← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 199

مدارج السالكين - ط عطاءات العلم

ابن القيم

Полный текст (2 526 стр.). Показаны 2521–2526 · переход к 2526.

стр. 2521

وإن كانت هذه القوافي الثّلاثة أولى بمذهب هؤلاء ونحلتهم. ولهذا تلقّاها بالقبول عارفوهم وبالغوا في استحسانها، وقالوا: هي ترجمةُ مذهب أهل التَّحقيق. فكلُّ من وحَّد الله فهو جاحدٌ لإطلاقه، فإنّه يصفه فيحصره تحت الأوصاف، وحصرُه تحتها جحدٌ لإطلاقه عن قيود الصِّفات والنُّعوت. ولهذا كان توحيدُ الواصف النّاعت له عاريَّةً استعارها حتّى قام له من ذلك وصفٌ وموصوفٌ، وموحِّدٌ وموحَّدٌ. والوحدةُ المطلقةُ تُبطل هذه العاريَّةَ، وتردُّ المستعار إلى الوجود المطلق الذي لا يتقيَّد بوصفٍ ولا يتخصَّص بنعتٍ. ثمّ كشف الغطاء عن ذلك، فقال: (توحيده إيّاه توحيدُه)، أي هو الموحِّد لنفسه بنفسه، لا أنَّ غيرَه يوحِّده، إذ ليس ثمَّ غيرٌ. وزاد إيضاح ذلك بقوله: (ونعتُ من ينعته لاحدُ). والإلحاد هو الميل عن الصَّواب، والنَّعتُ تقييدٌ وتخصيصٌ لمن لا يتقيَّد ولا يتخصَّص، فهو إلحادٌ. وأحسَنُ ما يحمل عليه كلامه: أنَّ الفناءَ في شهوده الأزليّةَ والحكمَ يمحو شهودَ العبد لنفسه وصفاته، فضلًا عن شهود غيره، فلا يشهد موجودًا فاعلًا على الحقيقة إلّا الله وحده. وفي هذا الشُّهود تفنى الرُّسوم كلُّها، فلا يُبقي هذا الشُّهود والفناء رسمًا البتّة. فيمحو (١) هذا الشُّهودُ من القلب كلَّ ما سوى الحقِّ (٢)، لا أنّه يمحَقُه من الوجود. وحينئذٍ يشهد أنَّ التَّوحيدَ الحقيقيَّ غيرَ

стр. 2522

المستعار هو توحيدُ الرَّبِّ تعالى لنفسه، وتوحيدَ غيره له عاريَّةٌ محضةٌ أعاره إيّاها مالكُ الأمر كلِّه، والعواريُّ مردودةٌ إلى من تُرَدُّ إليه الأمورُ كلُّها. ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (١) [يونس: ٣٠]. فالواحد القهّار سبحانه أبطل تلك العاريَّة أن تكون ملكًا للمعار، كما يبيِّن المعيرُ للمستعير إذا استردَّ العينَ المعارةَ ــ وقد ظنَّ المستعيرُ أنَّ المعارَ مِلكُه ــ أنَّ الأمر ليس كذلك، وأنَّه عاريَّةٌ محضةٌ في يده. والمعيرُ أبطَلَ (٢) ظنَّ المستعير من العارية، لم يُبطل أصلَ العارية. ولهذا صرَّح بإثباتها في أوّل البيت، وإنّما ضاق به (٣) الوزنُ عن تمام المعنى وإيضاحه. وهذا المعنى حقٌّ، وهو أولى بهذا الإمام العظيم القدر ممّا يظنُّه به طائفة الاتِّحاديّة والحلوليّة. وإن كانت كلماتُه المجملةُ شبهةً لهم، فسنَّتُه المفصَّلةُ مبطلةٌ لظنِّهم. ولكلامه محملٌ آخر أيضًا، وهو: أنّه ما وحَّد الله حقَّ توحيده الذي ينبغي له ويستحقُّه لذاته سواه، كما قال أعظمُ النّاس توحيدًا ﷺ : «لا أحصي ثناءً عليك» (٤). ومثلُ هذا يصحُّ فيه النَّفيُ العامُّ، كما يقال: ما عرف الله إلّا الله، ولا أثنى عليه سواه. والكلمة الواحدة يقولها اثنان، يريد بها أحدُهما أعظَم الباطل، ويريد بها الآخرُ محضَ الحقِّ، والاعتبارُ بطريقة القائل وسيرته

стр. 2523

ومذهبه وما يدعو إليه ويناظر عليه. وقد كان شيخ الإسلام رحمه الله تعالى (١) راسخًا في إثبات الصِّفات ونفي التَّعطيل ومعاداة أهله. وله في ذلك كتبٌ مثل كتاب «الفاروق» وكتاب «ذمِّ الكلام» وغير ذلك ممَّا يخالف طريقة المعطِّلة والحلوليّة والاتِّحاديّة. ثمَّ صرَّح بهذا المعنى الذي ذكرناه بقوله: (توحيدُه إيّاه توحيدُه) أي توحيدُه لنفسه هو التّوحيدُ الكاملُ التّامُّ الذي لا سبيل للعبارة والإشارة إليه، وهو فوق ما تعرفه العقول وتصفه الألسن. وهذا حقٌّ، لكن جفت عبارتُه بعده بقوله: (ونعتُ من ينعته لاحدُ). ومحملها كما عرفتَ: أنَّ نعتَ الخلق له دون ما هو عليه سبحانه، وما هو عليه من الأوصاف والنُّعوت أجلُّ وأعظَمُ من أن يحيط به العلمُ المخلوقُ، أو تنطق به الألسنةُ. والإلحادُ: الميل. وهو لم يُرد أنَّ نعتَ النّاعتين له إلحادٌ وكفرٌ، فإنّه هو (٢) قد نَعتَه في هذا الكتاب وفي كتبه، ولم يكن ملحدًا بذلك، فنعتُ المخلوق له مائلٌ عن نعته لنفسه. على أنّه لو أراد الإلحاد الذي هو باطلٌ وضلالٌ لكان له وجهٌ صحيحٌ، وهو أنَّ نعتَ المخلوقين له من عند أنفسهم إلحادٌ، والتَّوحيدُ الحقُّ (٣) هو ما نعَت به نفسَه على ألسنة رسله، فهم لم ينعتوه (٤) من تلقاء أنفسهم، وإنّما

стр. 2524

نعتوه بما أذِنَ لهم في نعته به. وقد صرَّح سبحانه بهذا المعنى في قوله: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٥٩) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٥٩ - ١٦٠] فنزَّه نفسَه عمّا يصفه به العبادُ إلّا الرُّسل، فإنّهم لم يصفوه من عند أنفسهم. وكذلك قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢]. فنختم الكتاب بهذه الآية حامدين لله مثنين عليه بما هو أهله (١)، وبما أثنى على نفسه. والحمدُ لله ربِّ العالمين حمدًا طيِّبًا مباركًا فيه كما يحبُّ ربُّنا ويرضى، وكما ينبغي لكرم وجه ربِّنا وعزِّ جلاله (٢) غيرَ مكفيٍّ ولا مكفورٍ ولا مودَّعٍ ولا مستغنًى عنه ربّنا. ونسأله أن يوزعنا شكر نعمته ويوفِّقنَا لأداء حقِّه، وأن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، وأن يجعل ما قصدنا له في هذا الكتاب وفي غيره خالصًا لوجهه الكريم ونصيحةً لعباده. فيا أيُّها القارئ له (٣)، لك غنمُه وعلى مؤلِّفه غرمُه، ولك ثمرتُه وعليه تبعتُه. فما وجدتَ فيه من صوابٍ وحقٍّ فاقبله ولا تلتفت إلى قائله، بل انظر إلى ما قال لا إلى من قال. وقد ذمَّ الله تعالى من يردُّ الحقَّ إذا جاء به مَن يبغضه، ويقبله إذا قاله مَن يحبُّه، فهذا خلقُ الأمّة الغضبيّة. قال بعض الصّحابة: اقبل الحقَّ ممَّن قاله وإن كان بغيضًا، ورُدَّ الباطلَ على من قاله وإن كان حبيبًا (٤). وما

стр. 2525

وجدتَ فيه من خطأٍ فإنَّ قائلَه لم يألُ جهدَ الإصابة (١)، ويأبى الله إلّا أن ينفرد بالكمال: فالنَّقصُ في أصل الطّبيعة كامنٌ ... فبنو الطّبيعة نقصُهم لا يُجحَدُ (٢) وكيف يُعصَم من الخطأ من خُلِقَ ظلومًا جهولًا، ولكن مَن عُدَّتْ غلطاتُه أقرَبُ إلى الصّواب ممّن عُدَّت إصاباته. وعلى المتكلِّم في هذا الباب وغيره: أن يكون مصدرُ كلامه عن العلم بالحقِّ، وغايتُه النَّصيحةَ لله ولكتابه ولرسوله ولإخوانه من المسلمين. وإذا كان الحقُّ تبعًا للهوى فسد القلبُ والعملُ والحالُ والطَّريقُ. قال الله تعالى: ﴿(٧٠) وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: ٧١]. وقال النّبيُّ ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتّى يكون هواه تبعًا لما جئتُ به» (٣). فالعلمُ والعدلُ أصلُ كلِّ خيرٍ، والجهلُ والظُّلمُ أصلُ كلِّ شرٍّ. والله تعالى أرسل رسوله بالهدى ودين الحقِّ، وأمرَه أن يعدل بين الطّوائف، ولا يتّبع أهواءَ أحدٍ منهم، فقال تعالى: ﴿(١٤) فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ

стр. 2526

أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٥]. * * * *