آثار الإمام ابن القيم الجوزية وما لحقها من أعمال (٢٩)
تهذيب سنن أبي داود وإيضاح علله ومشكلاته
تأليف
الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية
(٦٩١ هـ - ٧٥١ هـ)
دار عطاءات العلم - دار ابن حزم
стр. 54
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾
قال الشيخ الإمام العلامة شمس الدين محمد ابن قيِّم الجوزية الحنبلي غفر الله له:
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ربّ العالمين وإله المرسلين.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، المبعوثُ رحمةً للعالمين، ومحجَّةً للسالكين، وحُجةً على جميع المكلّفين. فرَّق الله برسالته بين الهدى والضلال، والغي والرشاد، والشك واليقين، فهو الميزان الراجح الذي على أقواله وأعماله وأخلاقه تُوزن الأقوال والأخلاق والأعمال، وبمتابعته والاقتداء به يتميّز أهلُ الهدى من أهل الضلال.
أرسله على حين فترةٍ من الرسل، فهدى به إلى أقْوَم الطرُق وأوضح السُّبُل، وافترض على العباد طاعتَه ومحبَّتَه وتعزيرَه وتوقيرَه والقيامَ بحقوقه، وأغلق دون جنته الأبوابَ، وسدَّ إليها الطرقَ فلم يفتح لأحدٍ (١) إلا من طريقه، فيشرح (٢) له صدرَه، ورفعَ له ذكرَه، ووضع عنه وزرَه، وجعل الذلَّةَ والصَّغَار على من خالف أمرَه.
стр. 55
هدى به من الضلالة، وعلَّم به من الجهالة، وأرشد به من الغيّ. وفتحَ به أعْينًا عُميًا، وآذانًا صُمًّا، وقلوبًا غُلفًا؛ فبلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصَحَ الأمة، وجاهد في الله حق الجهاد. لا يردُّه عنه رادّ ولا يصدُّه عنه صادّ، حتى سارت دعوتُه مسيرَ الشمس في الأقطار، وبلغ دينُه القيِّم ما بلغ الليلُ والنهار. فصلى الله عليه وعلى آله الطيبين صلاةً دائمةً على تعاقب الأوقات والسنين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد، فإن أولى ما صُرِفت إليه العناية، وجرى المتسابقون في ميدانه إلى أفضل غاية، وتنافس فيه المتنافسون، وشمَّر إليه العاملون: العلمُ الموروث عن خاتم المرسلين ورسولِ رب العالمين، الذي لا نجاة لأحدٍ إلا به، ولا فلاح له في دارَيه إلا بالتعلّق بسببه، الذي من ظفِر به فقد فاز وغَنِم، ومن صُرِف عنه فقد خَسِر وحُرِم؛ لأنه قُطبُ السعادة الذي مدارها عليه، وآخيةُ الإيمانِ الذي مرجعه إليه، فالوصول إلى الله وإلى رضوانه بدونه مُحال، وطلب الهدى من غيره هو عين [ق ٢] الضلال.
وكيف يوصَل إلى الله من غير الطريق التي جعلها هو سبحانه موصلةً إليه، ودالَّةً لمن سلك فيها عليه، وبعث رسولَه بها مناديًا، وأقامَه على أعلامها داعيًا، وإليها هاديًا؟! فالباب عن السالك في غيرها مسدود، وهو عن طريق هداه وسعادته مصدود، بل كلما ازداد كدحًا واجتهادًا، ازداد من الله طردًا وبِعادًا (١)؛ ذلك بأنه صدَفَ عن الصراط المستقيم، وأعرض عن المنهج القويم، ووقف مع آراء الرجال، ورضي لنفسه بكثرة القيل والقال،
стр. 56
وأخلد إلى أرض التقليد، وقنع أن يكون عيالًا على أمثاله من العبيد؛ لم يسلك من سبل العلم مناهجَها، ولم يرتَقِ في درجاته معارجَها، ولا تألَّقت في خَلَده أنوارُ بوارقه، ولا بات قلبُه يتقلّب بين رياضه وحدائقه، لكنه ارتضع من ثدي من لم يَطْهُر بالعصمة لَبانُه، وورد مشربًا آجنًا طالما كدّره قلبُ الوارد ولسانُه، تضجّ منه الفروج والدماء والأموال إلى من حلَّل الحلالَ وحرّم الحرام، وتعجّ منه الحقوق إلى مُنزِل الشرائع والأحكام.
فحقٌّ على من كان في سعادة نفسه ساعيًا، وكان قلبه حيًّا واعيًا، أن يَرغب بنفسه عن أن يجعل كدَّه وسَعْيه في نُصرة من لا يملك له ضرًّا ولا نفعًا، وأن لا ينزلها في منازل الذين ضلَّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.
فإنَّ لله (١) يومًا يخسر فيه المبطلون، ويربح فيه المُحِقُّون، ﴿يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٧]، ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [الإسراء: ٧١]. فما ظنُّ مَن اتخذ غيرَ الرسول إمامَه، ونبذَ سنَّتَه وراء ظهره وجعل خواطرَ الرجال وآراءَها بين عينيه وأمامَه، فسيعلم يومَ العرضِ أيَّ بضاعةٍ أضاع، وعند الوزن ماذا أحضرَ مِن الجواهر أو خُرْثيّ المتاع (٢)!
стр. 57
فصل
ولما كان كتاب "السنن" لأبي داود سليمان بن الأشعث السِّجِستاني ﵀ من الإسلام بالموضع الذي خصَّه الله به، بحيث صار حَكَمًا بين أهل الإسلام، وفصلًا في موارد النزاع والخصام، فإليه يتحاكم المنصفون، وبحكمه يرضى المحقّون (١)؛ فإنه جَمَع شمل أحاديث الأحكام، ورتَّبها أحسن ترتيب، ونَظَمها أحسن نظام، مع انتقائها أحسن انتقاء، واطّراحه منها أحاديثَ المجروحين والضعفاء.
وكان الإمام العلامة الحافظ: زكيُّ الدين أبو محمد عبد العظيم المُنذريّ رحمه الله تعالى قد أحسن في اختصاره وتهذيبه، وعزو أحاديثه، وإيضاح علله وتقريبه، فأحسن حتى لم يكد يدع للإحسان موضعًا، وسَبَق حتى جاء مَن خَلْفه له تبعًا= جعلتُ (٢) كتابَه من أفضل الزاد، واتخذته ذخيرة ليوم المعاد.
فهذَّبتُه نحو ما هذَّب هو به الأصل، وزدْتُ عليه من الكلام على عللٍ سكت عنها أو لم يكملها (٣)، والتعرُّضِ إلى تصحيح أحاديثَ لم يصححها، والكلامِ على متون مشكلة لم يفتَحْ مقفَلَها، وزيادةِ أحاديثَ صالحةٍ في الباب لم يشر إليها، وبَسْطِ الكلام على مواضع جليلة لعل الناظر المجتهد لا يجدها في كتاب سواه، فهي جديرة بأن تُثْنى عليها الخناصر، ويُعَضّ عليها بالنواجذ.
стр. 58
وإلى الله الرغبةُ أن يجعله خالصًا لوجهه، موجِبًا لمغفرته، وأن ينفع به مَن كَتَبه أو قرأه أو نظر فيه أو استفاد منه. فأنا أبرأ إلى الله من التعصُّب والحميّة، وجَعْلِ سنةِ رسوله ﷺ رافعةً لآراء الرجال، منزَّلة عليها، مَسُوقةً إليها. كما (١) أبرأ إليه من الخطأ والزور والسهو. والله سبحانه عند لسان كلِّ قائل وقلبه، وما توفيقي إلا بالله، وعليه توكَّلت وإليه أُنيب.
* * *
стр. 59
كتاب الطهارة
١ - بابُ الرُّخصة (١)
١/ ١٢ - وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: نهى نبيُّ الله ﷺ أن نستقبلَ القبلةَ ببولٍ، فرأيته قبل أن يُقبضَ بعام يستقبلها.
وأخرجه الترمذي وابن ماجه (٢). وقال الترمذي: حديثٌ حسنٌ غريب (٣).
قال ابن القيم ﵀: وقال الترمذيّ: سألتُ محمدًا عن هذا الحديث, فقال: حديث صحيح (٤).
стр. 60
وقد أعلّ ابنُ حزم حديثَ جابر بأنه عن أبان بن صالح, وهو مجهول, ولا يحتج برواية مجهول (١).
قال ابن مُفَوّز (٢): أبان بن صالح مشهور ثقة صاحب حديث، وهو أبان بن صالح بن عُمَير, أبو محمد القرشي, مولى [ق ٣] لهم, المكي، روى عنه ابن جُريج, وابن عجلان, وابن إسحاق, وعبيد الله بن أبي جعفر. استشهد بروايته البخاري في "صحيحه" (٣) عن مجاهد والحسن بن مسلم وعطاء. وثَّقه يحيى بن معين، وأبو حاتم وأبو زُرعة الرَّازيان، والنسائي (٤). وهو والدُ محمد بن أبان بن صالح بن عُمير الكوفي, الذي روى عنه أبو الوليد، وأبو داود الطيالسي، وحسين الجُعْفي وغيرهم. وجدُّ أبي عبد الرحمن مُشْكُدانة, شيخ مسلم, وكان حافظًا.
стр. 61
وأما الحديث؛ فإنه انفرد به محمد بن إسحاق, وليس هو ممن يحتجّ به في الأحكام (١)، فكيف أن يُعارَض بحديثه الأحاديث الصحاح أو يُنسَخ به السنن الثابتة؟ مع أن التأويل في حديثه ممكن, والمخرج منه مُعرَض. تم كلامه (٢).
وهو ــ لو صح ــ حِكايةُ فِعْلٍ لا عمومَ لها, ولا يُعلَم هل كان في فضاء أو بنيان؟ وهل كان لعذر من ضيق مكان ونحوه, أو اختيارًا؟ فكيف يقدّم على النصوص الصحيحة الصريحة بالمنع؟
فإن قيل: فهب أن هذا الحديث معلول, فما يقولون في حديث عِراك عن عائشة: ذُكِر عند رسول الله ﷺ أن ناسًا يكرهون أن يستقبلوا بفروجهم القبلةَ, فقال رسول الله ﷺ : "أَوَ قَدْ فعلوها؟! استقْبِلوا بمَقْعَدتي القبلة" (٣).
فالجواب: أن هذا حديثٌ لا يصح, وإنما هو موقوف على عائشة. حكاه الترمذي في كتاب "العلل" (٤) عن البخاري. وقال بعض الحفاظ: هذا حديث لا يصح, وله علَّة لا يدركها إلا المعتنون بالصناعة, المعانون عليها،
стр. 62
وذلك أن خالد بن أبي الصلت لم يحفظ متنَه, ولا أقامَ إسنادَه، خالفه فيه الثقةُ الثبتُ صاحبُ عراك بن مالك المختصُّ به, الضابطُ لحديثه: جعفرُ بن ربيعة الفقيه, فرواه عن عراك عن عروة عن عائشة: أنها كانت تنكر ذلك (١). فبيّن أن الحديث لعراك عن عروة, ولم يرفعه, ولا يجاوز به عائشةَ. وجعفر بن ربيعة هو الحجة في عراك بن مالك, مع صحة الأحاديث عن النبي ﷺ وشهرتها بخلاف ذلك.
وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتاب "المراسيل" (٢) عن الأثرم قال: سمعت أبا عبد الله ــ وذكر حديث خالد بن أبي الصلت، عن عِراك بن مالك، عن عائشة، عن النبي ﷺ ، (هذا الحديث) (٣) ــ فقال: مرسل. فقلت له: عراك بن مالك قال: سمعتُ عائشةَ؟ فأنكره وقال: عراك بن مالك من أين سمع عائشة؟! ما له ولعائشة؟! إنما يرويه (٤) عن عروة, هذا خطأ.
قال لي: مَن روى هذا؟ قلت: حماد بن سلمة عن خالد الحذَّاء. قال: رواه غير واحد عن خالد الحذّاء, وليس فيه "سمعتُ". وقال غير واحد أيضًا: عن حماد بن سلمة, ليس فيه "سمعت".
стр. 63
فإن قيل: قد روى مسلم في "صحيحه" (١) حديثًا عن عراك عن عائشة.
قيل: الجواب أن أحمد وغيره خالفه في ذلك, وبينوا أنه لم يسمع منها (٢).
٢ - باب كيف التكشُّف عند الحاجة
٢/ ١٣ - عن الأعمش عن رجل عن ابن عمر: أن النبيَّ ﷺ كان إذا أرادَ حاجةً لا يرفع ثوبه حتى يدنوَ من الأرض. قال أبو داود: عبد السلام بن حرب رواه عن الأعمش، عن أنس بن مالك، وهو ضعيف.
وأخرج الترمذيُّ حديثَ الأعمش عن أنس، وأشار إلى حديث الأعمش عن ابن عمر، وقال: كلا الحديثين مرسل. ويقال: لم يسمع الأعمش من أنس بن مالك ولا من أحدٍ من أصحاب النبي ﷺ ، وقد نظر إلى أنس بن مالك، قال: رأيته يصلي، فذكر عنه حكايةً في الصلاة.
وذكر أبو نعيم الأصبهاني: أن الأعمش رأى أنسَ بن مالك، وابنَ أبي أوفى، وسمع منهما. والذي قاله الترمذي هو المشهور.
قال ابن القيم ﵀: وقال حنبل: ذكرت لأبي عبد الله ــ يعني أحمد ــ حديثَ الأعمش عن أنس, فقال: لم يسمع الأعمش من أنس, ولكن رآه, زعموا أنَّ غياثًا حدّث الأعمش بهذا عن أنس, ذكره الخلال في "العلل" (٣).
стр. 64
وقال الخلال أيضًا: حدّثنا مهنّا قال: سألت أحمد: لِمَ كرهتَ مراسيل الأعمش؟ قال: كان لا يبالي عمن حدَّث. قلت: كان له رجل ضعيف سوى يزيد الرّقاشي وإسماعيل بن مسلم؟ قال: نعم, كان يحدِّث عن غِياث بن إبراهيم عن أنس أن النبي ﷺ : "كان إذا أرادَ الحاجةَ أبْعَد" (١). سألته عن غِياث بن إبراهيم؟ فقال: كان كذوبًا (٢).
٣ - باب الخاتم يكون فيه ذِكْر الله يدخل به الخلاء
٣/ ١٨ - عن أنس قال: "كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء وضع خاتمه".
وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه (٣).
قال أبو داود: هذا حديث منكر، وإنما يُعرف عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن الزهري عن أنس: "أن النبي ﷺ اتخذ خاتماً من وَرِق ثم ألقاه". والوهم فيه من همام، ولم يروه إلا همام.
وقال النسائي: وهذا الحديث غير محفوظ.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب (٤). هذا آخر كلامه.
وهمّام هذا هو أبو عبد الله همام بن يحيى بن دينار الأزدي العوذي مولاهم
стр. 65
البصري، وإن كان قد تكلم فيه بعضهم، فقد اتفق البخاري ومسلم على الاحتجاج بحديثه، وقال يزيد بن هارون: همام قويّ في الحديث: وقال يحيى بن معين: ثقة صالح، وقال أحمد بن حنبل: همام ثَبْت في كل المشايخ. وقال ابن عدي الجرجاني: وهمام أشهر وأصدق من أن يُذكر له حديث منكر، أو له حديث منكر، وأحاديثه مستقيمة عن قتادة، وهو مقدَّم أيضًا في يحيى بن أبي كثير، وعامة ما يرويه مستقيم. هذا آخر كلامه.
وإذا كان حال همام كذلك فيترجَّح ما قاله الترمذي، وتفرّده به لا يوهن الحديث، وإنما يكون غريبًا، كما قال الترمذي. والله أعلم.
قال ابن القيم ﵀: قلت هذا الحديث رواه همّام ــ وهو ثقة ــ عن ابن جُرَيج، عن الزهري، عن أنس.
قال الدارقطني في كتاب "العلل" (١): رواه سعيد بن عامر، وهُدْبة بن خالد، عن همّام، عن ابن جُريج، عن الزهري، عن أنس: أن النبي ﷺ (٢).
وخالفهم عَمرو بن عاصم، فرواه عن همّام، عن ابن جُريج، عن الزهري، عن أنس: "أنه كان إذا دخل الخلاء" موقوفًا, ولم يُتابَع عليه.
ورواه يحيى بن المتوكِّل، ويحيى بن الضُّرَيس، عن ابن جُريج، عن الزّهري، عن أنس، نحو قول سعيد بن عامر ومَن تابعه عن همام.
ورواه عبد الله بن الحارث المخزومي، وأبو عاصم (٣)، وهشام بن سليمان، وموسى بن طارق، عن ابن جُريج، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس: "أنه رأى في يد النبيِّ ﷺ خاتمًا من ذهب, فاضطربَ الناس
стр. 66
الخواتيم, فرمى به النبي ﷺ وقال: "لا ألبسه أبدًا"، وهذا هو المحفوظ والصحيح عن ابن جُريج. انتهى كلام الدارقطني.
[ق ٤] وحديث يحيى بن المتوكّل الذي أشار إليه، رواه البيهقي (١) من حديث يحيى بن المتوكّل، عن ابن جُريج به. ثم قال: هذا شاهد ضعيف.
وإنما ضعَّفه لأن يحيى هذا قال فيه الإمام أحمد: واهي الحديث (٢) , وقال ابن معين: ليس بشيء (٣) , وضعَّفَه الجماعةُ كلّهم.
وأما حديث يحيى بن الضُّرَيس, فيحيى هذا ثقة, فينظر الإسناد إليه (٤).
وهمام وإن كان ثقةً صدوقًا احتجّ به الشيخان في "الصحيح"، فإنّ يحيى بن سعيد كان لا يحدِّث عنه ولا يرضى حفظه. قال أحمد: ما رأيت يحيى أسوأ رأيًا منه في حجاج ــ يعني ابن أرطاة ــ، وابن إسحاق، وهمام, لا يستطيع أحد أن يراجعه فيهم (٥).
وقال يزيد بن زُرَيع ــ وسئل عن همام ــ: كتابه صالح, وحفظه لا يسوى شيئًا.
стр. 67
وقال عفان: كان همّام لا يكاد يرجع إلى كتابه ولا ينظر فيه, وكان يُخالَف فلا يرجع إلى كتابه, وكان يكره ذلك. قال: ثم رجع بعدُ فنظر في كتبه, فقال: يا عفان كنا نخطئ كثيرًا، فنستغفر الله (١).
ولا ريب أنه ثقة صدوق, ولكنه قد خولف في هذا الحديث, فلعلَّه مما حدَّث به من حفظه فغلط فيه, كما قال أبو داود والنسائي والدارقطني (٢). وكذلك ذكر البيهقي (٣) أن المشهور عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس: "أن النبيّ ﷺ اتخذ خاتمًا من وَرِق, ثم ألقاه".
وعلى هذا فالحديث شاذّ أو منكر، كما قال أبو داود, وغريب كما قال الترمذي.
فإن قيل: فغاية ما ذُكِر في تعليله تفرّد همّام به.
وجواب هذا من وجهين: أحدهما: أن همامًا لم ينفرد به، كما تقدم. الثاني: أن همّامًا ثقة, وتفرُّد الثقة لا يوجب نكارة الحديث، فقد تفرَّد عبد الله بن دينار بحديث النهي عن بيع الوَلاء وهِبَتهِ (٤).
وتفرّد مالك بحديث دخول النبي ﷺ مكة وعلى رأسه المِغْفر (٥). فهذا غايته أن يكون غريبًا كما قال الترمذي, وأما أن يكون منكرًا أو شاذًّا فلا.
стр. 68
قيل: التفرد نوعان: تفرّدٌ لم يخالَف فيه مَن تفرد به, كتفرُّد مالك وعبد الله بن دينار بهذين الحديثين, وأشباه ذلك.
وتفرّدٌ خولف فيه المتفرّد, كتفرّد همام بهذا المتن على هذا الإسناد, فإن الناس خالفوه فيه, وقالوا: "إن النبي ﷺ اتخذ خاتمًا من وَرِق ... " الحديث. فهذا هو المعروف عن ابن جُرَيج، عن الزهري. فلو لم يُروَ هذا عن ابن جريج وتفرّدَ همامٌ بحديثه, لكان نظير حديث عبد الله بن دينار ونحوه. فينبغي مراعاة هذا الفرق وعدم إهماله.
وأما متابعة يحيى بن المتوكِّل فضعيفة, وحديث ابن الضُّرَيس يُنظر في حاله ومن أخرجه (١).
فإن قيل: هذا الحديث كان عند الزهري على وجوه كثيرة, كلها قد رُويت عنه في قصة الخاتم, فروى شعيب بن أبي حمزة، وعبد الرحمن بن خالد (٢) بن مسافر، عن الزّهري، كرواية زياد بن سعد هذه: "أن النبي ﷺ اتخذ خاتمًا من وَرِق" (٣).
ورواه يونس بن يزيد، عن الزهري، عن أنس: "كان خاتم النبيّ ﷺ من وَرِق فَصُّه حبشيّ" (٤).
стр. 69
ورواه سليمان بن بلال، وطلحة بن يحيى، ويحيى بن نصر بن حاجب، عن يونس، عن الزهري, وقالوا: "إن النبي ﷺ لبس خاتمًا من فضّة في يمينه, فيه فَصٌّ حبشيّ جعله في باطن كَفّه" (١).
ورواه إبراهيم بن سعد عن الزهري بلفظ آخر قريب من هذا (٢).
ورواه همام، عن ابن جريج، عن الزّهري، كما ذكره الترمذي وصححه (٣). وإذا كانت هذه الروايات كلها عند الزهري، فالظاهر أنه حدَّث بها في أوقات، فما المُوجِب لتغليط همّامٍ وحدَه؟
قيل: هذه الروايات كلّها تدلّ على غلط همام, فإنها مُجْمعة على أن الحديث إنما هو في اتخاذ الخاتم ولُبسه, وليس في شيء منها نزعه إذا دخل الخلاء. فهذا هو الذي حَكَم لأجله هؤلاء الحفَّاظ بنكارة الحديث وشذوذه. والمصحح له لمَّا لم يُمكنْه دفعُ هذه العلة حَكَم بغرابته لأجلها, فلو لم يكن مخالفًا لرواية من ذُكِر فما وجه غرابته؟ ولعلّ الترمذي موافق للجماعة, فإنه صحَّحه من جهة السند لثقة الرُّواة, واستغربه لهذه العلّة، وهي التي منعت أبا داود من تصحيح متنه, فلا يكون بينهما اختلاف, بل هو صحيح السند لكنه
стр. 70
معلول. والله أعلم.
٤ - باب فَرْض الوضوء
٤/ ٥٦ - وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم (١) ".
وأخرجه الترمذي وابن ماجه (٢). وقال الترمذي: هذا الحديث أصح شيء في الباب وأحسن.
قال ابن القيم ﵀: قوله ﷺ : "مفتاح الصلاة الطهور, وتحريمها التكبير, وتحليلها التسليم". اشتمل هذا الحديث على ثلاثة أحكام:
الحكم الأول: أن مفتاح الصلاة الطهور، والمفتاح: ما يُفتح به الشيء المغلق, فيكون فاتحًا له, ومنه: "مفتاح الجنة لا إله إلا الله" (٣).
وقوله: "مفتاح الصلاة الطهور" يفيد الحصرَ, وأنه لا مفتاح له (٤) سواه من طريقين:
стр. 71
أحدهما: حصر المبتدأ في الخبر إذا كانا مَعْرفتين، فإن الخبر لا بدّ وأن يكون مساويًا [ق ٥] للمبتدأ أو أعمَّ منه, ولا يجوز أن يكون أخصّ منه. فإذا كان المبتدأ معرّفًا بما يقتضي عمومه كـ"اللام" و"كل" ونحوهما، ثم أخبر عنه بخبر, اقتضى صحَّةُ الإخبار أن يكون إخبارًا عن جميع أفراد المبتدأ، فإنه لا فرد من أفراده إلا والخبرُ حاصلٌ له. وإذا عُرِف هذا لزم الحَصْر, وأنه لا فرد من أفراد ما يُفْتَتح به الصلاة إلا وهو الطهور. فهذا أحد الطريقين.
والثاني: أن المبتدأ مضاف إلى الصلاة, والإضافة تعُمّ. فكأنه قيل: جميع مفتاح الصلاة هو الطهور. وإذا كان الطهور هو جميع ما يُفْتَتح به، لم يكن لها مفتاح غيره.
ولهذا فهم جمهور الصحابة والأمة أن قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] أنه على الحصر, أي: مجموعُ أجلهنّ الذي لا أجل لهنّ سواه: وَضْعُ الحمل. وجاءت السنةُ مفسرةً لهذا الفَهْم مُقرِّرةً له, بخلاف قوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فإنه فِعْل لا عموم له, بل هو مطلق.
وإذا عُرِف هذا ثبت أن الصلاة لا يمكن الدخول فيها إلا بالطهور. وهذا أدّل على الاشتراط من قوله: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحْدَثَ حتى يتوضأ" (١) من وجهين:
أحدهما: أن نفي القبول قد يكون لفوات الشرط وعدمه. وقد يكون لمقارنة محرَّمٍ يمنعُ من القبول, كالإباق، وتصديق العرَّاف، وشرب الخمر،
стр. 72
وتطيّب المرأة إذا خرجت للصلاة, ونحوه.
الثاني: أن عدم الافتتاح بالمفتاح يقتضي أنه لم يحصل له الدخول فيها, وأنه مصدود عنها, كالبيت المقفل على من أراد دخوله بغير مفتاح. وأما عدم القبول فمعناه: عدم الاعتداد بها, وأنه لم يُرَتَّب عليها أثرها المطلوب منها, بل هي مردودة عليه. وهذا قد يحصل لعدم ثوابه عليها، ورضا الربّ عنه بها, وإن كان لا يعاقبه عليها عقوبة تاركها جُمْلةً, بل عقوبته ترك ثوابه، وفوات الرضا لها بعد دخوله فيها، بخلاف من لم يَفْتتحها أصلًا بمفتاحها, فإن عقوبته عليها عقوبة تاركها. وهذا واضح.
فإن قيل: فهل في الحديث حجة لمن قال: إن عادم الطهورَين لا يصلي حتى يقدر على أحدهما؛ لأن صلاته غير مفتتحةٍ بمفتاحها, فلا تُقبل منه؟
قيل: قد استدلَّ به من يرى ذلك, ولا حجة فيه.
ولا بدَّ من تمهيد قاعدةٍ يتبين بها مقصود الحديث, وهي: أنّ ما أوجبه الله ورسوله, أو جعله شرطًا للعبادة, أو ركنًا فيها, أو وقَفَ صحّتَها عليه= هو مُقيَّد بحال القدرة؛ لأنها الحال التي يؤمر فيها به. وأما في حال العجز فغير مقدور ولا مأمور, فلا تتوقف صحة العبادة عليه. وهذا كوجوب القيام والقراءة والركوع والسجود عند القدرة, وسقوط ذلك بالعجز. وكاشتراط سَتْر العورة واستقبال القبلة عند القدرة, ويسقط بالعجز.
وقد قال ﷺ : "لا يقبلُ الله صلاةَ حائضٍ إلا بخمار" (١). ولو تعذَّر عليها
стр. 73
الخمار صلَّتْ بدونه, وصحَّت صلاتُها.
وكذلك قوله: "لا يقبلُ الله صلاةَ أحدِكُم إذا أحْدَث حتى يتوضّأ" (١) فإنه لو تعذَّر عليه الوضوء صلى بدونه, وكانت صلاته مقبولة.
وكذلك قوله ﷺ : "لا تُجزِئ صلاةٌ لا يقيمُ الرجلُ فيها صُلْبَه في الرّكوع والسجود" (٢) فإنه لو كُسِر صُلبه وتعذَّر عليه إقامته أجزأته صلاته. ونظائره كثيرة. فكون (٣) الطهور مفتاحًا للصلاة هو من هذا.
لكن هنا نظرٌ آخر, وهو أنه إذا لم يمكن اعتبار الطهور عند تعذُّره، فإنه يسقط وجوبه, فمن أين لكم أن الصلاة تُشرع بدونه في هذه الحال؟ وهذا حَرْف المسألة, وهلَّا قلتم: إن الصلاة بدونه كالصلاة مع الحيض غير مشروعة, لمَّا كان الطهور غير مقدور للمرأة, فلمَّا صار مقدورًا لها شُرعت لها الصلاة وترتَّبت في ذمتها، فما الفرق بين العاجز عن الطهور شرعًا والعاجز عنه حسًّا؟ فإنّ كلًّا منهما غير متمكِّن من الطهور؟
стр. 74
قيل: هذا سؤال يحتاج إلى جواب، وجوابه أن يقال: زمن الحيض جعله الشارع منافيًا لشرعيّة العبادات, من الصلاة والصوم والاعتكاف. فليس وقتًا لعبادة الحائض, فلا يُرتَّب (١) عليها فيه شيء. وأما العاجز فالوقت في حقّه قابل لترتُّب العبادة المقدورة في ذمّته, فالوقت في حقِّه غير منافٍ لشرعية العبادة بحسب قدرته, بخلاف الحائض, فالعاجز ملحَقٌ بالمريض المعذور الذي يُؤمر بما يقدر عليه, ويسقط عنه ما يعجز عنه, والحائض ملحقة بمن هو من غير أهل التكليف, فافترقا.
ونُكْتة الفرق: أنَّ زمن الحيض ليس بزمنِ تكليفٍ بالنسبة إلى الصلاة, بخلاف العاجز, فإنه مكلَّف بحسب الاستطاعة, وقد ثبت في "صحيح مسلم" (٢): أن النبيَّ ﷺ بعث أُناسًا لطلب قلادةٍ أضلّتها عائشة، فحضرت الصلاةُ, فصلَّوا بغير وضوء, فأتوا النبيَّ ﷺ فذكروا ذلك له, فنزلت آية التيمم. فلم يُنكر النبيُّ ﷺ عليهم, ولم يأمرهم بالإعادة. وحالةُ [ق ٦] عدم التراب كحالة عدم مشروعيته ولا فرق, فإنهم صلَّوا بغير تيمُّم لعدم مشروعية التيمم حينئذٍ. فهكذا من صلى بغير تيمّم لعدم ما يتيمم به, فأي فرقٍ بين عدمه في نفسه وعدم مشروعيته؟
فمقتضى القياس والسنة أن العادم يصلي على حسب حاله, فإنّ الله لا يكلِّف نفسًا إلا وسعها، ولا يعيد, لأنه فَعَل ما أُمِر به, فلم تجب عليه الإعادة, كمن ترك القيام والاستقبال والسترة والقراءة لعجزه عن ذلك, فهذا موجَب النص والقياس.
стр. 75
فإن قيل: القيام له بدَلٌ, وهو القعود, فقام بدله مقامه, كالتراب عند عدم الماء, والعادمُ هنا صلَّى بغير أصلٍ ولا بدَلٍ.
قيل: هذا هو مأخذ المانعين من الصلاة والموجبين للإعادة, ولكنه منتقضٌ بالعاجز عن السُّترة، فإنه يصلي من غير اعتبار بَدَل, وكذلك العاجز عن الاستقبال, وكذلك العاجز عن القراءة والذِّكر.
وأيضًا فالعجز عن البَدَل في الشرع كالعجز عن المبْدَل (١) سواء. هذه قاعدة الشريعة.
وإذا كان عجزه عن المبْدَل لا يمنعه من الصلاة, فكذلك عجزه عن البدل. وستأتي المسألة مستوفاة في باب التيمم إن شاء الله (٢).
وفي الحديث دليل على اعتبار النية في الطهارة بوجهٍ بديع. وذلك لأنه ﷺ جعل الطهور مفتاح الصلاة, التي لا تُفْتَتح ويُدْخَل فيها إلا به, وما كان مفتاحًا للشيء كان قد وُضع لأجله وأُعدّ له. فدلَّ على أن كونه مفتاحًا للصلاة هو جهة كونه طهورًا, فإنه إنما شُرع للصَّلاة وجُعِل مفتاحًا لها. ومن المعلوم أن ما شُرِع للشيء ووُضِع لأجله لا بدّ أن يكون الآتي به قاصدًا ما جُعِل مفتاحًا له ومدخلًا إليه. هذا هو المعروف حسًّا كما هو ثابت شرعًا. ومن المعلوم أن من سقط في ماء وهو لا يريد التطهُّر، لم يأتِ بما هو مفتاح الصلاة, فلا تُفْتَح له الصلاة. وصار هذا كمن حكى عن غيره أنه قال: "لا إله إلا الله" وهو غير قاصد لقولها, فإنها لا تكون مفتاحًا للجنة منه؛ لأنه لم
стр. 76
يقصدها. وهكذا هذا, لمَّا لم يقصد الطهور لم يحصل له مفتاح الصلاة.
ونظيرُ ذلك الإحرام, هو مفتاح عبادة الحج, ولا يحصل له إلا بالنية، فلو اتفق تجرّده لحَرٍّ أو غيره, ولم يخطر بباله الإحرامُ, لم يكن محرمًا بالاتفاق. فهكذا هذا يجب أن لا يكون متطهِّرًا. وهذا بحمد الله بَيِّن.
فصل
الحكم الثاني: قوله: "وتحريمها التكبير". وفي هذا مِن حصر التحريم في التكبير نظير ما تقدَّم في حصر مفتاح الصلاة في التطهُّر (١) من الوجهين, وهو دليل بَيِّن أنه لا تحريمَ لها إلا التكبير.
وهذا قول الجمهور وعامّة أهل العلم قديمًا وحديثًا. وقال أبوحنيفة: ينعقد بكلّ لفظٍ يدلّ على التعظيم. فاحتجَّ الجمهورُ عليه بهذا الحديث.
ثم اختلفوا, فقال أحمد ومالك وأكثر السلف: تتعيّن لفظة "الله أكبر" وَحْدها. وقال الشافعي: يتعيّن أحد اللفظين: "الله أكبر" أو"الله الأكبر". وقال أبو يوسف: يتعيَّن التكبير وما تصرَّف منه, نحو "الله الكبير" ونحوه. وحجَّته: أنه يسمّى تكبيرًا حقيقةً, فيدخل في قوله: "تحريمها التكبير" (٢).
وحجة الشافعي: أن المُعرَّف في معنى المُنَكَّر, فاللام لم يخرجه عن موضوعه, بل هي زيادة في اللفظ غير مُخلّة بالمعنى, بخلاف "الله الكبير"
стр. 77
"وكبَّرت الله" ونحوه, فإنه ليس فيه من التعظيم والتفضيل والاختصاص ما في لفظة "الله أكبر". والصحيح قول الأكثرين, وأنه يتعيَّن "الله أكبر" لخمس حجج:
أحدها (١): قوله: "تحريمها التكبير", واللام هنا للعهد, فهي كاللام في قوله: "مفتاح الصلاة الطهور" وليس المراد به كلّ طهور، بل الطهور الذي واظب عليه رسول الله ﷺ وشرعَه لأمَّته, وكان فِعلُه له تعليمًا وبيانًا لمراد الله من كلامه.
وهكذا التكبير هنا: هو التكبير المعهود الذي نقلَتْه الأمةُ نقلًا ضروريًّا، خلَفًا عن سَلَف عن نبيها ﷺ أنه كان يقوله في كل صلاة, لا يقول غيرَه ولا مرَّة واحدة. فهذا هو المراد بلا شك في قوله: "تحريمها التكبير"، وهذا حجّة على من جَوَّز "الله الأكبر" و"الله الكبير" فإنه وإن سُمّي تكبيرًا, لكنه ليس التكبيرَ المعهودَ المراد بالحديث.
الحجة الثانية: أن النبيَّ ﷺ قال للمسيء في صلاته: "إذا قمت إلى الصلاة فكَبِّر" (٢)، ولا يكون ممتثلًا للأمر إلا بالتكبير. وهذا أمر مطلق يتقيّد بفعله الذي لم يخلّ به هو ولا أحدٌ من خلفائه ولا أصحابه.
الحجة الثالثة: ما روى أبو داود من حديث رفاعة أنّ النبيَّ ﷺ قال: "لا يقبل الله صلاةَ امرئ حتى [ق ٧] يضعَ الطهورَ مواضِعَه, ثم يستقبل القبلةَ
стр. 78
ويقول: الله أكبر" (١).
الحجة الرابعة: أنه لو كانت تنعقد الصلاةُ بغير هذا اللفظ لترَكَه النبيُّ ﷺ ولو في عمره مرةً واحدة لبيان الجواز، فحيث لم ينقل أحدٌ عنه قطُّ أنه عَدَل عنه حتى فارق الدنيا, دلَّ على أن الصلاة لا تنعقد بغيره.
الحجة الخامسة: أنه لو قام غيره مَقامه لجاز أن يقوم غير كلمات الأذان مَقامها, وأن يقول المؤذن: "كبّرت الله", أو "الله الكبير", أو "الله أعظم" ونحوه. بل تتعيّن لفظة "الله أكبر" في الصلاة أعظمَ من تعيّنها في الأذان؛ لأن كلّ مسلم لا بدّ له منها, وأما الأذان فقد يكون في المِصْر مؤذّن واحد أو اثنان, والأمر بالتكبير في الصلاة آكد من الأمر بالتكبير في الأذان.
وأما حجَّة أصحاب الشافعي على ترادُف: "الله أكبر", و"الله الأكبر", فجوابها: أنهما ليسا بمترادفين, فإن الألف واللام اشتملت على زيادة في اللفظ ونقص في المعنى.
стр. 79
وبيانه: أن "أَفْعَل" التفضيل إذا نُكِّر وأُطْلِق تضمَّن من عموم المفضّل عليه وإطلاقه (١) ما لم يتضمنه المعرَّف.
فإذا قيل: "الله أكبر" كان معناه: من كلّ شيء. وأما إذا قيل: "الله الأكبر" فإنه يتقيَّد معناه ويتخصَّص, ولا يُستعمل هذا إلا في مُفضّل معيّن على مفضّل (٢) عليه معيّن, كما إذا قيل: من أفضل, أزيد أم عمرو؟ فيقول: زيد الأفضل. هذا هو المعروف في اللغة والاستعمال. فإن أداة "مِن" (٣) لا يمكن أن يؤتى بها مع "اللام" (٤). وأما بدون "اللام" فيؤتى بالأداة, فإذا حذف المفضّل عليه مع الأداة أفاد التعميم, وهذا لا يتأتى مع اللام.
وهذا المعنى مطلوب من القائل: "الله أكبر" بدليل ما روى الترمذيُّ من حديث عَديّ بن حاتم الطويل: أن النبي ﷺ قال له: "ما يُفِرُّك؟ أيُفِرُّك (٥) أن يقال: الله أكبر, فهل تعلم شيئًا أكبر من الله؟ " (٦). وهذا مطابقٌ لقوله تعالى:
стр. 80
﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً﴾ [الأنعام: ١٩]، وهذا يقتضي جوابًا: لا شيء أكبر شهادةً من الله, فالله أكبر شهادةً مِن كلّ شيء. كما أن قوله لعَديّ: "هل تعلم شيئًا أكبر من الله؟ " يقتضي جوابَ (١): لا شيء أكبر من الله, فالله أكبر من كلِّ شيء.
وفي افتتاح الصلاة بهذا اللفظ ــ المقصود منه: استحضار هذا المعنى, وتصورّه ــ سرٌّ عظيم يعرفه أهل الحضور, المصلّون بقلوبهم وأبدانهم. فإن العبد إذا وقف بين يدي الله ، وقد علم أنه لا شيءَ أكبر منه, وتحقَّق قلبُه ذلك, وأُشْرِبه سرّه= استحيى من الله, ومنعه وقاره وكبرياؤه أن يَشغَل قلبه بغيره. وما لم يستحضر هذا المعنى، فهو واقف بين يديه بجسمه, وقلبُه يهيم في أودية الوساوس والخَطَرات, وبالله المستعان (٢).
فلو كان الله أكبر من كل شيء في قلبِ هذا لما اشتغل عنه وصَرَف كُلّيةَ قلبِه إلى غيره, كما أن الواقف بين يدي المَلِك المخلوق لمَّا لم يكن في قلبه أعظم منه لم يَشغَل قلبَه بغيره ولم يصرفه عنه (٣).
فصل
الحكم الثالث: قوله "وتحليلها التسليم". والكلام في إفادته الحصر كالكلام في الجملتين قبله.
والكلام (٤) [في هذا اللفظ ودلالته] على شيئين: أحدهما: أنه لا ينصرف
стр. 81
من الصلاة إلا بالتسليم. وهذا قول جمهور العلماء. وقال أبو حنيفة: لا يتعيَّن التسليم, بل يخرج منها بالمنافي لها مِن حَدَثٍ أو عملٍ مُبطل ونحوه. (١) رواه أحمد وأبو داود (٢). وبأنّ النبي ﷺ لم يُعَلِّمه المسيء في صلاته, ولو كان فرضًا لعلّمه إياه, وبأنه ليس من الصلاة, فإنه ينافيها ويُخرَج به منها, ولهذا لو أتى به في أثنائها أبطلها. وإذا لم يكن منها, عُلِم أنه شُرِع منافيًا لها, والمنافي لا يتعين ... (٣). هذا غاية ما يُحتجّ له به.
والجمهور أجابوا عن هذه الحجج:
أما حديث ابن مسعود، فقال الدارقطني والخطيب والبيهقي (٤) وأكثر الحفاظ: الصحيح أن قوله: "إذا قلتَ هذا فقد قضيتَ صلاتَك" من كلام ابن مسعود, فَصَلَه شَبَابةُ عن زهير, وجعله من كلام ابن مسعود، وقوله أشبه
стр. 82
بالصواب ممن أدرجه, وقد اتفق مَن روى تشهّد ابنِ مسعود على حذفه (١).
وأما كون النبي ﷺ لم يعلِّمه المسيءَ في صلاته, فما أكثرَ ما يُحتجّ بهذه الحجة على عدم واجبات في الصلاة, ولا تدل، لأن المسيء لم يسئ في كلِّ جزء من الصلاة, فلعله لم يسئ في السلام, بل هذا هو الظاهر, فإنهم لم يكونوا يعرفون الخروج منها إلا بالسلام.
وأيضًا فلو قُدِّر أنه أساء فيه لكان غاية ما يدلّ عليه تركُه التعليمَ = استصحابَ براءةِ الذّمة من الوجوب, فكيف يقدَّم على الأدلة الناقلة لحكم [ق ٨] الاستصحاب؟
وأيضًا فأنتم لم توجبوا في الصلاة كلَّ ما أَمَر به المسيءَ, فكيف تحتجّون بترك أَمْره على عدم الوجوب؟ ودلالة الأمر على الوجوب أقوى من دلالة تركه على نفي الوجوب, فإنه قال: "إذا قمتَ إلى الصلاة فكبِّر" ولم توجبوا التكبيرَ, وقال: "ثم اركع حتى تطمئنَّ راكعًا"، وقلتم: لو ترك الطمأنينة لم تبطل صلاته وإن كان مسيئًا.
وأما قولكم: إنه ليس من الصلاة, فإنه ينافيها ويخرج منها به.
فجوابه: أن السلام مِن تمامها، وهو نهايتها, ونهاية الشيء منه ليس خارجًا عن حقيقته, ولهذا أضيف إليها إضافة الجزء, بخلاف مفتاحها, فإن إضافته إضافة مُغاير, بخلاف تحليلها فإنه يقتضي أنه لا يتحلَّل منها إلا به.
وأما بطلان الصلاة إذا فعله في أثنائها؛ فلأنه قَطْع لها قبل إتمامها, وإتيانُ نهايتِها قبل فراغها, فلذلك أبطلها, فالتسليم آخرها وخاتمها, كما في
стр. 83
حديث أبي حُميد "ويختمُ صلاتَه بالتسليم" (١) فنِسْبةُ التسليم إلى آخرها كنِسْبة تكبيرة الإحرام إلى أولها. فقول: "الله أكبر" أول أجزائها, وقول: "السلام عليكم" آخر أجزائها.
ثم لو سُلِّم أنه ليس جزءًا منها، فإنه تحليلٌ لها لا يخرَج منها إلا به, وذلك لا ينفي وجوبه, كتحلّلات الحجّ, فكونه تحليلًا لا يمنع الإيجاب.
فإن قيل: ولا يقتضيه (٢). قيل: إذا ثبت انحصار التحليل في التسليم (٣) تعيّن الإتيانُ به. وقد تقدَّم بيانُ الحصر من وجهين.
فصل
وقد دلَّ هذا الحديث على أن كلّ ما تحريمه التكبير وتحليله التسليم فمفتاحه الطهور, فيدخل في هذا الوتر بركعة, خلافًا لبعضهم (٤). واحتجَّ بقوله ﷺ : "صلاةُ الليل والنهار مَثْنى مَثْنى" (٥).
стр. 84
وجوابه: أن كثيرًا من الحفَّاظ طعن في هذه الزيادة, ورأوها غير محفوظة.
وأيضًا فإن الوتر تحريمه التكبير وتحليله التسليم, فيجب أن يكون مفتاحه الطهور. وأيضًا فالمغرب وتر, لا مثنى, والطهارة شرط فيها. وأيضًا فالنبي ﷺ سمَّى الوترَ صلاة بقوله: "فإذا خِفْتَ الصبحَ فصلّ ركعةً تُوتر لك ما قد صلَّيتَ" (١). وأيضًا فإجماع الأمة مِن الصحابة ومَن بعدهم على إطلاق اسم الصلاة على الوتر. فهذا القول في غاية الفساد.
ويدخل في الحديث أيضًا صلاة الجنازة؛ لأن تحريمها التكبير وتحليلها التسليم. وهذا قول أصحاب رسول الله ﷺ لا يُعرف عنهم فيه خلاف، وقولُ الأئمة الأربعة وجمهور الأمة, خلافًا لبعض التابعين (٢). وقد ثبت عن النبي ﷺ تسميتها صلاةً, وكذلك الصحابة. وحَمَلَة الشرع كلّهم يسمّونها صلاة.
وقول النبي ﷺ : "مفتاح الصلاة الطهور, وتحريمها التكبير, وتحليلها التسليم" هو فَصْل الخطاب في هذه المسائل وغيرها, طردًا وعكسًا, فكلُّ ما كان تحريمه التكبير، وتحليله التسليم فلا بدَّ من افتتاحه بالطهارة.
فإن قيل: فما تقولون في الطواف بالبيت, فإنه يُفْتَتح بالطهارة, ولا
стр. 85
تحريم فيه ولا تحليل؟
قيل: شرط النقض أن يكون ثابتًا بنصٍّ أو إجماع. وقد اختلف السلف والخلف في اشتراط الطهارة للطواف على قولين:
أحدهما: أنها شرط, كقول الشافعي ومالك وإحدى الروايتين عن أحمد (١).
والثاني: ليست بشرط, نصَّ عليه في رواية ابنه عبد الله وغيره, بل نصُّه في رواية عبد الله تدلّ على أنها ليست بواجبة, فإنه قال: أَحبّ إليَّ أن يتوضأ (٢). وهذا مذهب أبي حنيفة (٣).
قال شيخ الإسلام (٤): وهذا قول أكثر السلف, قال: وهو الصحيح, فإنه لم يَنقل أحدٌ عن النبيِّ ﷺ أنه أمر المسلمين بالطهارة, لا في عُمَرِه ولا في حجته, مع كثرة مَن حجّ معه واعتمر, ويمتنع أن يكون ذلك واجبًا ولا يُبينه للأمة, وتأخير البيان عن وقته ممتنع.
فإن قيل: فقد طاف النبيُّ ﷺ متوضّئًا, وقال: "خذوا عَنِّي مناسككم" (٥)؟
стр. 86
قيل: الفعل لا يدلّ على الوجوب. والأخذ عنه هو أن يفعل كما فعل على الوجه الذي فعل, فإذا كان قد فعل فعلًا على وجه الاستحباب فأوجبناه, لم نكن قد أخذنا عنه وتأسّينا به, مع أنه ﷺ فعَلَ في حَجَّته أشياءَ كثيرة جدًّا لم يوجبها أحدٌ من الفقهاء.
فإن قيل: فما تقولون في حديث ابن عباس: "الطوافُ بالبيتِ صلاةٌ" (١)؟
قيل: هذا قد اختلف في رفعه ووقفه, فقال النسائي والدارقطني وغيرهما: الصواب أنه موقوف. وعلى تقدير رفعه, فالمراد تشبيهه بالصلاة, كما يُشبَّه انتظارُ الصلاة بالصلاة, وكما قال أبو الدرداء: "ما دمتَ تذكر الله فأنتَ في صلاة, وإن كنتَ في السوق" (٢). ومنه قوله ﷺ : "إنّ أحدَكم في
стр. 87
صلاة ما دام يَعْمِدُ إلى الصلاة" (١).
فالطواف وإن سُمِّي صلاةً، فهو صلاةٌ بالاسم العام, ليس بصلاة [ق ٩] خاصّةٍ, والوضوء إنما يشترط للصلاة الخاصّة ذاتِ التحريم والتحليل.
فإن قيل: فما تقولون في سجود التلاوة والشكر؟
قيل: فيه قولان مشهوران:
أحدهما: يُشترط له الطهارة. وهذا هو المشهور عند الفقهاء, ولا يَعرف كثيرٌ منهم فيه خلافًا, وربما ظنَّه بعضُهم إجماعًا (٢).
والثاني: لا يشترط له الطهارة, وهذا قول كثير من السلف, حكاه عنهم ابن بطَّال في "شرح البخاري" (٣). وهو قول عبد الله بن عمر, ذكره البخاري عنه في "صحيحه" (٤) فقال: "وكان ابن عمر يسجد للتلاوة على غير وضوء". وترجمة البخاري واستدلاله يدل على اختياره إياه, فإنه قال: "باب
стр. 88
من قال: يسجد على غير وضوء" هذا لفظه (١).
واحتجَّ الموجبون للوضوء له بأنه صلاة, قالوا: فإنه له تحريم وتحليل, كما قاله بعض أصحاب أحمد والشافعي (٢). وفيه وجه أنه يتشهَّد له (٣) , وهذا حقيقة الصلاة.
والمشهور من مذهب أحمد عند المتأخرين أنه يسلّم له (٤).
وقال عطاء وابن سيرين: إذا رفع رأسه يسلم (٥).
وبه قال إسحاق بن راهويه (٦)، واحْتَجّ (٧) لهم بقوله: "تحريمها التكبير, وتحليلها التسليم".
قالوا: ولأنه يُفعل تبعًا (٨) للإمام, ويعتبر أن يكون القارئ يصلح إمامًا
стр. 89
للمستمع, وهذا حقيقة الصلاة.
قال الآخرون: ليس معكم باشتراط الطهارة له كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح. وأما استدلالكم بقوله: "تحريمها التكبير, وتحليلها التسليم"، فهو من أقوى ما يحتجُّ به عليكم. فإنَّ أئمة الحديث والفقه ليس فيهم أحدٌ قطّ نقل عن النبي ﷺ ولا عن أحدٍ من أصحابه أنه سلَّم منه, وقد أنكر أحمدُ السلامَ منه, قال الخطَّابي: وكان أحمد لا يعرف التسليم في هذا (١). وقال الحسن البصري: [ليس في السجود تسليم] (٢). ويُذكر نحوه عن إبراهيم النخعي (٣) , وكذلك المنصوص عن الشافعي أنه لا يسلِّم فيه (٤).
والذي يدلُّ على ذلك: أن الذين قالوا: يسلَّم منه, إنّما احتجّوا بقول النبي ﷺ : "وتحليلها التسليم"، وبذلك احتجَّ لهم إسحاق (٥) , وهذا
стр. 90
استدلال ضعيف, فإن النبي ﷺ وأصحابه فعلوها, ولم يُنْقل عنهم سلامٌ منها, ولهذا أنكره أحمد وغيره. وتجويز كونه سلَّم منه ولم يُنقل، كتجويز كونه سلَّم من الطواف.
قالوا: والسجود هو من جنس ذِكْر الله وقراءة القرآن والدعاء, ولهذا يُشرع في الصلاة وخارجها, فكما لا يُشترط الوضوء لهذه الأمور وإن كانت من أجزاء الصلاة، فكذلك لا يشترط للسجود. وكونه جزءًا من أجزائها لا يوجب أن لا يُفْعَل إلا بوضوء.
واحتجَّ البخاريُّ بحديث ابن عباس: "أن النبي ﷺ سجد بالنجم, وسجد معه المسلمون والمشركون والجنُّ والإنسُ" (١). ومعلوم أن الكافر لا وضوء له.
قالوا: وأيضًا فالمسلمون الذين سجدوا معه ﷺ لم يُنقل أن النبي ﷺ أمرهم بالطهارة, ولا سألهم هل كنتم متطهِّرين أم لا؟ ولو كانت الطهارة شرطًا فيه للزم أحد الأمرين: إما أن يتقدم أمرُه لهم بالطهارة, وإما أن يسألهم بعد السُّجود ليبين لهم الاشتراط, ولم يَنْقل مسلمٌ واحدًا منهما.
فإن قيل: فلعلَّ الوضوءَ تأخرت مشروعيته عن ذلك, وهذا جواب بعض الموجِبين.
قيل: الطهارة شُرِعت للصلاة من حين المَبْعَث, ولم يصلِّ قطّ إلا
стр. 91
بطهارة, أتاه جبريل فعلَّمه الطهارةَ والصلاةَ (١).
وفي حديث إسلام عمر أنه لم يُمكَّن من مسِّ القرآن إلا بعد تطهُّره (٢) , فكيف نظنّ أنهم كانوا يصلّون بلا وضوء؟
قالوا: وأيضًا فيبعد جدًّا أن يكون المسلمون كلهم إذ ذاك على وضوء.
قالوا: وأيضًا ففي "الصحيحين" (٣) عن عبد الله بن عمر قال: "كان رسول الله ﷺ يقرأ القرآن, فيقرأ السورةَ فيها السجدة، فيسجد ونسجد معه, حتى ما يجدُ بعضُنا موضعًا لمكان جبهته".
قالوا: وقد كان يقرأ القرآن عليهم في المجامع كلّها, ومن البعيد جدًّا أن يكون كلّهم إذ ذاك على وضوء, وكانوا يسجدون حتى لا يجد بعضُهم مكانًا لجبهته, ومعلوم أن مجامع الناس تجمع المتوضّئ وغيرَه.
قالوا: وأيضًا فقد أخبر الله تعالى في غير موضع من القرآن أن السَّحَرَة سجدوا لله سجدة فقبلها الله منهم ومدحهم عليها, ولم يكونوا متطهِّرين
стр. 92
قطعًا. ومنازعونا يقولون: مثل هذا السجود حرام, فكيف يمدحهم ويُثني عليهم بما لا يجوز؟!
فإن قيل: شرعُ مَن قبلنا ليس بشرع لنا.
قيل: قد احتجَّ الأئمةُ الأربعةُ بشرع مَن قبلنا, وذلك منصوص عنهم أنفُسِهم في غير موضع.
قالوا: سلمنا, لكن ما لم يَرِد شرعُنا بخلافه.
قال المُجوِّزون: فأين ورد في شرعنا خلافُه؟
قالوا: وأيضًا فأفضل أجزاء الصلاة وأقوالها هو القراءة, وتُفْعَل بلا وضوء, [ق ١٠] فالسجود أولى.
قالوا: وأيضًا فالله أثنى على كُلِّ مَن سَجَد عند التلاوة, فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧]، وهذا يدلّ على أنهم سجدوا عَقِب تلاوته بلا فصل, وسواءٌ كانوا بوضوء أو بغيره؛ لأنه أثنى عليهم بمجرَّد السجود عقب التلاوة, ولم يشترط وضوءًا. وكذلك قوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨].
قالوا: وكذلك سجود الشكر مستحبٌّ عند تجدّد النّعَم المُنتظرة. وقد تظاهرت السنةُ عن النبي ﷺ بفعله في مواضع متعدّدة (١) , وكذلك