← Общие книги

Общие книги · id 2032

آداب الحوار وقواعد الاختلاف

عمر عبد الله كامل

Полный текст (54 стр.). Показаны 36–54 · переход к 41.

стр. 36

وأما طبيعة البشر: فقد خلقهم الله مختلفين، فكل إنسان له شخصيته المستقلة، وتفكيره المتميز، وميوله الخاصة، ومن العبث صب الناس في قالب واحد، ومحو كل اختلاف بينهم، فهذا أمر مخالف للفطرة التي فطر الله عليها الناس.

стр. 37

وأما طبيعة الكون والحياة: فالكون الذي نعيش في جزء صغير منه، خلقه الله - سبحانه - مختلف الأنواع والصور والألوان، وهذا الاختلاف ليس اختلاف تضارب وتناقض بل هو اختلاف تنوع. وكذلك طبيعة الحياة، فهي أيضا تختلف وتتغير بحسب مؤثرات متعددة، في المكان والزمان. فالخلاف سنة كونية اقتضتها الحكمة الإلهية، قال الله : ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود: ١١٨] . وفي الأثر: "لا يزال الناس بخير ما تباينوا فإذا تساووا هلكوا" (١) .

стр. 38

ب - الاختلاف رحمة: الاختلاف مع كونه ضرورة، هو كذلك رحمة بالأمة وتوسعة عليها. ولهذا اجتهد الصحابة واختلفوا في أمور جزئية كثيرة، ولم يضيقوا ذرعا بذلك بل نجد الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز يقول عن اختلاف الصحابة ﵃: "ما يسرني أن أصحاب رسول الله ﷺ لم يختلفوا، لأنهم لو لم يختلفوا لم يكن لنا رخصة". فهم باختلافهم أتاحوا لنا فرصة الاختيار من أقوالهم واجتهاداتهم، كما أنهم سنوا لنا سنة الاختلاف في القضايا الاجتهادية، وظلوا معها إخوة متحابين.

стр. 39

ج - الاختلاف ثروة: اختلاف الآراء الاجتهادية يثري الفقه، وينمو ويتسع، لأن كل رأي يستند إلى أدلة واعتبارات شرعية. وبهذا التعدد والتنوع تتسع الثروة الفقهية التشريعية، وإن تعدد المذاهب الفقهية وكثرة الأقوال كنوز لا يقدر قدرها وثروة لا يعرف قيمتها إلا أهل العلم والبحث، فقد يكون بعضها أكثر ملاءمة لزمان ومكان من غيره (١) .

стр. 40

رد الاختلاف لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ مصداقًا لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء ٥٩] ، شريطة أن نعود ونستنبط بالطرق التي استنبط بها علماؤنا السابقون، وليس بالأهواء أو بالاعتساف أي أن يكون الأمر مجمعًا عليه فلا نعود لمذهب دون مذهب بل يعرض الأمر على ثلة من العلماء حتى نحقق الأمور.

стр. 41

٢- اتباع المنهج الوسط فالله -يقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة ١٨٥] ، ويقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] ، ويقول : ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة ٦] . فالتشدد منهج ينبذه الإسلام فلا بد إذًا من رخصة وتيسير على الناس ومراعاة ظروفهم.

стр. 42

٣- التفريق بين القطع والظن في الأدلة والتركيز على المحكمات لا المتشابهات، فمن المعلوم أن النصوص بعضها ظني الثبوت وظني الدلالة، وبعضها ظني الثبوت قطعي الدلالة، وبعضها قطعي الثبوت ظني الدلالة، وبعضها قطعي الثبوت قطعي الدلالة. فقطعية الثبوت هي القرآن الكريم والسنة المتواترة، والأحاديث أحاديث الآحاد الصحيحة التي حفت بها قرائن وتلقتها الأمة بقبول حسن.

стр. 43

٤- تجنب القطع في المسائل الاجتهادية . فالاجتهاد إذا كان وفقًا لأصول الاجتهاد ومناهج الاستنباط في علم أصول الفقه يجب عدم الإنكار عليه، ولا ينكر مجتهد على مجتهد آخر، ولا ينكر مقلد على مقلد آخر وإلا أدى ذلك إلى فتنة.

стр. 44

٥- إن من أراد أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فلا بد له أن يطلع على خلافات العلماء وأدلة كل منهم حتى لا ينكر على الناس أمرًا هم متبعون فيه علماء أفاضل فالاختلاف من ضروريات الحياة، وقد قال الله : ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود ١١٨] ، فالتعصب لمذهب واحد واعتقاد أن كل من خالفه مخطئ أمر يجرُّ إلى فتن عظيمة.

стр. 45

٦- تحديد المفاهيم والمصطلحات التي يدور حولها النقاش إذ يجب أن تكون واضحة جلية وهو ما يسميه العلماء تحرير موضع النزاع فكثير من النقاشات التي تقدم اليوم مردها إلى خلاف في اللفظ.

стр. 46

٧- النظرة الشمولية ، فلا بد من الجمع بين كل ما ورد فيما يخص المسألة الواحدة لتحريرها تحريرًا جليًّا واضحًا. وأرى ألا ننساق وراء شيخ واحد نقدسه أو عالم واحد نعظمه ولا نلتفت إلى سواه وإلا دخلنا في محظور قول الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ .

стр. 47

٨- النظر في المقاصد واعتبار المآلات . فمسألة المقاصد الإسلامية لها دور كبير في تيسير المعاملات وتسهيل العمل في هذا الزمن وفي ذلك يقول الرسول ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» .

стр. 48

٩- أعمال القلوب مقدمة على أعمال الجوارح فالإخلاص مقدم على غيره. يقول الرسول ﷺ : «إن الله لا ينظر إلى أجسامكم وصوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» فكل الفضائل مردها إلى القلب.

стр. 49

١٠- الاهتمام بهموم المسلمين ، فمن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم. إن مشكلاتنا اليوم كثيرة ومتعددة احتوت الظلم الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والتفسخ والانحلال وهناك أمراض جديدة لم نكن نألفها، فلماذا لا نتفق على ما اتفقنا عليه وندع الخلافيات ونواجه الخطر الداهم اليوم خطر التمزق، وخطر التدهور.

стр. 50

١١- التعاون في المتفق عليه . إن مشكلة الأمة الإسلامية اليوم ليست في ترجيح أحد الرأيين أو الآراء في القضايا المختلف فيها بناءً على اجتهاد أو تقليد. فالواقع أن الخطأ في هذه القضايا يدور بين الأجر والأجرين. ولكن مشكلة الأمة حقا في تضييع الأمور المتفق عليها , مشكلة المسلمين ليست في الذي يؤول آيات الصفات وأحاديثها - وإن كان مذهب السلف أسلم وأرجح - بل في الذي ينكر الذات والصفات جميعًا. مشكلة المسلمين ليست فيمن يقول: استوى على العرش بمعنى (استولى) أو كناية عن عظمة سلطانه تعالى، بل فيمن يجحد العرش ورب العرش معا. مشكلة المسلمين ليست فيمن يجهر بالبسملة أو يخفضها أو لا يقرؤها في الصلاة، ولا فيمن يرسل يديه في الصلاة أو يقبضهما، ومن يرفع يديه عند الركوع أو الرفع منه أو لا يرفعهما، إلى آخر هذه المسائل الخلافية الكثيرة المعروفة. إنما مشكلة المسلمين فيمن لا ينحني يومًا لله راكعًا، ولا يخفض جبهته لله ساجدًا، ولا يعرف المسجد ولا يعرفه المسجد.

стр. 51

مشكلة المسلمين ليست فيمن يأخذ بأحد المذاهب المعتبرة في إثبات هلال رمضان أو شوال، بل فيمن يمر عليه رمضان كما مر عليه شعبان وكما يمر عليه شوال، لا يعرف صيامًا ولا قيامًا، بل يفطر عمدًا جهارًا ونهارًا، بلا خشية ولا حياء. مشكلة المسلمين ليست في عدم تغطية الوجه بالنقاب، واليدين بالقفازين، كما هو رأي بعض العلماء، بل في تعري الرؤوس والنحور، والظهور، ولبس القصير الفاضح، والشفاف الوصاف، إلى آخر ما نعرف مما يندى له الجبين. إن المشكلة حقًّا هي وهن العقيدة، وتعطيل الشريعة، وانهيار الأخلاق وإضاعة الصلوات، ومنع الزكوات، واتباع الشهوات، وشيوع الفاحشة وانتشار الرشوة وخراب الذمم، وسوء الإدارة، وترك الفرائض الأصلية وارتكاب المحرمات القطعية وموالاة أعداء الله ورسوله والمؤمنين. مشكلة الأمة المسلمة الحقيقية في إضاعة أركان الإسلام، ودعائم الإيمان، وقواعد الإحسان. فالواجب على دعاة الإسلام أن ينبهوا على التركيز على مواطن الاتفاق قبل كل شيء، وأن يرفعوا شعار (التعاون فيما نتفق عليه) فإن هذا التعاون فريضة وضرورة، فريضة يوجبها الدين وضرورة يحتمها الواقع.

стр. 52

خاتمة إن الخلل الذي نعاني منه في مجتمعنا الإسلامي لا يصلحه إلا التفاعل من خلال الحوار بعيدًا عن القهر وتأليب جانب على آخر، والسلطة السياسية يجب أن تمثل دور الوازع الذي يقف عند تهيئة جو الحوار الهادف، والذي يحترم حريات جميع الفئات، حتى وإن كانت متحفظة عليها، ولا يمكن أن نتخيل عدالة اجتماعية بدون استقلال فكري ومذهبي، نعم ولا بد من أدب في الحوار يحترم فيه صاحب السلطة. إن الأمم التي بنت حضارتها أوجدت أماكن مناسبة للمفكرين والمثقفين بالقرب من السلطة، واستفادت منهم في حركة النقد الهادف فأصبحوا عمادًا لها، ولم يكونوا حربًا عليها. فالكبت الفكري لا يضر المفكر والمثقف فقط، بل سيضرب في عنق النظام بعد أن يستفحل خطره، فزبد النصائح التي تبذل للمجتمع والنظم إن لم تجد طريقها إلى النور، ستجد طريقها إلى من يحملها في قالب عنيف ومفاجئ، فالفكرة المكبوتة قنبلة موقوتة.

стр. 53

إن منهج الجدل والحوار الإسلامي قادر على احتواء جميع الصراعات والاختلافات، فقد احتوى هذا المنهج الصراعات مع الأديان الأخرى وانتصر، واتسع فكيف لا يتحمل الحوار بين المسلمين؟ إن الفكر الديني المستنير هو ضرورة مهمة لأي بناء حضاري، ولن يكون هنالك فكر ديني مستنير إلا في ظل الحوار الإسلامي.

стр. 54

مصادر البحث * إحياء علوم الدين - لأبي حامد الغزالي. * الحوار (آدابه وضوابطه) - للزمزمي. * صحيح مسلم. * درء تعارض العقل والنقل - لابن تيمية. * سير أعلام النبلاء - للحافظ الذهبي. * الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم - للقرضاوي. * صفحات في أدب الرأي - للشيخ محمد عوامة. * فريضة الحوار - للدكتور عمر عبد الله كامل. * دائرة الفتنة وسبل الخروج منها - للدكتور عمر عبد الله كامل. * المتطرفون (خوارج العصر) - للدكتور عمر عبد الله كامل.