات في مدح الكتاب لابن أبي العِزّ الحنفي (ت ٧٩٢) كتبها بخطه، أولها: صاحِ هذي مدارجُ السالكينا ... قد بدت في منازل السائرينا وقد نظم فيه ــ كماترى ــ العنوان الوارد في النسخة. وهذه الأبيات واردة بخطه في أول نسخة حلب أيضًا. وفي آخر جزئيها أنها قوبلت على أصل مقابل بأصل مؤلفه مقروء عليه سنة ٧٧٣. والظاهر أن ابن أبي العز هو الذي قابلها بنسخة قيون السابقة. أما العنوان الثالث، فإنه أيضًا ورد في نسخ قديمة، والغالب أنه من وضع المصنف. ولا غرو، فإن الكتاب شرح لمنازل السائرين للهروي، ومن ثم يسميه الحافظ ابن حجر وغيره اختصارًا: «شرح منازل السائرين». وبالتأمل في العناوين الثلاثة يبدو لنا أن العنوان الأول أقدمها، وهو يدل على أن الكتاب تأليف مستقلّ يدور حول منازل إياك نعبد وإياك نستعين

стр. 10

ويشرح مراحل السائرين بين هذه المنازل، وليس في العنوان إشارة من قريب أو بعيد إلى أنه شرح لكتاب منازل السائرين للهروي. وإذا نظرنا إلى قول المؤلف في مقدمة الكتاب: «ونحن ننبه على هذا بالكلام على فاتحة الكتاب وأم القرآن وما تضمنته من الرد ... وما تضمنته من منازل السائرين ومقامات العارفين ... »، ثم إلى الفصل الذي عقده «في منازل (إياك نعبد) التي ينتقل فيها القلب منزلة منزلة في حال سيره إلى الله»، وشروعه بعد ذلك في الكلام على المنازل ونَقْل كلام الهروي وشرحه وتعقبه، ثم إلى افتتاحه أكثر المنازل بقوله: «ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين ... » = إذا نظرنا إلى كل ذلك رأينا العنوان مطابقًا لمنهج الكتاب، ومحتواه، وسياسة المؤلف في تأليفه. فإن الغرض من إنشاء الكتاب: بيان المنهج الصحيح لتزكية النفس، وإصلاح التصوف من خلال الكلام على منازل السائرين للهروي بالإضافة إلى تبرئته مما يزعمه أصحاب وحدة الوجود أنه منهم؛ فلم يَعْقِد المؤلفُ كتابَه ابتداءً على شرحِ كتابِ المنازلِ أو انتقاده. ولكن يبدو أنه خشي فيما بعد أن هذا العنوان الذي يطابق بناء الكتاب قد يضر بغرض تأليفه، إذ ليس في ألفاظ العنوان ما يجذب طلاب التزكية والراغبين في كتب المتصوفة إلى قراءة هذا الكتاب، فأحبَّ أن يصرّح في العنوان بأنه في شرح «منازل السائرين» ليقبلوا عليه، ويحصل المقصود، فاختار «مدارج السالكين في شرح منازل السائرين». ولا شك أن الكتاب شرح «منازل السائرين»، ولكنه ليس شرحًا كالشروح المعروفة، ولم يتَّبع فيه المنهج المألوف في شرح الكتب كما سيأتي، ثم هذا العنوان لا ينبئ بأن الكتاب في مادته ومنهجه يختلف عن شرح

стр. 11

كتاب معين. فكأن المؤلف ﵀ رأى قصورًا في العنوانين، فإن أحدهما يزري باستقلال الكتاب، والآخر يضرّ بغرض تأليفه، فكأنه لاح له عنوان ثالث بحذف كلمة «شرح»، وهو: «مدارج السالكين في منازل السائرين». ولما كان هذا العنوان هو الثابت في أصح أصولنا وأقدمها رجَّحناه على العنوان المشهور الذي لم نره إلا في النسخ المتأخرة. هذا العنوان الجديد يفهم منه أنه كتاب مستقل غرضُه بيان مدارج السالكين ومراتبهم في منازل السلوك، فحرف الجر «في» متعلق هنا بلفظ المدارج، وفي الوقت نفسه فيه تلميح إلى كتاب «منازل السائرين» أيضًا، فجاء هذا العنوان بتصريحه وتلميحه وافيًا بالغرضَين. والله أعلم. ونشير في آخر هذا المبحث إلى وهم البغدادي في «هدية العارفين» (٢/ ١٥٨)، إذ عدَّ «مراحل السائرين» و «مدارج السالكين في شرح منازل السائرين» كتابين اثنين! * * *

стр. 12

توثيق نسبة الكتاب للمؤلف كتابنا ثابت النسبة إلى مؤلفه ابن قيم الجوزية ﵀، ولم يشك في صحتها أحد فيما نعلم. وقد ذكر صاحب «كشف الظنون» (٢/ ١٦٤٠) كتابًا لابن الجوزي باسم «مدارج السالكين»، ولا ندري ما مصدره، وهو أيضًا لم يقف على نسخة منه ليذكر أولها. وقد رأينا أنه يحدث الخلط أحيانًا بين ابن الجوزي وابن قيم الجوزية، ولكن حاجي خليفة لم يخلط بين الكتاب الذي نسبه إلى ابن الجوزي وبين كتابنا الذي سمَّاه «مدارج السالكين في شرح منازل السائرين»، فذكرهما كتابين مستقلين. هذا في حرف الميم، ثم ذكره مرة أخرى ضمن شروح «منازل السائرين». والدلائل على صحة نسبة الكتاب إلى ابن القيم متوافرة متظافرة، نذكر هنا جملة منها: ١) فأولها ذكرُه في ثبت مؤلفاته في كتب التراجم، وأهمُّ هذه الكتب: «ذيل طبقات الحنابلة» لتلميذه الحافظ ابن رجب الحنبلي، ذكره أولًا في ترجمة شيخ الإسلام الهروي (١/ ١٥٠)، ثم في ترجمة شيخه ابن القيم (٥/ ١٣٥). وذكره الحافظ ابن حجر في «الدرر الكامنة» (٥/ ١٣٩). وعلى كتابَي ابن رجب وابن حجر اعتمدت الكتب الأخرى في ذكر كتاب المدارج ضمن مؤلفات ابن القيم. ٢) ومن الدلائل: إجماع نُسَخ الكتاب الخطية، القديمة منها والمتأخرة، على نسبته إلى ابن القيم. ٣) ومنها ما اقتبسه العلماء من كتابنا مع الإحالة الصريحة عليه، وسيأتي ذكر هذه النقول في مبحث الصادرين عن الكتاب.

стр. 13

٤) ومنها أن المؤلف نفسه أحال عليه في كتابه «مسألة السماع» (ص ١٠٠) وسمَّاه «مراحل السائرين بين إياك نعبد وإياك نستعين». وقد أشار إليه أيضًا في «زاد المعاد» (٤/ ٢٥٣) في الظاهر، وقد نبهنا في التعليق على هذا الموضع من «الزاد» أن الشيخ الفقي ﵀ قد زاد في المتن هنا: «مدارج السالكين» بين شرطتين من عنده خلافًا للنسخ، وتبعته طبعة الرسالة. ٥) وكذلك أحال ﵀ في هذا الكتاب على كتب أخرى من تأليفه، منها ما وصل إلينا وطبع وهي خمسة كتب: - مفتاح دار السعادة ومطلب أهل العلم والإرادة (١/ ١٤٠، ٤/ ٥١٠) - الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (٤/ ٣٠٦) - سفرالهجرتين وطريق السعادتين (١/ ١٤٠، ٢/ ٣، ١٣٠، ٢٨٨) - إغاثة اللهفان في طلاق الغضبان (٤/ ٢٣٤) - الوابل الصيب ورافع الكلم الطيب (٣/ ٢١٩) والمسائل التي أحال لبحثها على هذه الكتب كلها مبحوث فيها، كما سترى في تعليقاتنا على المواضع المذكورة. ومن مؤلفاته التي أحال عليها وهي لا تزال في عداد المفقود كتابان: - قرة عيون المحبين وروضة قلوب العارفين - تحفة النازلين بجوار رب العالمين أما الكتاب الأول فقال في «المدارج» (١/ ١٤١): «وقد بينا فساد قولهم

стр. 14

وإنكارهم محبة الله من أكثرمن ثمانين وجهًا في كتابنا المسمى (قرة عيون المحبين وروضة قلوب العارفين)، وذكرنا فيه وجوب تعلق المحبة بالحبيب الأول من جميع طرق الأدلة النقلية والعقلية والذوقية والفطرية ... ». ثم قال في المجلد الثاني (ص ٢٨٧) بعد بحث مسألة: هل يبقى الاشتياق عند لقاء المحبوب أو يزول: «وقد ذكرنا هذه المسألة مستقصاةً وتوابعَها في كتابنا الكبير في المحبَّة ... ». وبمثله وصفه في المجلد الثالث (ص ٣٨٤) بعد ما ذكر أن جميع طرق الأدلة تدل على إثبات محبة العبد لربه والرب لعبده، فقال: «وقد ذكرنا لذلك قريبا من مائة طريق في كتابنا الكبير في المحبة، وذكرنا فيه فوائد المحبة وما تثمر لصاحبها من الكمالات وأسبابها وموجباتها والرد على من أنكرها ... ». نضم إلى ما سبق قوله في طريق الهجرتين (ص ١٢٤): «قد ذكرنا مجموع هذه الطرق فى كتابنا الكبير فى المحبة الذي سميناه «المورد الصافي، والظل الضافي» في المحبة وأَقسامها وأَنواعها وأَحكامها وبيان تعلقها بالإله الحق دون ما سواه، وذكرنا من ذلك ما يزيد على مائة وجه». هذه النصوص مع دلالتها على أنها صدرت جميعًا عن قلم واحد وتأكيد نسبتها إلى مؤلفها، تفيد أيضًا أن الكتاب الذي أشار إليه في موضعين بقوله: «كتابنا الكبير في المحبة» هو «قرة عيون الموحدين وروضة قلوب العارفين»، وأن «المورد الصافي والظل الضافي» المذكور في طريق الهجرتين عنوان آخر للكتاب نفسه. أما كتاب «تحفة النازلين بجوار رب العالمين»، فأحال عليه المؤلف في مسألة التحسين والتقبيح العقليين والرد على نفاته فقال: «وقد بينا بطلان

стр. 15

هذاالمذهب من ستين وجها في كتابنا المسمى (تحفة النازلين بجوار رب العالمين) وأشبعنا الكلام في هذه المسألة هناك، وذكرنا جميع ما احتج به أرباب هذا المذهب وبطلانه». هذا ما قاله في (١/ ٣٦٠)، ولكن أحال من قبل (١/ ١٤٠) ومن بعد (٤/ ٥١٠) لهذه المسألة نفسها على كتاب «مفتاح دار السعادة»، فقال في الموضع الأول: «ولهذ الأصل لوازم وفروع كثيرة فاسدة، وقد ذكرناها في كتابنا الكبير المسمى (مفتاح دار السعادة ... ) وبينا فساد هذا الأصل من نحو ستين وجها».ومثله في الموضع الآخر. فيحتمل أن يكون كتاب «تحفة النازلين» مثل كتاب «التحفة المكية» مجموعا مستقلا قيَّد فيه فوائد ثم نقلها إلى كتبه الأخرى، أو عنوانًا آخر للتحفة المكية نفسها. ٦) ومنها ما نثره المؤلف ﵀ في فصول كثيرة من الكتاب من أقوال شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وآرائه وترجيحاته، ينقل بعضها من كتبه، ويروي بعضها عنه شفاها. ٧) ومنها مناقشات المؤلف واحتجاجاته وترجيحاته في مباحث عديدة اشترك فيهاهذا الكتاب وغيره من كتب المؤلف، ومنها ما أحال لها على كتبه الأخرى التي أشرنا إليها آنفا، نحو مسألة التحسين والتقبيح، ومسألة حب الله لخلقه، وغيرهما. ثم أسلوب المؤلف ونفَسه ومنهجه في الكلام على المسائل الخلافية وغير ذلك من خصائص كتبه=كلُّ ذلك مستعلن في كتابنا هذا أيضا، بحيث لو حذف عنوان الكتاب واسم مؤلفه لم يشكّ قارئه في كونه من تأليف ابن القيم ﵀. * * * *

стр. 16

تاريخ تأليفه لم ينصَّ المؤلف على زمن تأليف الكتاب، إلا أنه أحال عليه في كتاب آخر له في مسألة السماع (ص ١٠٠) كما سبق، وقد استفتي في المسألة المذكورة هو وغيره من العلماء سنة ٧٤٠، وذلك يقتضي أن يكون كتاب «مدارج السالكين» قد أُلِّف قبل هذه السنة. ومن الكتب التي أحال عليها المؤلف في المدارج مرتين: «مفتاح دار السعادة»، وفي المفتاح ذكر كتابه «تهذيب السنن»، وقد ألف الكتاب الأخير سنة ٧٣٢، وذلك يقتضي أن يكون زمن تأليف المفتاح والمدارج كليهما بعد سنة ٧٣٢. إذن يمكن أن يقال إن مدارج السالكين أُلِّف فيما بين سنتي ٧٣٢ و ٧٤٠. وهذا أمر تقريبي، إذ يجوز أن يكون المؤلف زاد بعض الإحالات فيما بعد، أو نقل مادة بما فيها من الإحالات من كتاب قديم له إلى كتاب آخر حديث أو بالعكس. فإن قيل: إن نسخة حلب من كتاب المدارج كتبت سنة ٧٣١ حسب تصريح الناسخ في خاتمة المجلد الثاني، فتاريخ هذه النسخة قاطع بأن الكتاب ألف قبل السنة المذكورة. قلنا: هذا التاريخ مقطوع ببطلانه، فإنه ليس بخط ناسخ الأصل، وقد ألحقَتْ العبارة: «وبه تمَّ الكتاب نسأل الله تعالى ... في سنة ٧٣١» بخط آخر بعد كشط وإخفاء ما كان مكتوبًا على طرة النسخة. وفي العبارة خطأ آخر، وهو زعم الكاتب أن الكتاب قد تم بهذا المجلد، مع أن كلام المؤلف على منزلة المحبة لم يتمَّ بعد، وبقي منه ثلاثة فصول في شرح كلام الهروي، فلم يتمَّ هذا المجلد فضلا عن تمام الكتاب!

стр. 17

موضوع الكتاب وترتيب مباحثه الكتاب معقود على بيان أصول تزكية النفس التي هي أهم مقاصد بعثة النبي ﷺ ، والكلام على أعمال القلوب ومنازل السلوك التي يتنقل بينها القلب في السير إلى الله، والتنبيه على ما طرأ من الزيغ والانحراف في وصفها وتحديدها عند المتصوفة. وهو في ذلك صنو كتابه الآخر «طريق الهجرتين وباب السعادتين». وكما اختار فيه ابن القيم للوصول إلى غرضه كتاب «محاسن المجالس» لابن العريف ــ وهو مبني على كتاب «علل المقامات» لأبي إسماعيل الهروي ــ اختار لكتابنا هذا كتاب «منازل السائرين» لأبي إسماعيل نفسه، لكونه كتابا مشهورًا بين السالكين من أهل السنة وغيرهم. واختار إلى ذلك شرحًا واحدًا من شروحه، وهو شرح العفيف التلمساني لأنه صيَّر أبا أسماعيل بشرح كلامه من القائلين بوحدة الوجود. وقد ذكر الذهبي في «تاريخ الإسلام» (١٠/ ٤٨٩) أنه رأى الاتحاديةَ تعظِّم «كتاب المنازل» وتنتحله وتزعم أنه على تصوفهم الفلسفي. واشتهر شرح التلمساني، وأقبل عليه طلاب السلوك، فاشتد البلاء، وتفاقم الخطر، فانبرى ابن القيم لشرح «كتاب المنازل» وبيان ما له وما عليه، مع الرد على عقيدة وحدة الوجود والانحرافات الأخرى من خلال نقده لكلام التلمساني، وتبرئة شيخ الإسلام الهروي من هذه العقيدة الباطلة. ولكن قارئ الكتاب يستغرب أن ابن القيم لم يشر في أوله من قريب أو بعيد إلى أنه قصد به إلى شرح «كتاب منازل السائرين» لأبي إسماعيل

стр. 18

الهروي، بل الاسم الذي اختاره لكتابه في أول الأمر ــ وهو: «مراحل السائرين في منازل إياك نعبد وإياك نستعين» ــ لم يكن يدل أيضًا على أن الكتاب في شرح «منازل السائرين». فهل غيَّر ابن القيم خطة الكتاب في أثناء تأليفه؟ لننظر أولا في البناء العام للكتاب. يمكن أن نقسم الكتاب لفهم تأليفه إلى الأقسام الآتية: ١) خطبة الكتاب (١/ ١ - ٩) الخطبة كلها تدور حول فضل القرآن ومنزلته في حياة المسلمين، فهو الصراط المستقيم الذي لا تزيغ به الآراء والأهواء، وهو الهدى والنور، وحياة القلوب وشفاء الصُّدور، والعروة الوثقى التي لا انفصام لها. وهو الكفيل بمصالح العباد في المعاش والمعاد. ولكن طوائف كثيرة من عامة المسلمين وخاصتهم هجروه، وعزلوه عن منصبه بطرق مختلفة من التأويل وغيره، واستفزَّتهم آراء الرجال و أنواع الجدل وضروب الأقيسة والإشارات والشطحات. وختم المصنف هذه الخطبة بأنه سينبه على ذلك بالكلام على سورة الفاتحة وعلى بعض ما تضمنته من الرد على جميع طوائف أهل البدع والضلال، وكذلك ما تضمنته من منازل السائرين ومقامات العارفين، والفرق بين وسائلها وغاياتها، ومواهبها وكسبياتها. ٢) تفسير سورة الفاتحة (١/ ١٠ - ١٧١) ومن المباحث التي يشتمل عليها: - إثبات السورة للنبوة من ثماني جهات. - فصول في تفسير الصراط المستقيم وسؤال الهداية.

стр. 19

- فصول في اشتمال السورة على أنواع التوحيد الثلاثة. - مراتب الهداية العامة والخاصة، وهي عشر مراتب، منها مرتبة الإلهام. وهي من منازل كتاب الهروي أيضًا، فنقل ابن القيم كلامه وشرحه وعلق عليه حسب طريقته. وهذا أول موضع ذكر فيه «صاحب المنازل». وقال ابن القيم في آخر شرحه للدرجة الثالثة من منزلة الإلهام: «وأما الاتحادية القائلون بوحدة الوجود فإنهم يجعلون ذلك اضمحلالًا وعدمًا في الوجود، ويجعلون صاحب المنازل منهم، وهو بريء منهم عقلًا ودينًا وحالًا ومعرفة». - فصل في بيان اشتمال الفاتحة على الشفاءين: شفاء القلوب وشفاء الأبدان. ومن ذلك اشتمالها على الرد على جميع المبطلين من أهل الملل والنحل، وعلى أهل البدع والضلال من هذه الأمة كالملاحدة القائلين بوحدة الوجود والفلاسفة والجهمية والقدرية والجبرية وغيرهم (٨٤ - ١٠٥). - فصول في الكلام على ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وبيان أن سر الكتب والأمر والنهي والشرائع والثواب والعقاب انتهى إلى هاتين الكلمتين، وعليهما مدار العبودية والتوحيد. - الناس في الأصلين العبادة والاستعانة أربعة أقسام.- لا يكون العبدُ متحققًا بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ إلا بالإخلاص والمتابعة، والناس في ذلك أربعة أقسام. - أهل مقام ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لهم في أفضل العبادة وأنفعها أربعة طرق، فهم في ذلك أربعة أقسام.

стр. 20

- الناس في منفعة العبادة وحكمتها ومقصودها أربعة أصناف، ومنهم الفلاسفة والصوفية المتفلسفة. - بناء ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على أربع قواعد، ولزوم العبودية لكل عبد إلى الموت، وانقسامها إلى عامة وخاصة (١٤١ - ١٥١). - مراتب ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ علمًا وعملًا، ودوران رحى العبودية على خمس عشرة قاعدة من كمّلها كمّل مراتب العبودية (١٥١ - ١٧١). هذه الفصول المهمة النفيسة التي اشتمل عليها تفسير المؤلف لسورة الفاتحة هي في الحقيقة بمنزلة القواعد والأسس التي يقوم عليها نظام تزكية النفس والسلوك في الإسلام. ثم هي تسدُّ جميع المنافذ التي يسعى الطوائف المنحرفة للدخول منها. وقد مهد المصنف بهذه الفصول لكلامه على منازل السالكين في الفصل الآتي. ٣) فصل في منازل إياك نعبد (١/ ١٧٢ - ٣٧٨) - أشار المصنف في أوله إلى تأليف الناس في المنازل واختلافهم في عددها ووصفها بحسب سلوكهم، ثم قال: «وسأذكر فيها أمرًا مختصرًا جامعًا نافعًا إن شاء الله». ثم تكلم على تسعة منازل هي مع ترتيبها عند الهروي: اليقظة (١)، البصيرة (٥٤)، القصد (٤١)، العزم (٤٢)، الفكرة (٥)، الفناء (٩٢)، المحاسبة (٣)، التوبة (٢)، الإنابة (٤). ولننظر كيف جاء كلامه عليها. - ذكر أن أول المنازل: «اليقظة» وعرَّفها، وأن اليقظة توجب «الفكرة» وعرَّفها أيضًا، فلم يشرح مراتب المَنْزِلَين. فإذا صحّت الفكرة أوجبت «البصيرة». وتوقف عند «البصيرة»، فعرّف بها وذكر لها ثلاث مراتب

стр. 21

وشرحها. ثم قال: «ولصاحب المنازل طريقة أخرى في البصيرة»، ونقل كلامه في تعريفها ودرجاتها وفسَّرها. وهذا أول منزل يشرح ابن القيم كلام الهروي عليه. نعم، قد نقل من قبل في فصل مراتب الهداية كلام الهروي على الإلهام، وعلّق عليه، ولكنه لم يتكلم عليه بصفته منزلًا من منازل العارفين. - ثم تكلم على منزل القصد على أنه يلي منزل البصيرة. فإذا استحكم القصد صار عزمًا، وعرَّج قليلًا على منزل العزم فذكر نوعين منه، ولكن لم يشرح هنا درجاته. وأشار إلى أن السالك في هذا المنزل يحتاج إلى المحاسبة، وهي قبل التوبة. وذكر تقديم صاحب «المنازل» التوبة على المحاسبة مع توجيه ذلك. - ثم تكلم على ترتيب المنازل وسبب اختلافهم في ذلك، وما في ترتيبهم من التحكُّم والدعوى منبِّهًا على أنه لا ترتيب كليًّا لازم للسلوك. ثم قال: «فالأولى: الكلام في هذه المقامات على طريق المتقدمين من أئمة القوم كلامًا مطلقًا في كل مقامٍ مقامٍ ببيان حقيقته، وموجبه، وآفته المانعة من حصوله، والقاطع عنه، وذكر عامّه وخاصّه ... ». ثم استدرك بقوله: «ولكن لا بد من مخاطبة أهل الزمان باصطلاحهم، إذ لا قوّة لهم للتشمير إلى تلقي السلوك عن السلف الأول وكلماتهم وهديهم ... ». ثم قال: «فالأولى بنا: أن نذكر منازل العبودية الواردة في القرآن والسنة ونشير إلى معرفة حدودها ومراتبها، ونذكر لها ترتيبًا غير مستحق بل مستحسن بحسب ترتيب السير الحِسِّي ليكون ذلك أقرب إلى تنزيل المعقول منزلة المشهود بالحس فيكون التصديق أتم ومعرفته أكمل وضبطه أسهل».

стр. 22

وكلام المصنف هذا يدل على أمرين: الأول أنه سيذكر المنازل المذكورة في الكتاب والسنة فقط. والثاني أنه يرتبها بحسب الترتيب الحسي. ومن ثم رجع إلى منزل اليقظة مرة أخرى، وقد عرّفها سابقًا، وهنا نقل كلام صاحب «المنازل» في تعريفها ودرجاتها ليفسرها ويعلق عليها. - ثم انتقل إلى منزل الفكرة، وفعل مثل ما فعل في اليقظة. ورأى أن الهروي خبط في قوله في أنواع الفكرة: «إن الفكرة في عين التوحيد اقتحام بحر الجحود»، وقاده ذلك إلى الكلام على منزلة الفناء عند الهروي، فشرح أولًا كلامه وردّ على ما زعم التلمساني من أن مذهب الهروي وحدة الوجود بأنه كذبٌ عليه وإن كانت عبارته موهمة بل مفهمة. ثم أفاض القول في أقسام الفناء ومراتبه وممدوحه ومذمومه ومتوسطه وما يعرض للسالك على دربه من المعاطب والمهالك. واستغرق الكلام على الفناء وحده أكثر من ثلاثين صفحة. (الجدير بالذكر أن المصنف تكلم على منزل الفناء في موضعه من كتاب المنازل مرة أخرى دون إشارة إلى كلامه هنا). - بعد هذا الاستطراد في الكلام على الفناء (١/ ٢٣٩) رجع إلى «منازل إياك نعبد وإياك نستعين»، وأشار إلى أنه قد سبق أن ذكر أربعة منها: اليقظة، والبصيرة، والفكرة، والعزم (البصيرة هنا مقدمة على الفكرة خلافا لما سبق، والعزم يشتمل على القصد)، وهي عنده كالبنيان لسائر المنازل، وعليها مدار منازل السفر إلى الله تعالى. وهي على الترتيب الحسي.

стр. 23

- ومن منزل العزم انتقل إلى منزل المحاسبة، وشرح كلام الهروي عليها (١/ ٢٣٩ - ٢٥٢). - ومن منزل المحاسبة يشرف العبد عنده على منزل التوبة التي هي أول المنازل وأوسطها وآخرها، فلا يفارقها العبد إلى موته. فشرَح كلام الهروي علىها، وأفاض القول فيها إفاضة زادت على ٣٨٠ صفحة، وتضمنت مطالب شريفة نافعة يطول ذكرها. - ثم تكلم على منزل الإنابة، فإن من استقرَّت قدمه في منزل التوبة نزل بعده منزل الإنابة. ومكانها في ترتيب الهروي (٤) بعد المحاسبة وقبل التفكر. ٤) شرح المنازل من منزل التذكر إلى آخرها من كتاب منازل السائرين على ترتيبه (١/ ٣٧٩ إلى آخر المجلد الرابع من الكتاب). - ذكر ابن القيم عن منزل التذكر أن القلب ينزله بعد منزل الإنابة، فهو قرين الإنابة. ثم تكلم على منزل الاعتصام، ويدل كلامه على أن القلب ينزله بعد التذكر. وعُلم من هذا أن المنازل العشرة التي تكلم عليها المؤلف إلى هنا مرتبة على ترتيب السير الحسي. - أما المنازل التالية، فليست مرتبة على السابقة، ولذلك يفتتح المؤلف الكلام عليها بقوله: «ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين ... ». وأولها منزل الحزن. ومنازل كثيرة ــ لاسيما في آخر الكتاب ــ لا ذكر لها في الكتاب والسنة، ولكن تكلم عليها المصنف وشرح كلام الهروي عليها. * * * *

стр. 24

قد التزم ابن القيم كما رأينا من أول هذا القسم (١/ ٣٧٩) إلى آخر الكتاب أن يتكلم على المنازل جميعًا على ترتيب الهروي، فبدا الكتاب في هذا القسم كأنه شرح لكتاب «منازل السائرين» للهروي، وإن كان المؤلف لم يصرح قط بأنه سيشرح الكتاب المذكور إلى آخره. وهنا يبرز أمامنا سؤالان أولهما: هل كان ينوي ابن القيم مثل هذا التوسع في الكلام على المنازل؟ والآخر: هل كان ينوي شرح «منازل السائرين» للهروي من بداية الأمر؟ أما السؤال الأول، فإنه قال في مطلع فصل المنازل بعد ما ذكر تأليف الناس في المنازل واختلافهم في عددها وترتيبها (١/ ١٧٢): «وسأذكر فيها أمرًا مختصرًا جامعًا نافعًا إن شاء الله». وكلامه بعد ذلك في المنازل الثمانية بالإضافة إلى كلامه على الفناء جاء في نحو ٤٦٠ صفحة، والكلام على منزل التوبة وحده استأثر منها بنحو ٣٨٠ صفحة. ولا شك في كون كلامه كله نافعًا، ولكن هل كان مختصرًا جامعًا أيضًا كما أراد؟ وهذا إذا استثنينا شرحه لسائر المنازل وهي ٩٢ منزلًا في نحو ١٨٠٠ صفحة. وأما أنه هل كان ينوي شرح «كتاب المنازل» بتمامه من بداية أمره؟ ففي الجواب عن هذا السؤال نذكر قوله: «فالأولى بنا: أن نذكر منازل العبودية الواردة في القرآن والسنة ونشير إلى معرفة حدودها ومراتبها، ونذكر لها ترتيبًا غير مستحق بل مستحسن بحسب ترتيب السير الحسي ليكون ذلك أقرب إلى تنزيل المعقول منزلة المشهود بالحس فيكون التصديق أتم ومعرفته أكمل وضبطه أسهل». وقد رأينا أن المنازل التي رتبها المؤلف بحسب الترتيب الحسي هي عشرة منازل فقط، أولها منزل اليقظة وآخرها منزل

стр. 25

الاعتصام. هذا أمر. والأمر الآخر أن كثيرًا من المنازل التي تضمنها كتاب الهروي وشرَحَها ابنُ القيم ليست من «منازل العبودية الواردة في القرآن والسنة». زد على ذلك قوله السابق إنه سيذكر فيها «أمرًا مختصرًا جامعًا نافعًا». ويمكن أن يضاف إليها أمر رابع، وهو أن المصنف فصّل القول في مسألة الفناء ضمن شرحه لمنزل القصد، وكان من المناسب ــ لو صح عزمه على شرح كتاب الهروي ــ أن يختصر الكلام هنا، ويحيل للتفصيل على شرح منزل الفناء في آخر الكتاب. ولعله من أجل هذا كله سمى كتابه أولا: «مراحل السائرين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين» كما تقدم شرحه. فالظاهر أن ابن القيم عدل في أثناء التأليف عن قصده الأول، وعزم على شرح «منازل السائرين» بأكمله. وأما أنه لم يشِرْ البتة إلى أنه مقبل على شرح الكتاب المذكور، فلعل ذلك لعدم اتباعه المنهج المعروف في شرح المتون. والله أعلم. * * *

стр. 26

منهج المؤلف فيه للمؤلف منهج عام يسير عليه في مؤلفاته، وقد ذكر العلامة الشيخ بكر أبو زيد ﵀ في كتابه «ابن قيم الجوزية» (ص ٨٥ - ١٢٨) معالم منهجه في البحث والتأليف فيمكن الرجوع إليه للتفصيل. وتحدثنا في فصول هذه المقدمة عن الغرض من تأليفه، وترتيب مباحثه، ومقارنته بأهم شروح «منازل السائرين»، وتعقيب المؤلف على صاحب «المنازل»، ونقتصر هنا على بيان منهجه في الكتاب وطريقة تناوله للموضوعات وشرحه لها. عندما أراد المؤلف بيان منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وشرحَ بعضها على طريقته في التفصيل والاستيعاب، عدلَ عن الخطة الأولى وتوجّه إلى كتاب «منازل السائرين» ليبني عليه كتابه ويشرحه فقرةً فقرةً، فقد كان الكتاب عمدة الصوفية بأنواعهم في زمانه يدرسونه ويشرحونه على طريقتهم، ويحملون كلام الهروي على معتقداتهم ومنها وحدة الوجود والفناء والاتصال وغير ذلك، فكان الاهتمام بكتاب «المنازل» في نظر المؤلف وشرحه على طريقة سديدة خالية من مزالق وشطحات التصوف أولى من تأليف كتاب مستقل في بيان منازل السلوك. وطريقته في الشرح أنه غالبًا ما يستفتح كل منزلة بقوله: «فصل: ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ منزلة ... »، ثم يُورد الآيات الواردة فيها، منها الآية التي استفتح بها الهروي الكلام على هذه المنزلة، وقد يفسِّر منها ما كان بحاجة إلى ذلك. ثم يسرد أقوال أئمة الزُّهاد من السلف ومشايخ

стр. 27

الطريقة في تعريف هذه المنزلة، معتمدًا في نقلها على «الرسالة القشيرية» غالبًا، ويشرح من كلماتهم ما كان بحاجة إلى الشرح. ثم يبدأ بنقل كلام صاحب «المنازل» في الدرجات الثلاث لكل منزلة، ويشرحه فقرةً فقرةً، فيعتني أولًا ببيان مراد الهروي من كلامه معتمدًا في كثير من ذلك على شرح التلمساني، ثم يأخذ في الاستدلال له أو الاستدراك عليه أو نقده وتعقبه, مع التنبيه على ما في شرح التلمساني من انحرافات وتبرئة الهروي منها. هذا هو الطابع العام للكتاب، إلّا أننا نجد شخصية المؤلف بارزة في جميع أبوابه وفصوله، فهو لم يقتصر على شرح الكتاب بل تعدَّاه إلى الاستدراك والاستطراد إلى أبحاث جليلة في موضوعات كثيرة من الزهد والتزكية والسلوك. وقد قدَّم لكثيرٍ من المنازل بكلام مستقل من عنده في فصول هي أهم من شرح كتاب الهروي، بحيث لو أُفرِدت ورُتِّبت لكانت من أنفس كتب السلوك في ضوء الكتاب والسنة على منهج السلف. وفي تفسير سورة الفاتحة في أول الكتاب (١/ ١٠ - ١٧١) اتخذ المؤلف منهجًا فريدًا للكلام على السورة من جوانب مختلفة، لا نجد له نظيرًا بين كتب التفسير، وقد ذكر فيه فصولًا مهمة تتعلق بالعبادة والاستعانة هي في الحقيقة بمنزلة القواعد والأسس التي يقوم عليها نظام التزكية والسلوك في الإسلام، وتسدُّ جميع المنافذ التي تسعى الطوائف المنحرفة للدخول منها كما سبق. وتظهر أهميته وقيمته عند مقارنته بتفسير الفاتحة للفخر الرازي المتكلم (ت ٦٠٦) وتفسيرها المسمى «إعجاز البيان في كشف بعض أسرار أم القرآن» للصدر القونوي الصوفي (ت ٦٧٣)، فالأول أفاض في أبحاث كلامية طويلة الذيول، والثاني أوَّلها تأويلات صوفية بعيدة عن

стр. 28

المقصود والسياق واللغة. وجاء المؤلف ففسَّرها تفسيرًا جديدًا يُبرِز مقاصد السورة ويبيِّن القواعد الأساسية للتوحيد والعبادة والسلوك، وبها يظهر للعيان أن الفاتحة أم القرآن. ويعتبر هذا الكتاب أهم مصدرٍ لمعرفة جوانب من سيرة شيخ الإسلام ابن تيمية وزهده وآرائه في موضوعات السلوك لا توجد في غيره، فقد ضمَّنه المؤلف كثيرًا من كلام الشيخ وصفاته ومنهجه في الإفتاء، وأخبارًا من فراسته وعبادته وتقواه وتواضعه، وكأن المؤلف قصد ذلك قصدًا، فنثر ما يتعلق بشيخه في فصول الكتاب لأدنى مناسبة. ويراجع فهرس الفوائد المنثورة وفهرس الأعلام للاطلاع على هذه الفوائد والفرائد. * * * *

стр. 29

«منازل السائرين» وشروحه كتاب «منازل السائرين» لأبي إسماعيل عبد الله بن محمد الهروي الأنصاري (ت ٤٨١) أحد الكتب المشهورة في التصوف، ألَّفه صاحبه عند ما سأله جماعة من الراغبين في الوقوف على منازل السائرين إلى الحق من أهل هراة، ورتبه على مئة مقام مقسومة على عشرة أقسام، وهي: ١ - قسم البدايات، وهي عشرة أبواب: اليقظة، والتوبة، والمحاسبة، والإنابة، والتفكُّر، والتذكُّر، والاعتصام، والفرار، والرياضة، والسماع. ٢ - قسم الأبواب، وهي عشرة أبواب: الحزن، والخوف، والإشفاق، والخشوع، والإخبات، والزهد، والورع، والتبتُّل، والرجاء، والرغبة. ٣ - قسم المعاملات، وهي عشرة أبواب: الرعاية، والمراقبة، والحُرْمة، والإخلاص، والتهذيب، والاستقامة، والتوكل، والتفويض، والثقة، والتسليم. ٤ - قسم الأخلاق، وهي عشرة أبواب: الصبر، والرضا، والشكر، والحياء، والصدق، والإيثار، والخلق، والتواضع، والفتوّة، والانبساط. ٥ - قسم الأصول، وهي عشرة أبواب: القصد، والعزم، والإرادة، والأدب، واليقين، والأُنس، والذِّكر، والفقر، والغنى، ومقام المراد.

стр. 30

٦ - قسم الأدوية، وهي عشرة أبواب: الإحسان، والعلم، والحكمة، والبصيرة، والفراسة، والتعظيم، والإلهام، والسكينة، والطمأنينة، والهمّة. ٧ - قسم الأحوال، وهي عشرة أبواب: المحبة، والغيرة، والشوق، والقلق، والعطش، والوجد، والدَّهش، والهيمان، والبرق، والذوق. ٨ - قسم الولايات، وهي عشرة أبواب: اللَّحظ، والوقت، والصفاء، والسرور، والسرّ، والنفس، والغربة، والغرق، والغيبة، والتمكُّن. ٩ - قسم الحقائق، وهي عشرة أبواب: المكاشفة، والمشاهدة، والمعاينة، والحياة، والقبض، والبسط، والسُّكْر، والصّحْو، والاتّصال، والانفصال. ١٠ - قسم النهايات، وهي عشرة أبواب: المعرفة، والفناء، والبقاء، والتحقيق، والتلبيس، والوجود، والتجريد، والتفريد، والجمع، والتوحيد. ذكر المؤلف في مقدمته أنه قد صنَّف جماعةٌ من المتقدمين والمتأخرين في هذا الباب تصانيف، منهم من أشار إلى الأصول، ومنهم من جمع الحكايات، ومنهم من لم يميِّز بين مقامات الخاصة وضرورات العامة، ومنهم من عدَّ شطح المغلوب مقامًا، وأكثرهم لم ينطق عن الدرجات. فقام

стр. 31

المؤلف بتفصيل درجات كل مقام، لتُعرف درجة العامة منه ثم درجة السالك ثم درجة المحقِّق. وقال: إن جميع هذه المقامات تجمعها رُتَبٌ ثلاث: أخذُ القاصد في السير، ودخوله في الغربة، وحصوله على المشاهدة الجاذبة إلى عين التوحيد. وقد اقتصر المؤلف فيه على كلامه دون كلام غيره من الصوفية، وعباراته في ذكر المقامات ودرجاتها موجزة محكمة، اختار فيها أسلوب المزاوجة والسجع والرمز والإشارة، فهي في حاجة إلى الشرح والبيان. ولا شك أن مؤلِّفه إمام قدوة وحافظ كبير، دعا إلى اتباع السنة وردَّ على المتكلمين، وله في ذلك مؤلفات مثل «ذم الكلام وأهله» و «الفاروق في الصفات» و «الأربعين في التوحيد» وغيرها. وكان طودًا راسيًا في السنة لا يتزلزل ولا يلين، وقد امتُحِن مراتٍ وأوذِي ونُفي من بلده. وله من المناقب والفضائل والأخبار في هذا الباب ما هو مذكور في ترجمته. إلَّا أن كتابه «منازل السائرين» هذا قد انتقده بعض العلماء من أهل السنة، مثل الذهبي الذي يقول: «له نَفَسٌ عجيب لا يُشبِه نفَسَ أئمة السلف في كتابه منازل السائرين، ففيه أشياء مُطرِبة، وفيه أشياء مشكلة، ومن تأمله لاح له ما أشرتُ إليه. والسنة المحمدية صَلِفة، ولا ينهض الذوق والوجد إلا على تأسيس الكتاب والسنة» (١). ثم ذكر أن طائفة من صوفية الفلسفة والاتحاد يخضعون لكلامه في «منازل السائرين» وينتحلونه، ويزعمون أنه موافقهم. ويعقِّب عليه بقوله: «كلّا، بل هو رجل أثريّ، لهِجٌ بإثبات نصوص الصفات، منافِرٌ للكلام وأهله جدًّا. وفي منازله إشارات إلى المحو والفناء، وإنما مراده بذلك الفناءِ _________ (١) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٥٠٩).

стр. 32

هو الغَيبة عن شهود السِّوى، ولم يُرِد محْوَ السِّوى في الخارج». وبعد هذا الدفاع يختم كلامه بقوله: «ويا ليتَه لا صنَّف ذلك، فما أحلى تصوفَ الصحابة والتابعين! ما خاضوا في هذه الخطرات والوساوس، بل عبدوا الله وذَلُّوا له وتوكَّلُوا عليه، وهم من خشيته مشفقون، ولأعدائه مجاهدون، وفي الطاعة مسارعون، وعن اللغو معرضون، والله يهدي من يشاء إلى صِراط مستقيم» (١). ومما انتُقِد عليه شرحه للتوحيد في آخر الكتاب، والأبيات الثلاثة التي ختم بها كتابه وهي من نظمه (٢): ما وحَّد الواحدَ من واحدٍ ... إذْ كلُّ مَن وحَّده جاحِدُ توحيدُ مَن ينطق عن نعتِه ... عاريةٌ أبطَلها الواحدُ توحيدُه إيَّاه توحيدُه ... ونعْتُ من ينعتُه لاحِدُ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وقد ذكر في كتابه «منازل السائرين» أشياء حسنة نافعة وأشياء باطلة، ولكن هو فيه ينتهي إلى الفناء في توحيد الربوبية، ثم إلى التوحيد الذي هو حقيقة الاتحاد». ثم نقل كلام الهروي في باب التوحيد، وانتقده بتفصيل (٣). وذكر في موضع آخر أنه ليس في كلامه شيء من الحلول العام، لكن في _________ (١) «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٥١٠). (٢) «منازل السائرين» (ص ١١٣). (٣) «منهاج السنة» (٥/ ٣٤١ - ٣٨٨). وانظر «مجموع الفتاوى» (٥/ ١٢٦، ٢٣٠، ٨/ ٣١٣، ٣١٧، ١٤/ ١١).

стр. 33

كلامه شيء من الحلول الخاص في حق العبد العارف الواصل إلى ما سماه هو مقام «التوحيد»، وقد باح منه بما لم يبح به أبو طالب المكي، لكن كنى عنه (١). وانتقد قول الهروي (ص ١١): «إن مشاهدةَ العبد الحكمَ لم تدع له استحسانَ حسنة ولا استقباح سيئة» في مواضع من كتبه (٢)، وبيَّن أن قوله في باب الأفعال والقَدَر يوافق الجهم وأتباعه من غلاة الجبرية، فهو يلحظ الجبر وإثبات القدر شاهدًا لتوحيد الربوبية معرضًا عن الأمر والنهي، ويجعل هذا غاية. أما المنهج العام للكتاب وهو تقسيم كل مقام إلى ثلاث درجات فقد انتقده شيخ الإسلام وقال: إنه يذكر في كلّ بابٍ ثلاث درجات، فالأولى وهي أهونها عندهم توافق الشرع في الظاهر، والثانية قد توافق الشرع وقد لا توافق، والثالثة في الأغلب تخالف، لاسيما في «التوحيد» و «الفناء» و «الرجاء» ونحو ذلك (٣). وبعد ما ذكر الذهبي أن «منازل السائرين» كتاب نفيس في التصوف، وأنه رأى الاتحادية تعظِّم هذا الكتاب وتنتحله، وتزعم أنه على تصوفهم الفلسفي، قال: «وقد كان شيخنا ابن تيمية بعد تعظيمه لشيخ الإسلام يحطّ _________ (١) «مجموع الفتاوى» (٥/ ٤٨٥). (٢) «مجموع الفتاوى» (٨/ ٣٣٩، ٣٤٦، ٣٦٩)، «الرد على الشاذلي» (ص ١٢٣، ١٥٣)، «جامع المسائل» (٢/ ١١٠). (٣) «مجموع الفتاوى» (١٣/ ٢٢٩).

стр. 34

عليه ويرميه بالعظائم بسبب ما في هذا الكتاب» (١). وتقدّم مزيد بيان لما اشتمل عليه الكتاب عند ذكر منهج ابن القيم في شرحه، وسنفرد مبحثًا خاصًّا بتعقبات المؤلف عليه. ولأهمية هذا الكتاب وجمعه للمقامات وترتيبها ترتيبًا حسنًا تداوله العلماء والصوفية فيما بينهم، وحفظه بعضهم (٢) ودرَّسه آخرون (٣)، وكانت من الكتب التي تُقرأ وتُروى (٤)، وقد قاموا بشرحه وترجمته إلى اللغات الأخرى، وطبع طبعاتٍ كثيرة. وسنذكر فيما يلي شروحه التي عرفناها مرتبةً على التاريخ: ١ - شرح عبد المعطي بن محمود اللخمي الإسكندري (ت ٦٣٨)، مطبوع. ٢ - شرح عفيف الدين سليمان بن علي التلمساني (ت ٦٩٠)، وهو مطبوع. ٣ - شرح أحمد بن إبراهيم الواسطي المعروف بابن شيخ الحزّامين (ت ٧١١)، لم يتمّه (٥). ٤ - شرح كمال الدين عبد الرزاق الكاشاني أو الكاشي أو القاساني (ت ٧٣٠)، مطبوع. _________ (١) «تاريخ الإسلام» (١٠/ ٤٨٩). وانظر «طبقات الشافعية» للسبكي (٤/ ٢٧٢). (٢) انظر «نفح الطيب» (٦/ ١٩٢). (٣) «الدرر الكامنة» (١/ ٤٤٩). (٤) «المعجم المفهرس» لابن حجر (ص ٤٠١)، و «صلة الخلف» للروداني (ص ٤٠٢). (٥) «ذيل طبقات الحنابلة» (٤/ ٣٨٣)، و «توضيح المشتبه» (٣/ ١٦٦).

стр. 35

٥ - «الفصول الأشرفية شرح منازل السائرين» لمحمد التستري (ت بعد ٧١٠). مخطوط في الفاتح (٢٧٠٧) ودار الكتب المصرية وغيرها. ٦ - «نزل السائرين في شرح منازل السائرين» لمحمود بن محمد الدركزيني (ت ٧٤٣)، في جزئين (١). ٧ - تعليق عليه لأبي الطاهر محمد بن أحمد القيسي (ت ٧٤٩) (٢). ٨ - شرح داود بن محمود القيصري الرومي (ت ٧٥١) (٣). ٩ - «مدارج السالكين» لابن القيم (ت ٧٥١). وهو كتابنا هذا. ١٠ - «بديع الانتفاث في شرح القوافي الثلاث» في شرح الأبيات الثلاثة الأخيرة من «منازل السائرين» ليوسف بن عبد الله الكوراني (ت ٧٦٨)، مخطوط في برلين ٢٨٣١، وغيرها. ١١ - شرح محمود بن الحسن الفركاوي القادري (من القرن الثامن). مطبوع. ١٢ - «مرآة الناظرين في شرح منازل السائرين» لصائن الدين علي بن داود بن سليمان الأصفهاني (ت ٨٣٦) (٤). وهو مخطوط في أياصوفيا ١٩٣٤ (ونُسب لجمال الدين يوسف بن داود الفارسي). _________ (١) «طبقات الشافعية، لابن قاضي شهبة (٣/ ٧٤)، «الدرر الكامنة» (٤/ ٣٣٨). وفي «كشف الظنون» (٢/ ١٨٢٨): «تنزل السافرين». (٢) «الدرر الكامنة» (٣/ ٣١٤). (٣) «هدية العارفين» (١/ ٣٦١). (٤) «إيضاح المكنون» (٢/ ٤٦٢).

стр. 36

١٣ - حاشية عليه لصفي الدين عبد الرحمن بن محمد الإيجي المدني (ت ٨٦٤) (١). ١٤ - «تسنيم المقربين في شرح منازل السائرين»، لشمس الدين محمد التبادكاني الطوسي (ت ٨٩١)، شرح ممزوج بالفارسية (٢). مخطوط في مكتبة خدابخش خان بعنوان «نسيم المقربين». ١٥ - «مرآة الناظرين في شرح منازل السائرين» ليحيى بن علي الخفركي السجستاني (من القرن التاسع) (٣). ١٦ - «شرح منازل السائرين»، لنور الدين علي بن محمد المنوفي الشاذلي (ت ٩٣٩) (٤). ١٧ - «عيون الناظرين في شرح منازل السائرين» لمحمد بن علي بن حيّون الشُّطيبي (ت ٩٦٣). مطبوع في مجلد واحد في المغرب عن مركز الإمام الجنيد، تحقيق د. محمد الغويلي. ١٨ - شرح محمد بن إبراهيم بن يوسف، ابن الحنبلي (ت ٩٧١). مخطوط في برلين ٢٨٣٠. ١٩ - شرح محمد بن عبد الله السندي (ت ١٠١٣) (٥). _________ (١) «الضوء اللامع» (٤/ ١٣٦). (٢) «كشف الظنون» (٢/ ١٨٢٨). (٣) «الضوء اللامع» (١٠/ ٢٣٦). (٤) «شجرة النور الزكية» (١/ ٣٩٣). (٥) «نزهة الخواطر» (٥/ ٦١٩).

стр. 37

٢٠ - شرح عبد الرؤوف المناوي (ت ١٠٣١). مطبوع ٢١ - «عماد السالكين في حلّ الصعاب من كتاب منازل السائرين»، لمحمد بن محمد المحقق الأردبيلي (؟). مخطوط في تشستربيتي ٤٢٧٧/ ٥ منسوخ سنة ١٠٦٢. ٢٢ - شرح محمد بن كمال الدين بن محمد الحسيني الحنفي (ت ١٠٨٥) (١). ٢٣ - «مقامات العارفين في شرح منازل السائرين»، لمحمد مؤمن الجزائري الشيعي (ت ١١١٨) (٢). ٢٤ - «نزهة الناظرين وتحفة القاصرين في شرح منازل السائرين»، لمحمد بن منصور المقدسي المعروف بابن نشوار (؟). مخطوط في خزانة بن يوسف بمراكش ٨٢ وغيرها. ٢٥ - «منهاج المريدين إلى شرح منازل السائرين»، لعلوي بن عبد الله (؟). مخطوط في المكتب الهندي ٦٠١. ٢٦ - شرح عبد الغني التلمساني (؟) (٣). ٢٧ - شرح لطف الله كوكس كور علي (؟). مخطوط في مكتبة الأوقاف بحلب ٣٧٠٢/ ٢٥٦٨. _________ (١) «خلاصة الأثر» (٤/ ١٢٥). (٢) «إيضاح المكنون» (٢/ ٤٦٢). (٣) «كشف الظنون» (٢/ ١٨٢٨).

стр. 38

٢٨ - «التمكين في شرح منازل السائرين»، لمحمود المنوفي، ط. دار النهضة العربية بمصر. وهناك شروح أخرى مجهولة العنوان والمؤلف في مكتبات المخطوطات. ومن مختصراته: - «تحفة الراغبين في اختصار منازل السائرين»، لأبي الحسن علي بن محمد بن فرحون اليعمري (ت ٧٤٦) (١). - «الإشارات الخفية في المنازل العلية»، لعائشة بنت يوسف الباعونية الدمشقية (ت ٩٢٢)، وهي أرجوزة اختصرت فيها «المنازل» (٢). وترجمه إلى التركية: مصلح الدين المعروف بابن نور الدين (ت ٩٨١) (٣). * * * _________ (١) «التحفة اللطيفة» للسخاوي (٢/ ٢٩٦). وفي «الديباج المذهب» (٢/ ١٢٥): «غنية الراغبين». (٢) «الكواكب السائرة» (١/ ٢٨٨). (٣) «كشف الظنون» (٢/ ١٨٢٨).

стр. 39

مقارنة الكتاب بأهم شروح «المنازل» لقي كتاب منازل السائرين قبولًا كبيرًا في حلقات الصوفية، فأقبلوا على دراسته وشرحه والتعليق عليه ونظمه واختصاره، وقد أربى عدد شروحه على ثمانية وعشرين شرحًا كما سبق، وقد وقفنا على ثمانية شروح منها، ولكن كان رجوعنا إلى شرح التلمساني أكثر من غيره لاعتماد المؤلف عليه في نقل المتن، واستفادته منه في الشرح أيضًا مع نقد انحرافاته. وقد تقدم أن كتابنا هذا ليس شرحًا كالشروح، فلم يلتفت المؤلف فيه إلى كتاب «المنازل» إلا بعد نحو ١٧٠ صفحة من الكتاب حينما عقد فصلًا في «منازل (إياك نعبد) التي ينتقل فيها القلب منزلةً منزلةً في حال سيره إلى الله تعالى»، وأراد أن يذكر فيه «أمرًا مختصرًا جامعًا نافعًا»، واستهلَّ الحديث عن أول منازل العبودية: اليقظة، ثم أشار (١/ ١٧٣) إلى الفكرة والبصيرة والقصد والعزم على أنها منازل مرتبة، تفضي كل منزلة منها إلى ما بعدها، ثم بعد شيء من الاستطراد انتقل إلى منزلة المحاسبة التي يُشرف منها العبد على منزلة التوبة، فشرَح كلام الهروي على المنزلتين، وأفاض القول في منزلة التوبة إفاضة زادت على ٣٨٠ صفحة! ثم تكلم على منزلة الإنابة ثم التذكّر، ومن هنا شرح المنازل إلى آخر كتاب الهروي على ترتيبه. ويلاحظ على هذا: أولًا: أن ابن القيم أغفل مقدمة كتاب الهروي، فلم يشرحها البتة. وثانيا: خالفه في ترتيب المنازل المذكورة. ولبيان الخلاف بين الترتيبين نضع لك بين قوسين رقم كل منها عند الهروي: اليقظة (١)، الفكرة (٥)،

стр. 40

البصيرة (٥٤)، القصد، العزم (٤١، ٤٢)، المحاسبة (٣)، التوبة (٢)، الإنابة (٤)، التذكر (٦)، ومن هنا شرح المنازل إلى آخر كتاب الهروي على ترتيبه. وثالثًا: حجم الكلام على المنازل، فشرحُ منزلة التوبة وحدها أصبح كما رأيت في حجم كتاب مستقل. ثم منهج المؤلف في الكلام على المنازل استنادًا إلى الكتاب والسنة، والتنبيه على مزالق الصوفية وغيرهم، والغوص على دقائق الأمور والإبانة عنها مع التفصيل والاستطراد إلى مسائل أخرى مهمة. فهل ترى شرحًا من شروح «منازل السائرين» يمكن أن يضارِعَه أو يقاربَه في ذلك حتى يمكن مقارنته به! الحقيقة أنه لا وجه للمقارنة بين كتابنا والشروح الأخرى، حتى في المنازل التي لم يتوسع المؤلف في الكلام عليها. ونختار هنا منزلة واحدة لنستعرض نماذج منها ونقارن تفسيرها بما ورد في الشروح الأربعة الآتية: ١ - شرح عبد المعطي اللخمي الإسكندري المتوفى بعد سنة ٦٣٨. ٢ - شرح عفيف الدين التلمساني (ت ٦٩٠). ٣ - شرح عبد الرزاق القاساني (أو الكاشاني) المتوفى سنة ٧٣٠. ٤ - شرح محمود بن حسن الفركاوي القادري (آخر القرن الثامن). وأردنا أن نضمَّ إليها شرحًا خامسًا، وهو شرح زين الدين المناوي (ت ١٠٣١)، ولكنه مختصر من شرح التلمساني، فصرفنا النظر عنه. والقاساني أيضًا اعتمد على شرح التلمساني ولكنه ليس تلخيصًا. أما الفركاوي فقد صرح بأنه لم يستفد في شرحه من كتاب، وإنما كان شرحه فتوحًا، والإيجاز والإطناب حسب الوقت والطاقة! وقلما نجد في الشروح
следующие страницы →