كتاب
حقيقة الإيمان
بقلم
عبد الله محمد (طارق) بن أحمد (عبد الحليم) القنائي
-تغمده الله برحمته-
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تصدير (*)
"مما يجب أن يعلم أن الذي يريد أن ينكر على الناس ليس له أن ينكر إلا بحجة وبيان، إذ ليس لأحد أن يلزم أحداً بشيء، ولا يحظر على أحد شيئاً بلا حجة خاصة، إلا رسول الله ﷺ المبلِّغ عن الله الذي أوجب على الخلق طاعته فيما أدركته عقولهم، وما لم تدركه، وخبره مصدق فيما علمناه، وما لم نعلمه.
وأما غيره إذا قال: هذا صواب أو خطأ، فإن لم يبين ذلك بما يجب به اتباعه، فأول درجات الإنكار أن يكون المنكر عالماً بما ينكره، وما يقدر الناس عليه، فليس لأحد من خلق الله كائناً من كان أن يبطل قولاً أو يحرم فعلاً إلا بسلطان الحجة، وإلا كان ممن قال الله فيه [الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ماهم ببالغيه] (١) ، وقال فيه [الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتاً عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار] (٢) .
هذا وأنا في سعة صدر لمن يخالفني، فإنه وإن تعدى حدود الله فيّ بتكفير أو تفسيق، أو افتراء أو عصبية جاهلية: فأنا لا أتعدى حدود الله فيه. بل أضبط ما أقوله وأفعله، وأزنه بميزان العدل، وأجعله مؤتماً بالكتاب الذي أنزله الله، وجعله هدى للناس، حاكماً فيما اختلفوا فيه.
قال الله تعالى: [كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه] (٣) ، وقال تعالى: [فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول] (٤) . وقال تعالى: [لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط] (٥) .
стр. 2
ذلك أنك ما جزيت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه [إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون] (١) ، وقال تعالى [وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً إن الله بما يعملون محيط] (٢) .
وإن أرادوا أن ينكروا بما شاءوا من حجج عقلية أو سمعية فأنا أجيبهم إلى ذلك كله وأبينه بياناً يفهمه الخاص والعام أن الذي أقوله: هو الموافق لضرورة العقل والفطرة، وأنه الموافق للكتاب والسُّنَّة وإجماع سلف الأمة، وأن المخالف لذلك هو المخالف لصريح المعقول، وصحيح المنقول، فلو كنت أنا المبتدئ بالإنكار، والتحديث بمثل هذا لكانت الحجة متوجهة عليهم، فكيف إذا كان الغير هو المبتدئ بالإنكار [ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ماعليهم من سبيل] (٣) . [ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون] (٤) . [إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد] (٥) . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.." (٦) .
المقدمة
إن الحمد لله نستعينه ونستغفره، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله ﷺ .
وبعد:
فإن خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
وقد أمر الله المؤمنين بالاعتصام بحبله، والتزام الجماعة، وذم التفرق والاختلاف في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ .
قال تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا) (٧) .
قال الطبري: (عن ابن مسعود أنه قال: "واعتصموا بحبل الله جميعاً" قال: الجماعة) (٨) .
стр. 3
وقال تعالى: (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) (١) .
عن ابن مسعود ﵁ قال: "خط لنا رسول الله ﷺ يوماً خطاً ثم قال: هذه سبيل الله ثم خط خطوطاً عن يمينه وخطوطاً عن يساره ثم قال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليها ثم قرأ هذه الآية" (٢)) .
قال القرطبي: "وهذه السبل تعم اليهودية والنصرانية والمجوسية، وسائر أهل الملل وأهل البدع والضلالات من أهل الأهواء والشذوذ في الفروع، وغير ذلك من أهل التعمق في الجدل والخوض في الكلام" (٣) . ولكن لما كان أمر الله قدراً مقدوراً، ولا تبديل لكلمات الله، فقد افترقت الأمة كما أخبر عن ذلك وكما حذر رسول الله ﷺ .
قال تعالى: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة. ولايزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم) (٤) . وقال ﷺ : "لتركبن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو أن أحدهم دخل جحر ضب لدخلتم حتى لو أن أحدهم جامع امرأته بالطريق لفعلتموه" (٥) .
كما قال ﷺ : "إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة" (٦) .
стр. 4
وقال ﷺ : "لاتزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم أو خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك" (١)) .
فعلم من هذا يقيناً أن هذه الطائفة الناجية الظاهرة على الحق، العارفة به، هي الواجب اتباعها، وهي التي على ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه كما جاء في إحدى روايات الحديث.
وإن هذه الفرقة الناجية - بإذن الله - هي التي تتناول النصوص - من الكتاب والسُّنَّة - متبعة في فهمها أصول النظر الصحيح والفهم السليم الذي يجب أن يفهم منها بإعتبار مفهوم خطاب العرب ولغتهم، وبإعتبار فهم مقاصد الشريعة العامة واتجاهها، وهو الفهم الذي سلكه السلف الصالح، فخط به اتجاهاً في النظر إلى الأمور نتج عنه مسلك أهل السُّنَّة والجماعة عبر العصور والقرون في فهم ما عرض من مشكلات فكرية وعقائدية، فالناس في فهم الأمور طرفان ووسط.. الطرفان إما إلى تفريط وإما إلى إفراط.
والوسط هم أهل العدل الذين قال الله تعالى فيهم: "وكذلك جعلناكم أمة وسطاً" (٢) .
وكان من نتيجة الفرقة والاختلاف، واختلال الفهم والنظر، أن نشأت في الإسلام فرق كثيرة - سواء - عقائدية أو سياسية (٣) - فرقت أهل الإسلام وجعلتهم شيعاً وأحزاباً ... كل حزب بما لديهم فرحون! .
وكانت هذه الفرق - على الجملة - إما إلى تفريط - كما هو حال المرجئة - وإما إلى إفراط كما هو حال الخوارج.
стр. 5
وقد كان السبب الأساسي في إنحراف هذه الفرق عن جادة الطريق راجع إلى عدة أسباب مشتركة في منهجها بينهم، هي سمة أهل البدع والأهواء كلهم في تناول النصوص وفهمها فهماً مريضاً خادماً لفكرة أساسية اعتقدوها ابتداءً ثم حملوا عليها النصوص تأكيداً لفكرتهم وتقديماً لها على ما قصد إليه الشارع محادةً لله ولرسوله حيث يقول تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) (١) .
يقول الإمام ابن تيمية: "أحدها قوم اعتقدوا معاني، ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها! .
الثاني: قوم فسروا القرآن بمجرد مايسوغ أن يريده من كان من الناطقين بلغة العرب بكلامه من غير النظر إلى المتكلم بالقرآن، والمنزل عليه، والمخاطب به! .
فالأولون راعوا المعنى الذي رأوه من غير نظر إلى ماتستحقه ألفاظ القرآن من الدلالة والبيان، والآخرون راعوا مجرد اللفظ، وما يجوز أن يريد به عندهم العربي من غير نظر إلى ما يصلح للمتكلم، وسياق الكلام" (٢) .
وهذا النهج من النظر إلى النصوص نهج منحرف ولاشك، لأنه يؤدي إلى تضارب القرآن الكريم والسُّنَّة المطهرة، وما من فرقة من هذه الفرق الزائغة إلا وأعرضت عن بعض الآيات والأحاديث التي لم توافق مذهبها غير راغبين في الجمع بينها وبين سواها من النصوص ليتحد الفهم، ويستقيم النظر، ويخرج من مضمون قوله تعالى: (كما أنزلنا على المقتسمين. الذين جعلوا القرآن عضين" (٣) .
روى الطبري في تفسيره عن الضحاك في قوله تعالى: (جعلوا القرآن عضين) جعلوا كتابهم أعضاء كأعضاء الجزور، وذلك أنهم تقطعوه زبرا، كل حزب بما لديهم فرحون، وهو قوله تعالى: (فرقوا دينهم وكانوا شيعاً) (٤) .
وقد بيَّن الشاطبي مسالك أهل البدع والأهواء في الفهم السقيم، منبهاً على مسالك أهل الحق في الفهم المستقيم، في كتابه "الاعتصام".
стр. 6
يقول: "أن للراسخين طريقاً يسلكونها في اتباع الحق، وأن الزائغين على طريق غير طريقهم، فاحتجنا إلى بيان الطريق التي سلكها هؤلاء لنجتنبها، كما نبين الطريق التي سلكها الراسخون لنسلكها" (١) .
ومعالم الطريق المستقيم واضحة بينة لمن أراد الله له الهداية والتوفيق كما قال تعالى: (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه) (٢) .
ويمكن أن نجمل بعض سمات أهل البدع والأهواء في مذهبهم في النظر والاستدلال تبعاً لما قرره أئمة أهل السُّنَّة في كتبهم فنقول، أن من طرقهم.
الإعتماد على الأحاديث الواهية الضعيفة والمكذوبة.
ردهم للأحاديث التي جرت غير موافقة لأغراضهم ومذاهبهم، إما بدعوى أنها غير موافقة للعقول أو أنها غير جارية على الدليل إلى غير ذلك من الشبه.
عدم رد الفروع الجزئية إلى قواعدها الكلية واتباع المتشابه من الآيات وعدم ردها إلى المحكم.
عدم الأخذ بطريق الراسخين في العلم في تناول النصوص بالجمع بين أطراف الأدلة.
فما أجمل في مكان بُيِّن في آخر، وما أطلق في موضع قيد في آخر، وماعم في نص خصص في آخر ... فالعمل بالمجملات والمطلقات والعمومات دون النظر إلى مخصصاتها ومقيداتها ومبيناتها يؤدي إلى الزيغ والهلاك.
وليس هذا موضع شرح هذه المآخذ في الاستدلال، وما يمكن أن تؤدى إليه (٣) ، ولكننا أردنا أن ننبه إلى طرف منها، لنكون منبهين على تجاوز كلا الطرفين المفرطين، والمفرّطين، في حدود الله والاعتداء عليها لعدم فهمهم الأصيل لمسالك السلف في تناول النصوص.
стр. 7
وإن من أهم الأمور وأخطرها في عصرنا الحالي - وواقعنا الإسلامي على وجه الخصوص - هو ضرورة إزالة الالتباس الذي حدث في الفهم العام لحقيقة الإسلام والإيمان، بعد أن تجاذب الناس الطرفين الذين أشرنا إليهما في هذا السياق، فمن قائل إن الإسلام الكلمة، وإن من نطق بالشهادتين فهو المسلم عند الله تعالى لا يضره بعد ذلك عمل كائناً ما كان، ومن قائل أن الأعمال كلها - فرضها ونفلها - داخلة في الحد الأدنى للإسلام فمن ترك منها شيئاً - فرضاًأو نفلاً - أو أتى محرماً أو مكروهاً مع علمه به، كفر بالله والعياذ بالله.
وكلا القولين هو من نتاج ذلك الفهم الأعوج الذي ذكرناه، وستكون قضيتنا الأساسية هنا هي قضية من أخطر قضايا الفكر الإسلامي، وهي "دخول الأعمال في الإيمان ولزوم جنسها لصحته، والقدر المطلوب منها ليصير الرجل مسلماً، وما يجب أن يفعل، وما يجب أن يترك ليحقق إسلام المرء ظاهراً وباطناً".
وهي القضية التي تميعت في عقول الناشئة من "دعاة الإسلام" في هذا العصر، حيث خلطوا في النصوص أو اتبعوا المنهج الأعوج في الفهم، فخرجوا إلى نتائج شابهت في كثير منها ما خرجت إليه الفرق التي شذت عن أهل السُّنَّة والجماعة في مختلف العصور.
كما سنناقش بالدليل الشرعي المدعم بالنصوص الثابتة كلاً من الفريقين المفرّطين والمفرطين الذين قال عنهما ابن تيمية بحق "أن معرفة أدلة كل منهما لا تفيد إلا في هدم مذهب الآخر".
وقد قال بعض السلف: "ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط. وإما إلى مجاوزة، وهي الإفراط ولا يبالي بأيهما ظفر زيادة أو نقصان" (١) .
وبعد:
стр. 8
فإنه من فضل الله تعالى أن هدانا للمسلك القويم - مسلك أهل السُّنَّة والجماعة - وسط هذا الخضم الهائل من الآراء والأهواء، إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، ونسأله تعالى أن يوفقنا إلى الاعتصام بحبله والثبات على هديه إنه سميع عليم.
اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
الباب الأول
مفاهيم ضرورية
الفصل الأول
الإسلام والإيمان
إن المتتبع لآيات القرآن الكريم، وأحاديث رسول الله ﷺ ، يجد أن كلاً من لفظي "الإسلام والإيمان" قد وردا في بعضها بمعنى واحد - أي مترادفين - يدلان على مسمى واحد، وفي بعضها الآخر ورد كل منهما بمعنى مغاير للآخر، ودلّ كل منهما على معنى غير الذي دل عليه الآخر.
وقد تكلم السلف الصالح، وأئمة الإسلام في هذه القضية وامتلأت كتبهم بتحليلها، ونحن - إن شاء الله - ذاكرون لبعض الشواهد من الكتاب والسُّنَّة على هذه القضية أولاً، ثم جامعون بين أطراف هذه الشواهد والأدلة لنصل بذلك إلى الفهم المستقيم الذي تتواكب فيه المعاني كلها وتنتظم في اتساق يرفع الخلاف بين نصوص هذه الشريعة الغراء كما قال تعالى: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً) (١) .
أولا ً: فقد وردت آيات وأحاديث تفيد أن الإسلام هو الأعمال الظاهرة من البدن، والإيمان هو الأعمال الباطنة في القلب، فهما إذن متغايران.
مثال ذلك، قال تعالى: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم) (٢) .
وصح عن رسول الله ﷺ فيما رواه عنه مسلم بسنده عن عمر بن الخطاب قال:
стр. 9
"بينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه وقال يا محمد أخبرني عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا. قال: صدقت فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال فأخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال صدقت. قال فأخبرني عن الإحسان قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.." (١) .
وفي الصحيحين عن ابن عمر ﵄: "أن رجلاً سأل النبي ﷺ : أي الإسلام خير. قال: أن تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" (٢) .
وفي حديث عبد الله بن عبيد الله بن عمير عن أبيه عن جده أنه قيل لرسول الله ﷺ : ما الإسلام؟ قال: إطعام الطعام وطيب الكلام [قيل فما الإيمان، قال: السماحة والصبر] (٣) .
ثانياً: كما وردت الآيات والأحاديث تفيد أن الأعمال الظاهرة داخلة في معنى الإيمان، وأن الأعمال الباطنة داخلة في معنى الإسلام. ومن ذلك:
قوله تعالى: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون) (٤) .
стр. 10
وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" (١) .
وفي حديث وفد عبد القيس: "آمركم بأربع: الإيمان بالله وحده وهل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تعطوا الخمس من المغنم ... " (٢) .
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن للإسلام صوى ومناراً كمنار الطريق منها أن تؤمن بالله ولا تشرك به شيئاً وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن تسلم على أهلك إذا دخلت عليهم وأن تسلم على القوم إذا مررت بهم فمن ترك من ذلك شيئاً فقد ترك سهماً من الإسلام ومن تركهن فقد ولى الإسلام ظهره" (٣) .
وقال تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام) (٤) .
ثالثاً: كما وردت آيات وأحاديث تفيد أن الإسلام والإيمان مترادفين. ومن ذلك:
قوله تعالى: (فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين) (٥) .
стр. 11
قال الإمام أحمد حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم حدثنا عباد بن راشد حدثنا الحسن حدثنا أبو هريرة ونحن بالمدينة قال: قال رسول الله ﷺ ، "تجئ الأعمال يوم القيامة فتجئ الصلاة فتقول يارب أنا الصلاة فيقول إنك على خير. وتجئ الصدقة فتقول يارب أنا الصدقة فيقول إنك على خير، ثم يجئ الصيام فيقول يارب أنا الصيام فيقول إنك على خير. ثم تجئ الأعمال كل ذلك يقول الله تعالى إنك على خير، ثم يجئ الإسلام فيقول يارب أنت السلام وأنا الإسلام فيقول الله إنك على خير بك اليوم آخذ وبك أعطي" (١) .
والجمع بين كل ماسبق من الآيات والأحاديث التي ذكر في بعضها أن الإسلام شئ والإيمان شئ آخر، وفي بعضها أن الإسلام بمعنى الإيمان، هو أنه كما قال ابن رجب: "إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر، ودل بانفراده على ما يدل عليه الآخر بانفراده، فإذا قرن بينهما دل أحدهما على بعض مايدل عليه بانفراده، ودل الآخر على الباقي" (٢) .
ثم يقول ابن رجب بعدها: "وقد صرح بهذا المعنى جماعة من الأئمة. قال أبو بكر الإسماعيلي في رسالته إلى أهل الجبل: قال كثير من أهل السُّنَّة والجماعة إن الإيمان قول وعمل، والإسلام فعل مافرض الله على الإنسان أن يفعله. إذا ذكر كل اسم على حدته مضموماً إلى الآخر، فقيل المؤمنون والمسلمون جميعاً مفردين أريد بأحدهما معنى لم يرد به الآخر، وإذا ذكر أحد الاسمين شمل الكل وعمهم. وقد ذكر هذا المعنى أيضاً الخطابي في معالم السُنن وتبعه عليه جماعة من العلماء بعده" (٣) .
стр. 12
ثم يقول: "وقد نقل هذا التفريق بينهما عن كثير من السلف: منهم قتادة وداود ابن أبي هند وأبو جعفر الباقر والزهري وحماد بن زيد وابن مهدي وشريك وابن أبي ذئب وأحمد بن حنبل وأبو خيثمة ويحيى بن معين وغيرهم.. وبهذا التفصيل الذي ذكرناه يزول الاختلاف فيقال: إذا أفرد كل من الإسلام والإيمان بالذكر فلا فرق بينهما حينئذ، وإن قرن بين الاسمين كان بينهما فرق. والتحقيق في الفرق بينهما أن الإيمان هو تصديق القلب وإقراره ومعرفته، والإسلام هو استسلام العبد لله وخضوعه وانقياده له" (١) .
ويقول ابن تيمية: " ... فلهذا فسَّر النبي ﷺ الإيمان بإيمان القلب وبخضوعه وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، وفسَّر الإسلام باستسلام مخصوص هو المباني الخمس وهكذا في سائر كلامه ﷺ يفسَّر الإيمان بذلك النوع ويفسَّر الإسلام بهذا" (٢) .
ويقول: "وأما إذا قرن الإيمان بالإسلام، فإن الإيمان في القلب والإسلام ظاهر" (٣) .
فما ذكرناه هو حاصل الأمر في هذا الموضوع، وبه يرفع الخلاف - كما قال ابن رجب - بالجمع بين أطراف الأدلة كلها، كما هو معلوم من أصول النظر عند أهل السُّنَّة في تناولهم للنصوص.
ثم إن "الدين" هو جماع ذلك كله. يقول شارح الفقه الأكبر: " (والدين اسم واقع على الإيمان والإسلام والشرائع كلها) أي الأحكام جميعها، والمعنى أن الدين إذا أطلق فالمراد به التصديق والإقرار وقبول الأحكام للأنبياء عليهم الصلاة والسلام" (٤) .
стр. 13
ويقول البغوي في شرح السُّنَّة: "قد جعل النبي ﷺ الإسلام اسماً لما ظهر من الأعمال، وجعل الإيمان اسماً لما بطن من الاعتقاد، وليس ذلك لأن الأعمال ليست من الإيمان، أو التصديق بالقلب ليس من الإسلام بل ذلك تفصيل لجملة هي كلها شئ واحد وجماعها الدين" (١) .
وما ذكره البغوي هو أحسن تفسير لهذا الأمر، فإن هذا التقسيم اصطلاحي فقط، أما من ناحية الحقيقة فإن الإيمان لا يوجد إلا بالإسلام، كما أن الإسلام لا يظهر إلا بالإيمان، وإخبات القلب لازمه العمل، كما أن العمل ينبئ عن التزام القلب وإخباته.. وذلك لصحة التلازم بين الظاهر والباطن كما هو مقرر في الأصول (٢) .
يقول ابن تيمية: "وبهذا يظهر خطأ جهم ومن اتبعه في زعمهم أن مجرد إيمان بدون الإيمان الظاهر ينفع في الآخرة، فإن هذا ممتنع، إذ لا يحصل الإيمان التام (٣) في القلب إلا ويحصل في الظاهر موجبه بحسب القدرة، فإن من الممتنع أن يحب الإنسان غيره حباً جازماً، وهو قادر على مواصلته ولا يحصل منه حركة ظاهرة إلى ذلك" (٤) .
ويقول شارح الفقه الأكبر " (ولكن لا يكون) أي لا يوجد في اعتبار الشريعة (إيمان بلا إسلام) أي انقياد باطن بلا انقياد ظاهري" (٥) .
стр. 14
كما يقول شارح الطحاوية "فالحاصل أن حالة اقتران الإسلام بالإيمان غير حالة إفراد أحدهما عن الآخر، فمثل الإسلام من الإيمان كالشهادتين أحدهما من الأخرى، فشهادة الرسالة غير شهادة الوحدانية، فهما شيئان في الأعيان وإحداهما مرتبطة بالأخرى في المعنى والحكم كشئ واحد، كذلك الإسلام والإيمان، لا إيمان لمن لا إسلام له، ولا إسلام لمن لا إيمان له إذ لا يخلو المؤمن من إسلام به يتحقق إيمانه، ولا يخلو المسلم من إيمان به يصح إسلامه" (١) .
الفصل الثاني
الإيمان قول وعمل يزيد وينقص
الإيمان شرعاً (٢) : هو تصديق خبر الرسول ﷺ فيما أخبر به عن ربه جملة وعلى الغيب والانقياد لشريعته والتزامها (٣) .
والحديث في هذا الأمر على أصلين.
الأول: أن الإيمان قول وعمل.
الثاني: أنه يزيد وينقص.
الأصل الأول: الإيمان قول وعمل.
وتفصيل هذه الجملة أن الإيمان قول وعمل بالقلب واللسان والجوارح.
стр. 15
يقول شارح العقيدة الطحاوية الإمام ابن أبي العز "وهنا أصل آخر وهو أن القول قسمان: قول القلب وهو الإعتقاد (١) وقول اللسان وهو التكلم بكلم الإسلام: والعمل قسمان عمل القلب وهو نيته وإخلاصه وعمل الجوارح" (٢) .
ويقول صاحب "معارج القبول": " (اعلم) يا أخي وفقني الله وإياك والمسلمين (بأن الدين) الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه ورضيه لأهل سماواته وأرضه. وأمر أن لا يعبد إلا به ولا يقبل من أحد سواه ولا يرغب عنه إلا من سفه نفسه ولا أحسن دينا ممن التزمه واتبعه هو (قول) أي بالقلب واللسان (وعمل) أي بالقلب واللسان والجوارح" (٣) .
ويقول الإمام ابن القيم: "وهاهنا أصل آخر، وهو أن حقيقة الإيمان مركبة من قول وعمل. والقول قسمان: قول القلب وهو الاعتقاد، وقول اللسان وهو التكلم بكلم الإسلام. والعمل قسمان: عمل القلب وهو نيته وإخلاصه وعمل الجوارح" (٤) .
стр. 16
وبيان هذه الأقسام (١) هو أن:
قول القلب: تصديقه وانقياده (٢) .
قال تعالى: (والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون) (٣) . وقال تعالى: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا) (٤) . وفي حديث الشفاعة: "يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه من الخير ما يزن شعيرة ... " (٥) .
قول اللسان: وهو النطق بالشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله والإقرار بلوازمهما (٦)
стр. 17
قال تعالى: (وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق) (١) .
وقال تعالى: (وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب) (٢) .
عمل القلب: "وهو النية والإخلاص والمحبة والانقياد والتوكل".
قال تعالى: (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) (٣) .
وقال تعالى: (إنما نطعمكم لوجه الله) (٤) .
وقال تعالى: (الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً) (٥) .
وعن النبي ﷺ "إنما الأعمال بالنيات" (٦) .
عمل اللسان والجوارح. فعل اللسان كتلاوة القرآن والذكر.
وعمل الجوارح كإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والجهاد والحج (٧)
стр. 18
قال تعالى: (إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية يرجون تجارة لن) (١) .
وقد أجمع العلماء على هذا الأصل.
ذكر الآجري في "الشريعة": "حدثنا أبو حفص عمر بن أيوب السقطي قال: سمعت أبا جعفر محمد بن سليمان يقول: سمعت سفيان بن عيينة يقول غير مرة: "الإيمان قول وعمل"، قال ابن عيينة: "وأخذناه ممن قبلنا: قول وعمل، وأنه لا يكون قول إلا بعمل". قيل لابن عيينة: "يزيد وينقص؟ قال: فأي شئ إذاً؟ " (٢) . كما نقل ابن تيمية قول أبي القاسم الأنصاري شيخ الشهرستاني في شرح الإرشاد لأبي المعالي قوله:
"وذهب أهل الأثر إلى أن الإيمان جميع الطاعات فرضها ونفلها، وعبروا عنه بأنه إتيان ما أمر الله به فرضاً ونفلاً والانتهاء عما نهى عنه تحريماً وتأدباً" (٣) .
كما قال: "ولهذا كان القول أن الإيمان قول وعمل عند أهل السُّنَّة من شعائر السُّنَّة، وحكى غير واحد الاجماع على ذلك"، وقد ذكرنا عن الشافعي ﵁ ماذكره من الاجماع على ذلك قوله في الأم: "وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم وممن أدركناهم يقولون إن الإيمان قول وعمل ونية لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر" (٤) .
ثم نقل ابن تيمية أسماء من قال بهذا من أئمة مكة والمدينة والكوفة والبصرة وواسط، وقال أبو عبيد: "وهو قول أهل السُّنَّة المعمول به عندنا" (٥) .
إلى غير ذلك من آثار أجمعت كلها على هذا القول دون خلاف معتبر.
الأصل الثاني: أن الإيمان يزيد وينقص.
وهو كما قال السلف: "يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية" (٦) .
قال تعالى: "وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً" (٧) .
стр. 19
وقال تعالى: "فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون" (١) .
وقال تعالى: "هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم" (٢) .
وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: "الإيمان يبدأ لمظة بيضاء في القلب، كلما ازداد الإيمان ازدادات بياضاً حتى يبيض القلب كله، وإن النفاق يبدأ لمظة سوداء في القلب، فكلما ازداد النفاق ازدادت حتى يسود القلب كله" (٣) .
ويقول شارح الطحاوية: "وكلام الصحابة ﵃ في هذا المعنى كثير أيضاً، منه قول أبي الدرداء ﵁: "من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه وما نقص منه ومن فقه العبد أن يعلم أيزداد هو أم ينقص".
وعن عمر بن الخطاب أنه يقول لأصحابه: "هلموا نزداد إيماناً" يتذكرون الله تعالى .
وكان ابن مسعود ﵁ يقول في دعائه: "اللهم زدنا إيماناً ويقيناً وفقهاً".
وكان معاذ بن جبل ﵁ يقول لرجل: "اجلس بنا نؤمن ساعة"، ومثله عن عبد الله بن رواحة.
وصح عن عمار بن ياسر أنه قال: "ثلاث من كن فيه فقد استكمل الإيمان: إنصاف من نفسه، والإنفاق من إقتار، وبذل السلام للعالم". ذكره البخاري ﵀ في صحيحه" (٤) .
وذكر الآجري في "الشريعة: "حدثنا حفص بن محمد الصندي بسنده عن عمير بن حبيب قال: الإيمان يزيد وينقص، فقيل وما زيادته ونقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا فذلك نقصانه".
وعن ابن عباس وأبي هريرة بسنده قال: الإيمان يزيد وينقص.
стр. 20
وقال: حدثنا أبوبكر بن أبي داود بسنده عن عبد الرزاق قال: سمعت معمراً وسفيان الثوري ومالك بن أنس وابن جريج وسفيان بن عيينة يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص" (١) .
وغير ذلك كثير من الآثار التي وردت تدل على إجماع أهل السُّنَّة والجماعة على هذا القول، وهي تثبت كلها أن إيمان المرء يزيد وينقص حسب ما يقوم به من عمل صالح أو طالح، وهو أمر يعانيه كل مسلم في حياته، فهو كلما أخذ بالصالح من القول والعمل أحس بفيضان النور الإلهي يعمر قلبه وكيانه ... وكلما بعد عن العمل الصالح والقول الصالح كلما أحس بغشاوة على قلبه تزداد كثافتها حتى يصبح قلبه أسوداً مرباداً ويرون عليه الران كما قال تعالى: "كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون" (٢) .
قاعدة في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه:
لقد استفاض العلماء في شرح هذه المسألة في كتب العقائد عامة، فلا مجال للزيادة على ذلك، وإنما نريد أن نتناول بالبحث هنا بعض مانحسب أنه قد خفى على الكثيرين في هذا الزمان من معان متعلقة بهذا الأمر، مما أدى إلى اضطرابهم في فهم أقوال السلف، وبالتالي إلى فهم القضية عامة. ونحصر قولنا في أمرين:
أولاً: إثبات أن هناك حد أدنى من الإيمان الذي ينجو به صاحبه من الخلود في النار.
ثانياً: لزوم جنس الأعمال لتحقيق هذا الحد الأدنى من الإيمان الذي ينجو به صاحبه من الخلود في النار وهما قضيتان متلازمتان. فنقول وبالله التوفيق:
стр. 21
أولاً: أن لفظ "الإيمان" فيما رويناه عن السلف الصالح - والذي قالوا عنه أنه يزيد وينقص - إنما عنى به كمال الإيمان أو استكمال درجاته، فالإيمان بمعناه الشامل يتحقق بكماله لمن حقق التوحيد - أي أتى بالقدر اللازم للنجاة من الخلود في النار - ثم قام بالأعمال التي بلغته عن رسول الله ﷺ فعمر قلبه بالتصديق والإقرار بالرسالة وانقاد لشرائعها ظاهراً وباطناً، وقام بما طلبه منه الشارع من أوامر ونواهي، فهذا يكتمل إيمانه ويزداد حسب قيامه بهذه الأوامر وتركه لتلك النواهي، وينقص في درجات الكمال حسبما يترك من أوامر أو يفعل من محظورات، فتعبير السلف عن الإيمان - الذي يزيد وينقص - في هذه الدرجة هو ماقصدوه بالنقص بالمعصية والزيادة بالطاعة (١) .
ولهذا الأمر تفصيل ذكره الإمام "ابن تيمية" في كتاب "الإيمان"، فقد أوضح أن الإيمان لا يستوي في حق كل مكلف أو في كل وقت، وإنما له درجات ثلاث - حسب تعبيره - وهي:
(أ) الإيمان المجمل:
وهو القدر من الإيمان الذي لا يقبل نقصاً، فأي نقص فيه يعني انخرام أصل الدين، ومحصلته الإيمان بربوبية الله تعالى وألوهيته على عباده، معرفة وتصديقاً وإقراراً وانقياداً والتزاماً بطاعته مع ترك أعمال الشرك الأكبر كلية، وتصديق خبر الرسول ﷺ جملة وعلى الغيب.
стр. 22
وهذا القدر من الإيمان - الذي هو أصل دين الله - إنما يظهر بهذا القدر فقط - دون اشتراط أي عمل من أعمال الجوارح - في حق من مات قبل نزول الفرائض والشرائع عامة، ومثله في حق المتحنفين من العرب قبل بعثة الرسول ﷺ أو من مات ولم تبلغه شرائع عملية لوجوده في شواهق جبل، أو دار بعيدة عن دار الإسلام مثلاً، فهذا القدر بالنسبة لهؤلاء لا يتصور فيه أي قدر من الأعمال التي يجب فعلها لعدم ورود الشريعة بعد، أو لغيابها عمن هو في دار حرب أو في شواهق الجبال مثلاً.
(ب) الإيمان الواجب أو المفصّل:
стр. 23
وهو يشمل المعنى السابق - للإيمان المجمل - مضافاً إليه الالتزام بما بلغه من شرائع والانقياد لها أمراً أمراً وخبراً خبراً، فينضاف إلى معنى التصديق والإقرار جملة والالتزام بالطاعة، الإقرار بكل خبر أو أمر على حدة، ثم التزام ما ينبني عليه فعل من هذه الأوامر والشرائع التزام قبول وطاعة بالأخبار والأوامر كلها، والتزام تنفيذ لما هو مشترط لصحة الإسلام بالذات - كما سيأتي بعد في معنى الالتزام في الفصل الثالث (١) - وتكون سائر الواجبات هي التي يجري فيها قولهم بالزيادة والنقص في الإيمان، فكلما أتى المرء من واجبات إزداد إيمانه الواجب، وكلما أتى من معاصي نقص إيمانه الواجب، فالإيمان الواجب إذاً هو الذي يظهر فيه معنى العمل بالأوامر والنواهي (٢) ، لأن الإيمان المجمل – كما ذكرنا – لا يظهر ولا يكون واجباً إلا في حق من لم تبلغه شرائع أو من مات قبل نزولها، مع افتراض ترك الشرك الأكبر جملة في كل الأحوال (٣)
стр. 24
فيكون من عاش فأدرك هذه الواجبات المفروضة - أو من بلغته عامة - لابد له من التزامها لدخولها في الإيمان الواجب في حقه خلاف من مات قبلها أو لم تصله.
(جـ) الإيمان الكامل:
ويشمل الإتيان بالمستحبات والبعد عن المكروهات، فهو يشتمل إذن على جميع الأعمال واجبها ومستحبها وترك حرامها ومكروهها. فيكون ما عناه السلف من زيادة الإيمان ونقصه إنما هو في مرتبة الإيمان الواجب والكامل، ينقص بالمعصية ويزداد بالطاعة والعمل الصالح، فهاتين المرتبتين أو الدرجتين يعقل فيهما معنى الزيادة والنقصان لظهورهما في حق من وجب في حقه العمل لبلوغه له وتكليفه به.
يقول الإمام ابن تيمية في معرض رده على المرجئة الذين يقولون إن الإيمان مجرد ما في القلب:
"ظنهم أن الإيمان الذي فرضه الله على العباد متماثل في حق العباد، وأن الإيمان الذي يجب على شخص يجب مثله على كل شخص، وليس الأمر كذلك فإن اتباع الأنبياء المتقدمين أوجب الله عليهم من الإيمان ما لم يوجبه على أمة محمد، وأوجب على أمة محمد من الإيمان ما لم يوجبه على غيرهم، والإيمان الذي كان يجب قبل نزول جميع القرآن ليس هو مثل الإيمان الذي يجب بعد نزول القرآن، والإيمان الذي يجب على من عرف ما أخبر به الرسول مفصلاً ليس مثل الإيمان الذي يجب على من عرف ما أخبره به مجملاً، فإنه لابد في الإيمان من تصديق الرسول في كل ما أخبر، لكن من صدق الرسول أو مات عقب ذلك لم يجب عليه من الإيمان غير ذلك، وأما من بلغه القرآن والأحاديث وما فيهما من الأخبار والأوامر المفصلة فيجب عليه من التصديق المفصل بخبر بخبر وأمر أمر ما لا يجب على من لم يجب عليه إلا الإيمان المجمل لموته قبل أن يبلغه شئ آخر.
стр. 25
وأيضاً لو قدر أنه عاش فلا يجب على كل واحد من العامة أن يعرف كل ما أمر به الرسول وكل ما نهى عنه وكل ما أخبر به، بل إنما عليه أن يعرف ما يجب عليه هو وما يحرم عليه، فمن لا مال له لا يجب أن يعرف أمره المفصل في الزكاة، ومن لا استطاعة له على الحج ليس عليه أن يعرف أمره المفصل بالمناسك، ومن لم يتزوج ليس عليه أن يعرف ما وجب للزوجة فصار يجب من الإيمان تصديقاً وعملاً على أشخاص ما لا يجب على آخرين.
وبهذا يظهر الجواب عن قولهم خوطبوا بالإيمان قبل الأعمال فنقول:
إن قلتم إنهم خوطبوا به قبل أن تجب تلك الأعمال، فقبل وجوبها لم تكن من الإيمان، وكانوا مؤمنين الإيمان الواجب عليهم قبل أن يفرض عليهم ما خوطبوا بفرضه، فلما نزل، إن لم يقروا بوجوبه لم يكونوا مؤمنين، ولهذا قال تعالى: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا، ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) ولهذا لم يجئ ذكر الحج في أكثر الأحاديث التي فيها ذكر الإسلام والإيمان كحديث وفد عبد القيس وحديث الرجل النجدي الذي يقال له ضمام بن ثعلبة وغيرهما، وإنما جاء ذكر الحج في حديث ابن عمر وجبريل، وذلك لأن الحج آخر ما فرض من الخمس فكان قبل فرضه لا يدخل في الإسلام والإيمان، فلما فرض أدخله النبي ﷺ في الإيمان إذا أفرد، وأدخله في الإسلام إذا قرن بالإيمان وإذا أفرد.
وكذلك قولهم: من آمن ومات قبل وجوب العمل عليه مات مؤمناً، صحيح، لأنه أتى بالإيمان الواجب عليه، والعمل لم يكن وجب عليه بعد، فهذا مما يجب أن يعرف فإنه تزول به شبهة حصلت للطائفتين.
فإذا قيل: الأعمال الواجبة من الإيمان، فالإيمان الواجب متنوع ليس شيئاً واحداً في حق جميع الناس.
стр. 26
وأهل السُّنَّة والحديث يقولون جميع الأعمال الحسنة واجبها ومستحبها من الإيمان، أي من الإيمان الكامل بالمستحبات، ليست من الإيمان الواجب، فيفرق بين الإيمان الواجب وبين الإيمان الكامل بالمستحبات.
كما يقول الفقهاء: الغسل ينقسم إلى مجزئ وكامل، فالمجزئ ما أتى فيه بالواجبات فقط، والكامل ما أتى فيه بالمستحبات، ولفظ الكمال قد يراد به الكمال الواجب، وقد يراد به الكمال المستحب" (١) .
ويقول الآجري في "الشريعة":
"أما بعد فاعلموا - رحمنا الله وإياكم - أن الله بعث نبيه محمداً ﷺ إلى الناس كافة، ليقروا بتوحيده، فيقولوا "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، فكان من قال هذا موقناً من قلبه ناطقاً بلسانه أجزأه، ومن مات على هذا فإلى الجنة، فلما آمنوا بذلك، وأخلصوا توحيدهم فرض عليهم الصلاة بمكة، فصدقوا بذلك وآمنوا وصلوا. ثم فرض عليهم الهجرة فهاجروا وفارقوا الأهل والأوطان".
ثم فرض عليهم بالمدينة الصيام فآمنوا وصدقوا وصاموا شهر رمضان.
ثم فرض عليهم الزكاة فآمنوا وصدقوا وأدوا ذلك كما أُمروا.
ثم فرض عليهم الجهاد فجاهدوا البعيد والقريب، وصبروا وصدقوا.
ثم فرض عليهم الحج فحجوا وآمنوا به.
فلما آمنوا بهذه الفرائض عملوا بها تصديقاً بقلوبهم وقولاً بألسنتهم وعملاً بجوارحهم. قال الله : (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً) (٢) .
стр. 27
وقال: (حدثنا أبو عبد الله محمد بن مخلد العطار قال: حدثنا أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم الصفار قال: حدثني محمد بن عبد الملك المصيصي أبو عبد الله قال: كنا عند سفيان بن عيينة في سنة سبعين ومائة فسأله رجل عن الإيمان؟ فقال: قول وعمل، قال: يزيد وينقص؟ قال: يزيد ما شاء الله وينقص حتى لا يبقى منه مثل هذا، وأشار سفيان بيده، قال الرجل: كيف نصنع بقوم عندنا يزعمون أن الإيمان قول بلا عمل؟ قال سفيان: كان القول قولهم قبل أن تقرر أحكام الإيمان وحدوده، إن الله بعث نبينا محمداً ﷺ إلى الناس كلهم كافة أن يقولوا: لا إله إلا الله وأنه رسول الله، فلما قالوها عصموا بها دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ، فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم، أمره أن يأمرهم بالصلاة فأمرهم ففعلوا فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم أن يأخذ من أموالهم صدقة يطهرهم بها. فأمرهم ففعلوا، حتى أتوا بها، قليلها وكثيرها، ولا هجرتهم ولا قتلهم آباءهم ولا طوافهم، فلما علم الله جل وعلا صدق ذلك من قلوبهم أمره أن يأمرهم بالهجرة إلى المدينة فأمرهم ففعلوا فوالله لو لم يفعلوا مانفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم، فلما علم الله ﵎ صدق ذلك من قلوبهم أمرهم بالرجوع إلى مكة ليقاتلوا آباءهم وأبناءهم، حتى يقولوا كقولهم ويصلوا صلاتهم ويهاجروا هجرتهم فأمرهم ففعلوا حتى أتى أحدهم برأس أبيه، فقال: يارسول الله هذا رأس شيخ الكافرين، فو الله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم ولا هجرتهم ولا قتالهم. فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم أمرهم أن يأمرهم بالطواف بالبيت تعبداً وأن يحلقوا رؤوسهم تذللاً ففعلوا، فو الله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم ولا هجرتهم ولا قتلهم آباءهم. فلما علم الله صدق ذلك من قلوبهم، أمره أن يأخذ من
стр. 28
أموالهم صدقة يطهرهم بها. فأمرهم ففعلوا، حتى أتوا بها، قليلها وكثيرها، ووالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم ولا هجرتهم ولا قتلهم آباءهم ولا طوافهم. فلما علم الله ﵎ الصدق من قلوبهم فيما تتابع عليهم من شرائع الإيمان وحدوده، قال : قل لهم (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً) .
قال سفيان: فمن ترك خلة من خلال الإيمان كان بها عندنا كافراً، ومن تركها كسلاً أو تهاوناً بها أدبناه (١) وكان بها عندنا ناقصاً، هكذا السُّنَّة أبلغها عني من سألك من الناس" (٢) .
стр. 29
فالإيمان المجمل - إذن - هو الحد الأدنى الذي ينجو به صاحبه من الخلود في النار، وهو متضمن لترك أعمال الشرك، ويظهر في حق من مات قبل نزول الشرائع عامة، أو لم تبلغه تفاصيل هذه الشرائع لوجوده في دار حر ب أو في بادية بعيدة، وينضاف إلى هذا الإيمان المجمل - أو الواجب في حق من ذكرنا - كل شريعة أو فريضة أو واجب نزل وفرض على الناس فمن بلغه هذا الواجب صار إيمانه متضمناً له، فإن رده ولم يقبله بعد نزوله أو بلوغه له، وادعى ثبوته على ما هو عليه من إيمان مجمل كان كافراً، وإن اعتقده والتزمه فهو بين أمرين: أن يكون هذا الأمر من الأعمال التي جعلها الله شرطاً لصحة الإسلام - على خلاف فيها كما سنبين - فيكون بتركها كافراً، أو أن يكون من سائر الواجبات العادية فيكون بتركها فاسقاً قد انتقص من إيمانه بهذا القدر (١)
стр. 30
يقول ابن تيمية: "وقد اتفق المسلمون على أن من لم يأت بالشهادتين فهو كافر، وأما الأعمال الأربعة فاختلفوا في تكفير تاركها، ونحن إذا قلنا إن أهل السُّنَّة متفقون على أنه لا يكفر بالذنب، فإنما نريد به المعاصي كالزنا والشرب، وأما هذه المباني ففي تكفير تاركها نزاع مشهور" (١) .
ثانياً: إن لزوم جنس العمل - أو قدر من أعمال الجوارح - لتحقيق أصل الإيمان الذي ينجو بصاحبه من الخلود في النار - أي في الإيمان الواجب علي من بلغته الأعمال والشرائع - لهو قضية اشتبهت على الكثير من دعاة الإسلام في هذا العصر، فلابد من أن نزيدها وضوحاً وبياناً إن شاء الله تعالى. فنقول وبالله التوفيق:
يقول صاحب "معارج القبول": "وذهب الجبائي وأكثر المعتزلة البصرية إلى أنه - أي الإيمان - الطاعات المفروضة من الأفعال والتروك دون النوافل، وهذا أيضاً يدخل المنافقين في الإيمان، وقد نفاه الله عنهم، وقال الباقون منهم: العمل والنطق والاعتقاد. والفرق بين هذا وبين قول السلف الصالح أن السلف لم يجعلوا كل الأعمال شرطاً في الصحة بل جعلوا كثيراً منها شرطاً في الكمال، كما قال عمر بن عبد العزيز فيها: "من استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان، والمعتزلة جعلوها كلها شرطاً في الصحة. والله أعلم" (٢) .
стр. 31
ويقول ابن تيمية: "ثم قالت الخوارج والمعتزلة الطاعات كلها من الإيمان، فإذا ذهب بعضها ذهب بعض الإيمان فذهب سائره، فحكموا بأن صاحب الكبيرة ليس معه شئ من الإيمان. وقال المرجئة والجهمية: ليس الإيمان إلا شيئاً واحداً لا يتبعض. إما مجرد تصديق القلب كقول الجهمية، أو تصديق القلب واللسان كقول المرجئة. قالوا: لأنا إذا أدخلنا فيه الأعمال صارت جزءاً منه فإذا ذهبت ذهب بعضه، فيلزم إخراج ذي الكبيرة من الإيمان وهو قول المعتزلة والخوارج، لكن قد يكون له لوازم ودلائل فيستدل بها على عدمه، وكان كل من الطائفتين بعد السلف والجماعة وأهل الحديث متناقضين، حيث قالوا - أي أهل السُّنَّة والحديث - الإيمان قول وعمل، وقالوا مع ذلك لا يزول بزوال بعض الأعمال ... " (١) .
نخرج مما نقلناه عن "صاحب المعارج" و"ابن تيمية" أن المعتزلة والخوارج قد جعلوا الأعمال كلها شرطاً في صحة الإيمان، وبنوا ذلك على قولهم إن الإيمان قول وعمل لكن لا يزيد ولا ينقص، فكان لابد أن زوال أي عمل من الأعمال يُزيل الإيمان بالكلية، فجعلوا مرتكب الكبيرة مخلداً في النار - كما تقول المعتزلة - أو كافراً - كما تقول الخوارج - وأما المرجئة والجهمية ومن تابعهم ممن دخلت عليهم شبههم قديماً وحديثاً - جعلوا جميع الأعمال شرطاً في الكمال، ولا شئ منها شرطاً في الصحة، أما أهل السُّنَّة والجماعة فقد اعتبروا الإيمان قول وعمل، لكن لايزول جملة بزوال بعض الأعمال، وإنما يزول بزوال جميع الأعمال من جهة أو بزوال أعمال مخصوصة - كالمباني الأربعة على خلاف فيها - من جهة أخرى، فصح أنه يلزم جنس الأعمال مطلقاً لثبوت أصل الإيمان وعدم زواله جملة.
стр. 32
فالإيمان المجمل - أو التوحيد - الذي لا يتصور أي قدر من الأعمال فيه، إنما كان في أول دعوة رسول الله ﷺ وهو أصل دعوة الرسل جميعاً ﵈ بمكة قبل نزول الشرائع، وهو الذي يعني مجرد المعرفة والتصديق والالتزام القلبي بالطاعة والقبول لشرائع الله مع ترك أعمال الشرك الأكبر التي كان عليها القوم قبل الدعوة، إذ لم يكن ثمة شرائع ولا أعمال يكلف بها المؤمنين حينئذ، فكان إيمانهم هو تصديق الرسول ﷺ والإقرار بالرسالة جملة وعلى الغيب، خلاف ترك الأعمال الناقضة للتوحيد الداخلة في أصل الدين، كدعاء غير الله دعاء عبادة ومسألة، أو التحاكم إلى غير الله ورسوله ﷺ ، ولما كمل الدين ونزلت الشرائع وتحددت الأعمال المطلوبة من المسلمين، تحدد منها قدر جعله الله تعالى شرطاً في صحة الإيمان - على حسب تعبير صاحب المعارج - وإن اختلف أهل السُّنَّة في هذه الأعمال المشترطة للصحة (١)
стр. 33
، وكذلك وجب تحقيق التوحيد بإتيان قدر عملي من هذه الأعمال الواجبة كلها كدليل على صحة الإيمان، فإنه من الممتنع أن يكون هناك مسلم حقيقة بالنظر إلى ما عند الله ولا يؤدي أي شعائر تعبدية أو شرائع عملية طوال حياته بشكل من الأشكال.
يقول ابن تيمية: "قال أحمد بن حنبل: حدثنا خلف بن حيان حدثنا معقل بن عبيد الله العبسي قال: قدم علينا سالم الأفطس بالإرجاء، فنفر منه أصحابنا نفوراً شديداً، منهم ميمون بن مهران وعبد الكريم بن مالك. فإنه عاهد الله أن لا يؤويه وإياه سقف بيت إلا المسجد، قال معقل: فحججت فدخلت على عطاء بن أبي رباح في نفر من أصحابي وهو يقرأ: (حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا) ، قلت إن لنا حاجة فأخلنا، ففعل، فأخبرته أن قوماً قبلنا قد أحدثوا وتكلموا، وقالوا: إن الصلاة والزكاة ليستا من الدين، فقال: أو ليس الله يقول: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة) ، فالصلاة والزكاة من الدين، قال: فقلت: إنهم يقولون ليس في الإيمان زيادة، فقال: أو ليس قد قال الله فيما أنزل: (ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم) ، هذا الإيمان.
стр. 34
فقلت: إنهم انتحلوك وبلغني أن أبا ذر دخل عليك في أصحاب له فعرضوا عليك قولهم فقبلته، فقلت: هذا الأمر، فقال: لا والله الذي لا إله إلا هو، مرتين أو ثلاثاً، ثم قال: قدمت المدينة فجلست إلى نافع فقلت: يا أبا عبد الله إن لي إليك حاجة فقال: سر أم علانية؟ فقلت: لا بل سر. قال: رب سر لا خير فيه فقلت: ليس من ذلك. فلما صلينا العصر قام وأخذ بثوبي ثم خرج من الخوخة ولم ينتظر الغاص فقال: حاجتك قال: فقلت: أخلني هذا فقال: تنح، قال: فذكرت له قولهم فقال: قال رسول الله ﷺ : أُمرت أن أضربهم بالسيف حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله. قال: قلت: إنهم يقولون نحن نقر بأن الصلاة فرض ولا نصلي وبأن الخمر حرام ونشربها، وأن نكاح الأمهات حرام ونحن ننكح، فنثر يده من يدي وقال: من فعل هذا فهو كافر" (١) .
وقال: "قال حنبل: حدثنا الحميدي قال: وأُخبرت أن ناساً يقولون: من أقر بالصلاة والزكاة والصوم والحج ولم يفعل شيئاً من ذلك حتى يموت، ويصلي مستدبر القبلة حتى يموت، فهو مؤمن ما لم يكن جاحداً إذا علم أن تركه ذلك فيه إيمانه إذا كان مقراً بالفرائض واستقبال القبلة، فقلت هذا الكفر الصراح" (٢) .
وقال الإمام "الآجري" في نفس المعنى:
стр. 35
"اعلموا رحمنا الله وإياكم يا أهل القرآن، يا أهل العلم، ويا أهل السُّنَّة والآثار، ويا معشر من فقههم الله في الدين - بعلم الحلال والحرام - أنكم إن تدبرتم القرآن كما أمركم الله علمتم أن الله أوجب على المؤمنين بعد إيمانهم به وبرسوله: العمل وأنه لم يثن على المؤمنين بأنه قد رضى عنهم وأنهم قد رضوا عنه وأثابهم على ذلك الدخول إلى الجنة والنجاة من النار إلا بالإيمان والعمل الصالح.. وهذا رد على من قال: الإيمان المعرفة، ورد على من قال: المعرفة والقول وإن لم يعمل: نعوذ بالله من قائل هذا" (١) .
ويقول ابن تيمية: "ممن كان ظاهره أعمال الإسلام ولا يرجع إلى عقود الإيمان بالغيب فهو منافق نفاقاً ينقل عن الملة، ومن كان عقده الإيمان بالغيب ولا يعمل بأحكام الإيمان وشرائع الإسلام فهو كافر كفراً لا يثبت معه توحيد" (٢) .
ويقول ضارباً مثالاً واضحاً: "فإن قال لهم قائل: لِمَ لم تقولوا كافر إن شاء الله تريدون به كمال الكفر كما قلتم مؤمن إن شاء الله تريدون به كمال الإيمان؟ ، قالوا: لأن الكافر منكر للحق والمؤمن أصل إيمانه الإقرار والإنكار لا أول له ولا آخر فتنتظر به الحقائق.
стр. 36
والإيمان أصله التصديق والإقرار ينتظر به حقائق الأداء لما أقر، والتحقيق لما صدق، ومثل ذلك كمثل رجلين عليهما حق الرجل، فسأل أحدهما حقه، فقال: ليس لك عندي حق، فأنكر وجحد فلم يبق له منزلة يحقق بها ما قال إذ جحد وأنكر، وسأل الآخر حقه فقال: نعم لك على كذا وكذا، فليس إقراره بالذي يصل إليه بذلك حقه دون أن يوفيه، فهو منتظر له أن يحقق ما قال بالأداء وتصديق إقراره بالوفاء، ولو أقر ثم لم يؤد إليه حقه كان كمن جحده في المعنى إذ استويا في الترك للأداء، فتحقيق ما قال، أن يؤدي إليه حقه، فإن أدى جزءاً منه حقق بعض ما قال ووفى بعض ما أقر به، وكلما أدى جزءاً ازداد تحقيقاً لما أقر به، وعلى المؤمن الأداء أبداً بما أقر به، حتى يموت" (١) .
وهذا الكلام من الإمام واضح بذاته أن على العبد أداء بعض ما أقر، فإن لم يؤد شيئاً بالمرة كان كمن جحد ولم يقر سواء بسواء.
ولقد بنى العلماء هذا القول على قاعدة قطعية في الشريعة الإسلامية وهي قاعدة: "تلازم الظاهر والباطن" فإن الله قد جعل الظاهر دليلاً على ما في الباطن ومؤشراً عليه.
قال تعالى: (ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيراً منهم فاسقون) .
فجعل الله سبحانه فساد ظاهرهم دليلاً على فساد عقيدتهم وباطنهم.
وقال تعالى: (لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله) .
стр. 37
وهذا المعنى متواتر في الشريعة، وقاعدة مقررة في الأصول ليس هذا موضع بيانها، ولكن بناء على ذلك فإن ترك الأعمال جملة يدل على فساد القلب فساداً تاماً لا صلاح فيه، وقد أوضح ذلك الإمام ابن تيمية فقال: "فهذا الموضع ينبغي تدبره، فمن عرف ارتباط الظاهر بالباطن زالت عنه الشبهة في هذا الباب، وعلم أن من قال من الفقهاء أنه إذا أقر بالوجوب وامتنع عن الفعل لا يقتل، أو يقتل مع إسلامه، فإنه دخلت عليه الشبهة التي دخلت على المرجئة والجهمية، والتي دخلت على من جعل الإرادة الجازمة مع القدرة التامة لا يكون بها شئ من الفعل ولهذا كان الممتنعون من قتل هذا من الفقهاء بنوه على قولهم في مسألة الإيمان وأن الأعمال ليست من الإيمان، وقد تقدم أن جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب، وأن إيمان القلب التام بدون شئ من الأعمال الظاهرة ممتنع، سواء جعل الظاهر من لوازم الإيمان أو جزء من الإيمان" (١) .
ويقول في موضع آخر: "وقد تبين أن الدين لابد فيه من قول وعمل، وأنه يمتنع أن يكون الرجل مؤمناً بالله ورسوله بقلبه، أو بقلبه ولسانه، لم يؤد واجباً ظاهراً، ولا صلاة ولا زكاة ولا صياماً، ولا غير ذلك من الواجبات، لا لأجل أن الله أوجبها، مثل أن يؤدي الأمانة أو يصدق الحديث أو يعدل في قسمه وحكمه من غير إيمان بالله ورسوله، لم يخرج بذلك من الكفر، فإن المشركين وأهل الكتاب يرون وجوب هذه الأمور، فلا يكون الرجل مؤمناً بالله ورسوله مع عدم شيء من الواجبات التي يختص بإيجابها محمد ﷺ (٢) .
стр. 38
ويقول: " ... لا يتصور وجود إيمان القلب الواجب مع عدم جميع أعمال الجوارح، بل متى نقصت الأعمال الظاهرة كان لنقص الإيمان الذي في القلب" (١) اهـ.
فهذا دال على أن انعدامها يعني انعدام الإيمان في القلب، ولاشك.
ويقول في بيان جلي: " ... فإن الله لما بعث محمداً رسولاً إلى الخلق كان الواجب على الخلق تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر، ولم يأمرهم حينئذ بالصلوات الخمس ولا صيام شهر رمضان ولا حج البيت الحرام ولا حرم عليهم الخمر والربا، ونحو ذلك، ولا كان أكثر القرآن قد نزل، فمن صدقه حينئذ فيما نزل من القرآن وأقر بما أمر به من الشهادتين وتوابع ذلك كان الشخص حينئذ مؤمناً تام الإيمان الذي وجب عليه، وإن كان مثل ذلك الإيمان لو أتى به بعد الهجرة لم يقبل منه ولو اقتصر عليه كان كافراً" (٢) .
стр. 39
إذن فإن قضية لزوم جنس الأعمال - أعمال الجوارح - للنجاة من الخلود في النار، هي قضية محسومة إن جمعنا بين أقوال العلماء، وفهمناها فهماً صحيحاً متناسقاً لا يخل بما ورد عنهم في مواضع أخرى، أو بمقتضى قواعد أخرى، خاصة وأن عبارات السلف الصالح والأئمة الأعلام قد تتضارب - في ظاهرها - في العديد من المسائل. ولولا اتساق الفهم وحسن الظن بهم والتقدير لهم، مع العلم بأن اختلافهم، إنما هو اختلاف في الأنظار ووجهتها. وأن كل واحد منهم ينظر إلى طرف صحيح، والناج عند أحدهم ناج عند الآخرين والهالك عند أحدهم هالك عند الآخرين، لولا ذلك لأورثنا النظر في العديد من مقالاتهم اضطراباً شديداً في الفهم. والناظر في كتاب ابن تيمية: "الإيمان" يجد مصداق قولنا واضحاً. فإنه قد نقل عن السلف والأئمة في الكتب عن مسمى "الإيمان «أقوالاً كثيرة في عبارات مختلفة توهم التضارب والتضاد فمن قائل إن الإسلام الكلمة، والإيمان العمل، ومن قائل إن الإسلام اعتقاد ونطق، ومن قائل إن الإيمان قول وعمل ونية، إلى غير ذلك من العبارات.
ولكن حاشاهم والتضارب والتضاد، إنما هي أنظار مختلفة تتفق كلها في الأصل ويتجه كل منها إلى طرف صحيح في ذاته وإنما سوء الفهم، وعدم الجمع بين الأدلة، وعدم إنزال كل قول على المراد منه بالنظر إلى القضية ككل، هو سيما المقصرين من أبناء هذا العصر الآخذين بظواهر العبارات، مما أداهم إلى إثبات ما لم يقصد إليه أحد من السلف والعلماء. يقول ابن تيمية موضحاً هذا المعنى:
"ومن هذا الباب أقوال السلف وأئمة السُّنَّة في تفسير الإيمان فتارة يقولون هو قول وعمل، وتارة يقولون هو قول وعمل ونية، وتارة يقولون قول وعمل ونية واتباع السُّنَّة، وتارة يقولون قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، وكل هذا صحيح" (١) .
стр. 40
ثم يفسر بعدها ما أردناه فيقول: "والمقصود هنا أن من قال من السلف الإيمان قول وعمل، أراد قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح، ومن أراد الاعتقاد رأى أن لفظ القول لا يفهم منه إلا القول الظاهر، أو خاف ذلك فزاد الإعتقاد بالقلب، ومن قال قول وعمل ونية، قال: "القول يتناول الاعتقاد وقول اللسان، وأما العمل فقد لا يفهم منه النية فزاد ذلك، ومن زاد اتباع السُّنَّة فلأن ذلك لا يكون محبوباً لله إلا باتباع السُّنَّة، وأولئك لم يريدوا كل قول وعمل، إنما أرادوا ما كان مشروعاً من الأقوال والأعمال، ولكن كان مقصودهم الرد على المرجئة الذين جعلوه قولاً فقط، فقالوا بل هو قول وعمل، والذين جعلوه أربعة فسروا مرادهم كما سئل سهل بن عبد الله التستري عن الإيمان ما هو، فقال: قول وعمل ونية وسُنة، الإيمان إذا كان قولاً بلا عمل فهو كفر، وإذا كان قولاً وعملاً بلا نية فهو نفاق، وإذا كان قولاً وعملاً ونية بلا سُنة فهو بدعة" (١) .
ثم إن الشبهة قد دخلت على من دخلت عليه - قديماً وحديثاً - في هذا الباب من أمرين رئيسيين:
أولهما: الخطأ في فهم معنى الكفر العملي .
الثاني: الخلط فيما هو لازم لإجراء الحكم في الظاهر وما هو من أحكام الآخرة.
فنقول وبالله تعالى التوفيق:
أولاً: الخطأ في فهم معنى الكفر العملي:
فقد جرى هؤلاء في فهم الكفر العملي على أنه كفر لا يخرج من الملة مطلقاً، واعتقدوا أن كل عمل مكفر بالجوارح هو كفر عملي لا يخرج من الملة لوقوعه بالجوارح وعدم دخول الاعتقاد فيه - ولا ندري كيف ظنوا أن ارتكاب أي عمل مكفِّر لا يلازمه سقوط الاعتقاد؟! فيكون كل كفر عملي عندهم كفراً أصغر لا ينقل عن الملة!!.
والمقصود بالكفر العملي أنه المعاصي التي أطلق عليها الشارع اسم الكفر، ولكن لم يمكن اطلاق الكفر الأكبر عليها لوجود أدلة أخرى من الشريعة تدل على أنها ليست منه.