← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 2022

المحصول للرازي

الفخر الرازي

Полный текст (2 180 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

ليس يحتمل الصدق والكذب لكن الإنشاء تأثيره في الأحكام الوضعية لا في الأمور الحقيقية وإذا كان كذلك لم يلزم من قول الله تعالى له أنت رسولي أن يكون الرسول صادقا في كل ما يقول لأن كون ذلك الرجل صادقا أمر حقيقي والأمور الحقيقية لا تختلف باختلاف الجعل الشرعي فإذن لا طريق إلى معرفة كون الرسول صادقا فيما يخبر عنه إلا من قبل كون الله تعالى صادقا وحينئذ يلزم الدور وعلى الثاني أن البحث في أصول الفقه غير متعلق بالكلام القائم بذات الله تعالى الذي ليس بحرف ولا صوت بل عن الكلام المسموع الذي هو الأصوات المقطعة وإذا كان كذلك لم يلزم من كون الكلام القائم بذاته تعالى صدقا كون هذا المسموع صدقا فلعمنا حتى أن هذه الحجة مغالطة وأيضا يقال لم قلت إن الكلام القائم بذاته تعالى صدق قوله لأنه تعالى ليس بجاهل ومن لا يكون جاهلا استحال أن يخبر بالكلام النفساني خبرا كاذبا قلنا هذه القضية غير بديهية فما البرهان وأما المعتزلة فهم ظنوا أن هذا البحث ظاهر على قواعدهم فقالوا الكذب قبيح والله تعالى لا يفعل القبيح

стр. 1367

والاعتراض أن نقول إن البحث عن أن الله تعالى لا يصح عليه الكذب يجب أن يكون مسبوقا بالبحث عن ماهية الكذب لأن التصديق مسبوق بالتصور فنقول أما أن يكون المراد من الكذب الكلام الذي لا يكون مطابقا للمخبر عنه في الظاهر سواء كان بحيث لو أضمر فيه زيادة أو نقصان أو تغيير صح وإما أن يكون المراد منه الكلام الذي لا يكون مطابقا للمخبر عنه في الظاهر ولا يمكن أن يضمر فيه ما عنده يصير مطابقا فإن أردتم بالكذب المعنى الأول لم يمكنكم أن تحكموا بقبحه وبأنه لا يجوز ذلك على الله تعالى لأن أكثر العمومات في كتاب الله مخصوص وإذا كان كذلك لم يكن ظاهر العموم مطابقا للمخبر عنه وكذا الحذف والإضمار واقعان باتفاق أهل الإسلام في كتاب الله تعالى حتى إنه حاصل في أوله فإن الناس اختلفوا في معنى بسم الله الرحمن الرحيم فمنهم من قدم المضمر وهو الأمر أو الخبر ومنهم من أخره وكذا الحمد لله رب العالمين قالوا معناه قولوا الحمد لله

стр. 1368

فالإضمار متفق عليه ولأن المعتزلة اتفقوا على حسن المعاريض على أنه لا معنى لها إلا الخبر الذي يكون ظاهره كذبا ولكنه عند إضمار شرط خاص وقيد خاص يكون صدقا وإذا كان كذلك ثبت إنه لا يمكن تفسير الكذب الممتنع على الله تعالى بالوجه الأول وأما التفسير الثاني فنقول نسلم أنه قبيح بتقدير الوقوع ولكنه غير ممكن الوجود لأنه لا خبر يفرض كونه كذبا إلا وهو بحال متى أضمرنا فيه زيادة أو نقصانا صار صدقا وعلى هذا التقدير يرتفع الأمان عن جميع ظواهر الكتاب والسنة فان قلت لو كان مراد الله غير ظواهرها لوجب أن يبينها وإلا كان ذلك تلبيسا وهو غير جائز ولأنا لو جوزنا ذلك لم يكن في كلام الله تعالى فائدة فيكون عبثا وهو غير جائز قلت الجواب عن الأول ما الذي تريد بكونه تلبيسا إن عنيت به أنه تعالى فعلا يحتمل إلا التجهيل والتلبيس فهذا غير لازم لأنه تعالى لما قرر في عقول المكلفين أن اللفظ المطلق جائز أن يذكر ويراد به المقيد بقيد غير مذكور معه ثم أكد ذلك بأن

стр. 1369

بين للمكلف وقوع ذلك في أكثر الآيات والأخبار فلو قطع المكلف بمقتضى الظاهر كان وقوع المكلف في ذلك الجهل من قبل نفسه لا من قبل الله تعالى حيث قطع لا في موضع القطع وهذا كما يقال في إنزل المتشابهات فإنها وإن كانت موهمة للجهل إلا أنها لما لم تكن متعينة لظواهرها تعالى بل كان فيها احتمال لغير تلك الظواهر الباطلة لا جرم كان القطع بذلك تقصيرا من المكلف لا تلبيسا من الله تعالى وعن الثاني أنا لو ساعدنا على أنه لا بد لله تعالى في كل فعل من غرض معين لكن لم قلت إنه لا غرض من تلك الظواهر إلا منهم معانيها الظاهرة أليس أنه ليس الغرض من إنزال المتشابهات فهم ظواهرها بل الغرض من إنزالها أمور أخرى فلم لا يجوز أن يكون الأمر ها هنا كذلك فإن قلت جواز إنزال المتشابهات مشروط بأن يكون الدليل قائما على امتناع ما أشعر به ظاهر اللفظ فما لم يتحقق هذا الشرط لم يكن إنزال المتشابهات جائزا قلت لا شك أن إنزال المتشابه غير مشروط بأن يكون الدليل المبطل للظاهر معلوما للسامع بل هو مشروط بأن يكون ذلك الدليل موجودا في نفسه سواء علمه السامع لذلك المتشابه أو لم يعلمه

стр. 1370

وإذا كان كذلك فما لم يعلم السامع أنه ليس في نفس الأمر دليل مبطل لذلك الظاهر لا يمكنه إجراؤه على ظاهره ثم لا يكفي في العلم بعدم الدلل فإن العقلي المبطل للظاهر عدم العلم بهذا الدليل المبطل لأنا بينا في الكتب الكلامية أنه لا يلزم من عدم العلم بالشئ العلم بعدم الشئ إذا كان كذلك فلا ظاهر نسمعه إلا ويجوز أن يكون هناك دليل عقلي أو نقلي يمنع من حمله على ظاهره وإذا كان هذا التجويز قائما لم يقع الوثوق بشئ من الظواهر على مذهب المعتزلة ألبتة ولما بينا ضعف هذه الطرق فالذي نعول عليه في المسألة أن الصادق أكمل من الكاذب والعلم به ضروري فلو كان الله جده وتقدست اسماؤه كاذبا لكان الواحد منا حال كونه صادقا أكمل وأفضل من الله تعالى وذلك معلوم البطلان بالضرورة فوجب القطع بكون الله تعالى صادقا وهو المطلوب الرابع خبر الرسول ﷺ قال الغزالي ﵀ دليل صدقه دلالة المعجزة على صدقه مع استحالة ظهور على يد الكذابين لأن ذلك لو كان ممكنا لعجز الله تعالى عن تصديق رسله

стр. 1371

ولقائل أن يقول اذا كان يلزم من اقتدار الله تعالى على إظهار المعجز على يد الكاذب عجزه تعالى عن تصديق الرسول فكذا يلزم من الحكم بعدم اقتداره عليه عجزه فلم كان نفي أحد العجزين عنه أولى من الآخر وأيضا إذا فرضنا أن الله تعالى قادر على إقامة المعجزة على يد الكاذب فمع هذا الفرض إما أن يكون تصديق الرسول ممكنا أو لا يكون فإن أمكن بطل قوله إنه يلزم من قدرة الله تعالى على إظهار المعجز على يد الكاذب عجزه عن تصديق الرسول وإن لم يكن ذلك ممكنا لم يلزم إنما يتحقق عما يصح أن يكون مقدورا في نفسه ألا ترى أن الله لا يوصف بالعجز عن خلق نفسه وأيضا فإذا استحال يقدر الله تعالى على تصديق رسله إلا استحال منه إظهار المعجزة على يد الكاذب وجب أن ينظر أولا أن ذلك هل هو محال أم لا وإن لا يستدل باقتداره على تصديق الرسل على عدم قدرته على إظهاره على يد الكاذب لأن ذلك تصحيح الأصل بالفرع وهو دور وأيضا إذا تأملنا علمنا أن ذلك غير ممتنع لأن قلب العصا حية لما كان

стр. 1372

مقدورا لله تعالى وممكنا في نفسه لم يقبح من الله تعالى فعله في شئ من الأوقات وبشئ من الجهات فبأن قال زيد كاذبا أنا رسول الله يستحيل أن ينقلب الممكن ممتنعا والمقدور معجوزا سلمنا ذلك لكن المعجز يدل على كونه صادقا في ادعاء الرسالة فقط أو على صدقه في كل ما أخبر عنه الأول مسلم والثاني ممنوع بيانه أن يكون إذا ادعى الرسالة وأقام المعجز كان المعجز دالا على صدقه فيما ادعاه وهو كونه رسولا لا على صدقه في غير ما ادعاه فإن الرسول ما ادعى كونه صادقا في جميع الأمور أو لا يعلم أنه ادعى الصدق في كل الأمور فإذن هذا المطلوب لا يتم إلا بإقامة الدلالة على أنه ادعى كونه صادقا في جميع ما يخبر عنه ثم أقام المعجزة عليه وذلك لا يكفي فيه قيام المعجز على ادعاء الرسالة وكيف والعلماء اختلفوا في جواز الصغائر على الأنبياء بل جوز بعضهم الكبائر عليهم واتفقوا على جواز السهو والنسيان بل الصواب أن يقال إن ظهر المعجز عقيب ادعاء الصدق في كل ما

стр. 1373

يخبر عنه وجب الجزم بتصديقه في الكل وإلا ففي القدر المدعى فقط الخامس خبر كل الأمة عن الشئ يجب أن يكون صدقا لقيام الدلالة على أن الإجماع حجة السادس خبر الجمع العظيم عن الصفات القائمة بقلوبهم من الشهوة والنفرة لا يجوز أن يكون كذبا وأيضا الجمع العظيم البالغ إلى حد التواتر إذا أخبر واحد منهم عن شئ غير ما أخبر عنه صاحه عمر! فلا بد وأن يقع فيها ما يكون صدقا ولذلك نقطع بأن الأخبار المروية عنه ﷺ على سبيل الآحاد ما هو قوله وان كنا لا نعرف ذلك بعينه السابع اختلفوا في أن القرائن هل تدل على صدق الخبر أم لا فذهب النظام وإمام الحرمين والغزالي إليه والباقون أنكروه احتج المنكرون بأمور أولها أن الخبر مع القرائن التي يذكرها النظام لو أفاد العلم لما جاز انكشافه عن الباطل لكن قد ينكشف عنه لأنا قد علمنا أن الخبر عن موت

стр. 1374

إنسان مع القرائن التي يذكرها النظام من البكاء عليه والصراخ وإحضار الجنازة والأكفان قد ينكشف عن الباطل فيقال انه أغمى عليه أو لحقته سكتة أو أظهر ذلك ليعتقد السلطان موته فلا يقتله فثبت أن هذه القرائن لا تفيد العلم الثاني لو كانت القرائن هي المفيدة للعلم لجاز أن لا يقع العلم عند خبر التواتر لعدم تلك القرائن ولما لم يجز ذلك بطل قوله الثالث لو وجب العلم عند خبر واحد لوجب ذلك عند خبر كل واحد كما أن الخبر المتواتر لما اقتضاه في موضع اقتضاه في كل موضع والجواب عن الأول أن الذي ذكرتموه لا يدل إلا على أن ذلك القدر من القرائن لا يفيد العلم ولا يلزم منه أن لا يحصل العلم بشئ من القرائن لأن القدح في صورة خاصة لا يقتضي القدح في كل الصور وعن الثاني أن النظام يلتزم ويقول خبر التواتر ما لم تحصل فيه القرائن لم يفد العلم ومن تلك القرائن أن يعلم أنه ما جمعهم جامع من رغبة أو رهبة أو التباس

стр. 1375

سلمنا ذلك لكن لا يلزم من قولنا القرائن تفيد العلم قولنا إنها هي المفيدة وبتقدير أن تكون هي المفيدة فلم قلت يجوز انفكاك خبر التواتر عنها وعن الثالث أن خبر الواحد إنما يفيد العلم لا لذاته فقط بل بمجموع القرائن فمتى حصل ذلك المجموع مع أي خبر كان أفاد العلم وأيضا فالعلم الحاصل عقيب خبر التواتر عندكم حاصل بالعادة فيجوز أيضا أن يكون حصوله عقيب القرائن بالعادة وإذا كان كذلك جاز أن تكون هذه العادة مختلفة وإن كانت مطردة في التواتر والمختار أن القرينة قد تفيد العلم إلا القرائن لا تفي العبارات بوصفها فقد تحصل أمور يعلم بالضرورة عند العلم بها كون الشخص خجلا أو وجلا مع أنا لو حاولنا التعبير عن جميع تلك الأمور لعجزنا عنه والإنسان إذا أخبر عن كونه عطشانا فقد يظهر على وجهه ولسانه من أمارات العطش ما يفيد العلم بكونه صادقا والمريض إذا أخبر عن ألم في بعض أعضائه مع أنه يصيح وترى عليه علامات ذلك الألم ثم إن الطبيب يعالجه بعلاج لو لم يكن المريض صادقا في قوله لكان ذلك العلاج قاتلا له فها هنا يحصل العلم بصدقه وبالجملة فكل من استقرأ العرف عرف أن مستند اليقين في الأخبار ليس إلا القرائن فثبت إن الذي قاله النظام حق

стр. 1376

القول في الطرق الفاسدة وهي خمسة الأول إذا أخبر واحد بحضرة الرسول ﷺ عن شئ والرسول ترك الإنكار عليه قال بعضهم ذلك يدل على كون ذلك الخبر صدقا والحق أن يقال ذلك الخبر إما أن يكون خبرا عن أمر يتعلق بالدين أو بالدنيا فإن كان عن الدين فسكوته ﵊ عن الإنكار يدل على صدقه لكن بشرطين أحدهما أن لا يكون قد تقدم بيان ذلك الحكم والثاني أن يجوز تغير ذلك الحكم عما بينه فيما قبل وإنما وجب اعتبار هذين الشرطين لأن بيان الحكم لو تقدم وأمنا عدم تغيره كان فيما سبق من البيان ما يغني عن استئناف البيان ولهذا لا يلزمه ﵊ تجديد الإنكار حالا بعد حال على الكفار

стр. 1377

وأما القسم الثاني وهو الخبر عن أمر متعلق بالدنيا فسكوته ﵊ يدل على الصدق بأحد شرطين أحدهما أن يستشهد بالنبي ﷺ ويدعي عليه علمه بالمخبر عنه وثانيهما أن يعلم الحاضرون علم النبي ﷺ بتلك القصة ففي كل واحد من هذين الوجهين يجب صدق الخبر إذ سكوت الرسول ﷺ ها هنا يوهم التصديق فلو كان المخبر كاذبا لكان الرسول ﷺ قد أوهم تصديقه وأنه غير جائز وأما إذا علمنا أن الرسول ﷺ لم يعلم المخبر عنه أو جوزنا ذلك لم يلزم حينئذ من السكوت عن التكذيب حصول التصديق لأنه ﵊ يجوز سكوته لاحتمال كونه متوقفا في الأمر الثاني قالوا إذا أخبر الواحد بحضرة جماعة كثيرة عن شئ بحيث لو كان كذبا لما سكتوا عن التكذيب كان ذلك دليلا على صدقه فيه لأنهم إما أن يكونوا سكتوا مع علمهم بكذبه أو لا مع علمهم بكذبه والأول باطل لأن الداعي إلى التكذيب قائم والصارف زائل ومع

стр. 1378

حصول هذين الشرطين يجب الفعل فلما لم يوجب دل على أنهم لم يعلموا كذبه وإنما قلنا إن الداعي حاصل لأن من استشهد على خبر كذب فأراد الصبر على التكذيب وجد من نفسه مشقة على ذلك الصبر وذلك يدل على حصول الداعي وأما زوال الصارف فإن ذلك الصارف إما رغبة أو رهبة والجمع العظيم لا يعمهم من الرغبة أو الرهبة ما يحملهم على كتمان ما يعلمونه ولهذا لا يجتمعون على كتمان الرخص والغلاء العظيمين فأما القسم الثاني وهو أن يقال سكتوا لعدم علمهم بكذب القائل فباطل لأنه يبعد عن الجمع العظيم أن لا يطلع واحد منهم عليه واعلم أن هذا الطريق لا يفيد اليقين بل الظن لأنه لا يمكنا القطع بامتناع اشتراك الجماعة الذين حضروا في رغبة أو رهبة مانعة من السكوت وإن سلمناه لكن لا يستبعد غفلة الحاضرين عن معرفة كونه كذبا إذ ربما لم يتعلق لهم به غرض فلم يبحثوا عنه الثالث زعم أبو هاشم والكرخي وتلميذهما أبو عبد الله البصري أن الإجماع على العمل بموجب الخبر يدل على صحة الخبر وهذا باطل من وجهين أحدهما أن عمل كل الأمة بموجب الخبر لا يتوقف على قطعهم بصحة ذلك

стр. 1379

الخبر فوجب أن لا يدل على صحة ذلك الخبر أما الأول فلأن العمل بخبر الواحد واجب في حق الكل فلا يكون عملهم به متوقفا على القطع به وأما الثاني فلأنه لما لم يتوقف عليه لم يلزم من ثبوته ثبوته الثاني أن علمهم بمقتضى ذلك الخبر يجوز أن يكون لدليل اخر لاحتمال قيام الأدلة الكثيرة على المدلول الواحد واحتجوا بأن المعلوم من عادة السلف فيما لم يقطعوا بصحته أن يرد مدلوله بعضهم ويقبله الآخرون والجواب هذه العادة ممنوعة بدليل اتفاقهم على حكم المجوس بخبر عبد الرحمن الرابع قال بضع الزيدية بقاء النقل مع ترفر النبي الدواعي على إبطاله الدواعي على إبطاله يدل على صحة الخبر كخبر الغدير والمنزلة فإنه

стр. 1380

سلم نقلهما في زمان بني أمية مع توفر دواعيهم على ابطالهما وهذا أيضا ليس بشئ لاحتمال أنه كان من باب الآحاد أولا ثم اشتهر فيما بين الناس بحيث عجز العدو عن إخفائه ولأن الصوارف من جهة بني أمية وإن حصلت لكن الدواعي من جهة الشيعة حصلت ولأن الناس إذا منعوا من إفشاء فضيلة إنسان كانت محبتهم له وحرصهم على ذكر مناقبه أشد مما إذا لم يمنعوا الخامس اعتمد كثير من الفقهاء والمتكلمين في تصحيح خبر الإجماع وأمثاله بأن الأمة فيه على قولين منهم من احتج به ومنهم من اشتغل بتأويله وذلك يدل على اتفاقهم على قبوله وهو ضعيف أيضا لاحتمال أن يقال إنهم قبلوه كما يقبل خبر الواحد ويمكن أن يجاب عنه بأن خبر الواحد يقبل في العمليات لا في العلميات وهذه المسألة علمية فلما قبلوا هذا الخبر فيها دل ذلك على اعتقادهم في صحته والجواب لا نسلم أن كل الأمة قبلوه بل كل من لم يحتج به في الإجماع طعن

стр. 1381

فيه بأنه من باب الآحاد فلا يجوز التمسك به في مسألة علمية بل هب أنهم ما طعنوا فيه على التفصيل لكن لا يلزم من عدم الطعن من جهة واحدة عدم الطعن مطلقا

стр. 1382

الباب الثالث في الخبر الذي يقطع بكونه كذبا وهو أربعة الأول الخبر الذي ينافي مخبره وجود ما علم بالضرورة سواء كان المعلوم بالضرورة حسيا أو وجدانيا أو بديهيا ومن هذا الباب قول القائل الذي لم يكذب قط أنا كاذب فهذا الخبر كذب لأن المخبر عنه بكونه كاذبا إما أن تكون الأخبار التي وجدت قبل هذا الخبر أو هذا الخبر والأول باطل لأن تلك الأخبار ما كانت كذبا فإخباره عن نفسه بكونه كاذبا فيها كذب والثاني باطل لأن الخبر عن الشئ يتأخر في الرتبة عن المخبر عنه فإن جعلنا الخبر عين المخبر عنه لزم تأخر الشئ عن نفسه في الرتبة وهو محال الثاني الخبر الذي يكون مخبره على خلاف الدليل القاطع ثم ذلك الخبر إما أن يحتمل تأويلا صحيحا أو لا يحتمله فإن احتمله فإما أن يحتمل تأويلا قريبا أو تأويلا متعسفا فإن كان قريبا جاز أن يكون النبي ﷺ قد تكلم به لإرادة ذلك

стр. 1383

المعنى كما في متشابهات الكتاب وإن كان متعسفا حكم إما بكذبه وإما بأنه كان معه زيادة أو نقصان يصح الكلام معه مع أنه لم ينقل وكذا القول فيما لا يقبل التأويل الثالث وهو في الحقيقة داخل تحت القسم الثاني الأمر الذي لو وجد لتوفرت الدواعي على نقله على سبيل التواتر إما لتعلق الدين به كأصول الشرع أو لغرابته كسقوط المؤذن من المنارة أو لهما جميعا كالمعجزات ومتى لم يوجد ذلك دل على كذبه والخلاف فيه مع الشيعة فإنهم جوزوا في مثل هذا الشئ أن لا يظهر لأجل الخوف والتقية لنا لو جوزنا ذلك لجوزنا أن يكون بين البصرة وبين بغداد بلدة أعظم منهما مع أن الناس ما أخبروا عنها ولجوزنا أن يكون الرسول ﷺ أوجب عشر صلوات لكن الأمة ما نقلت إلا خمسة ولما كان ذلك باطلا فكذا ما أدى إليه فإن قيل هذا الكلام ظلم لأن العلم بعدم هذه الأمور إما أن يكون متوقفا على العلم بأنه لو كان لوجب نقله أو لا يكون متوقفا عليه فإن كان الأول وجب أن يكون الشاك في الأصل شاكا في هذه الفروع لكن الناس كما يعلمون بالضرورة وجود بغداد والبصرة يعلمون بالضرورة عدم بلدة بينهما أكبر منهما والعلم الضروري لا يكون متوقفا على العلم النظري

стр. 1384

وإن كان الثاني فحينئذ العلم بعدم هذه البلدة غير متوقف على العلم بأنها لو كانت لنقلت فلا يلزم من عدم هذا عدم ذاك سلمنا توقف العلم بعدم هذه الأمور على العلم بأنها لو كانت لنقلت لكن ما ذكرتموه مثال واحد ولا يلزم من حصول الحكم في مثال واحد على وفق قولكم حصوله في كل الصور على وفق قولكم فإن قستم سائر الصور على هذه الصورة فقد بينا أن القياس لا يفيد اليقين لاحتمال أن يكون ما به فارق الأصل الفرع شرطا في الأصل أو مانعا في الفرع ثم الذي يبين أن الأمر ليس كذلك في كل الصور أمور أحدها أن إفراد الإقامة وتثنيتها من أظهر الأمور وأجلاها ثم إن ذلك لم ينقل بالتواتر وثانيها القول في هيئآت الصلاة من رفع اليدين والجهر بالتسمية كل ذلك أمور ظاهرة مع أنها لم تنقل نقلا متواترا وثالثها انشقاق القمر

стр. 1385

وتسبيح الحصى وإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل

стр. 1386

ونبوع الماء من بين الأصابع أمور عظيمة ثم إنها لم تنقل بالتواتر فإن قلت ذلك لأنهم استغنوا بنقل القرآن عن نقلها قلت لا نسلم حصول الاستغناء بنقل القرآن لأن كون القرآن معجزا أمر لا يعرف إلا بدقيق النظر والعلم بكون هذه الأشياء معجزات علم ضروري فكيف يقوم أحدهما مقام الآخر فلأن قلتم لا نزاع في حصول التفاوت من هذه الجهة ولكن لما كان القرآن دليلا قاطعا جاز أن يصير ظهوره واشتهاره سببا لفتور الدواعي عن نقل سائر المعجزات وإن كانت أظهر من القرآن فنقول لم لا يجوز أن يقال إن دلالة قوله تعالى إنما وليكم الله ورسوله

стр. 1387

ودلالة خبر الغدير والمنزلة على إمامة علي بن أبي طالب ﵁ وإن كانت خفية إلا أن ذلك صار سببا لفتور الدواعي عن نقل النص الجلي ورابعها أن أقاصيص الأنبياء المتقدمين والملوك الماضين ما نقلت نقلا متواترا وهو يقدح في قولكم والجواب قوله العلم بعدم الواقعة العظيمة أما أن يتوقف على العلم بأنها لو كانت لنقلت أو لا يتوقف قلنا يتوقف عليه قوله العلم بعدم بلدة بين البصرة وبغداد أكبر منهما علم ضروري وهذه القاعدة نظرية والضروري لا يستفاد من النظري

стр. 1388

قلنا لا نسلم أنه ضروري ولذلك فإن كل من ادعى نفي هذه البلدة إذا قيل له كيف عرفت عدمها فلا بد وأن يقول لأنها لو كانت موجودة لاشتهر خبرها كما اشتهر خبر بغداد والبصرة فعلمنا أن ذلك العدم مستفاد من هذا الأصل قوله ما ذكرته مثال واحد قلنا لم نذكر ذلك المثال لاختصاص دليلنا به بل للتنبيه على القاعدة الكلية قوله ينتقض بالإقامة قلنا اختلف أصحابنا في الجواب عنه على وجهين الأول وهو قول القاضي أبي بكر لعل المؤذن كان ينفرد مرة ويثنى أخرى فإن قلت فكان يجب أن ينقل بالتواتر كونه كذلك قلت يحتمل أن الراوي روى بعض ما رأى وأهمل الباقي لاعتقاده أن التساهل في مثل هذا الباب سهل ولا يتعلق به غرض أصلا في الدين نفيا وإثباتا والثاني لعلهم عرفوا أن هذه المسألة من الفروع التي لا يوجب الخطأ فيها كفرا ولا بدعة فلذلك تساهلوا فيها ولما تساهلوا فيها نسوا ما شاهدوه لا سيما وكانوا مشتغلين بالحروب العظيمة والذين شاهدوها في زمان الرسول صلى الله عليه وسلم

стр. 1389

قتلوا وقلوا فصارت الرواية من باب الآحاد وأما اختلافهم في الجهر بالتسمية فعنه أيضا جوابان الأول لعل فعله فيه كان مختلفا الثاني أنه ﷺ كان إذا ابتدأ بالقراءة أخفى صوته ثم يعلو صوته على التدريج وعلى هذا التقدير يجوز أن يسمع جهره بالتسمية القريب دون البعيد وأما سائر المعجزات قلنا لعل الذين شاهدوا تلك الأشياء كانوا قليلين فلا جرم ما حصل النقل المتواتر فأما الذين سمعوا النص الجلي في الإمامة فان كانوا قليلين صارت الرواية من الآحاد فلا تكون حجة قطعية وإن كانوا بالغين حد التواتر وجب ظهور النقل وأما أقاصيص سائر الأنبياء فإنما لم تنقل بالتواتر لأنه لا يتعلق بروايتها غرض أصلي في الدين بخلاف النص الجلي في الإمامة الرابع الخبر الذي يروي في وقت قد استقرت فيه الأخبار فإذا فتش عنه فلم يوجد في بطون الكتب ولا في صدور الرواة علم أنه لا أصل له وأما في عصر الصحابة حين لم تكن قد استقرت الأخبار فإنه يجوز أن

стр. 1390

يروي أحدهم ما لم يوجد عند غيره مسألة في أن الأخبار المروية عن الرسول ﷺ بالآحاد قد وقع فيها ما يكون كذبا ثم في بيان الداعي إلى وضع الكذب عليه فهما مقامان أما المقام الأول فالذي يدل عليه وجوه أحدها ما روي عنه ﵊ سيكذب علي فهذا الخبر إن

стр. 1391

كان صدقا فلا بد من أن يكذب عليه وإن كان كذبا فقد كذب عليه أيضا وثانيها أنه قد حصل في الأخبار ما لا يجوز نسبته الى الرسول ﷺ ولا يقبل التأويل وإذا كان كذلك وجب القطع بكونه كذبا وثالثها ما روي عن شعبة أن نصف الحديث كذب

стр. 1392

وأما المقام الثاني وهو سبب الكذب فاعلم أن ذلك إما أن يكون من جهة السلف أو من جهة الخلف أما السلف فهم منزهون عن تعمد الكذب إلا أنه لو وقع لوقع ذلك لوقع على وجوه أحدها أن يكون الراوي يرى نقل الخبر بالمعنى فيبدل مكان اللفظ اخر لا يطابقه في معناه وهو يرى أنه يقوم مقامه وثانيها أنهم لا يكتبون الحديث في الغالب فإذا قدم العهد فربما نسي اللفظ فأبدل به لفظا اخر وهو يرى أن ذلك اللفظ هو المسموع وربما نسي زيادة يصح بها الخبر وثالثها ربما أدرك الرسول ﵊ وهو يروي متن الخبر ولم يذكر إسناده إلى غيره فيظن أن الخبر من جهته ﷺ ولهذا كان ﵊ يستأنف الحديث إذا أحس بداخل ليكمل له ومن ذلك ما وري أنه ﵊ قال الشؤم في ثلاثة المرأة والدار والفرس فقالت عائشة ﵂ إنما قال رسول الله ﷺ ذلك حكاية عن غيره

стр. 1393

ورابعها أنه ربما خرج الحديث على سبب وهو مقصور عليه ويصح معناه به وما هذا سبيله ينبغي أن يروى مع سببه فإذا لم يعرف سببه أوهم الخطأ كما روى أنه ﵊ قال التاجر فاجر فقالت عائشة ﵂ إنما قال ذلك في تاجر دلس وخامسها ما روي أن أبا هريرة كان يروي أخبار الرسول ﷺ وكعب يروي أخبار

стр. 1394

اليهود والسامعون ربما ألبس عليهم ذلك فرووا في الخبر أنهم سمعوا من أبي هريرة وإنما سمعوا من كعب وأما سبب الكذب في الأخبار من جهة الخلف فوجوه أحدها أن الملاحدة وضعوا الأباطيل ونسبوها إلى الرسول عليه الصلاة

стр. 1395

والسلام تنفيرا للعقلاء منه كما يروي ذلك عن عبد الكريم بن أبي العوجا وثانيها ما قيل إن الإمامية يسندون إلى الرسول ﷺ كل ما صح عندهم عن بعض أئمتهم قالوا لأن جعفر بن محمد قال حدثني أبي وحدثني جدي وحديث أبي وجدي حديث رسول الله ﷺ فلا حرج عليكم إذا سمعتم مني حديثا أن تقولوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 1396

وثالثها أن يكون الراوي يرى جواز الكذب المؤدي إلى صلاح الأمة فإن من مذهب الكرامية أنه إذا صح المذهب جاز وضع الأخبار فيه لأن ذلك سبب لترويج الحق فوجب أن يكون جائزا ورابعها الرغبة كما وضعوا في ابتداء دولة بني العباس أخبارا في النص على إمامة العباس وولده مسألة في تعديل الصحابة ﵃ مذهبنا إن الأصل فيهم العدالة إلا عند ظهور المعارض للكتاب والسنة أما الكتاب فقوله تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطا وقوله تعالى لقد رضي الله عن المؤمنين وقوله تعالى والسابقون الأولون وأما السنة فقوله ﵊ أصحابي كالنجوم بأيهم

стр. 1397

أقتديتم اهتديتم وقوله ولا تسبوا أصحابي وقوله لو أنفق أحدكم ملأ الأرض ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه وقوله خير الناس قرني وقد بلغ إبراهيم النظام في الطعن فيهم على ما نقله الجاحظ عنه في كتاب الفتيا ونحن نذكر ذلك مجملا ومفصلا أما مجملا فإنه روي من طعن بعضهم في بعض أخبارا كثيرة يأتي تفصيلها وقال النظام رأينا بعض الصحابة يقدح في البعض وذلك يقتضي توجه القدح إما في القادح إن كان كاذبا وإما في المقدوح فيه إن كان القادح صادقا بيان المقام الأول من وجوه أقال عمران بن الحصين والله لو أردت لحدثت عن رسول الله ﵊ يومين متتابعين فإني سمعت كما سمعوا وشاهدت كما شاهدوا ولكنهم يحدثون أحاديث ما هي كما يقولون وأخاف أن يشبه لي كما شبه لهم

стр. 1398

ب عن حذيفة أنه يحلف لعثمان بن عفان على أشياء بالله أنه ما

стр. 1399

قالها وقد سمعناه قالها فقلنا له فيه فقال إني اشتري ديني بعضه ببعض

стр. 1400

مخافة أن يذهب كله ج بن عباس ﵄ بلغه أن ابن عمر ﵄ يروي أن الميت ليعذب ببكاء أهله قال ذهل أبو عبد الرحمن إنما مر النبي ﵊ بيهودي يبكي على ميت فقال إنه ليبكي عليه وإنه ليعذب

стр. 1401

د ابن عمر ﵄ عن النبي ﵊ قال في الضب كل لا آكله ولا أحله ولا أحرمه فقال زيد الأصم قلت لابن عباس إن ناسا يقولون أنه ﵊ قال في الضب كل لا آكله ولا أحله

стр. 1402

ولا أحرمه قال بئس ما قلتم ما بعث الله النبي محللا ولا محرما هـ عن ابن عمر أن النبي ﷺ وقف على قليب بدر فقال هل وجدتم ما وعد ربكم حقا ثم قال إنهم الآن يسمعون ما أقول فذكروه لعائشة ﵂ فقالت لا بل قال إنهم ليعلمون أن الذي كنت

стр. 1403

أقول لهم هو الحق قال النظام وهذا هو التكذيب ولما روت فاطمة بنت قيس أن زوجي طلقني ثلاثا ولم يجعل لي رسول الله ﵊ سكنى ولا نفقة فقال عمر لا نقبل قول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت وقالت عائشة ﵂ يا فاطمة قد قتلت الناس ومعلوم أنها كانت من المهاجرات مع أنها عند عمر وعائشة ﵄ كاذبة ز أراد وأن عمر ﵁ ضرب أبي موسى ﵁ في خبر الاستيذان حتى شهد له أبو سعيد الخدري ح كان على ﵁ يستحلف الرواة فلو كانوا غير متهمين لما استحلفهم فإن عليا أعلم بهم منا

стр. 1404

طحميد كما بن عبد الرحمن الحميري بعث أبن أخ له إلى الكوفة وقال سل علي بن أبي طالب عن الحديث الذي رواه عنه أهل الكوفة في البصرة فإن كان حقا فخبرنا عنه فأتى الكوفة فلقى الحسن بن علي ﵄ فأخبره الخبر فقال له الحسن أرجع إلى عمك وقل له قال أمير المؤمنين يعني أباه إذا حدثتكم عن رسول الله فإني لن أكذ ب على الله ولا على رسوله وإذا حدثتكم برأيي فإنما أنا رجل محارب ويروي عنه هذا المعنى بروايات قال عمرو بن عبيد الله وهاشم الأوقص يرى أن

стр. 1405

قوله أمرت أن أقاتل الناس أو القاسطين أو المارقين من ذلك وقوله في ذي الثدية ما كذبت ولا كذبت فإنما ربما كان الشئ عنده حقا فيقول إن الرسول أمرني به لأن الرسول كان آمرا بكل حق
следующие страницы →