← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 2022

المحصول للرازي

الفخر الرازي

Полный текст (2 180 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

على الرجوع إلى أقواله وأفعاله ثم عقب ذلك بقوله فليحذر الذين يخالفون عن أمره فعلمنا أنه بعث بذلك على التزام ما كان دعا إليه من الرجوع إلى أمر النبي ﵊ وأيضا فلم لا يجوز الحكم بصرف الكناية إلى الله تعالى والرسول ص قلت الجواب عن الأول أن صرف هذا الضمير إلى الله تعالى مؤكد لهذا الغرض أيضا لأنه لما حث على الرجوع إلى أقوال الرسول وأفعاله ثم حذر عن مخالفة أمر الله تعالى كان ذلك تأكيدا لما هو المقصود من متابعة الرسول ص وعن الثاني أن الهاء كناية عن واحد فلا يجوز عوده إلى الله تعالى والى الرسول معا سلمنا عود الضمير إلى الرسول فلم قلت إن عدم الإتيان بمثل فعله مخالفة لفعله فإن قلت يدل عليه أمران الأول أن المخالفة ضد الموافقة لكن موافقة فعل الغير هو أن تفعل مثل فعله فمخالفته هو أن لا تفعل مثل فعله

стр. 982

الثاني وهو أن المعقول من المختلفين هما اللذان لا يقوم أحدهما مقام الآخر والعدم والوجود لا يقوم أحدهما مقام الآخر بوجه أصلا فكانا في غاية المخالفة فثبت إن عدم الإتيان بمثل فعله مخالف للإتيان بمثل فعله من كل الوجوه قلت هب أنها في أصل الوضع كذلك لكنها في عرف الشرع ليست كذلك ولهذا لا يسمى إخلال الحائض بالصلاة مخالفة للمسلمين بل هي عبارة عن عدم الإتيان بمثل فعله إذا كان الإتيان به واجبا وعلى هذا لا يسمى ترك مثل فعل النبي ص مخالفة إلا إذا دل فعله على الوجوب فإذا أثبتنا ذلك بهذا الدليل لزم الدور وهو محال والواجب عن الثاني لم قلت إن الإتيان بمثل فعل الغير مطلقا يكون تأسيا به بل عندنا كما يشترط في التأسي المساواة في الصورة يشترط فيه

стр. 983

المساواة في الكيفية حتى أنه لو صام واجبا فتطوعنا بالصوم لم نكن متأسين به وعلى هذا لا يكون مطلق فعل الرسول ﵊ سببا للوجوب في حقنا لأن فعله قدلا يكون واجبا فيكون فعلنا إياه على سبيل الوجوب قادحا في التأسي وتمام الأسئلة سيأتي في المسألة الآتية إن شاء الله تعالى والجواب عن الثالث أن قوله واتبعوه إما أن لا يفيد العموم أو يفيده فإن كان الأول سقط التمسك به وإن كان الثاني فبتقدير أن يكون ذلك الفعل واجبا عليه وعلينا وجب أن نعتقد فيه أيضا هذا الاعتقاد والحكم بالوجوب يناقضه فوجب أن لا يتحقق وهذا هو الجواب وسلم عن التمسك بقوله تعالى فاتبعوني والجواب عن الخامس لا نسلم أن قوله تعالى ما آتاكم الرسول فخذوه يتناول الفعل ويدل عليه وجهان

стр. 984

الأول أن قوله تعالى وما نهاكم عنه فانتهوا يدل على أنه عنى بقوله ما آتاكم ما أمركم الثاني أن الإتيان إنما يتأتى في القول لأنا نحفظه وبامتثاله إن يصير كأننا أخذناه فيصير كأنه ص أعطاناه والجواب عن السادس أن الطاعة هي الإتيان بالمأمور أو بالمراد على اختلاف المذهبين فلم قلت إن مجرد فعل الرسول ص يدل على أنا أمرنا بمثله أو أريد منا مثله وهذا هو أول المسألة والجواب عن الإجماع من وجوه الأول أن هذه أخبار آحاد فلا تفيد العلم ولهم أن يقولوا هب أنها تفيد الظن لكن لما حصل ظن كونه دليلا

стр. 985

ترتب عليه ظن ثبوت الحكم فيكون العمل به دافعا لضرر مظنون فيكون واجبا وتقرير هذه الطريقة سيجئ إن شاء الله تعالى في مسألة القياس الثاني أن أكثر هذه الأخبار واردة في الصلاة والحج فلعله ص كان قد بين لهم أن شرعه وشرعهم سواء في هذه الأمور قال ص صلوا كما رأيتموني أصلي وعليه خرج مسألة التقاء الختانين وقال خذوا عني مناسككم وعليه خرج تقبيل عمر للحجر الأسود وقال هذا وضوئي ووضوء الآنبياء من قبلي وأما الوصال فإنهم ظنوا لما أمرهم بالصوم واشتغل معهم به أنه قصد بفعله بيان الواجب ففعلوا فرد عليهم ظنهم وأنكر عليهم الموافقة وأما خلع النعل فلا نعلم أنهم فعلوا ذلك واجبا وأيضا لا يمتنع أن يكونوا لما رأوه قد خلع نعله مع تقدم قوله تعالى

стр. 986

خذوا زينتكم عند كل مسجد ظنوا أن خلعها مأمور به غير مباح لأنه لو كان مباحا لما ترك به المسنون في الصلاة على أنه ص قال لهم لم خلعتم نعالكم فقالوا لأنك خلعت نعلك فقال إن جبريل أخبرني أن فيها أذى فبين بهذا أنه ينبغي أن يعرفوا الوجه الذي أوقع عليه فعله ثم يتبعونه وأما خلع الخاتم فهو مباح فلما خلع أحبوا موافقته لاعتقادهم وجوب ذلك عليهم والجواب عن الوجه الأول من المعقول أن الاحتياط إنما يصار إليه إذا خلا عن الضرر قطعا وها هنا ليس كذلك لاحتمال أن يكون ذلك الفعل حراما على الأمة وإذا احتمل الأمران لم يكن المصير إلى الوجوب احتياطا وعن الثاني إن ترك الإتيان بمثل ما يأتي به الملك العظيم قد يكون تعظيما ولذلك يقبح من العبد أن يفعل كل ما يفعل سيده واحتج القائلون بالندب بالقرآن والإجماع والمعقول أما القرآن فقوله تعالى لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ولو كان التأسي واجبا لقال عليكم فلما قال لكم دل على عدم

стр. 987

الوجوب ولما أثبت الأسوة الحسنة دل على رجحان جانب الفعل على جانب الترك فلم يكن مباحا وأما الإجماع فهو أنا رأينا أهل الأعصار متطابقين على الاقتداء في الأفعال بالنبي ص وذلك يدل على انعقا الإجماع على أنه يفيد الندب وأما المعقول فهو إن فعله ﵊ إما أن يكون راجح العدم أو مساوى العدم أو مرجوح العدم والأول باطل لما ثبت أنه لا يوجمنه الذنب والثاني باطل ظاهرا لأن الاشتغال به عبث والعبث مزجور عنه بقوله تعالى أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا فتعين الثالث وهو أن يكون مرجوح العدم ثم إنا لما تأملنا أفعاله وجدنا بعضها مندوبا وبعضها واجبا والقدر المشترك هو رجحان جانب الوجود وعدم الوجوب ثابت بمقتضى الأصل فأثبتنا الرجحان مع عدم الوجوب والجواب عن الأول ما تقدم أن التأسي في إيقاع الفعل على الوجه الذي أوقعه عليه فلوا

стр. 988

كان فعله واجبا أو مباحا وفعلناه مندوبا لما حصل التأسي وعن الثاني أنا لا نسلم أنهم استدلوا بمجرد الفعل فلعلهم وجدوا مع الفعل قرائن أخرى وعن الثالث لا نسلم أن فعل المباح عبث لأن العبث هو الخالي عن الغرض فإذا حصلت في المباح منفعة ما لم يكن عبثا بل من حيث حصول النفع به خرج عن العبث فلم قلتم بأنه خلا عن الغرض ثم حصول الغرض في التأسي بالنبي ص ومتابعته في أفعاله بين فلا يعد من أقسام العبث والله أعلم واحتج القائلون بالإباحة بأنه لما ثبت أنه لا يجوز صدور الذنب منه ثبت أن فعله لا بد أن يكون إما مباحا أو مندوبا أو واجبا وهذه الأقسام الثلاثة مشتركة في رفع الحرج عن الفعل فأما رجحان جانب الفعل فلم يثبت على وجوده دليل لأن الكلام فيه

стр. 989

وثبت على عدمه لأن دليل هذا الرجحان كان معدوما والأصل في كل شئ بقاؤه على ما كان فثبت بهذأنه لا حرج في فعله قطعا ولا رجحان في فعله ظاهرا فهذا الدليل يقتضي في كل أفعاله أن يكون مباحا ترك العمل به في الأفعال التي علم كونها واجبة أو مندوبة فيبقى معمولا به في الباقي وإذا ثبت كونه مباحا ظاهرا وجب أن يكون في حقنا كذلك للآية الدالة على وجوب التأسي ترك العمل به فيما كان من خواصه فيبقى معمولا به في الباقي والجواب هب أنه في حقه كذلك فلم يجب أن يكون في حق غيره كذلك والله أعلم المسألة الثالثة قال جماهير الفقهاء والمعتزلة التأسي به واجب ومعناه أنا إذا علمنا أن الرسول ص فعل فعلا على وجه الوجوب فقد تعبدنا أن نفعله على وجه الوجوب

стр. 990

وإن علمنا أنه تنفل به كنا متعبدين بالتنفل به وإن علمنا أنه فعله على وجه الإباحة كنا متعبدين باعتقاد إباحته لنا وجاز لنا أن نفعله وقال أبو علي بن خلاد من المعتزلة نحن متعبدون بالتأسي به في العبادات دون غيرها كالمناكحات إلا والمعاملات ومن الناس من أنكر ذلك في الكل واحتج أبو الحسين بالقرآن والإجماع أما القرآن فقوله تعالى لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة والتأسي بالغير في أفعاله هو أن يفعل على الوجه الذي فعل ذلك الغير ولم يفرق الله تعالى بين أفعال الرسول ص إذا كانت مباحة أو لم تكن مباحة

стр. 991

وقوله تعالى واتبعوه أمر بالاتباع فيجب وأما الإجماع فهو أن السلف رجعوا إلى أزواجه في قبلة الصائم وفي أن من أصبح جنبا لم يفسد صومه وفي تزوج النبي ص ميمونة وهو حرام وذلك يدل على أن أفعاله لا بد من أن يمتثل فيها طريقه

стр. 992

ولقائل أن يقول على الدليل الأول الآية تقتضي التأسي به مرة واحدة كما أن قول القائل لغيره لك في الدار ثوب حسن يفيد ثوبا واحدا فإن قلت هذا إن ثبت تم غرضنا من التعبد بالتأسي به ص في الجملة وأيضا فالآية تفيد إطلاق كون النبي ص أسوة حسنة لنا ولا يطلق وصف الإنسان بأنه أسوة حسنة إذا لم يجز لزيد لزيد أن يتبعه إلا في فعل واحد وإنما يطلق ذلك إذا كان ذلك الإنسان قدوة لزيد يقتدي به في الأمور كلها إلا ما خصه الدليل قلت الجواب عن الأول أن أحدا لا ينازع في التأسي به ص في الجملة لأنه لما قال صلوا كما رأيتموني أصلي وخذوا عني مناسككم فقد أجمعوا على وقوع التأسي به ها هنا والآية ما دلت إلا على المرة الواحدة فكان التأسي به ص في هذه الصورة كافيا في العمل بالآية لا سيما والآية إنما وردت على صيغة الاخبار عما مضى وذلك يكفي فيه وقوع التأسي به فيما مضى والجواب عن الثاني إنك إن أردت به أنه لا يصح إطلاق اسم الأسوة عليه إلا إذا

стр. 993

كان أسوة في كل شئ فهذا فيه ممنوع ثم الذي يدل على فساده وجهان الأول أن من تعلم من إنسان نوعا واحدا من العلم يقال له إن لك في فلان أسوة حسنة الثاني وهو أن يقال لك في فلان أسوة حسنة في كل شئ ويقال لك من فلان أسوة حسنة في هذا الشدون ذاك ولو اقتضى اللفظ العموم لكان الأول تكريرا والثاني نقضا وإن أردت أن يصح إطلاق اسم الأسوة إذا كان أسوة في بعض الأشياء فهذا مسلم ولكنه ص عندنا أسوة لنا في أقواله وفي كثير من أفعاله التي أمرنا بالاقتداء به فيها كقوله ص صلوا كما رأيتموني أصلي وخذوا عني مناسككم والجواب عن الحجة الثانية ان قوله تعالى واتبعوه مطلق في الاتباع فلا يفيد العموم في كل شئ من الاتباعات صلى والأمر لا يقتضي التكرار فلا يفيد العموم في كل الأزمنة

стр. 994

فإن قلت ترتيب الحكم على الاسم يشعر بأن المسمى علة لذلك الحكم فماهية المتابعة علة للأمر بها قلت فعلى هذا لو قال السيد لعبده اسقني يلزم أن يكون أمرا له بجميع أنواع السقي في كل الأزمنة ولو قال له قم يلزم أن يكون أمرا له بجميع أنواع القيام في كل الأزمنة وفي هذه الأمثلة كثرة وما ذكرناه كاف في إفساد ما قالوا والله أعلم وأما الإجماع فقد سبق الكلام عليه والله أعلم

стр. 995

القسم الثاني في التفريع على وجوب التأسي المسألة الأولى لما عرفت أن التأسي مطابقة فعل المتأسى وقال به على الوجه الذي وقع فعله عليه وجب معرفة الوجه الذي يقع عليه فعل الرسول ص وهو ثلاثة الإباحة والندب والوجوب أما الإباحة فتعرف بطرق أربعة أحدها أن ينص الرسول ص على أنه مباح وثانيها أن يقع امتثالا لآية دالة على الإباحة وثالثها أن يقع بيانا لآية دالة على الإباحة

стр. 996

ورابعها أنه لما ثبت أنه لا يذنب ثبت أنه لا حرج عليه في ذلك الفعل ولا في تركه وانتفى الوجوب والندب بالبقاء على الأصل فحينئذ يعرف كونه مباحا وأما الندب أنه فيعرف بتلك الثلاثة الأول مع أربعة أخرى أحدها أن يعلم من قصده ص أنه قصد القربة بذلك الفعل فيعلم أنه راجح الوجود ثم نعرف انتقاء الوجوب وهو بحكم الاستصحاب فيثبت الندب وثانيها أن ينص على أنه كان مخيرا بين ما فعل وبين فعل ما ثبت أنه ندب لأن التخيير لا يقع بين الندب وبين ما ليس بندب

стр. 997

وثالثها أن يقع قضاء لعبادة كانت مندوبة ورابعها أن يداوم على الفعل ثم يخل به من غير نسخ فتكون إدامته ﵊ دليلا على كونه طاعة وإخلاله به من غير نسخ دليلا على عدم الوجوب وأما الوجوب فيعرف بتلك الثلاثة الأول مع خمسة أخرى أحدها الدلالة على أنه كان مخيرا بينه وبين فعل آخر قد ثبت وجوبه لأن التخيير لا يقع بين الواجب وبين مال ليس بواجب وثانيها أن يكون قضاء لعبادة قد ثبت وجوبها وثالثها أن يكون وقوعه مع أمارة قد تقرر في الشريعة أنها أمارة الوجوب كالصلاة بأذان وإقامة

стр. 998

ورابعها أن يكون جزاء لشرط فوجب كفعل ما وجب بالنذر وخامسها أن يكولو لم يكن واجبا لم يجز كالجمع بين ركوعين في صلاة الكسوف المسألة الثانية في الفعل إذا عارضه معارض منه ص فهو إما أن يكون قولا أو فعلا أما القول فإما أن يعلم أن المتقدم هو القول أو الفعل أو لا يعلم واحد منهما أما القسم الأول وهو أن يكون المتقدم هو القول فالفعل المعارض له إما أن يحصل عقيبه أو متراخيا عنه

стр. 999

فإن كان متعقبا فإما أن يكون القول متناولا له خاصة أو لأمته خاصة أوله ولهم معا لا يجوز أن يتناوله خاصة إلا على قول من يجوز نسخ الشئ قبل حضور وقته وإن تناول أمته خاصة وجب المصير إلى القول دون الفعل وإلا كان القول لغو ولا يلغو الفعل لأن حكمه ثابت في الرسول ص وإن كان الخطاب يعمه وإياهم دل فعله على أنه مخصوص من القول وأمته داخلة فيه لا محالة وأن كان الفعل متراخيا عن القول فإن كان القول عاما لنا وله صار مقتضاه منسوخا عنا وعنه وإن تناوله دونه كان نسخا عنا دونه لأن القول لم يتناوله وإن تناوله دوننا كان منسوخا عنه دوننا ثم يلزمنا مثل فعله لوجوب التأسي به القسم الثاني أن يكون المتقدم هو الفعل فالقول المعارض له إما أن يحصل عقيبه أو متراخيا عنه فإن كان متعقبا فإما أن يكون القول متناولا له خاصة أو لأمته خاصة أو عاما فيه وفيهم فإن كان متناولا له خاصة وقد كان الفعل المتقدم دالا على لزوم مثله لكل مكلف في المستقبل فيصير ذلك القول المختص به مخصصا له عن ذلك العموم

стр. 1000

وإن كان متناولا لأمته خاصة دل على أن حكم الفعل مختص به دون أمته وإن كان عاما فيه وفيهم دل على سقوط حكم الفعل عنه وعنهم وأما إن كان القول متراخيا عن الفعل فإن كان متناولا له ولأمته فيكون القول ناسخا لحكم الفعل عنه وعن أمته وإن كان يتناول أمته دونه فيكون منسوخا عنهم دونه وإن كان يتناوله دون أمته فيكون منسوخا عنه دون أمته القسم الثالث إذا لم يعلم تقدم أحدهما على الآخر فها هنا يقدم القول على الفعل ويدل عليه وجهان الأول أن القول أقوى من الفعل والأقوى راجح وإنما قلنا أن القول أقوى لأن دلالة القول تستغني عن الفعل ودلالة الفعل لا تستغني عن القول والمستغنى أقوى من المحتاج

стр. 1001

والثاني أنا نقطع بأن القول قد تناولنا وأما الفعل فبتقدير أن يتأخر كان متناولا لنا وبتقدير أن يتقدم لا يتناولنا فكون القول متناولا لنا معلوم وكون الفعل متناولا لنا مشكوك والمعلوم مقدم على المشكوك فرع نهى رسول الله ص عن استقبال القبلة واستدبارها في قضاء الحاجة ﷺ ثم جلس في البيوت لقضاء الحاجة مستقبل بيت المقدس

стр. 1002

فعند الشافعي ﵁ أن نهيه مخصوص بفعله في الصحراء حتى يجوز استقبال القبلة واستدبارها في البيوت لكل أحد

стр. 1003

وعند الكرخي ﵀ يجب إجراء النهي على إطلاقه في الصحراء والبنيان فكان ذلك من خواص الرسول ص وتوقف القاضي عبد الجبار في المسألة حجة الشافعي ﵁ أن النهي عام ومجموع الدليل الذي يوجب علينا أن نفعل مثل ما فعل الرسول ﵊ مع كونه مستقبل القبلة في البنيان عند قضاء الحاجة أخص من ذلك النهي والخاص مقدم على العام فوجب القول بالتخصيص والله أعلم أما إذا كان المعارض للفعل فعلا آخر فذلك على وجهين الأول أن يفعل الرسول ص فعلا يعلم بالدليل أن غيره مكلف به ثم نراه بعد ذلك قد أقر بعض الناس على فعل ضده فنعلم أنه خارج منه الثاني إذا علمنا أن ذلك الفعل إنما يلزم أمثاله الرسول ص في مثل

стр. 1004

تلك الأوقات ما لم يرد دليل ناسخ لم يفعل ﵊ ضده في مثل ذلك الوقت فنعلم أنه كان قد نسخ عنه تنبيه التخصيص والنسخ في الحقيقة إنما لحقا ما دل على أن ذلك الفعل لازم لغيره وأنه لازم له في مستقبل الأوقات وإنما يقال إن ذلك الفعل قد لحقه النسخ بمعنى أنه قد زال التعبد بمثله وأن التخصيص قد لحقه على معنى أن بعض المكلفين لا يلزمه مثله والله أعلم

стр. 1005

القسم الثالث في أن الرسول ص هل كان متعبدا بشرع من قبله وفيه بحثان البحث الأول أنه قبل النبوة هل كان متعبدا بشرع من قبله أثبته قوم ونفاه آخرون وتوقف فيه ثالث احتج المنكرون بأمرين الأول أنه لو كان متعبدا بشرع أحد لوجب عليه الرجوع إلى علماء تلك الشريعة والاستفتاء منهم والأخذ بقولهم ولو كان كذلك لاشتهر ولنقل بالتواتر قياسا على سائر أحواله فحيث لم ينقل علمنا أنه ما كان متعبدا بشرعهم

стр. 1006

الثاني أنه لو كان على ملة قوم لافتخر به أولئك القوم ولنسبوه إذا إلى أنفسهم ولاشتهر ذلك فإن قلت ولو لم يكن متعبدا بشرع أحد لاشتهر ذلك قلت الفرق أن قومه ما كانوا على شرع أحد فبقاؤه لا على شرع البتة لا يكون شيئا بخلاف العادة فلا تتوفر الدواعي على نقله أما كونه على شرع لما كان بخلاف عادة قومة فوجب أن ينقل احتج المثبتون بأمرين الأول أن دعوة من تقدمه كانت عامة فوجب دخوله فيها الثاني أنه كان يركب البهيمة ويأكل اللحم ويطوف بالبيت والجواب عن الأول أنا لا نسلم عموم دعوة من تقدمه

стр. 1007

سلمناه لكن لا نسلم وصول تلك الدعوة إليه بطريق يوجب العلم أو الظن الغالب وهذا هو المراد من زمان الفترة وعن الثاني أن نقول أما ركوب البهائم فهو حسن في العقل إذا كان طريقا إلى حفظها بالعلف وغيره وأما أكله لحم المذكى فحسن أيضا لأنه ليس فيه مضرة على حيوان وأما طوافه بالبيت فبتقدير ثبوته لا يجب لو فعله من غير شرع أن يكون حراما البحث الثاني في حاله ﵇ بعد النبوة قال جمهور المعتزلة وكثير من الفقهاء أنه لم يكن متعبدا بشرع أحد

стр. 1008

وقال قوم من الفقهاء بل كان متعبدا بذلك إلا ما استثنا الدليل الناسخ ثم اختلفوا فقال قوم كان متعبدا بشرع إبراهيم وقيل بشرع موسى وقيل بشرع عيسى واعلم أن من قال إنه كان متعبدا بشرع من قبله إما أن يريد به أن الله تعالى كان يوحي إليه بمثل تلك الأحكام التي أمر بها من قبله أو يريد أن الله تعالى أمره باقتباس الأحكام من كتبهم فإن قالوا بالأول فإما أن يقولوا به في كل شرعه أو في بعضه والأول معلوم البطلان بالضرورة لأن شرعنا يخالف شرع من قبلنا في كثير من الأمور والثاني مسلم ولكن ذلك لا يقتضي إطلاق القول بأنه كان متعبدا بشرع غيره لأن ذلك يوهم التبعية وأنه ص ما كان تبعا لغيره بل كان أصلا في شرعه وأما الاحتمال الثاني وهو حقيقة المسألة فيدل على بطلانه وجوه

стр. 1009

الأول لو كان متعبدا بشرع أحد لوجب أن يرجع في أحكام الحوادث إلى شرعه وأن لا يتوقف إلنزول الوحي لكنه لم يفعل ذلك لوجهين الأول أنه لو فعل لاشتهر والثاني أن عمر ﵁ طالع ورقة من التوراة فغضب رسول الله ﵊ وقال لو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي ولما لم يكن كذلك علمنا أنه لم يكن متعبدا بشرع أحد فإن قيل الملازمة ممنوعة لاحتمال أن يقال إنه ص علم في تلك الصور أنه غير متعبد فيها بشرع من قبله فلا جرم توقف فيها على نزول الوحي أو لأنه ﵊ علم خلو شرعهم عن حكم تلك الوقائع فانتظر الوحي أو لأن احكام تلك الشرائع إن كانت منقولة بالتواتر فلا يحتاج في

стр. 1010

معرفتها إلى الرجوع إليهم وإلى كتبهم وإن كانت منقولة بالآحاد لم يجز قبولها لأن أولئك الرواة كانوا كفارا ورواية الكافر غير مقبولة سلمنا الملازمة لكن قد ثبت رجوعه إلى التوراة في الرجم لما احتكم إليه اليهود والجواب قوله إنما لم يرجع إليها لأنه ﵊ علم أنه غير متعبد فيها بشرع من قبله قلنا فلما لم يرجع في شئ من الوقائع إليهم وجب أن يكون ذلك لأنه علم أنه غير متعبد في شئ منها بشرع من قبله

стр. 1011

قوله إنما لم يرجع إليها لعلمه بخلو كتبهم عن تلك الوقائع قلنا العلم بخلو كتبهم عنها لا يحصل إلا بالطلب الشديد والبحث الكثير فكان يجب أن يقع منه ذلك البحث والطلب قوله ذلك الحكم إما أن يكون منقولا بالتواتر أو بالآحاد قلنا يجوز أن يكون متن الدليل متواترا إلا أنه لا بد في العلم بدلالته على المطلوب من نظر كثير وبحث دقيق فكان يجب اشتغال النبي ﵊ بالنظر في كتبهم والبحث عن كيفية دلالتها على الأحكام قوله إنه رجع في الرجم إلى التوراة قلنا لم يكن رجوعه إليها رجوع مثبت للشرع بها والدليل عليه أمور أحدها أنه لم يرجع إليها في غير الرجم وثانيها أن التوراة محرفة عنده فكيف يعتمد عليها وثالثها أن من أخبره بوجود الرجم في التوراة لم يكن ممن يقع العلم بخبره فثبت أن رجوعه إليها كان ليقرر عليهم أن ذلك الحكم كما أنه ثابت في شرعه فهو أيضا ثابت في شرعهم وأنهم أنكروه كذبا وعنادا

стр. 1012

الحجة الثانية أنه ﵇ لو كان متعبدا بشرع من قبله لوجب على علماء الأعصار أن يرجعوا في الوقائع إلى شرع من قبله ضرورة أن التأسي به واجب وحيث لم يفعلوا ذلك البتة عمنا بطلان ذلك الحجة الثالثة أنه ﵊ صوب معاذا في حكمه باجتهاد نفسه إذا عدم حكم الحادثة في الكتاب والسنة ولو كان متعبدا بحكم التوراة كما تعبد بحكم الكتاب لم يكن له العمل باجتهاد نفسه حتى ينظر في التوراة والإنجيل فإن قلت إن رسول الله ص لم يصوب معاذا في العمل بالاجتهاد إلا إذا عدمه في الكتاب والتوراة كتاب ولأنه لم يذكر التوراة لأن في

стр. 1013

القرآن آيات دالة على الرجوع إليها كما أنه لم يذكر الإجماع لهذا السبب قلت الجواب عن الآول من وجهين الأول أنه لا يفهم من إطلاق الكتاب إلا القرآن فلا يحمل على غير إلا بدليل الثاني أنه لم يعهد من معاذ قط تعلم التوراة والإنجيل والعناية بتميز المحرف منها عن غيره كما عهد منه تعلم القرآن وبه ظهر الجواب عن الثاني الحجة الرابعة لو كانت تلك الكتب حجة علينا لكان حفظها من فروض الكفايات كما في القرآن والأخبار ولرجعوا إليها في مواضع اختلافهم حيث أشكل عليهم كمسألة العول وميراث الجد والمفوضة وبيع أم الولد وحد الشرب والربا في غير النسيئة ودية الجنين فقال والرد بالعيب بعد الوطء والتقاء الختانين وغير ذلك من الأحكام ولما لم ينقل عن واحد منهم مع طول أعمارهم وكثرة وقائعهم واختلافاتهم مراجعة التوراة لا سيما وقد أسلم من أحبارهم من تقوم

стр. 1014

الحجة بقولهم كعبد الله بن سلام وكعب ووهب وغيرهم ولا يجوز القياس إلا بعد اليأس من الكتاب وكيف يحصل اليأس قبل العلم دل على أنه ليس بحجة احتجوا بأمور أحدها قوله تعالى إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون وثانيها قوله تعالى فبهداهم اقتده أمره أن يقتدي بهم

стр. 1015

وثالثها قوله تعالى إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ورابعها قوله تعالى أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وخامسها قوله تعالى شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والجواب عن الأول أن قوله يحكم بها النبيون لا يمكن إجراؤه على ظاهره لأن جميع النبيين لم يحكموا بجميع ما في التوراة وذلك معلوم بالضرورة فوجب إما تخصيص الحكم وهو أن كل النبيين حكموا ببعضه وذلك لا يضرنا فإن نبينا حكم بما فيه من معرفة الله تعالى وملائكته وكتبه ورسله أو تخصيص النبيين وهو أن النبيين حكموا بكل ما فيه وذلك لا يضرنا وعن الثاني أنه تعالى أمر بأن يقتدى بهدي مضاف إلى كلهم وهداهم الذي اتفقوا عليه هو الأصول دون ما وقع فيه النسخ

стр. 1016

وعن الثالث أنه يقتضي تشبيه الوحي بالوحي لا تشبيه الموحى به بالموحى به وعن الرابع أن الملة محمولة على الأصول دون الفروع ويدل عليه أمور أحدها أنه يقال ملة الشافعي وأبي حنيفة واحد وإن كان مذهبهما في كثير من الشرعيات مختلفا وثانيها قوله بعد هذه الآية وما كان من المشركين وثالثها أن شريعة ابراهيم ﵇ قد اندرست وعن الخامس أن الآية تقتضي أنه وصى محمدا ﵊ بالذي وصى به نوحا ﵇ من أن يقيسوا الدين ولا يتفرقوا فيه وأمرهم بإقامة الدين لا يدل على اتفاق دينهما كما أن أمر الإثنين أن يقوما بحقوق الله

стр. 1017

تعالى لا يدل على أن الحق على أحدهما مثل الحق على الآخر وعلى أن الآية تدل على أنه تعبد محمدا بما وصى به نوحا ﵉ والله أعلم

стр. 1018

الكلام في الناسخ والمنسوخ وهو مرتب على أقسام القسم الأول في حقيقة النسخ وفيه مسائل

стр. 1019

المسألة الأولى النسخ في أصل اللغة بمعنى إبطال الشئ وقال القفال إنه للنقل والتحويل

стр. 1020

لنا إنه يقال نسخت الريح آثار القوم إذا أعدمتها ونسخت الشمس الظل إذا أعدمته ثنا لأنه قد لا يحصل الظل في مكان آخر فيظن أنه انتقل إليه والأصل في الكلام الحقيقة وإذا ثبت كون اللفظ حقيقة في الإبطال وجب أن يكون حقيقة في النقل دفعا للاشتراك فإن قيل وصفهم الريح بأنها ناسخة للآثار والشمس بأنها ناسخة للظل مجاز لأن المزيل للآثار والظل هو الله تعالى وإذا كان ذلك مجازا امتنع الاستدلال به على كون اللفظ حقيقة في مدلوله ثم نعارض ما ذكرتموه ونقول بل النسخ هو النقل والتحويل ومنه نسخ الكتاب إلى كتاب آخر كأنك تنقله إليه أو تنقل حكايته ومنه تناسخ وتناسخ القرون قرنا بعد قرن وتناسخ المواريث إنما هو التحويل من واحد إلى آخر بدلا عن الأول فوجب أن يكون اللفظ حقيقة في النقل ويلزم أن لا يكون حقيقة في الإزالة دفعا للاشتراك وعليكم الترجيح
следующие страницы →